الشوك في البدن. ومنه "غزَّ به: اختصه من بين أصحابه (نفذ إليه بدقة من بين الآخرين أو اخترقهم إليه/ اختصه - كما يعبّر عن الدعوة الخاصة بالانتقار.
• (غزو):
﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ [آل عمران: ١٥٦]
"المُغْزِية - كمحسنة - من الإبل: التي جَازت الحِقّ (أي مثل الوقت الذي ضُرِبَت فيه أي الحَوْل - وهو أوانُ ولادها) ولم تَلِدْ. وأتان مُغْزِيَة: متأخرة النِتاج، وكذلك هي من الغنم: التي يتأخر وِلادها بعد الغنم شهرًا أو شهرين لأنها حملت بأَخَرة ".
° المعنى المحوري نشوبُ الشيء في باطن أو قرارُه فيه رغم عدم اعتياد ذلك القرار: كالجنين في البطن بعد أوان وِلادته. ومنه: "غزَا العدو يَغْزُوهم: سَار إلى قتالهم (ودخل أرضهم): ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: ج غازٍ كصائم وصُوَّم. وذلك الدخول والقرار تمكّن وتحوّز في المقر، ومنه قالوا: "غزوت الشيء: أردته وطلبته " (محاولة حَوْز).
ومن معنوى هذا "ما يُغْزَى من هذا الكلام؟: ما يُراد؟. وهو مغزاه ".
• (غزل):
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]
"غزلت المرأة القطن والكَتّان وغيرَهما، واغْتَزَلته (: فتلته خيطًا ممتدًّا يُلَفّ
стр. 1577
مرارا حول عود المِغْزل ليجتمع أو يلف مستقلًّا)، والمُغَيْزِل -بصيغة التصغير: حَبْل دقيق. والغَزْل -بالفتح: المغزول. الغَزَالة - كسحابة: عُشْبة من السُطَّاح ينفرش على الأرض يخرج من وسطه قَضِيب طويل يُقْشَر ويُؤكَل حُلْوًا. (ولها نَوْر أصفر من أسفل القضيب إلى أعلاه "-[متن]).
° المعنى المحوري تَحَوُّل الهشّ إلى شيء ممتد متين متميز: كالخيط المغزول من القطن والصوف والكَتّان إلخ، وكقضيب العشبة المذكورة مع أنها من السُطَّاح الذي ينفرش على الأرض. فمن غزل الصوف ونحوه: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾.
ومن مادى الأصل: "الغَزال من الظباء: من حين تلده أمه/ حين يتحرك ويمشي/ إلى أن يبلغ أَشدَّ الإحضار (وذلك حينَ يقْرِن قوائمه فيرفعُها معًا ويضعها معًا " [متن]) فهذا تحول واضح من الضعف إلى القوة.
ومن المعنوي: "غازل الأربعين: دنا منها/ قوي/ كاد يبلغ أَشُدّه ". (امتدّ إليها).
وسميت الشمس عند طلوعها إلى ارتفاعها غزالة لقوتها بعد ضعف. وقال في [ق] "لأنها تَمُدّ حِبالا (أشعة) كأَنّها تَغْزِل ".
أما "المغازلة محادثة النساء "فهي محاولة تكوين علاقة قوية من أمور تبدو لطيفة هشة. وقد أرجعوا أصلها إلى مشاركة الشبان الفتياتِ في الغزل. كمساعاة الإماء. وهو جيد إن ثبت أنه كان يحدث.
وأما "غَزِلَ الكلبُ (تعب): طَلَبَ الغزال حتى إذا أدركه، وأحس الغزال به، (فخَرِق) أي لَصِقَ بالأرض وَثَغَا من فَرَقِهِ = فَتَر عنه الكلب ولَهِىَ عنه "
стр. 1578
فذلك مأخوذ من اسم "الغزال "نفسه كما قالوا: "ذَهِبَ (تعب): هَجَمَ في المعدن على ذَهَبٍ كثير فَزَال عَقْلُه وبَرِقَ بَصَرُه ". وكذا يقال: "بَحِرَ: إذا رأى البحر ففَرِق ودَهِش. وأَسِدَ إذا دهِشَ من الأسد ". وأصل هذا من دلالة صيغة (فَعِل). ويقال للضعيف الفاتر عن الشيء غَزِلَ (كفرح) من هذا.
° معنى الفصل المعجمي (غز): هو النفاذ بحدة ودقة وامتداد: كنفاذ الشوك وهو حادّ دقيق قوي -في (غزز)، وكدخول أرض العدو غَزْوًا وهو نفاذ مادّي حادّ، وتجاوز الناقة والأتان وغير هما موعد ولادتهن دون أن تلدن، وهو نفاذ زمني دقيق لأنه خفيّ في (غزو). وكامتداد خيط الصوف والقطن دقيقا قويًّا أخذًا من تجمعهما المنفوش -في (غزل).
الغين والسين وما يثلثهما
• (غسس):
"غسسته في الماء: غططته. غَسّ الحوتُ في النهر: دخل فيه ".
° المعنى المحوري نفاذ الشيء في المائع قليل الكثافة -نحو الماء- بقوة: (١) كالحوت والشيء في الماء. ومن معنويه "غسّ الرجل في البلاد: دخل فيها ".
стр. 1579
• (غسق):
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]
"غسَقَت العينُ: دَمَعَتْ/ انْصَبَّتْ/ هَمَلَت بالعَمَش. غسَقَ اللبن: انصبّ من الضرع. وغسَقَ الجُرح (ضرب قاصر - غسْقا وغَسَقانًا): سال منه ماء أصفر ".
° المعنى المحوري سيلان ما في عمق الشيء من مائع فاسد: كدمع العين الرمداء (لاحظ كلمة العَمَش)، وكسيلان اللبن من الضرع والماء الأصفر من الجُرح. ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥ - ومثله ما في ص ٥٧]: هو صديد الجروح ونحوها - كقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦].
ومن مادي الفاسد المخالط للعمق: "غَسَقُ الطعام (= البُرّ) بالتحريك: نحو الزُؤان يكون فيه "فهو حب غريب عن البُرّ ينبت معه ويختلط وهو رديء، يُنْفَي منه، أو شأنه أن ينفي منه.
ومن ذلك: "غَسَقَ الليل وأَغْسَقَ: انْصَبَّ وأظلم. وغَسَقُهُ -بالتحريك: ظُلْمَته " (الظلمة كالغشاء الكثيف يزحف من جوف الأفق فيجتاح الضوء) ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. أما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]: فقد فُسَّر بأنه الليل إذا أظلم أو دخل. لكن روى في حديث حسن صحيح أنه القمر إذا غاب [قر ٢٠/ ٢٥٧] فإذا سُلِّم فلا ينبغي تجاوزه. واللغة تجيز إطلاق الغاسق على القمر لأنه جرم لطيف يمذ من الأفق مخترقًا سواد الليل. وبغيابه يعم الظلام، وما فيه من شر يستعاذ منه.
هذا، ودعوى تعريب الغساق عن التركية كما في المتوكلي للسيوطي -أو غيرها: زائفة في ضوء أن اللفظة تلتقي بمعناها الحسّىّ مع بقية معاني التركيب
стр. 1580
أليس الصديد وهو ماء الجرح أو الدمل في أثناء لحم البدن كالزؤان وهو شيء غليظ الوقع مكروه في أثناء الطعام، وكالظلام وهو غشاء كثيف في الأفق، وكالمتكاثف من اللبن والماء في الضرع والعين - حتى ينصبا منهما؟
وثَمّ ملحظ آخر هو أن قماش الطعام، وصديد الجرح، والدمع من العمش، واللبن المنصب من الضرع، كلها يصحبها فساد يتمثل فيها أو أدّى هو إليها. كذلك الظلام، هو من وجهة ما كثافة وإعتام لا يوازن ضوء النهار.
وأخيرًا فإن اللفظة ليست خارجة بوزنها عن أوزان العربية. فأني يؤفك أصحاب دعاوى التعريب هذه؟!
• (غسل):
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]
"الغسول - كتنُّور: الأُشْنان وما أشبهه من الحَمْض (نبات يستعمل كالصابون). والغُسْل -بالضم: الماء القليل الذي يغتسل به. غَسَل الشيء (ضرب) وهو إسالة الماء على الشيء لإزالة درنه (الخولي في معجم ألفاظ القرآن) وفي [ل]: الغُسْل تمام غَسْل الجسد كله ".
