"الهالَةُ دارة القَمر. والهَيُول: الهباء المنبث وهو ما تراه في البيت من ضوء الشمس يدخل في الكُوّة. والهَيل - بالفتح، والهائل من الرمل: الذي لا يَثْبت مكانه حتَّى ينهال فيسقط ".
° المعنى المحوري فراغ في أثناء الشيء مع تسيب وصورة من التجمع تراكمًا أو تعلقًا. كحَلْقة الدارة مفركة تقريبًا، وكذرات الهباء في الهواء، وكانهيال الرمل - ومنه "هَال عليه الترابَ (جعله يشيب عليه) وهال الرملَ: دفعه فانهال، والدقيقَ في الجراب: صبَّه من غير كيل "ومنه ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أي كل منها كومة من الدقاق المتسيبة كما قال تعالي: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة: ٥].
• (أهل):
﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]
"الإهالة - كرسالة: ما أَذَبْتَ من الشَحْم، وما علا القِدْرَ من وَدَك اللحم السمين. كل دُهن اؤتُدِمَ به إهالة. كل ما أؤتُدِم به من زُبْد وودك شحمٍ ودهن سمسم وغيره فهو إهالة ".
° المعنى المحوري لزوم مع سيوغ إلى الجوف بتمكن ولطف واستطابة كالإهالة وما يؤدم به الطَّعام من جنسها. فهنا تغلغل في الأثناء مع طيب ولطف، ومن هذا "أهل الرجل: عثيرته. والآهل الذي له زوجة وعيال ". فالرجل من عشيرته ينتسب إليها وتنتسب إليه، والزوجة تلازم زوجها ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥]، أي زوجك وكذا ما في [طه: ١٣٢]. وما عداهما فأهل
стр. 2312
تضاف وتراد بها العشيرة ﴿وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، أو أصحاب بلاد أو أمانات أو ذِكر أو مَكر إلخ. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧]: ٧٧، (أهل البيت: سكّانه. أهل كل مال: صاحبه) ومن هذا: أهل بيت النبيّ ﷺ لأنهم أقارب صاحب البيت ﷺ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ومن جنسها ما في [هود: ٧٣]. ومن هذه العلاقة أيضًا ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] فهم مؤمنون به وينتمون إليه. و ﴿أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] كما قال ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: ٣٩].
وفي قوله تعالى: ﴿قَال يَانُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] الأهلية المنفية هي أهلية مجانَسة في الدين والانتماء كما قيل (أهل الكتاب) -أي: إنه ليس من أتباعك المتعلقين بك وبدينك. بدليل تكملة الآية ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ﴾. فعلق نفي الأهلية بعدم صلاح عمله [ينظر بحر ٢٢٩ - ٢٣٠].
ومن الأصل "هو أهل لكذا: مستوجب ومستحق له "أي ذلك الأمر لازم له، وهو محيط به فهو من حقه ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]. أي هو أهل أن يُتَّقَى فلا يُعْصَى، وأهل المغفرة لمن اتقاه [ل]. وفي [بحر ٨/ ٣٧٢] مسندًا إلى النبي ﷺ أنَّه سبحانه أهل أن يتَّقَى فلا يُتَّقَى إلاهٌ غيره، ومن اتقى أن يجعل معه إلاها غيره فإنه يغفر له.
• (هلع):
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ [المعارج: ١٩]
"رَجُل هُلَعة -كهُمَزة: يَهْلَع ويَجْزَع ويسْتَجِيعُ سريعًا. هَلِعَ (تعب): جاع ".
стр. 2313
° المعنى المحوري فراغ الجوف من مصدر القوة- كالجائع جدًّا. ومنه الهَلَع الذي وصفه القرآن الكريم ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، (فالجَزَع ضدُّ الصبر من فراغ القوة وعدم الصمود، ومنعُ الخير الموجود من فراغ النَفْس فيحرص خوفًا من الفقر) فتعريفهم الهَلَع بأنه الحرص، والجزع وقلة الصبر، أو أسوأُ الجَزَع وأفحشه = تعريفات جزئية إذ هو يجمعهما كما يبيِّن الأصل، وكما قالوا "رجل هلع - كفَرِح، وهالع وهَلُوع، وهِلْواع وهِلْواعة - بالكسر فيهما: جَزُوع حريص ". فجمعوهما.
