الشُّرْب بعدَ الشرب تِباعًا. يقال عَلَلٌ بعد نَهَل ".
° المعنى المحوري تكرار أو توال (يلزمه التراكم) مع رقّة ما (١) كتوالي ماء الغدير، وكالشرب بعد الشرب، وتعدد السَنام. والرقّة في هذا الأخير طرافته واستحبابه، والسَّنام كأنه كتلة شحم. ومن تراكم الرقة في الجوف "العِلَّة: المَرَض (ضعف في البدن ورخاوة يُبْرزها أن الضُمْرَ واشتدادَ اللحم صحّة) ومنه كذلك: "العَلَّات -بالفتح: الضرائر "كثرة من الزوجات يمسكهن رجل (تعدد مع رقة التنقل والاختيار). ومن الأصل: "العُلْعُل -بالضم: العضو لتكرار امتداده بعد ارتخائه. وهذا أعم قيود تسميته وأدقها [تنظر في ل].
ومن التكرار والتوالي تولد معنى التعليل "العلة: السبب " (لوقوع الشيء بعد سببه مرة بعد أخرى = كلما حدث أحدث ب).
стр. 1507
ومنه كذلك تولد معنى رجاء وقوع أمر بعد تمهيد أو لوجود ظرف أو توقع ذلك "عَلّ ولَعَلّ: طَمَعٌ وإشفاق وتَرَجٍّ وبمعنى عسى ". فكل ذلك من التوالي المأمول أي الأمل في حصول الشيء المرتجى ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] جاء في البحر المحيط هنا "لعل للترجي في المحبوب، وللإشفاق في المحذور اهـ وهذا عن المعنى اللغوي للكلمة. وأما عن العبارة فقال أبو حيان قال العسكري فيها هنا هي موضوعة موضع النهى يعني أن المعنى لا تبخع نفسك، وقيل وضعت موضع الاستفهام تقديره هل أنت باخع نفسك. وقال ابن عطية: تقرير وتوقيف بمعنى الإنكار عليه أي لا تكن كذلك "اهـ المراد. والإنكار هنا لمزيد الثفقة والعناية والحماية.
• (علو - على):
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]
"العِلاوة - كرسالة: أعلى الرأس، وما يُحْمَل على البعير وغيره وهو ما وُضِع بين العِدْلين. والعَلْياء -بالفتح: رَأسُ كل جَبَل. وعاليةُ الرمح: سِنَانه وما يليه (يوجَّه دائمًا إلى أعلى عند حمله). والعُلِّيَّة -كحُرِّيَّة، ويكْسر: الغُرْفة - وهي بيت يَفصِله عن الأرض بَيْتٌ (أي هي الطابق الثاني). وعُلْو كل شيء -مثلثة، وعاليه وعاليتُه وعُلاوته - كغرابة: أرْفَعُه. وعَاليةُ الوادي: حيث ينحدر الماء منه ".
° المعنى المحوري ارتفاع الشيء فوق شيء تحته أو أدناه -كما هو واضح في الاستعمالات المذكورة.
ومنه "علا الفرسَ: رَكبه، وفي الجبل والمكان - وعَلاه: رَقِيه. وكذا استَعْلاه
стр. 1508
واعْتَلاه ". وكل استعمالات التركيب ترجع إلى هذا العلو علوًّا ماديًّا مثل ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢، وكذا ما في الحجر: ٧٤، مريم ٥٧، طه: ٤، الصافات: ٨، ص: ٦٩، النجم: ٧]، ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ [الإنسان: ٢١]. فوقَهم: عليهم ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ ج عِلِّيّ في السماء السابعة في أعلى الأمكنة. . . أو علوًّا معنويًّا، أو صالحًا لهما. والسياق يبين. ومنه "علا فلان فلانًا: قَهَرَه، والعُلُوُّ: التكبر، والعظمة، والشرف. . إلخ ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]، ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٤]. وعَلِىَ -كفرح علاءً- كسحاب في المكارم والشرف: كعَلا.
واللَّه هو العَلِيّ المتعالى العَالِي الأَعْلى ذو العُلا والعَلاء والمعالي ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]: ارتفع فتنزه عن إفك المفترين ووساوس المتحيرين.
و"تعال "في النداء أصل معناها: اصعد إليّ. والسيرُ صعود كما يقال "اصْعَد "و ﴿سَمَوْتُ إليها﴾ ثم خُصِّص الأمر للنداء مع تعميمه في نداء المنخفض والمرتفع ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعُكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨].
و"على "حرف جر ومعناه استعلاء الشيء ﴿أنعمْتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ومنه "عليك: اسم الفعل بمعنى الزم كأنه تحميل ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
• (عول - عيل):
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]
стр. 1509
"العالَةُ: شِبْه الظُلّة يسويها الرجلُ من الشجر يستتر بها من المَطَر، والعالَةُ: النَعَامة: أي حاملةُ البَكَرة فَوْقَ البِئر. والمِعْوَل: الفأس العظيمة ينقر بها الجبال/ الصخْر ".
° المعنى المحوري رَفْعُ الثِقْل إلى أعلَى بنَوْع من التلطف أو الاحتيال/ كالظُلّة والنَعامة. ولعل تسمية المِعْوَل أصلها قَلْع السطوح الصلبة، أو الراسخة بالاحتيال بها والقَلْع رفع إلى أعلى.
ومن ماديّ الأصل "عَال الميزانُ يعولُ ويَعِيل: ارتفع أحد طرفيه عن الآخر (تأثرًا بثقل الآخر). وأعْوَل الرجل والمرأة، وعَوَّلا - ض: رفعا صوتهما بالبكاء والصياح " (يكون ذلك بضغط وهو من باب الثقل).
ومن معنويه: "عال الرجل أولاده عَوْلًا، وأعالهم وعَيَّلهم - ض: كفاهم ومانَهم وأنفق عليهم (كأنه يحملهم والعاقة تقول شالهم) وهم عيال. وعَال الرجلُ: كثُر عِياله " (الذين يحملهم) وبه فسر ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، وهو تفسير غريب وفسر أيضًا بالثقل أي أدنى ألا يَثْقُل عليكم العَدْل بينهن فتجوروا. ومنه كذلك "عالَني الشيء عَوْلًا: غَلَبني وثَقُل عليّ. وعَاله الأمرُ: أهمه. ومنه عَوّل عليه - ض: اتكل واعتمد/ حَمَل وأدلّ (ويفسر كله باحتمل عليه أي حمل نفسه عليه) وعَوِّل عليَّ بما شئت: استَعِنْ بي/ احْمِل عليّ ما أحببت " [ل ٥١٢] ومنه "عِيلَ صَبرُه أي غُلِب "- للمفعول. (أُثْقِل).
ومن ذلك "عَال الرجلُ: افتقر. . احتاج: (أُثقِل) يَعُول ويَعِيل " ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ والعَيلَة والعَالَة: الفاقة (ثِقَل حَمْل النفقة). ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨].
стр. 1510
• (علق):
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]
"العلق -محركة: الذي تُعَلَّق به البكَرة (البكرة -بالفتح وتحرك: خشبة مستديرة في وسطها محزٌّ للحبل وفي جوفها محور تدور عليه) من القامة (: خَشَبة قوية تمدّ عرْضًا فوق أعلى البئر يُعَلَّق بها العلَق المذكور). والبكْرة عَلَق أيضًا. والعِلاقة - كرِسالة: المعلاق الذي يُعَلَّقُ به الشيء كعِلاقة السَيف والسَوْط يعلَّق به إلى الوَتِد. وعَلِقَ الصيد في حِبالَته (فرح): نَشِبَ. والعُلَّيْقُ نَبْتٌ. وعَلِقَت المرأة: حَبِلت ".
° المعنى المحوري نشوب أو امتساك مع ارتفاع وغلظ ما كعَلَقَ البكرة وحبالة الصيد ينشب فيها الصيد. والسيفُ ونحوه يمتسك بالعِلاقة إلى الوتد في الحائط، ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. وما عدا هذه فكل ما في القرآن من التركيب هو (العَلَقة) المتحولة من النطفة لأنها تَعْلَق بجِدَار الرحم، وجمعها عَلَق. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، والدم الجامد المتماسك يسمى عَلَقة أيضًا. وعَلِقَت الإبل العِضَاهَ (وهو عِظام الشجر) (نصر) تسنَّمَتها ورَعَتْها (المقصود تطاولت إليها كالمُعَلَّقة لترعاها). ونبات العُلّيق يتعلق بالشجر.
ومنه معنويه "عَلِق المرأة (سمع): أحبها " (انشدّ وامتسك إليها).
• (علم):
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
"العلامة والعَلَم -بالتحريك: شيء يُنْصَب في الفلوات تهتدي به الضالّة. يقال لما يُبْنَى في جوادّ الطريق من المنازل يُستدلّ بها على الطريق: أعلام، واحدها
стр. 1511
عَلَم. المَعْلم: ما جُعل عَلَامة وعَلَمًا للطرق والحدود مثلُ أعلام الحرم ومعالمه المضروبة عليه. العَلَم: الجبل الطويل، والعَلَم: الراية التي يجتمع إليها الجند ".
