ليس كاللحم، وكالمطر، والعسل، واللُعاب، وعصير العنب، والريق. ومنه "مَجَ الشرابَ والماء -ومج به- من فيه: رماه. وقيل لا يكون مجا حتى يُباعد به. وأخذه ﷺ من الدلو حُسوةَ ماء فمجها في بئر ففاضت بالماء الرَوَاء. والقلم يمُج المِدادَ، ويقال مَجْمَجَ الكتابَ (= المكتوب): خَلَطه وأفسده بالقلم " (كأنما طمس الكتابةَ بالحبر الكثير).
ومن مطلق الاندفاع يقال: "أمَضى الرجلُ: ذهب في البلاد. وإلى بلد كذا: انطلق، وأمَجَ الفرسُ: بدأ يعدو قبل أن يضطرم جريُه " (كل ذلك اندفاع بخفة أو سلاسة).
• (موج- ميج):
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢]
"المَوج- بالفتح: ما ارتفع من الماء فوق الماء. ماج البحرُ وتموَّج: اضطربت أمواجه. ومُئُوج السِلعة (= عقدة لحمية تظهر تحت جلد الحي كالكرة الصغيرة) تموُّرُها بين الجلد والعظم ".
° المعنى المحوري انتبار المائع (ونحوه) في حيزه من كثافة تجمعه مع حركة واضطراب: كموج البحر ينتأ من الماء الكثيف متحركا مع تماسكه، أي تجمعه ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [يونس: ٢٢]. والانتبار في السِلْعة من تجمع نحو اللحم تحت الجلد، وقلّة لصوقه بمكانه.
ولما في الأصل من تجمُّع مع حركة اهتزازية غير مفارقة قالوا: "ماج الناسُ: دخل بعضُهم في بعض. ومَوْج كل شيء ومَوَجانه: اضطرابه ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] وماج أمرُهم: مَرِجَ. وماج في الأمر:
стр. 2032
(يائية): دار فيه. والمَيْج- بالفتح: الاختلاط ". (اضطراب فيه تجمع من التداخل وحركة). وليس في القرآن من التركيب إلا (الموج) والفعل (يموج).
• (مجد):
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]
"أَمجَد الإبلَ: ملأ بطونَها عَلَفًا وأَشبعها. فإنْ أرعاها في أرض مُكلئة فرعتْ وشَبِعتْ قيل: مَجَدَتْ (قعد). مَجَدَ الناقةَ -مخففة: عَلَفها مِلْءَ بطونها، وفي المثل "في كل شجر نارٌ واستَمجدَ المَرخُ والعَفارُ " (= نوعان من الشجر تؤخذ من أغصانهما الأزناد التي تُقْتَدَحُ منها النار) أي استكثرا من النار أخَذَا من النار ما هو حَسبُهما فصَلُحا للاقتداح ".
° المعنى المحوري امتلاء الجسم (بلطيف) له قوة وحدةُ أثَرٍ في ما يصلحه ويراد له: كامتلاء البطون المذكورة بالطعام، واحتفال المرخ والعَفَار بالمادة المساعدة على الاشتعال.
ومنه "المَجْد ". وقد فسَّروه بالكرم والشرف، وبالمروءة والسخاء، وبكرم الآباء، وبنيل الشرف، وبالأخذ من الشرف والسُّؤْدَد ما يكفي، وأقول إن جَمَّاع ذلك -أخذًا من الأصل -هو جمع الرجل أو الشيء صفاتِ الفضل والخير التي يُراد لها، مُمتلِئًا بها، مُمسكًا إياها، أو محُتبِسةً فيه، أي لازمةً لا تفارق، فالتفسير الأخير في أقوالهم هو أدقّها. ثم هم قالوا: "رجل ماجد: مِفضالٌ كثير الخيرات شريف " (والبذل يستلزم الاتصاف بالامتلاء وكثرة الخير). أما "مجيد "فهو أكثر في الصفة من "ماجد "فكأنه يجمع معنى الجليل والغني والوهّاب الكريم. والمجيد من الأسماء الحسنى. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] ﴿ذُو
стр. 2033
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٥] هو -والله أعلم- الجليل العظيم الواسع الغني، وفي وصف القرآن ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١] تعبير عما تجمع فيه من معانٍ وأسرار وهَدي لا يَعلَم حدودَهن إلا الله تعالى، وكذلك تعبيرٌ عن غزارة ما يُفيضه الله منه على المُصطفَينَ من عباده. وفُسِّر في [قر ١٧/ ٣] بالرفيع القَدْر، والكريم، والكثير القَدْر والمنزلة.
° معنى الفصل المعجمي (مج): الاندفاع أو التحرك للرقة المحتواه (أي بسببها) كما يتمثل في مج الريق من الفم وفي تمجمج الكفل: ترجرجه من كثرة شحمه مع الرخاوة- في (مجج)، وفي اندفاع الموج إلى أعلى مع تحركه - في (موج ميج)، وفي انتبار ابدان الإبل وغيرها من الراعية بسبب امتلائها بالعلف وهو يكون رخوا في بطونها- في (مجد).
الميم والحاء وما يثلثهما
• (محح- محمح):
"ثوب مَحٌّ - بالفتح: خَلَقْ بالٍ. وقد مَحَّ الثوبُ (مثلث عين المضارع): أَخْلَق، والدارُ: عَفَت، والكتابُ: دَرَسَ. وفي الحديث "فلن تأتيك حُجّةٌ إلا دحضت، ولا كتابُ زُخُرفٍ إلا ذهب نورُه وَمَحَّ لونُه " [ل زخرف]. والمُحّ- بالضم، وبتاء: فَصّ البيضة الأصفر. والمُحَاح- كغُرَاب: الجوع. وتَمحمحت المرأة. دنا وَضْعُها ".
° المعنى المحوري ذهاب مادة التماسك والغلظ من أثناء الشيء أو تميُّزها
стр. 2034
عنه (١): كحال الشيء الخَلَق، ودروس الدار والكتاب، وحال الجائع. ومح البيض خالٍ من التماسك (بعْدَ الشيء يتراكم بلا تماسك والبياض يتماسك). وتمَحمُح المرأة قُربُ خروج حَمْلها، وهو خصيصة الأنثى. ومنه "المَحَاح- كسحاب: الأرض القليلة الحمض (خالية منه والحمض له حِدة وحَرَافة). والمَحمَح والمَحْماح: الخفيف النَزِق (ذَهَبَ ثِقَلُه)، والضيق البخيل (يدعى أو يتصرف كأنه لا شيء عنده يخرجه).
أما "الأَمَح: السمين والمُح- بالضم: الخالص من كل شيء [الأساس] فهما من ذهاب الغلظ من الشيء فيلين كلا في السمين وتخلُص مادته. ومن هذا "مَحمَح فلانًا: أخلص مودته ".
стр. 2035
• (محو محى):
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]
"المَحو: السَوَاد الذي في القمر كان ذلك كان نيِّرًا فمُحِيَ، والمِمحاة: خِرقة يُزال بها (المائع اللزج)، ومَحْوةُ: (ريح) الدَبُور، ونَحوَةُ: ريح المال، عَلَمانِ، لأنها تَقشَع السحابَ وتذهب به. محا لوحَه يمحوه ويمحاه مَحْوًا وَمَحيًا: أَذْهَبَ ما فيه من أثر " (كتابة أو نحوها).
° المعنى المحوري ذهاب ما يبدو لاصقًا بظاهر الشيء أو عَرْضه: كذهاب بياض وجه القمر، والسحاب من وجه الأفق، وكذلك (المَائع اللزج اللاصق) ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] , (يخذله ويمحقه) ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلما لا يُستبان منه شيء كما لايستبان ما في اللوح الممحو [البحر ٦/ ١٣].
• (محص):
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]
"فرس مَحْصٌ -بالفتح: قليل لحم القوائم، ويستحب منه أن تُمحَص قوائمُه -للمفعول -أي تَخلُص من الرَهَل. وحبل مَحِصٌ - كفرح، ومَحِيص: أملسُ أجرد: ذهب زِئبُره حتى يَملِص، وقد مَحِصَ (كتعب). ومَحَصتُ الذهبَ بالنار: خلَّصته مما يشُوبه ".
° المعنى المحوري خلوص الشيء من الغليظ المختلط به فلا يبقى إلا
стр. 2036
صُلْبه وحقيقته: كما يبقى صُلْب القوائم بعد ذهاب الرَهَل، وكما يبقى صُلْب الحبل بعد ذهاب الزِئبِر (الأطراف الخشنة لشعر الحبل) وكذلك الذَهَب. ومنه "مَحَصَ الشيءَ (مَنع) ومحَّصه - ض: خلَّصه من كل عيب "، كما في آية التركيب. وقال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤١] أي يخلِّصهم من الذنوب. ومنه التمحيص بمعنى الاختبار والابتلاء بالتعريض لشدة تُذهب زَبَدَ المظاهر والزيف فتبقى بعدها الحقيقة (كما في فتن).
