الراغب تفسير الآية. والأقرب إلى القبول قول قر "والثقلان الجن والإنس سُميا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف ". ويمكن أيضًا أن يضاف أن الإنس هم الذين استُعْمِروا الأرض وسُخّر لهم ما فيها، وشاركهم الجنّ فيها. فتسميتهم ثقلين من الثقل المعنوي كما يوصف الشخص الكبير القَدْر بأنه ثقيل (١). ومِثْقالُ الشيء: ما ثَقُل ثِقَلَه: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦]، ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]: روى [طب شاكر/ ٣/ ٢٩٥] عن السُدّى "خفيت في السموات والأرض " (لا يوصل إلى علمها فيحْمَلَ، أو من الخفاء اللازم لكون الشيء في باطن) ثم لما حاول [في ص ٢٩٦] ردها إلى ما هو ضد الخفة جاء في قوله ... فالأَولَى أن يكون هذا خبرًا عن إخفاء علمها عن الخلق ... اهـ. والأقرب إلى لفظ "ثقلت "ما جاء في [بحر ٤/ ٤٣٢] "ويعبَّر بالثقل عن الشدة والصعوبة - كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧] أي شديدًا صعبًا "اهـ. وأقول أنا إن هذا أقرب "للفظ لأنه نظر عربي، فما زلنا إلى الآن نعبر عن المادة العلمية التي يعسر استيعابها بأنها صعبة وثقيلة. والمسئول عنه في أمر الساعة هنا هو أمرُ عِلْم ميقاتها. أما ذكر السموات والأرض هنا فلأنهما سيَطِيح بناؤهما بقيامها؛ فلا عجب من ثقل علمها عليهما كما هو على أهلهما.
° معنى الفصل المعجمي (ثق): الغلظ أو الشدة في الشيء (الخارج): كما في
стр. 247
كلام الحماقة - في (ثقق)، ووثاقة خلق الشيء وإيثاقه - في (وثق)، واتقاد النار من الزند، والنفاذ في الصلب - في (ثقب)، والتمكن من الشيء وحموضة الخل - في (ثقف)، والكثافة المؤدية إلي الثقل - في (ثقل).
الثاء واللام وما يثلثهما
• (ثلل - ثلثل):
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠]
"الثَلَّة - بالفتح: الصوف. والثَلَّة: الصوف والشعر والوبر إذا اجتمعت، ولا يقال للشَعَر ثَلّة ولا للوَبَر ثَلّة، والترابُ أو الطين الذي يُخْرَج من أسفل البئر ".
° المعنى المحوري هو: تجمُّع من دقاق متنوعة تتناشب وتتميز أو تنفصل من أصلها (١): كالصوف وحده أو مع الشعر والوبر (بعكس شَعَر المِعْزَى ووَبَر الإِبل فإنها لا ينتشبان)، وكطين البئر وترابها منها. ومنه: الثَلَّة: جماعة الغنم قليلة أو كثيرة (متجمعة مترابطة) وبالضم: الجماعةُ من الناس (جَمَعهم وميّزهم أمر
стр. 248
واحد): ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ومثلها ما في [الواقعة: ١٣]. ومنه: "ثَلَّت الدابة وكلُّ ذي حافر: راثت. وثَلَّ الدراهَم: صَبَّها (لاحظ تجمُّعَها. والصبُّ انفصالُ دقاقٍ مجتمعة). وثَلَّ البيتَ: هَدَمه/ حَفَر أَصْلَ الحائط ثم رفعه فانْقاضَ (قلع أصله أي فَصَله، فانهار كَوْمة من ركام متنوع متناشب). وثلَّ الله عَرْشَهم: هَدَم مُلْكهم، وثَلَّهم: أهلكهم (فَصْل من الأصل أو تحويل إلى ركام متناشب) وال ثُلْثُ ل - بالضم: الهَدْم، ومكيالٌ صغير " (ينقل أي يفصل - المكيل جُمعة بعد جمعة).
• (أثل):
﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ [سبأ: ١٦].
الأَثْل: "شجر يشبه الطَرْفَاءَ إلا أنه أعظمُ منه وأكرمُ وأجودُ عودًا وورقه هَدَبٌ طِوال ".
° المعنى المحوري هو: شجر يلحظ منه تمكُّن أصوله واجتماعُ الدقاق (الهَدَب) حوله (مع عدم تفرعه): ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٦]. فمن تمكن الأصول: "أثْلةُ كل شيء: أصله. وأَثَل (جلس) وتَأَثَّل وأَثّل مالَه - ض: أَصَّله. والتأثيل: اتخاذ أَصْل مال. وكلُّ شيء قديم مؤَصَّل: أثيلٌ ومتأثل "وقوله ﷺ : "غيرَ متأثل مالا "أي غيرَ جامع مالًا يدّخره.
ومن تجمع الدِقاق: "الأثالة - كسحابة: متاع البيت وبِزّته، والميرة، والأثال - كسحاب: المالُ ".
• (ثلث):
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]
стр. 249
في التركيب: "الثَلِثَان - بفتح فكسر: عِنَب الثعلب. وأشجارُه قصيرة ولا يتجاوز ما يحمله عنقودُه بِضْعَ حبات ".
° المعنى المحوري هو: إمساكٌ وتعلُّق لبضع حبات أو أشياء: كما في الثَلِثَان. ولعل هذا مأخذ دلالة العدد ثلاثة أول الامر. ثم خصصت بالاستعمال بما بين الاثنين والأربعة: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]. ثم صرّفوا الكثير من الثلاثة كغيرها: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]. وثَلَثْتُهم - ضرب: كنتُ ثالثهم، وجعلتُهم ثلاثة، (نصر): أخذتُ ثُلُثَ أموالهم. وجاءوا ثُلاث ثلاثَ ومَثْلَث أي ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. وليس في القرآن من التركيب إلا الثلاثة (العدد) وما هو من معناها.
° معنى الفصل المعجمي (ثل): الدقاق المتناشبة. كما يتمثل في ثلة الصوف المتناشبة الشَعر في (ثلل)، وفي هَدَب الأَثْل العالق بأغصانه في (أثل)، وفي حَبّ الثلثان (وهو صغير وقد رأيته) عالقًا به في (ثلث).
الثاء والميم وما يثلثهما
• (ثمم - ثمثم):
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
"الثُمام - كرخام، واليثموم: نبتٌ معروف في البادية، وهو ينبت معًا خِيطانًا دِقاقًا صغارَ العيدان، تأكله الإبل والغنم. وطولُ الثمامة على قَدْر قِعْدة الرجل،
стр. 250
وربما كانت أطولَ من ذلك بشيء قليل ... وهو أبقى شجر نَجْد عند السَنَة (أي الجدْب)، يبقى بعد الكلأ، وذلك لكثرته. وهو نَبْت ضعيف (أي غير صُلْب، فهو شبيه بقش القمح والأرز) له خُوصٌ أو شَبيه بالخوص. وهو شبيه بالأَسَل تُتَّخذ منه المكانس، ويظلَّل به المَزَاد فيبرّد الماء. بَيت مثموم: مغطًّى به (سَقْفُه)، ثَمَمْت السِقَاء: فَرَشْت له الثمام وجعلته فوقه لئلا تصيبه الشمس. الثَمْثَمَة: تَغْطية رَأْس الإناء. وربما حُشِى به، وسُدّ به خَصاصُ البيوت أي ثقوبها وخللها " [ل والتاج وكتاب النبات لأبي حنيفة حـ ٥/ ٧٨ - ٨٠].
[هذا التركيب قائم على نبات الثمام الموصوف وقد سُمَّي هذا النبات بوظيفته أي ما يستعمل فيه عندهم - وهو ما ذكرناه. وكثير من استعمالات هذا التركيب التي ذكرناها هنا أخذناها من [تاج].
° المعنى المحوري هو: ضَمُّ دِقاقٍ بكثافة وتخَلْخُل مَا (١): كما يُحْشَى بالنبت المذكور ويُغَطّى به ويُفْرَشُ للأسقية.
стр. 251
فمن ضم الدقاق مع التخلخل "ثمَّ الشيء: جَمَعَه، وهو في الحشيش أكثر استعمالًا من غيره. الثُّمّة - بالضم: القَبْضَة من الحشيش. ثَمّتْ الشاةُ النَبْتَ والشيء بفيها: قَلَعته. ثمَّ الطعام: أكلَ جَيَدَه ورديئه (معًا - أي دون تمييز) إنه لمِثَمّ لأسافل الأشياء ". وواضح أن الضم هنا حشوًا أو تغطيةً لا يجعل المحشُوَّ صُلْبا مصمتًا لأن النبت لا ينْسبك معًا.