° المعنى المحوري الدلالة والهداية -بمرتفع- إلى معنًى: اتجاه أو طريق أو حدّ أو غير ذلك. كما يدل العَلَم في الصحراء على الاتجاهات والطرق والمواقع (وكما يُتَّخَذ الجبل علمًا على مثل ذلك)، وأعلام الحرم كالأعمدة المنصوبة على حدوده أي هي تبين حدوده وهي كالعُمُد البالغة الغِلَظ راسخة ترتفع إلى نحو ثلاثة أمتار، وكما تدل الراية الجندَ على الموقع، والانتماء فيجتمعون عندها. ومنه "العَلَم: الفصل بين الأَرْضين " (فيه دلالة على أن هذه حدود ملك فلان مثلًا، والمعتاد أن يكون حجارة منصوبة ولكن ربما لا تكون بالغة الارتفاع).
ونُوَثِّقُ جزئيات معنى هذا التركيب، لأنه يؤخذ منه معنى العِلْم.
أ) فأما عن الارتفاع فهو ارتفاع تراكمي قوي المادة، فقد عبروا عن العَلَم بأنه (يُبنَى)، وأنه يُنْصَب أي يقام ويرفع. وفي الفلوات لم يكن يتأتى الرفع اللافت إِلَّا برَكْم حجارة كثيرة بعضها على بعض حتى ترتفع. جاء في [ل أرم] و "الإِرَم - كعنب: حجارة تُنْصَب عَلَمًا في المفازة. .، الآرام الأعلام وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة يُهْتَدَي بها واحدها إرم كعنب. . وكان من عادة الجاهلية أنهم إذا وجدوا شيئًا في طريقهم ولا يمكنهم استصحابه تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه "الإِرَم والأَرِم (أي كعنب وكَتف): الحجارة، والآرام: الأعلام " (ووضع العلامة على اللُقَطَة وظيفة أخرى من جنس الأولى ولكن الأُولى (الاهتداء للطرق والاتجاهات) هي المقصودة هنا وهي الأهم، والأخيرة متفرعة عنها).
стр. 1512
ب) كون ذلك التراكم دالًّا أي لافتًا إلى معنى هو الذي يحقق الهدف من هذه الآرام أو الأعلام. فلا بد أنهم حرصوا على أن تكون لافتة بارتفاعها حتى تُرَى من بعيد ولا تخفى، وبهيأة إقامتها حتى لا يظن أنها من الأحجار التي تبدو عشوائية في الصحراء، كما لا بد أنهم كانوا يراعون مواقعها بالنسبة للطرق والاتجاهات بحيث يتضح أنها دالّة.
ج) كون ذلك التجمع التراكميّ مقصودًا به أن يكون ثابتًا ضروريٌّ أيضًا لأنه لا يتأتى افتراض أنهم يقصدون غير ذلك والحال أنها في وسط مجاهل الصحراء لا تتاح فرصة إقامتها كل حين.
د) كونه قويًّا واضحٌ في أنه من صخر وحجارة تتسق معًا حتى ترتفع.
ومما يدخل في معنى التراكم الدالّ من استعمالات (علم) "العَيْلَم: البئر الكثيرة الماء. . وقيل الواسعة، والعيلم البحر (فيها دلالة على عدم نفاد الماء) والعيلم التَارّ الناعم " (تجمُّع للشحم وهو حدّة وقد يستدل به على القوة أو التنعم) أما "العيلام: الضِبْعان وهو ذَكَر الضباع "فلعله لقوته أو ضخامة بدنه، و "العَلْماء: الدرع "لأن بدن الفارس يحشوها وهي تحيط به. و "العُلام - كرخام: الصقر " (قوي يصل إلى ما يصيده من الطيْر خطفًا من أعلاه).
ثم إنهم عمموا استعمال اللفظ في كل ما يَدُلّ على شيء ما "العَلَم: العلامة "أي على أي شيء "العلامة: السِمة. (وهي تدل على ملكية البعير) والعُلّام - كتفاح: الخِنّاء ". (تلفت إلى جمال الكفّ)، و "مَعْلم كل شيء مَظِنَّته (أي مكان وجوده)، واعتلم البرق: لمع في العَلَم (أي سطع على الجبل أو الإِرَم) والعَلَم: رسم الثوب، وعَلَمُه: رَقْمه في أطرافه ". ومثل هذا الأخير "العَلَمَة الشق في
стр. 1513
الشفة العليا للجمل "فكل منهما مجرد أثر ظاهري.
ومن ذلك المعنى المحوري أخذ معنى العِلْم وهو "الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع " [تاج] فكونه اعتقادًا هو أنه مَعْنًى أو حكم تربّى في القلب أخذًا من دلالةٍ أو لافتٍ قوي أو حجة قوية، وكونه جازمًا يؤخذ من قوة اللافت، وكونه ثابتًا يؤخذ من ثبات اللافت واللَفْت، وكونه مطابقًا للواقع يرجع أيضًا إلى قوة اللفت ودقته.
والذي جاء في القرآن الكريم من التركيب هو:
أ) الأعلام: الجبال ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢]: الجبال.
ب) العلَم والعلامات ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] في قراءة للأعمش شاذة، ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، وصفًا للرَّوَاسِى في الآية السابقة لهذه.
ج) العِلْم الذي هو ضد الجهل، ويؤخذ من الأصل اتساع معنى العلم ليشمل أنواعًا. وقد جاء في [ل] "عَلِمْت بالشيء: شَعَرْت به. ويستعمل بمعنى المعرفة ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وبمعنى ما يتكون في القلب من حكم على الشيء ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤءْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وقد سبق الفرق بين العلم والمعرفة في (عرف). وقول أبي حيان [١/ ٤٦٦] "المعرفة العلم المتعلق بالمفردات ويسبقه الجهل بخلاف أصل العلم فإنه يتعلق بالنِسَب، وقد لا يسبقه الجهل، ولذلك لم يوصف اللَّه تعالى بالمعرفة، ووصف بالعلم "إضافة
стр. 1514
جيدة ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]: أنك خِيرتُه من خَلقه، وأهل لإنزاله عليك لقيامك بكل حقوقه. أو بعلمه بما يحتاج إليه العباد [وانظر بحر ٣/ ٤١٥].
ومنه "العالَم: الخَلْق كله أي أن معناه هو جميع المخلوقات. قالوا: ولا واحد للعالم من لفظه، لأن (عالمًا) جمعُ أشياء مختلفة. فإن جُعِل (عالمٌ) اسمًا لواحد منها صار جمعًا لأشياء متفقة. والجمع عالَمون ولا يجمع شيء على فاعَل بالواو والنون إِلَّا هذا [ل ٣١٥] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قال ابن عباس: رب الجن والإنس. وقال قتادة: رب الخلق كلهم. قال الأزهري: الدليل على صحة قول ابن عباس قوله ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وليس النبي ﷺ نذيرًا للبهائم ولا للملائكة وهم كلهم خلق اللَّه، وإنا بعث ﷺ نذيرًا للجن والإنس. ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧، ١٢٢، وكذا ما في الأعراف: ١٤٠، الجاثية: ١٦] في [بحر ١/ ٣٦٤] أي عالَمِي زمانهم، أو على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. ويدفع هذا القولَ الأخير قوله تعالى لأمة محمد ﷺ ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. . . قال القشيري: أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهم، وأشهد المسلمين فضل نفسه هو سبحانه فقال ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وشتان بين مَن مشهوده فضلُ ربه، ومن مشهوده فضل نفسه. فالأول يقتضي الثناء، والثاني يقتضي الإعجاب. اهـ. وأضيفُ أن اللَّه تعالى قال ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:
стр. 1515
٨٦] فإسماعيل -وهو جد النبي سيدنا محمد ﷺ ، وجدّ العرب- مفضل على العالمين وحفيده سيدنا محمد ﷺ أفضل الخلق على الإطلاق، وأمته قال اللَّه لها ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
أما عن سر التسمية بلفظ عالَم فقد قال الزمخشري: "العالَم اسم لذوي العِلْم من الملائكة والثقلين (الجن والإنس)، وقيل (لكل) ما عُلِمَ به الخالق من الأجسام والأعراض "أي أن العلة هي أنهم من أهل العلم أو أن اللَّه يُعْلَم بهم أي يُسْتَدَلّ بهم على أنه موجود قادر حكيم عليم.
وكل ما في القرآن من التركيب هو العِلْم والتعليم وما إليهما، ثم العالمين والأعلام والعلامات. وقوله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أولو العلم هنا تشمل الأنبياء والموفقين من العلماء باللَّه تعالى الذين تتجلى لهم حكمته في كل ما يجريه في ملكوته فيشهدون [وفي بحر ٢/ ٤٢٠] أن أولي العلم علماء المؤمنين، ومن كان من البشر عالمًا.
• (علن):
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩]
"علن الأمر (قعد. فرح): شاع وظهر. واعتلن، وعلّنه - ض، وأعلنه وأعلن به: أظهره ".
° المعنى المحوري ظهور ما كان خفيًّا في الباطن أي خروجه منه مع انكشاف وإشهار ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ [إبراهيم: ٣٨]، ﴿أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٩]. وكل ما في القرآن من التركيب قرن فيه ذكر
стр. 1516
(العلانية) بذكر ضدها الخفاء أو الإسرار.
