• (عنكبوت):
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]
ليس في هذا التركيب استعمالات إلا "العنكبوت: دويبة تنسج في الهواء وعلى رأس البئر نسجًا رقيقًا مهلهلًا ".
° المعنى المحوري نسيج في الهواء متسع الأثناء من خيوط جِدّ دقيقة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾.
° معنى الفصل المعجمي (عن): اعتراض شيء أو ظهوره مع شيء من اللطف قد يتمثل في قدر من الغموض (والاحتباس وهو اختفاء، أو خفاء السبب ومنه عدم السبب) كما في الاعتراض بالفضول -في (عنن)، وكما في احتباس الماء في القربة العانية مع ظهوره منها بالرشح -في (عنو - عنى)، وكما في وجود الزيادة -وهي ظهور- مع كون سببها مذخورًا أي مختزنًا في الباطن كالعوان من البقر والخيل -في (عون) فكرة إنتاج الحيوان وزيادة طول النخلة يكون من قوة النمو المذخورة فيها، وكلمعان الماء ورؤية الأشياء -في (عين) مع كون سبب ذلك مذخورًا في باطن عين الماء وأشعة خفية بين العين والمرئيات، وكصفاء العنب وغيره -في (عنب)، وكالحزّ الظاهر (العنتوت) في جسم القوس مع كون الحزّ غائرًا غامضًا -في (عنت)، وكالماء والدم المختزنين في السحابة والعِرْق - مع خروجهما (ظهورهما) -في (عند)، وكامتداد عنق الحيّ والمُعْنِق من الأرض وهذا ظهوره - مع كون أصله مغمورًا خفيًا -في (عنق)، وكالرمل الذي تعقد وتراكم فارتفع -في (عنك)، وكبيوت العنكبوت مع تماسكها واتساعها في (عنكب).
стр. 1542
العين والهاء وما يثلثهما
• (عهه):
"العَهّ -بالفتح: القليل الحياء المكابر ".
° المعنى المحوري فراغ من الندى والرقة (١) كما هو حال الصفيق الوجه المكابر (لا دم عنده) وربما لحظ هذا (من حيث الجفاف) في استعمال عه عه لزجر الإبل لتحتبس.
• (عهد):
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]
"العَهْد والعَهْدَةُ -بالفتح والأخير يكسر: مَطَر بعد مطر يدرك آخرهُ بَلَلَ أوله/ كلُّ مَطَر بعد مَطَر/ المَطْرة التي تكون أَوَّلًا لما يأتي بعدُ. العِهَاد: مواقع الوَسْمِيّ من الأرض (الوسمي هو المطر الأول) العْهد: المنزل الذي لا يزال القوم إذا انْتأوا عنه رجعوا إليه ".
° المعنى المحوري تكرر العود إلى موقع بعينه - على فترة بين المرة
стр. 1543
والأخرى - كالمَطْرة بعد المَطْرة والمنزل الموصوف، والمَطْرة التي تكون أَوّلًا لما يأتي بعدها (أي من مَطَرات مرة بعد مرة فتُسمَّى عَهْدَة باعتبار عَوْد مثلها وتعدّ وَسْمِية من حيث إنها تسم الأرض أي تترك فيها وسْمها أي آثار المطر لأنها الأُولى) ومن ذلك "فلان يتعهده صَرْع " (الصْرع يعاود صاحبه مَرَّةً بعد مرة) "والمعاهدة والاعتهاد والتعاهد والتعهد واحد، وهو إحداث العهد بما عَهِدته " (عود إليه).
ومن الصور القريبة من التكرار أن تستحضر الآن صورةَ رؤيةٍ أو لقاءٍ أو حالٍ كان منذ زَمن "العَهْدُ أن تَعْهَدَ الرجلَ على حال أو في مكان - يقال عَهْدِي به في حال كذا أو في مكان كذا ""عهدتُه بمكان كذا: لقيتُه "واستعمل في معنى العلم بوجود دائم في حَوزة ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤، الزخرف: ٤٩] أي من عمق إيمانك به أو من النبوة التي أعطاكها [ينظر قر ٧/ ٢٧١] فهي نعمة (سابقة) يعلمها عندك. وفي [بحر ٤/ ٣٧٤]: أو بما وصاك أن تدعو به ليجيبك ". . ومن ذلك "العهد الحفاظ ورعاية الحُرْمة. "وإن حُسْنَ العهد من الإيمان ""إن كَرَم العهد. . ". أي رعاية المودّة (التي سبقت معاودة وتكرار) وهذا ملحوظ في قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (يُرجَع إليه ويُلتزم به) ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨, ٨٧]. إما بدعاءٍ بذلك في الدنيا، أو شهادة أن لا إله إلا اللَّه، أو أعمالٍ صالحة (أسلفها) [قر ١١/ ١٥٤، بحر ٦/ ٢٠١، ٢٠٤].
ومن هذه الفرعية "عَهِد الشيءَ (سمع): عَرَفه " (الفعل عرف يستعمل كثيرًا في ما نعبر عنه بـ (التعرّف) أي على ما كنتَ رأيتَه من قبل، فالرؤية الثانية تكرار للأولى).
стр. 1544
فأما قولهم "في عَقله عُهْدة -بالضم: أي ضعف، وفي خطه عُهْدة إذا لم يُتِمّ حروفه "فهي من الفتور (أي وجود فترات) في المعنى الأصلي للتركيب أو من الرخاوة المتمثلة في المطر في الاستعمال القديم، أو من التكرار أي هناك ما يستدعي المراجعة.
وأما "العهد بمعى الوصية والمَوْثِق "وما إليهما - فإنهما إلزام يؤخذ من تكرار وقوع حدث أو أمر بانتظام في زمن أو مكان معين، إذ يؤخذ من ذلك ضرورة الوقوع (عند حلول الزمن أو الظرْف - ثم يطلق) "فالعهد هو "الميثاق واليمين التي تستوثق بها ممن يعاهدك " (أن يفعل كذا في أمر كذا). "يقال عهد إليه في كذا: أوصاه به ". ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وكذا ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ في [البقرة: ١٢٥، آل عمران: ١٨٣، طه: ١١٥]. وقد فرق [قر] بين العهد والميثاق بأن الميثاق عهد مؤكد بيمين [قر ١/ ٢٤٧] ولعل عدم اليمين هو الأصل في العهد ثم أضيف إليه اليمين -بَعدُ- توكيدًا. "عاهده: عقد معه عهدا "، (أي موثقا) ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥]. وكذا كل (عاهَدَ) وقوله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] طلب الإيفاء بما التزموه للَّه تعالى، وترتيب إنجاز ما وعدهم به (كأنه) عهد على سبيل المقابلة، أو لإبراز ما تفضل به في صورة المشروط حفزًا لهم على الإيفاء بما عليهم [ينظر بحر ١/ ٣٣٠] ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ما عوهدوا عليه في صلب آدم: الإيمان بأنه لا إله إلا اللَّه [بحر ٤/ ٣٥٥] ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٦] الزمان أي زمان مفارقته لهم [بحر ٦/ ٢٤٩] أي على
стр. 1545
حال كان قد دعاهم إليها وقبلوها. وكل (عهد) في القرآن فهو الموثق أو ما عوهد عليه. ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] (أي لا يشملهم) والعهد هنا الإمامة [بحر ١/ ٥٤٨] و "أهل العهد هم أهل الذمة ".
• (عهن):
﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩]
"قضيب عاهن: فيه انكسار من غير بَيْنونة تحسَبه صحيحًا فإذا هززته انثنى. والعواهن: السَعَفَات اللواتي يَلِينَ قُلْبَ النخلة، وجرائد النخل إذا يَبِسَتْ، وعروقٌ في رحم الناقة ". (قُلب النخلة: خوص ينبت في وسط أعلى رأسها غضًّا طريًّا يمكن أن يؤكل).
° المعنى المحوري رقة أو ضعف يتخللان أثناء الشيء الممتدّ لذهاب الغلظ والصلابة منه - كذلك القضيب والسَعفات والعروق الموصوفات. والجريد إذا اشتد جفافه كان ضعيفًا متسيب الأثناء. ومنه "العِهْن الصوف، أو الصوف المصبوغ "- ولا ضرورة للقيد لأن الصوف بذاته ضعيف الأثناء لين ليس صُلبًا. ومن ذلك "العاهن: الفَقير (ضعيف فارغ الحوزة) والعاهن: الطعام الحاضرُ والشراب الحاضر/ (يسير سهل لا كلفة له). وأرسل الكلام على عواهنه: ما حضر منه وعَجِل من خطأ أو صواب " (ضعيف لأنه لا يُتَكَلَّف إحكامه). والذي في القرآن من التركيب هو (العهن) الصوف في آيتي [المعارج ٩، والقارعة ٥].