ومن هذا أيضًا "ثمثمُ " (كفَدْفَد): كلبُ الصيد " (يصيدُ ويضُم لصاحبه). والثَمْثَمة: أن تُشْنَقَ القربة إلى العمود ليُحقَنَ فيها اللبن " (حقن اللبن فيها ضمٌّ له فيها). انْثَمّ عليه: انْثالَ وانصبّ ".
ومن هذا الضم أيضًا: ثُمَّ - بالضم: حَرْف العطف المعروف، وتعبيره عن التراخي مأخوذ من التخلخل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣]. كذلك منه: ثَمَّ - بالفتح: ظرف يشارُ به للمكان بمعنى هناك. مبني لتضمنه معنى الإشارة. ووجود الشيء في المكان ضم له فيه ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]: استحسن أبو حيان قول الزمخشري: ففي أي مكان فعلتم التولية .. يعني تولية وجوهكم شطر القبلة - بدليل ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] اهـ. قال فقيّد التولية التي هي مطلقة هنا بالتولية التي هي شطر القبلة. اهـ لكني أميل إلى ما استظهره أبو حيان قبل ذلك وهو أنه لما ذكر منع المساجد من ذِكر الله، والسعْيَ في تخريبها نبه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات ولا من ذكر الله، إذ المشرق والمغرب لله تعالى، فأي جهة أديتم فيها العبادة فهي لله. [ينظر بحر ١/ ٥٢٩ - ٥٣٠] فهناك تأويلات كثيرة. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ
стр. 252
رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] إذا رميت ببصرك هناك [بحر ٨/ ٣٩٠] وليس في القرآن من التركيب إلا (ثُمّ) العاطفة وهي تقتضي التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة (١). و (ثَمّ) الظرف (٢).
ومن الضم كذلك: "تثميم العظم: إبانته إذا كان عَنِتًا " (أي إذا جَبَر على غير الهيئة الصحيحة، فإنهم يكسرونه ليجبروه معتدلًا، فهذا الكسر الثاني هو التثميم. وسُمّى كذلك لأن المقصود به إعادةُ الضمّ والجبر). ومن التخلخل أيضًا: "لم يُثَمْثَمْ السنام: لم يُشْدَخ ولم يكسر. هذا سيف لا يُثمثَم نَصْله (= حدُّه). أي لا يَنْثني إذا ضُرب به ولا يرتد. انثمّ جسمه: ذاب مثل انهمّ. انثم الشيخ: ولّى وكَبِر وهَرِم (صار دِقاقا مجتمعة). والثمثمة. أن لا يُجادَ العمل " (مجرد جمع بلا إحكام).
وأخيرًا فإن استعمالات الضمّ يؤخذ منها معنى الإصلاح: "والمِثَمُّ من الرجال: من يُفْقِر من لا ظهر له (لا ظهر له = لا ركوبة له. يفقِرُه: يُعيره رَكوبة)، ومن يُرعِى من لا رِعْىَ له، ويثُمُّ ما عَجَزَ عنه الحيّ من أمورهم ". كما يقال الآن: سدَّ الخلَل أو جبر النقص أو الثلمة.
وقولهم: "ثم يده بالحشيش: مسحها به "هو من الإصابة. وكأن الأصل
стр. 253
مسحها بالثمام، ثم استعمل في الحشيش لأنه كالجنس منه.
• (أثم):
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]
"ناقة آثمة ونُوق آثمات: بطيئات. وأَثَمَتْ الناقةُ المشيَ: أبطأت ".
° المعنى المحوري هو: البطء (ثقلًا أو من حمل ثقيل): وقد عنى بالإثم في قوله:
شَرِبتُ الإثم حَتَّى ضلّ عقلي ... كذاك الإثمُ تذهبُ بالعقول
الخمرَ، ولعل ذلك لما تحدثه من تخدر وثقل. والإثم: الوِزْر والذَنْب من ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] كذلك سمي "ذنبًا ", والذَنُوب: الدَلو الملأى ماء ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ولعل في قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] (لا يعكر لذتهم شعور بأنهم يأتون مأثمًا، بل شربهم نعيم كُرِّموا به). وقيل (تأثيم) كذب. ينظر [قر ١٧/ ٦٩]. والمعنى الأقرب أولى. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] قالوا يلق عِقاب الأثام وهو حسن. وبالنظر إلى الأصل فالسبيل مفتوحة لتفسيرات أخرى ترجع إلى الثقل والبطء: كالخذلان والأَنكال والسلاسل. وقد وصف القرآنُ العابدين المرضِيَّ عنهم بالسبق: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] وفي الحديث الشريف: "من أبطأ به عملُه لم يُسرع به نسبُه ". وكل ما في القرآن من التركيب هو (الإثم) الوِزْر والذَنْب، و (الأثام) حمله أو عاقبته و (التأثيم) تحميله، و (الآثم) مرتكبه، و (الأثيم) حامله.
стр. 254
• (ثمد):
﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩].
"الثَمَد - بالفتح وبالتحريك: الماءُ القليل الذي لا مادة له/ القليل يبقى في الجَلَد/ الذي يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف/ أن يَعمِدَ إلى موضع يلزمُ ماءَ السماء يجعلُه صِنْعا (وهو المكان الذي يجتمع فيه الماء وله مسايل من الماء) يَحْفِر في نواحيه رَكايا، فيملؤها من ذلك الماء، فيشربُ الناس الماءَ الظاهر حتى يجفّ إذا أصابه بَوَارحُ القيظ، وتبقى تلك الرَكايا، فهي الثِمَاد. وثَمَده واستثمده: نَبَثَ عنه التراب ليخرج ".
° المعنى المحوري هو: قلة الماء الخارج لشدة احتباسه في مجتمعه: كما يخرج الماء القليل من الثماد. ومن هنا سُميت ثمود، فقد كانوا أصحاب زراعة ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٦ - ١٤٨] فلا بد أنهم كانوا حِراصًا على استبقاء المياه ومَهَرًة في استخراجها من باطن الأرض لزروعهم. ومن ذلك المعنى المحوري: "الإثْمِد: حَجَر يُتخذ منه الكحل "، وبالاكتحال تدمع العين أي تُخْرج الماء قليلًا قليلًا. "وماء مَثْمود: كثُر عليه الناس حتى فَنِي ونَفِد إلا أقلَّه. ورجل ثَمَدَته النساء: أنزفن ماءه "أي من كثرة الجماع ولم يبق في صُلبه ماء. وليس في القرآن من التركيب إلا اسم (ثمود) قوم صالح.
• (ثمر):
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]
"الثمر - محركة: حَمْل الشجر، ويقع على كل الثمار، وغلب على ثمر النخل.
стр. 255
وثمّر النباتُ - ض: نَفَضَ نَوْرَه وعَقَد ثمَرُهُ. والثامر: اللوبياء ".
° المعنى المحوري هو: ما ينعقد على أطراف الشجر من حَمْله إذا بلغ يَنْعَه: كالبلح واللوبياء وغيرها من ثَمَر الشجر: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧] , ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ [النحل: ٦٧]. وليس في القرآن من التركيب إلا كلمات (ثمرة)، (ثَمَر) (ثمرات) (أثمر) وكلها يعني بها الحب الذي يحصد من الزرع أو الجَنَي الذي يُجْنَي من شجر الفاكهة ونحوه. ومنه على التشبيه: "ثَمَرُ السِياط: عُقَد أطرافها، والثمير من اللبن: ما لم يُخرَجْ زبده وقد اجْتَمع "أي قارب أن يتجمد في كتلة هي الزبد. واللبن بعد الحلْب كان يوضع في قِرَب، وبعد حين تعلوه طبقة زُبد، أو يُخَضّ كثيرًا خضًّا متواليًا حتى تعلوه طبقة الزُبْد فهو حينئذ ثمير. وأَخْذ تلك الطبقة يسمى المَخْض، وهي تؤخذ وتُغْلَى فيخرج منها السَمْن).
• (ثمن):
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]
"المِثْمنةُ - بالكسر: المِخْلاة. وثمّنت الشيء - ض: "جمعته ".
° المعنى المحوري هو: ضم الشيء وجَمْعه في الجوف: كما تضُم المخلاةُ الشيء في جوفها. ومن ذلك: الثَمَن - محركة: ما يُسْتَحَقّ به الشيء، أي ثمن المبيع، لأن به يدخل الشيءُ في الحوزة: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. وقولهم: "شيءٌ ثمين، أي: مرتفع الثمن "، أُراه غيرَ دقيق، وإنما هو الشيء الذي له في ذاته قيمة وقدرٌ كبير ويلزم ذلك ارتفاع ثمنه.