° معنى الفصل المعجمي (عل): نوع من التراكم أو الارتفاع الذي يلزمه - كما في تكرار الشرب وتكرار الزواج -في (علل)، وفي العِلاوة ما يحمل على ظهر البعير بين العِدْلين -في (علو - على)، وفي العالة: الظلة وهي مرتفعة فوق من تحتها، وكذلك العالة النعامة وهي التي توضع فوق البئر لتحمل البكرة فهي عالية وتمكّن من كثرة حمل البكرة ورفع الماء -في (عول عيل)، وعلوق الشيء بالشيء تراكم وارتفاع -في (علق)، وكالعلامة دلالة على الشيء (من أعلى) -في (علم). وفي ظهور الصوت والشيء - والظهور ارتفاع -في (علن).
العين والميم وما يثلثهما
• (عمم):
﴿أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]
"اعْتَمَّ النبتُ: التفَّ وطال. نخلة عَمِيم ونَخيل عُمّ -بالضم: تَامَّة في طولها والتفافها. جسمٌ عَمَم -محركة: تائم. العَمّ -بالفتح: الجماعةُ الكثيرة، والعُشْبُ كله، وكل ما اجتمع وكثر عميم. العَمَاعم: الجماعات المتفرقون.
° المعنى المحوري كثرة أو اجتماع مع ارتفاع والتحام عُلْوِيّ (١) كالنبت
стр. 1517
والنخيل الملتف، والجسم التام، والعشب يُلْحَظ منه مع ارتفاعه اتساعُ أعلاه أي التحامُه مساحةٌ واسعةٌ. وجماعةُ الناس تبدو كتلة مرتفعة السَمْك ملتحمة الأعلى باتساع.
ومن صور التحام الأعلى واتساعه يتأتى معنى التغطية من الأعلى "العِمامة: ما يُلَفّ على الرأس، والمِغْفَرُ، والبيضةُ ". ويتأتى معنى الشمول "عَمّ القومَ بالعطية: شَمِلهم ".
أما العم أخو الأب فإنه يمثل كثرةً واتساعًا في طبقة الأب مع العلو أيضًا لأن طبقة الأب والعمّ أعلى من طبقة أبنائهما ﴿أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
стр. 1518
• (عمى):
﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤]
"العَماية والعَماءة - كسحابة: السَحابة الكثيفة المطبِقة. ولقيته في عَمَاية الصبح: أي ظُلْمَته قبل أن أتبينه ".
° المعنى المحوري احتجاب الرؤية بطبقة كثيفة فوقية عامّة أو واسعة: كالسحابة المطبِقة وظلام الصبح المذكور. ومنه "عَمَى الموجُ يَعْمِى (كبكى): رَفَع القذَى والزَبَدَ في أعاليه (طبقة فوقية)، وعَمَى البعيرُ بِلُغامه (رغوة يخرجها): هَدَر فرَمَى به على هامَته ". ومنه "الأعمَى: ذاهبُ البَصَر كله (كأنَّ ظاهرَ وجهه ملتحمٌ، أو على فتحتَيْ عينيه غطاء. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الإنعام: ٥٠] وعَمِىَ عليه الأمرُ (تعب): الْتَبس " (كأنما تَغَشَّى فخفى) ﴿فَعَمِيَت عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ﴾ [القصص: ٦٦]، ﴿فَعُمِيَتْ عَلَيْهِمُ﴾ [هود: ٢٨]. واستُعمل العَمَى في الضلال والجهالة أخذًا من عَمَى البصر الذي يحجب الرؤية -أو من الأصل. ومنه "الأَعْمَاء من البلاد: المَجاهل. والمَعَامِي: الأَرَضُون المَجْهولة الأغفال ليس بها عمارة "أي هي بلا معالم أو أن المرء يَعْمَى بها: يَجْهَلها ولا يهتدي فيها سبيلًا لعدم المعالم فيها. وكل ما في القرآن من التركيب هو من عَمَى البصر والأعمى وجمعه، وسائره من احتجاب الأنباء والرشد. والسياقات واضحة.
• (عوم):
﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]
"العامَة - كهامَة: الطَوْف الذي يُرْكَب في الماء/ هَنَةٌ تُتَّخذ من أغصان الشجر ونحوه يُعْبَر عليها النهر وهي تَموج فوق الماء. والعَامَة: كَوْرُ العمامة. عَامَ
стр. 1519
في الماء عَوْمًا: سبح ".
° المعنى المحوري طَفْوٌ باتساع مع جَرَيان ونحوه إلى غاية. كالعَامَة من شاطئ لشاطئ. وكَوْر العمامة يدور حول الرأس مرة بعد أخرى.
ومن ذلك جاء "العامُ: الحول " (مسافة زمنية لا نشعر شعورًا حسيًّا بمرورها كأنها فَوْقية (أي من الطفو) ويدُور)، وقد سمي حولًا من الدور أيضًا. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]. ولم يأت في القرآن من التركيب إِلَّا العام ومثناه. وما يلفت هنا:
أ) أنهم اشتقوا من العام استعمالات كثيرة ترجع إلى العام الحول. تنظر في [ل].
ب) توحيدهم بين العوم والسّبْح. وقد ذكر الزمخشري أن العوم الجري في الماء مع الانغماس، والسبح الجري فوقه من غير انغماس. وهو فرق جيد.
ج) تسويتهم بين العام والسنة في أنهما يقالان في الجدب [ينظر عوم] لكن أصل معنى السنة يؤيد أنها الأنسب للاستعمال في الجدب.
• (عمد):
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]
"العَمُود والعِمَاد - ككتاب: الخشبة التي يَقُوم عليها البيت. عَمَدت السقف بالأساطين المنصوبة، وعمَدت الحائط: دعَمته/ أَقمتُه بعماد يعتمد عليه. وعَمُود السنان: ما توسط شَفْرتيه من عَيْره الناتئ في وَسَطه. وعمود الأُذن ما استدار فوق الشحمة؛ وهو قِوام الأُذن التي تنبت عليه، ومعظمها. وعَمُود اللسان: وَسَطُه طُولًا. وعَمِدَتْ الأرضُ (تعب): رَسَخ فيها المطر إلى الثرَى حتى إذا قَبَضْت عليه في كفك تَعَقَّد وجَعُد ".
стр. 1520
° المعنى المحوري شديد يمتد في أثناء الشيء فينتَصِب به الشيء (أي يقوم أو يتماسك). كعمود البيت أو السقف، والحائط، وكعَمُود السنان والأذن واللسان. ونظر في رسوخ المطر إلى أنَّه يُعَقد الثرى فيتماسك أي أنَّه فيه جزء المعنى الأصلي.
ومما يصلح للحسي والمعنوي من هذا "اعْتَمد على الشيء: اتكأ عليه ".
ومن الشدة في الأثناء (بمعنى الألم والتعب الذي يسري في أثناء البدن فيوتّره ويفقده مرونة الحركة والنشاط للعمل) "عمَده المرض (ضرب): أضناه. عَمَدَه حُصْرٌ وأُسْرٌ: فَدَحَه واشتد عليه. ما يَعْمِدُك: ما يُوجِعك؟ ما عَمَدك: ما أحزنك؟ "ومنه مطاوعةً "عَمِدَ البعير (تعب): تَفَضَّخَ داخلُ سَنامه (أي عَمُود السنام الذي ينصبه) من الركوب فورِم. . وظاهره صحيح " (فهذا من الورم وألمه - إصابة العمود) و "العِمْدة -بالكسر الموضع الذي ينتفِخ منه سَنامه وغاربه. وعَمِد عليه (تعب) غَضِب "فالغضب والحزن والألم كلها مشاعر شديدة تمتد في الباطن أو النفس (١).
فمن عَمْد البيت بالأعمدة ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢ وكذا ما في لقمان: ١٠] جمع عَمود قال في [بحر ٥/ ٣٥٠] إنها اسم جمع، ثم [في ٥/ ٣٥٣ - ٣٥٤] ما خلاصته أن التعبير يحتمل أنَّها بلا عمد، وأنها بعمد لا تُرَى. وأن العمَدَ التي لا ترى، والرفع بلا عمد يعودان إلى أنَّها ممسَكة بالقدرة الإلاهية. اهـ. وأضيف أن علماء عصرنا يقولون إن الجاذبية بين الكواكب
стр. 1521
والنجوم بعضِها وبعض تمسك كلًّا في موقعه بالنسبة لغيره. أقول وهذا يصلح أن يكون تفسيرًا للعَمَد التي لا تُرى. وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧] جمع عمادة أي الأبنية الرفيعة/ ذات الطول/ ذات الأبنية المرفوعة على العَمَد/ ذات القوة والشدة [قر ٢٠/ ٤٥] وكلٌّ صالح لغويًّا. ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨، ٩] أي مطبقة عليهم بأطباق مشدودة بأوتاد هي العَمَد الممدَّدة وفي بمعنى الباء [قر ٢٠/ ١٨٥].
ومن الشدة الممتدة في الباطن ويُقصَد بها إقامة الشيء جاء "العَمْد: ضد الخطأ أي شَدّ القلب أو جمع العَزْم على قَصْد إقامة شيء أو إيجاده ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] صَمَّمَت وعزمت. ﴿وَمَنْ يَقتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِدًا﴾ [النساء: ٩٣]. وليس في القرآن من التركيب إلَّا العَمَد والتعمد.
