← Гариб и словари

Гариб и словари · id 21017

المعجم الاشتقاقي المؤصل

محمد حسن جبل

Полный текст (2 380 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ويَصْلُح به التدبير كالحديد وغيره من جوابر الأرض. وكل ما يقوم به صلاح شيء فهو تِقْنُه ") [تاج]. ° المعنى المحوري هو: مادة جودة الشيء في بابه أو جنسه: كالتقن بمعنييه. ويلزم من استعماله جودة الشيء: كجودة الأرض وخصوبتها بالغِرْيَن وهو الذي يُخثر الماء وهو الرُسابة والتقن، وكذلك "ما يقوم به المعاش ويصلح به التدبير ". ومن هذا: أتقن الأمر: أحكمه (صحّح صُنعَه وجوّده): ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. ومنه قيل: "رجل تِقْن - بالكسر: حاضر المنطق والجواب (اللغة ترجمان الفكر الذي هو خصيصة الإنسان، فالتفوق فيهما كمال يجمع صحة الذهن وكمال آلته). و "الفصاحة من تِقْنه أي من طبعه وسُوسه " (كأنها في مادة تكوينه). ° معنى الفصل المعجمي (تق): هُويّ الشيء إلى العمق كالهُوِيّ إلى أسفل في (تقتق)، وكما ترسب الرُسابة وهي الِتقنةُ في (تقن). التاء واللام وما يثلثهما • (تلل - تلتل): ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]. "التلّ من التراب والرَمل - بالفتح: كَوْمَةٌ منه ... / الرابية ... مكبوسًا ليس خِلْقه ". ° المعنى المحوري هو: تكديس بالضغط إلى أسفل حتى يصير الشيء جُثًّا رابيًا متماسكًا (١): كتَلّ التراب المذكور (يُلحظ قوله: مكبوسًا ليس خِلْقة).

стр. 212

ومنه: "رجل تُلَاتِل - كتُماضر: قصير " (كأنما دُكّ وتماسك فلم يطل). وقول لبيد: (تَتَّقِيني بتَلِيل ذي خُصَل) أي عُنق ممتلئ. وعنق الدابة ونحوها يمكّنها من تناول ما على الأرض فسمّى تليلا لذلك. ومنه: "تلَّهُ (رد): صَرَعَه، وكلُّ شيء ألقيتَه إلى الأرض مما له جُثَّة فقد تَلَلْتَه " ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي صرعه. كما تقول: كبه لوجهه (والعامة تقول الآن كوّمه). وفي الحديث: "فجاء بناقة كوماء فتَلَّها أي أناخها ". وفي الحديث أيضًا: "أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فتُلّت في يدي "أي صُبّت (أي بقوة وتكديس لأنها كثيرة). تل يتُل - بضم عين المضارع: أي صَبَّ، - وبكسرها: أي سقط اهـ[قر ١٥/ ١٠٥]. • (تلو - تلى): ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. "التَوالي: الأعجاز: التِلْوُ - بالكسر: ولدُ الحمار، وولدُ الناقةِ، يتبعان أميهما، وكذا الجَدْى. ويقال: تَلِيَ فلان بعدَ قومه (كرضي): أي بَقِي. والتُلاوة - كرُخامة وكبَليّة: بَقيةُ الشيء عامة ". ° المعنى المحوري هو: اتّباع الشيء ما يسبقه لحوقًا به من خلفه: كالأعجاز، وكولد الحمار والناقة يتبعان أميهما، وكالباقي بعد ما ذهب سَلَفُه في

стр. 213

موضعه (كأنه خلفه). ومنه تَلَوته: تبعته، وفلان يتلو فلانًا: يحكيه ويتبع فعله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ١, ٢]: تَبِعها. وتَتَلَّى الشيءَ: تتبّعه. ومن ذلك التلو المكاني يؤخذ التلو العملي أي التنفيذ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] قال [طب ٢/ ٥٦٦]: "يتبعونه حق اتباعه ويأخذون به عملًا ". والذي يصلح فيه تفسير (تلا) بـ (اتبع) مما جاء في القرآن من التركيب هو - مع ما سبق ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر: ٢٩، وكذا ما في هود ١٧، ينظر قر ٩/ ١٦ - ١٧]. وسائره من التلاوة القراءة. أما التلاوة بمعنى القراءة، كما في تلاوة القرآن والنشرات، فلعل أصل هذا من تتبع الكلام المكتوب عند القراءة أي اتباعه كلمة كلمة، فهذا يعني القراءة من مكتوب، وعليه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] فهذا كالصريح في معنى قراءة المكتوب. ثم عمم في القراءة عن ظهر القلب أي من غير مكتوب. وقد يكون هذا من القراءة اللاحقة، أي المتَّبِعة لما وُعِيَ قَبلا، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أو من التلاحق: تلاحق المتلوّ أي امتداده هذا يتبع هذا. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧]، ﴿تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] قال بعضهم: "تتلو: تُحدِّثُ وتَرْوِى وتَتَكلم به وتخبر نحو تلاوة الرجل أيّ كتاب؛

стр. 214

لأن الشياطين هي التي عَلّمت الناسَ السحرَ ورَوَتْه لهم .. وقال آخرون: ما تَتْبعُه الشياطينُ وتعملُ به .. كما يقال: تَلَوْتُ فلانًا: إذا مَشَيْتَ خلْفه وتَبِعْتَ أَثَره، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]- على إحدي القراءتين - يعني بذلك تتبع، ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي في (عهد) ملكه ". اهـ[طبري ٢/ ٤١٢]. أما عن الفرق بين القراءة والتلاوة فهو حسب ما تكشفه الدراسة: أ) أن المعنى الأصلي الدقيق للقراءة هو وعي المادّة (المقروءة) في القلب تلقيًا بالسماع (ويدخل فيه الوحي)، أو من كتاب (بلا صوت). ويتفرع عن هذا لزوميا القراءةُ بمعنى إلقاء المحفوظ في القلب باللسان أي نطقه. والتلاوة تستعمل في هذا أي في نطق الكلام وإلقائه دون مطالعة من صحيفة، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢٥٢]؛ فتستوي في هذا مع (القراءة): إما تطورًا، وإما أصالة، كما مرّ في الفقرة السابقة. وتستعمل في القراءة من كتاب - وهذا أصل في التلاوة - وعليه جاء قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨]- كما سبق. وامتداد الكلام كالقيد فيها. ب) إذا استعمل الفعلان معديين فإن "تلا "لا تكون إلا قراءة بصوت، "وقرأ "تكون بصوت وبغير صوت. أما إذا عُدِّيا بالحرف "على "فإنهما تستويان في أنه لا بد فيهما من الإلقاء بصوت. الخلاصة في الفرق بين التلاوة والقراءة في الأصل: "تلا "تستعمل للقراءة من مكتوب بصوت، ويتسامح فيها فتكون من غير مكتوب لكن بصوت،

стр. 215

و "قرأ "تستعمل للقراءة من مكتوب ومن غير مكتوب، بصوت وبغير صوت. فإذا عُدّيا بـ (علي) فهما بصوت ولا بد. وقد أشار أبو هلال (١) إلى فرق آخر خلاصته أن التلاوة تكون في ما يطول أي يكثر من الكلام. ووجود عنصر التلاحق أخذًا من الاتباع واللحوق في استعمالات التركيب = يتيح ذلك. وقال الراغب: إن التلاوة أخص من القراءة لأن التلاوة تختص بما يُتْبع. وقال في هذا السياق: "فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة [فإنه] لا يقال: تلوت رقعتك. وإنما يقال في القرآن في شيء إذا قرأته وجب عليك اتباعه "اهـ. وأنا أكاد أقطع بأن الأمر التبس علي الإمام؛ فإن الذي منع "تلوت رقعتك "هو أن التلاوة لا تكون إلا بصوت، والرقعة المرسلة من شخص إلى شخص خاصة ليس الشأن فيها أن تقرأ علنًا، فهذا هو الذي منع، لا أن الرقعة ليست مما يتبع. ° معنى الفصل المعجمي (تل): التكديس (ركما) كما يتمثل في التل المكبوس (ليس خلقة) في (تلل)، وفي معنى التراكم الذي في اللحاق - في (تلو)، بل إن معنى الضغط إلى أسفل متحقق في (تلو) أيضًا من حيث إن كون التلو من الخلف يناسب كون التكديس كبسًا إلى أسفل. التاء والميم وما يثلثهما • (تمم): ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]. "قمرُ تَمام - كسحاب وكتاب: إذا تَمَّ ليلة البدر. وولدت المرأة لتَمام: إذا