ومن معنى الجمع: "الثمانية ": العدد المعروف، لاضطمامه على كثير، ثم
стр. 256
تخصصتْ فيما بعد بما فوق السبعة بواحد. والثُمْن - بالضم وبضمتين: جزء من ثمانية: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] , ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] وليس في القرآن من التركيب إلا (الثَّمن) و (الثمانية وما هو منها) بمعانيها التي ذكرناها.
° معنى الفصل المعجمي (ثم): ضم الدقاق في حيّز حَشْوًا أو كالحشْو كما في ثَمّ خَصاص البيوت - في (ثمم)، وكما في الثقل اللازم للضم والحشو - في (أثم)، وكما في الماء المحبوس في بطن الأرض حقيقة أو توهمًا - في (ثمد)، وكالثمر الذي يخرجه الشجر ويتحصل منه - في (ثمر)، وكما في مادة الشيء أو جسمه الذي يثمَّن - في (ثمن).
الثاء والنون وما يثلثهما
• (ثنن):
"الثُنَّةُ - بالضم - من الدواب: الشعر الذي على مُؤَخَّر الحافر في الرُسْغ. ومن الإنسان: ما دون السُرَّة فوق العانة أسفل البطن. والثِنان - ككتاب: النبات الكثير الملتف، والثِنّ - بالكسر: يَبيس الحشيش إذا كثُر ورَكِبَ بعضهُ بعضا ".
° المعنى المحوري هو: تبطُّنُ دقاق متجمعة طَيّ شيء (١): كالشَعَر في باطن
стр. 257
الحافر، وما في طَيّ ثُنَّة الإنسان من شحم وغيره (بحيث تتدلى أحيانًا)، والنباتِ الملتفّ. ويَبيسِ الحشيش المنضم بعضه في أثناء بعض.
• (ثنى):
﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]
"الثِناء - ككتاب: عِقَالُ البعير ونحو ذلك من حَبْل مَثْنِىّ. وثِنْىُ الثوب - بالكسر: ما كُفَّ من أَطْرافه. وأثناءُ الحيّة: مَطاويها إذا تحوّت. وأثناءُ الوادي ومثانيه: مَعَاطفه ومَحَانيه. وأمضيت كذا ثِنْىَ كتابي - بالكسر: أي في طَيّه. وثَنَيْت الشيءَ: عطفته، وكفَفْته ".
° المعنى المحوري هو: طيّ الشيء وإدخال أجزاء منه في أحنائه. ومنه: أثناء الوشاح: ما انثنى منه ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] (العِطف: المَنْكِب، الجانب) فهذا عبارة عن الكِبْر والإعراض نحو: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] (الراغب). ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥]: يَطْوُونها (أي على عداوة المسلمين) ففيه هذا الحذف .... يخفون ما في صدورهم من الشحناء [قر ٩/ ٥].
ومن الأصل: "الاثنان: ضِعْف الواحد؛ إذْ ما يُثْنَى من ثوب وحَبْل ووشاح وغيره يصبح مكوّنًا من طبقتين، فمن هنا دلت على هذا العدد: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] , ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] , ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] أورد [قر
стр. 258
١٠/ ٥٤] حديثًا صحيحًا في أنها أُمّ الكتاب؛ فلا معنى لتجاوزه. هذا من حيث المراد، وأما من حيث المعنى اللغوي وسر التسمية فقد ردها مع آية ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] إلى تثنية التلاوة والأحكام والقصص أي تكرارها. وأضاف الراغب .... "لما يُثَنَّى ويَتجدَّد حالًا فحالًا من فوائده .. "أقول: وهذا ينطبق على المعاني الخفية التي تستخرج أَنّا بعد آن من تضاعيف (: أثناء) آيات القرآن الكريم، وعلى المعاني الأخرى التي يتذوقها أصحاب البصائر النيرة وإمامُهم رسولُ الله ﷺ ، ثم عبادُ الله الصالحون.
ومن الأصل: الاستثناء: استثنيتُ الشيء من الشيء: حاشَيْته (كأنك طَويته فأخْفَيته فلا ينطبق عليه الحكم): ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧، ١٨]: ولا يُبقون منها شيئًا. و "الثِنْوة - بالكسر: الاستثناء ". وليس في القرآن من التركيب إلا (ثَنْى الصدر) و (ثَنْى العِطْف)، و (الاستثناء) بمعانيها التي ذكرناها، ثم (الاثنان) ضعف الواحد ومؤنثها وما هو منها. وسياقاتها واضحة.
و"الثَناء: ما تصف به الإنسانَ من مدح أو ذم "، هو مما في المعنى الأصلي من جمع وضم للشيء المطوي في جوف شيء؛ لأنك تضيف إليه وتجمع صفات. ونظيره: التَثْبِية: الثناء على الرجل في حياته، من الثُبَة: العصبة والجماعة. وفي الثناء تعظيم، وثَنْىُ الشيء يجعله سميكًا. كما يناظر ذلك أخذ "المدح "من قولهم: "تمدَّحتْ خواصر الماشية أي: اتسعت وامتلأت ".
стр. 259
• (وثن):
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
"استوثن المالُ: سَمِنَ، والإبلُ: نشأت أولادُها معها، والنَحْلُ: صار فرقتين كبارًا وصغارًا، والمالُ: كثُر. وَثَن بالمكان: أقام. والواثن: المقيم الراكد الدائم ".
° المعنى المحوري هو: نمو الشيء كثرةً أو ضخامةً أو امتدادَ بقاء: كالسِمَن في البَدَن، وكالأولاد للإبل والنْحل معهما، وكالمقيم في المكان (يعمره أو يملؤه). ومن هذا: الوَثَن: الذي كانوا ينصبونه إلاهًا مع الله - جل وعلا - لُحظ فيه اتخاذه إلاهًا مع المعبود بحق سبحانه وتعالى عما يصفون. ووجه تسميته قيل انتصابه وثباته على حالة واحدة [تاج]، أو أن اتخاذه تكثير. لكن أسلوب القصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] يتطلب وجهًا آخر، فأرى أن المقصود به الإشارة إلى أنها زيادات، ولا أصل لها، أو أن المقصود أنها مجرد حجارة أو أنصاب جامدة لا تعي شيئًا. فالأول من نمو الكثرة، والثاني من البقاء الدائم الراكد. وليس في القرآن من التركيب إلا كلمة (أوثان).
أما عن الفرق بين الوثن والصنم:
فهناك من وحّد بينهما كالجوهري والفيومي، وهناك من فرّق بينهما، وهو الراجح. وقد تناول الفرقُ مادة كلٍّ منهما، وهيأته من حيث كونُه مصورًا أو لا، ثم من حيث التجسم وعدمه.
والذي أرجّحه بالنسبة لمادة كلٍّ منهما ما ذكره هشام الكلبيُّ (صاحب كتاب الأصنام) وهو أن الصنم ما كان مصنوعًا من خشب أو ذهب أو فضة أو غيرها
стр. 260
من جواهر الأرض، والوثن ما كان من الحجارة.
كذلك فالمرجح لديّ أن الصنم مصوّر والوثن غير مصوّر، وعليه الفهرى وابن عرفة.
وأخيرًا فقد قيل إن كليهما مجسم، وما ليس مجسمًا فهو صورة (١).
° معنى الفصل المعجمي (ثن): تبطُّن الشيء شيئًا كما في ثُنّة الإنسان وغيره - في (ثنن)، وثِنْى الثوب المطوي إلى الداخل - في (ثنى)، والسِمَن الذي في باطن المال (: الماشية) - في (وثن).
стр. 261
باب الجيم
التراكيب الجيمية
• (أجج):
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣].
"أَجيج النار: تلهبها/ توقُّدها/ صوت تلهبها. ويقال جاءت أَجَّةُ الصيف: هي شدة الحر وتوهجه. والأَجيج والأُجاج - كصداع، والائتجاج: شدة الحر. وماء أُجاج - كصداع: شديد الملوحة والمرارة ".
° المعنى المحوري هو: حدّة وحَرَافة تَعُمّ أثناء شيء غيرِ صُلْب المادة: كتلهب النار وتوقدها، وكشدة حرارة الجو، وشدة ملوحة الماء: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]. ومنه: أجَّة القوم وأجيجُهم: اختلاط كلامهم مع حفيف مشيهم (أصوات كثيرة تُشْعِر بكثرة لها حدة).
ومنه "أجّج: حَمَل على العدو (هجوم بحدة)، وأجّ الرجلُ: أسرع (حدّة)، وأجّ الظليمُ: سُمِع حفيفه في عدوه " (من شدة العدو وحدّته).