° معنى الفصل المعجمي (عه): الفراغ الذي يخالط الشيء - كما هو حال القليل الحياء المكابر -في (عهه) فإنه خِلْو من ندى الحياء ورقته، وكما في الفترات التي بين مرات عود الشيء أو العود إليه -في (عهد)، وكما في فقد الصلابة في القضيب العاهن والعواهنُ التي تجاور قُلب النخلة - فيها كثير من الغضاضة والطراءة -في (عهن).
стр. 1546
باب الغين
التراكيب الغينية
• (غوى):
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
"الغاوي: الجراد. الغَوَي - كالفَتَى: البَشَم من اللبن. وقد غَوِيَ الفَصيلُ والسَخْلةُ - كرَضِيَ: بَشِمَ من اللبن وفَسَد جوفه. تغاوَوْا عليه: تجمعوا عليه من هنا ومن هنا " (أي ليقتلوه).
° المعنى المحوري الانجذاب إلى الشيء مع تغشٍّ وفساد: كالجراد الذي يَغْشَى الأرض بكثافة ليأكل زرعها، وكالبَشَم من اللبن من كثافة ما رضع أي كثرته في المعدة فيعوق الهضم. والمتغاوون طبقة تُهلك. ومنه: "الأُغْوِيَّة (كأُثفيّة أي بالضم مع كسر الثالث وتشديد الرابع): حُفْرة كالزُبْيَةِ تُحْفَر للذئب، يُجْعَلُ فيها جَدْي، إذا رآه الذئب سقط في الحفرة انكبّ عليه يريده، فيُصاد (يطبقون عليه). والراجح أن "المُغَوَّاة -بضم ففتح فتشديد- التي يُصَاد بها الأسدُ "هي مثلُ هذه ومنه "أرض مَغْواة -بالفتح: مَضِلّة يَضِلّ ويَحار سالكُها "يضل من ينجذب إليها أي يطمع في اختراقها. "وأَغْواء الظلام: ما سترك بظلامه " (طبقات تغشى).
ومن ذلك: "غَوَي (كفتح ورَضِي) غَيًّا -بالفتح وكسحابة: ضَلّ "حُجِبَ عن الرشَد ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، الغىّ ضد الرشد فهو
стр. 1547
ضلال مسبَّب عن هوًى أو ما هو من بابه. وكذا كل (غيّ) ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، الضُلَّال والسُفَهَاء [قر ١٣/ ١٥٢]. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤]: أي الآلهة وعَبَدَتهم [الكشاف ٢/ ٤٢٩] أي والضالون بعبادتهم، وكذا كل (غاوين). ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] الغوِيّ هو المُوقِع في الغَيّ. وفي قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]. قالوا: فَفَسَد عليه عَيْشه. بدلًا من تفسيرها بالضلال ضدّ الرَشَد. وقيل: ذلك قبل النبوة [قر ١١/ ٢٥٧]. أقول: والأصل اللغوي لا يُحْوج إلى هذا؛ إذ يمكن تأويلها بالاحتجاب المؤقت كأنه لما عصى حُجِبَ، والفعل القاصر قريب المعنى من المبني للمفعول. ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢] ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] فالضلال هو غيبة الحق أي عدم تبينه إياه أو غيبته عنه. وقد بينا أن الغيّ فيه معنى الانجذاب إلى ما يترتب عليه الفساد فكأن فيه درجة من التعمد. وهذا سرّ الجمع بينهما فهو ﷺ ما ضل بهوى ولا بغير هوى - وقد أطال أبو هلال [الفروق اللغوية/ ٢٤٠] ولم يحرر ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦، الحجر: ٣٩] أوقعتني في الغي بأن أمرتني بالسجود لآدم فأنِفْت فأبيْت [بحر ٤/ ٢٧٥] ونسب هذا إلى الاعتزال. أو أضللتني. فانظره. ومثلها ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص: ٦٣] فالذين حق عليهم القول هم الشياطين وأئمة الكفر [بحر ٧/ ١٢٣] ومثلها ما في [الصافات: ٣٢] وقريب منهن ما في [الحجر: ٣٩، ص: ٨٢].
стр. 1548
الغين والباء وما يثلثهما
• (غبب):
"الغُبُّ -بالضم: الغامض من الأرض. والغَبِيب: المسيلُ الصغير الضيق من مَتْنِ الجبل. ومياه أَغْبابٌ: بعيدة ".
° المعنى المحوري غياب الشيء أو غئوره بين ما يحيط به: (١) كالغامض من الأرض بين ما حوله، وكالمسيل في غَلْظ الجبل، وكالمياه البعيدة. ومنه "غَبَّ: بَعُد، وعن القوم: جاءَ يومًا وترك يومًا. وجاء غِبَّ الأمر -بالكسر أي بَعْدَه ". (البُعْد والبَعْدِية غياب) وأما قولهم "غَبَّ: فَسَدَ "فلعل أصله من غُبوب اللحم، أي فساده لمرور وقت طويل عليه (دون أن يُجفف كما في الزمن القديم، أو يثلج كما في زماننا)، وقد فُسِّرَ غبوب اللحم بإنتانه [ينظر ل].
стр. 1549
• (غيب):
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]
"الغابة: الأَجَمةُ ذاتُ الشَجَر المتكاثِف/ التي طَالتْ ولها أطرافٌ مرتفعة باسِقَةٌ/ أَجَمَة القَصَب، والوَطاءة من الأرض التي دُونَها شُرْفة. والغَيْب -بالفتح: ما اطمأن من الأرض. وغَيَابة الجُبّ والوادي: قَعْره. وغَيْبَان الشجرة -بالفتح وكهيَّبَان: عروقُها التي تَغِيبُ في الأرض ".
° المعنى المحوري الاختفاء استتارا بكثيف في أثناءٍ أو عُمْقِ: كالغابة لأنها تُخْفِى ما في أثنائها، وكذلك المطمئن من الأرض غَابةً أو غَيْبًا أو غَيَابَة: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠ وكذا ما فيها ١٥]. وكغيّبان الشجر.
ومنه "غابتَ الشمسُ وغيرُها من النجوم: غَرَبت (دخلت في فجوة نهاية الأفق) والغائب: ما استتر فلا يشاهد ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥]، "وغاب: تخلف عن الحضرة " ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]: باللَّهِ وملائكته ورسله والبعث ويوم القيامة والجنة والنار -وهذا كله غيب [طب شاكر ١/ ٢٣٦] (أي غائب ليس مُعاينا). وكل (غيْب) في القرآن فهو إما من هذا، وإما من الأمور الغائبة في السموات أو الأرض، من موجودات أو أحداث أو أنباء، إلى كل غيب ذكره القرآن وتتطلب سلامُة العقيدة الإيمانَ بالثابت منه ثبوتًا يقبله الشرع. ويتأتى أن يكون معنى الإيمان بالغيب الالتزام بالإيمان حال الغياب عن
стр. 1550
الناس، أي لا كإيمان المنافقين. وهذا المعنى الأخير يُستَظْهَر أنه المراد في آيات كثيرة منها ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤] أي وهو غائب عن الناس لا يراه أحد [ينظر بحر ٤/ ٢٠] ومنه ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الأنبياء ٤٩، فاطر ١٨، الملك ١٢] ومثلها ما في [يس ١١، ق ٣٣، الحديد ٢٥] ويعم كل (عالم الغيب والشهادة).
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] الغيب كل ما غاب عن علم زوجها مما استتر عنه. وذلك يعمُّ حال غيبة الزوج وحال حضوره [بحر ٣/ ٢٤٩] وهو عن ابن عطية. ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] من قول امرأة العزيز لم أخنه بالغيب بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب [قر ٩/ ٢٠٩]. ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢] الغيب: القرآن وخبر السماء لا يضن عليكم بما يعلم [قر ١٩/ ٢٤٢]. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣] وكانوا وهم كفار في الدنيا يرجمون بالظن في حق الرسول ﷺ وحق ما ينذرهم به من العذاب وأمور الآخرة غيبا دون تحقيق. [ينظر أبو السعود ٧/ ١٤٠، بحر ٧/ ٢٨٠].
واغتاب الرجلَ: ذكره بشرٍّ أو خَيْر وهو غائب. ثم غَلَب الاغتيابُ في الشر؛ لأن في الصيغة معنى انتهاز الغياب وهذا أنسب للشر: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢].
• (غبر):
﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٣٤ - ١٣٥]
стр. 1551
"الغَبَرة -محركة: تردُّد الرَهَج، فإذا ثار سُمِّيَ غُبارا. والغَبْراء من الأرض: الخَمَر -محركة: الكثيرةُ الشَجَر. ويقال: في الحوض غَبَر -محركة: أي بقيةُ ماء [الأساس]. الغُبْر -بالضم، وكسكّر: بَقِيّة اللبن في الضَرْع، وبقيةُ دَم الحَيْض. والغبر -محركة: أن يَبْرأ ظاهرُ الجُرْح وباطنه دَوٍ (أي فيه مِدّة أو قيح). وناقة مِغْبار: تَغْزُر بعد ما تَغْزُر اللاتي يُنْتَجْنَ مَعَها (أي يستمر غُزْرها بعد انقطاع غُزْرهن). والغابر من الليل: ما بَقِيَ منه ".