° المعنى المحوري إزالة ما علق بالشيء من دَرَن بمائع يقلعه: كما يفعل الغَسُول، وكالغَسْل: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] هو الموضع الذي يغتسل فيه. ويمكن أن يكون الذي يغتسل به.
﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦]: ما انغسل من لحوم أهل النار ودمائهم. . وما يسيل من جلودهم، حيث الغِسْلين ما يُغْسَل من الثوب ونحوه كالغُسالة.
стр. 1581
° معنى الفصل المعجمي (غس): هو الانغماس ونحوه من التغطي بالمائع - كما في غسّ الشخص أو الشيء في الماء -في (غسس)، وكما في تغطية الدمع العينَ، والماءِ الأصفر الجُرحَ -في (غسق)، وكما في غسل الشيء بالماء -في (غسل).
الغين والشين وما يثلثهما
• (غشش):
"الغِشَاش - ككتاب: أولُ الظلمة، وآخرُها. والغشش -محركة: المَشْرَب الكِدر ".
° المعنى المحوري شَوْب الصافي الرقيق بما ينتشر فيه ويجعله كثيفًا بحيث يُغَطّي ما تحته (١): كما تشوب الظُلْمة الضوءَ، والطينُ ونحوه الماءَ الكَدِر.
• (غشو - غشى):
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]
"غاشية السَرْج: غطاؤه، وما أُلْبِسَ جَفْنُ السيف من جلود من أسفل شارب السيف إلى أن يبلغ نعله. والغشاء - ككتاب: الغِطاء. وغِشاء كل شيء: ما تغشاه كغشاء القلب والرَحْل والسَرْج والسيف ونحوها. وغاشية القلب وغِشَاوته: قميصه ".
стр. 1582
° المعنى المحوري تغطى الشيء بكثيف يعمه: كغشاء السَرج والجَفن إلخ. ومن مادي ذلك أيضًا: "الغَشْوة -بالفتح: السِدْرة (تغطي ما يستظل بها) والأغشى من الخيل والغشواء من المعز: ما غَشِىَ (كرضى) البياضُ أو الغُرّة وَجْهه كله ".
ومن ذلك: "تَغَشَّى ثيابه واستغشاها: تَغَطَّى بها كي لا يَرى ولا يَسْمع: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]. ومن التغطية: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٤]، وكل الفعل (غَشِىَ) و (غَشَّى)، و (أغشى)، و (استغشى)، والمضارع منهن فهي بمعنى التغطية: إما بمادة حقيقية كالموج، والنار، والدخان، والظلام، والعذاب، وإما بما يُتَصور كذلك كالنعاس وإفقاد الرؤية والشعور، أو بأمر غيبي كالذي في [النجم: ١٦، ٥٤]، أو يكون الغِشيان كناية. ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]: أَغْماءٌ. وغَشِىَ المرأة - كرضي: جامعها. كما يقال: عَلاها، وتجللها: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾ [الأعراف: ١٨٩] وكلها كنايات.
ومن معنوي ذلك: "غَشِيَه الأمر (كرضى) وتغشاه وأغشيته إياه، وغَشَّيته - ض: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ [الأنفال: ١١]، ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]: "عقوبة مُجَلِّلة تَعُمهم "، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]: "القيامة. لأنها تجلل الخَلْق فتعمهم ". وقريب من معناها ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]. وغُشِى عليه - للمفعول: أُغْمِىَ: ﴿يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ومثلها ما في [محمد: ٢٠].
стр. 1583
غَشِىَ الرجلُ الأمرَ: باشره ولابسه، والرجلَ: زاره. وغاشِيته: مَنْ ينتابه من زُوّاره وأصدقائه (المخالطة الشديدة من باب التغطية).
° معنى الفصل المعجمي (غش): هو عدم صفاء الشيء أي شَوْبه أو خلطه بما يجعله كثيفًا يغطي ما تحته: كالغِشاش أول الظلمة وآخرها حيث تخالط كثافة الظلمة شفافيةَ النور -في (غشش)، وكغاشية السَرْج والغِشاء: الغطاء فإنه طبقة تكثُفُ على الشيء فتخفيه أو تكاد: في (غشو/ غشى).
الغين والصاد وما يثلثهما
• (غصص):
﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢ - ١٣]
"غَصَّ بالماء: شَرِقَ به ووَقَف في حلقه، وكذلك غَصَّ باللقمة وبالطعام فهو غَصّان. والغُصّة: شَجا يَغَصُّ به في الحَرْقدة ". (الحرقدة: عقد الحنجرة، لكن المقصود هنا الحلق).
° المعنى المحوري نشوب الشيء في مَنْفذه لغِلَظه أو ضيق مَمرّه فيتعسر أو يتعذر مروره في المنفذ (١): ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. ومنه: غَصَّ المكانُ بأهله ضاق،
стр. 1584
وأغَضَّ الأرضَ عليهم فغَصَّتْ: ضَيَّقَها فضاقت ".
• (غوص):
﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٢]
"غاص في الماء غَوْصًا: نزل تحته. . / دخل فيه. .، وغاص في البحر على الأصداف فهو غَوّاص وغَائص والمكان مَغَاص ".
° المعنى المحوري نفاذ الكتلة الغليظة في عمق ماء كثيف أو نحوه إلى قاعه: كما في الغوص: ﴿يَغُوصُونَ لَهُ﴾، ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧]. ومنه: "الغَوْصُ: الهجوم على الشيء (كأنما انحط عليه من حيث لا يتوقع)، والغائصة: الحائض " (كأنها غارقة في دمها - كما يعبّر أحيانًا).
• (غصب):
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]
"غَصَبْتُ الجلد: إذا كَدَدْتَ عنه شَعْره أو وَبَره قسرًا بلا عَطْن في الدباغ ولا إعمال في نَدًى أو بول ولا إدراج ".
° المعنى المحوري نَزْع للشيء من منبته أو مقره بغلظ وقوة أو قهر (أي بلا مهيِّئ للنزع): كنزع الشعر والوبر الموصوف، ومنه "الغَصْب: أخذ الشيء (المملوك للآخرين) ظُلمًا: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ و "غصبه منه. وغصبه على الشيء: قهره ".
стр. 1585
° معنى الفصل المعجمي (غص): النفاذ بغلظ أو ضيق أو عسر: كالغَصَص بالطعام حيث يتعسر نفاذه لضيق المنفذ أو غلظ اللقمة -في (غصص)، وكالغوص في الماء وفيه من العسر ما فيه من كتم النفس ومقاومة الماء نزولًا وطلوعًا والتعرض للغرق -في (غوص)، وكما في نزع الشعر والوبر من الجلد بلا تهيئة -في (غصب) وخروج الشعر من الجلد نفاذ له منه.
الغين والضاد وما يثلثهما
• (غضض - غضغض):
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]
"الغَضّ والغضيض: الطَرِيّ. والغَضّ من أولاد البقر: الحديث النتاج. والطلع حين يبدو غَضِيضٌ وغِيضٌ -بالكسر. ونبت غَضّ: ناعم. وغَضَاضة الشباب: نضارته وطراوته ".
° المعنى المحوري رخاوة الشيء الكثيف (الثخين) وطراءتُه (من حداثته وقلة نضجه) (١): كما هو واضح في الاستعمالات المذكورة. والنبات الذي ليس
стр. 1586
ثخينًا اجتزئ فيه بالرخاوة. ومن ملحظ الرخاوة دون التركيز على الحداثة: "الغضة من النساء: الرقيقة الجلد الظاهرة الدم ".
ومن مجرد الرخاوة: "غض طرفه وبصره (رد): خَفَضَه وكَسَره وأطْرَقَ ولم يفتح عينه (أرخاه) والغَضِيض: الطرْفُ المسترخِي الأجفان: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. وغُضَّ من لجام فَرَسك: صَوِّبْه وأنْقِصْ من غَرْبه (أَرْخِه)، وغَضَضْتُ الغُصْنَ وغَضَفْتُه: كَسَرتَه فَلم تُنْعِم كسره (أذهبت الصلابة من باطنه): ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]: اخفضه. وليس في القرآن من التركيب إلا غض البصر، وغض الصوت.
ويلزم الرخاوةَ قابليةُ الانضغاط ونقص الحجم، ومنه: "لا أَغُضُّكَ درهمًا: لا أَنْقُصُك. وغَضْغَضَ الماءَ والشيءَ: نقصه. وتَغَضغض الماءُ: نقص ". (استعمال الغض لنقص الشيء أو الشخص قد يلحظ فيه الحداثة وقلة النضج وهو نقص معنوي).