أما "محص الظبي (فتح) في عَدْوه: أسرع وعَدَا عَدْوَا شديدًا "فهو من إخراجه مذخور قوته، أي استعماله حقيقة قوته، وخصيصة جنسه، في السرعة الفائقة. والسير عندهم بَذْل من مذخور القوة.
• (محق):
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤١]
"المِحاق -كسحاب وكتاب وغُراب: آخرُ الشهر إذا امَّحق الهلالُ فلم يُرَ. والمَحق- بالفتح: النَخلُ المُقارَب بينه في الغَرْس (لا يثمر)، وأن تلد الإبلُ الذكورَ ولا تلد الإناث (فينقطع النَسل ويذهب اللبن). وقَرْن مَحِيق: دُلك فذهب حدُّه. ومَحَقه الحرّ: أحرقه ".
° المعنى المحوري فَقْد الشيء حقيقته أو أصلَه وصُلْبه: كفقد القمر ضوءه، والنخلِ ثمرَه، والإبلِ نسلَها، والقرنِ حَدَّه وهو سِنه أو حَرفُه الناتئ من جوفه. ومنه: "نَصل مَحِيق: مرفق محدد حتى كان يذهب جِزمه ". ومنه: "مَحَقَ الله الشيءَ: أذهب خيرَه وبركته ": ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
стр. 2037
• (محل):
﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣]
"المَحْل- بالفتح: الجَدْب، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ، والجوعُ الشديد وإن لم يكن جَدْب، والغُبار. والمُتماحِل من الرجال: الطويل المضطرب الخَلْق، وكذا الناقةُ المتماحلة. وبعير مُتماحِل: طويلٌ بعيدُ ما بين الطَرَفين مُسانَدُ الخَلْق مُرْتَفِعُه. وفلاة مُتماحِلة: بعيدة الأطراف ".
° المعنى المحوري جفافُ أثناء الشيء وخلوها من اللين والبلال -مع امتداد جِرْمه: كالمحل الجَدْب، وكالجوع للخلو من لين الغذاء وبَلاله، وكالطويل من الرجال والإبل على غير امتلاء أو تَرارة، وكالفلاة الممتدة وهي قَفْر يابسة. ومنه "المَمْحَلة -بالفتح- شَكْوةٌ يحقَن فيها اللبن، فهذا ذهبتْ عنه حلاوةُ الحلب ولم يتغير طعمه فهو سامِط، فإن أخذ شيئًا من الريح فهو خامِط، فإن أخذ شيئًا من طَعمٍ فهو المُمَحل- كمُعَظم ". فهو يبقى في الشَكْوة تلك المراحل الثلاث (امتداد زماني) ثم تذهب حلاوتُه (جفاف). و "المَحِل- كفَرِح: الذي طُرِد حتى أعْيا (أُنفِدَت قوتُه حتى أعيا). ورجل مَحْل - بالفتح: لا يُنتَفع به إلا خير فيه). ومَحَلَ به -مثلثة الحاء- سَعَى به إلى السلطان (أوصل أمرَه إلى السلطان -امتداد، ليهلكه- جفاف) والمَحل: المكر والكيد (تدبير يمتد في حلقات- حتى الإهلاك) وما حَلَ عن الإِسلام: ماكَرَ ودافع، ماحَلَه: قاواه حتى يتبيَّن أيهما أشدّ " (كل يحاول أن يستفرغ قوة الآخر) ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، وهذا كما جاء: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] , ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦].
стр. 2038
وفي وصف القرآن أنه "ماحِلٌ مصدق "أي ساعٍ وشاهدٌ، من قولهم: "مَحَلَ به: سعى به إلى السلطان ".
ومنه: "مَحَل لفلان حقَّه: تكلَّفه له (كأنما نَحَتَه له من هنا وهناك لعدمه عنده)، وتمحَّل الدراهمَ: انتقدها، (فَحَصَها- والفحص نوع من إزالة الظاهر وقَشره).
• (محن):
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣]
"مَحَنْت الفِضّة: صفيتها وخلَّصتها بالنار. وامتَحَنت الذهبَ والفِضة: أذبتهما لتختبرهما حتى خلَّصتَ الذهبَ والفضة. والاسم المِحنة- بالكسر، ومَحَنتُ البئرَ: أخرجت ترابَها وطينها، والثوبَ: لَبِسته حتى تُخْلِقَه. ومَحَنت الجِلْدَ: قَشَرته ".
° المعنى المحوري شدّة تكشف حقيقة الشيء بإزالة ما يشوبها ويغطيها: كخلوص الذهب والفضة من شوائبهما بإذابتهما بالنار، وكخلوص ماء البئر من العَكَر والنَتْن بنزحهما منها (انظر: رجس)، وكما تنكشف خيوط نسيج الثوب بإخلاقه، ومن ذلك: "المحنة -بالكسر: الخِبرة (معرفة حقيقة الشيء بكثرة معالجته) وامتَحن القولَ: نَظَر فيه ودَبره نظر ما يصير إليه صيورُه (كشف غموضَ حاله وتبين ما يصفو منه). ومَحَنته وامْتَحَنته: خَبَرْته واختبرته "" ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] كان ذلك بالاستحلاف. واليمينُ شِدة تُلجئ إلى بيان حقيقة ما بالقلب [انظر: قر ١٨/ ٦٢]. والمُمتَحَن- مفعول: المصفَّى المخلَّص المهذَّب. قال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أخلصها
стр. 2039
للتقوى [قر ١٦/ ٣٠٨].
ومن الأصل قولهم: "مَحَنَه عشرين سَوْطًا " (تعريض للشدة فحسب) و "ما محنه شيئًا أي ما أعطاه ". (ما يصل إلى قلبه)، أو هي قَلب مكاني عن (منحه).
° معنى الفصل المعجمي (مح): فقد الشيء تماسكه الذي هو قوامه أو زواله هو نفسه -كما يتمثل في الثوب المَحّ: الخَلَق، وفي مُحّ البيض، وفي تمحمح الحامل (قرب) وضعها حملها الذي في بطنها- في (محح)، وكما تفعل الممحاة التي يزال بها المائع اللزج، وكفقد وجه القمر بعض نوره- في (محو محى)، وكذهاب زئبر الحبل المَحِص، ولحم قوائم الفرس- في (محص)، وكفقد القمر أو الهلال كل نوره، وعدم إثمار النخل- في (محق)، وكانقطاع المطر من السماء والكلأ من الأرض في (محل)، وكإذهاب ما قد يشوب الذهب والفضة وتخليصهما منه، وقَشْر ما على الجلْد- في (محن).
الميم والخاء وما يثلثهما
• (مخخ):
"المُخّ: نِقْيُ العظم / نِقْيُ عظام القَصَب (= سيقان البهائم). أَمَخَّ حَبُّ الزرع: جرى فيه الدقيق ".
° المعنى المحوري ما يَحتَشِى به الجِرْم الملتئم الظاهر (أو الصُلْب) من ثخين رِخْو (١): كالمُخّ في العظم، والدَقيق في الحبّ.
стр. 2040
• (مخر):
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤]
"مَخَرتِ السفينةُ (كفتح وقعد): جَرَت تشقّ الماءَ مع صوت. وامتَخر الفرسُ الريح واستَمخَرَها: قابلها بأنفه ليكون أَرْوَحَ لنفسه. ومخر الأرضَ: شقّها للزراعة، وأرسل في الصيف فيها الماءَ لتَجود ".
° المعنى المحوري جَرَيان أو شق بلطف في أثناء شيء ملتئم الظاهر: كالسفينة في الماء، والريحِ في أنف الفرس، والمحراثِ ونحوه في الأرض ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [فاطر: ١٢ ومنه ما في النحل: ١٤] ومن الأصل: "امتَخر الشيءَ: اختاره (أخذه عن أثناء ما كان فيه إلى حوزته) وامتَخرتُ القومَ: انتقيتُ خيارَهم ونُخْبتَهم. وكذلك: مخرتُ البيتَ: ذهبتُ بخيار متاعه. والمِخْرة- بالكسر والضم: ما اخترتَه. وامتَخر العظمَ: استخرج منه معه، (كل ذلك من اتخاذ ما يجرى أو يستقر في أثناء الشيء) أما اليمخُور: الرجل الطويل- فمن الأصل؛ لحُظ فيه نفاذه بطوله في جوف الجو.
стр. 2041
• (مخض):
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣]
"كل حامل ضربها الطَلْق فهي ماخِضٌ. مَخِضَتِ المرأةُ والناقةُ (كتعب) وغيرُهما: أَخَذَها الطَلْق. وإنها لتمَخَضُ بولدها، وهو أن يضرب الولدُ في بطنها حتى تُنْتَج فتَمتَخِضَ. ومَخَضَ اللبنَ يمخَضه - مثلثة عين المضارع: أخذ زُبدَه. والبعير يمخُض بشِقشِقَته (= الكيس اللحمي الأحمر الذي يخرجه مع رغائه أحيانا).