° المعنى المحوري بقاءُ مادّة دقيقة أو قَليلةٍ من الشيءِ أو ظهورُها بعد ذهاب مُعْظمه أو غِيَابه: كالرَهَج الثائر، وما بقي ظاهرًا من خَمَر الأرض، وكبقية الماء واللبن والدم ومِدّة الجرح.
فمن انتشار الغبار وتغطيته: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠]: غبار ودخان [قر ١٩/ ٢٢٦]، ولو قلت: مسودة سوادًا كثيبًا من معاينة سوء العاقبة - كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] كان صوابًا أيضًا. ومنه "مَفَازة غَبْراء: لا يُهْتَدَي للخروج منها "فيبقي فيها سالكُها ضالًّا أو هالكًا.
ومن البقاء قيل "غَبَر: بَقِى، والغابر من الليل: ما بقى منه ""والغابر: الباقي هذا هو المعروف والكثير في كلام العرب " [ل ٣٠٦/ ٨، ١٦]. أقول: وعليه أبو عبيدة [في المجاز ٢/ ٨٩]، و [طب ٨/ ٥٥١]، وابن قتيبة [في الغريب ١٧٠]، وكذا في [الأساس]. ومنه ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف ٨٣] ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الصافات ١٣] هي امرأة لوط بقيت في القرية ولم تخرج معهم، فلم تنج معهم.
стр. 1552
وإن أورد في [ل] أن الغابر يأتي بمعنى الماضي أيضًا. قاله غير واحد من أئمة اللغة. وقال في الأساس:
فأنزلَهم دارَ الضَياع فأصبحوا ... على مَقْعَدٍ من موطن العز أغبرا
أي قد ذهب ودرس "اهـ. = غير قطعي الدلالة على المضي، إذ يمكن أن يفسّر الأغبر بالمغطى بالغيار حقيقة أو كناية عن الدروس. ولا تضاد ".
وكذلك "الوَطْأَة الغبراء "فسرت بالجديدة - فهي التي ما تزال غائرة (باقية)، وبالدارسة فهي التي تَغَطَّتْ بالتراب وغيره.
ومن الأصل "أَغْبرَ في طلب الشيء: انكمشَ وجَدَّ في طَلَبه (يَصْدُق بالدَأَب وهو استمرار وبقاء، كما نقول: ظل وبَقِي يفعل كذا). أما "الغُبْران -بالضم: بُسْرتان أو ثلاث في قِمَع واحد "فهو من البَقاء بعد الذهاب - إذا أُخِذَتْ بُسْرة بقيت واحدة أو اثنتان.
وأما "الغُبْرة -بالضم: اللون الذي يشبه الغُبار "فهي من لون الغُبار كما هو واضح. وليس في القرآن من التركيب إلا التي ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣] وهي امرأة لوط، والوجوه التي ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠]- والعياذ باللَّه. وقد ذكرناهما.
• (غبن):
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]
"المَغْبِن - كمَجْلِس: الإِبِط، والرُفغ وما أطاف به، وكل ما ثنيت عليه فخذك فهو مَغْبِن ".
° المعنى المحوري غئور: (نقص وفراغ) مستتر يمتد في جرم الشيء:
стр. 1553
كغئور الإبط الخ. ومن ماديه أيضًا "غَبَنَ الثوبَ (ضرب): كَفَّه أي طال فثَنَاه (بإدخال طرفه تجاه باطنه) ليُنْتَقَص من طوله. وغَبَنْت الشيءَ: خَبَأْته في المَغْبِن، والطعامَ: خَبَأته للشدة " (المنجد). و "الغبْنُ في البيع والشراء: الوَكْس " (النقصان). ويقال هذه الناقة ما شئت من ناقةٍ ظَهْرًا وكَرَما غير أنها مغبونة: لا يُعْلَم ذلك منها " (أي هي خفية الأمر، أو لا تُقَدَّر حق قدرها بل تنتقص). ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ هو يوم القيامة. والتغابن فيه بتفاوت الدرجات حسب الأعمال، وتبادل الحسنات والسيئات بين المُعتَدِين والمظلومين. ومن معنى الغبْن فيه أنه يقع رغما لا اختيارًا، وأنهم لفداحة الخسران يظنون أن سيئاتهم لا تبلغ ما لقوا من سوء. فيشعرون بالوكس الجسيم. والتفاعل يعبر عن التبادل وعن المقابلة.
ومن ملحظ امتداد النقص في الداخل: "غَبِنَ الشيءَ (تعب): نسيه وأغفله وجَهِلَه (خلا ذهنه منه)، وغَبَنَ الرجلَ (ضرب): مرّ به وهو ماثل فلم يَرَه ولم يَفْطِن له. وغَبِنَ رأيُه (كتعب): ضَعُفَ/ نَقَص "
° معنى الفصل المعجمي (غب): هو الغئور والغياب أو الاستتار. كما يتمثل في الغُبّ: الغامض من الأرض -في (غبب)، وفي الغابة الأَجَمةِ ذات الشجر المتكاثف الذي يُخفِي ما تحته -في (غيب)، وفي الغَبَرة: الرَهَج الثائر وهو يُخْفِي ما يغشاه - في (غبر)، وفي الإبط وباطنه وكذا باطن الرفغ -في (غبن).
стр. 1554
الغين والثاء وما يثلثهما
• (غثث):
"غَثِيثةُ الجُرْح: مِدَّته وقَيحُه ولُحمه الميت ".
° المعنى المحوري فساد مادة متجمعة (١): كغثيثة الجرح المذكورة.
• (غثو - غثى):
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥]
"الغُثَاء - كغُرَاب ورُمَّان: ما يحمله السيل من القَمْش وَرَق الشجر والزَبَدِ
والحَشِيش والوَسَخ. غَثَا الماءُ يَغْثُو: كَثُر فيه البَعَرُ والوَرَقُ والقَصَبُ. وغَثَى الوادي (كبكى) ".
° المعنى المحوري تجمُّعُ ما هو هَشٌّ فاسدٌ أو عديمُ النفع طبقةً: كذلك القمش. فمن التشبيه به ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ [المؤمنون: ٤١]. وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥] قالوا إن تقدير الآية أخرج المرعى أحْوَى (أي أخْضَرَ) فجعله غثاء بعد ذلك (ففصل بين
стр. 1555
الموصوف وصفته)، كما لو قيل: أخرج المرعى (ثم بعد ما كبر وهاج يبس فلما يبس اسودّ من احتراقه فصار غثاء أحوى) (أى بإيجاز الحذف) [قر ٢٠/ ١٨].
ومنه "غثيت نفسُه (تعب وكبكى): جاشت وخبثت. . . وتحلّب الفم، وربما كان عنه القيء، وهو الغَثيان "-بالتحريك (ويكون عادة من فساد ما تجمع في المعدة فتطرده أو تكاد، وهذا يشبه طفو الغثاء متجمعًا فوق ماء السيل).
• (غوث):
﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الأحقاف: ١٧]
"غوّث الرجل واستغاث: صاح واغوثاه. وفي حديث هاجَر أم إسماعيل ﵉ فهل عندك غَواث. الغَواث - كالغِياث من الإغاثة. ضُرِب فلان فغَوَّثَ تغويثًا: إذا قال واغوثاه. والغِياث: ما أغاثك اللَّه به. ويقول الواقع في بلية: أغثني أي فرّج عني ".
° المعنى المحوري الصياح طلبًا لتفريج شدة نازلة: كما هو واضح في الاستعمالات المذكورة. وما يُغَاث به يكون في كل شدة بحسَبها. فاستغاثة السيدة هاجر كانت طلبًا للماء. والذي يُضْرَب غَواثُه كَفُّ الضرب عنه. وتفريج البلية بحسبها. ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] (طلبوا الماء فأُغيثوا بماء كالمهل)، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ﴾ [الأحقاف: ١٧]، (يجأران إليه تعالى من إنكار ابنهما البعث. وكأن الاستغاثة باللَّه هي من أجل أن يهديه) [وفي البحر ٨/ ٦٢] "أي يقولان: الغياث باللَّه منك ومن قولك وهو استعظام لقوله. ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] "يغوث صنم كان
стр. 1556
لمذحج " [ل] وفي [بحر ٨/ ٣٣٥] كلام مطول عن يغوث وسائر تلك الأصنام.
• (غيث):
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]
"الغيث: المطر والكلأ. وقيل الأصل المطر، ثم سُمّيَ ما يَنْبُت به غيثًا. غاث الغيثُ الأرض: (باع): أصابها. غاث اللَّه البلاد يَغيثها: أنزل بها الغيث. غَيْث مُغيثٌ: عامٌّ. بئر ذات غيّث - كسيد. أي ذات مادّة. والغيّث كسيّد: عيلَم الماء ". (العَيْلم: البئر الكثيرة الماء الواسعة). وفي [تاج]: "الغيث: المطر، أو الذي يكون مساحةُ عَرْضه بريدًا، (أو) شهرًا " (البريد ١٢ ميلًا [ينظر متن اللغة] = ٢٣ كم).
