الإناءِ والنّجم في السماء. وأنينُ المريض عن مرض وأَلَمٍ في بَدَنه. ولهذا جاءت (إنَّ) بمعنى نعم. أي قَرّ ذلك وثبت أو قُبِلَ في القلب. وجاء قولهم هو "مَئِنَّا لكذا "أو "أنْ يكون كذا أي خليقٌ "، فهذا كما يقال هو مَوْضِعُ ثقة مثلًا.
ومن هذا الأصل تتأتى دلالة إنّ وأنّ على التوكيد إذ تعنيان حينئذ تقريرَ الشيء أي إثباتَه وغرسَه كما لو غُرِسَ في جوف ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
• (نوى):
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]
"النَواةُ: عَجَمة التَمْر والزَبيب وغيرهما. والنَيّ -كَحّي وسِيّ: الشَحْم. نَوَتْ الناقة وغيرها: سَمِنَتْ ".
° المعنى المحوري احتواء جوف الشيء على جِرم متجمع قوي يمتد فيه. كالنواة في التمرة والنَيّ في الناقة ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ ومنه "نَوَاك الله: حفظك " (أحاطك بحفظه. كالنواة في التمرة). و "النِية: القَصْد والاعتقاد "إذ هي شيء ينعقد في نفسك ويتجمع. ولذا يقولون: عَزم (: شَدّ) النيّة، وعَقد النية ونحو ذلك. ومن هذا قالوا: "النِيَّة والنَوَى: الوَجْهُ الذي يَنْويه المسافر "فكأنهما بمعنى المَنْويّ. ومن ملحظ الغياب في جوف شيء "النَوَى: الدارُ " (يكْتَنّ فيها ساكنها) "والبُعْدُ " (لغياب البعيد في غيابه المجهول).
• (ونى):
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢]
стр. 2137
"المِيناء- بالكسر: كَلَّاء السُفُن ومَرْفَؤُها كالمِينا بالقصر. وناقةٌ وانية: فاترةٌ طليحٌ / أَعْيَت ".
° المعنى المحوري فُتُورٌ أو توقُّفٌ عن الحركة لإعياء أو نحوه -كما أن الميناء موضعُ توقُّف السفن وكالناقة الطليح. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ أي لا تَفْتُرا -كما قال لسيدنا محمَّد ﷺ ﴿... قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]، ﴿قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، ويقال "هو لا يَنِي في أمره: أي لا يَفْتر ولا يعجز. وامرأة وَنَاة وأَنَاة: فيها فُتور عند القيام والقُعود والمَشْي ". ومن هذا أيضًا: "تَوانَي في حاجته: قَصَّر "فالتقصير فتور.
"والوَناة والوَنِيّة- كغَنِية: الدُرّة "سميت كذلك من الفتور إذ يستغرق تكوّنها في صدفتها المغلقة عليها دهرًا. وعلى التشبيه بها في الشفافية سَمَّوْا جوهر الزجاج مِينَاءً.
• (نوأ):
﴿وَآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]
"النَوْءُ -بالفتح: النَجْم إذا مال للمغيب / سُقُوطُ نَجْم من المنازل عند الفَجْر في المغرب (وطلوع رَقِيبه من المشرق) والمرأه تنُوء بعجيزتها: تَنْهَضُ بها مُثْقَلة ".
° المعنى المحوري انجذاب الشيء إلى أسفل بضَغْطٍ من ثِقَله كالنجم والعجيزة. ومنها "ناءَ بِحِمْله: نَهَض بجُهْدٍ ومَشَقَّة ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (أي يُثْقِلهم حَمْلها).
стр. 2138
• (نأو- نأى):
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: ٥١]
"النُؤْى- بالضم: حاجزٌ حَوْلَ الخِباء أو الخَيمة مُطِيفٌ به يَصْرِف عنه ماء المطر يمينًا وشِمالًا. والنُهَير الذي دون النؤى هو الأَتِيّ. قال: ﴿ونُؤْى كجذْم الحوض أَثْلَم خَاشع﴾. نأيت الدمع عن خدي بإصبعي ".
° المعنى المحوري صرفٌ وإبعادٌ بقوة -كما يصرف النُؤْىُ ماءَ المطر عن الخباء، وكما يُنثَر الدمعُ عن الخَدّ. ومنه "نَأَيت ونَأَوْت: بَعُدت " ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] يذودون عنه ﷺ ثم ينأون هم عنه أي لا يقبلون دعوته. أو ينهون الناس عن اتباعه واتّباع القرآن وَيبْعُدون هم أيضًا عنه [ينظر بحر ٤/ ١٠٣ - ١٠٤]، ويقال لمن "تباعد وانصرف تكبُّرًا: نأى بجانبه " ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣].
• (أنو- أنى):
﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]
"الإِناءُ ذاك الذي يُرْتَفَقُ به (ظَرْفًا لماء أو طبيخ) وأَنَى النباتُ- كبَكى: حانَ وأدْرَك. وأَنَّيتُ الطعامَ في النار- ض: أَطَلْت مُكْثه فيها ".
° المعنى المحوري تهيؤ الشيء وصلوح حاله لما يراد به. كالنبات المذكور. والظروف المذكورة تهيئ الطعام للتناول ﴿وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥] (جمع إناء). ومن الظرف المكاني استُعْمِل في الزماني أي مدة البقاء إلى أوان الاستعمال أي حين صُلُوحه لذلك. ومن هذا: "أَنَي الشيءُ- كبكى:
стр. 2139
حَانَ وأدرك "، كما قيل "بلغ إِنَاه: غايتَه أو نُضْجَه ". والمقصود بَقِيَ المدة المناسبة لبوغ مثله كال حاله ﴿إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]: أي وَقتَ نُضْجه [قر ١٤/ ٢٢٦]. (كأن أصل ذلك أن النضج هو غاية طبخ الشيء أو وضعه في النار ولا غاية بعده، ليوضع بعدئذٍ في الأواني)، ثم منه أطلق في بلوغ ما يوضع على النار غاية ما يكون من تأثره بها). ومنه "أَنَى الماءُ (الذي يُسَخَّن): سَخُنَ وبَلَغ في الحرارة، وأَنَى الحميمُ: انتهى حَرُّه (أي بلغ أقصى المراد في الحرارة). ﴿يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، ﴿تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥].
ومن وقت النضج استعمل في مطلق وقت الشيء ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، "أي ألم يَقرُب ويَحِنْ "وفي حديث أورده [قر ١٧/ ٢٤٩] "إن الله يستبطئكم بالخشوع "فقالوا عند ذلك: خَشَعنا ". ومنه "الإِنْى -بالكسر، وبالفتح، وكإِلَى، والإِنْو- بالكسر: الساعةُ من الليل "وجمعها آناء، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيلِ فَسَبِّحْ﴾ [طه: ١٣٠]: ساعاته وهي ظروف وكذا كل (آناء).
ومن تلك الظرفية استُعمِلت أَنَّى بمعنى حَيثُ وأين. وهما ظرفا مكان كالإناء، وبمعنى كيف معهما، وهذا من ذينك، إذ حقيقته استفهامٌ عن حال الوجود أي الوقوع والتحيز في مكان، وهي أعم في اللغة من (كيف) ومن (أين) ومن (متى). وقد فسرها سيبويه بـ كيف ومن أين باجتماعهما [بحر ٢/ ١٨١] وفيه الكلام عن ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣ - ٢٢٤] مستوفى. وخلاصته إطلاق الكيفية مع اجتناب الدبر والحيضة. ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:
стр. 2140
٣٧] وأوْلَى تفسيره: من أين لك هذا؟ وكيف؟ معا. ولذا كان الجواب ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهذا مجيب عن الأَمْرين، لأن الله لا يُعْجِزه شيء. وكذا كل (أَنَّى) ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] كأن الأُوَلى لنفي التأتي حسب ما يعقلون من سبيل الولد، والثانية لنفي الحاجة بإثبات أنه سبحانه خالق كل شيء. [ينظر بحر ٤/ ١٩٨].
ومن ملحظ البقاء في الظرف قيل: "أَنَى أُنِيًّا كجَثَى جُثِيا ورَضِيَ رضا: تَأَخَّر وأَبْطَأ. والأناة: الحِلْم والوقار، والتؤدة. وأنِيَ- كرَضى، وتأنّى: تثبت ".
وأرى أن ضمير المتكلم "أنا "أصله من هذه الظرفية، إذ قائل: "أنا "يقصد نفسه التي بين جنبيه- لا بدنه أو أحد أعضائه. ﴿قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، قال : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. .
وما قلناه عن الضمير "أنا "للمتكلم من البشر يذكرنا برأي ابن سينا ثم ديكارت في إثبات الإِنّيَة: النَفْس: الذات -بالفكر [انظر د. عثمان أمين: ديكارت ص ١١٥ - ١١٨]. أي أن ابن سينا غاص على الفكرة من هذا الضمير في العربية.