• (غيض):
﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ١١]
"الغَيْضة -بالفتح: مغيضُ ماء يَجْتمع فينبت فيه الشجر. وغاض الماء يغيض: نَقَص أو غار فذهب/ قَلّ فنَضَب. وغاضَت الدِرَّة: نَقَص اللبن. وغَيَّضْتُ الدمعَ - ض: نَقَصْته وحَبَسته ".
стр. 1587
° المعنى المحوري غئور المائع ونحوه في باطن - بكثافة (حتى يَنْفَد ما على الظاهر منه أو ينقص): كما في الغَيْضة وسائر الاستعمالات المذكورة ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨] في [قر ٩/ ٢٨٦]: ما تُسْقِط قبل التسعة أشهر، وما يزيد عن التسعة أشهر. فهي من النقص اللازم للغئور.
• (غضب):
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]
"الغُضاب - كصداع: الجُدَرِيّ وقيل داء آخر يخرج في الجلد وليس بالجُدَري. والغَضْبة: بالفتح: بَخْصَة تكون في الجَفن الأعلى خِلقة (البَخَص لحم ناتيء فوق العينين أو تحتهما)، والصَخْرةُ الصُلْبة المركَّبة في الجبل المخالفةُ له، وقطعةٌ من جلد البعير يُطْويَ بعضُها إلى بعض وتجعلُ شبيهًا بالدَرَقة (= تُرس يتقي به من السهام والنصال)، وجِلْدُ المُسنّ من الوُعُول حين يُسْلَخ. وغُضِبَ بَصَر فلان -للمفعول: انْتَفَخَ من داء يصيبه. وغَضِبت عَينه (كسمع وعُنِى): وَرِمَ ما حولها. والغَضُوب: الحية العظيمة " (المقاييس).
° المعنى المحوري انضمام الشيء على غليظ أو حادٍّ في باطنه يظهر جِرمه أو أَثره: كحَبّ الجُدَرِي والجدري حُمَّى، وكالبَخْصَة في العين، والصَخْرَة الموصوفة في جسم الجَبَل، والجلود المذكورة غليظة السمك أو مغلّظتُه. وكالبَصَر الرمِد الوارم، والحية بسُمّها المختزن. ومنه: الغَضَب: ضدُّ الرضا وهو امتلاء النفس بالحدة والجفاء لأمر ما: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وكل ما في القرآن من التركيب فهو من الغضب بهذا المعنى: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] (أي مغاضبًا قومه لعدم قبولهم دعوته إياهم إلى اللَّه)، ﴿غَيْرِ
стр. 1588
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] (وردت أحاديث صحيحة أن المراد اليهود [ينظر طب ١/ ١٨٥ - ١٨٨] وهذا لا ينافي العموم).
ومن مادي الأصل أيضًا قالوا: "الغَضْب -بالفتح: الأسد، والثور " (وهما من الامتلاء بالحدة والغلظ).
ثم من الأصل قالوا: "الغَضْب -بالفتح: الشديد الحمرة أو الأحمر الغليظ ". [ق] (فالحمرة أشد الألوان وَقْعا، وتركيب (حمر) فيه معنى الشدة (ينظر)، كما أن صلة الحمرة بالورم والغضب ونحو الجدري واضحة).
° معنى الفصل المعجمي (غض): هو أن يكون الشيء ثخِينًا ممتلئًا بمادة فيها رخاوة ما: كما يتمثل في طلع النخل وفي الغض من أولاد البقر -في (غضض)، (وما كان غير ثخين من النبات ضد نظر فيه إلى الحداثة وطراءة المادة كورق النبات)، وكما يتمثل في الغَيْضَة: الأرض المتشبعة بالماء -في (غيض)، وفي كتلة الغُضاب الذي يشبه الجدري، وكذلك التجمع اللحمي الذي يسمي بخْصة العين -في (غضب). ويجب ذكر أن الحدة التي في الغُضاب وفي بخصة العين لها أصل في أم الفصل وهي (غضض) حيث ارتبطت الرخاوة فيها بحداثة النشأة، ويلزم حداثة النشأة في الثمار التي لم تنضج كالبطيخ والبلح - أن يكون في طعمها حدّة أي غضاضة.
الغين والطاء وما يثلثهما
• (غطط):
"غطه في الماء (رد): غَطَّسه وغَمَسه ".
° المعنى المحوري دسّ الشيء في مائع بدفع وغلظ حتى يغطيه أو يكاد (١):
стр. 1589
كما في غط الشيء في الماء.
• (غطو - غطى):
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]
"الغِطَاء: ما غُطِّىَ به. والكَرْمة الكثيرة النوامي (= الأغصان): غَاطِية. والغِطَاية - كرسالة: ما تغطت به المرأة من حشو الثياب تحت ثيابها كالغلالة ونحوها ".
° المعنى المحوري ستر بما ما هو كالغشاء الكثيف عريضًا: كالغطاء، والأغصان الكثيرة للكرمة. ومن مادّيه أيضًا: "غطا الشيءَ يغطوه ويَغْطِيه: ستره وعلاه. وغطاه الليل: ألبسه ظلمته. وغَطَت الشجرة وأغطت: طالت أغصانُها وانبسطت على الأرض فأَلْبَست ما حولها. وماء غاطٍ: كثير (يغطي). وغطا الليل يغطو: نما وأظلم ". ومن معنوى ذلك: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١]، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق: ٢٢].
ومن المزيد بنفس المعنى: "غطّاه وأغْطاه: واراه وستره وعلاه ".
стр. 1590
• (غوط):
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]
"الغَوْطة -بالفتح: الوَهْدة في الأرض المطمئنة. والغائط: المتسع من الأرض مع طمأنينة. وقال رجل: "قل لأهل الغائط يحسنوا مخالطتي "أراد أهل الوادي، "وربما كان فرسخًا وكانت به الرياض ".
° المعنى المحوري غئور في شيء غليظ (كالأرض) منبسط عَرْضًا أو طولًا: كالغَوْطة والغائط الموصوفين. ومنه: "غاط يغوط: حَفَر (أخفض). ويقال أغوِطْ بئرك: أَبْعِدْ قَعْرها. وهي بئر غويطة: بعيدة القعر. وغاط الرجل في الطين " (غاص) (مع التجاوز عن الانبساط الأفقي في كلٍّ). ومن الغائط: الوادي المنخفض عُبِّر في ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ عن الانتهاء من عملية الإخراج، حيث كانوا يقصدون الوديان لذلك لأنها أَسْتَر.
• (غطش):
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩]
"الغَطَش في العين -محركة: شِبْهُ العَمَش. غَطِشَ (تعب) فهو غَطِش وأغطش. والغُطاش - كغراب: ظلمة الليل واختلاطه. أَغْطَشَ الليلُ وأغطشه اللَّهُ ".
° المعنى المحوري كثافة واسعة تحجب الرؤية: كظلمة الليل في الأفق، والعمش في العين. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾: أظلمه. ومنه: "فلاة غَطْشَى: غَمّةُ المسالك لا يُهْتَدَى فيها. وهو يتغاطش عن الأمر أي يتعامى ".
стр. 1591
أما "غَطِّش لي شيئًا (أمرٌ من غَطَّش - ض) حتى أذكر أي افتح لي، فهو من معالجة الغَطَش أي التعامل معه " (وهذا ما يقولون فيه إن الصيغة للسلب) وليس ذلك سلبًا، وإنما هو تعامل، كما أن "مَرَّضه "- ض ليس معناها سلب المرض، وإنما معالجته أي التعامل معه مقاومةً له.
° معنى الفصل المعجمي (غط): هو دس الشيء في أثناء شيء فيُغَطَّي. كغط الشيء في الماء غَمْسه فيه -في (غطط)، وكالغطاء الذي يغطّي به الشيء فيستره -في (غطو غطى)، وكالغَوْطة الوهدة في الأرض المطمئنة -في (غوط) - والاستتار لازم لمعنى الانخفاض؛ لأن ما يكون في المنخفَضَ يستتر.
الغين والظاء وما يثلثهما
• (غظغظ):
"المُغَظْغِظَة -بكسر الغين الثانية: القِدْرُ الشديدة الغليان ".