ومن المجاز "العَمُود والعِمَاد، والعُمْدة والعُمْدان رئيس العسكر، والعميد: السيد المعتمد عليه في الأمور ".
• (عمر):
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]
"العَمْر -بالفتح: لحم من اللثة سائل بين كل سِنَّيْن "خَشِيتُ على عُمُوري ": منابتِ الأسنان واللحمِ الذي بين مغارسها. والعَمِيرُ: الثوبُ الصفيقُ النَسْج القويُّ الغَزْل الصبورُ على العمل. والعَمَران -بالتحريك: طَرَفا الكُمَّيْن. والعَمِيرة: كُوَّارَة النحل " (شيء يتخذ للنحل من القضبان ضيق الرأس -كأنه نوع من خلايا النحل).
стр. 1522
° المعنى المحوري شغل فراغ الأثناء بمناسب يثبِّتها أو يبرز نفعها ويديمه. كالعُمُور بين الأسنان، واليَدَيْن في الكُمَّين، والثوب الصفيق بكثافة خيوطه فيه، والنحل في الكُوَّارة. ومن مادّى هذا "العَمَار - كسحاب وسحابة: كل شيء عَلَى الرأس من عِمامة أو قلنسوة أو تاج أو غيره. (الرأس يدخل في فراغها) والعِمَارة - كرسالة: الصَدْر (وعاء لأهم أجهزة البدن) والعَمْر - بالفتح: حَلْقة القُرْط العليا (عالقة في ثقب الأذن) وعَمَرَ المالُ (قعد): صار كثيرًا وافرًا (فدَامَ - امتداد زمني) وأعْمَرَ عليه: أغناه، والمَعْمَر - كمسكن: المنزل/ المنزل الكثير الماء والكلأ والناس (وجود دائم في أثناء) وكحَسّان: المجتمِعُ الأمر اللازمُ للجماعة. والعَوْمَرة: الاختلاطُ والجلبة وجَمْعُ الناس وحبْسُهم في مكان ".
ومن ذلك "عَمَر المنزلَ: سكنه، وبيتَه: لَزِمه " (شغل فراغه وأقام فيه) ومنه "العُمْرة -بالضم: أن يبنى الرجل بامرأته في أهلها (من بقائها في بيت أهلها أو من دخول زوجها معهم) - فإن نقلها إلى أهله فذلك العُرْس، وكسحابة ورسالة: العَشِيرة: أصغر من القبيلة " (وهم دائمًا معًا) وقالوا: لالتفاف بعضهم على بعض (٨٤) وهو ما قناه (وانظر عشر).
ومَلْء الفراغ بسده أو الإقامة فيه استغلال له وتحصيل لفائدته. ومن هذا تؤخذ العِمَارة بمعنى (تشغيل) الشيء العاطل أو المهمل لتحصيل فائدته ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]، ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] وأسكنكم أو أمركم بعمارتها [قر ٩/ ٥٦] وهذا المعنى لم تذكره المعاجم. وقد ذكر صاحب "متن اللغة "أن العامة تقول: عمّر - ض: بمعنى بَنَى، والعمَّار =
стр. 1523
كشداد؛ الباني. وقال إن هذا لم يسمع في الفصيح، وإن صاحب الشفاء أجازه. وأقول إنه معنى صحيح في ضوء تحليل التركيب.
ومن ذلك "العَمْر -بفتح، وضم، وضمتين: الحياة، (الوجود والبقاء بين الناس - مدة البقاء وشغل مكانه على ظهر الأرض وبين الناس) ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] العَمر -بالفتح هو العُمر -بالضم فُتِح في القَسَم لكثرة الاستعمال وهو هنا قسم بحياة نبينا ﷺ أو بحياة لوط ﵇، لأن القرية في أثناء قصته [قر ١٠/ ٣٩ - ٤٠]. وقد جاء العُمر -بالضم وبضمتين- بمعنى مدة الحياة في آيات كثيرة منها ﴿حَتَّى طَالَ عَليَهِمُ الْعُمُرُ﴾ [الأنبياء: ٤٤]. وعمَّره اللَّه - ض: أبقاه زمنًا طويلًا أي عُمْرًا طويلًا. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ معَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١ وكذا ما فيها ٣٧، والبقرة: ٩٦، يس: ٦٨] عَمَره اللَّه (نصر): أبقاه وأطال حياته [الوسيط].
ومنه "العُمرة: الزيارة " (الوجود في البيت أو في حرمه) ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ويقال "عَمَر الرجلُ ربه (نصر): عَبَده وصلى وصام (. . تولاه ودخل في كنفه وشغل وقته بعبادته) والعُمر -بالضم: المسجد والبِيعة والكنيسة (مكان اجتماع وصلاة).
وقوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، وكذلك (يعمر) و (عمارة) في الآيتين التاليتين لهذه: أي لا يستقيم ذلك. فإن أبا حيان ذكر احتمالات ثلاثة لمعنى عمارة المساجد - وفي الصدر منها المسجد الحرام: دخول المسجد والقعود فيه والمكث، أو رفع بنائه وإصلاح ما تهدم منه، أو التعبد فيه والطواف به والصلاة [بحر ٥/ ٢٠، ٢١]
стр. 1524
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] بيت في السماء إزاء الكعبة، وعمرانه كثرة غاشيته من الملائكة [ينظر قر ١٧/ ٥٩ - ٦٠]. ولم يبق من الكلمات القرآنية من التركيب إلَّا ﴿عِمْرَانَ﴾ و ﴿آلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣] في [بحر ٢/ ٤٥٣] أنَّه ابن ماثان من ولد سليمان. وهو والد مريم أم عيسى ﵈.
أما "العمار - كسحاب؛ الرَيْحَان يُزَيَّن به مجلس الشراب وَيُحَيَّا به الداخلون "فهو رمز الوجود معًا. هذا، وفي "المنجد والوسيط ""عَمَر الدار: بناها "ولم أجده في غيرهما. وهو استعمال له وجه في أصل معنى التركيب.
• (عمق):
﴿. . . . وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
"بئر عَمِيقة: بعيدةُ القَعْر. والعُمْق -بالضم والفتح: قَعْر البئر والفَجّ والوادي. والأعماق: أطراف المفاوز البعيدةُ ".
° المعنى المحوري بُعْدُ قَعْر باطنِ الشيء أو بُعد امتدادِ غئوره. كأعماق تلك الفَجَوات والبئر والفج والوادي. ومنه (الفَجّ العميق: الممتدُّ البعيدُ النهاية ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (والمقصود أطراف الأرض البعيدة) ومنه "أعماق الأرض: نواحيها " (غايات امتدادها) "ولى في الدار عَمَق "-بالتحريك: أي حق " (جزء من أصلها، وأساسها). عمّق النظر في الأمر - ض، وتعمق: طلب أقصى غاية الشيء " (باطنه).
• (عمل):
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
стр. 1525
"عامل الرمح: صدرُه دون السنان. استعمل البنَّاء اللبِنَ: بَنَى به. طريق مُعْمَل كمُكْرمَ: لْحبٌ مَسْلُوك. وشراب مُعْمَل: فيه لَبَنٌ وعَسَل وثَلْج. وعوامل الدابة؛ قَوَائمه. والعَمَلة -بالتحريك: القوم يعملون بأيديهم ضُروبًا من العمل في طِين أو حَفْر أو كيره. والعوامل: بَقَر الحرْث والدياسة. العَمَل الفعلُ باليد من زراعة وتلقيح وسقي ".
° المعنى المحوري جهد مادّي (من حيّ أو جماد) يؤدي إلى إحداث شيء أو هيأة أو نقلة إلخ - كعامل السنان يَعْمِده ويَدْعَمه في اندفاعه لمخالطة الضريبة، وكقوائم الدابة تحركه إلى مكان (آخر)، وكالشراب المخلوط هو من صنع الإنسان وليس طبيعيًّا، وكالطريق المُعْمَل صُيّر على هذه الصفة بكثرة السالكين، وكالعَمَلة بأيديهم في الطين والحفر، وكذلك الزراعة والتلقيح والسَقْي، وكل ذلك لاستحداث أمور مادية أو تحصيل جديد. ومنه: "عَمِل البرقُ (فرح): دام " (البرق يخالط السحاب والجو وتردد سطوعه من وراء السحاب كالحركة النشطة ويعطي صورة غريبة). ومن هذا: "عامِل الزكاة: الذي يستخرجها ويجمعها "-كما يسمى الساعي: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]. ومن مباشرة العمل جاء في القرآن الكريم ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
هذا وقد جاء في [كليات الكفوي ٦١٦] أن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح و (عمل) لما كان مع امتداد زمان نحو ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] وكذا ما في [الأنبياء: ٨٢] وأن العمل لا يقال إلَّا في ما كان عن فكر وروية ولهذا قُرِن بالعلم
стр. 1526
اهـ ببعض الزِّيادة. وأضيف أن الملحظ الأخير عن الفكر والروية كأنه متمم أو لازم لملحظ امتداد زمن العمل. كما أضيف أن مما يؤيد ملحظ الامتداد هذا أننا نسأل الشخص عن حرفته فنقول له ما عملك؟ والعرب تقول "رجل عَمُول: إذا كان كسوبًا. وفلان خبيث العِمْلة -بالكسر- أي الكسب (السعي الذي يحصّل منه رزقه).