стр. 216

ألقته وقد تَمَّ خَلْقُه. وقد أتمّ القمرُ: امتلأ فَبَهَر، والنبتُ: اكتهل. والجَذَعُ التَمَمُ - محركة: أي التامّ الخَلْق. والتَميم: التامُّ الخَلْقِ الشديدُه من الناس والخيل، والطويلُ، والصُلْبُ والمستَتِمّ: الذي يطلب الصوف والوبر ليُتم به نسيجَ كسائه. والصوفُ أو الوبر الموهوب لهذا يسمي تُمة - بالضم ". ° المعنى المحوري هو استيفاء جِرم الشيء حَجْمه متميزًا عن غيره (١): كالقمر ليلة البدْر، وكالتامّ الخَلْق من الناس، والخيل، والنَبْت - تامة الجرم. ومنه: "التميمة: العُوذَة (أي الحافظة للجسم والشخص حالَه فلا يصاب بما ينقصه). وتتامت إليه قريش: أجابته وجاءت متوافرة متتابعة. وليل التَّمام - ككتاب: أطول ما يكون من ليالي الشتاء: ﴿..... وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] أي بلَغها كاملة، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَي اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]: كَمُلَت من الصدق والعدل [طب ١٢/ ٦٢]. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]: وَفَي وعدُ الله الذي وعد بني إسرائيل بتمامه على ما وعدهم [طب ١٣/ ٧٧]. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] نَفَذ قضاؤه وَحقَّ أمره (البحر). وفي ﴿وَإِذِ

стр. 217

ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، قال [طب ٣/ ١٨]: فأدّاهن/ عَمِل بهن فأتمهن (فتَمَام الكلمات في هذه الآيات يعني كمالَها بتصديقها أي تحقيق معناها حيث استوفت مضمونها كاملًا بنفاذها. والعامة تعد ما لم ينفذ من الكلام فارغا). ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] اللهم آمين ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي تماما للكرامة والنعمة على من كان محسنا. أي زيادة على وجه التتميم [ينظر الكشاف ٢/ ٧٧ - ٧٨، بحر ٤/ ٢٥٥] ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] بظهور الإسلام وعزتكم حتى صار الأمر بين العرب أمركم [ينظر بحر ٣/ ٤٤١] وكل ما في القرآن من التركيب هو بمعنى استيفاء الشيء حجمه أو كماله حسب ما ذكرنا. هذا، وتمام جرم الشيء يمثل أيضًا في انفصاله عن غيره؛ ومن هنا: "تُمّ الشيءُ: كُسِر - للمفعول فيهما. (انفصل قسمين) وظَلَعَ الدابةُ ثم تتَمَّم أي تَمَّ عَرَجُه كَسْرًا. والِتمُّ - بالكسر: الفأس (تكسر وتفصل). وتممّ على الجريح: أجهز عليه " (أكمل قتله = أنهى الأمر وفصله). • (يتم): ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] ﵌. "اليتيم: الرمْلة المنفردة عن غيرها. واليتائم: رمالٌ منقطع بعضها عن بعض. [ق]. وكل شيء فَرْدٍ بغير نظير فهو يتيم كالدرة اليتيمة ". ° المعنى المحوري هو: انفراد الشيء عن مجانسه مستقلًّا بذاته: كالواحدة من الرمال المذكورة مجتمعة في ذاتها ومنفصلة عن غيرها، وكالدرة اليتيمة المتفردة بقيمتها أو صفتها لا تشركها أخرى في هذه القيمة. ومن ذلك الأصل قالوا: يَتِمَ من هذا الأمر (كفرح) أي انفَلَتَ (انفصل وفارقه). ومنه: اليتيمُ من

стр. 218

الصبيان: الذي مات أبوه (فأُفرِد بذاته): ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]. وكل ما في القرآن من التركيب هو اليتيم - بهذا المعنى، ومثناه وجمعه. ومن المعنى المحوري قولهم: "في سيره يَتَمٌ - محركة: أي إبطاء، ويَتِمَ (كتَعِب): قَصّر وفَتَر ". فهذا من انقطاعه وانفراده عما يسايره، أو من عجزه عن مواصلة السير، فهذا انقطاع - كما جاء في الحديث الشريف: "إن المنْبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ". ° معنى الفصل المعجمي (تم): تميز الشيء مستقلًّا كما يتمثل في البدر - في (تمم)، وفي اليتيم - في (يتم) لكنه مستقل كُرْهًا. التاء والنون وما يثلثهما • (تنن - تنتن) "التَن - بالفتح والكسر: الصبيُّ الذي قَصَعه المرض فلم يلحق بأَتْنانه فهو لا يَشِبّ (قَصْعُ الجِرّة: شِدّةُ المضغ وضم بعض الأسنان على بعض) كادِى الشباب/ إذا كان قميئًا لا يشبّ ولا يزداد. وقد أَتَنَّهُ المرض: قَصَعه فلم يلحق إلخ. وسيف كهام ومُتَنَّن أي كليل ". ° المعنى المحوري هو: انضغاط الشيء علي نفسه فلا يمتد جرمه (١):

стр. 219

كالصبي الموصوف لا ينمو (أي لا يمتد) كأن قوة الشباب والنمو فيه قد ضُغطت؛ فلا تنطلق، ولا يبرز أثرُها. وكالسيف الكليل لا يبرز منه (أي لا يمتد) حدُّهُ الدقيق. ومن عدم الامتداد هذا: قولهم: "تَنَّ بالمكان: أَقام " (مفارقة المكان امتداد هنا وهنا)، وقولهم: "التِنُّ - بالكسر: الشخص والمثال (جامد لا ينمو)، والتِرْب " (نُظِر إلي عدم نموه عن تربه). ومن ذلك "التِنِّين: ضرب من الحيات (البحرية) من أعظها كأكبر ما يكون منها ....... " (فهو دائم الإقامة في البحر أو لأنه يَجْذب من يأخذه إلى عمق البحر ...). وقول ابن الأعرابي: "تنتن الرجل: إذا ترك أصدقاءه وصاحب غيرهم "يتأتّى من الأصل؛ حيث يمكن أن يستعمل الأَتْنان (جمع تِنّ بمعنى تِرْب) في الأصدقاء، وتتكفل صيغة المضاعف (تنتن) بالتعبير عن هذا بما فيها من تكرار. • (تين): ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ١, ٢]. "التين: ذاك الذي يؤكل/ شجر البُلُس وقيل هو البُلُس نفسُه. وأجناسه كثيرة برية وريفية، وسُهْلية وجبلية. وهو كثير بأرض العرب "اهـ. أقول وقد أخبرنا من نثق به أن أهل اليمن ما زالوا يسمون التين البُلُس. وتينهم هو ذاك الذي نسميه البرشومي. وفي ضوء ما تقدم في (تنن) نقول لعله لُحظ فيه طراءة لحمه الحلو مع بذوره الدقيقة الممتدة في أثناء اللحم، أي وجود أشياء دقيقة قوية في أثناء شيء رخو لطيف، وهذا ينطبق على أنواع التين بأجناسه التي نعرفها.