° المعنى المحوري خروج الكثيف المتجمع في الأثناء بدفع أو ضغط ومحاولة: كالولد يتجمع في البطن ويثقل حتى يَخرج من جوف الحامل، وكالزُبد من أثناء اللبن (بالمخض وهو تحريك المِمخَض كثيرًا) وكذلك شِقْشِقة البعير كتلة منتفخة كالرثة تبدو غليظةَ تخرج بدفع شديد منه.
ومنه "مَخَضْت البئرَ بالدلو: إذا أكثرتَ النَزْعَ منها بدلائك وحركتها (فكثرة الماء المُخرَج كثافة، والنزع الشديد قد يثير حمأة البئر أيضًا) والسحاب يمخض بمائه ويتَمَخض ".
° معنى الفصل المعجمي (مخ): توسط مادة كثيفة أو قوية أثناءَ شيء -كما يتمثل في مخ العظم (نخاع قصب البهائم) - في (مخخ)، وفي مَخْر السفينة: شَقها الماء في جريها- في (مخر)، وفي مرحلة طَلَّق الحامل حيث يبدأ الجنين في النزول، وكذلك تجمع الزُبد في أثناء اللبن كتلةَ- في (مخض).
стр. 2042
الميم والدال وما يثلثهما
• (مدد):
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٢]
"رجل مَدِيد القامة: طويل القامة. والأَمِدة- واحدها ككتاب: المِسَاك) = الحرف الطولي) في جانبي الثوب إذا ابتُدِئَ بعمله (على قول النساج). والمَدّ- بالفتح: كثرة الماء أيام المُدُود. ومَد الله الأرضَ: بَسَطها وسواها. ومد الحرفَ: طوَّله. ومدَّ الحبلَ. ويقال: قلّ ماءُ الرَكيَّة فمدتها رَكِية أخرى. ومدَّ النهرَ نهرٌ آخر: جرى فيه (ماؤه). وتمدّد الرجل: تمطى ".
° المعنى المحوري استطالة جِرم الشيء في نفسه أو باتصاله بغيره، فيزيده طولًا واستمرارًا، أو قَدْرًا (١): كامتداد القامة والمِسَاكين في جانبي الثوب. وكماء المد، وانبساط الأرض، وامتداد الحبل. واستمرار تأتي ماء الركية والنهر، وتطاول جِرْم الرجل في التمطي. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ [الرعد: ٣] بسطها
стр. 2043
كما قال (فراشا)، (بساطا)، وكذا كل (مَد)، و ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥] ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ [لقمان: ٢٧] (أي يَرفِده ويصب فيه مُضيفا إليه) ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]: نطول له من العذاب الذي يعذَّب به المستهزئون، أو نزيده من العذاب [بحر ٦/ ٢٠١]. ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ [الانشقاق: ٣]: بُسِطت باندكاك جبالها [نفسه ٨/ ٤٣٨] , ولو قيل: مُطّت أو وُسِّعَتْ نشرًا لما طُوي في كثافتها, ولما أُزيل ونُسِفَ من جبالها لكان أدق. والحديث الذي ذُكِر هنا- وعَجزُه "حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه "من أعلام النبوة. ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ﴾ [الحجر: ٨٨، وما في طه: ١٣١]: لا تطمح ببصرك طموح راغب. وهو مجاز كسائر مضارع (مد) في القرآن. ومنه: "مادة اللبن: ما يتأتى في الضَرع بعد الحَلْب (استمرار). والمادة: كل شيء يكون مَدَدَا لغيره (يجعله يستمر ويتصل). والمَدَد- محركة: ما أمددتَ به القوم في حرب أو غيرها من طعام وأعوان. ومددتُ الأرضَ: زدتُ فيها ترابًا أو سِمادًا من غيرها ليكون أعْمرَ لها وأكثرَ رَيْعًا لزرعه. والمِداد: - ككتاب: الذي يُكتَب به "يُمِدّ القلم والكاتب بالحبر الذي يكتب به: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]. ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠]: منبسط دائم، كما في ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]. أما في ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] (فالمعنى حركه وأجراه- من الاستطالة والانبساط في الأصل. وتفسير الظل بالظلام [بحر ٦/ ٦٤٠] خلاف الأصل. والسكون في بقية آية الفرقان هذه يشير إلى ما في [القصص ٧٢]. ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦] , وكل (إمداد) فهو إتاحة وتخويل أو زيادة. والمُدة- بالضم: الغاية من المكان والزمان (مسافة ممتدة): ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]. ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾ [المدثر: ١٢]: (منتشرًا كثيرًا). ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ [الهمزة: ٩] تؤصد
стр. 2044
عليهم الأبواب، وتمدد على الأبواب العمد استيثاقا في استيثاق. ويجوز أنها عليهم مؤصدة موثقين في عمد مقيدة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص. [الكشاف ٤/ ١٧٩٠] (المقطرة هي ما يسمى الفَلَقَة).
ومن الأصل: "مِدة الجُرْح- بالكسر. (لتحلبها من الجُرح كما قيل للنزَّ - وهو ما تحلب من الماء: مِدَّان -بالكسر، وإمِدان -بكسرتين فتضعيف وكلاهما مادة تتصل)، والمُد -بالضم- من المكاييل قَدْر مَد الرجل يديه فيَملأ كفَيه طعامًا (من مد اليدين أو من الإمداد بهذا القدر مرة بعد أخرى). ومد الله في عمره: أنسَأَه، وسبحان الله مِدادَ كلماته، ومدادَ السموات، أي قَدر ما يوازيها (يُمادها) كثرةَ أو سعة. والإِمِدان -بكسرتين فتضعيف: الماء الملح أو الشديد الملوحة. (ماء مزيد بملح يزيد كثافته).
• (ميد):
﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]
"المائدة: الدائرة من الأرض. والمَيدان- بالفتح ويكسر: فُسحة من الأرض متسعة معدة للسباق أو للرياضة (المنجد). ويبداء الطريق- بالكسر: سننُه وفي [تاج] جانباه وبُعده وسَننه). ماد الغضنُ: تحرّك، والشيءُ: زاغ وزكا (الزيغ الميل، وكأن المقصود: الزرع خاصة. وتمايل الزرع لازم لزكائه (= طوله).
° المعنى المحوري دوران أو حركة واسعة ترددية. (وهما من باب واحد): كالدائرة من الأرض، والمَيْدان، وسَنَن الطريق هو وجهه الممتد الذي عليه السيرُ ذهابا ومجيئا، وكتمايل الغصن.
ومنه "ماد أهلَه: مارهم " (كأن أصل ذلك اختلافه في السعي جلبًا للرزق،
стр. 2045
فقد قالوا "مادَ إذا تَجِر ") ومن هذا قالوا "ماد: أفضل، ماده وأماده: أعطاه. والمائدة الطعام نفسه ""فاعلة (أو هي) في المعنى مفعولة "أي "مِيدَ بها صاحبها وتُفُضِّل عليه بها " (وأقرب من هذا أن تكون بمعنى: ما يُلتَفّ حوله. أي الطعام)، ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَينَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤] وفي [قر ٦/ ٣٧٤] أن "المائدة: كلُّ شيء يُمَدّ ويُبْسَط مثل المنديل والثوب- من (مدد) وأبدلت "لكن المراد في الآية هو الطعام.
ومن الحركة الموصوفة ما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي تتحرك وتتزلزل. وماد: تَثَنّى وتبختر. والمائد في البحر: الذي يُدار برأسه من ريح البحر واضطراب السفينة.
وقولهم: "داري بِمَيدَى داره- بالفتح: أي بحذائها، (مقابلة لها). وفعلتُه مَيدَ ذلك، أي من أجله " (أي مقابلًا له. والمقابلة من الدوران).
وقد ذكر هنا (مَيْدَ أن) وقد فسّرت بمعنى (غير أنّ) وبمعنى (على أَنّ). وقد ذكرت في (بيد) فقال أبو عبيد في (بَيد) إن (مَيد) لغة ونظر لها بما يجيز أن يُفسَّر كلامه بأنه يقصد الإبدال. ومال ابن سيده إلى أنها مبدلة من بيد. ومعنى تركيب (ميد) لا يرشح أن تكون المفردة منه. فالأرجح أنها مبدلة من (بيد).
• (أمد):
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢]
"يقال للسفينة إذا كانت مشحونةً: عامِدٌ وآمِدٌ، وعامِدةٌ وآمِدةٌ. والآمِدُ: المملوء من خير أو شَرّ. وأَمَدُ الخيل في الرِهان: مَدافِعها في السِباق ومُنتهى غاياتها ".
стр. 2046
° المعنى المحوري حدود ما يُجْهَد فيه جريًا أو حَمْلًا: كالسفية المملوءة؛ حيث بلغت شحنتُها حدودَ طاقتها، وأمَدُ الخيل: مسافة السباق ما بين حدِّ أول جَرْيها وآخِرِه.