ويأجوج ومأجوج: قبيلتان موصوفتان بالكثرة البالغة، وبأنهم يفسدون في الأرض أشد الإفساد. وهذه حِدّة بالغة وعامة. قال في [التهذيب ١١/ ٢٣٤]: وهما اسمان أعجميان واشتقاق مثلهما من كلام العرب يخرج من أَجّت النار، ومن الماء الأُجَاج، وهو الشديد الملوحة والمرارة، مثل ماء البحر المُحرِق من مرارته ... هذا إذا
стр. 262
كان الإسمان عربيين. فأما الأعجمية فلا تشق من العربية "اهـ.
وليس في القرآن من التركيب إلا (أجاج) بمعناه المذكور، ويأجوج ومأجوج إن كانا عربيين.
• (جوو - جوى):
﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩].
"الجُوّة - بالضم: نُقْرةٌ في الجبل وغيره. والجَوّ والجَوّة - بالفتح: المنخفِض من الأرض. والجِواء - ككتاب: البطن من الأرض، والواسع من الأودية. وجوُّ كل شيء وجَوّته - بالفتح: بَطْنُه وداخله. قال: (يجرى بجَوّته موجُ الفرات) .. أي ببطن ذلك الموضع ".
° المعنى المحوري تجوف قوي مُكتنَف الجوانب في جرم شيء: كما في النقرة الخ. ومنه الجوّ: ما بين السماء والأرض كما في آية التركيب (حيث يبدو فجوة عظيمة بينهما) وفي حديث علي ﵁: "ثم فَتَقَ الأجواء ". ويطلق على الهواء الذي بين السماء والأرض ﴿مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ [النحل: ٧٩] وليس في القرآن من التركيب إلا هذا.
والفعل (جَوِى) كالمطاوع لـ (جوو) فمنه: "الجوَى: السُلّ وتطاول المرض، وكل داء يأخذ في الباطن لا يُسْتَمْرأ معه الطعام، أو داءٌ يأخذ في الصدر وفعله (كتعب)، والماء المتغير المُنْتِن جَوٍ: فاسدٌ (فهن من فساد الجوف أي هلاكه وخرابه). جَوِيَت نفسي من الطعام وعنه (تعب): كرِهَتْه. وجَوِىَ الرجل الأرضَ والطعامَ (تعب) واجتواه: لم يوافقه وكَرِهَه. (كأنما فسد منهما جوفه). وفي حديث العُرَنيين: فاجْتَوَوْا المدينة أي أصابهم الجَوَى: وهو المرض وداء
стр. 263
الجوف إذا تطاول ". (ويعبر عن المعنوى من هذا بالحُرْقة وشدة الوجد أي مرجعه إلى تجوف الباطن كأنما احترق أو تآكل).
• (جيأ):
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣].
"الجَيْأة - بالفتح، والجِيئَة - بالكسر، وكفِئَة: مجتمع ماء في هَبْطة حوالي الحصون، حفرة عظيمة يجتمع فيها ماء المطر .. وجَيْئة البطن - بالفتح: أسفل من السُرَّة إلى العانة. والجايئة: مِدّة الجُرْح والخُرَاج - كغراب/ ما اجتمع فيه من المدة والقيح ".
° المعنى المحوري انحدار إلى حيز أو تجوف سُفلي مُهَيّأ جامع: كالماء في الهبطة والحفرة وكالمِدّة قي الجرح والخُراج، والحَشا في جَيْأة البطن. وقولهم: "جَيّأتُ القِربة - ض: خِطْتها "من ذلك أي جعلتهما حيزًا مجوفًا مهيأ لحَوْز الماء واللبن. ومن هذا المعنى "المجيء: الإتيان إذ هو حضور الجائي من حيث كان إلى مكان (حيّز) للقاء أو لأمر. ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٣] جاء بها واضطرها وألجأها.
ولعله وضح أن أصل المجيء انحدار ومن هنا يتضح مأتى استعمال "أجاءه إلى كذا "بمعنى ألجأه واضطره، كأنه أحْدره أو دفعه.
وأما الجيء - بالكسر وبالفتح: الدُعاء إلى الطعام والشراب، ودعاء الإبل إلى الماء = فهو من حكاية الأصوات.
ولم يأت في القرآن من التركيب إلا المجيء (الحضور إلى حيز) فعلًا ماضيًا مبنيًّا للفاعل وفي آيتين للمفعول، وجاء ماضيًا مُعَدًّى بالهمزة مرة واحدة ذكرناها.
وقد ذكر الإمام الراغب بين الإتيان والمجيء فروقًا تحتاج تمحيصًا.
стр. 264
الجيم والباء وما يثلثهما
• (جبب - جبجب):
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠].
"الجَبُوب: الأرض عامة/ وجه الأرض ومَتْنُها من سَهْل أو حَزْن أو جَبَل/ الأرض الصُلْبة. الجُبْجُب - بالضم: المستوى من الأرض ليس بَحزْن. والجُبْجُبة: أتان الضَحْل (= الصخرةُ بعضُها غَمَره الماءُ وبعضُها ظاهر). امرأة جَبّاء: لا أليتين لها/ رَسْحاء، (وأيضًا) جَبَّاء: لم يَعْظُم ثديها. بعير أجبّ: مقطوع السَنام. الجَبّ: استئصال السنام من أصله. المجبوب: الخَصِى الذي قد استُؤْصل ذكره وخُصياه. جُبَّةُ الدار - بالضم: وَسَطها. المَجَبَّة: المحجة وجادّة الطريق ".
° المعنى المحوري استواء المتجسم ظاهريا (بالقطع) (١) (= استواء ظاهر
стр. 265
الشيء المتجسم بالقطع) - كما هو واضح في الاستعمالات المذكورة: وجه الأرض المستوى، وأتان الضحل نُصّ في التاج على ملاستها ولكن الأهم أن المرجَّح أن بعضها الظاهر مستو مع الماء [وينظر تاج أتن, ضحل]. واستواء ظاهر المتجسم بالقطع واضح في وصف المرأة والبعير بالجَبَب، وأيضًا في الخَصِىّ، وفي تسمية الجادّة مَجَبَّة ".
ومن استعمال ألفاظ من التركيب كلٍّ في جوانب من معناه دون أخرى:
أ) الاستواء الظاهري مع التجسم "الجُباب - كصُدَاع: شِبْه الزُبْد يعلو ألبانَ الإبل (طبقة تعلو)، وككتاب: تلقيح النخل (يكون بنشر دقيقِ عُنْقود اللِقاح الذي في جُفّ النخلة الذكر على عنقود جُفّ النخلة الأنثى. فهو ليُخرج (طبقة) من الثمر) "والجُبَّةُ - بالضم: حشو الحافر/ مغرز الوظيف في الحافر، جُبّة العين: حِجاجها، وجُبة السِنان: ما يدخل فيه (طرف) الرمح، وجُبَّة الرمح: ما يدخل فيه (سِنْخ) السّنان، والجُبّة: ضرب من مُقَطَّعات الثياب تُلبس، والدِرْعُ. ورجل جُباجِب: ضخم الجنبين "كل ذلك
стр. 266
لظاهرٍ مستوٍ يُحْشَى فراغ جوفه (والفراغ قطع). وكذلك "الجُبْجُبة - بالضم: الزبيل من جُلود ينقل فيه التراب، وكذلك الزبيل اللطيف تحفظ فيه قطع ذهب كالنوى، وبالفتح: الكرش يُجعل فيه اللحم يُتزود به "كلها من الحشو.
ب) ومن القطع اللازم للاستواء: "الجُبّ: البئر/ داخلُ الركية من أعلاها إلى أسفلها. يقال أنها لواسعة الجُبّ مطويةً كانت أو غير مطوية، وسميت البئر جُبًّا لأنها قُطِعَت قَطْعًا ولم يَحْدُث فيها غيرُ القَطْع من طَيٍّ وما أشبهه " ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠, وكذلك ما في ١٥] وقد جاء في بعض التعريفات التسع للجب في [ل]: (أ) أنها "البئر الكثيرة الماء البعيدة القعر "واعتداد كثرة الماء ضمن مسمَّى الجب خطأ، إذ لا مقابل له في اللفظ، وسيكون إلقاء يوسف ﵇ فيها إغراقًا، وهم يريدون أن يلتقطه بعض السيارة لا أن يغرق. فجزء الوصف وهو بُعْد قعرها أي كونها بالغة العُمق هو الدقيق لأن هذا هو الذي تكون له "غَيابة ". (ب) كذلك وصفها بأنها "الجيدة الموضع من الكلأ "هو غير مناسب هنا، لأن مثل هذه يكثر الرعاة حولها فيرون إخوة يوسف أو يُخرجونه من قريب، وهذا عكس إرادتهم أن يخلو لهم وجه أبيهم. (ج) وأيضًا وصفها بأنها "غير البعيدة "أي غير العميقة لا يناسب، لأن مثل هذه لا تكون لها "غيابة "وتتيح خروج يوسف بنفسه. فالدقيق أن الجب هو البئر العميقة القليلة الماء، بحمل كثرة الماء المذكورة على أنها كثرة نسبية لا تُغرق، أو الأخذ بالتعريفات المطلقة من قيود تُنافي غرضَ إخوة يوسف. وقولهم "جَبَّه: غلبه "هو من القطع المعنوي للتجسم.