стр. 220

• (تنر): ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠]. "كُلُّ مَفْجَر ماء: تَنُّور - كسَفُّود. والتَنُّور أيضًا: الذي يُخْتَبَزُ فيه ". ° المعنى المحوري هو: امتلاء الجوف بشيء لطيف الجرم أو الحركة - ينفذ منه: كالماء وهو لطيف الجرم والحركة - في مَفْجَره، وكالنار - وهي لطيفة الجرم والحركة أيضًا - في جوف التنور. وكلاهما يخرج من جوف: فالماء من الأرض والنار في تجويف التنور أو منه، كما أن النار أصلًا كامنةٌ تُستخرج بالاقتداح. وفي آية التركيب وكذا ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فالمناسب للسياق والقصة الماءُ لا النار، كما قال تعالى في قصة نوح أيضًا: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]. والقول بأن التنور يطلق على تنوير الصبح له وجه من معنى التركيب - للُطف الضوء واسترساله - إن ثبت وروده عن العرب - لكن يبعد أن يكون هو المراد في آية التركيب؛ لأن الآية الأخرى تكاد تعيّن المراد، وبقرينة كلمة ﴿فار﴾. هذا وقد مر بنا قولهم: "كل مَفْجَرِ ماءٍ تَنُّورٌ ". وقد قالوا أيضًا: "تنانير الوادي: محافلُه. والتنّور أيضًا جبل عين الورد بالجزيرة "، قال في [تاج] "وهذا الجبل يجري نهرُ جيحان تحته "ففي هذه الاستعمالات ارتبط اللفظ بمواضع اجتماع الماء، مما يؤكد شيوع إطلاقه علي مَفْجَر الماء. كما أن التنور (نوع من الكوانين/ الذي يختبز فيه) معروف تمامًا عند العرب، وورد في الحديث الشريف: "في تنور أهلك "، ولعله الذي قصده ابن دريد بقوله: "لا تعرف له العرب اسمًا غير هذا " (١) فاللفظ كان معروفًا وشائعًا عند العرب بالمعنيين.

стр. 221

والصيغة التي ورد بها اللفظ معروفة أيضًا بل كثيرة مثل: سَبّورة، صَيُّور الأمر وصَيُّورته: عاقبته، وما بها دَيُّور: أحد، سَفُّود ... الخ، بل إن الصيغة شائعة عند العامة. أما ما قاله الأزهري من أن أصل بنائه "تنر "، ولا نعرفه في كلام العرب؛ لأنه مهمل، فقد قال ابن فارس والراغب في "تجر "إنه ليس في كلام العرب تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ اهـ. ولم ينف هذا عربيته. ثم إن إرجاع تنور إلى تنر ليس ضربة لازب؛ فقد قال ثعلب إن أصلها تَنْوُور، أي أنه من النار، وهذا متوجه (١). ونضيف للمسألة أن كلام اللغويين في ما هو من كلام العرب وما ليس من كلامهم ينبغي أن يؤخذ بحذر، لسعة اللغة وعظمتها، وقد قال الشافعي ﵁: إن كلام العرب لا يحيط به إلا نبي - قال ابن فارس: وهذا كلام حَرِيّ أن يكون صحيحًا. لقد وصف "المُنْجِد "التنّور بأنه تجويفة أسطوانية من فَخَّار تُجْعَل في الأرض ويُخْبَز فيها. وانطباق الأصل الذي ذكرناه علي هذا واضح. ومن الناحية الصوتية فإن "تن "تعبر عن لزوم جوف (أو ظرف) كقولهم: تَنَّ بالمكان: أقام، والراء تعبر عن استرسال ينطبق على الماء والنار. بعد كل هذا نقول عن يقين إن لفظ تنّور عربي، وإنه - كان بكل لسان كما قالوا - فإنما عَن العرب أو العربية الأُوَلى أُخذ. ولا أجد ما يمنع من القطع

стр. 222

بأن المراد به في الآية هو مفجر الماء - كما قال تعالى في قصة نوح ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]. ° معنى الفصل المعجمي (تن): الضغط على القوة الباطنية للشيء: كما يتمثل ذلك في الصبي الذي قصعه المرض في (تنن)، وفي رخاوة التين في (تين). التاء والهاء وما يثلثهما • (تهته): "التهاته: الأباطيل. تُهْتِهَ في الباطل - للمفعول: رُدِّدَ فيه ". ° المعنى المحوري هو: باطل يَغْمُر فيُتَرَدَّد فيه (١): كما يؤخذ مما ذكر. وأما التهتهة التي هي التواء في اللسان مثل اللكنة فهي كلمة حكائية. • (تيه/ توه): ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]. "تاه في الأرض تَوْها وتَيْها: ذَهَبَ مُتَحيرا/ ضَلّ. وتاهت به سفينته. والتِيه - بالكسر: المفازة يُتَاه فيها. والتَيْهاء - بالفتح: الأرض المَضِلّة الواسعة التي لا أعلام فيها ولا جبال ولا آكام ". ° المعنى المحوري هو: التحير في فضاء أو فراغ لا معالم فيه: كالذي يتيه في

стр. 223

مفازة لا أعلام فيها، أو في بحر ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. ومنه: "التِيه: الهلاك "؛ إذ هذه عاقبة من يتيه في مفازة. فهذا معنى لزومي. وأما "التِيه: الصَلَف والكِبْر "فمن ذلك الفراغ، لأن "الصَلَف هو التمدح بما ليس عندك ""سحاب صَلِف: كثير الرَعْد قليل الماء " [ق]؛ فهو راجع إلى معنى الفراغ. ° معنى الفصل المعجمي (ته): الفراغ وما هو من جنسه كالباطل كما في التهاته: الأباطيل - في (تهه)، وكما في التيه: المفازة يتاه فيها - في (تيه).

стр. 224

باب الثاء التراكيب الثائية • (أثث): ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. "شَعَرٌ أَثِيث: غزير طويل. ولِحْية أَثّة: كَثّة أثيثة. أَثَّ النباتُ أَثَاثة: كَثُر والتفّ. ونبات أثيثٌ: مُلْتَفّ. وأثّت المرأة: عَظُمت عَجيزتُها. وامرأة أثيثة (=: أثيرة وثيرة كثيرة اللحم. الأثاثُ .... الكثير من المال/ المالُ كله الإبل والغنم والعبيد والمتاع/ ما كان من لباس أو حشو لفراش أو دثار ". ° المعنى المحوري هو: تجمع الدقاق اللطيفة بكثافة في شيء أو حوله فتكوّن طبقة لينة: كالشّعر، والنبات الكثير الملتف، والمال الكثير، واللحم المجتمع. والأثاث - بمعانيه - أشياء كثيرة: مال أو متاع فيها رخاوة حسية أو معنوية لصاحبها: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]. • (ثوى): ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]. "الثَاية: أن تُجمَع شجرتان أو ثلاثٌ فيُلْقَي عليها ثوبٌ فيُسْتَظلّ به. والثَوِيّة والثاوَة والثاية: مأوَى الغنم والبقر. والثاية: مأوى الإبل ". ° المعنى المحوري هو: لمّ المنتشر المتفرق وجمعه في ما يؤويه: كتلك الثاية

стр. 225

والمأوى. ومنه: "ثَوَى بالمكان (رمى): نَزَل فيه " (السعي والانتقال والسفر: انتشار): ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥]. والمَثْوَى صيغة تصلح للمصدر الميمي من "ثوى "ولاسم الزمان والمكان ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١] أي ثواءه. وفي [قر ٩/ ١٠٩] أي منزله ومُقامه بطيب المطعم واللباس الحسن (فهو يقصد المصدر أيضًا). ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] وهذا اسم لمكان ثوائهم، والعياذ بالله منها. وسائر ما في القرآن من التركيب هو (مثوى) بمعنى مكان الثواء والإقامة (جهنم) للكفار حسب السياق، وسائره للمصدر. والثَوِيّ - كغَنِيّ: البيت المُهَيّأ للضيف (يضمه ويثوِي فيه بعد سفره). وثُوِيَ الرجلُ: قُبِر - للمفعول فيهما. والثُوَى - كهُدَي: قماشُ البيت (أمتعة متفرقة لازمة للثَوَاء). الثاء والباء وما يثلثهما • (ثبب - ثبثب): الثَباب - كسَحاب: الجلوس، ثَبَّ وثَبْثَبَ: جَلَس جلوسًا متمكنًا. ° المعنى المحوري هو: استقرار الشخص علي الأرض متجمعًا بعد انتشار ما (١): كالجلوس عن قيام أو سعي.