ويمكن أن نجمل خلاصة هي أن تركيب (عمل) يعبر عن الجهد المادّي وتأثير الأشياء بعضها في بعض، ويعبَّر به عما لَهُ امداد، ووراءه فكر. وقد جاء منه في القرآن الكريم نحو ٣٥٠ مفردة بالمكررات، منها نحو ٨٠ لأداء عمل صالح و ١٦ مرة لأداء عمل سيئ، و ٢٥٠ مرة لمطلق العمل. فالراجح أنَّه عامّ بمعنى أنَّه صالح للتعبير به عن أي نشاط، يستوفى ما ذكرناه.
• (عمه):
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]
"أرض عَمْهاء: لا أعلام بها ".
° المعنى المحوري خلوّ الشيء من أثر مميز (الخلو من التمييز والبيان أو الهداية). كالأرض المذكورة. ومنه قيل "عَمِه (تعب): تحير مترددًا لا يهتدي لطريقه " (استوى أمامه الأمر لا تبدو معالمه) "وذهبت إبلُه العُمَّهَى كسُمَّهى وخُلّيْطَى: إذا لم يدر أين ذهبت " (استوت احتمالات الجهات التي يتأتى أن تذهب إليها).
﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] أي يترددون حيارى ضُلَّالًا [طب ١/ ٢١٠] وقد اقترن الفعل (يعمون) بالطغيان في خمس آيات، وبالسكرة في
стр. 1527
آية وبالتزيين في الآية الباقية، مما يدل على فقد العَمِه التبصر والتنبه.
° معنى الفصل المعجمي (عم): هو الالتحام العلوي أي التجمع مع علو أو في أعلى كما يتمثل في النبت المعتمّ والنخيل العُمّ أي التامة الطول والالتفاف -في (عمم)، وفي التحام ثُقْبَي عيني الأعمى -في (عمى)، وفي الطفو مع الجريان أو الوصول -في (عوم)، وفي تجسم جرم البيت والحائط واللسان التي يَعْمِدها (ينصبها أو يشدها) ما ينفُذُ في أثنائها من عمود أو نحوه -في (عمد)، وفي الأسنان والدار التي تُشْغَل أثناؤهما -في (عمر)، وكالذي يعلو قاع البئر والفج والوادي -في (عمق)، وفي المواد التي تُجْمع وينشأ منها شيء أو هيأة لم تكن -في (عمل)، وكالأرض الممتدة بلا معالم -في (عمه).
العين والنون وما يثلثهما
• (عنن - عنْ):
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
"عنّ الشيءُ يَعُنُّ: ظهر أمامك ". "العَنَان - كسحاب: السحابُ وقيل العَنَان التي تمسك الماء. وأعنان السماء: نواحيها/ صفائحها وما اعترض من أقطارها/ ما عنّ لك منها إذا نظرت إليها أَيْ ما بدا لك منها. وعَنان الدار: جانبها الذي يعُنّ لك أي يَعْرض "وحقيقة الأعنان: النواحي. العُنَّة: الاعتراض بالفضول. العُنُن: المعترضون بالفضول. رجل مِعَنّ: يعرض في كل شيء ويدخل في ما لا يعنيه، وامرأة مِعَنّة: تعتن وتعترض في كل شيء. لقيه عَيْنَ عُنّة أي اعتراضًا في الساعة من غير أن يطلبه. أعطاه ذلك عين عُنّة أي خاصة من بين أصحابه. عَنّ الرجل عَنًّا وعَنَنًا: إذا اعترض لك من أحد جانبيك من عن يمينك
стр. 1528
أو من شمالك بمكروه ".
° المعنى المحوري اعتراض الشيء في المواجهة -مع حبس أو احتباسٍ ما- دون أساس أو توقع (١): كاعتراض السحاب، أي انبساط رقعته في الأفق أمام
стр. 1529
الناظر، والاحتباس هنا هو ثباته في اعتراضه هذا حينا، وكذلك صفائح السماء (= مساحاتها العريضة) في كل جانب، وجانب الدار. وعدم الأساس أو التوقع يتمثل في ظهور العنان السحاب لغير سبب مَرْئيّ أو توقيت موثوق به لدى عامة العرب القدماء في باديتهم. و "عَنان الدار "خال من هذا القيد. لكن هذا القيد مصرَّح بمعناه في قولهم "بالفضول ""يدخل في ما لا يعنيه ""من غير أن يطلبه ""خاصة من بين أصحابه " (فكل هذه التعبيرات تعني فقد أساس الاعتراض والاختصاص، وكذلك لأنه خلاف الأصل)، وكذا الذي يأتي من الجانب هو غير متوقع. والاحتباس في هذه الاستعمالات يتمثل في تعويق المعترض.
ومن الاعتراض دون أساس مستوعَب عند العامة "العَنَن -محركة: اعتراض الموت " (كأنه تسمية بالمصدر وهو يعترض مسيرة كل حيّ فيقطعها) "والمِعَنّ: الخطيب " (لأنه يتعرض لموضوعات شتى عادة ولعلها -عند الناس- لا تعنيه) "والعِنِّين - كسِكِّير: الذي لا يأتي النساء ولا يريدهن "قالوا "لأن عضوه يعن لقُبُلها عن يمينه وشماله "أي فلا يستقيم لينفذ. واستعمل اللفظ بالتاء للتي لا تريد الرجال - تعميمًا، "والعُنة -بالضم: الحظيرة تكون على باب الرجُل فيكون فيها إبله وغنمه " (أي أمام عينيه) أو "لتتدرأ بها من برد الشمال " (أي هي يُعْتَرَضُ بها الهواء البارد) "والعُنّة -أيضًا: ما يجمعه الرجل من قصب ونبت ليعلفه غنمه " (فهذه إما لأنه يجمع ما يَعُنّ له أي يعترض ويصادف مما يَصْلُح عَلَفا، وإما لأنها تكون بعد الجمع معترضة تحت عينيه أي متاحة) وكذلك "العُنّة: ما تُنْصَب عليه القِدْر " (الأثافي أو المِنصب الحديدي - وهو معترض أي متاح ثابت) و "شركة العِنان: شركة في شيء خاص دون سائر أموال الشريكين،
стр. 1530
كأنه عنّ لهما شيء أى عَرَض فاشترياه واشتركا فيه ". وأما "عِنان الدابة: السير الذي تمسك به "فسميته "لاعتراض سَيْريه على صفحتي عنق الدابة من عن يمينه وشماله "ولضبطه الدابة (أي حبسها وقصرها على ما يعنّ لصاحبها وهو ما عبر عنه بإمساكها) "وعنّنَتْ المرأة شعرها أي شَكَّلته " (جعلته ضفيرتين من مقدم رأسها عن يمينه وشماله -أي كالعنان).
و (عن) التي هي حرف جر أصلُ معناها المجاوزة، وهي من معنى الظهور المصرح به في "عَنَّ الشيء: ظَهَرَ أمامك "وفي المعنى المحوري اعتراض الشيء أمامك، وكان أصل ذلك في مثل "سافر عن البلد "أنَّه كان يغشى بعض ظاهر البلد أي معترضًا (متاحا/ موجودًا) عليه فسافر، وكذلك رميت السهم عن القوس "فالسهم كان في القوس معترضًا أي متاحًا فيها وهكذا. ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي غط وأذهب وَضَر الذنوب الذي يَعْرُونا. وتأتي بمعنى (بَعْدَ) ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]. وللبدل -كذلك- ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]. والتعليل (من البعدية) ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ [التوبة: ١١٤]
• (عنو - عنى):
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].
"العاني: السائل من ماء (رشحًا من قربة) أو دَمٍ. عَنَت القربة بماء كثير (تعنو): لم تحفظه فظَهَر. وقال في الخمر: ﴿وعَنَّتْها الزِقَاقُ وقارُها﴾ أي حَبَسَتْهَا (زمنًا طويلًا) (١) زقاقها بما فيها من قار (= زفت). العنِيَّة - كهَدِيَّة: أخلاط من
стр. 1531
بول وبَعَر تُحبَس زمانًا في الشمس ثم تعالَج بها الإبل الجَرْبَى. عَنُّوا بالأصوات - ض: احبِسوها وأَحْفُوها " (١).
° المعنى المحوري احتباسٌ قوي مع ظهور أثر للمحتبس - كالماء المحبوس في القِربة ينضح منها، وكدَم البَدَن، وكالخمر في الزقاق، وظهورها أنها تُبْزَل من الزِقاق أي تؤخذ قليلًا قليلًا لتُشْرب، وكالأخلاط تُحْبَس زمنًا وتَظْهر هي أو المقصود ظُهور أَثَرها، وكمحاولة إخفاء الأصوات في أثناء المعركة مع ظهور شيء منها ولا بد. ومن ذلك "أعناء السماء نواحيها واحدها عِنْو "-بالكسر. (دائمةٌ في الأفق أمام الناظرين كأنها محبوسة في مواقعها مع ظهورها). أما "الأعناء من الناس: الأخلاط من قبائل شتى "فهم محبوسون مشدودون بانتماءاتهم غير المحدَّدة - مع ظهورهم في التجمع، ومن ذلك "العانِي: الأسيرُ، والعَبْد "فهما محبوسان في حوزة الآسر والمالك مع ظهورهما أي تحرِّكهما. "عَنَا الرجلُ: ذَلّ لك واستأسر. وعَنّيتُه - ض: أَسَرْتُه وحبسته مضيَّقًا عليه. ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ ذلَّت وخضعت (أي تدلَّت رَهْبة وضَعفًا/ استسلمت أسيرة مقهورة) [وانظر قر ١١/ ٢٤٨] كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢].