стр. 267
ج) "الجَبُوب: المدرة/ المَدَرة العليظة تُقْطَعُ من وَجْه الأَرْض. الجَبُوب المَدَرُ المفتَّت/ الترابُ. يَطْرَحُ إليهم الجَبُوبَ ويقول سدوا الفُرَج "كل تلك من أجزاء الأرض وهي من قطع المتحسم
د) "والتجبيب: النّفار. جبّب: فرّ وعرّد/ مضى مسرعًا فارًّا من الشيء "هو من الذهاب في الأرض. أي من قطعها فرارًا، أو من فراغ الجوف جبنًا، والفراغ انقطاع.
• (جبو - جبى):
﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]
"الجابية: الحوض الضَخْم الذي يُجْبَى فيه الماء (من البئر) للإبل، وهو أيضًا جَبًا - كفتى. والجِبا - كرِضًا وفَتىً: ما جُمِع في الحوض من الماء الذي يُسْتَقَى من البئر، وهو أيضًا الجُبْوة - بالكسر والضم ".
° المعنى المحوري استخراج بقوة أو كثرة للماء ونحوه إلى حيز جامع كبير - كجَمْع الماء من البئر في الجابية ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب﴾ [سبأ: ١٣]: جمع جابية. ومنه "الجِباية: استخراج المال من مظانه. جَبَى الخراجَ والمال يجبيه ويَجْباه ويجبوه " ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].
ومن الأصل أُخِذَ "الاجتباء: الاصطفاء والاختيار " (وأصله أخذٌ وضمٌ إلى حيز، والصيغة تجعله إلى النفس) ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]. ومنه أيضًا جاء: "اجتبى الشيءَ: جاء به من عند نفسه " (تكلف استخراجه والصيغة تعطى الاجتهاد المتمثل في التكلف) ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٣]
стр. 268
والذي جاء في القرآن من التركيب هو (جَبْى) الثمرات، و (الجوابي) الأحواض، و (اجتباء) الشيء اختلاقه من عند نفسه، وسائر ما جاء هو (الاجتباء) بمعنى الاصطفاء. وكله راجع إلى الاستخراج جمعا في حيّز.
• (جوب - جيب):
﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩].
"الجَوْبة - بالفتح: الحُفرة، وفَجْوة ما بين البيوت. والمكان المُنْجاب: الوَطئ من الأرض القليلُ الشجر مثلُ الغائط المستدير ... إنما يكون في أَجْلاد الأرض ". والجَوْب - بالفتح: الدِرْع تلبَسه المرأة، والدَلْو الضخمة. جَيْب القميص والدرع (: منفذ الرأس منه). - "جاب الصخرةَ يجوبها: نَقَبَها، والشيءَ خَرَقه، والنعلَ: قَدَّها، والقميصَ: قوّر جَيْبَه. وجابَ قرنُها: قَطَعَ اللحمَ وخرج. وانجابت الأرض: انْخَرَقَتْ. وكل مُجَوّف قَطَعْتَ وَسَطه (فقد) جُبْتَه ".
° المعنى المحوري قطع وسط الشيء المجتمع الصلب أو الشديد قطعًا مستديرًا - أي مع بقاء جوانبه ملتحمة كتلك الفروج التي وُصِفت. ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩] كما قال عنهم ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]. ومنه "الجوب: الخَرْق (قطع الوسط) المجازي "جاب المفازةَ والظُلمة والبلاد: قَطَعها سَيْرًا "/ (اخترقها). ومن هذا الأصل "الإجابة، والاستجابة: قبول الدعاء "ونحوه. كأن المُجِيب (تَجَوَّبَ) للشيء أي قَبِله في جَوْفه وحَوْزته. وتفسير الإجابة والاستجابة بقبول الدعاء وإيتاء السؤْل يوثَّق من قول [ل] "في أسماء الله المجيب وهو الذي يقابل الدعاء والسؤال بالعطاء والقبول .. والإجابة والاستجابة بمعنى. يقال استجاب الله دعاءه ". ومن هذا
стр. 269
أيضًا "الإجابة: رَجْع الكلام. الجواب: رديد القول " ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] "ما كان جوابكم لمن أُرسل إليكم من المرسلين لمّا بلغوكم رسالاتي؟ [قر ١٣/ ٣٠٤] ومن بابها ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]. والجواب فيهما يشمل الكلام والعمل. "والمجاوبة والتجاوب كالتحاور والمحاورة، إذ الجَواب رَدٌّ للكلام أو السؤال الذي تلقاه المحاور واستوعبه قي نفسه، ثم هو يجيب من عند نفسه أيضًا. والنفس والقلب كالجوف ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٢, ومثلها ما في النمل: ٥، العنكبوت: ٢٤، ٢٩]. ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] قدّم [قر ٢/ ٣٠٨] أن الدعاء هنا بمعنى العبادة، والإجابة قبولها، ثم أكمل بما يعني أن الدعاء هو سؤال الحاجة والإجابة هي إعطاء السؤل، وهو الراجح، وعليه ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ﴾ [الأنفال: ٩]، وما في [النمل: ٦٢، ويونس: ٨٩]. أما ما في [إبراهيم: ٣، الأحقاف: ٣١، ٣٢] فهو من إجابة الدعوة إلى الله أي بالإيمان، ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢].
وكل ما في القرآن من الفعل استجاب ومضارعه وأمره فهو بمعنى إيتاء السؤل إمدادًا بالمطلوب كما في آية الأنفال، أو قبولًا بما يدعو الله إليه كما في آية آل عمران.
• (وجب):
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦].
"وَجَبَت الشمس وُجُوبا: غابت. ووَجَبَتْ عَينُه: غارت "
стр. 270
° المعنى المحوري غثور أو سقوط (شديد) في جوف أو ما يشبهه كالشمس تغيب في الأفق وتلزمه طويلًا وكذا العين تغور فتلزم مكانها (واللزوم هنا هو مقابل الشدة). ومنه "وَجَب البيتُ والحائطُ: سَقَط، ووَ جَبَت الإبلُ: لم تَكَدْ تقوم عن مباركها/ أعيت ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ سقطت ساكنة أي همدت بعد النحر؛ لأنها تُنْحَر قائمة.
ومن الأصل: "الوَجْبَة: الأَكْلَةُ في اليوم والليلة (مَلْء الجوف الخالي أي احتواؤه طعاما) ووجب القلبُ: خفق واضطرب (في الجوف) كصوت السقوط. ومنه كذلك "رجل وَجْب الجنان: جبان ": (ساقطه غائره فارغه. أو هو من كثرة خفقانه خوفًا. فهو استعارة على الأول، وكناية على الثاني).
ومنه "وَجَبَ الشيء وجوبا: لزم وثبت (كأنما انغرس في فجوة فثبت ورسخ غير متحلحل. ونظيرها في هذا الأصل (فَرَضَ) من الثبات في الفُرْضة).
• (جبت):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]
"الجبت - بالكسر: كل ما عُبِد من دُون الله، وقيل هي كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك ".
وبالنظر إلى عدم ورود استعمالات للتركيب غير ما سبق تفسيرها به في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، ولتفسيرها بصنم خاص أو عامّ، ولِما قيل من أن التاء فيها مبدلة من سين والأصل "الجبس " (١) فإنني أرى تفسيرها بالجبس الذي يُبْنَى به، ويكون معناها: الحجرَ وما يئول إليه. والمراد الصنم أو الأصنام التي تُسَوّي من
стр. 271
معناها: الحجرَ وما يئول إليه. والمراد الصنم أو الأصنام التي تُسَوّي من الجص وهذا يكشف غموض الكلمة. ويكون توبيخُ اليهود بهذا أحَدّ وأخزى لهم. ومن هذا الأصل يعمم في كل باطل يُتَوهم فيه ما ليس له حقيقة. وفي الحديث الشريف: "الطِيَرة والعِيافة، والطَرْق من الجِبْت " (الطَرْق: تكهن بالضرب بالحصى).