стр. 226

• (ثبو): ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]. "الثُبة - بضم ففتح: وَسَطُ الحوض حيث يتجمع الماء، والجماعة من الناس كالأُثْبِيّة - كأُثْفِيّة. وجاءت الخيل ثُبَاتٍ: أي قطعة بعد قطعة ". ° المعنى المحوري هو: تجمع المتفرق تجمعًا جزئيًّا هنا وهنا أو مرة بعد أخرى: كتجمع الماء في الحوض مرة بعد أخرى، وتجمع الناس فِرَقًا. ومنه: الثُبَة: العُصبة من الفرسان: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: ٧١] أي فِرقة فِرقة وعُصْبة عُصبة. ومنه يقال: "ثبَّيْت الشيء - ض: جمعته ثُبة ثُبَة، والمالَ: حفظته، والرجلَ: مدحته وأثنيت عليه في حياته .. (جمعت محاسن شتى أضفتها إليه وعظّمته بها). ومنه كذلك: "ثَبَّيْت على الشيء - ض: دُمْت عليه. والتثبية: أن تفعل مثلَ فعل أبيك وتلزم طريقَه (المداومة على الشيء تكرارٌ وكثرة تتجمع). ويقال: "ثَبِّ معروفك: أَتِمَّهُ وزِدْ عليه " (ضُمَّ إليه). وفي الجمع تعظيم

стр. 227

الجرم، ومنه تعظيم القدر، وعليه: (يُثَبُّون أرحامًا) - ض: يعظمونها ". • (ثوب): ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]. "مَثَابُ البئر: وَسَطها. وبئر ذات ثَيِّب - كسيّد: إذا استُقِي منها عاد مكانَه ماءٌ آخر. وثائب البحر: ماؤه إذا فاض بعد جزر. ثاب الماء: اجتمع في الحوض. والثَوب - بالفتح: اللباس. وأَثَبْتُ الثوب: كَفَفْتُ مخَايطه. وثاب إلى العليل جسمه: إذا حَسُنت حاله بعد نُحوله ورَجَعت إليه صحته. ثاب الرجلُ: رجع بعد ذهابه، والناسُ: اجتمعوا ". ° المعنى المحوري هو: رجوع الشيء المتفرق الذاهب وتجمُّعه في نفس مكانه ثانية - كمثاب البئر يتجمع فيه الماء بعد ذهابه، والثوب خيوط تتجمع (الثوب عندهم هو لفة النسيج = التوب عند القمّاشين). وكالمريض الذي شُفي يجتمع ويربو بعد نحوله. وكفُّ المخايط طَيٌّ وثَنْى للمنبسط أي ردّ وجَمْع. فمن المادي: "الثياب التي تلبس ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. ومثلها من حيث هي ثيات تلبس كل (ثياب) في القرآن حتى ما في [الحج: ١٩]، والمَثَابة: الموضع الذي يُثاب إليه أي يُرْجَع مرة بعد أخرى ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]. ثوّب الداعي - ض: عاد (فدعا) مرة أخرى، والثيّب من النساء - كسيد: التي كانت ذات زوج ثم فارقته بموت أو طلاق ثم رجعت إلى النكاح (أو إلى أبيها) ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥].

стр. 228

ومما هو صالح للمادي والمعنوي: "الثَواب: جزاء الطاعة، وكذلك المثوبة (لأن العمل ذهب وهذا عائِد مقابل له. كما يقال الآن: عائد العمل كذا. هذا أصله، ثم غلب في ثواب العمل الصالح): ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ ...﴾ [المائدة: ٨٥] , ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣]. المثوبة (هنا) الجزاء والأجر علي الإيمان والتقوى بأنواع الإحسان [بحر ١/ ٤٨٧، ٥٠٤] ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٠] أي مرجوعا إليه في الحشر [بحر ٣/ ٥٢٨] والكلمة مصدر. ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦]، (هذا على الأصل: هل وجدوا عائد إجرامهم) وكل ما في القرآن من التركيب - عدا (ثياب) و (مثابة) و (ثيبات) هو من الثواب بالمعنى الذي ذكرناه. • (ثبت): ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]. "الثِبات - ككتاب: سَيْر يُشَدّ به الرَحْل. يقال للجراد إذا رَزَّ أذنابه ليبيض: ثَبَتَ، وأَثْبَتَ، وثَبَّت - ض. وأثبَتَ فيه الرمحَ: أَنْفَذَه. وثَبَتَ الرجلُ في المكان: أقام به ". ° المعنى المحوري هو: متانة ارتباط الشيء (المتنقّل) بما لُزّ به أو قام عليه لا يتحلحل: كما يرسخ الرحْل على ظهر الجمل بالثِبات. ومنه الثبوت في المكان رسوخًا حقيقيًّا: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] بحَبْس او إيثاق ونحوه "أُثْبِتَ - للمفعول: اشتدت به علة أو جراحة لا يتحرك أو يقوم معها "، و "ثَبْت المقام: لا يبرح ". ومنه عدم التحلحل في مواجهة العدو قتالًا: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال:

стр. 229

٤٥] ومثلها ما في [البقرة: ٢٥٠، آل عمران: ١٤٧، الأنفال: ١١، ١٢، محمد ٧]. واستعمل في الثبات النفسي وما هو من بابه: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] بمعنى تسكين القلب - ونظيره: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠ ومثلها ما في هود ١٢٠، الإسراء ٧٤، وربما إبراهيم ٢٧، النحل ١٠٢]، ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥] ثباتًا أو تثبُّتًا ومثلها [ما في النساء: ٦٦، النحل: ٩٤]. والقول الثابت في ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] هو لا إله إلا الله محمد رسول الله في الدنيا وفي سؤال القبر [قر ٩/ ٣٦٢ - ٣٦٣] ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] استظهر [قر: ٩/ ٣٢٩] أن تكون الآية عامة في جميع الأشياء: أي السعادة والشقاوة والأجل والرزق الخ فانظره. ومن صور الثبات المعنويّ: "رجل ثبيت: ثابت العقل، والثبَت - محركة: الحجة والبينة " (تُثَبَّتُ الأمرَ) "وثبّته عن الأمر - ض: ثبّطه ". • (ثبر): ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]. "ثَبَر البَحْرُ: جزر. وربما قيل لمجلس الرجل: مَثْبِر. الثَبْرة: حجارة بيض تقوّم ويبني بها. الثَبْرة: الحفرة في الأرض/ النُقْرة تكون في الجبل تمسك الماء يصفو فيها كالصهريج، إذا دخلها الماء خرج فيها من غثائه وصفا. الثَبْرة: تراب شبيه بالنُورَة (: الحجر المحترق الذي يُسَوَّى منه الكِلْسِ) يكون بين ظهري الأرض فإذا بلغ عرقُ النخلة إليه وقف ". ° المعنى المحوري هو: تجمع الشيء انقباضًا أو تقبُّضًا وعدمَ انتشار: كجَزْر ماء البحر بعد المدّ، وكالجلوس، وكما تتماسك كل من كتل الثبرة التي يُبْنَى بها.

стр. 230

وكما يجتمع غثاء الماء في النقرة بعد انتشاره في الماء. وكوقوف عِرْق النخلة لا يمتد. ومنه: المَثْبِر: مَسْقَط الولد (أي مستقرُّه علي الأرض بعد أن كانت أمه تجول به في بطنها)، وموضعُ نَحْر الناقة (انتهت حياتها عنده لا تجول). ومن الانقباض وعدم الانتشار أُخِذ معنى الحَبْس: "ثَبَره: حبسه ". ومن هذا: "المُثابرة على الأمر: المُواظبة عليه " (العكوف عليه وملازمته). وكذلك: "ثَبَرْتُه عن الشيء: رَدَدْته عنه "، و "ما ثَبَرك عن هذا؟ أي ما منعك منه وما صرفك "، "ما ثَبَر الناسَ؟ أي ما الذي صدَّهم ومَنَعهم من طاعة الله "، كل ذلك من الحبس، لكن المثابرة من الحبس أو الاحتباس (عَلَى)، والمنع من الحبس (عَنْ). أما قولهم: "تثابرت الرجال في الحرب: تواثبت "فمن التجمع، كأن المعنى: ركب بعضهم بعضًا في المغالبة. وقولهم: "ثَبِرت القُرحة أي انفتحت "هو من المعنى المحوري، على صيغة فَعِل، وهي هنا للمطاوعة بمعنى المفعولية، كأن تأويلها: أُنْهِيَ أمرها. وقوله تعالى على لسان سيدنا موسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] فُسَّر في [طب التركي ١٥/ ١٠٨ - ١١١] بـ: ملعونا، مغلوبا، هالكًا، مبدِّلا مغيِّرًا، مخبولا لا عقل له. واختار طب التفسير الأول، لكنه أضاف إليه فقال: ملعونا ممنوعا من الخير. فإن كان قصد بقوله "ملعونًا "المعنى اللغوي للعن، وهو الإبعاد، والمقصود الإبعاد من الخير مثل المنع من الخير، فهذا يتأتى من معنى الحبس، ويصح أن يوجِّه موسي معناه إلي فرعون مع التلطف عملًا بقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] واتساقًا مع ما حكاه سبحانه عنه وعن أخيه ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥]. فيكون المعنى أنا