• (أون):
﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١]
"ألأَوْن -بالفتح: العِدْلُ، والخُرْجُ يُجْعَل فيه الزادُ. خُرْجٌ ذو أونين وهما كالعِدْلين. والأَوَان- كسحاب: العِدْل أيضًا. وأَوَّن الحمارُ- ض: أكل وشرب وامتلأ بطنه وامتدت خاصرتاه. وأَوَّنَتْ الأتانُ: أَقْرَبَت (أي قَرُب أن تَلِد).
стр. 2141
° المعنى المحوري اتساع الحيّز لما يوضع فيه وامتلاؤه به امتلاء تامًّا. كالخُرْج يُعَدّ لما يتوقِع أن يُحْمَل فيه وبَطنِ الحمار والأتانِ يمتلئان هذا بالعلف، وتلك بجنينها. ومنه الإوان- ككتاب، والإيوان: الصُفَّة العظيمة .. شِبْهُ أزَجٍ غير مستورِ الوجه (الأزج: بيت يُبْنَى طولًا. فالإيوان تبنى منه ثلاثة أضلاع ويترك أحد الضلعين الطوليين ليكون هو الواجهة). (الإِيوان واسع ومعدّ ليستوعب في جوفه كثيرين) وكذلك "الإِوان- ككتاب: من أعمدة الخباء " (ينتصب في جوف الخباء ويرفعه فيجعله مجوَّفًا يسع من يشغلونه). ومن هذا "الأَوْن: التكلف للنفقة "كأنه من الاتساع في الجمع, لأن التكلف هنا تزيّد.
ومنه "الأَوَان: الظرف الزماني " (تطورًا عن الدلالة على الظرفية المكانية والظرف جوف لما هو فيه) والآن أصله الأوان [ل: أين ١٨٦/ ٤، ٢٢] وهو للزمان الجاري الذي يشغله حدث ما وقت ذكر (الآن) ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ وكذا كل (الآن).
وامتلاء الحيز الواسع يلزمه ثقل الحركة ومنه "الأوان- كسحاب: السلاحف ". "أُنْتُ في السير: اتَّدَعْتَ ولم تَعْجَل. وأَوِّنُوا في سيركم- ض: اقْتَصِدوا. والأَوْن المشي الرُوَيد (تَلَبُّثٌ، وثِقَل كأنما عن تملُّؤ) ومثله "أُنْتُ بالشيء: رَفَقْت. ويقال للطائش أُنْ على نَفْسك: أي اتَّدِعْ. وتأوَّنَ في الأمر. تَلَبّثَ ".
• (أين):
﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]
"الأَيْن- بالفتح: الحيّة. وآنَ يئين أينًا: أعيَا وتَعِبَ ".
стр. 2142
° المعنى المحوري لزومُ الأرض أو بطءُ مفارقتها كحال المُعْيِى والمُتْعَب وحال الحية ونحوها في الزحف. ومنه (أين) الظرفية، إذ الظرف مكان (هو الأرض أصالة) يستقر فيه الشيء (المظروف) يقال: "جئتك من أَينَ لا تعلم أي من حَيثُ لا تعلم "أي من مكان لا تعلمه. فهي هنا تعبير عن المكان، ويُسْأَل بها عن المكان ﴿أَينَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠]، ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (إلحاق (ما) جعلها للتعميم. أي إلى أي مكان تولون وجوهكم فهناك وجه الله وقد استظهر أبو حيان -رعاية لما قبلها- أن المعنى أن منع المساجد من ذكر الله والسعي في خرابها لا يمنع من أداء الصلوات ولا من ذكر الله، فأي جهة أديتم فيها العبادة فهي لله يُثيب عليها, ولا تختص بالمسجد- وأقوى الأقوال الأخرى أن التوجه في الصلاة إلى أي جهة كان في أول الأمر ثم نسخ [بحر ١/ ٥٢٩ - ٥٣٠] وأقول إن هذا الحكم باق في حالة الضرورة. ومن الظرفية المكانية تنقل إلى الظرفية الزمانية "آن يئين: حان. وأَيَّان يُسْأل بها عن زمان ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]. أي متى تُرسَى أي تحُلّ وتقع.
النون والباء وما يثلثهما
• (نبب- نبنب):
"الأنبوبُ والأُنبوبة: ما بين العُقْدتين في القَصَبة والرمح. نَبَّبت العِجْلة- (وهي بقلةٌ مستطيلة مع الأرض): صارت لها أنابيب أي كعوب. وأنبوب النبات كذلك، الأنبوب: السطر من الشجر. وأنبوب القَرْن: ما فوق العُقَد إلى الطرَف. يقال لأشراف الأرض إذا كانت رَقاقًا مرتفعة: أنابيب ".
стр. 2143
° المعنى المحوري تجوف دقيق ممتد يكتنفه نتوء (يتكرر بانتظام) (١) كأنبوب القصبة والرمح مُكْتَنَفٌ بعُقَد من الناحيتين. والسطر من الشجر يتخلله فراغ بين الشجرة والأخرى. وأنبوب القرن فراغ ممتدّ تحته عقدة. والشرف من الأرض مرتفع (من جنس العقدة)، ورقّة مكوناته أي كونها ترابًا لا صخْرًا- هي من جنس الفراغ.
هذا, وقولهم "نبّ التيس ونبنب: صاح عند الهياج "هو من المعنى لأنه رَفْع صوت بسب إحساس بفراغ أي حاجة إلى السفاد.
وقولهم "نبنب عمله: طَوَّله وأحسنه "هو من انتظام الاقتران بين النتوء والفراغ كما في الأنبوب.
стр. 2144
• (نبو):
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]
"النَبْوة -بالفتح: الشَرَفُ المرتفعُ من الأرض. والنبَاوة والنَبِيُّ: كذلك. ويقال نبَوْتُ من أَكْلةٍ أكلتُها: سَمِنْت. وأَكَل أَكْلة إن أَصْبَحَ منها لنَابِيا. والنابية: القَوْس التي نبَتْ عن وترها أي تجافَتْ. نبَا السَرْجُ والرَحْل: لم يستمكن من الظهر ... ".
° المعنى المحوري انتبار الشيء -أي ارتفاع جسمه- لتجمع (غليظ) في باطنه أو تَوَتُّرٍ لا يدعُه ينخفض: كارتفاع الأرض وكالسِمَن وتجافِي الوَتَر عن جوف القوس، وكنتوء السرج وتجافيه عن الظهر، لتوتر فيه وعدم ليونة فلا يطمئن على الظهر -أي لا يستقر منخفضًا عليه. ومن هذا الأصل قيل في تجافي جَنْب النائم عن الفراش الذي يَنْبغي أن يستقر عليه: "نَبا جَنْبُهُ عن الفِراش: تجافَى عنه. نبَتْ به الأرضُ: لم يَجد بها قَرارًا. ونبا السهمُ عن الهَدف، والسيفُ عن الضريبة، وبَصَرُه عنه: تَجافَى ولم ينظر إليه. والصدقُ يُنْبِي عنك لا الوعيدُ أي الاستقامة والصلابة هي التي تدفع عنك لا التهديد ".
ولفظة "النَبِيّ "قيل أُخِذَتْ من العُلُوّ؛ لشرفه، وهذا كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] فالنبي أرفع خلق الله. وقد جاء من استعمالات العرب لفظ "النَبِيّ ": العَلَم من أعْلام الأرض (مرتفع) "التي يُهتَدَى بها "- ومراعاة هذا القيد تجمع إلى النبي الشرف مع الهداية. لكني أرجح أن كلمة "نَبِيّ "بمعنى أحد أنبياء الله تعالى أصلها نَبِيء بالهمز بمعنى مُنْبَأ من الله أو مُنْبِئ عن الله. وقد سبق سيبويه بمؤدَّى ما رَجّحْتُ فقال إنهم تركوا الهمز في النبيّ
стр. 2145
[ينظر ل نبأ] . فهذا معناه أن أصلها الهمز، وهو لا يكون إلا بأنها من (نبأ) لا من (نبو).
• (نبأ):
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧]
"نَبَأْت من الأرض إلى أرض أخرى: إذا خرجتَ منها إليها. نبَأ من بلد كذا: طَرأ. النابئ: الثور الذي يَنْبَأ من أرض إلى أرض أي يَخرج. سَيل نابئ: جاء من بلد آخر، ورجل نابئ كذلك. نبَأ عليهم: هَجَم وطلع. النَبْأة: النَشْز (من الأرض). النَبْأَة: الصوت الخفّي ".