• (جبر):
﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]
"الجبّار من النخل - كشداد: الطويلُ الذي فات يَدَ المتناول/ العظيم. ونخلة جَبَّارة: فتية قد بلغت الطولَ وحَمَلَت. والجمع بلا تاء. وتجبّر النبتُ والشجر: اخضرّ وأَوْرق وظهرت فيه المَشْرةُ بعد ما يَبِس أو أُكِل (المَشْرة - بالفتح: شبه خُوصة تخرج في العِضَاه وفي كثير من الشجر أيامَ الخريف لها ورق وأغصان رخصة) والجبَار - كسحاب: فِناء الجبّان ".
° المعنى المحوري اشتداد وامتداد (ذاتي) يتجاوز ضَعْفًا أو خللًا (طارئًا). كالنخلة تنمو عن صِغَر، تأمل قولهم عن الجبّار من النخل "فات اليَدَ .. فتيّة بَلَغَت الطُول " (أي الطول المعهود للنخل) وكذلك تجبُرُّ النبت الذي اخضرّ بعد قطعه أو يُبْسه (استرداد قوة). وفِناء الجبّان امتداد له متروك - عن رَهْبة - بعد الذي يُشغل منه. ومن "ذلك جَبَرَ العظمَ الكسير (ضرب): شدّه بالجبائر (: عيدان) ليلتئم وينمو، فجَبَر وانجبر. وعلى المثل: جَبَرَ الفقيرَ واليتيم: سدّ مفاقره ".
ومن ذلك "جَبَره وأجبره: أكرهه وقهره (تجاوز بقوته إرادة الضعيف فأكرهه) ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥]. و "الجبَّار كشداد: المتكبر الذي لا يرق لأحد عليه حقًّا/ المتمرد العاتي ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] ,
стр. 272
﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] وكذا كل صفة (جبار) في القرآن عدا ما يأتي.
وقد فُسَّر اسمُه الجبّار ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ بالعظيم، وجبروت الله: عَظَمته (وتفسيره بذي العزة التي لا تتناهى أقرب إلى المعنى الاشتقاقي من العظمة)، كما فُسّر بالجَبْر: الإِصلاح من نحو "جَبَر الكسير "، وبالجبر القهر. [قر ١٨/ ٤٧]. وهذا الأخير مُتَضَمَّنٌ في معنى العزة البالغة. و "الجَبْر - بالفتح وكشداد: المَلِك " (للسلطة والقهر الذي له ويبسطه على المملوكين).
ومن الأصل "نارُ إجبير: نار الحُبَاحب "تظهر وتنطفئ مرة بعد أخرى أي باسترسال وامتداد.
وأما "الجُبَار من الدم - كغراب: الهَدَر، وفي الحديث "المعدِن جُبَار، والبئرُ جُبَار، والعَجْماء جُبَار "فهو من ذاك الامتداد تجاوزًا أي بصورة تجاوز، على معنى أن الأمر يجرى مطردًا ويُمْضَى عما حدث لا يُتَوَقَّفُ عنده - فكأن لم تحدث إصابة - أو كأن إصابتها مَجْبُورة بنفسها. (والعامة تقول في السلعة التي نفقت وبيعت جَبَرت - ويقال كان زمان وجَبَر أي مضى وتُجُووز).
• (جبل):
﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢]
"الجبل: اسم لكل وَتِد من أوتاد الأرض إذا عَظُم وطال من الأعلام والأطْواد. والجبل من الرمل: العريضُ الطويلُ. والجُبْلة - بالضم: السَنام. وثوب جيّد الجِبلة أي الغَزْل والنَسْج والفَتْل ".
° المعنى المحوري تجمع عظيم شديد الأثناء مع غلظ هيأة. كالجبَل والسَنام. والثوبُ الموصوفُ لا يكون إلا سميكًا مكتنز الأثناء. فمن جبال
стр. 273
الأرض .. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] ومن مادي غلظ الهيأة "رجل مجبول: مجتمع الخَلْق/ غليظ الجِبْلَة. وقد جَبِلَ: غَلُظَ. والجَبِل من السهام - كفرح: الجافي البَرْى. ورَجُل جَبْل الوجه - بالفتح - غليظ بَشَرة الوجه، وكذا جَبْل الرأس: غليظ جِلدتها ". ومن معنوى الغلظ "جَبَله وأجبله: جبره "أي غَلُظَ عليه. وقد يتمثل الغلظ في الكثرة "الجِبِلّ - كفلز، وبتاء ... : الخَلْق الكثير " (تجمع كبير كثيف من الناس مع ملاحظة اختلاف هيئاتهم) ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢] , ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٤].
ومن التجمع قالوا: "جَبَله على الشيء: طبعه " (كوّن جرمه على هذا).
ولم يرد في القرآن من التركيب إلا (جَبَل) وجمعه (جبال) و (الجِبِلّ) و (الجِبِلّة).
• (جبن):
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣].
"الجُبْن: هذا الذي يؤكل. والجَبَّان كشداد، وبتاء: ما استوي من الأرض في ارتفاع ويكون كريم المنبت. وتسمى بهما المقابر. وكل صحراء جَبَّانة. والجبينان حرفان مكتنفا الجبهة من جانبيها فيما بين (طرفي) الحاجبين مُصْعدا إلى قُصاص الشعر ". وفي المصباح "الجبين ناحية الجبهة من محاذاة النَزَعة إلى الصُدْغ " (والنَزَعتان هما جانبا الجبهة اللذان ينحسر عنهما الشعر. فقُصاص الشعر هو أعلى النزَعة حدُّ أعلى الجبين أما حدّ أسفل الجبين فهو أعلى عظم الصدغ).
° المعنى المحوري تجمد ظاهر الجرم على خلاء أورقة في أثنائه: كالجُبْن مع خلوه من الدَسَم (إذ كانوا يمخضون الزبد أولًا)، والأرض المذكورة على
стр. 274
خصوبتها وهي رقة أثناء ورخاوة، وعلى الأموات في باطنهما (فراغ لهم) والجبينان مستويا الظاهر على رخاوة في باطنهما تُحسّ ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾. ومنه "الجَبَان من الرجال الذي يهاب التقدم على كل شيء ليلًا كان أو نهارًا (مُحْجِم أو منخوب القلب) وتجبّن الرجل: غَلُظ (من التماسك والجمود الظاهريين).
• (جبه):
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥].
"الجَبْهَة للإنسان وغيره. وهي للإنسان موضع السجود، وللفرس ما تحت أذنيه وفوق عينيه ".
° المعنى المحوري المواجهة بصلب عريض في مقدّم الشيء ليس فيه رخاوة - كجبهة الفرس والإنسان ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ والعياذ بالله تعالى.
ومن تلك المواجهة بصلابة وعرض مع عدم الرخاوة أخذ معنى مواجهة الشدة "وَرَدوا ماء له جَبِيهة: إذا كان مِلْحًا لم ينضح ما لَهم الشربُ، أو آجنا، أو بعيد القعر "ومنها أيضًا "جَبَه الماءَ: ورَدَه وليس عليه قامةٌ ولا أداةٌ للاستقاء، (الحاجة إلى ماء البئر مع فقد ما يتناول الماء به = شدة) وجَبَه الرجلَ: ردّه عن حاجته واستقبله بما يكره ".
وقد اشتقوا من جبهة الإنسان والفرس إلخ كثيرًا مثل "رجل أجبه بين الجَبَه: واسع الجبهة حَسَنُها، وجَبَهه: صك جبهته، والجابه: الذي يلقاك بوجهه أو بجبهته من الطير والوحْش. وجَبْهة القوم: سيدهم على المثل ".
ومن العِرَض مع الصلابة "الجَبْهة الجماعة الذين يسعون في حَمالة أو مغرم أو جَبْر فقير، وجاعة الخيل, والجماعة من الناس ".
стр. 275
أما قولهم "رجل جُبّه وجُبّأ "كلاهما بوزن سُكّر فأرجح أن الهائية مبدلة من المهموزة.
° معنى الفصل المعجمي (جب): هو التجسم (مع الاستواء أو القطع) كما يتمثل في الجَبوب وجَبّ السنام - في (جبب)، وكالمجتمع من الماء - في (جبوجبي)، وكما في جَوْب الصخر وحَفْر الأرض - في (جوب جيب)، وكما في سقوط الجسم الكبير - في (وجب)، وكما في كتلة الصنم - في (جبت)، وفي امتداد جسم النخلة والتئام الكسر - في (جبر)، وفي تجمع جسم الجبل - في (جبل)، وكتلة الجبن (الخالية من الدسم) - في (جبن) وصلابة الجبهة وعِرَضها مستوية - في (جبه).