стр. 231

جئت بخير أخشى أن تحرم منه. وأما تفسير "مثبورًا "بـ "مغلوبًا "أو "مبدَّلا مغيرًا "، فلا أصل له في اللغة. وتفسيرها بـ "لا عقل له "وبـ "هالكًا "قد يتأتيان من "ثبرت القُرحة "لكن لم يرد عن العرب استعمالُها في عدم العقل، ولا يتأتى مواجهة فرعون بأنه لا عقل له أو بأنه هالك، أي بأن الله تعالى سيهلكله بعذاب، أو نقمة، تنصبّ عليه في الدنيا. وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ٢٥, وكذلك ما في "الانشقاق "١١]: فُسِّرت بالهلاك. فإن كان بمعنى الفناء فإنه - وإن تأتي من "ثبرت القرحة "- فلا يتأتى من السياق، فهم يتمنون الفناء ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فالمقصود أنهم يضجون ويتوجعون من الحبس على العذاب، أي الدوام على حال العذاب الذي هم فيه، ولذا جاء بعد الآية ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] والثبور مصدر، والمصادر لا تجمع، وإنما يعبَّر عن معنى الجمع بالوصف "كما يقال: قعدت قعودًا طويلًا، وضربته ضربًا كثيرًا "فكأن المعنى: ادْعُوا بالثبور دعاء كثيرًا، لأن حبسكم على العذاب سيدوم. ينظر [ل]. • (ثبط): ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]. "امرأة ثَبِطة - كفرحة: ثقيلة بطيئة. ثَبِطت شَفَةُ الإنسان: وَرِمَت. أثبطه المرض: لم يكد يفارقه ". ° المعنى المحوري هو: ثِقَل الشيء - في مكانه بحيث لا يكاد يفارقه: كالمرأة والمريض المذكورين. وورم الشفة غلظ يلزمه الثقل. ومنه قالوا: ثَبَطْتُ الرجلَ - مخففة: حَبَسْته. وثبّطه عن الشيء - مخففة ومضعفة: رَيَّثَه وثبّته. ومنه ما في آية التركيب.

стр. 232

° معنى الفصل المعجمي (ثب): التجمع بعد انتشار أو نحوه كما يتمثل في الجلوس المتمكن - في (ثبب)، وفي تجمع الماء بعد نزحه - في (ثبو)، وتجمع الخيوط في النسيج (الثوب) - في (ثوب)، وفي كتلة الشيء الذي يثبت - في (ثبت)، أو يَثْقُل - في (ثبط)، والذي يحتبس في (ثبر). الثاء والجيم وما يثلثهما • (ثجج): ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]. "عَين ثَجُوج: غزيرة الماء. واكتظّ الوادي بثَجِيجِه: امتلأَ بسيله. ومطر ثَجَّاج - كشداد: شديدُ الانصباب جدًّا. ثجّ الماءَ ونحوه: صبّه كثيرًا. وحَلَبَ ثَجًّا: أي لبنًا سائلًا كثيرًا ". ° المعنى المحوري هو: غزارة المائع الناشئ أو الخارج حتى يتجمع منه قدر كثيف (١): كالماء واللبن المذكورين. ومنه: الثَجُّ: سفك دماء البُدْن وغيرها في الحج "بكثرة ". فالماء الثجّاج في آية التركيب هو "المنصبّ بكثرة " [بحر]. الثاء والخاء وما يثلثهما • (ثخخ): "ثَخَّ الطينُ والعجين: إذا أُكْثِرَ ماؤهما ".

стр. 233

° المعنى المحوري هو: رخاوة الجرم الكثيف من كثرة الماء في أثنائه (١): كالطين والعجين إذا أكثر ماؤهما. • (ثخن): ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]. "ثوبٌ ثَخين: جَيّدُ النَسْج والسَدَى كثيرُ اللُحْمة. ثَخُن الشيء ... ثَخَانة وثُخُونة: كثُفَ وغلُظ. واستَثْخَنَ الرجلُ: ثَقُل من نوم أو إعياء ". ° المعنى المحوري هو: كثافة الشيء وغِلَظُ سَمْكه - مع رخاوة تتخلل أثناءه. ويلزم هذا الثقلُ. ومنه الثَخَنة - محركة: الثِقَل. وأَثْخَنَه: أثقله بإيثاق أو جَرح يمنع الحركة، أو غَلَبٍ وقَهْرٍ يُعْجِزه عن النكاية: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] أي بعد أن يصبح العدو عاجزًا عن القتال يكون الأسر - أو لا يكونُ أَسرٌ حتي يقوم أمر النبي ﷺ ويعظُم ويتمكن [انظر قر ٨/ ٤٥ وما بعدها]. ° معنى الفصل المعجمي (ثخ): التجمع مع رخاوة أو تخلخل كما في العجين الذي أكثر ماؤه في (ثخخ)، وكثافة النسيج في (ثخن).

стр. 234

الثاء والراء وما يثلثهما • (ثرر - ثرثر): "عين ثرَّة وثَرّارة وثَرْثارة - بالفتح فيهن: غزيرةُ الماء. وسحاب ثَرٌّ: كثيرُ الماء. ومطر ثَرٌّ: واسع القَطْر مُتَدَاركهُ. وعَيْنٌ ثَرَّةٌ: كثيرةُ الدموع، وطعنةٌ ثَرَّة: كثيرة الدم، وشاة ثَرَّة وثَرُور: واسعةُ الإحليل ". ° المعنى المحوري هو: غزارة المائع المنبثق أو الخارج من شيء (١): كالماء والدمع والدم واللبن في ما ذكر. ومنه "ثَرَّ الشيءَ من يده (رد): بدَّده ". ولذا جاءت "ثرثر: تكلم في تخليط، فهو ثَرثار - بالفتح - مهذار " (كثير الكلام. والكلام لطيف الجرم كالمائع). • (ثرى): ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٦] "الثَرَى - كالفتى: الترابُ النَدِيّ، وقد ثَرِيت الأرض (كَرِضيَ): نَدِيَتْ

стр. 235

ولانت بَعْد الجُدُوبة واليُبْس. وقد ثرى التُربة - ض: بَلّها، والأَقِطَ: صَبَّ عليه الماءَ ثم لتّه، والمكانَ: رَشَّه [ق]. وقد بَدا ثَرَى الماء من الفَرس - وذلك حين يَنْدَى من العَرَق. وبقال الْتَقَى الثَرَيان: إذا رَسَخ المطرُ في الأرض حتى الْتَقَى ونَدَاها ". ° المعنى المحوري هو: تخلُّل الندى - ونحوه - أثناءَ جِرم باسترسال: كالماء في أثناء تراب الثَري النَدِيّ كالذي في آية التركيب. ولَبِس أعرابيٌّ فروة عرْيانًا فقال: التقى الثريان، يقصد: الصوفَ وشعرَ بدنه. • (ثور): ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]. "الثَوْر - بالفتح: الطُحْلَب، وقد ثار الطُحْلَب، ثارَ الماءُ: (ظهرت كدورته) وقد ثوّرت كُدُورته. وثار الغبار والدخان: سَطَع. وثارَت الحَصْبة به: انتشرت. وثار بالمحموم الثَوْر، وهو ما يخرج بفيه من البَثْر ". ° المعنى المحوري هو: انتشار (حادٍّ) كامنٍ في عُمْق الشيء إلى حيث يُريَ في ظاهره: كالطُحلَب النافذ على وجه الماء الراكد في بئر أو حوض، يكوّن طبقة خضراء أعلاه. وكالطين خلالَ الماء المكدَّر. وكالغُبارِ والدخان النافذ من الأرض والساطع في الأفق. وكحُبوب الحَصْبة والحُمّى طافحةً من باطن الجسم إلى ظاهره. وحدّة ذلك كله أنه يشوب الصفاء. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤] النقع: الغبار ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]: أي بتقليبها (فيخرج ما بباطنها إلى ظاهرها. والمقصود حرث الأرض بالمحراث). ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] (المقصود قلبوها للزرع واسخراج خباياها) ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨, فاطر: ٩] الرياح تَهِيج أبخرة الماء وتجمعها من هنا وهنا فتصير سحابًا. ومن مَادِّيِّ الأصل:

стр. 236

"ثار القطا من مَجْثَمِه، والجرادُ: انتشر. والثَوْر: حُمْرة الشفق الثائرة فيه. والثَوْرُ: البياض الذي في الظفر (يخرج من تحت الجلد مساحة عريضة). وثَوْر البقر "أغلظ مظهرًا من الإناث وأضخم وفيه عنف وحِدّة. وجعله الراغب [المفردات] والزجّاج [المزهر ١/ ٢٠٦] من إثارته الأرضَ. وهو جائز. • (أثر): ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]. "الأثر - محركة: بقيّة الشيء، وما بَقِي من رَسْم الشيء. وسَمِنت الإبلُ على أَثارةٍ أي عَتِيقِ شَحْمٍ كان قبلَ ذلك. والأُثْر - بالضم والكسر: خُلَاصة السمن إذا سُلِئَ. وأُثْر السيف - بالضم: جُرْحه. والأُثْرة - بالضم أيضًا: أن يُسحَى باطنُ خُفّ البعير بحديدة ليُقَصَّ أَثَرُه. أَثَرَ خُفَّ البعير: حَزَّه. (وذلك الحزّ أثَرٌ). ° المعنى المحوري هو: بقيةٌ (أو علامة) تبقى من جرم الشيء ثابتة تَخْلُفه: كالبقية من الشيء، وبقية الشحم الذي ذاب. وكخُلاصة السمن التي انفصلت من الثُفْل إلخ. ومنه أثر السجود في الجبهة: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ومن أثر القَدَم وما إليه: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦]. حسب المسير المأثور، وفيه هنا غرائب. [ينظر بحر ٦/ ٢٥٥، آلوسي ١٦/ ٢٥٤] وأرجح أن السامريّ مجرد ساحر خبيث، وألفاظ القصة تتيحه. ومنه جاءت عدة تعبيرات ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، (رجعا متتبعين آثار سيرهما)، ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤]، (كناية عن أنهم آتون خلفه). ثم عُبّر بها عن المجيء بَعْدُ: زمنًا ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى﴾ [المائدة: ٤٦, ومثلها ما في الحديد: ٢٧] , أو اقتداءً بسابقين فهم خلفهم: ﴿فَهُمْ عَلَى

стр. 237

آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠، وكذا ما في الزخرف: ٢٢، ٢٣] وكذا عن الموقف عند تولي مُعْرِضٍ أي خلفه ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠] (النعم الملموسة الباقية). ومن ذلك أو من الأَثَر: البقية من الشيء: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر: ٢١, وكذا ما في ٨٢]. ومنه ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] أي بقية منه تُؤْثر، أي تُرْوَى وتذكر [ل]. ومن ذلك المعنى المحوري: أَثَرْتُ الحديث عن القوم: حدّثت به عنهم (أخذته منهم وبقي معي)، وأَثَر عنه الكذب: رواه وحكاه: ﴿سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] يحكي عن سابقين. واستأثر بالشيء: خصّ به نفسه واستبدّ به (أخذه واستبقاه لنفسه)، "واستأثر الله بفلان ": إذا مات وهو ممن يرجي له الجنة (تَقَبّله إلى جواره الأكرم). وآثرتك: فضّلتك [التهذيب ١٥/ ١٢٢٢] (استبقيتك أي تمسكت بك وحدك): ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١] فضَّلك (أي بكل ما صار إليه) [ينظر قر ٩/ ٢٥٧] ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: ٣٨] فضلها أي تمسك بها واستبقاها [وكذا ما في الأعلى: ١٦، طه: ٧٢] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] (أي يفضلون غيرهم مستبْقين له الخير) وينظر [قر ١٨/ ٢٦ - ٢٩]. • (ثرب): ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]. "الثَرْب - بالفتح: شحم دقيق يغشى الكَرِشَ والأمعاء مبسوط عليهما. والثَرْب كذلك: أرض حجارتها كحجارة الحَرَّة إلا أنها بيض ".

стр. 238

° المعنى المحوري هو: لصوق طبقة دقيقة على ظاهر الشيء حادّة الوقع على الحسّ: كالشحم الموصوف، وكحجارة الأرض الموصوفة عليها. ومن ذلك: "التثريب: التأنيب والاستقصاء في اللوم والمعايرة بالذنب "وذكره (كأن اللائم يعرو الملوم بطبقة مستبقحة يلصقها به وذلك بذكر ذنوبه وما فعله): ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. ومنه: "المُثَرِّب - فاعل من ض: المَخَلِّطُ المفسد ". ومن المعنى المذكور: "يثرب ": اسم قديم لمدينة الرسول ﷺ ربما لأنها أرض زرع وخير، كما قالوا من الثرب: أثرب الكبشُ: زاد شحمه، وشاة ثَرْباء: سمينة، أو لأنها كانت أوبأ أَرْض اللهِ من الحُمَّى ثم صرف الله وباءها بدعاء النبي ﷺ [السيرة لابن هشام مجلد ١ ص ٥٨٨] ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣]؛ ولذا غيّر النبي ﷺ اسمها إلى طابة أو طِيبة، زادها الله طِيبًا، وصلى وسلم وبارك على من طابت بهجرته إليها. ° معنى الفصل المعجمي (ثر): نفاذ ما هو من جنس المائع غزيرًا أو منتشرًا كما في العين الثرارة - في (ثرر)، والندي بين التراب - في (ثري)، والطحلب والكدورة - في (ثور)، والبقية (اللطيفة) التي تبقى من الشيء - في (أثر)، وطبقة الشحم الرخوة - في (ثرب). الثاء والعين وما يثلثهما • (ثعع - ثعثع): "الثَعْثَع - بالفتح: اللُؤْلُؤ. ثَعَّ: قاءَ ". ° المعنى المحوري هو: خُروج ما تجمع (من دِقاق في باطن) كتلة ملتحمة

стр. 239

الجرم رخوة (١): كاللؤلؤ يتجمع شيئًا فشيئًا في صَدَفِهِ ويخرج، والطعام وغيره يتجمع في البطن وبالقيء يخرج. • (ثعب): ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧]. "الثعبان - بالضم: الحية الضخمة الطويلة الذَكَر - وقيل: كل حية ثعبان. وجَرَى فمُه ثَعابيب وهو أن يجري منه ماءٌ صافٍ فيه تمدُّد. وماء ثَعْب - بالفتح وبالتحريك، وأُثْعوب وأُثْعُبان - بالضم فيهما: سَائل. وكذلك الدَمُ. وجُرْحه يَثْعَب دمًا: يَجْرِي. وثَعَبَ الماءَ والدمَ ونحوهما: فَجَّره فانثعب كما ينثعب الدم من الأَنْف. وانثعب الماءُ: جَرَى في المَثْعَب (وهو ثقب ينفذ منه ماء الحوض والمطر) ". ° المعنى المحوري هو: خروج المائع أو شبهه متصلًا أو ممتدًّا متماسكًا من ثُقْب أو شبهه أو على هذه الهيئة: كالماء من المَثْعب، والدم من الجُرْح والأنف، والرُوالة من الفم. والثعبان سُمي كذلك لهيئة خلقته كأنه طُبع خارجًا من ثُقْب

стр. 240

وكذلك هيئة جريه، أو لنفثه السُم أو لخروجه من ثُقبه ممتدًّا وقد أطلقوا على الفأر وسامِّ أَبْرَصَ ونوع من الوزغ: الثُعْبة - بالضم، وهي كلّها تخرج من الثقوب والشقوق. وزادوا في اسمه عنها لزيادة جرمه. وقد عرض الزمخشري - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠] لتشبيه عصا موسي مرة بالحية، وأخرى بالجانّ، وثالثة بالثعبان فقال: إن الحية اسم جنس يشمل الذكر والأنثى والصغير والكبير، في حين أن بين الثعبان والجان تنافيا: فالثعبان: العظيم من الحيات، والجانّ: الدقيق منهما. ثم وجّه جمعهما في التشبيه بأمرين: الأول أنها تبدأ دقيقة كالجان ثم تتورم وتعظم كالثعبان، والثاني أنها في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان. وهو كلام جيد. وأضيفُ أن ما قارن كل اسم في آيته يشير إلى شيء من هذا: فمع الثعبان - وقد وُصِفَ بالعِظَم - ذُكِرَ لَفْظ "مبين " ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧، والشعراء: ٣٢]، فالعِظَمُ أحدُ أسباب الوضوح والظهور. ومع الجانّ ذُكر الاهتزاز - الذي هو لازم خفة الحركة - ومع "الحية "ذُكر السعي أي الجري، وهو حركة مطردة من أهم مظاهر الحياة. ° معنى الفصل المعجمي (ثع): خروج مادة رخوة ملتحمة كاللؤلؤ والقيء - في (ثعع)، وكالرُوالة التي تسيل من الفم - في (ثعب). الثاء والقاف وما يثلثهما • (ثقق - ثقثق): "ثقثق: تكلم بكلام الحماقة ".