° المعنى المحوري ماء ينتشر مطرًا أو يتوالى من كثرته: كالماء الموصوف. "وربما سمي السحاب، والنبات غيثًا. والغيثُ: الكلأ ينبت من ماء السماء "اهـ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]، ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠].
بقى أنه يمكن أن تلحظ علاقة بين معنيي التركيبين (غوث، غيث) وكأن الأصل هو الغيث الماء. ويزكيه أنه هو الحياة ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فيمكن أن ندعي أن الأصل في الاستغاثة طلب الماء حقيقة، ومن هذا نقلت إلى طلب الرفق والرحمة وهما مناسبان للماء، فكلاهما رقة، كما أن كليهما إبقاء على المستغيث ونجدة له. ومما يؤيد ما قلنا ما جاء في (غوث) "والمغاوث المياه ". وربما يؤيَّد هذا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] هم يطلبون ماء، فيؤتون بماء، لكنه كالمهل ونعوذ باللَّه
стр. 1557
تعالى. وحديث السيدة هاجر "فهل عندك غَواث "وهي إنما كانت تطلب الماء.
° معنى الفصل المعجمي (غث): هو جنس من التجمع أو التراكم لمادة هشة أي خفيفة الكثافة أو القيمة. وخفة القيمة قد تتمثل في كون المتجمع فاسدًا كغثيثة الجُرح: قجه ومِدّته ولحمه الميت -في (غثث)، وكالغُثاء: ما يحمله السيل من القَمْش: ورقِ الشجر والزَبَد والحشيش -في (غثو)، ثم الغثيان -في (غثى)، وكصياح الاستغاثة وهو صوت لطلب التجمع لإدراك المستغيث -في (غوث) - والهشاشة كون ذلك صوتًا لا مادة صلبة أو كون التجمع غير موجود، وكالمطر الواسع وسعته هي التجمع مع كونه ماء -في (غيث).
الغين والدال وما يثلثهما
• (غدد):
"الغُدَّة -بالضم: كل عُقدة في جسم الإنسان أطاف بها شَحْم، وكل قطعة صُلبة بين العصب ".
° المعنى المحوري عقدةٌ صُلبة في بدن الحي تتكون أصلا من لحم رخو (١):
стр. 1558
كتلك العقدة. ومنه "الغُدَّة: طاعون الإبل (مظهره كالغدة الموصوفة)، وأَغَدَّ عليه: انتفخ وغضب " (الغضب غلظ في الجوف كالعقد).
أما "الغُدّة -بالضم: القطعة من المال "فمن مجرد التجمع الجزئي -أي دون قيد كون ذلك في بدن حيّ.
• (غدو):
﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]
"الغُدوة -بالضم: البُكْرَة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس - ومثلها الغداة. غدا عليه بغدو غَدْوًا -بالفتح وكقُعود- واغتدى: بكّر ".
° المعنى المحوري ظهور ضوء الصباح متزايدًا بعد الظلام: كضوء الصباح من وسط غَبَش الفجر ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] (خرجت في ذلك الوقت)، وكذا ما في [القلم: ٢٢، ٢٥]. و "الغَدُ (اليوم التالي) أصله الغَدْو -بالفتح: فإذا قالوا في عشية يوم (أو صباحه بعد الغُدْوة): نفعل كذا غدَا أو غُدْوَةَ أي في الوقت المبكر فلا يتأتى ذلك إلا في اليوم التالي، ومن هنا دلت كلمة (الغَد) على اليوم التالي. ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ [يوسف: ١٢] ثم أطلقت على المستقبل عامة ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦]. وكذا كل (غَد) إلا ما في [الكهف: ٢٣] فإنها تحتمل اليوم التالي وكل توقيت مستقبلي. و (الغدُوّ) أصله مصدر (غدا)، واستُعمل في وقت ذلك، واتسع فيه إلى وقت
стр. 1559
البكور الشامل للضحوة في مقابل الأصيل والعشى والرواح ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. والغَداة: الضَحْوة مقابل العشي ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢، الكهف: ٢٨] والغَدَوىّ - كنبوى: كل ما في بطون الحوامل - نسبة إلى ذلك، لأنه مرجو في الغد: المستقبل قال: ﴿كالغَدَوِيّ يُرْتَجَى أن يُغْنِي﴾
والغَداء: طعام الغُدْوة. وقد أطلق في الحديث الشريف على طعام السحور "هَلُمّ إلى الغداء المبارك "لبكوره ومجاورته الغُدْوة، كما أُطلِق على رَعْي الإبل في أول النهار، وعلى الطعام الذي يؤكل في أول النهار ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢].
• (غدر):
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]
"الغدير: مُسْتَنْقَع ماء المطر (ويؤخذ من قولهم "غُدُر تناخس " (أي يصب بعضها في إثر بعض)، ومن قول الأساس "استغدرت اللِهاب " (ج لِهب. بالكسر: مَهْواة ما بين الجبلين) أنه يَرْكد بها ماء كثير يبقى طويلًا). و "في النهر غَدَر -بالتحريك: وهو أن ينضب الماء ويبقى الوحل. الغَدَر: الأرض الرِخْوة ذاتُ الجِحَرة والجِرَفة واللخاقيق (مسايل الماء لها أجراف). . والجراثيم (: تجمعات من طين) ".
° المعنى المحوري تَخلُّفُ مائع أو رخو عن المصدر أو الأصل يمتد أي يبقى: كتلك الغُدْران المائية والأغدار. ومن مادّى هذا الامتداد مع الرخاوة ومع الخلفية (أي كون الشيء في الخلف) ماديّة صريحة: "الغدائر: ذوائب الشعر المضفورة تكون في الخلف. وغَدِرَت الناقة عن الإبل (تعب): تَخَلّفت في السَوْق
стр. 1560
ولم تلحق [متن]، وغَدَر عن أصحابه: تخلف. وغادره: تركه وبقّاه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. ومن الترك كذلك ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
أما "غَدِرت الغنم (تعب): شَبِعَت في المَرْج في أول نَبْته ولم يُسْأل عن أَحَظّها لأن النبت قد ارتفع "اهـ فهذا من الإقامة (بقاء وهو من جنس التخلف) في رخاوة الغَدَر المتمثلة هنا في كثرة المرعى أو كونه ناشئًا عن الغُدْرَان والغَدَر.
وأما "ليلة غَدِرة - كفرحة بينة الغَدَر -بالتحريك، ومُغْدِرة - كمُحْسِنة: شديدة الظُلْمة "، "والغَدْراء -بالفتح: الظُلْمة "فإن الظلام يَخْلُف الضوء، كما أن الظلام رخاوة لأنه فقد حدّة الضوء (ينظر غدو) مع إحساس بالامتداد طولًا.
"والغَدْر: نقض العهد "إنما هو تركٌ وعَدَمُ تمسك، فكأنه تَخَلُّفٌ عن اللحاق، وفيه مع ذلك رخاوة التسيب وعدم الصلابة (التي هي صِدْقُ الوعد أو الحِلْف أو حق الصحبة. .).
• (غدق):
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]
"الغَدَق -محركة: المطر الكثير العامّ، والماء الكثير. وغَدِق المكان (فرح): كثرُ النَدى أو الماءُ فيه. أرض غَدِقة - كفرحة: في غاية الرِيّ نديّة مبتلّة أَو رَيَّا كثيرة الماء وعُشْبُها غَدِق، وغَدَقُه: بَلَله ورِيّه. وقد غَدِقت عينُ الماء (تعب): غزُرت ".
° المعنى المحوري شبع باطن الشيء وأعماقه بالرِيِّ ماءً أو رخاوة: ككثرة ماء المطر (من السحاب) ورِيّ أثناء الأرض والنبات، وغزارة ماء العين.
стр. 1561
﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ هذا كناية عن توسعة الرزق، لأن الماء أصل المعاش [بحر ٨/ ٣٤٥] ومنه: "عام غَيْداق: مُخْصِب، وعيش غَيْدَق وغَيْداق: واسعٌ مُخْصب (رَخِىّ). وشابٌّ كذلك: ناعم، والغيداق من الضِباب - كرِحال: الرَخْص السمين ".
° معنى الفصل المعجمى (غد): هو تجمع الرخو تجمعًا شديدًا كالغُدّة العقدة في بدن الإنسان إذا أطاف بها شَحْم -في (غدد)، وكتجمع الظُلمة مع الضوء في الغُدْوة -في (غدو)، وكتجمع الماء في الغدير -في (غدر)، وكتجمع المطر والندى في المكان الغَدِق والأرض الغدقة -في (غدق).