الجيم والثاء وما يثلثهما
• (جثث - جثجث):
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٢٦]
"الجَثِيثةُ: النخلةُ التي كانت نواةً فحُفِرَ لها وحُمِلت بجُرثومتها. والجُثّ - بالضم: ما ارتفع من الأرض حتى يكون له شخص مثل الأَكَمَة الصغيرة، وغلافُ الثمرة. وجَثُّ الجراد - بالفتح: مَيْتُه، وجَثُّ العسل: الشَمْع. والمِجَثة كمظلة ومفتاح: حديدة يقلع بها الفسيل ".
° المعنى المحوري تميز كتلة كثيفة ذات حجم اقتلاعا أو ارتفاعا (١)
стр. 276
كالنخلة المذكورة بجرثومتها، والجُثّ الموصوف كأنه مقلوع، وغلاف الثمرة: (إذا كان غليظًا) وشأنه أن ينزع، وكذا جَثّ الجراد الميت: جماعةٌ منه ميتة على الأرض وكونه ميتًا يوحي بأن الكلام عن كمٍّ كبير منه، والشَمْع بالنسبة للعسل كالغلاف ليس منه. فمن القَلْع ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ ومنه - مع تجاوز قيد عَدَم القيمة الحيوية - "بعير جُثَاجِث - كتماضر: ضَخْم. ونَبْتٌ جُثاجث: ملتفّ ".
• (جثو - جثى):
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢].
"الجُثْوة - مثلثة: حجارة من تراب متجمع/ الحجارة المجموعة/ الربوة الصغيرة/ الكومة من التراب. الجُثوة: القبر، وجُثوة كل إنسان: جسده. وجُثَى الحَرَم - بالضم والكسر مع القصر - ما اجتمع فيه من الحجارة التي توضع على حدود الحرم، أو الأنصاب التي تذبح عليها الذبائح ".
° المعنى المحوري تحجُّم تراكميٌّ يغلظ من فقد الارتفاع أو عدمه - كالجُثَا من الحجارة والتراب، وكجثوة القبر، وجُثا الحرم. ومنه "جثا يجثو ويجثِى جِثِيا وجُثُوّا - فُعول: جلس على ركبتيه للخصومة ونحوها ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]. وأما ما جاء في [ل، تاج] أن من معاني جثا (قام) على
стр. 277
أطراف أصابعه، فإن حقيقة قام فيه نَصَبَ جِذْعه جالسا على عقبيه قائم القدمين على أطراف أصابعهما (١) (وليست الخصومة قيدًا وإنما هو لتمثيل هيئة الجاثي، والقيام الحقيقي هنا يعبَّر عنه بـ جذا). ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] وبتصور إحضار الفرس تتبين شدة هذا العذاب. نعوذ بكرم الله تعالى ورحمته منه.
• (جثم):
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨].
"الجَثَمَةُ - محركة، والجَثُوم: الأَكَمةُ. وجَثَّم الطينَ والترابَ والرمادَ: جمعها. جثمَ الإنسانُ والطائرُ .. والأرنبُ: لزم مكانه وتلبّد بالأرض ".
° المعنى المحوري تلبُّد الشيء الكثيف بالأرض متجمعًا بارتفاع ما كالجُثْوة - كجثوم الأرنب والطائر، وكَجَثَمات الطين والتراب والرماد ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ جُثثًا ملقاه على وجوها.
ومن التجمع الكثيف مع بعض التجاوز (الجَثْم - بالفتح وبالتحريك: الزرع إذا ارتفع عن الأرض شيئًا واستقلّ (أقول ولا يصدق التعبير إلا إذا كان كثيفًا). "والجَثْم - بالفتح: العِذْقُ إذا عَظُم بُسْرُه ".
° معنى الفصل المعجمي (جث): الكتلة الكثيفة ذات الحجم كما يتمثل في
стр. 278
الجُثّ: الأَكَمة الصغيرة الشاخصة - في (جثث)، وفي تجمع الحجارة والتراب - في (جثو جثى)، وفي تجمع الطين والشيء المتماسك - في (جثم).
الجيم والحاء وما يثلثهما
• (جحح - جحجح):
"أجَحّت الكَلْبة والسَبُعة والمرأة: حَمَلَت فَأَقْرَبَتْ وعَظُم بطنها فهي مُجِحّ. والجُحّ - بالضم: حَمْل البِطِّيخ والحَنْظَل/ صِغَارُ البطيخ والحنظل قبلَ نضجه، وكلُ شجر انبسط على وجه الأرض. والجُحْجح - بالضم: الكبش العظيم ".
° المعنى المحوري عِظَم الشيء من امتلاء باطنه بغليظ أو حادّ (والحدّة من الغلظ) (١): كَحَمْل الكلبة إلخ. وصغار الحنظل لها طعم حادّ، وطعم البطيخ قبل نضجه غير طيب، والشحم (في الكبش السمين) له حدة.
ومن معنوىّ ذلك: "الجحْجَح - بالفتح: السيد، لعظمه ".
стр. 279
• (جحد):
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧].
"فرس جَحْد - بالفتح - والأنثى بتاء: غليظٌ قَصِير. والجُحَادِىّ - كبخاري: الضَخْم. وأرض جَحْدة - بالفتح: يابسة لا خير فيها. وجَحِد النبات (تعب): قلّ ولم يَطُلْ ".
° المعنى المحوري جفاف الباطن ويبسه على ما يتجمع فيه من قُوَى فلا تنبسط إلى ما يُتَوقع منها. كالفرس القصير .. لم يمتد إلى طولِ مثله كأن قوة النمو فيه جَمُدت، وكذلك النبات. والأرض الجَحْدة يُتَوقّع أن تُنْبت ككل أرض لكن باطنها يَبِس خيرُه وجمُد.
ومن معنويه "جَحِد الرجل: إذا كان ضيقًا قليل الخير. وجَحِدَ عيشه: ضاقَ واشتدّ (جفاف وعدم انبساط) وعام جَحْد: قليلُ المطر (جاف يابس ويقلّ أن تنبت الأرض فيه)، جَحِد الرجل: أنفَضَ وذهب ماله " (جَفّ معينه).
ومن ذلك: "الجُحُود (منع): الإنكار مع علم "أي مع علم قلبه حقِّيَّةَ ما ينكره (جفاف باطن فلا يتأثر ولا يستجيب لما يطرأ عليه من علم أو خير): ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. ومن ذلك جُحُود النعمة: كُفرانها ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]. وليس في القرآن من التركيب إلا (الجحود) بهذا المعنى.
• (جحم):
﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]
"جَحْمَتَا الأسد والإنسان: عينَاه. والأَجْحم: الشديد حُمْرة العينين مع سَعَتهما. والجاحم: المكان الشديد الحر ".
стр. 280
° المعنى المحوري (بؤرة متوقدة الأثناء) توقد أثناء الشيء الجسيم حِدّة مع غلظه في نفسه - كحُمْرة جَحْمَتى الأسد (والحمرة شدة) إذْ تبدُوان في صفائهما مع الحمرة والحدّة كجَمْرتي نار، وكالحرارة في المكان. ومنه الجحيم: كل نار عظيمة في مهواة ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] وليس في القرآن من التركيب إلا (الجحيم).
° معنى الفصل المعجمي (جح): وجود الغلظ أو الحدة في باطن الشيء كما يتمثل في عظم بطن الكلبة المُجحّ، وحدّة طعم الحنظل - في (جحح)، وفي جفاف باطن الأرض الجحدة - في (جحد)، وفي حمرة عيني الأسد والإنسان في (جحم).
الجيم والدال وما يثلثهما
• (جدد - جدجد):
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣].
"الجَدَدُ - محركة: الأرض الغليظة/ الصُلْبة/ ما استوى من الأرض وأصحر لا رمل فيه ولا جَبَل ولا أَكمَة. والجَدْجَدُ - بالفتح: الأرض الغليظة/ الصُلْبة المستوية. والجَدّ - بالفتح والكسر وكسبب وجميل: وجهُ الأرض. والجُدّة - بالضم: ساحل البحر وضِفّة النهر وشاطئه. ومفازة جدّاء: يابسه/ لا ماء بها ".
° المعنى المحوري عِظَم الجرم مع تماسكه مستويا ممتدًّا أو منبسطًا (١)
стр. 281
كالأرض المذكورة فهي مادة كثيفة متماسكة فيعظم جرمها، وهي ممتدة طولًا أو اتساعًا كشاطئ البحر والنهر، وكالأرض المستوية والمفازة المذكورة. والاستواء منصوص عليه في أكثر الاستعمالات.