стр. 241

° المعنى المحوري لهذا التركيب هو: خروج كلام فِجٍّ غليظ يوحي بثقل الذهن (١): ككلام الحماقة، وهو ثقيل غليظ يكشف عن غلظ فهم. • (وثق): ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢]. "أرض وَثيقة: كثيرة العشب. وكَلأٌ مُوثِق - بالضم مع كسر الثاء: كثير مَوْثُوقٌ به أن يكفي أهله عامهم. وماءُ مُوثِق كذلك. والشَجَرُ المُوثِق: الذي يُعَوّلُ الناس عليه إذا انقطع الكلأ والشجر. وناقة وَثيقة الخَلْق ومُوَثَّقَة الخَلْق - كمعظمة: مُحْكَمة ". ° المعنى المحوري هو: بقاء الشيء إلى الأمد المرجوّ، لكثافته واشتداد بعضه إلى بعض: كالكلأ الذي يكفي العام لكثافته، وكالماء والشجر الموصوفين

стр. 242

وكالناقة الوثيقة الشديدة تماسك الأعضاء. ومما في المعنى المحوري من اشتداد الشيء بعضه إلى بعض استُعمل التركيب في الربط والارتباط وما هو من باب الشدّ والإمساك. ومن هذا: "الوِثاق - ككتاب وسحاب: حبل أو قيد يُشد (يربط) به الأسير والدابة: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]، ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦]. ومن هذا: وثُق الشيء (كرم): صار وثيقًا (شديدًا متماسكًا) مُحكَمًا. وأوثق الشيء و "وثّقه - ض. ومن المعنوي: "المَوْثِق - بالفتح، والميثاق: العَهد (رباط). والمواثقة: المعاهدة: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: ٧]. وأَخْذ الميثاق: أي شدُّه بعقد وعهد: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣]، ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]. و ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]: الشديدة الإحكام (التي لا يسقط ولا ينقطع من استمسك بها). ومنه "وَثِق به (كفرح): ائتمنه " (ثبت في قلبه اتصافه بالأمانة). وليس في القرآن من التركيب إلا (الوثاق) القيد، والإيثاق (الشد بحبل ونحوه) والعروة (الوثقى). وما عدا ذلك فهو الموثق والميثاق بمعنى العهد وهو شدٌّ ورباط معنوي. • (ثقب): ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. "الثَقْب - بالفتح: الخَرْق النافذ. دُرٌّ مُثَقَّب - كمعظم: مثقوب. ثَقَب الشيءَ (: خرقه) وتثقب الجِلدُ: ثَقَّبَه الحَلَم (= القُرادُ). (وثقَّبْنَ الوصاوص) (ج) وَصْوَص، وهو ثُقْب في الستر وغيره على مقدار العين يُنْظَر منه. وثَقَبَت النارُ

стр. 243

(قعد): اتّقدَت. وثَقَب الزَنْد: إذا سقطت الشرارة. وزَنْد ثاقب: إذا قُدِح ظهرت نارُه. وثَقَبَت الرائحة: سطعت وهاجت ". ° المعنى المحوري هو: اختراقٌ دقيقٌ لعمق شيء متين: كثَقْب الدُرِّ والجلْد والسِتْر. ومن ذلك الاختراق استعمل في نفاذ اللبن من مصدره "الثقيب من الإبل: الغزيرة اللبن " (كأنه لا حاجز له)، وفي نفاذ النار من مصدرها لأنهم كانوا يعتقدون أنها كامنة فيه "ثَقَب الزَندُ: سَقَطَت الشرارة (منه) (الزند كان عودًا من شجر معين يحكّونه فيتولد الرر منه وبذا يحصلون على النار) وزَنْد ثاقب: إذا قُدِح (: حُكَّ) ظَهرتْ ناره ". كما استُعمل التركيب في نفاذ الرائحة: "ثقبت الرائحة: سطعت وهاجت "، وفي نفاذ الضوء "نجم ثاقب: مضيء " (ضوءه يخترق الأفق): ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣]. وقد ثَقَب ثُقوبًا: أضاء: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] (من ثقوب الضوء أو ثقوب ناره فيُحرقه). ومن ثقوب النار - خروجها من الزند بالقَدْح -: "الثِقَاب - ككتاب، والثَقُوب: ما أَثْقبْتَ النارَ به وأشعلتها به من حُرَاق وبَعَر [الأساس] ودِقاق العيدان. (تُساعد كأنها آلة). والثقيب والثقيبة: الشديدُ الحمرة من الرجال والنساء (يبدو الدم من وجهه يكاد ينفذ منه أو كأنه مفعم الباطن بالدم). ومن معنوى ذلك: "رجل مِثْقبٌ: نافذ الرأي، وأُثقوبٌ: دَخّال في الأمور ". • (ثقف): ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]. "الثِقاف - ككتاب: حديدة أو خَشَبة تكون مع القوّاس والرمّاح قدرُ ذراع

стр. 244

في طرفها خَرْق يتسع للقوس تُدْخَل فيه ويغمز منها حيث ينبغي أن يُغْمز حتى تصيرَ إلى ما يراد. خَلٌّ ثقيف - كأمير وسِكِّيت: حامض جدًّا ". ° المعنى المحوري هو: تمكّنٌ يُبْلَغُ به أتقنُ أحوال الشيء وأحكمها: كالخل الموصوف لإحكام تعتيقه، واستقامة الرمح والقوس على ما يراد منهما بتحكم الثِقَاف فيهما (تثقيف الرماح ونحوها بالثقاف الموصوف يسميه حدّادو المسلح: التقنيس). ومنه: ثقُف - ككرم وفرح: صار حاذقًا خفيفًا فَطِنًا. ومن تمكن ما يحيط بالشيء منه أشد التمكن: ثَقِفَه: ظَفِرَ به أو أدركه: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة: ٢]، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١]. وسائر ما في القرآن من التركيب هو بمعنى التمكن التام من الشيء. • (ثقل): ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦، ٧]. "الثقل - كعنب: نقيضُ الخِفّة/ رجحان الثقيل. الثِقْل - بالكسر: الحِمْل الثقيل. مِثْقال الشيء: ما آذَن وزنَه فثقُل ثِقَله ". ° المعنى المحوري هو: انجذاب الشيء المحمول إلى الأرض أو إلى أسفل (بقدر وزن مادته): كما هو شائع في استعمال التركيب. واستعملت مفردات التركيب في القرآن لعدة مستويات من الثقل: منها الثقل المادي المعتاد ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]، وثقل الموازين (وإن كانت الكيفية غير معروفة) ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢]، (أي بالأعمال الصالحة لأنها التي طولبنا بها) ومثلها ما في [الأعراف: ٨، القارعة: ٦].