ومنه "الهَلَع "الجُبْنُ عند اللقاء (من فقد القوة)، وناقةٌ هِلْواع وهِلْواعة: سريعة شَهْمَةُ الفؤاد تخاف السوط فيها خفة وحِدّة " (الخفة لازمة لفراغ الجوف واقتُصِر عليه).
• (هلك):
﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَينَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾ [الأنبياء: ٩].
"الهَلَكون - محركة: الأرض الجَدْبَة ليس فيها شيءٌ وإن كان فيها ماء. والهَلَك - محركة: جِيفَة الشيء الهالك، ومَشْرَفَة المهواة من جَوّ السُكاك / المهواة بين جبلين. والهالك من السحاثب: الذي يَصُوبُ المَطَرَ ثم يُقلع فلا يكون له مطر ".
° المعنى المحوري فراغ جوف الشيء مما هو حقيقته وجوهره - كفراغ الأرض من الخصوبة، والجِيفة من الرُوح، والمَهواة من الصَخر، والسحابة من
стр. 2314
المطر. ومنه "هَلَكة النبات - محركة: جفوفه وبيوده. وهَلك (ضرب): شَرِهَ (من ذهاب صلب جوفه). ومنه "هَلَك: مات ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وأهلك المال: أنفقه " ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾ [البلد: ٦]، وعَمّ في الإفناء ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [يونس: ١٣]، وقال جميل بثينة [المفصل في الأدب وتاريخه ج ١/ ١٤٧].
أَبيتُ مع الهُلَّاك ضيفًا لأهلها ... وأَهْلي قريب موسعون ذو وفضل
قال الشراح: الهُلَّاك: السؤَّال والفُقَراء (والفقر فراغ حوزة). وقد استعمل القرآن لفظ الهَلَاك في الموت المعتاد (أي لا أخذ عذاب) كما في ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦، وكذا ما في يوسف: ٨٥، القصص: ٨٨، يس: ٣١، الجاثية: ٢٤، الملك: ٢٨]، كما استعمله في إنفاد المال إنفاقًا لا بتدمير في ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]. وفي سائر المواضع في معنى الإفناء مؤاخذة، وهو في ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] عدوان.
° معنى الفصل المعجمي (هل): فراغ الأثناء أو ما هو من باب الفراغ. كفراغ دائرة هلال السماء في ما يُرَى، وفراغ أثناء الجمل المهزول من الضِراب أو السير - في (هلل)، وكفراغ أثناء الهَيُول: الهباء المنبث وهو ما يُرى في البيت من ضوء الشمس يدخل في الكوة - في (هيل)، وكالإهالة الذائب من الشحم والودك يفرغ مصدره - في (أهل)، وكفراغ جوف الهُلَعة - كهُمَزة: الذي يجوع سريعًا - في (هلع)، وكفراغ الهلكون: الأرض الجدبة التي ليس فيها شيء وإن كان فيها ماء - في (هلك).
هذا، وقد جاء في تركيب (هلم):
"الهُلام طعام يتخذ من لحم عِجْلة بجلدها ". وهنا أقول أن أخذ اللفظ
стр. 2315
القرآني (هلم) في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم﴾ [الأنعام: ١٥٠، وكذا الأحزاب ١٨]، بمعنى أقبل أو هات ما معك من ذلك الاستعمال غيرُ مناسب. فالصواب قول من قال إن (هلم) مركبة من (هـ) التنبيه والفعل لُمّ بمعنى اجمع كما يعبر في الجيش عن الأمر الموجه للجندي ليحضر عند مناديه بكلمة (اجْمع).
الهاء والميم وما يثلثهما
• (همم- همهم):
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤].
"الهَاموم: ما أُذِيبَ من السَنَام، وما يَسِيل من الشَحْمة إذا شُوِيت، ومن الشَحْم: كثيرُ الإهالة. وكلُّ ذائب يسمى هامومًا، وهُمامًا - كغراب. هم الشحم (رد): إذا به. وانهَمّ الثلجُ، والشَحْم، والبَرَدُ: ذاب. هَمّ اللَبَن في الصَحْن: (رد) حَلَبه، وهَمَّ الغُزْرُ الناقةَ: جَهَدها ". وانهمّ العَرَقُ في جَبينه: سال. وانْهَمَّت البقول إذا طُبِخَتْ في القِدْر.