الغين والراء وما يثلثهما
• (غرر - غرغر):
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]
"كل كَسْر مُتَثَنٍّ في ثَوْب أو جِلد (فهو) غَرٌّ -بالفتح- كغُرُور القَدَم: خطوط ما تثنى منها (من باطنها)، وغُرُور الفَخِذَين: كالأخاديد بين الخصائل. وغَرُّ الظهر: ثِنْى المَتْن. والغَرُّ -بالفتح أيضًا: الشَقُّ في الأرض، ونهر دقيق في الأرض، وكل طُرْقَةٍ من شرَك الطريق. والغِرَارة - كرسالة: الجُوَالِق. والغُرْغُرة -بالضم: الحوصلة. وملأ غَراغره: أي جوفه ".
° المعنى المحوري غئورٌ (عارض) بدقة وامتداد مع غضوضةٍ ما (١):
стр. 1562
كاختفاء الغائر من كسور الثوب وباطن القدم والفخذين وغَرّ الظهر وشق الأرض وشَرَك الطريق بدقة وامتداد في الكل (وبين الغضوضة الطراءة والانثناء تلازم والخفاء زائل) وكالغِرارة والحوصلة والغراغِر - وكل من هذه الثلاثة تجوف غائر ممتد في حَيّز دقيق، يُدْخَل إليه الطعام وهو غض، أو متسيب كالغض. ومن مادّى ذلك أيضًا "الغِرار - ككتاب: المثال (= القالب الذي يُطْبَق على النصل تُضْرَب عليه النصال لتصلح، وهو ممتدّ ليّن يستجيب للطرْق). ومنه قيل "بيوتهم على غرار واحد، ورميت أسهمًا على غِرار واحد أي مَجْرَى واحد،
стр. 1563
وَوَلَدَت ثلاثةً على غرار واحد أي بعضهم في إثر بعض ليس بينهم جارية " (كأنها على قالب واحد). ومن ماديّه "التغرغر بالماء وغيره "فهو ترديدُ الماء في تجويف الحلق الممتد ثم مجُّه. ومنه أيضًا "غَرّ الطائرُ فَرْخَه: زَقَّه (أدخل منقاره وفيه العَلَف في عُمق منقار فرخه فيصل إلى حوصلة الفرخ). ويقال "غُرّ في سقائك وذلك إذا وضعه في الماء ومَلَأَه بيده يدفع الماء فيه دفعًا بكفه ولا يستفيق حتى يملأه "اهـ. ومن ذلك "غِرار السيف: شَفْرتاه (يغور بهما في بدن الضريبة).
ومن بقاء الغضّ في العُمق أي كون مَا في العمق غضًّا طريًّا ليس صُلبًا ولا حادًّا "الغِرُّ -بالكسر، والغرير: الشاب الذي لا تجربة له/ ليس بذي نَكْراء، ولا يفطَن للخداع. والغِرّة -بالكسر كذلك: الجارية الحَدَثة التي لم تجرب الأمور. ومن هذا "المؤمن غِرّ كريم: ليس بذي نَكْراء لا يَفْطَن للشر ويغفُل عنه ". كل هذا من خفاء الأمور عليهم أخذا من الغئور الممتد في المعنى الأصلي. ومن هذا الخفاء: "غرّه: خَدَعه وأطمعه بالباطل " ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] أي الذي افتروه وهو قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤]، ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] [بحر ٢/ ٤٣٥]. فهم افتروا أمورًا لا صحة لها ولا حقيقة، ثم اغتروا بها واعتمدوا عليها في الإعراض عن الإسلام. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: ٣٣] (أي بزخارفها ومطامعها فتوهمكم باطلًا بأمور حسنة - رغم أنها هشّة لا صلابة لها أي لا حقيقة لها. ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] الغَرور -بفتح الغين: الشيطان، أو الدنيا وهي صفة غالبة. الغَرور: ما غرّك (أي خدعك) من إنسان وشيطان وغيرهما [ل]. ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]
стр. 1564
"أي ما خَدَعك وسوّل لك حتى أضعت ما وجب عليك/ ما خدعك بربك وحملك على معصيته والأمن من عقابه فزين لك المعاصي والأماني الكاذبة " [ل] وأقول إن هذا السؤال تأنيب بالهبوط عن مستوى الأهلية للكرم وتقديره وهو قريب من ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات ٦]. وكل ما في القرآن من التركيب فهو من الغرور بمعنى الخَدْع والتسويل هذا.
ومن غئور الشيء في العمق يتأتى معنى النقص: "الغِرار: نقصان لبن الناقة (تخفيه في باطنها إنكارًا للحالب أو نفورًا ينظر ل)، وكذلك: "الغِرار في الصلاة نقص ركوعها أو سجودها، وكذلك: "الغَرَر في البيع "؛ لأنه من الجهل بحقيقة الصفقة كبيع السمك في الماء والطير في الهواء. والجهلُ من الخفاء. وكذلك منه التغرير بالنفس "غرر بنفسه: عَرّضها للهَلَكة من غير أن يعرف ".
أما قولهم: "الغرير: الكفيل وأنا غَريرُ فلان أي كفيل "فهو من دخول الشيء في الأثناء، كما يقال: ضَمِنه فهو في ضِمْنه، أي في أثنائه وذمته.
ومن زوال الخفاء في المعنى الأصلي "الغُرّة -بالضم: بياض في جبهة الفرس (فهو شية دقيقة في شعره ناشئة من باطن جلده كأنها كانت غائبة فيه، وهي ممتدّة) ومنه قيل "الأغر: الأبيض ". ومن مجاز هذا "رجل أغر: شريف، وهو غُرّة من غُرَر قومه: شريف من أشرافهم "ومن ذلك: "غُرَّةُ الهلال: طلعته (أو لحظوا أنه الهلال حافة دقيقة تمتدّ من سائرة الخفى. كما في "غرّر الغلام - ض: طلع أول أسنانه، والغرة -بالضم أيضًا: العبد أو الأمة "يُدْفَع ديةً للجنين إذا أُسْقِط ميتًا، لأن المقصود أن يساوي عُشر الدية فهو من الدقة بمعنى ضآلة القدْر. أما إذا أُسقط حيًّا ثم مات ففيه الدية. وقالوا "غرر الغلام - ض: طلع أول أسنانه ".
стр. 1565
أما قولهم: "يوم أغرّ: شديد الحرارة "فهو من البياض أي بياض الشمس حيث يشتد لذع الشمس كلما كانت ناصعة، قال الأصمعي: ظهيرة غرَّاء أي هي بيضاء من شدة الحر كما يقال هاجرة شهباء " [ل].
• (غرو - غرى):
﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]
"الغراء - ككتاب: الذي يُلْصَقُ به، وما طُلى به. غَرَوت الجِلْد: أَلْسَقْتُه بالغِراء. وغَرَا السِمَنُ قلبه: لَصِقَ به وغطّاه. وغَرِىَ به (كرضى) غَرَاةً: لَزِقَ به ولَزِمَه. وغَرَوْتُ السهم وغَرَيْته ".
° المعنى المحوري لصوق مع رخاوة ما واسترسال: كالغِراء والطلاء ولصوق الشحم على القلب والصاق الريش بالسهم. ومن ذلك "الغَرَا - كالفتى: الوَلَدُ الرَطْب جدًّا، وكل مولود غَرًا حتى يشتدّ لحمه كولد البقرة الوحشية والحُوار " (يكون كأنه لحم متلاصق/ كتلة لحم).
ومن لصوق الشيء بآخر أُخِذَ معنى لحاقه به وإمساكه إياه ثم لزومه إياه. ومنه: "أغريت الكلب: آسدته وأَرشته. وأغرى بينهم العداوة: ألقاها كأنه ألزقها بينهم ": ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَة﴾. ومنه: "غَرِىَ بالشيء (كرضى): أُولع به (لازمه): ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠]. ومنه: "الغزو: العَجَب. لا غَرْوَ أي لا عَجَب ". [قارن (عجب) في أخذ التعجب مما هو ككتلة اللحم المتجمعة).
أما "الغَرِىّ - كغنى: الحسَن الوجه "فهو من ذلك الأصل، كما نقول: جذاب.
стр. 1566
• (غور):
﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]
"الغار: مَفارة في الجبل كالسَرَب/ الكهفُ والجُحْر الذي يأوي اليه الوَحْش. والغَوْر -بالفتح: المطمئن من الأرض كالغار فى الجبل. والغارُ: الجماعة من الناس (كالجيش)، وشَجَرٌ عِظَامٌ له ورَقَ طوال أطول من ورق الخِلاف. . .، والغبارُ ".
° المعنى المحوري تجوف قوي يمتد متعمقًا في أثناء شيء: كذلك الغئور في جرم الجبل والأرض، وكجماعة الجيش سُميت من القُدرة على الاقتحام فهي بمعنى اسم الفاعل، والشجر الموصوف تمتد ساقه بين أوراقه أو في السماء والجوّ كالجوف، والغبار يسطع في الجو. فمن غار الجبل ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ [التوبة: ٥٧] هي الغِيران والسراديب يُستتر فيها. [قر ٨/ ١٦٥].