ومن أمد الخيل المكاني استُعمل في الأمد الزماني "الأمد: الغاية، يقال: ما أمَدُك؟ أي كم سِنُّك "أي مدة سِني حياتك من ولادتك إلى الآن، ومن هذه: المسافة الزمنية ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن: ٢٥]-أي أجلًا وغاية [قر ١٩/ ٢٧] فهو أجل ممدود طويل طبقا للأصل، ولمقابلته بالقُرْب. ومن ذلك ﴿فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] [وانظر: قر ١٧/ ٢٤٩] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].
• (مدن):
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]
"المدينة: الحصن يُبنَي في أُصْطُمَّة الأرض (أصطمة البحر: وسطه ومُجتَمعه، وأُصْطُمّة كلِّ شيء: مُعظَمه) وكل أرض يُبنى بها حصن في أُسْطُمتها فهي مدينة. المدينة: المِصْر الجامع ".
° المعنى المحوري المِصْر الجامع المحصَّن- وتعريف المدينة بالحصن = يذكّرنا باتخاذ القدماء قِلاعًا ونحوها مبالغةً في الامتناع والتحصن من الأعداء، وفيه الفرق بينها وبين القرية التي هي تجمُّع لبيوت لم يُلحظ فيه التحصن. وقد أُطلقت المدينة في القرآن الكريم على العواصم ونحوها، فأُطلقت على مدينة الرسول ﷺ ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا﴾
стр. 2047
[التوبة: ١٢٠]، حتى لو غلب عليها بعد الإِسلام، وأطلقت على عاصمة مصر ﴿وَقَال نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠]، وعلى كبار بلادها. ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١]، وعلى ما يشبه أن يكون كذلك ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]، ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٤٨].
لكن ربما كان اشتقاق المدينة من (دين) أَوْلَى؛ لأن: الحَمْل على تركيب معروف واسع التصرف مثل "دين "أولى من العمل على تركيب لا وجود له إلا افتراضًا كالفعل الممات "مَدَنَ بالمكان "ثم إن تعبير الدال والنون عن التغلغل في أثناء شيء يضطم على ما تغلغل فيه واضحةٌ في (دن ن) كالدَن يُغرَس عُسْعُسُه (قاعدته القِمْعِيّة) في الأرض. ويقولون: أدَنّ بالمكان: أقام. ودَنْدَنَ: اختلف في مكان واحد مجيئًا وذَهابًا. ويدور تركيب (دين) على تمكُّن الشيء في أثناء جَوْف أو حَوْزة. ومنه المدين: المملوك، والدِين- بالكسر: الحكم ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]، في حُكْمه ومُلْكه (وهذا حوز بقوة) وعقيدة في القلب والدَين- بالفتح: كل شيء غير حاضر (معلق بذمة شخص ما)، والدين- بالكسر. وهذه الاستعمالات تعبّر عن التمكن في جوف حيّز. وهذا يناسب معنى المدينة- لأن المدينة حيِّزُ إقامة. كل هذا يرجح أن المدينة من (دين).
° معنى الفصل المعجمي (مد): الامتداد -مع قوة أو شدة كما يتمثل في الرجل المديد القامة- في (مدد)، وفي اتساع الميدان وامتداد ميداء الطريق سننه- في (ميد) , وفي امتداد أمد الخيل (بين) مدافعها ومنتهى غاياتها- في (أمد)، وفي امتداد الإقامة في المدينة -لا كالتنقل وراء المراعي- في (مدن).
стр. 2048
الميم والراء وما يثلثهما
• (مرر- مرمر):
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٦]
"المَرّ -بالفتح: الحَبْلُ. والمَرِير من الحبال: ما لطُف وطال واشتد فتلُه، والمفتول على أكثر من طاق. وقد أمررته: أجدت قَتلَه وشددته فهو مُمرّ -بضم ففتح. وكل قوّة من قُوَى الحبل مِرّة- بالكسر، ومَرِيرة. والأَمَرّ: المصارين يجتمع فيها الفَرْث. والمرير: الأرض التي لا شيء فيها مرّ عليه، وبه: اجتاز ".
° المعنى المحوري استرسال اطرادي أو اجتيازي مع شدّة أثناء أو ضِيق وحبس (١) كالحبل الدقيق المفتول فتلًا شديدًا، وكالمصارين. وشدة الأثناء
стр. 2049
متحققة في الحبل والمصارين وفي الأرض التي لا تنبت (لا تتشقق بالنبات). والمرور استرسال اجتيازي وفيه امتداد الوجود إلى مكان آخر كالاطرادي. وشدة الأثناء فيه واضحة في آيات المرور التي سنذكرها.
ومن شدة الأثناء مع الاسترسال "المرمر الرُخام "وصلابتُه من شدة تركُّز ذرّاته، ويتضح اطراده بعد تسويته، "والمرارة "فيها- مع شدة المذاق المركزة التي تمتدّ- أنها تمرئ الطعام أي تساعد على هضمه فيسري في البدن. ومما فيه ذلك المذاق "المُرار- كغراب: شجر مرٌّ إذا أكلتْه الإبلُ قَلَصتْ عنه مشافرُها "ومن ذلك أيضًا "المِرّة- بالكسر: القوة وشدة العقل ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ واستمرَّ مَرِيرُه: قَويَ بعد ضعف ""هو يُمارّ فلانًا، ويمِرّه- من أَمَرّ: يعالجه / يتلوَّى عليه ويديره ليصرعه ". ولعل هذا المعنى الأخير ناظر إلى قولهم "أَمَرَّ الناقةَ بذَنَبها: صَرَفها شِقًّا لشِقّ (بِلَيّ ذَنَبها): يَستمكن من ذَنَبها، ثم يوتِّد قدميه في الأرض كي لا تَجُرّه إذا أرادت الإفلاتَ منه. فإذا ذُلِّلتْ بالإمرار أرسلها إلى الرائض ". (فهي حينئذٍ تقبل أن تراض فتطرد في عملها).
стр. 2050
ومن المرور المذكور "امترّ به وعليه: اجتاز. ومرّ: جاء وذهب كاستمر "- ومنه في حديث الوحي "كان إذا نَزَلَ سَمعت الملائكةُ صوتَ مِرار- ككتاب- السِلْسلة على الصفا، أي كصوت انجرارها واطِّرادها على الصخر "، "والمَرّة "- بالفتح، من هذا، أي هي واحدةُ مرور الأَمْر وجريانه. قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] وكل (مرّ) فهي من (المرور) الاجتياز عدا ما ننبّه عليه، ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣] أي أول وقوع] وجرَيَانٍ للقتال من أفعالهم بمكة بالنبي ﷺ وبالمؤمنين، أو معونتهم بني بكر على خزاعة، أو فعلهم يوم بدر [بحر ٥/ ١٨] وكذا كل (مرة) فمعناها (وقوع للحدث أو الأمر) ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَينِ﴾ [الإسراء: ٥] أولاهما قتلهم زكريا أو شعيا وحبس أرميا وقصد قتل عيسى، والأخرى قتلهم يحيى [بحر ٦/ ٨، ١٠]، و "استَمرَّ الشيءُ: مضى على طريقة واحدة " (استرسال) ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] أي ذاهب، من مَرّ واستَمرّ: ذهب. وقيل: محُكم قويّ شديد، من المِرَّة- بالكسر: القوة / وقيل دائم .. [قر ١٧/ ١٢٧، ١٣٥] (أي مسترسل مع بقاء أثره. وأميل إلى أنها من الشدة مِرّةً أو مَرارة، وكذا ما في [القمر: ١٩، ٤٦]). ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]: أي استَمرّ على كفره [قر ٨/ ٣١٧] (ويجوز: استرسل شديدًا عند نفسه كأنه لم يشك من ضُر). ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]: استمرت بذلك الحَمْل تقوم وتقعد لا تكترِت بحَمله إلى أن ثقُلت [قر ٧/ ٣٣٧] (أي من المرور: الذهاب ويلحظ ما يعطيه السياق في الآيتين من ضرورة كون
стр. 2051
ال مرو ر فيه قوة. وهو يكفي لإثبات أن ما خلا من تلك الضرورة مجتزَأ عنه). ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٨٨] في [بحر ٧/ ٩٤] أن ذلك يوم القيامة. والنظر إلى الآية السابقة يرجحه. لكن توجيه الخطاب والتنويه بصنع الله الذي أتقن كل شيء يناسب لفت أهل هذه الحياة الدنيا لذلك ليؤمنوا.
أما قولهم: "امرأة مَرْمارة- بالفتح: ترتجّ عند القيام "، فمن رخاوة الشحم في بدنها واحتباسه فيه؛ فتتردد حركةُ ما يتراكم فيه ذلك من بَدَنها. واللفظ يعبر عن ذلك التردد).