° المعنى المحوري غليان ما في جوف الشيء غَلَيانًا شديدًا (١).
• (غيظ):
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]
"تغيظت الهاجرة: اشتد حَمْيها ".
стр. 1592
° المعنى المحوري حَمْى وحِدّة شديدة تمتد في جَوْفٍ أي تعمه: كحَمْى الهاجرة وحَرِّها. والجوُّ كالجوف. وقد جاء في الحديث "إن شدة الحر من فيح جهنم "- فالحرّ من النار، كما فسر الغيظ في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] بشدة الحر. ومن هذا: "الغيظ: أشد الغضب أو سَوْرته " [ق]. إذ هو حرارة شديدة في النفس أو القلب، ولذا شُبّه في الحديث الشريف بتجرع الشخص مائعًا إلى جوفه: "ما من جُرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرًا من جُرعة غيظ في اللَّه " [قر ٤/ ٢٠٨]، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
° معنى الفصل المعجمي (غظ): هو الحر الشديد في الجوف كجوف المُغَظْغِظة: القِدْر الشديدة الغليان -في (غظظ)، وكحَمْى الهاجرة وشدة حَرّها -في (غيظ).
الغين والفاء وما يثلثهما
• (غفف):
"غُفّة الإناء والضَرْع -بالضم: بقيةُ ما فيه. والغُفَّة أيضًا: الشيء القليل من الرَبيع، والبُلْغة من العيش، وما تناوله البعير بفيه على عَجَلة منه - كالخَلْسة واغتفَّ المالُ وهو الكلأ المقارب والسِمَن المقارب ".
° المعنى المحوري قلة ما يبقى (أو يتحصل) في (قاع) الوعاء أو الظرف (١): كالغُفّة بمعانيها المذكورة.
стр. 1593
ومن مادي هذا: "الاغتفاف: تَناوُل العَلَف " (كأنما يقع ذلك غُفَّة غُفَّة)، وقد سموا الفأر غُفّة فقال بعضهم: لأنه غُفّة الهر ".
• (غفر):
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]
"الغفارة - كرسالة: خرقة تكون دون المِقْنعة توقّى بها المرأة الخمار من الدُهن/ تغطي رأسها ما قبل منه وما دَبَر غيرَ وسط رأسها، وجلدة تكون على حَزّ القوس الذي يجرئ عليه الوتر. والمِغفَر حِلَقٌ يجعلها الرجل أسفل البيضة تسبُغ على العنق فتقيه. والغفر -بالفتح: زئبر الثوب وما شاكله ".
° المعنى المحوري تغطية أو سَتْر يقصد به الحماية وما إليها: كالغِفارة التي تقي الخمار من الدهن، والجلدة التي تحمي القوس والوتر، والمِغفر الذي يحمي العنق. وزئبر الثوب علامة جدّته. ومن المادي أيضًا: "الغفر -محركة: هُدْب الثوب (جمال له)، وصغار الكلأ (زينة للأرض). وغَفَر الشيبَ بالخضاب وأغفره (تجمّل)، ويقال: "اصبغ ثوبك بالسواد فإنه أغفر لوَسَخه أي أَحْمَلُ له وأَغْطَى له "كل ذلك ستر لطيف. ويقال أيضًا: "غَفَر المتاع في الوعاء (ضرب) وأغفره: أدخله وستره وأوعاه. وكل شيء سترته فقد غفرته. وكل ثوب غُطِّى به شيء فهو غِفارة. والغُفْرة -بالضم: ما يُغَطَّى به " (حماية). وأما "الغُفر -بالضم: وَلَد الأُرْويّة، وبالكسر: ولد البقرة "فالصغار تابعة لأمهاتها كالطبقة
стр. 1594
وراءها. وكذا "المغافر والمغافير: صمغ شبيه بالناطف ينضحه العُرْفط "رائحته تشبه طبقة تغطى.
ومن معنوي ذلك "غفران اللَّه الذنوب: تغطيتها وسترها: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾. وقد ذكرتُ أن السَتْر هنا للحماية. وقد سبق بذلك الراغب فقال إن "الغَفْر: إلباس الشيء ما يصونه عن الدنَس "وأختلف معه في أن المطلوب في ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] هو التجافي عن (الذنب) في الظاهر وإن لم يتجاف عنه في الباطن "وإنما أدب الإسلام هنا هو أن نغفر لهم طاعة للَّه تعالى، دون أن نلقي إليهم بالمودة. وأما قول أبي هلال إن المغفرة تستوجب الثواب [العلمية ٢٦٤ - ٢٦٥] فلا حجة له إلا أن المغفرة تُسقِط ما يحول دون الثواب. فتكون عبارته غير محررة.
وكل ما جاء في القرآن من التركيب هو من مغفرة الذنوب هذه ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [يوسف: ٩٧] (أي سل اللَّه أن يغفر لنا ذنوبنا)، فبقي المفعول الثاني وحده.
أما قولهم: "غفر الجرح (كجلس وتعب): نُكِس، فإني أرجح أن المقصود أنه عاد يندى ويرشح منه الصديد سواء جف فوقه مكونًا طبقة أو لم يجف. لكنه إذا جف وكون طبقة يمكن أن يعد ذلك بُرْءًا. ومن هنا يستعمل غفر بمعنى برئ [تاج] ومن نُكْس الجُرْح عُمِّمَ في نُكْس المرض.
وقولهم: "غَفَر الجَلَبُ السوقَ: رَخّصها "فهو عندي من الاستعمال في لازم المعنى فإن الجَلَب -بالتحريك: ما يُجْلَب للبيع، فإذا كثُر الجَلَب غَطَّى السوقَ أي عَمّها، ورَخُص السعر.
стр. 1595
وأخيرًا فإن قولهم: "جاءوا الجماءَ الغفيرَ أي بجماعتهم الشريف والوضيع ولم يتخلف أحد وكانت فيهم كثرة "فهو من التغطية؛ لأن الكثيرين يغطون وجه الأرض. كما تعبر العامة عن هذا بأنهم "يسدون عين الشمس ". ولا يخفى أن الاستعمالات الأخيرة توسيع بترك قيد الحماية.
• (غفل):
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]
"الغُفْل (من الأَرَضِين) -بالضم: سبسبٌ مَيتَةٌ لا علامة فيها - والأَغْفَال: المَوَات. وإبل أَغْفال: لا سِماتِ عليها. وبلاد أَغفال: لا أعلام فيها يهتدى بها ".
° المعنى المحوري الخلو مما يلفت وينبه أو يدل: كالأرض السَبْسب والموات والإبل والبلاد المذكورة. ومنه "غَفَل عن الشيء (قعد) وأغفله: تركه وسها عنه " (لم يلتفت أو يتنبه إليه): ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣]، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق: ٢٢].
وكل ما في القرآن من التركيب هو من الغفلة بمعنى عدم التنبه وما إليه: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩] رجح في [بحر ٥/ ١٥٤] أن المستشهدين باللَّه هنا هم الأصنام لا الشركاء ممن يعقل كالإنس والجن والملائكة؛ لأن هؤلاء يشعرون بمن يعبدهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: ٢٣]: السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور، ولا يفطنّ لما يفطن له المجرِّبات [بحر ٦/ ٤٠٥].
стр. 1596
° معنى الفصل المعجمي (غف): هو قلة ما يكون على جانب عريض من الشيء كغُفّة الإناء والضرع والأرض -في (غفف)، وكشعر العنق والجبهة وزئبر الثوب -في (غفر)، وكالإبل الأغفال التي لا سمات عليها والبلاد الأغفال التي لا أعلام فيها يهتدي بها كأنها جميعًا مغطاة الظاهر لا تظهر لها معالم -في (غفل).
الغين واللام وما يثلثهما
• (غلل - غلغل):
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣]
"الغَلَل -محركة: المِصْفاة، والماء الذي يَتَخلل بين الشجر أي يجري. والغِلالة - كرسالة: شِعار يُلبَس تحت الثَوب، والرّفاعة (= حشية تحت الثياب على العجيزة لتعظيمها). والغلائل بطائن تحت الدروع، وقيل هي مسامير الدروع التي تحمع بين رءوس الحَلَق أي حَلَق الدروع، لأنها تُغَلٌ فيها أي تُدْخَل -واحدتها غليلة، والغُلّ -بالضم: جامعة توضع في العنق أو اليد. والغُلَّة -بالضم: ما تواريت به، والغالّ: الوادي المطمئن الكثير الشجر. ويقال لعِرْق الشجر إذا أمعن في الأرض: غَلْغَل -بالفتح ".