ومن مادى ذلك "الجادّة: المَحَجَّة المسلوكة (امتداد طولي مع استواء) وكذلك الجُدّة - بالضم: الطريقة في الجبل. (وفي السماء) وجمعُها كزُمَر ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧].
ومن المتانة اللازمة للتماسك "الجِدّة - بالكسر: نقيض البِلى ""ثوب جديد ومِلْحَفَة جديدة ". ولارتباط المتانة بالحداثة استعمل الجديد في المحدَث ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦]. وتأمل ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] , ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]
стр. 282
١٠]، ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧]، ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]. يستبعدون التئام أجسامهم وتماسكَها وعَوْدَها صحيحة مَتينة بعد ارفتاتها. وكذا سائر ما في القرآن من كلمة (جديد).
ومن الامتداد في المعنى المحوري "الجد أبو الأب "لأنه أصل تمتد منه الفروع.
ومن العِظم المادي يأتى عظم القدْر "الجَدّ - بالفتح بمعنى الحظ في الدنيا/ الحظّ والغنى في الدنيا/ الحُظوة والرزق " [تاج] فهذا انبساط حال. ومنه يؤخذ أيضًا معنى جلال القَدْر الذي عبروا عنه بالعظَمة. "الجَدّ: العَظَمة ""إذا قرأ سورتي البقرة وآل عمران جدّ فينا "أي جلّ قدره وعظُم. أما قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣] فقد ذكر [طب التركي ٢٣/ ٣١٢ - ٣١٧] في معنى (جد ربنا) أقوالًا:
أ) أمرُ ربنا أي تعالى أمره (= شأنه) عن أن يتخذ صاحبة أو ولدًا. ب) جلال ربنا وعظمته. ج) غِنَى ربنا (أي هو غني عن ذلك - أخذًا من أحد معاني الجدّ في اللغة وهو الغنى). د) الجدّ أبو الأب - على أن ذلك كان جهْلةً من كلام الجن أو كان من كلام جَهَلة الجن. هـ) ذكرُه .
وأقول إن الصواب هو تفسير ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ بـ (تعالى جلالُه وعظمته) وهو التفسير رقم ب هنا. أولًا: لأن هذا يؤخذ مباشرة من معنى العِظم المادي مع الاتساع والانبساط الذي استعمل العرب لفظ (جدد) فيه: "الأرض الغليظة الصُلبة/ ما استوى من الأرض وأصحر " (الاتساع لازم للاستواء). وثانيًا: لأن
стр. 283
لهذا نظيرًا صحيحًا هو أخذ (الجلال) و (الجلالة) - كسحاب وسحابة: بمعنى عِظَم القدر من الجِلال - ككتاب وهو ثوب عظيم الاتساع يغطَّي به كالحَجَلة، وكذلك، الجِلّ - بالكسر من المتاع: البُسُط والأكسية. وثالثًا: لأن لفظ جَلّ يستعمل للتنزيه [ينظر تاج جلل] والآية هنا أيضًا للتنزيه عن اتخاذ الصاحبة والولد. وتفسير ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ بـ (جلال ربنا) هو الذي انتهى إليه [قر ١٩/ ٩] بعد ذكره أقوالا أخرى. أما تفسير ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ بأمره وشأنه فهو قريب وليس كافيًا، وتفسيره بالغنى أقل قربًا، وبالذكر - لا يؤخذ من ألفاظ الآية، والتفسير رقم (د) ذُكر في [قر] أيضًا، وهو سهو، ونسبته إلى الجن تتطلب من ناسبيه إليهم توثيقا. وليس في القرآن من التركيب إلا (الجُدَد)، و (الجديد)، و (الجَدّ)
ومن استواء الظاهر يتأتى "الجَدّ بمعنى القطع "الذي يتمثل في تجريد الشيء مما تفرع منه فيبقى على استوائه وعدم تشعبه (ينظر تم، وجبّ هنا). فمن ذلك "الجَدَاد - كسحاب وكِتاب: صِرَام النخْل، وهو قطع ثمرها (كانوا يقطعون العُذوق المتدلية من أصلها) و "الجَدّاء: الشاة المقطوعة الأذنين " (فيبقى رأسها أجمَّ مستويًا لا تشعب فيه) ومِلحفة جديد وجديدة: حين جدّها الحائك (النسّاج) أي قطعها، وثوب جديد في معنى مجدود يراد به حين جدّه الحائك أي قطعه (كذا قالوا، وقد قلنا إنه من المتانة) وحَبْل جديد أي مقطوع ". فكأنهم توسعوا فاستعملوا التركيب في مطلق القطع. ومما يتأتى أن يؤخذ من الاستواء (أو من القطع اللازم له) مع الجفاف (اللازم للكثافة أو الصلابة) قولهم "امرأة جدّاء: قصيرة الثديين. حَلُوبة (شاة، ناقة، أتان) جدّاء: لا لبن لها، لآفة أيبست ضرعها، وسنة جَدّاء: مَحْلة ".
стр. 284
ومن هذا الاستواء والجفاف أيضًا جاء "الجِدّ - بالكسر: ضد الهزل ". لما فيه من عدم الرخاوة والتميع. يقال "جدّ في السير وفي الأمر ".
أما "الجُدْجُد - بالضم: بثرة تخرج في أصل الحدقة "فهي من الصلابة والشدة اللازمة للتماسك؛ لأنها زيادة في ذلك الموضع الحساس مع شدة وقعها خَشِنَةً جافة كالشوكة هناك، وكذلك "الجُدْجُد: صرّار الليل " (لحدة صوته وشدته مع تقطيعه)، وكذا "الجُدْجُد: الحرّ العظيم "لشدته أيضًا وعمومه. وانتشارُه امتداد وانبساط.
• (جود - جيد):
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤].
"الجَوْد - بالفتح: المطر الواسع الغزير./ الذي لا مطر فوقه ألبتّه. جاد المطر: وَبَلَ، والعينُ: كثُر دمعها. والجِيدُ - بالكسر: العُنق ".
° المعنى المحوري قوة خروج الماء (وما هو سلس) من جوف الشيء. كالمطر الغزير من السحاب والدمع الكثير من العين. والعنق (أملس) ناتئ أي نافذ قوي من وسط البدن إلى أعلى ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] ومنه "الجُود - بالضم: الكرم " (بذل المال (خروجه) بكثرة من الحوزة) ومنها "يَجُود بنفْسه عند الموت (خروج نفْسه)، وإنه ليُجَاد إلى كل شيء يَهْواه - للمفعول: (تكاد تخرج نفسه تعلقًا به). وجِيدَ الرجل - للمفعول: عَطِش، والجودة - بالفتح: العَطْشة، وكغراب: جَهْد العَطَش " (كل ذلك لذهاب الماء من جوفه، ومثله "الجُود - بالضم: الجوع "لنفاد الغِذاء من بدنه. ومنه "فرس جَوَاد - كسحاب بين الجُودة - بالضم. وقد جاد يجود أي صار رائعًا سريعًا " (يبذل
стр. 285
الكثير من قوّته في الجري، كما قالوا فرس بَحْر وفَيْض). ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] والجُودِيّ جَبَل والجبال ونحوها ناتئة (أي خارجة) من جَوْف الأرض (أو هو عَلَم) ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤].
وأما "جادَه النعاس: غلبه "فمن "الجَوْد: المطر الغزير "على التشبيه كما يقال "غَرِقَ في النوم ".
• (وجد):
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]
"وَجَدْتُ المال - كوعد، والمصدر الوُجْد - مثلثة، والوِجدان - بالكسر وكعِدة - أي صرتُ ذا مال. ووَجَد الضالّة والمطلوبَ: (ظَفِر به). وأوجده الله مطلوبَه: أظفره به. ووُجِدَ الشيءُ من عَدَمٍ "- للمفعول.
° المعنى المحوري تحصل شيء ذي بال في حَوْزة كانت خالية منه. كالمال والضالة والتحقق المادّي عن عدم. ومن صُوَره العثورُ على الشيء في الحوزة دون معرفة مسبقة بذلك ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] , ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] , ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] , ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] وفي كل هذه (وجد) فعل تام معناه إصابة ذات الشيء أي العثور عليه في الحيز، ومثلها كثير [البقرة: ٢٨٣، النساء: ٤٣، المائدة: ٦، التوبة: ٥٧، ٧٩, ٩١]. وفي آيات أخرى تكون بمعنى العلم (وجود الشيء على صفَةٍ أو حال أي العلم بوجودها فيه) ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