° المعنى المحوري ذَوَبانُ الشَيءِ مُتَسَيِّبًا مما يجمعه لحرارة أو شدة (١)
стр. 2316
كالهاموم وذائب الثلج وكما يُحْلَب اللبن في الصحن.
ومن ذلك "الهَمّ: الحُزْن. هَمَّه الأمر (الشديد) وأهَمَّه: أَقْلقه وحَزَنه. والاهتمام: الاغتمام. كما قالوا همه السقم والمرض: أذابه وأذهب لحمه " ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
ومنه "هَمَّ بالشيء: نواه وأراده وعزم عليه " (كأنما تحلبت إرادته وهَوَاه بشدة نحو الشيء كما يسيل اللعاب شهوةً إلى الطعام). وقوله "نواه وعزم عليه "ليس دقيقًا فالعزم اشتداد يُشبه الصلابة. وهذا عكس الهمّ كما مر، فالهمّ فيه تسيب. وانطباقه الدقيق إنما هو على ما يبدر حسًّا أو حركة عند وقوع أمر جديد أي ردّ الفعل الأول قبل التروي، فلا يفسَّر بالعزم والنية: إذ هما عن ترو وفيهما عَقْدٌ في الباطن (والعَزْم أَشَدُّ في ذلك) وتفسير الهمّ بالإرادة أقرب لما فيهما من تسيب ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] قال أبو حيان عند تفسير ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ [آل عمران: ١٢٢]: أول ما يمر بالقلب يُسَمَّى خاطرا، فإذا تردد صار حديث نفس، فإذا ترجح فعله صار هما، فإذا قوي واشتد صار: عزما. فإذا قوي العزم واشتد حصل الفعل أو القول اهـ. ثم إنه في آية يوسف هذه عاب ما طوّل به المفسرون هنا يقصد خوض بعضهم تطوعا بما لا أصل له ولا سند، وينافي مع ذلك عصمة الأنبياء. ثم قال: "والذي أختاره أن يوسف ﵇ لم يقع منه
стр. 2317
هم بها ألبتة "وأول الآية بما يعني أنه كاد يهم لولا رؤية البرهان [ينظر بحر ٣/ ٤٧، ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥] ولا أستريح لتأويله ولا لتعبيره المصادم. والرجوع إلى الأصل المادي يؤسس لتفسير علمي. فالهم درجات. والشحم لا يذوب مرة واحدة وإنما يبدأ ضعيفًا فإذا توقفت الإذابة جمد. وقد قالوا "الهَميمة: المطر الضعيف الهين مطر لين دُقاق القطر "فهو ﵇ هم هما ضعيفا قد يتمثل في تحرك نفسه أدنى حركة كما يرى الشاب امرأة في وضع بالغ الإثارة فجأة، ثم قد يتنبه للرشد بعد استيعاب الموقف. أما هي فكان همها قويًّا مخططًا، لكها لا تملك أكثر من التعرض والكلام. ولذا تظل في دائرة الهمّ، وإن كان همًّا قويًّا بسبب شدة رغبتها وأنه (هو في بيتها). ولأنه في ذلك الزمن لم تكن القحة بلغت ما في أيامنا، وأنها زوجة وزير فإنني أرجح أنها ما كان يمكن أن تحاول اغتصابه، كما أن مثل هذه المحاولة لا تجدي مع الطرف الإيجابي إذا كان مستعصما. وقريب من أصل ما قلنا قول الإمام أبي العباس أحمد بن يحيى (ثعلب): هَمَّتْ وكانت مُصِرّة وهمّ ولم يواقع ما هَمّ [قر ٩/ ١٦٦].
ومن الأصل "الهِمُّ - بالكسر: الشيخ الفاني (تحلل جسمه وفرغ كأنما ذاب) والهَوَامّ: الحيات (لانسيابها في سيرها على وجه الأرض مع دقتها كالسائل الذائب)، والدابّةُ: الفَرَسُ والبعيرُ (لدوام السير). وهوامّ الرأس: القَمْل " (لسَرَيانها بين الشعر). وهَمْهَم الرعدُ: سمعتَ له دَويًّا، والرجلُ: لم يبين كلامه " (يخرج منه الصوتُ مُدْغمًا غير متميز المفاصل للتضام عليه. فكلاهما صوت متوال غير مفصل كالشيء الذائب السائل).