° المعنى المحوري - تخلُّل بحدة أو قوةٍ مع إحاطة أو تقييد (١): كتخلل
стр. 1597
الشيء ثقوبَ المِصفاةِ نافذًا منها- وحَجْزُ ما لم يَنْفُذ تقييد، وكجَرْي الماء بين الشجر وإحاطته جذوعَه، وكإحاطة الغِلالة بالبدن مع تخللها بينه وبين الثياب الأخرى، وكتخلل البطائن، والمسامير رءوسَ الحِلَق والرِفاعة بين الثياب. . . إلخ. ومنه: "غَلَّ الدُهْنَ في رأسه (رد): أدخله في أُصول الشعر، والمرأةَ: حَشَاها، وغلَّ في الشيء غُلُولًا: دَخَلَ ". ومنه: "أغل الجازِرُ في الإهاب: إذا سَلخ فترك من اللحم (شيئًا) ملتزقًا بالإهاب "وهذا تخلل، و "ذلك اللحم الذي على الإهاب غَلَل "بالتحريك. والجازر يفعل ذلك ليحوزه وهذا ضم وإحاطة.
ومما في التخلل من خفاء المُتَخلِّل جاء قولهم: "غَلَّ: خَانَ في المَغْنَم وأخذَ منه قبَل القَسْم " (أَخْذ إلى الأثناء أي الحوزة في خِفْية. وجاءت الخفية من أنه أخذه إلى
стр. 1598
أثناء نفسه): ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ومن "الغُلّ: الجامعة "-أي القيد وهي تحيط والعضو يتخللها: ﴿خُذُوهُ فَ غُلُّو هُ﴾ [الحاقة: ٣٠]، ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [الرعد: ٥]. وكل ما في القرآن من التركيب -عدا آية آل عمران السابقة، وعدا ما يأتي من الغِلّ- هو من هذه الأغلال.
ومن التخلل بحدّة جاء معنى جَفَاف الأثناء "الغُلّ والغُلّة -بالضم، والغَلَل -مُحَركة، والغليلُ: شدة العطش وحرارته. غُلَّ الرجل -للمفعول، وغَلّ يَغَلّ -بفتح عين المضارع، واغْتلّ ".
ومن معنويه: "الغِلّ بالكسر والغَليل: الضِغْن والشَحْناء والحِقْد الذي يخالط القلب " (ويبقى فيه -حدّة تتخلل إلى القلب وتبقى فيه) غَلَّ صدرُه يغِل (بكسر عين المضارع -قاصر): ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣ والحجر: ٤٧, ومنه ما في الحشر: ١٠]. (كأن المراد أنهم لا ينفَس أي منهم على الآخر درجته برغم التفاوت).
• (غلو):
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]
"غلا بالجاربة والغلام عَظْمٌ: سَمِنَا. وغَلَا النبتُ وتَغَالَى واغْلَوْلَى: ارتفَعَ وعَظُم والْتَفتَّ. وأَغْلَى الكَرْمُ: الْتَفَّ وَرَقُه وكثُرت نواميه وطال ".
° المعنى المحوري زبادة تضخمية أو طولية مع حِدّة ما: كما تعظم الجارية والغلامُ بالسِمَن، وشحم السِمَن حَادٌّ [ينظر ل طرق]، وكما يَطُولُ النبْتُ ويَعْظُم بقوة النمو في أثنائه وهي قوة حادّة الأثر كالجارية والغلام والنبت في ما سبق.
стр. 1599
ومن الارتفاع: "أَ غْلَى النبتَ: خَفَّفَ من وَرَقه ليرتَفِع ويَجُودَ. وغلا بالسهم: رفع يدَيْه به يريد أن يَبْلُغ به أقْصَى الغاية (زيادة على القدر المعتاد). والغَلْوَة: قَدْرُ رَمْية بسَهْم (تحدُث بتلك الكيفية). وكذلك الدَابَّةُ تَغْلُو في سَيْرها وتَغْتِلي: تُسْرع " (السرعة زيادة امتدادية كالطولية). "والغلاء: ضد الرُخْص "من الزيادة.
ومن الزيادة المعنوية: "غُلْوان الشباب -بالضم، وغُلَواؤه - كنُفَساء: سرعته وشِرَّتُه. غلا في الأَمْر غُلُوًّا (قعد): جاوز الحد فيه. والغُلُوّ في الدين: التَشَدُّد فيه ومُجَاوَزَة الحَدّ بالتنطع في البحث عن بواطن الأشياء والكشف عن عللها وغوامض مُتَعَبَّداتها ": ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]. أما الغالية: الطيب فمن زيادة القَدر والكمية مع حدّة الرائحة وذكائها؛ لأنها مركبة من مسك وعنبر وعود ودهن، وسطوعها ارتفاع أيضًا.
• (غلى):
﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤ - ٤٦]
"غلت القِدْر والجَرَّة تغِلي غَلَيانًا وأغْلاها وغَلّاها. . . ".
° المعنى المحوري الغَلَيان، وهو بلوغ حرارة الشيء أعلاها وتقلُّبه وارتفاعه في وعائه لذلك: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾.
• (غول):
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]
"غائلة الحوض: ما انْخَرَق منه وانْثَقَب فذَهب بالماء. والمِغْوَل - كمنبر: سَوْط في جَوفه سَيْف أو حَديدة يكون السَوْط غِلافًا لها. والغَوْل -بالفتح: جماعة
стр. 1600
الطَلْح لا يشاركه شيء، وما انهبط من الأرض ".
° المعنى المحوري أَخْذٌ بإخفاء في العُمْق أو البَاطِن بِحِدّة واستِبقاء (أي مَنْع من العود): كغَائِلة الحَوْضِ للماء، والمِغْوَل للحديدة أو السيف، وجماعةِ الطلح لما يدخل فيها، ومنهبَط الأرض لما ينزله. ومنه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ أي سُكرٌ (يغتال عقل الشارب).
والأصل المذكور يؤخذ منه معنى الإهلاك في خِفية: "غاله واغتاله: أهلكه وأخذه من حيث لم يدر، وقتلَهُ غِيلة أي في اغتيال وخِفية. وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه من جن أو سبع فهو غُول "-بالضم.
ومن مادي الأصل أيضًا قولهم: "ما أبعد غَوْلَ هذه الأرض -بالفتح: أي ما أبعد ذَرْعَها. الغَول -بالفتح: بُعْدُ المفازة. . . وأن يسير فيها فلا تنقطع (عميقة تبلع ما دخلها فلا يكاد يخرج).
• (غلب):
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
"رجل وبعير أغْلَبُ: غليظُ الرقبة عَظِيمُها، وعُنُقٌ أَغْلبُ، وأَسدٌ أغلب، وغُلُبّ - كقُمُدّ: كذلك. وهَضْبَة غَلْباء: عَظِيمَةٌ مُشْرِفة. واغلَوْلَب النبتُ والعشبُ: بلغ كل مبلغ والْتفتّ، والأرضُ: التفّ عُشْبُها ".
° المعنى المحوري شدة مع علوٍّ ما وعِظَم جِرْم: كالعنق الأغلب، والهضبة الغلباء، والنبت المُغْلَوْلِب - وكلُّها مُشْرِفَة عظيمة الجرم (شديدة). ومنه: "حديقة غَلْباء: عظيمة متكاثفة ملتفّة: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠]: جمع غَلْباء.
стр. 1601
ومن عظم الجرم، دل على الكثرة "اغْلَولَبَ القومُ: كثروا ". ومن الشدّة قيل: "غلبه (ضرب - غَلْبًا) وغَلَبًا وغَلَبَةً -بالتحريك، ومَغْلبًا ومَغْلَبة: قَهَره " (قاواه فقوِىَ عليه وعَلاه بقوته): ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] من قولهم: غلبني فلان على كذا: إذا أخذه منك وامتلكه [بحر ٦/ ٣٨٩]. ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] هم الولاة أو طائفة مؤمنة [ينظر بحر ٦/ ١٠٩] وسائر ما في القرآن من التركيب هو من الغَلَب: القهر.
• (غلظ):
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]
"الغَلْظُ من الأرض -بالفتح: الصُلْب. وأَرْضٌ غليظة: غيرُ سَهْلة. وثَوْبٌ غليظ: ضدُّ الرقيق. وغَلُظَت السُنبلة واستغلظت: خرج فيها الحَبُّ ".