° المعنى المحوري ظهور أو طروء مسبوق أو مكنوف بخفاءٍ ما. كما في هذه الاستعمالات. فالأصل أن الذي يلحظ طُروء سَيْل أو ثور (أي من فصيلة البقر الوحشي) لا يعرف من أين صَدَر، وكذلك التعبير بهَجَمَ في تفسير "نبأ عليهم "معناه أنه لم يكن متوقَّعًا. وهذا خفاؤه. والنَبْأة النشْز فيها الظهور. أما الخفاء فيتحقق بأن يكون ارتفاعها محدودًا، أو أن يقع بتدرج فلا يَقْوى لحظُه. وأما "النبيء: الطريق الواضح "فأصله من التركيب غير المهموز حسب ما ذُكر في [تاج].
ومن ذلك "النبَأُ الخبر "-وينبغي أن يقيَّد بالخفى أي الذي كان خفيًّا- حسب الأصل الذي ذكرناه. وقد جاء في فروق أبي هلال ما يؤيد هذا. فقد قال إن "الفرق بين النبأ والخبر أن النبأ لا يكون إلا للإخبار بما لا يعلمه المخبَر، في حين أن الخبر يجوز أن يكون بما يعلمه وبما لا يعلمه. فيجوز أن تقول: تُخْبرني عما عندي ولا تقول تنبئني عما عندي. ثم ذكر قوله تعالى: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا
стр. 2146
بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ٦]، حجةً لذلك، على أساس أنهم استهزءوا لأنهم كانوا لا يعلمون حقيقة العذاب، ولو علموا لتوقَّوْه. كما احتج بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيكَ﴾ [هود: ١٠٠]. والحقيقة أن القيد متحقق في كل ما جاء في القرآن الكريم. وبعض ذلك صريح مثل ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهَا إِلَيكَ﴾ [هود: ٤٩] وغيرها, لكن هناك ما ينبغي أن يُبَيَّن وجهه. كقوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] فالأصل أن سيدنا عيسى لا يعلم هذا، فتحرير كلمة أبي هلال أن يقال إن النبأ يستعمل في ما الأصل فيه مجهول لأحد الطرفين. وقوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ١٠٥]. فلا شك أنهم كانوا يعلمون ما يعملون، لكن الله قال لهم ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [ينظر فصلت: ٢٢]، كما أنهم تصرفوا وهم في الدنيا تصرف من لا يعرف حقيقة ما يعمل، فاستعمل لهم اللفظ الذي يقتضيه حالهم. وهكذا.
وكلمة النبيّ -أرى أن أصلها من المهموز. فالقراءة بالهمز ثابتة في (النبيئين). والهمزة ثابتة في التنبؤ. والمعنى أن النبيّ -صلوات الله على نبينا وعليهم جميعًا- مُنْبأ من الله ومُنبِئٌ عن الله . وأرى أنه يُفَضَّل عدم إرجاع هذه الكلمة الشريفة إلى النَبْوة- بالفتح، المكان المرتفع. فيكون معنى الاسم: الشريف أو الرفيع مثلًا. فالأشراف بين الناس بهذا المعنى لا يحصون عددًا، أما المُنْبأ من الله فشَرَفُه لا يبارَى. وهم منذ بَدْء الخلق إلى الآن معدودون. وكل ما جاء في القرآن من التركيب فهو راجع إلى معنى "النَبَأ: الخبر الخفيّ حسب ما ذكرنا سواء عن ذلك الأفعال (نبّأ) , (أنبأ)، (استنبأ) والمضارع
стр. 2147
والأمر لما له ذانك منهن، و (نبَأ) و (أنباء) و (نبيّ) وجمعاه، (نبيون) و (أنبياء) والمصدر (نبوّة).
• (نوب):
﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]
"نِعْمَ المطرُ هذا إنه كانت له نائبةٌ أي مَطْرة تَتْبَعه. والمنَاب: الطريقُ إلى الماء. والحُمَّى النائبةُ: التي تأتي كل يوم. وانْتابَ القومَ: قَصَدَهم وأتاهم مرة بعد مرة. والنَوْبة- بالفتح: الفُرْصة ".
° المعنى المحوري عَوْدٌ إلى الشيءِ ومُضَامَّةٌ له مَرَّة بعد أخرى. كالمَطْرة التابعة لمَطرة سابقة، وكالحُمَّى التي تَعودُ كل يوم، وكالمُنْتاب: الذي يأتي القومَ مرة بعد أخرى. والفُرْصَة هنا عودة إلى الشيء بعد آخرين. ومنه النُوبُ- بالضم: النَحْل قالوا: لأنها تعود إلى خلاياها ". (والواقع أنها تعود إلى خلاياها مهما بَعُدت في سروحها لارتشاف رحيق الأزهار).
ومن ذلك "أنابَ فلانٌ: تاب ورجع- ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]، ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيهِ﴾ [الروم: ٣٣]، (في حال الضر يكون الدعاء أكثر إخلاصًا وأمْلأ بالثقة والطمع في رحمة الله بالاستجابة للدعاء). والذي في القرآن من التركيب كلُّهُ من الإنابة: الرجوع إلى الله . و "النائِبَةُ: ما ينوب الإنسانَ أي ينزل به من المهمات والحوادث " (لأنها تنزل بهذا مرة وبغيره أخرى فهي من المعاودة).
ومن المعاودة بمعنى الاعتقاب على الشيء "ناب عنه: قام مقامه ".
أما "النَوْبة -بالفتح بمعنى الجماعة "فهي من المضامّة في الأصل ينضم هذا
стр. 2148
إلى ذاك ثم ثالث فتكون جماعة. وهذا قولهم للمطر الجَوْد- بالفتح أي الوابل العظيم القطر أو الغزير "مُنِيب "هو من عِظم قَطره.
• (نبت):
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَينَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]
"النابت من كلِّ شيء: الطريُّ حين يَنْبُتُ صَغِيرًا. ونَبَّت فلان الحَبّ- ض. والتَنْبيتُ: أولُ خروج النبات. والنَبات والنَبْت: كلُّ ما أثبت الله في الأرض / ما نبت على الأرض من دِقِّ الشَجَر وكباره ".
° المعنى المحوري امتداد الزرع الغض من الأرض ساميًا إلى أعلى كالنبات. وقد خصوا بعض الشجر باسم (الينبوت). ومن السُمُوّ: "النبائت: أعضادُ الفُلْجان (أي جدران المساقي التي تحمل الماء إلى نواحي الحقل، لنتوئها). والتنبيت: ما شُذِّبَ (عن) النخلة من شوكها وسَعَفِها للتخفيف عنها (للمساعدة على النمو مع رقة. وفي الأصل (عَلَى). ونَبَّتَ الجاريةَ- ض: غَذَاها وأحسن القيام عليها، والصبيَّ: ربّاه " (النمو امتداد).
وفي آية التركيب ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي تفرزه ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. هو الإنشاء من التراب والطين. وكلمة نبات اسم مصدر لأنبت كما هنا وفي [آل عمران: ٣٧]، وتكون أيضًا مصدرًا لنبت تستعمل بمعنى اسم الفاعل فتطلق على الزرع الخارج من الأرض -أي تكون اسم عين كما هي في سائر ما ورد في القرآن. وهي في آية [نوح: ١٧] و [آل عمران: ٣٧] مستعملة في النمو استعمالًا مجازيًّا. وفي سائر القرآن لنمو الزرع من الأرض حقيقة.
стр. 2149
• (نبذ):
﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٤٠]
"النَبيذ: ما يُعمْل من الأشربة من التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، وغير ذلك / يُنْبَذُ في وعاء ويترك عليه الماء حتى يفور، وسواء كان مسكِرًا أو غير مسكر، فإنه يقال له نبيذ. نبَذت الشيء (ضرب): إذا ألقيته من يدك. والمنبوذ وَلَد الزنا, لأنه يُنْبَذ على الطريق ".
° المعنى المحوري طَرْح الشيء أو تنحيته بعيدًا مع تخَلٍّ أو ما يشبهه -كالنبيذ الموصوف- حيث ينَحَّى زمنا طويلًا إلى أن يصلح، وكنبذ الشيء: إلقائه من اليد، وكطرح ولد الزنا. ومن قولهم "جلس نَبْذة أي ناحية، وانتبذ عن قومه: تَنَحَّى ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦، وفه ما في ٢٢ منها]. ومن معنى الطرح- لكن قذفا إخراجا من الماء ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥ ومثلها ما في القلم: ٤٩]. وبعكس ذلك ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٤٠، الذاريات: ٤٠]. ومن الطرح والإلقاء كذلك ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: ٤] ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: ٩٦] أي ألقيتها على الحلى الذي جمعوه من أهل مصر [ينظر بحر ٦/ ٢٥٤].
ومن الطرح المجازي تخليا وإعراضًا ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١، وكذا ما في البقرة: ١٠٠، آل عمران: ١٨٧]. وأما قوله تعالى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾
стр. 2150
[الأنفال: ٥٨] أي فانبذ إليهم عهدهم أي ارمه واطرحه غير مبالٍ به [ينظر بحر ٤/ ٥٠٥]. ومن هذا "المنابذة: تحيز كل من الفريقين في الحرب، والمنابذة في التجر "وهي إيجاب البيع برمي المتاع إلى المشتري أو رمي المشتري حصاة عليه. و "المنبذة (آلة): الوسادة لأنها تُنْبَذ إلى من يجلس عليها ".