• (مرو):
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]
"المَرْوة- بالفتح: حجارة بِيضٌ برّاقة تكون فيها النار، وتُقدح منها النار، يُجعل منها المَظارّ (المُظِرَّة: كِسْرةٌ من المَرْو لها حرف حادّ كالسكين) يُذبَح بها / أصلب الحجارة. والمَرْو: شجر طيّب الريح ".
° المعنى المحوري حِدّة محتواة في الجِرم (تنتشر منه) بتجدد: كالنار والرائحة في المرو بمعنييه. ومن ذلك: "المروة: الجبل الذي هو نهاية السعي في مكة شرّفها الله تعالى، سُمِّي بتلك الحجارة " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ومن ذلك الأصل: "المَرَوْراة: الأرض أو المفازة التي لا شيء فيها / قَفْر مُسْتوٍ / لا يَهتدى فيها إلا الخِرِّيت " (= ذو الخبرة العظيمة بمسالك الصحراء) (والحدة فيها جفافُ باطنها فهي قفر لا نبات فيها).
стр. 2052
• (مرى):
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥]
"المَرِيّ -كغنيّ- الناقة التي تَدُرّ على من يمسح ضرعها، وقد أَمْرَتْ فهي مُمْرٍ / الناقة تَحلُب على غير ولد، ولا تكون مَرِيًّا ومعها ولدها / الغزيرة اللبن. والريح تَمْرِى السحابَ وتمتريه: تُنزل منه المطر / تَستخرجه ".
° المعنى المحوري مائعٌ أو رقيقٌ غزير محتوى- يُسْتخرج بحِيلةٍ للاستخراج مَسْحٍ أو نحوه. كاضطمام الناقة على اللبن، والسحاب لغزارته على ماء المطر، وخروجهما من مَضَمِّهما بحيلة: اللبن بالمسح، والمطر بتحريك الريح. ومنه "القطاة المارِيّة- بتشديد الياء: الملْساء المكتنزة اللحم. والمارِيّ بتشديد الياء: وَلَد البقرة الأبيضُ الأملس / البرّاق (من امتلائه بالنَعمة، وهي رقّة).
ومنه "المِرْية- بالكسر: الشكّ (من احتواء الباطن على رقة ورخاوة، وهو ضعف وعَدَم تمَيّزِ حدودٍ، في حين أن الصدق صلابةٌ، واليقين احتواء شيء ماديّ في جوف. (من الموقونة: المصونة المخدّرة). ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ [هود: ١٠٩]، و "امترى فيه: شَكّ، وكذلك تمارى " ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣]، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥] أي تَشُك، والخطاب للإنسان المكذّب-[قر ١٧/ ١٢١] كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣].
ومن هذا: "المِرَاء: المجادلة "؛ إذ هي بسبب الشك وعدم اليقين في ما يقول الآخر، وكل من المتماريين يُعالج صاحبَه ليستخرج ما عنده ثم يستزيد أي لا
стр. 2053
يكتفي ولا يقتنع ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] سمّي مراجعته لهم مراء على سبيل المقابلة لمماراة أهل الكتاب له في ذلك، وقيده بقوله (ظاهرا) أي غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أُوحِي إليك فحسب من غير تجهيل ولا تعنيف / جدالَ متيقنٍ عالمٍ بحقيقة الخبر [ينظر بحر ٦/ ١١٠ - ١١١] ومن ذلك: "مَرَاه حقّه [وفي قر ١٧/ ٩٣]: من حقه وعلى حقه ": جَحَده (أي كذّبه في ادعاء أن له حقًّا، والتكذيب من الحكم على الكلام بالضعف وعدم الصلابة كما مر. وأصل هذا في المعنى المحوري هو عدم خروج ما في الباطن إلا بحيلة). ولا يخرج معنى أي من مفردات (مرى) التي وردت في القرآن عما ذكرناه: (الامتراء) (والمِرْية): الشك، و (المماراة والمراء) الجدال، وهو بسبب الشك.
• (مور):
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠]
"مار الشيءُ: تردَّد في عِرَض كالداغصة في الركبة [الأساس] (العظْمة التي تموج على رأس الركبة). والدِماء تمور على وجه الأرض: إذا انصبّتْ فترددت. ومُرْت الصوف والشعر: نَتَفته فانمار: انتتف. والمُورة- بالضم وكرخامة: ما نَسَلَ من عقيقة الجحش والحمار وصوف الشاة حيّة أو ميتة. والمُورَ -بالضم: الغبار المتردد، وبالفتح: تراب تَمور به الريح ".
° المعنى المحوري تردُّد المادة المجتمعة في مكانها بتسيبها- كتردد الداغصة والدِماء، وانتتاف الصوف والشعر وانتساله [في [تاح]: مُرْتُ الوبرَ فانمار أي نتفته فانتتف، والمُورة والمُوارة: ما نسل من عقيقة الجحْش وصوف الشاة حية أو ميتة] فهو تسيب. وكتردد التراب والغبار. ومنه: "مارت الناقةُ في
стр. 2054
سيرها: ماجت وتردّدتْ. والبعير يمور عَضُداه: يترددان في عُرْض جنبه. ناقة موَّارة- مبالغة: سهلة السير سريعة. ومار الشيء: تَرَهْيَأ / تردَّد في عِرَض / جعل يذهب ويجيء ويتردد، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] فهي حينئذ كالسائل الرقيق يَتَرَهْيأ، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]، تذهب وتجيء [قر ١٨/ ٢١٦]. (وعندما يحدث زلزال يحس مَنْ فوق الأرض كأن الأرض تحتهم ماءٌ يتردد).
• (مير):
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٥]
"مِرْتُ الصوف مَيرًا: نَفَشته. والمُوَارة- كرُخامة: ما سَقَطَ منه. ومرْتُ الدواءَ: دُفْتُه (دُفْتُ الدواءَ وغيرهَ: خَلَطته بماء أو بغيره. وداف الطِيبَ وغيره في الماء: خلطه. ودافت طِيبَها بعرقه ﷺ : خَلَطَتْه) وأمار الشيءَ: أذابه، وأمار الزعفران: صَبّ فيه الماءَ ثم دافه ".
° المعنى المحوري تخفيف كثافة الشيء الكثيف الشديد وتوسيعُ ما بين أثنائه. كنفش الصوف بعد كثافة، وإذابة الدواء- للحَلّ أو للتخفيف بالماء، وكذلك الزعفران. ومنه: "المِيرة: جَلْب الطعام للبيع أو للأكل: مار عياله وأهلَه يَميرهم وَيمُورهم: أتاهم بميرة أي بطعام، وهم يمتارون لأنفسهم وَيميرون غيرهم ". وذلك أن الميرة- الطعام المجلوب يُزَاد إلى ما عندهم، فيفرِّج عنهم، ويوسِّع عليهم، بعد ما كانوا مقصورين على ما عندهم؛ فهي زيادة وترقيقُ حالٍ
стр. 2055
وتوسعةٌ مادية ومعنوية ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٥] ومن ترقيق التضام والكثافة هذا- "تماير ما بينهم: فَسَد، كتماءر " (فالصلة اتصال وتضام شديد، وفسادُها ضعف ورقة) "وأمار أوداجَه: قطعها " (والأوداج أهم روافد تغذية الرأس فهي من أهم ما يصل الرأس بالبدن وقطعها يصدق عليه تخفيف كثافة الشيء وتوسيع ما بين أثنائه).
• (مرأ):
﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]
"المَرِيءُ: مَجْرى الطعام والشراب، وهو رأسُ المعدة والكرشِ اللاصقُ بالحلقوم، الذي يجرى فيه الطعام والشراب ويدخل فيه. وطعام مريء: هنيء حميد المَغَبّة. وكَلَأٌ مريء: غيرُ وخيم. وقد مَرُؤ الطعام وهذا يُمْرِئ الطعام، وقد أمرأه الطعامُ ومَرَأه: إذا لم يَثقُل على المعدة وانحدر عنها طيبًا. وما لك لا تَمْرَأ أي لا تَطْعَم. وقد مَرَأْت: أي طَعِمْت. والمَرْء: الإطعام على بناء دار أو تزويج ".
° المعنى المحوري مرورٌ خِلال المضايق بلطف مع نفع وحسن عاقبة. كمرور الطعام والشراب في المريء بلطف مع النجوع وحسن العاقبة قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. "المريء هو المحمود العاقبة التامُّ الهضمِ الذي لا يضر ولا يؤدي ". [قر ٥/ ٢٧].
ومنه "المرء -بالفتح: الإنسان "إذ هو نسل له تصرف ونفع وتعاون. وأنثاه مرأة وهو أيضًا امْرُؤ وهي امْرَأة. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤]، ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨]، ﴿إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] ومن
стр. 2056
هذا "المروءة: الإنسانية، وكمال الرجولية " (ومنها سلاسة النفاذ، والنفع، وتتأتى الشهامة أيضًا. وكل ذلك أخذًا من النجوع وحسن العاقبة في وصف الطعام المريء). وليس في القرآن من التركيب إلا (الطعام المريء)، و (المرء) , (المرأة) ومثناها.