стр. 245

وفي قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] قال الفرّاء: لَفَظت ما (كان مدفونًا) فيها من ذهب أو فضة أو ميت [ل] (المندفن في الأرض كأنها جذبته) ومن ذلك قول الخنساء: (حَلّت به الأرضُ أثقالَها) أي زينت موتاها به. ومن ذلك ثقل الحامل: "أثقلت المرأة: ثقُلتْ واستبان حملها "أي صار حَمْلها ثقيلًا: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] (كبِر الجنينُ في بطنها فصار ثقيلًا وقرُب وقت ولادته)، وثقل السحاب بمعنى امتلائه بالماء ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]: المْلأَى بالماء، ومثلها ما في [الأعراف: ٥٧]، وثقل بدنيّ لعجز أو نحوه ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، وثقل نفسي من الغرم المالي ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠, القلم: ٤٦] أو من فقد الحماس للجهاد ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. ثم ثقل حمل الأوزار والذنوب ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣، ومثلها ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ في [فاطر: ١٨]. أما ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] (فمعناه: زاخرًا بالتشريعات والأحكام والعلوم والإشارات والمعاني العامة) (١) ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]. أرجع ابن فارس [المقاييس ١/ ٣٨٢] هذه التسمية إلى كثرة العدد، وأغفل

стр. 246

الراغب تفسير الآية. والأقرب إلى القبول قول قر "والثقلان الجن والإنس سُميا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف ". ويمكن أيضًا أن يضاف أن الإنس هم الذين استُعْمِروا الأرض وسُخّر لهم ما فيها، وشاركهم الجنّ فيها. فتسميتهم ثقلين من الثقل المعنوي كما يوصف الشخص الكبير القَدْر بأنه ثقيل (١). ومِثْقالُ الشيء: ما ثَقُل ثِقَلَه: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦]، ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]: روى [طب شاكر/ ٣/ ٢٩٥] عن السُدّى "خفيت في السموات والأرض " (لا يوصل إلى علمها فيحْمَلَ، أو من الخفاء اللازم لكون الشيء في باطن) ثم لما حاول [في ص ٢٩٦] ردها إلى ما هو ضد الخفة جاء في قوله ... فالأَولَى أن يكون هذا خبرًا عن إخفاء علمها عن الخلق ... اهـ. والأقرب إلى لفظ "ثقلت "ما جاء في [بحر ٤/ ٤٣٢] "ويعبَّر بالثقل عن الشدة والصعوبة - كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧] أي شديدًا صعبًا "اهـ. وأقول أنا إن هذا أقرب "للفظ لأنه نظر عربي، فما زلنا إلى الآن نعبر عن المادة العلمية التي يعسر استيعابها بأنها صعبة وثقيلة. والمسئول عنه في أمر الساعة هنا هو أمرُ عِلْم ميقاتها. أما ذكر السموات والأرض هنا فلأنهما سيَطِيح بناؤهما بقيامها؛ فلا عجب من ثقل علمها عليهما كما هو على أهلهما. ° معنى الفصل المعجمي (ثق): الغلظ أو الشدة في الشيء (الخارج): كما في

стр. 247

كلام الحماقة - في (ثقق)، ووثاقة خلق الشيء وإيثاقه - في (وثق)، واتقاد النار من الزند، والنفاذ في الصلب - في (ثقب)، والتمكن من الشيء وحموضة الخل - في (ثقف)، والكثافة المؤدية إلي الثقل - في (ثقل). الثاء واللام وما يثلثهما • (ثلل - ثلثل): ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠] "الثَلَّة - بالفتح: الصوف. والثَلَّة: الصوف والشعر والوبر إذا اجتمعت، ولا يقال للشَعَر ثَلّة ولا للوَبَر ثَلّة، والترابُ أو الطين الذي يُخْرَج من أسفل البئر ". ° المعنى المحوري هو: تجمُّع من دقاق متنوعة تتناشب وتتميز أو تنفصل من أصلها (١): كالصوف وحده أو مع الشعر والوبر (بعكس شَعَر المِعْزَى ووَبَر الإِبل فإنها لا ينتشبان)، وكطين البئر وترابها منها. ومنه: الثَلَّة: جماعة الغنم قليلة أو كثيرة (متجمعة مترابطة) وبالضم: الجماعةُ من الناس (جَمَعهم وميّزهم أمر

стр. 248

واحد): ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ومثلها ما في [الواقعة: ١٣]. ومنه: "ثَلَّت الدابة وكلُّ ذي حافر: راثت. وثَلَّ الدراهَم: صَبَّها (لاحظ تجمُّعَها. والصبُّ انفصالُ دقاقٍ مجتمعة). وثَلَّ البيتَ: هَدَمه/ حَفَر أَصْلَ الحائط ثم رفعه فانْقاضَ (قلع أصله أي فَصَله، فانهار كَوْمة من ركام متنوع متناشب). وثلَّ الله عَرْشَهم: هَدَم مُلْكهم، وثَلَّهم: أهلكهم (فَصْل من الأصل أو تحويل إلى ركام متناشب) وال ثُلْثُ ل - بالضم: الهَدْم، ومكيالٌ صغير " (ينقل أي يفصل - المكيل جُمعة بعد جمعة). • (أثل): ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ [سبأ: ١٦]. الأَثْل: "شجر يشبه الطَرْفَاءَ إلا أنه أعظمُ منه وأكرمُ وأجودُ عودًا وورقه هَدَبٌ طِوال ". ° المعنى المحوري هو: شجر يلحظ منه تمكُّن أصوله واجتماعُ الدقاق (الهَدَب) حوله (مع عدم تفرعه): ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٦]. فمن تمكن الأصول: "أثْلةُ كل شيء: أصله. وأَثَل (جلس) وتَأَثَّل وأَثّل مالَه - ض: أَصَّله. والتأثيل: اتخاذ أَصْل مال. وكلُّ شيء قديم مؤَصَّل: أثيلٌ ومتأثل "وقوله ﷺ : "غيرَ متأثل مالا "أي غيرَ جامع مالًا يدّخره. ومن تجمع الدِقاق: "الأثالة - كسحابة: متاع البيت وبِزّته، والميرة، والأثال - كسحاب: المالُ ". • (ثلث): ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]

стр. 249

في التركيب: "الثَلِثَان - بفتح فكسر: عِنَب الثعلب. وأشجارُه قصيرة ولا يتجاوز ما يحمله عنقودُه بِضْعَ حبات ". ° المعنى المحوري هو: إمساكٌ وتعلُّق لبضع حبات أو أشياء: كما في الثَلِثَان. ولعل هذا مأخذ دلالة العدد ثلاثة أول الامر. ثم خصصت بالاستعمال بما بين الاثنين والأربعة: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]. ثم صرّفوا الكثير من الثلاثة كغيرها: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]. وثَلَثْتُهم - ضرب: كنتُ ثالثهم، وجعلتُهم ثلاثة، (نصر): أخذتُ ثُلُثَ أموالهم. وجاءوا ثُلاث ثلاثَ ومَثْلَث أي ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. وليس في القرآن من التركيب إلا الثلاثة (العدد) وما هو من معناها. ° معنى الفصل المعجمي (ثل): الدقاق المتناشبة. كما يتمثل في ثلة الصوف المتناشبة الشَعر في (ثلل)، وفي هَدَب الأَثْل العالق بأغصانه في (أثل)، وفي حَبّ الثلثان (وهو صغير وقد رأيته) عالقًا به في (ثلث). الثاء والميم وما يثلثهما • (ثمم - ثمثم): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. "الثُمام - كرخام، واليثموم: نبتٌ معروف في البادية، وهو ينبت معًا خِيطانًا دِقاقًا صغارَ العيدان، تأكله الإبل والغنم. وطولُ الثمامة على قَدْر قِعْدة الرجل،

стр. 250

وربما كانت أطولَ من ذلك بشيء قليل ... وهو أبقى شجر نَجْد عند السَنَة (أي الجدْب)، يبقى بعد الكلأ، وذلك لكثرته. وهو نَبْت ضعيف (أي غير صُلْب، فهو شبيه بقش القمح والأرز) له خُوصٌ أو شَبيه بالخوص. وهو شبيه بالأَسَل تُتَّخذ منه المكانس، ويظلَّل به المَزَاد فيبرّد الماء. بَيت مثموم: مغطًّى به (سَقْفُه)، ثَمَمْت السِقَاء: فَرَشْت له الثمام وجعلته فوقه لئلا تصيبه الشمس. الثَمْثَمَة: تَغْطية رَأْس الإناء. وربما حُشِى به، وسُدّ به خَصاصُ البيوت أي ثقوبها وخللها " [ل والتاج وكتاب النبات لأبي حنيفة حـ ٥/ ٧٨ - ٨٠]. [هذا التركيب قائم على نبات الثمام الموصوف وقد سُمَّي هذا النبات بوظيفته أي ما يستعمل فيه عندهم - وهو ما ذكرناه. وكثير من استعمالات هذا التركيب التي ذكرناها هنا أخذناها من [تاج]. ° المعنى المحوري هو: ضَمُّ دِقاقٍ بكثافة وتخَلْخُل مَا (١): كما يُحْشَى بالنبت المذكور ويُغَطّى به ويُفْرَشُ للأسقية.
следующие страницы →