والطرْح والإلقاء يلزمه القلة. ومن هنا استعلمت كلمة (نَبْذ، نُبْذة) في القليل: "نُبْذة أي شيء يسير ".
• (نبز):
﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]
"النِبْز -بالكسر: قُشور الجُدَام- كغراب: وهو أَصْلُ السَعَف قِشْرُ النخلة الأعلى ".
° المعنى المحوري عُرُوّ خشنٍ ظاهرَ الشيء (ناشئًا عنه) -كقشر النخلة الأعلى وأصل السعف ذاك. ومنه النبَز- محركة: اللَقَبُ: نبَزَه (ضرب): لَقَّبه (بلقب خشن شديد عليه يَلْصَقُ به) والتنابز: التَدَاعِي بالألقاب، وهو يكثر في ما كان ذَمًّا. وهذا يُحِقّه قوله تعالى بعد النهي في آية التركيب ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١].
• (نبط):
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]
"النَبَط والنبيطُ: الماء الذي ينبِط من قعر البئر إذا حُفِرَت أول ما تُحفَر. نَبَط ماؤها (قعد وجلس): نبع. ونبَط الركية وأنبطها واستنبطها: أماهها. وكل ما
стр. 2151
أُظهر فقد أُنبط. النبَط: ما يتحلب من الجبل كأنه عَرَق يخرج من أعراض الصخر ".
° المعنى المحوري نبع لطيف نافع من باطن شيء وأثنائه بجهد: كالماء الذي يَخْرج من باطن البئر بالحفر، وكذا الذي يخرج من أعراض الصخر رشْحًا يوحي بعسر خروجه. ومنه: "استنبط الفرسَ: طلب نسلها ونتاجها ".
ومن مجازه: "استنبطه واستنبط منه علمًا وخبرًا ومالًا: استخرجه ": ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ لعَلِم تدبيرَ ما أُخْبِروُا به الذين يستنبطونه أي يستخرجون تدبيره بفِطَنِهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها (وكذا غير الحرب من أمور الأُمة الماسّة لأَمنها) - بدلًا من إفشاء ما سمعوا، فتصل أخبار ما أفشوه إلى الأعداء فيستغلونه ضد مصلحة الدولة، فيعد ذلك مفسدة كبيرة [ينظر بحر ٣/ ٣١٨ - ٣١٩].
• (نبع):
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]
"اليَنْبوع: عَينُ الماء مَفْجَر الماء. وقد نَبع الماء (مثلثة الباء في الماضي والمضارع) تَفَجَّر خَرَج من العين. والنَبْع - بالفتح: شَجَرٌ من أشجار الجبال شديدٌ تُتَّخذ منه القِسِيّ ".
° المعنى المحوري انبثاق رقيق الجرم أو خَالِصه من باطن متجمعًا بلا جهد: كالماء من الأرض ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]،
стр. 2152
وكشجر النزاع وهو من أكرم الأشجار خشبًا "وكلُّ القِسِي إذا ضُمَّت إلى قَوْس النَبْع كَرَمَتْها قَوْسُ النبع (أي فاقتها في الكرم) لأنها أَجْمَع القِسِي للأَرْز -أي الشدة واللّين، ولا يكون العودُ كريمًا حتى يكون كذلك [ل ٢٢٣].
° معنى الفصل المعجمي (نب): النبُوّ ارتفاعًا أو ابتعادًا كما يتمثل في بروز كعوب القصب والرماح بين ما حولها - في (نبب)، وكما يتمثل في النبوة: الشرف المرتفع من الأرض - في (نبو)، وفي النبأة: النشز في (نبأ)، وفي العَوْد وهو تراكم يناسب الارتفاع - في (نوب)، وفي سمو أعواد النبت - في (نبت)، وفي الإلقاء من اليد طرحًا إذ ليس مجرد تسْييب للشيء ففيه نوع من الأبعاد - في (نبذ) وفي الِنبز قشور الجُدام وهو أصل السَعَف وقشر النخلة الأعلى - في (نبز)، وكما في خروج الماء من بطن الأرض إلى ظاهرها نَبَطا - في (نبط)، وانبثاق الماء من الينبوع إلى أعلى - في (نبع).
النون والتاء وما يثلثهما
• (نتت، نتنت):
"نَتَّ مَنْخِرُه غَضَبًا: انْتَفَخَ. والنُتَّة - بالضم: النُقْرة الصغيرة في الصَفْوَان ".
° المعنى المحوري نُتُوء بدِقّةٍ وحِدّة في ظاهر الشيء (١): كانتفاخ الأنف عند
стр. 2153
الغضب، إذ يَرْبُو رُبُوًّا دقيقا يُلْحَظ، وكالشَظِية الدقيقةِ من الصَفْوان التي انفصلت من موضعها. ومنه "نَتْنَتَ الرجلُ: تَقَذّر بعدَ نظافة " (كأنما علاه الوسخ. ومعظمه إفرازات (من باب النتوء) من الجسم تَلْصَق وَيلْصَق بها الغُبَارُ ونحوه).
• (نتق):
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]
"امرأة ناتِقٌ ومنْتَاق: كثيرةُ الأَولاد تَرْمِي بالأولاد. وفي الحديث "وأَنْتَقُ أرحاما "أي أكثرُ أولادا. وزَنْدٌ ناتق: وَارٍ. نتقتُ الغَرْبَ من البئر: جَذَبته بمرة. ونَتَق السِقَاءَ والجِرابَ وغيرَهما من الأَوعية (نصر وضرب): نَفَضَه ليقتلع منه زُبْدَته. ونَتَقَ جِرابه: صَبَّ ما فيه ".
° المعنى المحوري نَزْعٌ أو قَذْفٌ لغليظ من جَوْفٍ إلى الظاهر بقوة كقَذْفِ المرأة الأولاد (أي كثرة ولادتها الأولاد واحدًا تلو الآخر)، وخروج النار بسهولة، وجذب الغرب ونفض الجراب إلخ. ومنه (نَتَقَه: نَقَله من مكانه. وفرس ناتِقٌ: ينفُضُ راكبَه. ونَتْقُ الجبل في آية التركيب أنه اقتُلِع من مكانه ورُفِعَ فوقهم. وأما "نَتَقَتْ الماشيةُ: سَمِنَتْ عن البقل "فمن تكون الغليظ وهو الشحم في العمق بجوفها فينتبر به ظاهرها، وانتبارُ البَدَن ارتفاع وهو من باب الظهور. وقد عُبِّر عن نحو هذا بالنُّبُوّ (انظر نبو) وهو نُتُوءٌ قوي كالقَذْف.
° معنى الفصل المعجمي (نت): الاندفاع الجزئي القوي انتبارًا أو انتثارًا -كما يتمثل في انتفاخ جسم المنخر وندور كِسْرة من الصَوَّان - في (تتت)، وفي قذف المرأة بالأولاد واحدًا تلو الآخر وجذب الغَرْب من البئر - في (نتق).
стр. 2154
النون والثاء وما يثلثهما
• (نثث- نثنت):
"النَثيِثَةُ: رَشْحُ الزِقِّ أو السِقاء (بالسمن أو اللبن). ونَثَّ العظمُ: سألَ وَدَكُه. ونَثَّ (كجلس) نَثِيثًا: عَرِق من سِمَنِه فرأيتَ على سِحْنته وجِلده مثلَ الدُهْن كأنه يَقْطُر دَسَمًا. ونَثْنَث: عَرِقَ عَرَقًا كثيرًا ".
° المعنى المحوري انتشارٌ من الكثيف الذي في باطن الشيء على سطحه بنحو الرشح (١) كذلك الوَدَك واللبن (ولهما كثافة). ومنه "نَثَّ الحديثَ (الذي حقه أن يُكتَم في جوف): أفشاه ونشره ".
• (نثر):
﴿إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩]
"نُثَارة الحِنْطة والشَعِير والخُبْز -كرُخامة: ما انْتَثَر منه. والنَثْرة- بالفتح: طَرَفُ الأَنْف، وفُرْجَة ما بين الشاربين حِيَال وَتَرَة الأَنْف. والنَثُور: الكثيرُ الوَلَد. نَثَر الحَبَّ والجَوْزَ واللَوْزَ والسُكَّر (نصر وضرب): رماه بيده متفرقًا ".