ومن الدخول في مثل ذلك التجوف: "غَارَ: أتى الغَوْرَ، والشمسُ: غَرَبت، وعينُه: دَخَلَتْ في رأسه، والماءُ: ذهب في الأرض، سفل بها. فالماء غور وغائر. ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠ وكذا ما في الكهف: ٤١]: أي غائرًا ". ومنه: "الغار: الخيل المغيرة. وأغار عليهم: دفع عليهم الخيل "، كما يقال: اقتحم خطوط العدو. وبإغارة الخيل فُسِّر قوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات: ٣] (وياله من حض على الجهاد).
ثم قيل "أغار الفرس: اشتد عدْوُه وأسرع " (تعمق في ما أمامه).
ومن دقيق ذلك الدخول: "الغار: الغُبار " (يدخل في أثناء كل شيء).
стр. 1567
"والإغارة (في فتل الحبل): شِدَّة الفتك (بحيث تدخل كلٌّ من قُوَى الحبل في ثنايا ليّات الأخرى)، واستغار فيه الشحم: استطار وسَمِن/ اشتد وصَلُب ". (الشحم يتربى في أثناء اللحم في ثنايا البدن). ومنه "غار الغيث الأرض: سقاها. غارهم: مارهم. غارهم اللَّه بخير: مارهم "فهذا كله من التغلغل في الأثناء. وقد ذكر معناه في [ل] غير . والصواب ذكره في غور، لأنه من معناه. وقد ذكرت هذه الاستعمالات في [تاج] في [غور، غير].
وقولهم: "الغائرة: نصف النهار، والقائلة. وغَوَّروا: دخلوا في القائلة " (من الدخول في المقيل، أو من كون الشمس في كبد السماء أي في أعمقها حينئذ، أو من أنها بعد ذلك تزول إلى الغروب - كما سُمّي الزوال).
• (غير):
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥]
"غار الرجلُ على امرأته، والمرأةُ على بَعْلها: (دخلته) الحَمِيَّة والأَنَفَة. والغِيار: البِدال - ككتاب فيهما. غَايَره: عارضه بالبيع وبادله. تَغَيَّر الشيءُ عن حاله: تَحول. غيّره - ض: حَوّله وبَدّله كأنه جعله غَيْرَ ما كان. وغيّر عليه الأمرَ: حَوَّله. والغِيَر - كعِنَب: الدِيَةُ. غاره يغوره ويَغِيره: وَدَاه ".
° المعنى المحوري تحوُّلُ الشيء لحدَة تخالطه تحولا تامًّا أو أو كالتامّ. كتحول نفس الغَيْرانِ من الرضا ونحوه إلى الغضب الشديد، وكالمبادلة في البيع لرغبة النفس عن المتروك، وكالتحوّل من القصاص إلى الدية. (وأرجح أن الأصل أن هذا التحول يكون من حَسَن أو خَير إلى شر. كما جاء في الآية الكريمة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
стр. 1568
[الأنفال: ٥٣]، وكذلك سياق الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. وكذلك: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥]، والتعبير عن المصائب بـ "غِيَر الدهر "، والقدماء كانوا يستعملون "تَغَيَّر عليه "و "تَغَيَّر له "في الشر. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] في [بحر ٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠] عشرة أقوال في هذا التغيير يشمل أكثرَها تغييرُ الأبدان عما خلقها اللَّه عليه، وإفساد الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها.
والتحول من ذات أو حال إلى ذات أو حال أخرى ينشأ عنه معنى الاختلاف والمخالفة من جهتين: أولاهما أن أحدهما مختلف عن الآخر ضرورة. والثانية أن المتأخر منهما يخلف السابق. قالوا: "تغايرت الأشياء: اختلفت ".
ومن هذا الاختلاف جاءت (غير) صفة بمعناه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] وجاءت بمعنى الاستثناء من حيث إن الاستثناء يعني أن حال المستثنَى أو أمرَه يختلف عن حال المستثنى منه: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، وجاءت بمعنى النفي أخذًا من معنى الاختلاف، لكن مع صرف النظر عن المختلَف عنه والاقتصار على أن الموصوف بها مغاير لكذا أي ليس كذا. والضابط التقريبي لهذا أنه إذا كان معنى التبديل واضحًا مقصودًا فهي للتعبير عنه مثل ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] فالسياق لبيان تحريم هذا الذي ذكر اسم غير اللَّه عليه. ومن هذا ما في [آل عمران: ٨٣، ٨٥، النساء: ٨١، ٨٢، المائدة: ٣، الأنعام: ١٤، ٤٠، ٤٦، ٩٣، ١١٤، ١٤٥، ١٦٤، الأعراف: ٥٣، ١٤٠؛ ١٦٢، الأنفال: ٧، يونس: ١٥، إبراهيم: ٤٨، النحل: ٥٢، ١١٥، النور: ٢٧، القصص: ٧١، ٧٢، فاطر: ٣، ٣٧، الزمر: ٦٤، الطور: ٤٣ وكل (غير
стр. 1569
المضافة للضمير)]. وإذا كان السياق لبيان تنحية شيء معين بحيث يصح وضع (لا) أو (ليس) مكان (غير) فهي للنفي، مثل: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]، وإن كان السياق لاستبقاء شيء معين ونفي كل ما عداه فهي للاستثناء ويصلح مكانها (إلا)، مثل: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]. وكذا ما في [الروم: ١٥٥، الذاريات: ٣٦] وما عدا ما كانت للتبديل وللاستثناء فهي للنفي. وبعض السياقات يتأتى فيه أكثر من معنى لـ (غير).
• (غرب):
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]
"الغرب -بالفتح: الدلو العظيمة من مَسْك ثَوْر (: أي جلد ثور/) الدلو الكبير الذي يُسْتَقَى به على السانية (: آلة لرفع الماء)؛ الغارب من (ذي) الخف: الكاهلُ، وهو ما بين السنام والعنق. والغاربان: مقدَّم الظهر ومؤخَّره. وغَواربُ الماءِ: أعلى مَوْجه. والغُرابان: طرفا الوركين الأسفلان اللذان يليان أعالي الفخذين، والغُرَاب: قذال الرأس (= قفاها)، وغُراب الفأس: حَدّها/ طَرَفها. وغَرْبُ السيف: حَدّه. و "كُنُس الوحش: مغاربها لاستتارها فيها "والغراب: الجليد والثلج ".
° المعنى المحوري الانصباب (= الانحدار) إلى مقر أو مَغار عَبْرَ مسافة ما بِثقَلٍ أو قُوَّةٍ: كما تنصبّ الدلو الموصوفة في بئر السانية بقوة لعِظَمها أو كما ينصب الماء فيها بقوة لعظمها أيضًا، وكما تنحدر غوارب الإبل، ورأس الموج، وكانحدار غُرَابَيْ الوَرِكين وقَذَال الرأس، ونفاذِ حد الفأس والسيف في ما يُضرَب بها، ودخول الغِزْلان في كُنُسها. وتجمدُ الماء من باب التداخل الشديد
стр. 1570
تصورًا كأن أثناءه تغلغلَ بعضُها في بعض بقوة، فتماسكتْ معًا. وهذا التغلغل من باب الانصباب لقوته.
ومن ذلك: "غروب الشمس "بانصبابها من الأفق وغيابها في أدناه: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، وكل فعل (غَرَبَ) ومضارعه ومصدره الغروب فهي للشمس، و (المغرب) جهة الغروب، ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠ وكذا ما في الأعراف: ١٣٧] هناك أثر عن ابن عباس ﵄ يمثل تصور العرب أن للشمس مشرقا ومغربا لكل يوم، وفي التثنية يراد أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصرُ يوم في الأيام القصار [ينظر قر ١٥/ ٦٣ - ٦٤]، وكذا الأمر في الغروب. ولا مجمل على الإسلام كلام أمية عن جلد الشمس ولا التعليق على هذا، المسند لابن عباس مبدوءًا بقسم [نفسه]. ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] أي الجبل الغربي [قر: ١٣/ ٢٩١] أي الذي في جهة الغرب. والغرب من الشجر ما أصابته الشمس بحرها عند (اتجاهها) للأفول: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]-أي هي شرقية وغربية معًا، فالنفي للانفراد؛ إذ هي في صحراء لا يواريها عن الشمس شيء، وهو أجود لزيتها. وقيل غير منكشفة من أي الجهتين. . . [قر ١٢/ ٢٥٨].
ومن مادى الأصل: "فرسٌ غَرْبٌ -بالفتح: مُتَرامٍ بنفسه مُتتابعٌ في حُضْرِه لا يَنْزع حتى يَبعُد بفارسه (كأنما ينحدر بانصباب وقوة خى يغضب وراء الأفق). وسهم غَرْب: لا يُعْرَفُ راميه (لا يُلْحظ إلا اندفاعه من بعيد وإصابته مَن
стр. 1571
أصابه). وأغرب في الضحك والجري إلخ، واستغرب: لجّ فيه (اندفع واسترسل لا يتوقف). والغَرْب -بالفتح: عِرْق في مجرى الدمع يَسْقِى ولا ينقطع، وغَرْبُ الفم: كثرة ريقة. والغَرَب -بالتحريك: الماء السائل بين البئر والحوض " (كل ذلك انصباب).