• (أمر):
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]
"الأَمَرة- محركة: مثلُ المَنارة فَوق الجبل عريضٌ مثلُ البيت وأعظمُ وهي حجارة مكوّمَة بعضُها فوق بعض قد أُلزِق ما بينها بالطين وأنت تراها كأنها خِلْقة، وطوله في السماء أربعون قامة. الأَمَرة: الرابية، والعَلَمُ الصغير من أعلام المفاوز من الحجارة. أمّر القناة- ض: جعل فيها سِنانا. أمِّرْ قناتك: اجعل فيها سنانا. سنان مُؤَمَّر- كمعظم: مُحَدَّد. ويقال: أمِرَ أمره: اشتد ".
° المعنى المحوري نفاذ مع علُوٍّ وراءه جمع بشدة. كالأَمَرة الموصوفة لا بد أن تكون قمتها أقل ضخامة من قاعدتها- على ما يتطلبه انتصابها وبقاؤها كذلك في الزمن القديم لئلا تنهار. وقلة ضخامة قمتها عن قاعدتها تحدُّد ونفاذ إلى أعلى، وشدّة تجمع أسفلها التزاق حجارتها. وكالسنان وهو محدد، وهو مركب في أعلى الرمح (تجمع) بمتانة، لينفذ في الضريبة بقوة. ومن الجمع بشدة مع النفاذ جاء معنى الكثرة, لأن النفاذ صورة من الانتشار. ومنه في الحديث: "خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة "أي نَتُوج ولود. وزَرْع أمِر (كفرح): كثيرٌ. وما أحسن أمارَتهم أي ما يكثرون ويكثُر أولادُهم وعددهم. وفي وَجْه المالِ الأَمِر (كفرح) تُعْرَفُ أَمَرتُه أي زيادتُه ونماؤه ونفقته (كذا, ولعلها: نفعه أو
стр. 2057
نَفاقه). وقد أمِرَ القومُ: (فرح) كَثُروا، والرجلُ: كَثُرت ماشيته ".
ومنه قوله ﷺ عن أَمْرِه أي دَعْوة الإِسلام "والله لَيَأمَرَنّ "وكذا قول أبي سفيان إن "أمْرَه ﷺ قد أمِرَ "أي تزايد وعظم. ومنه كذلك "رجل أمِر (كفرح): مبارك يُقبِل عليه المال، وامرأة أمِرَة: مباركة على بعلها ".
ومن العلو مع النفاذ جاء "الأمر ضد النهي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] وبهذا المعنى جاء عُظْم ما في القرآن من الفعل [أمَر] ومضارعه وأمره. وسائره عُبِّر به لمعنى التمكن من المأمور ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨، وكذا ما في ١٦٩ منها] أو لمعنى التهكم ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور: ٣٢, وكذا ما في البقرة: ٩٣] أو لمعنى قبول الموجَّه إليه الكلام كقوله تعالى على لسان فرعون مخاطبًا سَحَرته ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠، وكذا ما في الشعراء: ٣٥]، ﴿وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] كقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣] وفي [قر ١٨/ ١٦٩] هي للأزواج والزوجات أي ليقبل بعضُهم من بعض ما أمر به من المعروف الجميل. ولمعنى القبول هذا استُعمِلت صيغ من التركيب لمعنى الشورى وما هو من بابها. فيقال "تآمروا على الأمر وائتمروا: (تشاوروا) وأجمعوا آراءهم. ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] أي يتشاورون في قتلك. وقيل يأمر بعضهم بعضًا [قر ١٣/ ٢٦٦]. وآمره واستأمره: شاوره ". وفي الحديث "آمِرُوا النساء في أنفسهن ""البِكر تُسْتَأْذن والثيب تُسْتَأمر ".
стр. 2058
و "الأمير: الملك "أي ذو الأَمْر أي الذي له أن يطلب استحداث أشياء أو عملها: "أمَر عليهم " (نصر، وكفرح وكرم).
وفسر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] أي كَثَّرناهم. وذلك على القول لورود الفعل بهذا المعنى من باب (نصر)، كما فُسِّرت بالأمر ضد النهي أي أمَرْناهم (أي أمرهم الله بأوامر من عبادته) ففسقوا عن أمر ربهم وعَصَوا. وقرئت أمّرنا -بالتضعيف: أي جَعَلناهم أُمَراء. كما قرئت آمرنا- بالمد بمعنى التكثير، وأمِرْنا كعَلِمنا وفسرت بالأمر ضد النهي، وبالتسليط وبالتكثير، [ل ٨٨/ ٥ - ٨، وقر ١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣] ومن ذا: "أَمرَ أمرُه كفرح: اشتَدّ. والاسم الإِمْر بالكسر [ل. ٩٣/ ١٩] ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] أي عظيمًا كقوله تعالى ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وكتسمية الفواحش من الذنوب كبائر.
أما (الأمر) فهو يأتي بمعى المصدر من (أمر) كما في ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩, وكذلك ما في ٥٠ منها] وغيرهما. ويأتي بمعنى (الحادثة) و (الشأن) و (الحال) كما في [تاج]، وهذا المعنى هو صورة من الجرَيان المأخوذ من النفاذ في المعنى المحوري وجمع الأول أوامر، وجمع الأخير أمور [تاج]، وإذا أُسْنِد (الأمر) إلى المولى فإنه يفسَّر بالقضاء، وبالتصريف والتدبير. ويوضح بعض ذلك ما في [البحر ٣/ ٢٧٩] في ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧] الأمر هنا واحد الأمور يُقصَد به الجنس وهو عبارة عن المحكومات .. كالعذاب واللعنة والمغفرة، أو المراد به المأمور به أي الذي (إذا) أراده أوجده، أو كل أمر أخّر تكوينه فهو كائن لا محالة لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله ".
стр. 2059
• (مرج) .
﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]
"المَرْجُ -بالفتح: أرضٌ واسعة فيها نبت كثير تَمرُج فيها الدواب أي تخُلَّى تَسْرَح مختِلطة حيث شاءت. مَرَج دابته (كنصر): خَلّاها تَرْعَى كذلك. والمَرَج- محركة: الإبل تَرْعَي بلا راع [ق]. وغُصْن مَريج: مُلْتوٍ مشتبك قد التبست شناغيبه / متداخلٌ في الأغصان. وسَهْمٌ مَريج: ملتو. ومَرِجَ الخاتَم في أصبعي (فرح) قَلِقَ. أَمْرَجَت الناقة: ألقت وَلدها غِرْسًا ودمًا. [ق] (الغِرْس- بالكسر: ما يخرج مع الولد كأنه مخاط).
° المعنى المحوري حركة مختلفة الاتجاهات لما يُفْتَرض استقراره (عدم الاستقرار والاستقامة) كما تمَرُج الدواب في المَرْج، وقلق الخاتم، ونزول جنين الناقة والمفروض أن يثبت، وكاختلاف اتجاه الغصن والسهم المعوجين. فالاستقامة من باب الاستقرار لاطراد المستقيم على اتجاه مستوٍ واحد، والاعوجاج من باب عدم الاستقرار [ينظر الخصائص لابن جني ١/ ١١]. في كلامه عن اللقوة في الوجه).
ومن ذلك الأصل ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]: أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر / خَلَطهما فهما يلتقيان [قر ١٣/ ٥٨]. (كل يدخل في أثناء الآخر) وكذلك ﴿مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] (أراه من التقاء الماءين العذب والملح مع عدم طغيان أحد النوعين على الآخر حيث يخرج البخر بالماء العذب وحده فيصير سحابًا فيمطر وهكذا). "والمارج: الخِلْط -بالكسر أي المخلوط، واللَهَب
стр. 2060
المختلط بمواد النار ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]. ومنه "مَرِجَ الدِينُ والأمرُ (تعب): اضطربَ واختلط والتبس المَخرَج منه ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] ومَرِجَت العهود: اضطربت وقل الوفاء بها ".
ومن الأصل المَرْجَان: جوهر أحمر معروف الاختلاط شعبه وتعرجها وتضاد اتجاهاتها فتتداخل في تجمع غير مصمت) ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢].
• (مرح):
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]
"مزادة مَرِحة -كفرحة: لا تُمْسِك الماء. وأرض مِمْراح: سريعةُ النبْت حين يصيبها المطَر. وقوس مَرُوح: حَسَنةُ إرسالِ السهم. وعين مِمْراح: سريعة البكاء / غزيرة الدمع. وقد مَرِحَت العَينُ (تعب): اشتَدّ سَيلانها، والأرضُ بالنباب: أَخرَجَتْه، والزرعُ: خَرَجَ سُنْبله ".
° المعنى المحوري تسيب الشيء (اللطيف) بقوة وخفة من أثناء ما يمسكه. كالماء والسهم والنبات من المزادة والعين والقوس والأرض، ومنه "فرس مَروُح، وممرَح، وممراح: نَشِط. وقد أمرحه الكلأُ " (يجري ويقفز ويضطرب هنا وهناك ولا يقَرّ ولا يسكن لما أحسه من شبع وقوة ونشاط)، ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧، لقمان: ١٨]، ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] فسروا المرح بالفرح والنشاط المجاوز القدْر، وبالتبختر والاختيال، وبالبطر والأشر [اللسان ٤٢٨].