° المعنى المحوري تفرُّق الدقاق الكثيفة المتجمعة متشرة كالحِنْطة والشَعير المنتشر إلخ. وطرَفُ الأنْف منه يكون الانتثار والفُرجة المذكورة كأنها
стр. 2155
سبيل ذلك. ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ [الانفطار: ٢] أي تساقطت -كما قال ﴿انْكَدَرَتْ﴾ [ينظر قر ١٩/ ٢٢٧، ٢٤٤] , ومنه "النَثْرَة - بالفتح: ما لَطُف من الدروع (للُطْفها أي خِفّتها ودِقّتها تنتثر على أعلى البدن بيسْر). وانتشار الدقاق قد يؤدي بها إلى ما يشبه الهباء ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
° معنى الفصل المعجمي (نث): الانتثار أو النثر بتفشٍ واندفاع ما -كما يتمثل في النثيثة رشح الزِقِّ أو السِقاء بالبن أو السَمْن (ونفاذُ هذا الرشح من المسام الضيقة اندفاع) - في (نثث) ونثر الحب والجوز: رميه باليد متفرقًا- في (نثر).
النون والجيم وما يثلثهما
• (نجج - نجنج):
"نَجَّتْ القُرْحَةُ: سالت قَيحًا، والأُذُن: سال منها الدم والقيح ".
° المعنى المحوري نفاذ كثيفٍ غير شديد من باطن الشيء (١) كالقيح والدم
стр. 2156
من القُرحة والأذن. ومنه "تَنَجْنَجَ لَحْمُه: كَثُر واسْتَرْخَى " (ما استرخى من اللحم عُكَن تُعَدُّ -لاسترخائها- متسيبة كالنافذة من البدن).
• (نجو):
﴿فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه: ٤٠]
"نَجْوَتَا الوادي -بالفتح: سَنَداه جميعًا مُسْتَقِيمًا ومُسْتَلْقيًا كلُّ سَنَد نَجْوة. والنَجْوة- بالفتح وكفتاة: ما ارتفع من الأرض فلم يَعْلُه السَيل. والنَجا - كفتى: الغُصُون واحدتها نَجَاة ".
° المعنى المحوري خُلُوص الجرم -أو نفاذُه مرتفعًا من بين ما يحيط به أو يجاوره. كالأرض المرتفعة وسَنَدَىْ الوادي. وكالأغصان تمتد من ساق الشجرة. ومنه "النَجْو: السحاب الذي قد هَراق ماءه ومَضَى " (خَلَص هو أو خلص الماء منه). "وقد أَنْجَى: عَرِق (لعله بقيد الكثافة أو الغزارة) وأَنْجَى: شَلَحَ (سَلَب الشيءَ من حوزة صاحبه فهو استِخْلاص بغِلَظ). واسْتَنْجَى حاجَته: تَخَلَّصَها. وانْتَجَى مَتاعه: تَخَلَّصه. ونَجَوْتُ فلانًا: اسْتَنْكَهْته (شَمِمْتُ نفَسه الخارجَ من جوفه خلال فيه لتبيُّنِ رائحته وما إذا كان قد شرب خمرًا - مثلًا).
ومنه نَجَاه نَجْوًا ونَجْوَى: سارّه (التنحيّ أو الاختصاص من بين الآخرين بعدٌ عنهم كالارتفاع إلا أنه أفقي، فهو صورة من الخلوص كقوله: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] أي متناجين ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: ٦٢] ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧].
ومن هذا الأصل "النجاء: السرعةُ (نفاذ بقوة خلال مسافة = خلوص)، والخلاصُ من الشيء " (من خطر فهو خلوص بصعوبة والصعوبة ثِقَل فهي من
стр. 2157
الكثافة)، ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] , ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام: ٦٤]. وكل ما في القرآن من التركيب فهو بمعنى الخلوص من خطر محدق أو عذاب أو غرق أو كرب إلخ مما عدا صيغتي (ناجَى)، (تَناجى) وكل (نجِيّ) و (نجوَى) فهن من معنى المسارّة وهي من خلوص المتناجين جضهم إلى بعض دون الآخرين. أو اختصاص المناجَى، وهو يعدّ استخلاصا له من بين الآخرين.
أما قولهم: "نجوتُ غصونَ الشجرة: قطعتُها، وجلدَ البعير: كَشَطته - كأَنْجَيْته فيهما. واستَنْجيت الشجرةَ قطعتها من أصلها. والاستنجاء من الحدث "فهو من التخليص أي تخليص الشيء مما عَلِقَ به.
• (نجد):
﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠]
"نِجَاد السيف: حَمَائله. والنَجُود والنِجَاد (جمع نَجْد - بالفتح) من الأرض: قِفَافُها وصِلابها وما غلُظ منها وأشرف وارتفع واستوى، والناجود: الرَاوُوق (المصفاة). والنَجْد: بالفتح: الثَدْي ".
° المعنى المحوري رفعٌ مع شَدٍّ أو شِدَّة واحتباسٍ - كرفع الحمائل للشف وتعليقه على ذلك، والثدي يطرأ نهودُه صُلبًا ثم يحتبس نموه عند حد معين، والقِفاف مرتفعة وشديدة ومحتبسة على ذلك، والمصفاة تكون في أعلى الوعاء ويحتبس فيها الكثيف. ومنه: "النَجْد: الطريق المرتفع البين الواضح (وهو يبقى كذلك، في حين أن طرق الصحراء تكون منخفضة من أثر وطء الرمل): ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾: بينَّا له طريقي الخير والشر أو الحق والباطل [ينظر بحر ٨/ ٤٧٠].
стр. 2158
ومن معنويه "النَجْد - بالفتح، وككتف ورجُل وكريم: الشجاع الماضي في ما يُعْجِز غيره " (شديد صُلْب لا يخور).
ومن ملحظ الشدة "النَجْدة -بالفتح: الشدة والهول، والفزَع، والقتال والشجاعة. والمُناجِدُ: المُقَاتل المُبَارِز. واستنجد: قَويَ بعد ضعف أو مَرَض، وعليه: اجترأ بعد هيبة، واستنْجَده فأنجده: استعانه (تقوَّى به واشتد) فأعانه ".
أما "نجد (تعب): عَرِقَ من عمل أو كرب "فهو من الشدة في الأصل لكن الصيغة للمطاوعة جعلته بمعنى ما وقع عليه الفعل.
ومن ملحظ الارتفاع عن مستوى الأرض في نجود الأرض ونحوها جاءت "النُجُود والنِجَاد: ما يُنْضَد به البيتُ من البُسُط والوسائد والفُرُش " (= الحشَايا) وهي ترفع عن سطح الأرض.
• (نجس):
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]
"النَجسُ: القَذِرُ من الناس ومن كلّ شيء قَذِرْتَه. وداءٌ نَجِس وناجس ونجيس: عُقام لا يبرأ ".
° المعنى المحوري حادّ الأَثَر أو الوَقْع على الحس كالقَذَر ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (النَجَس مادة القذارة، وكفى بهذا ذمًّا؛ لأنه إخراج عن كل أنواع الأحياء إلى أقبح مادة)، وكالداء اللازم في الجسم. ومنه "التنجيس: التعويذ "إذ كانوا يعلقون النجس على من يُعَوِّذونه [ل]. فإن صدق هذا، وإلا كان من باب المعالجة مثل مَرَّضَه وقَذّاه - ض.
стр. 2159
• (نجم):
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦]
"النَجْمُ من النبات -بالفتح: كلُّ ما طلع وظهر. (أي من النبات) مما لا يقوم على ساق، والنَجْم واحد نجوم السماء معروف. والنُجُوم: ما نَجَم من العروق أيام الربيع تُرَى رءوسُها أمثال المسالّ تَشُقُّ الأرضَ شَقًّا. وكمِنْبر: الكَعْب والعُرْقوب وكل ما نَتَأ. نَجَم النباتُ والنابُ والقَرْنُ والكَوْكَب (قعد): طَلَع ".
° المعنى المحوري طلوعُ الجرم -أو نتوءُه - دقيقًا من سطحٍ ينضم عليه. كنَجْم النبات وهو صِغاره - مقابل الشجَر، ونجوم السماء تبدو دقيقة، وكالكعب والعرقوب ونحوها مما هو ناتئ دقيق بين ما حوله ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]. وهو في آية التركيب يصلح لغويًّا للنبت ونجم السماء. ومنه المَنْجَم - بالفتح: الطريقُ الواضحٌ، وفسر أيضًا بالمَخرَج (مطلع).
ومن دقة النافذ عُبِّر بالتركيب عن التجزئة في قولهم (تنجيمُ المال: أداؤُه أَجْزَاءً وَقْتًا بعد وقت. والنَجْم: الوقت المضروب " (للأداء). كما عبر به عن نحو الانقطاع "أنجم المطر: أقلع، والسماء: أقشعت ". (كان المتوقع الاستمرار، فاكتُفِى بجزء دقيق).
ومن الأصل لكن باختلاف اتجاه النفاذ "المِنْجَم - كمِنْبَر: الذي يُدَقُّ به الوتد " (أداة، فلا يظهر إلا جزء دقيق منه).