ومن معنوى الحدة المتمثلة في نفاذ حَدّ السيف والفأس في الضريبة قاطعًا: "لسانٌ غَرْبٌ، وفي خُلُقه غَرْب -بالفتح أي حِدّة ".
ومن الأصل: "الغُربة، والغُرب -بالضم والفتح: النَوَى والبُعْد/ النزوح عن الوطن (ابتعادٌ، وطول المسافة يقابل قوة الاندفاع، ثم اختفاءٌ كالغئور) والاختفاء لازم للغئور كما في "كُنُس الوحش: مغاربها ""وكل ما واراك وستك فهو مَغْرِب ".
ثم قالوا: "أَغْرَبَ: أتى بأمر غَريب - (ليس معروفًا أو مألوفًا هنا كأنه جاء من مكان بعيد). وإغراب الدابة: أن يشتد بياضه حتى تبيض محاجره وأرفاغه " (إما من الغرابة وإما من اغتراق البياض إياه).
أما "الغَرْب -بالفتح: شَجَر تُسَوَّى منه الأقداح البيض "فأراه من شدة صلاته وهذا تداخل وشدة بحيث يعمل منه الأقداح - تأمل معنى التداخل في "الغُراب: الجليد والثلج ".
وأما الغُرَاب فسمي لسواده التام كأنه غارق في السواد. والعامة تقول أسود غطيس. وقد ضربوا المثل بسواده فقالوا: "أسود من حلك الغراب ". وميزوا غير الأسود منها بأسماء كالأبقع. وقد سمَّوْا "الخمر السوداء غِرْبانًا كجمع غراب ". وغُراب البَرير عنقوده الأسود. والشيء الغِربيب: الشديد السواد ج: غرابيب:
стр. 1572
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ [المائدة: ٣١]، ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] أي سود شديدة السواد "والمغارب: السودان ".
• (غرف):
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]
"الغُرفة -بالضم: العُلِّيَّة. غَرَفَ الماء (من البئر، أو من النهر): أخذه بيده، وغَرَفَ المرَق (من القدر): أخذه " (بالمغرفة).
° المعنى المحوري رفعٌ جزئي بلُطْف من مقر عميق (للأخذ أو الاحتباز): كالغُرْفة التي هي بيت فوق البيت الذي على الأرض: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]: واحدها غُرْفة وهي العُلِّية، والجمع في [العكبوت: ٥٨، سبأ: ٣٧ أيضًا]. وكأخذ الماء من النهر أو البئر باليد، وأخذ المرق من القدر (بالمغرفة): ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. الغُرْفة هنا ملْء اليد ماء تناولا من مقر عميق.
ومن ماديّ الأخذ: "الغرفة -بالضم: حبل معقود بأنشوطة في عنق البعير (يؤخذ به)، والناصية (يؤخذ بها أو تجز)، والخُصْلة من الشعر " (تعميم للناصية). ومنه: "الغَرَف: بالتحريك: شجر يُدْبَغ به (الدبغ يكون بمادة تأكل أو تُحرِق (أي تأخذ) ما يكون في باطن الجلد من شحم وغيره حتى يجف)، وجنس من الثُمام شبيه بالأسل تتخذ منه المكانس [متن] (إزالة يُعبَّر عن مثلها بالرفع من المكان). والغريف، وبتاء: الأَجَمة من البردي والحَلْفاء والقَصَب. والغَرَف -بالتحريك أعتم من أحد عشر نوعًا من النبات ذُكِرت في [متن]. يمكن أن ينظر إلى هذا وذاك على أنه مجرد نبات يرتفع ويُجَزّ، أو تتخذ منه المكانس. والجزّ
стр. 1573
والكنس إزالة من جنس الرفع.
• (غرق):
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]
"غَرِقَ (تعب): رَسَب في الماء [قال في ل ١٥٧] و "الغرق في الأصل دخول الماء في سَمَّى الأنف حتى تمتلئ منافذه فيهلك ". والغَرِقة - كفرحة: أرض تكون في غاية الرِّى ".
° المعنى المحوري رسوب إلى عمق مائع، أو تغلغل مائع في أثناء العمق، وهما صورتان لمعنى واحد هو التغلغل في العمق بمخالطة مائع. ومن الصورة الثانية قولهم: "الغُرقة -بالضم: مثل الشُربة من اللبن وغيره. فالأرض الغَرِقة عُدَّت كذلك لعموم الماء أثناءَها كأنها هي في أثنائه، وما ذكره في تفسير الغرق هو من الصورة الثانية أو هو من لازم الأصل: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وكل ما جاء في القرآن من التركيب هو من الغَرَق في الماء - عدا (﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] السياق (جمع اللفظين معا) يقضى أنها "الجماعات النازعات بالقِسِيّ إغراقًا "، أي من قولهم: "أغرق النازع في القوس: بلغ غاية المدّ حتى ينتهي إلى النصل ". ثم يكون المراد القسم بالمجاهدين، أو التنويه بالسعي على المعاش صيدًا. وقد قيل إن المراد نزع الملائكة الأرواح من الصدور [بحر ٨/ ٤١١] فيكون المراد اللفت إلى الموت للاتعاظ.
ومن مادي الأصل تمامًا: "اغرورقت عيناه بالدموع: امتلأتا ولم تفيضا ".
ومنه -دون قيد المائع "الغِرْقى -بالكسر: القشرة الملتزقة ببياض البيض
стр. 1574
(غلاف تحت القشرة الصلبة يحيط بالبيضة فتكون هي في عمقه)، واغترق الفرس الخيل: خالطها ثم سبقها (نفذ في عمقها). واغترق النفَس: استوعبه في الزفير ". (يستعملون الزفير بمعنى سحب النفس إلى الرئتين).
• (غرم):
﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]
"الغرامة - كسحابة وقُفْل ومَسْكَن: ما يلزم أداؤه (كالدَيْن، والدية والحَمالة) والغارم: الذى يلتزم ما ضَمِنه وتكفل به "والزعيم غارم ". والغرام - كسحاب: اللازم من العذاب، والشرُّ الدائمُ والبلاءُ، والحُبُّ، والعشقُ، وما لا يستطاع أن يُتَفَصَّى منه. أُغرِمَ بالشيء - للمفعول: أُولِعَ به. وأَغْرمه وغرّمه الدينَ - ض: ألزمه بأدائه ".
° المعنى المحوري ملازمة الشيء الشيءَ وملازّته إياه كما قال ابن فارس: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]: الذين لزمهم الدَين في الحَمالة أو الدَيْن العام في غير معصية. (القيد "في غير معصية "هو لإجازة أخذهم من الزكاة). ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]: لازمًا دائمًا غير مفارق (لمن يقع به) [قر ١٣/ ٧٢]- وتفسيره بالهلاك، وأشد العذاب، والشرّ - بعيد. وكذلك: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] [ل ١٧/ ٢١٩]: لمَوُلَع بنا (كما لو كانوا يقولون: متابَعُون مُقْتَفَوْن بالبلاء)، أو لَمُلقَّونَ شرًّا (أي أُنْزل بهم وأُلْصِق بهم البلاء) وقيل في تفسيرها: لمعذبون أيضًا. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠ وكذا ما في التوبة: ٩٨، القلم: ٤٦] أي من غُرْم الأَجْر الذي حُمِّلوه وأُلْزِموه يشعرون بالثقل.
стр. 1575
° معنى الفصل المعجمي (غر): هو الغئور والدخول بامتداد ودقة ويلزمه اللصوق، والتغطي. كما في غرور القدم والثياب -في (غرر)، وكالتلاصق في (غرو/ غرى) كما أن التلاصق صورة من صور تداخل المتلاصقين بعضهما في بعض، وكما في الغار: المغارة في الجبل -في (غور)، وكامتلاء نفْس الغيران وباطنه بحدّة الغَيْرة -في (غير)، وكما في غئور الغرب أعني فَجْوته، وفَجْوة الغروب كما تبدو لنا -في (غرب)، وكما في وجود الطعام في جوف القِدْر فيُغْرَف بالمغرفة، ونظروا إلى أن الأصل أن تكون الحجرة على الأرض أي في الأسَفل ورُفعت إلى أعلى -في (غرف)، وكما في العمق الذي يرسب إليه الغارق -في (غرق)، وكما في لزوم الغرامة وما إليها، واللزوم لصوق وتداخل، كما مرّ في غرو -في (غرم).
الغين والزاي وما يثلثهما
• (غزز - غزغز):
"الغُزّ والغُزْغُز -بالضم فيهما: الشِدْق. وأغزَّت الشجرة إغزازًا: كَثُر شَوْكها والتفّ. . . ".