وفي ضوء ما سبق نطمئن إلى تفسيره بالتسيب من القيم والضوابط وعدم
стр. 2061
الالتزام بها عند وجود القوة والنعمة. وهي تتمثل في الاختيال والأشر وبعض ما قالوه هو مظاهر للمرح البدني، وليس النشاط منهيًّا عنه.
• (مرد):
﴿قَال إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤]
"رَمْلَة مَرْداء- بالفتح: متسطحة / لا تنبت. والمَرَدُ -محركة: نقاء الخدَّين من الشعر، ونقاء الغُضْن من الورق. شاب أمرد: بلغ خروجَ لحيته وطَرَّ شاربُه ولم تَبْدُ لحيتُه. وشجرة مرداء: لا وَرَقَ عليها. والمراد- كسحاب: العنق. وتَمْريدُ البناء تمليسه / وتَسْويته وتطيينه. وبناء مُمَرّد: مُطَوَّل " (كمعظم فيها).
° المعنى المحوري ملاسة ظاهر الشيء الممتد تجرُّدًا مما ينبت أو يتشعب منه عادة كالرملة، والخدود، والأغصان والباء الموصوفات. فمن البناء الموصوف ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ [النمل: ٤٤]، فسروه بالمطوَّل [ل، وشرح السبع الطوال ١٦٠] واستواء الظاهر يبرز الطول، والمتوقع أنه كان مع الطول (= الارتفاع) مملَّسَ الظاهر لاكتسائه بطبقة من القوارير (= الزُجَاج).
وملاسة الظاهر الممتد يلزم عنها انطباع بشدة تماسك الشيء أي شدته في ذاته، كما يلزم منها عدم التمكن من الإمساك بالشيء فيخرج عن الطاعة "المَروُد والمارد من الخيل: الذي يجيء ويذهب نشاطًا "أي من شدته. "والمارد من الرجال: العاتي الشديد. مَرَد على الشر وتمرَّد: عتا وطغى. تمرّد علينا: عتا. والمارد والمريد: الخبيث المتمرد الشرير، فهذا كله من لازم المعنى الأصلي (المحوري) ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣ وكذا ما في النساء: ١١٧]، ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. ومن طريق المجاز في هذا "تمرد هذا البِثق-
стр. 2062
بالكسر- وهو الشقّ في وسط شط النهر ينبعث منه الماء): جاوز حَدّ مثله " (أي فلا يكاد يُقدَر على سَدِّه).
وملاسة الظاهر يلزم عنها أيضًا سلاسة مرور الشيء وجريانه عليه -كما لو أَمَرَّ الإنسان يده على رخام ناعم أو مرمر، ومن ذلك جاء "المَرْدُ- بالفتح: دفع السفينة بالمُرْديّ (ككرسي وهو خشبة يدفع بها الملاح السفينة فتندفع في الماء بسلاسة كأنها تنزلق) "والمَرْد كذلك: السوْق الشديد "هو من هذا. ومن معنوي هذا ما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، (تعودوا عليه وسلس أمره عليهم فلم يعودوا يشعرون بحرج).
أما "مَرَدَ الخبزَ والتمرَ في الماء: ماثه حتى يلين، والشيءَ: لينه، والصبيُّ ثَدْيَ أمه "فقد رويت بالذال المعجمة والثاء، فالحق مع من رواها بهما كأبي عبيد فتلك الليونة أنسبُ أن تعبر عنها الذال، لكن تليين الخبز والتمر بالماء يتأتى من معنى الملاسة هنا، لأن كليهما تنعيم وإذهاب للخشونة. وأما "المَرْد: الغض من ثمر الأراك "فلم أره، ولعله أملس صُلْبٌ شأنَ الثمار الفِجّة، فيكون من المعنى الأصلي هنا وهو الملاسة ولازمها شدة الشيء في ذاته.
• (مرض):
﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]
"يقال للشمس إذا لم تكن مُنْجَلِية صافيةً حَسَنة: مريضةٌ. وليلة مريضةٌ: إذا تغيمت السماء فلا يكون فيها ضَوء / لا تُرى فيها كواكبها. وفُسّر قولُ أبي حية: [وليلةٍ مَرِضَتْ من كل ناحية] بأنها أظلمت. وقال ابن الأعرابي: المرض: (ظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها. والمَرَضُ: الظلمة اهـ. وأرض مريضة:
стр. 2063
ضاقت بأهلها. قال أوس بن حجر:
ترى الأرضَ منا بالفضاء مريضَةً ... مُعَضِّلَةً منا بجيش عَرَمْرم
° المعنى المحوري كثافةٌ ثقيلة تَغْشَى الشيءَ فتُثْقِله وتحجُبُ حِدَّته. كالسُحُب ونحوها للشمس والكواكب، وكالظلام الكثيف، وكالأرض المثقلة بكثافة الجنود والقومِ عليها أي كثرتهم. ومنه "عن مريضةٌ: فاترة النظر (غير حادة كأنما عليها غشاوة. ولعلهم لحظوا كذلك ثِقَل الجفن من عدم اتساع العين الفاترة) ومنه "المرض في الأبدان: فتور الأعضاء " (من ذَهاب قوتها وحِدّتها كأنما جَثَم عليها ثِقْل -كما يقال ثَقُل الرجلُ: اشتد مرضه فهو ثاقل: أئقله المرض ". قال : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ومن ذلك "مَرَضُ القلب: فتورٌ فيه عن الحق "أي قلةُ حِدّة ونفاذ إلى استجلاء حقّيته، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] وكما وصف الله أمثال مرضى القلب بالغَفْلة ونحوها. أو هو من الظُلْمة التي تَرِينُ على القلب فلا يدرك ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] كما قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. وقولهم ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. وليس في القرآن من التركيب إلا مرض القلب هذا، و (مريض) البدن وجمعه (مرْضَى).
ومن الأصل "مَرَّضَ فلان في حاجتي- ض: نَقَصَت حركته فيها " (فتر وتثاقل). أما قوله:
ولكن تحتَ ذاكَ الشيبِ حَزْم ... إذا ما ظَنّ أمْرَضَ أو أصابا
стр. 2064
فقد فُسّر "أمرض "بـ "قارَبَ الصواب "اهـ. فهنا قصور ما عن إصابة كبد الحقيقة وهو يناسب الفتور. وقريب منه قول الراغب "أمرض في قوله: عَرَّض ". فالتعريض فيه شيء يغطيه القولُ.
° معنى الفصل المعجمي (مر): هو: الاحتواء على نوع من الشدة أو الكثافة مع استرسال أي نوع من الدوام أو الامتداد كما يتمثل في المرير من الحبال: ما لطف وطال واشتد فتله، وكذا الأرض التي لا شيء فيها من جساوة باطنها- في (مرر)، وكالمَرْو الحجارة الموصوفة بصلابتها ونارها، والشجر الموصوف بطيب ريحه وهو حدّة، إذ يعبرون عنه بذكاء الريح، وبالسطوع- في (مرو)، وكالناقة المريّ الغنية الباطن باللبن - في (مرى)، وكالداغصة في الركبة بصلابتها مع استرسال ترددها- في (مور)، وكما في مير الدواء إضافته أو الإضافة إليه وهي كثافة- في (مير)، وكما في حوز المريء الطعام بقوة وامتداد حتى يصل إلى المعدة- في (مرأ) (لو أن أنبوبة من اللدائن الطرية أي مماثلة للمريء وضع فيها قدر أُكْلةٍ ونصبت قائمة ما مرت فيها بيسْر، فهذا يثبت أن هناك قوة مع الاسترسال)، وكنفاذ سن الرمح في الكثيف أو بضغط الكثيف الذي وراءه- في (أمر)، وكمروج الدواب حركتها الكثيرة مع نشاطها وهو قوة- في (مرج)، وكتسيب الماء من المزادة بكثرة، وسرعة إنبات الأرض حين يصيبها المطر، وحسن إرسال السهم من القوس -وذلك كثرة وقوة دفع- في (مرح)، وكإصمات جلد الخدين فلا ينبت شعرهما، والشجر فلا ينبت ورقه (تصورا) وذلك كثافة، وكما في تمريد البناء، والتمرُّد- في (مرد)، وكالكثافة التي تغطي الشمس والغيم الذي يغطي السماء- وهذه كثافة، وكالمرض وهو ثقل- في (مرض).