° المعنى المحوري عِظَم الجِرم وتجسمه مع صلابة، ويلزمه الشدة والقوة، والحدّة (هذه تؤخذ من الصلابة): كغَلْظ الأرض، والثوب الغليظ، والسنبل الذىِ فيه الحب. ومنه: "استغلظ النبات والشجر: صار غليظًا " ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
ومن الشدة البالغة مع الحدّة ﴿عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (حيثما جاءت)، ووصْفُ ملائكة النار بالغلظة [التحريم: ٦]، وأمرُه ﷺ والمؤمنين بها في [التوبة: ٧٣، ١٢٣، والتحريم: ٩] وصرْفُه عنها في [آل عمران: ١٥٩]. ومن الغلظ المقصود به عظم شدَّة الوثاقة: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]: مؤكَّدًا مشدَّدًا
стр. 1602
فهذا غلظ معنوي لا بالعقد فقط وإنما بالرضا بالاحتياز والمعايشة الدائمين، وبالانكشاف، وأن تكون أرضا لبذرك. ومثله المثياق الغليظ في [النساء: ١٥٤، والأحزاب: ٧].
• (غلف):
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]
"غلام أَغْلفُ: لم تُقْطَع غُرْلَته. وأرض غَلْفَاء: لم تُرْعَ من قبلُ ففيها كل صغير وكبير من الكَلأ. والغِلاف: ما اشتمل على الشيء كقَمِيص القلب، وغِرْقِى البَيْض، وكِمام الزَهْرة. والغَلْفُ -بالفتح: شجر يدبغ به ".
° المعنى المحوري تَغطِّي الشيء بغطاء (نافذ منه) يحجبه ويحجب عنه ما حوله: كالأغلف، والأرض الغلفاء الخ. أما الشجر المذكور فإنه يغطَّى به الجلد حين الدبغ.
ومن مادي الأصل أيضًا: "الغِلَاف: الصِوَان. وغَلَف القارورة وغيرها (ضرب) وغلفّها - ض، وأغلفها: أدخلها في غلاف وجعل لها غلافًا: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ج أغْلَف: مُغَطَّى بغلاف - يعنون عدم قبولهم الدعوة. ومثله ما في [النساء: ١٥٥]. وغلّف لحيته بالغالية ".
• (غلق):
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]
"الغَلَق -محركة، والمغلاق: الرتاج، وهو ما يُغلَق به الباب. وكذلك الغَلَاق - كسحاب، والمُغْلوق -بالضم. وقد غَلِق ظهر البعير (تعب) وهو أن ترى ظهره أَجْمَعَ جُلبَتَين من آثار دَبَر قدْ بَرَأ فأنَت تَنْظر إلى صَفْحَتَيه تَبْرُقان. والغَلْقة -
стр. 1603
بالفتح: شَجَرة لا تُطَاقُ حِدَّة - يَتَوَقَّى جانيها على عينيه من بخارها أو مائها. وهي التي تُمرطَ بها الجُلُود فلا تَتْرك عليها شَعْرة ولا لَحمة إلا حَلَقَتْه ".
° المعنى المحوري منع الاقتحام والمخالطة لحدّة ظاهرة: كما تمنع الحِدّة التي تحتوي عليها تلك الشجرة مخالطتها إلا بتَوقٍّ، وكظهر البعير الغَلِق يبدو كجُلْبَتَىْ نُحاس. وأرجح أنهم كانوا يتجنبون ركوب مثل هذا والحملَ عليه حتى لا يعود الدَبَر، وكشد رتاج الباب لمنع الدخول أو الخروج: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾، يقال "غَلِقَ البابُ (تعب) وانغلق، واستغلق: عَسُر فتحه ". ومن هذا: "غَلِقَت النخلة: انقطع حَمْلها (امتنع خروج شيء منها)، ومكان غَلِق - ككتف: ضيق " (كأنه يمنع الدخول إليه).
ومن المعنوي "استغلق الرجل: أُرْتجَ عليه فلم يتكلم. وغَلِقَ الرهن في يد المرتهن (تعب): لم يوجد له تخلص فبقى في يده لأنه لم يُفْتَكّ، والأسير والجاني: لم يُفْدَ. وأُغْلِقَ القاتلُ -للمفعول: أُسلِمَ إلى وليّ المقتول يَحْكُم في دمه ما شاء. والمغالق من نعت قِدَاح الميسر: التي لها الفوز، وهي التي توجب الخَطَر للقامر الفائز (كل ذلك لمنع التصرف في الشيء وهو من المخالطة). والغَلَق -محركة: الضَجَرُ وضِيقُ الصدر " (يسبب عدم قبول المعاملة).
• (غلم):
﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ [يوسف: ١٩]
"الغُلام: الطارّ الشارِبِ (طَرّ شاربُه أي طَلَعَ وظهر) والغَيلم والغَيلمي -بالفتح: الشابّ الكثير الشَعر العظيم مَفْرِق الرأس. والغَيلم: السُلَحْفاة وقيل ذكرها، والضِفْدع. واغْتَلَم البحرُ: هاج واضطربت أمواجه ".
стр. 1604
° المعنى المحوري خشونة أو جفاء في ظاهر الشيء يُنْبئ عن تمام قوة باطنه: كالغلام الذي طَر شاربه، وكالسُلَحْفَاة بَدَرَقَتها، وجلد الضفدع الخشن أو صوتها، وهيجان البحر من الماء الهائل في باطنه ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ الغلام: الطارُّ الشارب. لكن ذكر في [ل، بحر ٢/ ٤٧٥] أن الولد غلام من ولادته إلى أن يحتلم. ولا شك أن هذا من باب التفاؤل، فأساس تسميته غلامًا هو اغتلامه أي بلوغه حالة الرغبة في الأنثى [ينظر بحر ٦/ ١٤١]. وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] هو على مذهب العرب ذاك في الاتساع الذي يكثر في تلقيب الأولاد خاصة - كما أن استعمال الولدان في ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩، وكذا ما في الواقعة: ١٧] هو من ذلك الاتساع أيضًا لأن أصل الوليد: الولد حين يولد - إلى أسبوع [بحر نفسه] ومثل هذا لا (يطوف). وعليه أرجح أن الغلام في آيتي يوسف والطور مقصود به من في سن العاشرة أو دونها. وكذا الأمر في الوليد (: الغلام) قبل أن يحتلم [تاج ولد] فالمراد بالغلمان والولدان هنا واحد. ومنه: "الغُلْمَة بالضم: شَهْوة الضراب " (من علامات تمام قوة الرجولة). وليس في القرآن من التركيب إلا الغلام ومثناه وجمعه غلمان.
ومن القوة الباطنية: الاغتلام: مجاوزة حَدّ الخير، والمغتلمون: البُغَاة الطغاة (من حِدَّة الباطن وظن كمال السيطرة).
° معنى الفصل المعجمي (غل): هو التخلل بحدة مع إحاطة أو تقييد أو ما بمعناهما. كالضم كتخلل الشيء المِصْفاة (وحجز بعضه تقييد) -في (غلل)، وكزيادة جسم الجارية والغلام والنبت (وهذا ضم فيه حدة تتخلل الأثناء) -في (غلو)، وكغَلَيان القِدْر (وهو حرارة تسري في أثنائها) -في (غلى)، وكتسرب ماء الحوض منه
стр. 1605
في الأرض وامتداد السيف ونحوه في أثاء جِلْد السوط وكلاهما فيه حدّة لأن الماء كان أنفس ما عندهم -في (غول) وكعِظَم الرقبة مع شدتها وقوتها، وهما من جنس الحدّة -في (غلب)، وكتجسم الأرض كتلا مع الجفاف والصلابة وهما حدة في (غلظ)، وكالتفاف الغلاف حول الشيء وضمه إياه، وبعض ذلك له حدّة كالأغلف -في (غلف)، وكاضطمام المغلق على ما فيه بشدة هي من الحدّة -في (غلق)، وكاكتمال القوى البدنية الذي تظهر علاماته -في (غلم).
الغين والميم وما يثلثهما
• (غمم - غمغم):
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ [الأنبياء: ٨٨]
"الغَمَامة: السحابة. . (البيضاء)، وكرِسالة: خريطةٌ (= مخلاة) يُجْعَل فيها فَمُ البعيرِ أو الحمار يُمنَع بها الطعامَ، وما تُشدُّ به عَيْنَا الناقة، أو أنفُها إذا ظُئِرَتْ على حُوَارِ غَيرِها. والغَمَمُ (فرح): أن يسيل الشعر (= يمتد نازلًا) حتى يضيق الوجه. جَبْهة وناصية غَمّاء ".