° المعنى المحوري شَقٌّ أو نفاذ بحدَّة ودقة (١): كشق الِشدْق، وكما ينفذ
стр. 1576
الشوك في البدن. ومنه "غزَّ به: اختصه من بين أصحابه (نفذ إليه بدقة من بين الآخرين أو اخترقهم إليه/ اختصه - كما يعبّر عن الدعوة الخاصة بالانتقار.
• (غزو):
﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ [آل عمران: ١٥٦]
"المُغْزِية - كمحسنة - من الإبل: التي جَازت الحِقّ (أي مثل الوقت الذي ضُرِبَت فيه أي الحَوْل - وهو أوانُ ولادها) ولم تَلِدْ. وأتان مُغْزِيَة: متأخرة النِتاج، وكذلك هي من الغنم: التي يتأخر وِلادها بعد الغنم شهرًا أو شهرين لأنها حملت بأَخَرة ".
° المعنى المحوري نشوبُ الشيء في باطن أو قرارُه فيه رغم عدم اعتياد ذلك القرار: كالجنين في البطن بعد أوان وِلادته. ومنه: "غزَا العدو يَغْزُوهم: سَار إلى قتالهم (ودخل أرضهم): ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: ج غازٍ كصائم وصُوَّم. وذلك الدخول والقرار تمكّن وتحوّز في المقر، ومنه قالوا: "غزوت الشيء: أردته وطلبته " (محاولة حَوْز).
ومن معنوى هذا "ما يُغْزَى من هذا الكلام؟: ما يُراد؟. وهو مغزاه ".
• (غزل):
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]
"غزلت المرأة القطن والكَتّان وغيرَهما، واغْتَزَلته (: فتلته خيطًا ممتدًّا يُلَفّ
стр. 1577
مرارا حول عود المِغْزل ليجتمع أو يلف مستقلًّا)، والمُغَيْزِل -بصيغة التصغير: حَبْل دقيق. والغَزْل -بالفتح: المغزول. الغَزَالة - كسحابة: عُشْبة من السُطَّاح ينفرش على الأرض يخرج من وسطه قَضِيب طويل يُقْشَر ويُؤكَل حُلْوًا. (ولها نَوْر أصفر من أسفل القضيب إلى أعلاه "-[متن]).
° المعنى المحوري تَحَوُّل الهشّ إلى شيء ممتد متين متميز: كالخيط المغزول من القطن والصوف والكَتّان إلخ، وكقضيب العشبة المذكورة مع أنها من السُطَّاح الذي ينفرش على الأرض. فمن غزل الصوف ونحوه: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾.
ومن مادى الأصل: "الغَزال من الظباء: من حين تلده أمه/ حين يتحرك ويمشي/ إلى أن يبلغ أَشدَّ الإحضار (وذلك حينَ يقْرِن قوائمه فيرفعُها معًا ويضعها معًا " [متن]) فهذا تحول واضح من الضعف إلى القوة.
ومن المعنوي: "غازل الأربعين: دنا منها/ قوي/ كاد يبلغ أَشُدّه ". (امتدّ إليها).
وسميت الشمس عند طلوعها إلى ارتفاعها غزالة لقوتها بعد ضعف. وقال في [ق] "لأنها تَمُدّ حِبالا (أشعة) كأَنّها تَغْزِل ".
أما "المغازلة محادثة النساء "فهي محاولة تكوين علاقة قوية من أمور تبدو لطيفة هشة. وقد أرجعوا أصلها إلى مشاركة الشبان الفتياتِ في الغزل. كمساعاة الإماء. وهو جيد إن ثبت أنه كان يحدث.
وأما "غَزِلَ الكلبُ (تعب): طَلَبَ الغزال حتى إذا أدركه، وأحس الغزال به، (فخَرِق) أي لَصِقَ بالأرض وَثَغَا من فَرَقِهِ = فَتَر عنه الكلب ولَهِىَ عنه "
стр. 1578
فذلك مأخوذ من اسم "الغزال "نفسه كما قالوا: "ذَهِبَ (تعب): هَجَمَ في المعدن على ذَهَبٍ كثير فَزَال عَقْلُه وبَرِقَ بَصَرُه ". وكذا يقال: "بَحِرَ: إذا رأى البحر ففَرِق ودَهِش. وأَسِدَ إذا دهِشَ من الأسد ". وأصل هذا من دلالة صيغة (فَعِل). ويقال للضعيف الفاتر عن الشيء غَزِلَ (كفرح) من هذا.
° معنى الفصل المعجمي (غز): هو النفاذ بحدة ودقة وامتداد: كنفاذ الشوك وهو حادّ دقيق قوي -في (غزز)، وكدخول أرض العدو غَزْوًا وهو نفاذ مادّي حادّ، وتجاوز الناقة والأتان وغير هما موعد ولادتهن دون أن تلدن، وهو نفاذ زمني دقيق لأنه خفيّ في (غزو). وكامتداد خيط الصوف والقطن دقيقا قويًّا أخذًا من تجمعهما المنفوش -في (غزل).
الغين والسين وما يثلثهما
• (غسس):
"غسسته في الماء: غططته. غَسّ الحوتُ في النهر: دخل فيه ".
° المعنى المحوري نفاذ الشيء في المائع قليل الكثافة -نحو الماء- بقوة: (١) كالحوت والشيء في الماء. ومن معنويه "غسّ الرجل في البلاد: دخل فيها ".
стр. 1579
• (غسق):
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]
"غسَقَت العينُ: دَمَعَتْ/ انْصَبَّتْ/ هَمَلَت بالعَمَش. غسَقَ اللبن: انصبّ من الضرع. وغسَقَ الجُرح (ضرب قاصر - غسْقا وغَسَقانًا): سال منه ماء أصفر ".
° المعنى المحوري سيلان ما في عمق الشيء من مائع فاسد: كدمع العين الرمداء (لاحظ كلمة العَمَش)، وكسيلان اللبن من الضرع والماء الأصفر من الجُرح. ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥ - ومثله ما في ص ٥٧]: هو صديد الجروح ونحوها - كقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦].
ومن مادي الفاسد المخالط للعمق: "غَسَقُ الطعام (= البُرّ) بالتحريك: نحو الزُؤان يكون فيه "فهو حب غريب عن البُرّ ينبت معه ويختلط وهو رديء، يُنْفَي منه، أو شأنه أن ينفي منه.
ومن ذلك: "غَسَقَ الليل وأَغْسَقَ: انْصَبَّ وأظلم. وغَسَقُهُ -بالتحريك: ظُلْمَته " (الظلمة كالغشاء الكثيف يزحف من جوف الأفق فيجتاح الضوء) ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. أما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]: فقد فُسَّر بأنه الليل إذا أظلم أو دخل. لكن روى في حديث حسن صحيح أنه القمر إذا غاب [قر ٢٠/ ٢٥٧] فإذا سُلِّم فلا ينبغي تجاوزه. واللغة تجيز إطلاق الغاسق على القمر لأنه جرم لطيف يمذ من الأفق مخترقًا سواد الليل. وبغيابه يعم الظلام، وما فيه من شر يستعاذ منه.
هذا، ودعوى تعريب الغساق عن التركية كما في المتوكلي للسيوطي -أو غيرها: زائفة في ضوء أن اللفظة تلتقي بمعناها الحسّىّ مع بقية معاني التركيب
стр. 1580
أليس الصديد وهو ماء الجرح أو الدمل في أثناء لحم البدن كالزؤان وهو شيء غليظ الوقع مكروه في أثناء الطعام، وكالظلام وهو غشاء كثيف في الأفق، وكالمتكاثف من اللبن والماء في الضرع والعين - حتى ينصبا منهما؟
وثَمّ ملحظ آخر هو أن قماش الطعام، وصديد الجرح، والدمع من العمش، واللبن المنصب من الضرع، كلها يصحبها فساد يتمثل فيها أو أدّى هو إليها. كذلك الظلام، هو من وجهة ما كثافة وإعتام لا يوازن ضوء النهار.
وأخيرًا فإن اللفظة ليست خارجة بوزنها عن أوزان العربية. فأني يؤفك أصحاب دعاوى التعريب هذه؟!
• (غسل):
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]
"الغسول - كتنُّور: الأُشْنان وما أشبهه من الحَمْض (نبات يستعمل كالصابون). والغُسْل -بالضم: الماء القليل الذي يغتسل به. غَسَل الشيء (ضرب) وهو إسالة الماء على الشيء لإزالة درنه (الخولي في معجم ألفاظ القرآن) وفي [ل]: الغُسْل تمام غَسْل الجسد كله ".
° المعنى المحوري إزالة ما علق بالشيء من دَرَن بمائع يقلعه: كما يفعل الغَسُول، وكالغَسْل: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] هو الموضع الذي يغتسل فيه. ويمكن أن يكون الذي يغتسل به.
﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦]: ما انغسل من لحوم أهل النار ودمائهم. . وما يسيل من جلودهم، حيث الغِسْلين ما يُغْسَل من الثوب ونحوه كالغُسالة.