стр. 2065
الميم والزاي وما يثلثهما
• (مزز- مزمز):
"المُزّ- بالضم: من الرُمّان والأشربة كالخمر والنبيذ: ما كان طعمه بين حموضة وحلاوة. والمُر- بالضم وكسُلّاء: الخمر التي تَلْذَع اللسان وليست بالحامضة. ويقال مَزَّ الشيءَ (رد): مَصّه. والمَزّة- بالفتح: المصّة من الرضاع (وغيره). والتمزز: شرب الشراب (كالنبيذ) قليلًا قليلًا. وما بقى في الإناء إلا مَزّة -بالفتح: قليل. المَزْمَزة- بالفتح: التحريك الشديد / العنيف. مَزْمِزُوا السكران: حركوه تحريكًا عنيفًا لعله يُفيق من سُكْره وبصحو. ومَزْمَزَ إنسانًا: تعتعه / حَرَّكه وأقبل به وأدبر ".
° المعنى المحوري جمع أكثر من شيء متميز عن الآخر في المذاق أو التناول أو الحركة (١). كالحموضة مع الحلاوة، والشرب مرة بعد مرة، وتحريك السكران إقبالًا وإدبارًا. ومن تلك الكثرة أخذ تعبير التركيب عن الفضل في الشيء وهو
стр. 2066
زيادة مت ميز ة عنه. ومنه "إذا كان المال ذا مِزّ -بالكسر- ففرِّقْه في الأوصاف الثمانية (المذكورة في آية الصدقات في سورة التوبة): أي ذا فَضْل وكثرة. ومَزَّزه بذلك الأمر: فَضّله به. وهذا أمَزْ من هذا: أفضل ".
• (ميز):
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧]
"امتازَ القومُ: تَنَحَّتْ عصابة منهم ناحية. ومزْتُ الشيء: فَصَلتُ بعضَه من بعض. ومزْتُ الشيء: عَزَلته وفرزته. وفي الحديث "لا تهلِكُ أُمَّتي حتى يكون بينهم التمايلُ والتمايز "أي يتحزبون أحزابًا ويتميز بعضهم عن بعض ويقع التنازع. مازَ الرجلُ: انتقل من مكان إلى مكان ".
° المعنى المحوري افتراقُ ما هو متجمعٌ أو تباعدُ بعضه عنه. كتنحي العصابة من الناس عن سائرهم، وكانقسام الشيء " ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩، وكذا ما في الانفال: ٣٧] [انظر قر ٤/ ٢٨٩] ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيظِ﴾ [الملك: ٨] يعني تتقطع وينفصل بعضها من بعض [قر ١٨/ ٢١٣].
ومن ذلك استعمل في مفارقة المكان "ماز الرجل: انتقل من مكان إلى مكان " ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] أي انفرِدوا عن المؤمنين، لأن المحشر جمع البرَّ والفاجر، فأُمِرَ المجرمون بأن يكونوا على حِدَةٍ من المؤمنين. وذلك توطئة لتوجيه التوبيخ والتقريع إليهم كفي في الآية التالية. [ينظر بحر ٧/ ٣٢٧]. وهذا قبل المصير إلى جهنم ما داموا (مجرمين).
стр. 2067
• (مزج):
﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧]
"المِزْج -بالكسر والفتح: العَسَل. وشراب مَزْج- بالفتح: ممزوج. ومزَاج الشراب -ككتاب: ما يُمْزَج به. ومنوعين امتزجا فكل واحد منهما لصاحبه مِزْج- بالكسر. وقد مزج الشرابَ (نصر): خلطه بغيره ".
° المعنى المحوري خَلْط (مائعين) مختلفين (أو أكثر) بعضهما ببعض وجعلهما شيئًا واحدًا. (والعسل مِزْج لأنهم كانوا يمزجون به ما يراد تحليته أي قبل أن يتخذوا السُكّر لذلك. وقد أدركت من رآهم يحلّون بالعسل الأسود أيضًا، والعرب كانوا يحلّون بأنواع من التمر). ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥ وكذا ما في ١٧ منها].
• (مزق):
﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧]
"المِزْقَةُ -بالكسر: القِطعَة من الثوب. ومزَقُ السحاب: قِطَعُه. وقد مَزَق الثوبَ (ضرب) ومزّقة- ض: شَقّه ".
° المعنى المحوري شقُّ الشيء (الرقيق الجرم) شقًّا واصلًا إلى عمقه. كالثوب وقطع السحاب. ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فُرِّقْتُم كل تَفْريق [قر ١٤/ ٢٦٣] والمقصود تحلل أجسامهم كما قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]، ﴿قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. وفي قوم سبأ قال تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]- تفرقوا
стр. 2068
وتمزقوا فلحقت الأنصار بيثرب، وغسَّان بالشام، والأَسْد بعُمان، وخُزَاعة بتهامة [قر ١٤/ ٢٩١]. ومن الأصل: "ناقةٌ مِزَاقٌ- ككتاب: دَريعة خفيفة " (تشق الهواء في سرعتها).
• (مزن):
﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩]
"المُزْن -بالضم: السحابُ ذو الماء. ومَزَن القِربة (نصر، ض): مَلأها ".
° المعنى المحوري امتلاء باطن الشيء بالماء أو نحوه: كالماء في المزن والقربة ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾. ومن الامتلاء مع البطون تغيُّبا: "مَزَّنت الرجل ض: قَرَّظْته من ورائه عند خليفة أو وال. وكذلك مَزّنته ض. فَضّلته " (التقريظ تعظيم وهو من معنوي الامتلاء، وبطونه كونه عن غَيبة).
ومن ذاك الدخولِ إلى باطن والغَيبةِ فيه قولهم: "مَزَنَ مَزْنَا ومُزونًا: مضى لوجهه وذهب. وهذا يومُ مَزْنٍ إذا كان يومَ فِرار من العَدُوّ. والمَزْن -كذلك- الإسراع في طلب الحاجة ". وهذا الاستعمال الأخير تعميم لإسراع الفرار مع إسقاط قيد كونه من العدو.
° معنى الفصل المعجمي (مز): تجمع شيئين (أو أكثر) معًا كما في المُزّ ما كان طعمه يجمع بين الحموضة والحلاوة- في (مزز)، وكما في تمييز الشيء عن غيره أو تميزه فيكون هناك شيئان منفصلان- في (ميز)، وكما في مزج نوعين معًا كالعسل بالشراب - في (مزج)، وكما في تمزيق الثوب وغيره فيكون هناك كثر من قطعة منه- في (مزق)، وكما في احتواء السحاب ماء (وبعض السحاب صَلِف) - في (مزن).
стр. 2069
الميم والسين وما يثلثهما
• (مسس- مسمس):
﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]
"كلأ مَسُوس: نَامٍ في الراعية ناجعٌ، والمَسُوسُ: التِرْياق. وماءٌ مَسوس: عذْبٌ صَاف يَشفِي الغليل، وَجَد مَسًّا من نَصَب وهو أول ما يُحِسّ به من التعب. ووجد مَسّ الحمى أي رَسَّها وبَدْأَها قبل أن تأخذه وتظهر "ومَسُّوا من الميضأة " (وهي المِطهَرة- وعاءٌ صغير لماء الوضوء) أي خُذُوا منها الماء وتوضئوا ".
° المعنى المحوري سَرَيان في أثناء أو مخالطة دقيقة ذات أثَر (١) كهذا الكلأ
стр. 2070
الناجع في الراعية وكما يخالط الماءُ الغُلّةَ والترياقُ الداءَ فيُشْفَيان. وكغمس اليد في المِطهرة لتناول قليل الماء. وكالذي يوجَد مِن مَسّ الحمى. والتعبُ يخالط البَدن ويَسْري فيه وهو ذو أثَرٍ قوي.
ومن هذه المخالطة الدقيقة القوية الأثر جاء "المسُّ: الجُنُون. رجل ممسوس به مَسٌّ من جنون. وقد مُسَّ: تُخُبِّطَ- للمفعول فيهما. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقولهم "رحم ماسَّة أي قرابة قوية "من الأصل أي أنها تسري في أعماقهم وأثنائهم كما يعَبَّر عن عمق الصداقة بين اثنين بأنهما متداخلان. وكذلك "حاجة ماسَّة أي مهمة "وقد "مسّت إليه الحاجة "من الأصل بمعنى وجود إحساس حادّ بالحاجة إلى الشيء يخالط المس أو الحال.
ومن المخالطة الدقيقة القوية الأثر استعمل في الإصابة بمكروه (حدّة) ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وقد ورد المس بمعنى إيقاع الضُرّ ونحوه كالعذاب والنفحة منه، والنار، والسوء، والشَرّ، والضُر، والطائف الشيطاني، واللُغوب، والنَصَب في أكثر ما ورد في القرآن الكريم ما عدا ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] وهذه قد تفسَّر بالمقابلة، وكذلك ما في [الأنعام: ١٧] لكن هذا لا يعني الاختصاص وإنما يعني قوة الأثر كما في ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، فالتي تسوء الأعداء لا بد أنها نعمة كبيرة، أو قوة المخالطة- مع الدقة الخفاء ونحوه كما كُني بالمَسّ عن الجماع: "المسَيس: جماع الرجل المرأة. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]