стр. 1532
ومما برز فيه معنى ظهور ما هو محتبس أصلًا "عَنَى النبتُ: ظَهَر " (امتسك في الأرض ثم نما) وتأمل "سألته فلم يَعْنُ لي بشيء " (لم يُخْرج لي شيئًا مما يمسكه في حوزته) - و "أَعنَي المطرُ النباتَ: أنبتَه " (أنمى له جذورًا تمسكه فنما حتَّى نبت). ومن ذلك عُمِّمَ فقيل: "عَنَوت بالشيء وعَنَيت (كسما وبكى): أخرجْته وأظهرْته. وعُنوان الكتاب هو الظاهر الدال على ما في باطنه. وعَنِيَ فيه الأكلُ (كرضى): نَجَعَ (قَبِلَه البَدَن وهذا احتباس، ثم ظهر أثرُه سِمَنًا).
وأُخِذ من الحبس "عَنَيْت بأمره (كبكى ورضى) عناية، وعنَانى أمره: اهتمَمْتَ به وأَهَمّك (حضر في نفسك وبالك) وقرئ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، (يعنيه -بالمهملة) يُهِمَّه (يشغل نفسه) لا يهمه شأن غيره [ل ٣٣٩/ ١١] ومن "ذلك معاناة الشيء: ملابسته ومخالطته " (الاهتمام بأمره).
ومن ذلك الأصل "عَنَيت الشيءَ (رمى): قصدته. ومَنْ تَعْنِي بقولك؟ من تَقْصد. وعنيت كذا: أَردْته " (أي أن هذا هو ما تُبْطِنه (تحتبسه) في نفسك والكلامُ تعبير ظاهر).
• (عون):
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥]
"العَوَان - كسحاب - من البَقَر والخيل: التي نُتِجت بعدَ بطنها البِكْر (أي وَلَدَت بطنًا أخرى)، ومن الأرض: التي مُطِرَت بين أَرَضِين لم تمطر. والعَوَانةُ: النخلة الطويلة/ الباسقة. والعَانةُ: القطيع من حُمُر الوحش، والأَتَانُ، ومنبِتُ الشعر في قُبُل الرجل والمرأة [متن].
° المعنى المحوري مَدَد زائد أو امتداد من قوة في الباطن (أو من الخارج)
стр. 1533
كالبَقَر والخيل المذكورة فإن نِتَاجها امتدادٌ وهو زيادة عما نُتِجَ قَبْلا، وطولُ النخلة امتداد من قُوَّتها، والأرض الممطورة لها قوة الإنبات. والعانةُ: الأتان تَلد، وعانة حُمُر الوحش لاتنى تجرى هنا وهنا والجري امتداد وراءه قوة، أو نُظِر إلى أنَّها تجمُّعٌ عريض، والتي تحت السُرّة دَعْمٌ رضْو، أو نُظِر إلى كثرة إنباتها الشعر. ومن عوان البقر ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] هي "النَصَفُ التي ولدت بطنًا أو بطنين "وهو أكمل أحوالها [بحر ١/ ٤١٢، ٤١٧].
ومن ذلك الأصل أُخِذ "العَوْن -بالفتح: الظهير "فهو يُقَوِّي أي يُمدّ بالقُوَّة. ومنه الإعانة. وبهذا المعنى سائر ما جاء في القرآن من التركيب. ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] عَنَوْا قوما من اليهود ألقَوا إليه أخبار الأمم، أو عددا من الموالي كتابيين أسلموا وكان الرسول ﷺ يتعهدهم. ﴿فَأَ عِينُ ونِي بِقُوَّةٍ﴾ (أمِدُّوني) ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، نطلب العون. وقد جاء من هذه الصيغة الأخيرة صيغة الطلب، وصيغة المطلوب منه العون. (المستعان).
• (عين):
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]
"العَين: حاسّة البصر والرؤية، ويَنْبوع الماء: الذي يَنْبُع من الأرض ويَجْرى. وعَيْن الرَكِيَّةَ: مَفْجَر مائها. وعينٌ مَعْيُونةٌ: لها مادّة من الماء. وقد عانَت البئر (باع): كثُر ماؤها، وعان الماءُ والدمعُ: جَرَى وسال. ورجل عيّن - ككيس: سَريع البكاء. وسقاء عَيّن - ككيس وقد تَعَيَّن: إذا رَقَّ من القِدم " (فنضح أو بَرَق).
стр. 1534
° المعنى المحوري دائرة ينفذ منها لطيف لامع دائم الجريان عن مختزَنٍ كثير. كعَيْن الماء (تلحظ قيود: "لها مادّة من الماء ". "كثر ماؤها "ودوام الجريان لازم للاختزان الكلثير الذي يؤكلده قولهم "العين: مطر أيام لا يقلع/ يدوم خمسة أيام أو ستة ". وكالعين الباصرة -مستديرة وتمتد منها وإليها أشعة قوة الرؤية، وكالسقاء العَيّن ينضح الماءَ. ومن وجود منفذ لسائل قالوا "تعيّنت أخفاف الإبل: نَقِبَتْ مثلَ تَعَيُّن القِربة ".
ومن ذلك الأصل "العين: الشمس نفسها " (أي قرصها - دائرة لامعة تجرى منها دائمًا أشعة لطيفة وإن كانت حادة الوقع ضوءًا أو حرارة) ومنه كذلك "العَين: الدينار " (دائرة دائمة اللمعان).
ومن الثقل اللازم لكثرة المختزن "العَيْن في الميزان: المَيْل/ أن ترجح إحدى كفتيه على الأخرى. دينارٌ عَيْنٌ إذا كان ميالًا أرجَحَ بمقدار ما يميل به لسان الميزان ".
ومن تحدد الدائرة (عَيْن كل شيء: شخصُه ونفسُه/ حاضرُه وشاهدُه. ما بها عَيْن أي أحد (شخص). ويقال: عينُك أكبر من أَمَدِك أي منظرُك (جسمك) أكبر من سِنّك. والعَيْن: المال الحاضر الناضّ. ما عيّن لي بشيء - ض: ما أعطاني. والأعيان الإخوة لأب وأم إذا كان لهم إخوة لعلات " (لأنهم وُجِدوا من نَفْس العين).
فمن عَيْن الماء ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٣، ١٣٤] ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] ومن جنس هذه ﴿عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥]، وأُخَر سياقها صريح، وكل ما جمع
стр. 1535
على (عيون).
ومن العَيْن الباصرة ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] وكل ما جمع على (أعين) وكل ما عدا ما ذكرناه في السطور السابقة. وقد بنوا منها الكثير بالاشتقاق والمجاز. فمن ذلك "العَيَن -محركة: عِظَم سواد العين وسَعَتها. هو أعين وهي عيناء والجمع عِين ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨]. وكذا كل (عِين). وعَيْن المتاع والمال -بالفتح، وعِينته -بالكسر: خياره، وتعيّنْتُ الشخصَ: رأيته (بالعين)، والمعاينة: النظر. ولا أطلب أثرًا بعد عين " (هنا بمعى ذات).
وقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] جُوِّز في كلمة (معين) أن تكون من (عين) فيكون معناها (مفعولا) من عانه: أدركه بعينه، وأن تكون من (معن) فتكون الميم أصلية من قولهم معن الشيءُ معانة: كثر. [ينظر بحر ٦/ ٣٦٤] وهذا في كل كلمة (معين). ويترجح لدّي أن الكلمة من (عين) لا من (معن) لأن الماء المعين هو الذي يتمناه كل من يعيش في بيئة بدوية ليس فيها ماء معين، لأن ماءها إما من الآبار وإما من السحاب. فالماء المعين المرئي في أنهار أو عيون نضاخة يمثل متعة غريبة لهم يتمنونها.
أما "العَيَن -محركة: الجماعة "فكأنه جمع عائن أي الذي ينظر بعينه كالخَدمَ جمع خادم. أو هو فَعَل بمعنى مفعول كالهَدَم -لأن الجماعة لا بد أن ترُى لكثرتها- ولكن لم يردْ ذلك في [ل، تاج].
• (عنب):
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ [النحل: ١١]
"العِنَب والعِنَباء واحد: معروف. وكغراب: النَبَكة (: الجُبَيل) الطويلة في
стр. 1536
السماء الفاردة المحدَّدَةُ الرأس يكون أسود وأحمر وعلى كل لون، والغالب عليه السُمْرة لا يُنْبِت شيئًا مستديرٌ. والأعنب: الأنف الضخم السَمْج ".