° معنى الفصل المعجمي (نج): النفاذ بغلظ وكثافة أو قوة مما يحتوي -كما يتمثل في سيلان القيح من القُرحة - في (نجج)، وفي ارتفاع سَنَدَيْ الوادي (شاطئيه) وارتفاع كل نجوة من الأرض - في (نجو)، وكذلك ارتفاع. نِجاد الأرض والسيف
стр. 2160
إلى حد معين - في (نجد)، ونفاذ القذَر حتى يعروَ البدنَ، ولزومِ الداء جسمَ العليل - في (نجس)، وبروز المناجم والنجوم في (نجم).
النون والحاء وما يثلثهما
• (نحح):
"النَحِيح: صوتٌ يردده الرجلُ في جَوفْه. والتنحنح والنحنحة كالنحيح: كالسعال أشدُّ أو أسهلُ ".
° المعنى المحوري خروج الصوت (أو نحوه) من الجوف بجفاف واحتكاك وعرض (١).
стр. 2161
• (نحب):
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]
النَحْب -بالفتح، والنَحِيبُ: أشدُّ البُكاء البكاء بصوت طويل ومدّ رفع الصوت بالبكاء. والنَحْبُ: الخَطَرُ العظيمُ (الذي يُخْرَجُ للمراهنة) والنذْرُ، والسُعَالُ، والطُولُ. والتنحيب الدَأَب. أصابته شوكة فنَحَّبَ عليها يستخرجها. ض: أي أَكَبَّ. ونَحَّبْنا سَيرَنا - ض: دَأَبْناه. وسِرْنا إليها ثلاث ليال مُنَحِّباب: أي دائبات. وسارَ على نَحْب: سار فأجهدَ السير ".
° المعنى المحوري استفراغ أقوى المَذْخُور من طاقةٍ أو جُهْد أو شَيء في أَمْرٍ تعمله. كالبكاء بالوصف المذكور والسعال (إخراج النفَس بدفع واحتكاك)، والخَطَر العظيم، والنذْر، والدَأَب في عَمَل (إخراج مال أو جهد مهم). والطُولُ إنما هو عن طاقة مُخْتَزَنة في البَدَن يَظْهر أثرُها نموًّا. وآية التركيب ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣] , يصلح تفسيرها بالجهد العظيم الذي بذله هؤلاء الصادقون بمقتضى إيمانهم وما عاهدوا الله عليه والآخرون ينتظرون فرصتهم ليبذلوا هم أيضًا أقصى جهدهم. كما يصلح تفسير قضاء النحب أيضًا بالموت والاستشهاد [وانظر قر ١٤/ ١٥٨].
• (نحت):
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَال بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]
"النحيتة: جِذْعُ شَجَرة يُنْحَتُ فيُجَوَّف كهيئة الحُبِّ للنَحْل. والنحائت آبار
стр. 2162
معروفة (صفة غالبة). والحافرُ النَحِيتُ: الذي ذهبت حُروفه. نحت النجار الخشبة: نَشَرها، وقَشَرها. والحبلَ: قَطَعه. ونَحَته: بَرَاه. ونَحَت نَحِيتًا: زَحَر ".
° المعنى المحوري اقتطاعٌ من ظاهر الجرم الجافّ (باتجاه باطنه) بدقة نحو البَرْي .. ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَال بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤ ومثلها ما في الحجر: ٨٢، والشعراء: ١٤٩] , (يُجوّفون فَجَوات يها يتخذونها بيوتًا أو يقتطعون من حجارتها ويبنون بيوتًا). ومنه نَحْت التماثيل: فهو اقتطاعٌ كذلك ثم تسوية ﴿قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ [الصافات: ٩٥]. والتعبير بهذا للتذكير بأصلها.
• (نحر):
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]
"نَحَر البعيرَ: طعنه في مَنْحَره. وانْتَحَر السحابُ: انْعَقّ بماءٍ كثير. وطريق منتحر: واسع بيّن ".
° المعنى المحوري شق نافذ إلى باطن الجِرم المستعرض يخرج به مائعُه المذخورُ بغزارة. كشق صدر البعير طعنًا فيخرج دمه، وكخروج ماء السحاب غزيرًا كأن السحابَ وعاءٌ تَشَقَّق، وكالطريق الواسع (ونحن نقول الآن شق طريقًا في كذا). ولعل تسمية "الصَدْر نَحْرًا "مأخوذة من أنه موضع الخير من البعير. ومنه "تناحَر القومُ على الشيء وانْتَحروا: تَشَاحُّوا عليه "تزاحموا عليه بالنحور، أو كل يبذل أقصى ما عنده فيه) والنِحْر والنِحْرير - بالكسر فيهما: الطَبِن الفَطِنُ المُتْقِنُ البَصير في كل شيء " (صيغتا فِعْل وفعليل هنا بمعى الفاعلية فالنِحْر أو النِحْرير ينفذ إلى بواطن ما يبحثه) وفي قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢] تفسيرات أوضحها: نَحْر البُدْن. وأنسبها وألطفها الإخلاص [انظر قر ٢٠/ ٢١٨].
стр. 2163
ومن النحر: الصَدْر عُبِّر بالكلمة عن الصَدْر في: "نَحْر النهار، والظهيرة، والشهر: أوائلها، والنحيرة أول يوم من الشهو. والداران تتناحران: تتقابلان " (كل في صدر الأخرى).
• (نحس):
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ [القمر: ١٩]
"هاجَ النَحْسُ: أي الغُبار. والنَحْسُ -بالفتح أيضًا: الرِيحُ الباردة. والنُحاس- كصداع: الدُخَان الذي لا لهَب فيه، وككتاب وصداع: ضرب من الصُفْر والأنية شديدة الحُمْرة ".
° المعنى المحوري حدَّةٌ ودقّة تنبثّ مع فَراغ أثناءٍ. كالغبار وهو دِقاق حادّة الأثر تنبث في الجو، وكبرُودة الريح وهي حِدّة لاسعة نَفّاذة، فالبرد الشديد يحرق النبت أي يجففه فيرفتّ إذا لمس باليد [ينظر ل حسس]. وكالدخان وهو ذرات دقيقة في الجو حادّة إذا خَالطت النفَس. وحِدّة النحاس صوت رنينه القوي الذي يعطي أنه خَوّار ليس أصمّ ﴿يُرْسَلُ عَلَيكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] , فسر [في قر ١٧/ ١٧٢] بالدُخان، وبالصُفْر المذاب، والمُهْل، والنار. والكلمة صالحة للأوّلين لحدّتهما. والتفسير بالثالث والرابع فيه تكرار. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] هذا عن عادٍ قوم هود الذين جاء عنهم في آية أخرى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ [القمر: ١٩]. ويرجِّح أن النَحْس والنَحِسات في الآيتين بمعنى شؤم ومشائيم أنّ وصف اليوم والأيام بالبرد الشديد ذُكر التعبر عنه بـ (صرصر) منه الآيتين، فالأبلغ أن تفسر، (نحس) و (نحسات) بمعناها الآخر.
стр. 2164
ومن ملحظ الخَوَاء في الأثناء (الباطن) ونحوها "تنحَّس للدواء: تَجوَّع جاع، وتَنَحَّسَ النصارَى: تركوا أكل اللحم. ومنه نَحَسه - كمنعه: جفاه، ونَحَسَتْه الإبلُ: عَنَّتْه وأَشْقَتْه. والنُحَس - كصُرَد: الظُلْم [ق]. (جور ونقص) وعامٌ نحس ونحيس: مجدب "و "النحس ضد السعد "من هذا الفراغ.
ومن الانبثاث في الأثناء بدقة على ما في الأصل "نَحَسَ الأخبار وتَنَحَّسَها واسْتَنْحَسَها: تَنَدَّسَها وتَجَسَّها طلبها وتبعها بالاستخبار يكون ذلك سرًّا وعلانية ". ومنه كذلك "نُحَاس الرجل -كصُداع وكتاب: سجِيّتُه وطبيعتُه نِجَاره ". (الطبع مغرور في النفس يظهر أثره بنَمَط السلوك مرة بعد أخرى فيَقْوَى الانطباع وتبرز الصفة قويةً واضحة).
• (نحل):
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]
"النَحْل: ذُبابُ العسل. والنُحل - بالضم: العطية ".
° المعنى المحوري قويٌّ أو طيبٌ يَحُوزُه الباطن يُفْرَزُ أو يُبْذل إلى حوزة أخرى -كما يُخْرِجُ النَحْلُ عسله فيحاز (ومنه ما في آية التركيب)، والعطية تُخْرَج فتُحَاز. ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] , (عطية تمليك والتعبير بالنِحلة هنا إشارة إلى أن المهر ليس ثمنًا، كما أن الصَدَاق والصدُقة هما من الصِدْق وليستا من الصدَقة). ومن القوي الطيب في الباطن "النِحْلة - بالكسر: الدِين والملة (اتخاذها عقيدة في القلب كما تُتَّخَذُ العطية) "وهو يَنْتَحِل مذهب كذا: يتخذه (تعلق)، ونحله القولَ: نسبه إليه " (ادَّعى أنه منه).