° المعنى المحوري غشاء عُلوي يحجب ما يغشاه عما يتأتى منه (١): كما
стр. 1606
تحجب السحابة السماءَ وتمنع ضوءها أو الشمسَ وحرها ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وكما تمنع الغِمامةُ الفمَ من الأكل، والعينَ من الرؤية، والأنفَ من الشم، والشعرُ نصوعَ الجبهة. ومنه: "غُمَّ الهلال -للمفعول: حال دون رؤيته غَيْمٌ. وغَمَمْتُ الشيءَ (رد) غطّيته ". ومنه: "الغُمام - كصداع: الزُّكام (انسداد الأنف ومنع التنفس). والغميم: اللبنُ السُخْن حَتَّى يغلظ " (تتربى فوقه قشرة). ومنه: "الغَمْغَمة والغمغم: الكلام الذي لا يَبِين " (مجرد شريحة صوتية ملتحمة، أو كأن على الفم غمامة).
ومن معنويه: "الغم -بالفتح. وغَمّه الأمر فاغتم وانْغَمّ كأنه يُطْبق عليه " (كما يقال: كبس على نَفَسه): ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣]: شائعة قتل المصطفى ﷺ وآله وسلم بعد إصابتهم يوم أُحُد. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ [الأنبياء: ٨٨] (الغم المادي في بطن الحوت والغم المعنوي وهو حجاب المخالفة). والذي في القرآن من التركيب: الغَمام: السحاب، والغَمّ: الكرب نعوذ باللَّه منه، وقد ذكرناهما. و "الغمة "-بالضم: الكرب والضيق والظُلْمة، وهي من الأمور: المبهم والملتبس: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١]: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورًا عليكم، بل مكشوفًا ومشهورًا تجاهرون به [بحر ٥/ ١٧٨].
стр. 1607
• (غمر):
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤]
"ماء غَمْر -بالفتح: كثير مُغْرِق. وطَعَام (= بُرّ، وشعير) مُغْتَمر: بِقشره. وهو غَمْرُ الرداء (يستره). وقد غَمَره الماء واغْتَمَره: غَطّاه وعَلَاه. وحفر في الخندق حتى أغْمَرَ بَطنه أي وارى التراب بطنه. وغَمْرةُ الناس -بالفتح: زَحْمَتُهم وكَثْرتهم ".
° المعنى المحوري التغطي بنحو الماء والتراب بالحصول في عمقه: كالماء الغامر، والشعير في قشره وهو خفيف دقيق. . يُغَطِّي. وكذلك الثوب والتراب وأفراد الناس الكثيرون. "وجيش يغتمر كل شيء: يغطيه ".
ومن مادي ذلك أيضًا التغطية باللون أو الرائحة "فالغُمرَة -بالضم: طِلاء الوَرْس/ الزعفران/ الكركم، والجص ". وليل غَمْر -بالفتح: شديد الظلمة - والغَمَر -بالتحريك: السَهَك وريح اللحم ". (يُبْعِد عنها من يقترب ويعتزلها كأن على المنبعثة منه غطاء). و "الغامِرُ من الأرض "اختلفوا في تحديده وتعليل تسميه وخلاصته أنه ما لم يُستَغَل بالزراعة فبَقِى كأنه بغطائه.
ومن المجاز "غَمَرَه القومُ: عَلَوْه شرَفًا. فَرَسٌ غَمْر -بالفتح: جواد كثير العدْو واسعُ الجَرْي " (كما قيل: بحر). ومنه: "غَمَراتُ الحرب والمَوْتِ: شدائدُهما " (التي تغمر بشدتها الواقع فيها): ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]: (شدائد وسكرات تغمُرُهم واحدة بعد أخرى). "وهو في غَمْرةٍ من لَهْو " (كما يقال غارق في اللهو لا يعي غيرَه فهو غافل عما سواه) ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٣، ٥٤]، ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ
стр. 1608
فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون: ٦٣]، ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] (كل ذلك بمعنى الاحتجاب عن حقائق الأمور كأنهم مغطَّوْن). ومن هنا "صبي غَمر -بالضم وبالفتح وكحَسَن وفَطِن ومُعَظَّم: لم يجرب الأمور (غافل). والغِمْر -بالكسر: الحِقد في الصدْر، لأن الصدر ينطوي عليه (المقاييس) ويغطيه ".
• (غمز):
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠]
"غَمَزْت الكبش والناقة: وضعت يدك على ظهرها (وضغطت) لتنظر أَبِها طِرْقٌ (بالكسر أي شَحْم) أم لا. وفي حديث الغُسل قال لها: اغْمِزِي قُرُونَك: اكْبِسي ضَفَائر شَعْرك عند الغُسْل. وغَمْزُ الطفل: أن تَسْقُط اللهاةُ فتُغْمَزَ باليد أي تُكْبس. والغَمْز -بالفتح: العَصْر والكَبْس باليد ".
° المعنى المحوري دفعٌ وضغطٌ بنحو الإصبع دقةً في ظاهر الشيء إلى الداخل: كما هو واضح في الاستعمالات المذكورة. وقد عبر ابن فارس عن معنى هذا التركيب بأنه نحو النَخْس. ومنه: "الغَمْز: الإشارة بالعين والحاجب والجفن "؛ لأنه دفع لذلك الجزء الدقيق: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. ومنه: "الغَمْز في الدابة: الظَلَع من قِبَل الرِجْل "؛ لأنها تَغْمِزُ الأرضَ وجسمَها في المشي.
ومن ذلك: "الغَمَز -بالتحريك: رُذَالُ المالِ من الإبل والغنم (كأنه دخيل فيها أو شأنه أن يُدْفَعَ كَراهة). والغَميزُ وبتاء: ضَعْفٌ في العقل. والمغمز: العَيْب والمَطْعن ".
стр. 1609
• (غمض):
﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]
"الغامض: المطمئن المنخفض من الأرض. والغَمْض -بالفتح: أشدُّ الأرض تطامُنًا/ يطمئن حتى لا يُرى ما فيه. والمغامض ج مَغْمَض وهو أشد غئورًا. غَمَضَ المكان (قعد). وخَلْخَال غامض: غاصَ في الساق. وكعب غامض: واراه اللحم ".
° المعنى المحوري غئور ظاهر الشيء بغلظ وقوة حتى يخفي ويستتر في ما يغور فيه: كالاستعمالات المذكورة. ومنه: "أغْمَضَ عَينَه وغَمَّضها - ض: أغلقها (خفض جفنها - أو سترها). ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ تَسْتَحِطُّوا مِنْ ثَمَنه. . . (تنزيل/ تخفيض من جنس الغئور)، أو تُغْمِضوا عما فيه لرداءته أي تقبلوه على تغافل. ومن الغئور والاستتار: "غَمُض الشيء (قعد وككرم): خَفِىَ. وغَمَض في الأرض: ذهب وغاب ".
° معنى الفصل المعجمي (غم): هو نوع من التغطية والحجب كما يتمثل في غِمامة فم البعير وعين الناقة -في (غمم)، وكما يتمثل في تغطية الماء الغَمْر ما يُغمَر في -في (غمر)، وفي إصابة ظاهر الشيء الذي هو غطاؤه غمزًا بنحو الإصبع -في (غمز)، وكما يستتر الغامض من الأرض ويُغَطِّي ما فيه -في (غمض).
الغين والنون وما يثلثهما
• (غنن):
"رَوْضة وأرض غَنَّاء: الْتَجَّ عُشْبُها واعْتَم/ تَمرُّ الريح فيها غَيْرَ صافية
стр. 1610
الصوت من كثافة عشبها والتفافه. وقَرية غنّاء: كثيرة الأهل والبنيان والعشب. وغَنّ الوادي وأَغَنّ: كثُر شَجَره. وأغَنّ السقاءُ: امتلأ ماء ".
° المعنى المحوري امتلاء الظرف أو المكان أي ازدحامه بلطيف يظهر وجوده (١): كالروضة والقرية والوادي والقِربة بما فيهن.