° المعنى المحوري صفاء الممتلئ المستدير مع امتداد ما: كالجبيل والنَبَكة الموصوفين - وصفاؤهما تجرُّدهما من النبات، وكالعنب في امتلائه بالماء وصفائه وحبّ أكثره فيه امتداد يقل أو يزيد، والأنف الضخم مستدير؛ ولذا عُدَّ سَمْجا. ومنه: "العَنَبان -بالتحريك: الثقيل من الظباء/ المسن من الظباء (ملآن/ والظباء رقيقة). والعُنْبَبُ: كثرة الماء ". فمن العنب الفاكهة: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨]. وليس في القرآن من التركيب إلا العنب وجمعه (أعناب).
• (عنت):
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
"العُنْتُوت: -بالضم: الحز الذي في القوس تُدْخَل فيه حلقة رأس الوتر. وعَنِتَ العظم (تعب): وَهَي وانكسر. عَنِتَتْ يدُه ورجلُه: انكسرت، والدابةُ: حُمِّلَتْ مالا تحتمل فظَلَعَتْ. وأَعْنَتَ الجابرُ الكَسْر: إذا لم يَرْفُق به فَزاد الكسرُ فسادًا ".
° المعنى المحوري كَسْر أو نحوه أو فسادٌ بحدّة في جرم الشيء الممتد -كذلك الحَزّ في القَوْس- وهو من جنس الكسر، وكعَنَت العظم. وظَلَعُ الدابة يكون عن كَسْر أو نحوه في أَحَد قوائمها. ومنه ما فسِّر به قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فإذا شق على الرجل (الحُرِّ) العُزبة، وغلبته الغُلْمة، ولم يجد ما يتزوج به حُرَّة فله أن (يتزوج) أمة؛ لأن غلبة الشهوة
стр. 1537
واجتماع الماء في الصلب ربما أدى إلى العلة الصعبة [ل] أي أن العنت هو عناء كبح الشهوة والفساد المترتب على غلبتها عليه. وقد فُسِّرَ العَنَت أيضًا بالفجور والزنا الذي يسبب الهلاك اهـ. وعمم في الهلاك والضرر والمشقة الشديدة. وكل ذلك من معنى الفساد الذي يعبر عنه التركيب ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ فسرها [قر في ٨/ ٣٠٢] بالمشقة. وكذلك في ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] جاء به مع التفسير بالإهلاك. والتفسير بالإهلاك أدق وأقرب إلى الأصل فيهما. والذي في القرآن من التركيب هو العنَت والإعنات بمعنييهما المذكورين ومنه "عنْتَه - ض: شدّد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه، وتعنّته: طلب زَلّته وَمَشَقَّتَه ".
ومن المادي "العُنْتُوت -بالضم: جبيلٌ مُستدِقٌّ في السماء "فهيئته هذه تخيّل أنه منحوت هكذا. وكأن معنى التسمية أنه المنحوت. والنحت قطع من الجرم. والقطع يكون من جنس الفساد.
• (عند):
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]
"سحابة عَنُود: كثيرة المطر. عَنَد العِرْقُ (جلس وفرح وككرم): سَالَ فلم يَكَدْ يَرْقَأْ (تابع نزف الدم). وأَعْنَدَ أَنْفُه: كَثُر سيلان الدم منه. وأَعْنَدَ في القيء: تابعه ". العَنود من الدوابّ: المتقدمة في السير من نشاطها وقوتها. والعنود من الإبل كذلك: الذي يتباعد عن الإبل يطلب خيار المرتع ويتأَنّق ".
° المعنى المحوري الاستمرار في بذل الشيء أو إتيانه رغم توقع التوقف. ويلزمه عظم المخزون منه. كما في كثرة مطر السحابة واستمرار سيلان الدم من
стр. 1538
العرق والأنف ومتابعة القيء من كثرة المختزن منها، وكما في استمرار تقدم الدابة (والسير بذل من مذخور القوة، ومنه التباعد). ومن مادى ذلك "عَقَبَةٌ عَنُود: صَعْبة المرتقىَ "فهي حاجز دائم تحبس من تعترضه فلا ينفذ منها.
ومن معنى المخزون ما قالوه في تفسير "أَوَلَهُ عِنْد؟ ردًّا على من قال "هو عندي كذا "بأنه يُقْصَدُ بالعِنْد هنا: القَلْبُ والمَعْقُول واللُبُّ [ل ٣٠٣، ق] أي (لُبٌّ باطن أو فِكْرٌ مُخْتزَن)، ومنه قالوا "عَنَد (جلس): عتا وطغى وجاوز قدره. (مما اختزن في قلبه) والعنيد: الذي يرد الحق مع العلم به "ومن هنا "المعاندة: المعارضة وعدم الانصياع " (فهذا وذاك استمرار على موقف وعدم اكتراث بالدعوة للتوقف عنه) ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤]. وكذا كل (عنيد).
وقولهم "إن تحت طِرِّيقَتِكَ لعِنْدَأْوةً: أي تحت لينك نَزْوةً وطِماحا " (أي إصرارًا واستمرارًا).
ومن الاختزان جاءت (عند) الظرفية "حضور الشيء ودنّوه "فهي كالحيز للشيء. وقالوا إنها تعبر عن أقصى نهايات القرب " [ل ٣٠٣/ ١١] ولا يقال مضيت إلى عندك. وتأمل ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. (العلم والشهادة محلهما القلب) ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] ومن استعمالها في القرب الشديد ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير ٢٠] الكينونة اللائقة من شرف المنزلة وعظم المكانة [بحر ٨/ ٤٢٦] وليس في القرآن من التركيب إلا صفة (عنيد) و (عِنْدَ) الظرفية.
стр. 1539
• (عنق):
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]
"العنق -بالضم وبضمتين: وُصْلَة ما بين الرأس والجسد. والمُعْنِق - كمحسن: ما صَلُبَ وارتفع عن الأرض وحَوْلَه سَهْلٌ وهو منقادٌ نحوَ مِيل أو أقل ".
° المعنى المحوري نتوء قويٍّ دقيق يمتدّ نافذًا من شيء أجسم أو أغلظ. (كالعنق من الجسد، والصُلْب المرتفع/ متميزًا من بين ما حوله من الأرض. وكونه دقيقًا يؤخذ من كونه ينقاد أي يستطيل نحو ميل مرتفعًا بين سهل منخفض، فإن هذا يبديه ضيقًا أي غير عريض). ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] هذا تمثيل لحالة المنع [ينظر بحر ٦/ ٢٨ - ٢٩] وليس في القرآن من التركيب إلا العنق وجمعه (الأعناق).
وقوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]- يراد بها إما الرقاب كناية عن خضوعهم كما يقال ذَلّت له رقاب القوم، وإما رؤساؤهم على المثل، وإما جماعتهم - وهذه تؤخذ من الأصل كما يقال "أتاني عُنُقٌ من الناس وُجمّة للجماعة المتقدمة " [الأساس].
ومن مادى الأصل مع تجاوز ما "العَناق - كسحاب: الأنثى من أولاد المعزى إذا أتت عليها سنة، (شدة مع دقة. فالمعزى أصلب بدنًا وأقل حجمًا من الضأن) و "معانيق الرمال: حِبال صغار بين أيدي الرمل (امتدادات مستدقة من بين كثيفة - مع التجاوز عن الصلابة)، وكذا "عنقت السحابة: إذا خرجت من
стр. 1540
معظم الغيم تراها بيضاء لإشراق الشمس عليها "والعُنُق. القطعة من المال "وأما "العانقاء: جُحر يمتلئ بالتراب الرخو تندس فيه الأرنب " (إلى عنقها) فهو إما من العنق وإما من امتداده هكذا. وكذلك "العَنَق -محركة: سير منبسط مسبطرّ. أعنقت الدابة: أسرعت وكذلك عانقت "فهو إما من مد الدابة عنقها عند الإسراع وإما من أن الإسراع امتداد. ومنه "أعنقت الثريا والنجوم: تقدمت للمغيب ".
• (عنك):
"عَنَك الرمْل يَعْنُك عنوكا، وتَعَنَّك: تعقّد وارتفع فلم يكن فيه طريق. رملة عانك فيها تعقد لا يقدر البعير على السير فيها إلا أن يحبو ".
° المعنى المحوري تماسك الدقيق المتسيب وتراكمه حتى يكثف ويكوّن عقبة يصعب النفاذ منها. كالرمل الموصوف ومنه "العنْك -مثلثة: سُدْفة من الليل تكون من أوله إلى ثلثه. العِنك -بالكسر: الثلث الباقي من الليل "فالظلام كثافة تناظر كثافة الرمل الدقيق. وكذلك "عَنَك اللبن: خثُر "فالخثورة كثافة وتراكم. ثم إنهم قالوا "مكثت عِنْكًا أي عَصْرًا وزمانًا "فهو من معنى الكثافة والتراكم, لأن عبارة "عصرًا وزمانًا "يشعر معناها بطول المدة.
وأما قولهم "عِنك كل شيء -بالكسر: ما عظم منه. جاءنا من السَمَك ومن الطعام بعِنك أي بشيء كثير منه "فهو من مادي الكثافة ويلحظ أن لحم السمك طرىّ ليس متماسكًا كلحم البقر وغيرها فهو متسيب كالرمل.