ويلزم من بذل ما يجوزه باطن الشيء فراغُه، ومن ثَمَّ نُحول الشيء يقال:
стр. 2165
"نَحِل جسمه (كفرح وفتح وقعد): ذَهَبَ من مَرَض أو سَفَر. جَمَل ناحل مهزول، وسيف ناحل: رَقيق، قَمَرٌ ناحل: دق واستقوس ". (كأن الأصل كفرح).
° معنى الفصل المعجمي (نح): النفاذ من الباطن بقوة واتساع كما يتمثل في النحيح (كالسعال)، في (نحح)، وفي إخراج الخطر العظيم من الحوزة- في (نحب)، وفي نحت الخشبة وغيرها اتجاها إلى الباطن- في (نحت)، وفي نحر البعير طَعْنه في منحره فيخرج دمه وكذلك انتحار السحاب انعقاقه بماء كثير- في (نحر)، وصدور طنين النحاس منه وكذا في النُحاس الدخان والنخس الغبار- في (نحس)، وفي العسل الذي يفرزه النحل من باطنه- في (نحل).
النون والخاء وما يثلثهما
• (نخخ- نخنخ):
"نَخَّ الإبلَ: أناخها. ونَخنَخَها فتَنَخْنَخَتْ: أَبْركها فبَرَكت. والنَخَّة- بالفتح: الرقيق من الرجال والنساء أي المماليك، وبالضم: البَقَر العوامل ".
° المعنى المحوري انخفاض القامة أي ذهاب الانتصاب وما إليه من الشموخ (١) كبروك الإبل وخنوع المماليك أي فقدهم شموخ الأحرار وعزتهم. والبقر العوامل ممتهنة.
стр. 2166
• (نخر):
﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١]
"نخْرَتَا الأَنْف -بالضم: ثُقْباه. والمَنْخِر- كمَجْلِس ومَقْعَد وبضمتين وكسرتين: الأنفُ. والنَخْوريّ- كجوهريّ: الواسعُ الإحليل ".
° المعنى المحوري فرغ يمتد في أثناء شيء (شديد) مع رخاوة وضعف فيه. كفراغ المَنْخَر والإحليل. ومنه "نَخِرَ العظمُ (تعب): بَليَ ورَمّ، والخشبةُ: بَلِيَتْ استَرْخَت "بحيث تَتَفَتَّت إذا مُسّت. فالعظم والخشب إذا بَلِيا تتآكل أثناؤهما مع بقاء ظاهر جرمهما على شيء من التماسك ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾.
• (نخل):
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩]
"النَخْل: شَجَر التَمْر المعروف. ومُنْخُل الدقيق معروف. والسحاب يَنْخُل (نصر) البرَدَ والرَذَاذ وَيَنْتَخِلُه ".
° المعنى المحوري ذهاب غليظ الشيء من أثنائه فيرق -مع تماسكه أو بقاء أصله. كفراغ سوق انخل من الخشب الذي يَخْشُوها- في حين أن سوق سائر الشجر مصمتة إلا ما ندر كالخِرْوع، وكخروج غليظ الدقيق بالنَخْل، وكخروج البَرَد من السحاب. ولم يرد في القرآن من التركيب إلا "النخل: شجر التمر "المعروف.
° معنى الفصل المعجمي (نخ): نقص في انتصاب الشيء أو في إصمات بنانه كما يتمثل في نخنخة الابل: إبراكها، وفي النَخة الرقق والنُخَّة: البقر العوامل- في (نخخ)، وفي كون الأنف ذا نُخْرتين أي ثقبين وهما تجويفان في بنائه- في (نخر)،
стр. 2167
وكذلك كون جذوع النخل فارغة الجوف وكون المُنْخُل ذا ثقوب كثيرة يمر منها الدقيق- في (نخل).
النون والدال وما يثلثهما
• (ندد):
﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: ٩]
"النَدُّ -بالفتح: التَلُّ المُرْتَفِعُ في السماء (لغة يمانية). وقد نَدَّتْ الإِبِلُ: نَفَرَت وذَهَبَتْ شروُدًا. وهي نَدَد- محركة: أي مُتَفَرقة. وذهبوا يَنَاديد: تَفَرَّقوا في كل وَجْه تبَاعَدُوا ".
° المعنى المحوري تباعُدُ بَعْضِ الشيءِ من بَعْضِه (امتدادًا إلى أعلى أو) تفرّقًا (١) - كتباعد رأس التلِّ من أصله، وتفرق الإبل الشاردة، والناس.
ومنه "فلانةُ نِدُّ فُلانةَ: خَتَنُها وتِرْبها " (تشاركها في النمو وهو امتداد وهما اثنتان) ومن ذلك "النِدُّ: النظير، وقالوا: المِثل والشِبْه) (كأن أصله المُطَاول) ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، نُظَراء وعُدَلاء أي (الآلهة) التي جعلوها معه
стр. 2168
وجعلوا لها ما له [طب ١/ ٣٦٩]. ولم يرد في القرآن من التركيب إلا (الأنداد) بهذا المعنى.
ومن الأصل: "نَدَّدَ بالرجل وسَمَّع به: أسْمَعَه القبيح وشهّر به (التشهير نشر ومَدٌّ لأخبار المقابح مع الجهر بها أي رفع الصوت) والتنديد: رَفْعُ الصوت " (مدٌّ وإبعاد).
• (ندو- ندى):
﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨]
"نوادي الإبل: شواردُها. ونوادي النَوَى: ما تطاير منها تحت المِرْضَخَة. والنَدَى والإنداء: بُعْدُ مذهب الصوت ومَدَاه. والنِداء: الدعاء بأرفع الصوت: نادَى النبتُ وصاحَ سواءٌ. والنَدَى: ما يسقط بالليل، والبَلَلُ. نَدَا الفرسُ: إذا شَرِبَ ثم رُدّ إلى المرعى ساعةً ثم أُعِيدَ إلى الماء ليشرب ثانية ".
° المعنى المحوري بُعْدُ مَدَى ما يبلغه الشيء ارتفاعًا أو انفصالًا كامتداد النبات، والصوت، والدعاء، وكمسافة طَفْر النوى وشرود الإبل، والمسافة الزمنية بين الشُرْبَين. والندَى يسقط من مسافة بعيدة كالمطر. وندى الفرس مشبه بندى السماء في البلل الخفيف يعرو الأشياء.
وقد جاء في القرآن الكريم: أ) (نادَى) وما تصرف منها. وقد جاءت بمعنى رفع الصوت صياحا في ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، أي الصياح دون المعنى كالأنعام. وهذا الملحظ اللطيف للراغب. ومن النداء ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] (وغيرها) أي يُصاح بهم بذلك. كما جاءت بمعنى دعاء الشخص
стр. 2169
ليلتفت أو ليحضر عند المنادي ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]، (ويلحظ في سياق القصة أنه كانت بينهما مسافة بعيدة). ومن شواهد كون النداء برفع الصوت مما جاء في وصف ما يعتري الشيخ من كِبر السنّ:
إذا ما الشيخ صَمّ فلم يُكلَّم ... وأودى سمعه إلا نِدايا ([ل: ودى، ندى])
ولذا فإن ﴿الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] استحقوا ما وُصفوا به لأنهم كانوا يصيحون عليه ﷺ .
ولا يشكل عليه ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] لنسبية رفع الصوت وبخاصة عند التفرع لله ، كما أنه يتأتى برفع الصوت مع كون المنادِي في جوف بيت، أو منفردًا في خلاء فلا يسمعه بَشر. و "التنادي: نداء بعضهم بعضا " ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ٢١] ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢] تفسيرها بعدها ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أي عند النفخ في الصور نفخة الفزع ينادي بعضهم بعضا (أي كلٌّ أحِمّاءه) [ينظر قر ١٥/ ٣١١ - ٣١٢] وهذا أقرب مما ذكر في [بحر ٧/ ٤٤٤].
ب) والنادى والنَدِيّ: الذي يجتمع فيه القوم سُمِّي بأنه المكان الذي يأتون إليه من بعيد ليلتقوا ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أي أهل ناديه- ردًّا على قول أبي جهل: ما بالوادي أكثر ناديا مني. وهو أمر تعجيزي أي لا يُقْدِرُه الله على ذلك [بحر ٨/ ٤٩١] أقول: ولو أقدره ما أغنى عنه ناديه شيئًا. ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] كانوا يفاخرون بأنهم "الملأ "وأنهم "أحسن أثاثًا ورئيًا "فقوله: "النَدْوة: الجماعة "هي من ذلك أصلًا.