• (غنى):
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]
"الغَنِيّ والغَانِي: ذُو الوفر. والغِنَى: ضدُّ الفقر. وغَنِى (كرضى): صار له مال. وقد غَنِى واسْتغنى واغْتنَى. . . والمَغَاني: المنازل التي يَعمُرُها الناس. وقد غَنِىَ القومُ بالدار: أقاموا/ طال مُقَامهم فيها ".
° المعنى المحوري وجود الكفاية مما يعمرُ الحيّز بطيبه ويقيم أمره. كالمال في الحوزة - وهو مطلوب يلطف الحياة، وكالناس ووجودهم عُمْران وأُنْس - في المنازل. فمن الإقامة في الحوزة: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]: كأن لم يقيموا (أي بادوا كأنهم لم يكونوا فيها أبدًا)، ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ
стр. 1611
بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]: أي لم تكن عامرة [قر ٧/ ٢٥٢، ٨/ ٣٢٨] وبهذا المعنى ما في [هود ٦٨، ١٩٥]
ومن الغنى بالمال ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦]، ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]. ومن معنى الغنى المالي هذا (أ) (أغنى) غير المتبوعة بـ (عن) إلا ما في [القمر: ٥، عبس: ٥، ٣٧] فإنهن من الكفاية أي عدم الاحتياج. وقد جعل أكثر المفسرين (استغنى) في [عبس: ٥] من غنى المال. وهو تفسير ينقصه التدبر والتأمل في حياة النبي ﷺ الذي لم يكن في قلبه آية قيمة للمال إلا ما كان منه في سبيل اللَّه. وإنما (استغنى) هنا معناها اكتفى بحاله واستغنى عن دعوتك معرضًا عن دعوة الحق. وكلمة (تصدى) تكاد تقطع بأن هذا هو المراد، إذ المستغرب التصدي لمن أعرض.
(ب) ﴿اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] [ينظر بحر ٨/ ٤٢١، ٤١٩، ٤٧٨ على التوالي] وللتوثق ينظر [بحر ٣/ ٣٨١، ٨/ ٢٧٤].
(ج) صفة (غَنِيّ) إذا وُصِف بها غير اللَّه سبحانه. وقد جاءت التي بمعنى الغنى المالي للبشر كلها منصوبة عدا [ما في النساء: ١٣١] فهي للَّه ، أو مجموعة (أغنياء). أما ما كان صفة للَّه فهو المالك لكل شيء، والغنى عن كل شيء، أي أنها بمعنى يشمل ما يرزق به خلقه في الدنيا والآخرة، في يشمل الاستغناء والكفاية بكيفية لا يعلمها إلا هو سبحانه [ينظر مثلًا بحر ٢/ ٣٢١].
ومن الكفاية والإجزاء (استغناءً وعدمَ احتياج) ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥]: لم تكفكم أمر عدوكم، ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨]،
стр. 1612
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] في [طب ٦/ ٢٢، وقر ٤/ ٢١]: لن تدفع عنهم العذاب ولن تنجيهم منه "اهـ والغَناء - كسحاب: النفعُ، الاسم من أَغْنَى بمعنى أجزأ وكَفَى. وفي الكفاية والإجزاء لُطفُ الراحة من العَناء وحَمْل الأمر. وبهذا المعنى الأخير جاء كل ما استثنيناه من قبل ومعه ما في [إبراهيم: ٢١، غافر: ٤٧].
وأما الغِناء: الصوت المعروف. فهو من الأصل على أنه صوت رخيم (أي طيب مناسب) يعمرُ به حيِّز يظهر بالإرادة، وهو الحنجرة. ويبرز مناسبته في حيّزه أن من الأصوات ما هو منكر.
• (غنم):
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]
"الغَنَم: الشاء - لا واحد له. والغُنْم -بالضم: الفَوزُ بالشيء من غير مشقة. وغَنِمَ الشيءَ: فاز به، وقد غَنِمَ القوم " (شرب).
° المعنى المحوري ضَمُّ لطيف في الحوزة استحداثًا: كالفوز بالشيء كما وصف اللَّه تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠]، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. ولعل الغَنَم سميت كذلك لأنها كانت أسرع ماشيتهم إنتاجًا وأوسعها توالدًا مع يسر المئونة: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨]. وليس في القرآن من التركيب إلا الغُنْم (الفعل الماضي منه)، والمغانم (جمع مَغْنم)، والغَنَم الضأن وسياقاتها واضحة.
стр. 1613
° معنى الفصل المعجمي (غن): هو وجود لطيف في الحوزة: كما في الروضة الغنّاء سواء من الشجر والعشب، ومن النسيم العليل والمختلط بصوت حفيف الريح في الشجر -في (غنن)، وكوفرة المحتاج إليه من مال ومتاع، وما تتميز به حنجرة المغني من صوت رخيم -في (غنى)، وكالغُنْم والغَنَم في الحوزة مع ما ذكرنا من سعة جدواها مع يسر مئونتها -في (غنم).
* * *
стр. 1614
باب الفاء
التراكيب الفائية
• (أفف):
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]
"الأُفّ -بالضم: وَسَخ الأُذن. والوَسَخ الذي حول الظفر ".
° المعنى المحوري (إفراز) شيء مكروه قليلًا قليلًا ونَفْيه أي إبعاده وعدم قبوله: كوَسَخ الأذن وكشأن وَسَخ الظفر. ومنه قول (أُفّ) تضجرًا (ضيقًا وكراهة واستثقالًا لشيء ما ورغبة في إبعاده): ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ حقيقة فيكون نهيًا عنها وينسحب على ما هو أشد منها باللازم، أو رمزًا لتجنب أدنى الإيذاء وكبيره. ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٦٧] [في قر ١١/ ٣٠٢]: النتْن لكم "اهـ. ومن وقوع الإفراز قليلًا قليلًا قيل: "الأف -بالضم، والأَفَف -محركة: القِلّة. والأُفَّة -بالضم: المُعْدِمُ المُقِلّ ".
وإفراز الشيء نفاذ له إلى الوجود، ومنه قالوا: "كان على إِفّ ذلك وإِفَّانه -بالكسر: أي حينه وأوانه (حين خروجه ونفاذه من غيب أي ظهوره ووجوده) ويقال: "جاء على تَئِفّة ذلك ". وهذه الصيغة الأخيرة تؤكد أصالة استعمال التركيب لهذا المعنى ".
ومن القلة استُعْمل في لازمها، وهو الخفة: "واليأفوف: الأحمق الخفيف الرأي، والخفيف السريع " (يدفع بخفة لقلته).
стр. 1615
• (وفى):
﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠]
"الوَفْى -بالفتح، والوَفَى -بالقصر: الشَرَف من الأرض. والمِيفَاء: بيت يُطْبخ فيه الآجُرّ، وإرَةٌ (: موضع للنار) تُوَسَّع للخبز، وطَبَقُ التَنُّور [ق]. وقد وَفَى الشَعَرُ وكذا ربش الجناح: زَاد. وفي الحديث "كلما قُرِضَتْ (شفاههم) وَفَتْ "أي نَمَتْ وَطَالَت. ووَفَى الكيلُ: تَمَّ/ لم يَنْقص ".
° المعنى المحوري نمو أو زيادة يبلغ بها الشيء -أو يتأكد- تمام قوامه: كنتوء الشرف من الأرض (زيادة امتلاء)، وطبخُ الآجُرّ إنضاج يجعله صُلبا لا يذوب؛ فيكون البناء به قويا متينا وطبخ الخبز يصلحه للأكل ويبقيه أمدا. والميفاء آلته. ونمو الريش والشعر والشفاه زيادة للتمام، ووفاء الكيل امتلاء للتمام ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥]، ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]. والتمام المادي إلى حدّ الزيادة واضح في الاستعمالين، وهو متحقق بالصور المناسبة في غيرهما:
(أ) كل (وفّى) ومضارعها للفاعل والمفعول، والصفة (مُوَفّوهم)، (الأوفى). ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] لم يذكر متعلق التوفية ليتناول كل ما يصلح أن يكون متعلقًا كتبليغ الرسالة والصبر على ذبح ولده. . [ينظر بحر ٨/ ١٦٤] أي أن الوفاء هنا هو أداء ما يقتضيه حاله مع اللَّه تمامًا. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، أي أن اللَّه يجازيه على حسن أعماله/ يطعمه في الدنيا بحسناته [بحر ٥/ ٢١٠]. ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] أي حساب عمله أي جازاه عليه [نفسه ٦/ ٤٢٣].