стр. 1541
• (عنكبوت):
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]
ليس في هذا التركيب استعمالات إلا "العنكبوت: دويبة تنسج في الهواء وعلى رأس البئر نسجًا رقيقًا مهلهلًا ".
° المعنى المحوري نسيج في الهواء متسع الأثناء من خيوط جِدّ دقيقة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾.
° معنى الفصل المعجمي (عن): اعتراض شيء أو ظهوره مع شيء من اللطف قد يتمثل في قدر من الغموض (والاحتباس وهو اختفاء، أو خفاء السبب ومنه عدم السبب) كما في الاعتراض بالفضول -في (عنن)، وكما في احتباس الماء في القربة العانية مع ظهوره منها بالرشح -في (عنو - عنى)، وكما في وجود الزيادة -وهي ظهور- مع كون سببها مذخورًا أي مختزنًا في الباطن كالعوان من البقر والخيل -في (عون) فكرة إنتاج الحيوان وزيادة طول النخلة يكون من قوة النمو المذخورة فيها، وكلمعان الماء ورؤية الأشياء -في (عين) مع كون سبب ذلك مذخورًا في باطن عين الماء وأشعة خفية بين العين والمرئيات، وكصفاء العنب وغيره -في (عنب)، وكالحزّ الظاهر (العنتوت) في جسم القوس مع كون الحزّ غائرًا غامضًا -في (عنت)، وكالماء والدم المختزنين في السحابة والعِرْق - مع خروجهما (ظهورهما) -في (عند)، وكامتداد عنق الحيّ والمُعْنِق من الأرض وهذا ظهوره - مع كون أصله مغمورًا خفيًا -في (عنق)، وكالرمل الذي تعقد وتراكم فارتفع -في (عنك)، وكبيوت العنكبوت مع تماسكها واتساعها في (عنكب).
стр. 1542
العين والهاء وما يثلثهما
• (عهه):
"العَهّ -بالفتح: القليل الحياء المكابر ".
° المعنى المحوري فراغ من الندى والرقة (١) كما هو حال الصفيق الوجه المكابر (لا دم عنده) وربما لحظ هذا (من حيث الجفاف) في استعمال عه عه لزجر الإبل لتحتبس.
• (عهد):
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]
"العَهْد والعَهْدَةُ -بالفتح والأخير يكسر: مَطَر بعد مطر يدرك آخرهُ بَلَلَ أوله/ كلُّ مَطَر بعد مَطَر/ المَطْرة التي تكون أَوَّلًا لما يأتي بعدُ. العِهَاد: مواقع الوَسْمِيّ من الأرض (الوسمي هو المطر الأول) العْهد: المنزل الذي لا يزال القوم إذا انْتأوا عنه رجعوا إليه ".
° المعنى المحوري تكرر العود إلى موقع بعينه - على فترة بين المرة
стр. 1543
والأخرى - كالمَطْرة بعد المَطْرة والمنزل الموصوف، والمَطْرة التي تكون أَوّلًا لما يأتي بعدها (أي من مَطَرات مرة بعد مرة فتُسمَّى عَهْدَة باعتبار عَوْد مثلها وتعدّ وَسْمِية من حيث إنها تسم الأرض أي تترك فيها وسْمها أي آثار المطر لأنها الأُولى) ومن ذلك "فلان يتعهده صَرْع " (الصْرع يعاود صاحبه مَرَّةً بعد مرة) "والمعاهدة والاعتهاد والتعاهد والتعهد واحد، وهو إحداث العهد بما عَهِدته " (عود إليه).
ومن الصور القريبة من التكرار أن تستحضر الآن صورةَ رؤيةٍ أو لقاءٍ أو حالٍ كان منذ زَمن "العَهْدُ أن تَعْهَدَ الرجلَ على حال أو في مكان - يقال عَهْدِي به في حال كذا أو في مكان كذا ""عهدتُه بمكان كذا: لقيتُه "واستعمل في معنى العلم بوجود دائم في حَوزة ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤، الزخرف: ٤٩] أي من عمق إيمانك به أو من النبوة التي أعطاكها [ينظر قر ٧/ ٢٧١] فهي نعمة (سابقة) يعلمها عندك. وفي [بحر ٤/ ٣٧٤]: أو بما وصاك أن تدعو به ليجيبك ". . ومن ذلك "العهد الحفاظ ورعاية الحُرْمة. "وإن حُسْنَ العهد من الإيمان ""إن كَرَم العهد. . ". أي رعاية المودّة (التي سبقت معاودة وتكرار) وهذا ملحوظ في قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (يُرجَع إليه ويُلتزم به) ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨, ٨٧]. إما بدعاءٍ بذلك في الدنيا، أو شهادة أن لا إله إلا اللَّه، أو أعمالٍ صالحة (أسلفها) [قر ١١/ ١٥٤، بحر ٦/ ٢٠١، ٢٠٤].
ومن هذه الفرعية "عَهِد الشيءَ (سمع): عَرَفه " (الفعل عرف يستعمل كثيرًا في ما نعبر عنه بـ (التعرّف) أي على ما كنتَ رأيتَه من قبل، فالرؤية الثانية تكرار للأولى).
стр. 1544
فأما قولهم "في عَقله عُهْدة -بالضم: أي ضعف، وفي خطه عُهْدة إذا لم يُتِمّ حروفه "فهي من الفتور (أي وجود فترات) في المعنى الأصلي للتركيب أو من الرخاوة المتمثلة في المطر في الاستعمال القديم، أو من التكرار أي هناك ما يستدعي المراجعة.
وأما "العهد بمعى الوصية والمَوْثِق "وما إليهما - فإنهما إلزام يؤخذ من تكرار وقوع حدث أو أمر بانتظام في زمن أو مكان معين، إذ يؤخذ من ذلك ضرورة الوقوع (عند حلول الزمن أو الظرْف - ثم يطلق) "فالعهد هو "الميثاق واليمين التي تستوثق بها ممن يعاهدك " (أن يفعل كذا في أمر كذا). "يقال عهد إليه في كذا: أوصاه به ". ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وكذا ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ في [البقرة: ١٢٥، آل عمران: ١٨٣، طه: ١١٥]. وقد فرق [قر] بين العهد والميثاق بأن الميثاق عهد مؤكد بيمين [قر ١/ ٢٤٧] ولعل عدم اليمين هو الأصل في العهد ثم أضيف إليه اليمين -بَعدُ- توكيدًا. "عاهده: عقد معه عهدا "، (أي موثقا) ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥]. وكذا كل (عاهَدَ) وقوله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] طلب الإيفاء بما التزموه للَّه تعالى، وترتيب إنجاز ما وعدهم به (كأنه) عهد على سبيل المقابلة، أو لإبراز ما تفضل به في صورة المشروط حفزًا لهم على الإيفاء بما عليهم [ينظر بحر ١/ ٣٣٠] ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ما عوهدوا عليه في صلب آدم: الإيمان بأنه لا إله إلا اللَّه [بحر ٤/ ٣٥٥] ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٦] الزمان أي زمان مفارقته لهم [بحر ٦/ ٢٤٩] أي على
стр. 1545
حال كان قد دعاهم إليها وقبلوها. وكل (عهد) في القرآن فهو الموثق أو ما عوهد عليه. ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] (أي لا يشملهم) والعهد هنا الإمامة [بحر ١/ ٥٤٨] و "أهل العهد هم أهل الذمة ".
• (عهن):
﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩]
"قضيب عاهن: فيه انكسار من غير بَيْنونة تحسَبه صحيحًا فإذا هززته انثنى. والعواهن: السَعَفَات اللواتي يَلِينَ قُلْبَ النخلة، وجرائد النخل إذا يَبِسَتْ، وعروقٌ في رحم الناقة ". (قُلب النخلة: خوص ينبت في وسط أعلى رأسها غضًّا طريًّا يمكن أن يؤكل).
° المعنى المحوري رقة أو ضعف يتخللان أثناء الشيء الممتدّ لذهاب الغلظ والصلابة منه - كذلك القضيب والسَعفات والعروق الموصوفات. والجريد إذا اشتد جفافه كان ضعيفًا متسيب الأثناء. ومنه "العِهْن الصوف، أو الصوف المصبوغ "- ولا ضرورة للقيد لأن الصوف بذاته ضعيف الأثناء لين ليس صُلبًا. ومن ذلك "العاهن: الفَقير (ضعيف فارغ الحوزة) والعاهن: الطعام الحاضرُ والشراب الحاضر/ (يسير سهل لا كلفة له). وأرسل الكلام على عواهنه: ما حضر منه وعَجِل من خطأ أو صواب " (ضعيف لأنه لا يُتَكَلَّف إحكامه). والذي في القرآن من التركيب هو (العهن) الصوف في آيتي [المعارج ٩، والقارعة ٥].
° معنى الفصل المعجمي (عه): الفراغ الذي يخالط الشيء - كما هو حال القليل الحياء المكابر -في (عهه) فإنه خِلْو من ندى الحياء ورقته، وكما في الفترات التي بين مرات عود الشيء أو العود إليه -في (عهد)، وكما في فقد الصلابة في القضيب العاهن والعواهنُ التي تجاور قُلب النخلة - فيها كثير من الغضاضة والطراءة -في (عهن).