стр. 2170
• (ندم):
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦]
"النَدَم- محركة: الأَسف الغمُّ اللازم (وفي متن اللفة: انتدم الشيءُ: ظهر أثرُه. خذ ما انتدم: ما تيسر) ".
° المعنى المحوري فَوْتُ جُلِّ الشيء ومُعْظَمِه بحيث لا يبقى إلا أثرٌ يسير منه كما في الاستعمالين الأخيرين. ولعل "النَدَم- محركة: الأسف / الغم اللازم "أصله الإحساس بفقد معظم شيءٍ أو كلِّه مع العجز عن استدراك ما فات ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، الندم: التحسُّر. والظاهر أن ندمه كان على قتل أخيه، ولما تبين له بعد فعلته من عجزه وقماءته وسخط أبيه. وليس ندم التائبين، لأن كون الندم توبة خاص بهذه الأمة [ينظر بحر ٣/ ٤٧٥، ٤٨١] ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧]. ولم يرد في القرآن من التركيب إلا (نادمين) و (ندامة) بالمعنى المذكور.
وأرى أن "نادَمَه: جالسه على الشراب "أصلها من الفقد أعني غَيبُوبة السكر بفقد الوعي. فالمادمة أصلها مشاركة في السكر كالمؤاكلة والمجالسة.
° معنى الفصل المعجمي (ند): الإبعاد امتدادًا أو مفارقة -كما يتمثل في النَدّ التل المرتفع في الماء، وندود الإبل: تفرقها وضرودها- في (ندد)، وكما يتمثل في نوادي النوى: ما تطاير منه تحت المِرْضخة (أي بأثر دقها إياه) وكذلك في الندَى الساقط من السماء- في (ندو / ندى)، وكما يتمثل في فوت ما فات مما يُندم عليه (امتداد بُعدٍ ومفارقة، وعدم التمكن من الاستدراك) في (ندم).
стр. 2171
النون والذال وما يثلثهما
• (نذذ):
"النَذِيذُ: ما خرج من الأنف أو الفم. [ق] نَذَّ نَذِيذًا: بال ".
° المعنى المحوري خروج غض ذي حِدّة وَقْع على الحِسّ من خلال شيء (١) كالذي يخرج من الأنف والفم. وكالبول من الإحليل، وكثرتُه مع ضيق الإحليل يعطيه صفة الغلظ.
• (نذر):
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]
"النَذْر -بالفتح: ما يَجِبُ في الجراحات من الدِيات (حجازية- ويسميه العراقيون أَرْشًا) يقال: لي قِبَلَ فلانٍ نَذْر. وقضى عمر وعثمان ﵄ في السِمْحَاق بِنصْفِ نَذْر المُوضِحَة (السِمْحَاق شجة تبلغ قشرة عظم الرأس، والموضحة هي الشجّة التي بلغت العظم فأوضحت عنه) والنذيرة: الابن يَجْعَله أبواه قيّمًا أو خادمًا للكنيسة أو المتعبّد من ذكر أو أنثى ".
° المعنى المحوري تَبِعة تُلْتَزَم أو يُخْشَى من لزومها. كالأَرْش الذي يَجِبُ إخراجه غُرْمًا مقابلَ الجراحة، وكالوَلَد الذي يخرجه أبواه لخدمة المتعبَّد. ومنه
стр. 2172
"النَذْرُ: إيجاب شيء على النفس تبرعًا (أول الأمر) "صَدَقَةَ أو عبادة أو غيرها. والنذيرةُ ما تعطيه ". ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦].
ومن خشية لزوم التبعة "نَذِرَ بالعدو (كفرح): عَلِمَه فحَذِره. وأنذره: أعلمه وحذّره (من مكروه سيقع به معلَّقًا أو غير معلَّق)، والاسم النُذْر- بالضم. والنذيرُ: الإنذارُ، والمُنْذِر ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥ - ٦]، ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. والذي جاء في القرآن من التركيب هو (١) النَذْر: إيجاب شيء على النفس [في البقرة: ٢٧٠، آل عمران: ٣٥، مريم، الحج: ٢٩، الإنسان: ٧] (ب) الإنذار بمعنى التحذير من مكروه سيقع. وبمعناه جاء سائر ما وقع من التركيب في القرآن بصيغ كثيرة: الفعل (أنذر) ومضارعه وأمره، واسما الفاعل والمفعول، والاسم (نُذْر)، والصفة (نذير) بمعنى (منذِر). وجاءت (نذير) بمعنى (إنذار) أيضًا وجمعها بالمعنيين (نُذُر) لكن المعطوفة على (عذاب) هي بمعنى (إنذاراتي).
° معنى الفصل المعجمي (نذ): خروج كثيف من الأثناء أو الحيز -كما يتمثل في النذيذ: ما خرج من الأنف أو الفم، وفي خروج البول -وخروجه بالغ الأمية وهذه كثافته- في (نذذ)، وكما يتمثل في إخراج أرش الجراحات وفي النذر الذي ينذر. الإنسان -وكلاهما إخراجه واجب- في (نذر).
стр. 2173
النون والراء وما يثلثهما
• (نور):
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]
"النارُ معروفة. والنَوْرُ- بالفتح: الزَهَر، وبالضم: الضياء ضدُّ الظلمة ".
° المعنى المحوري لطيف (شفاف أو لامع) حادّ الوقع أو الأثر ينفذ من أثناء (١) كالنار بحدتها- وكانوا يولّدونها من الحَجَر وبعضِ الشجر ولهبها هلامي غير كثيف، وكما يَنْفُذُ نَوْر الشجر منه، وحِدَّتُه ألوانُه وأنه يتولد عنه الثَمر الذي هو غايةُ الزرع والضوء شفافية تكشف كثافة الظلمة. فمن النار الحارقة ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. ومن الحدّة النارية "النُورةُ - بالضم: الحجَرُ الذي يُحْرَق وشموى منه الكِلْس، والنَئُور: دخانُ الشحم يستعمل في الوَشْم ". ومن معوي هذه الحدّة "النَوار- كسحاب وكتاب: النُفُور والفَزَع "ويقال ينهم نائرة أي عداوة وشحناء ". ومن ذلك مع معضى المفعولية "نار القوم وتنوروا: انهزموا "كأن "نار "في هذا المعنى الأخير أصلها "نَور "على صيغة فَعِل للمطاوعة بمعنى المفعولية أي نُفِّروا وفُزْعوا.
ومن لوازم النار "النور- بالضم: الضياء. ولفظ (النور) جاء في القرآن الكريم:
стр. 2174
أ) بمعنى النور المادي المعروف ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ [الأنعام: ١]، ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] وكذلك هو في [فاطر: ٢٠]، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، ومثله ما في [يونس: ٥، الفرقان: ٦١، البقرة ١٧].
ب) النور الروحاني وهو للمولى : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] هو مصدر إشراق الوجود كله لا ضوءًا فحب، وإنما إحكامًا ورونقًا وازدهارًا على أبدع ما يُتَصور. (لم أجد عبارة تحمل أنفاس هذه الجملة القرآنية)، (مثل نوره) نور الله تعالى في قلب المؤمن. [ينظر بحر ٦/ ٤١٨]، وللنبي ﷺ والمؤمنين في الدنيا والآخرة ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] قيل الإسلام وقيل محمد ﷺ [قر ٦/ ١١٨]، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]، ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] وكذلك ما في الحديد: ١٢، ١٣، وربما ٢٨ منهما].
ج) (النور) بمعنى البيان و (المنير) بمعنى المبيّن- وهذا لازم للكشف والإضاءة اللذين يصنعهما النور. وبهذا المعنى الأخير جاء سائر ما في القرآن الكريم من الكلمتين.
ومن النور المادي في الفقرة السابقة "المنار والمنارة: موضع النور تلك التي يوضع عليها السراج. أما "المنار: الحدّ الذي يُجعل بين الأرضين "لبيان حدود المِلْكية- فهو من البيان اللازم للنور، وأما "المنارة التي يؤذن عليها "فأرجح أنها
стр. 2175
مشبهة في العلو الشاهق بالمنارة التي كانت تبنى على شواطيء البحار، ويضاء عليها في أعلاها ليلًا نور عطيم لتهتدي به السفن.
النون والزاي وما يثلثهما
• (نزز):
"النَزُّ -بالفتح والكسر: أجودُ ما تَحَلَّبَ من الأرض. نَزَّت الأرضُ وأَنزَّتْ: صارت ذَاتَ نَزّ. وناقة نَزَّةٌ: خفيفة. وظليم نَزٌّ: سريع لا يستقر في مكان. والمِنَزّ- بكسر ففتح: الكثيرُ الحركة، ومَهْدُ الصبي. ونَزَّتْ الناقةُ راكبها: نَتَقَتْه " [هذه في ل - نتق].
° المعنى المحوري حركة قوية بِنَتْق (إلى أعلى) أو انتقال (١) كالتحلب من الأرض والحركات الموصوفة.