стр. 2318
• (هيم):
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥]
"الهَيَامُ - كسحاب: الترابُ أو الرملُ الذي لا يتمالكُ أن يَسيل من اليد رَمْل دُقاق يابس. مَفازة هَيماء: لا ماءَ بها، ورجل مَهْيوم وأَهْيم: شديد العطش. والهُيام - كغراب: شدة العطش، وداء يصيب الإبل (بنحو الجنون). فتهيم في الأرض لا ترعى ".
° المعنى المحوري جفاف أثناء الشيء وخلوها التامّ من البلل ومادة التماسك. كجفاف أثناء الرمل الموصوف، والمفازة، وجوف المهيوم.
ومن فقد مادة التماسك "ليل أهيم: لا نجوم فيه "فالنجوم معالم تهدي إلى الاتجاه وهذا حفظ (= إمساك) من الضياع والضلال والحيرة.
ومن هذا أيضًا "الهائم: المتحير "لأنه ضال ضائع غير ممتسَك إلى سبيل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] فسّرت بأودية الكلام. وقال بعضهم هو وادي الصحراء يخلو فيه العاشق والشاعر (فعلى الأول هَيَمانهم شطحهم ومبالغاتهم الفِجّة وادعاءاتهم للناس وعليهم مدحًا وقدحًا بما لا واقع له. وقول بعضهم هو وادي الصحراء الخ مردود. فالاختلاء بالنفس في الوادي ليس قصرًا على الشعراء كما في عبارته، وليس إثمًا. والهيم في آية التركيب هي "الإبل العطشى التي بها داء الهُيام لا تَرْوَى، أو الرمل الذي لا يروى "والقول الأخير ضحل جدًّا، لأن الرمل لا يشعر بالعطش والشعور هنا مقصود.
ومنه "الهامة: ما بين حرفي الرأس (جمجمة صلبة مع عدم صلابة جوفها فكأنها خالية). ومن هامة الرأس قيل "هامة القوم سيدهم) على التشبيه.
стр. 2319
• (همد):
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]
"شَجَرةٌ هامدة: قد اسْوَدَّتْ وبَلِيَتْ. وثَمَرة هامدةٌ: اسْوَدّت وعَفِنَت، وأرض هامدة: مُقْشَعِرَّة لا نبات فيها إلا اليابس المتحطم. كاد يَهْمَد من الجوع: يَهْلِك. وهمد الثوب (قعد): تقطع وَيليَ وهو من طول الطَيِّ تنظر إليه فتحسبه صحيحًا فإذا مسسته تناثر من البلى ".
° المعنى المحوري خلو أثناء الشيء من قؤ حقيقتِه ونموِّه (خلو الحي من الحياة وغير الحي من حقيقته): كذهاب القوة من الجوع، وذهاب الروح، وحرارة النار، وقوة الثوب، وكذهاب حيوية الشجرة والثمرة، والطراوة التي تجعل الأرض تنبت ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾.
أما "أَهْمَدَ الفَرَسُ: أَسْرَعَ في السير، والكلْبُ: أَخْضَر "فمن الأصل؛ إذ إن الجري عندهم إخراج لمذخور القوة، فإخراج المذخور إخلاء، أو أن شأن هذا الجري أن يُهْمَدَ بعدَه. "وأهمد في المكان: أقام "كأنما قَرّ لفقده القوة على الانتقال.
• (همر):
﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١]
"الهَمْرَةُ -بالفتح: الدَفْعَة من المطر. والهَمَّار- كشداد: السَحابُ السَيَّال. همر الماءَ والدمعَ (ضرب): صَبَّه. وهَمَرَ الغُزْرُ الناقةَ: جَهَدها. وهَمَر ما في الضَرْع أي حَلَبه كلَّه ".
° المعنى المحوري انصباب المتجمع من المائع من مجمعه بقوة: كالمطر والدمع ... ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾.
стр. 2320
• (همز):
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ [المؤمنون: ٩٧]
"قَوْسٌ هَمَزَى - محركة، وهَمُوزٌ: شديدةُ الدفع والحَفْز للسهم إذا نُزِع عنها. الهَمزة - بالفتح: النُقْرة كالهَزمة ". (نَزَع عن القوس: المراد: قذف السهم بها).
° المعنى المحوري دفع بقوة ودِقّة لما ينفذ في شيء. كالسهم عن القوس، وشَظِيَّة النُقْرة. ومنه قيل لما يَغُور في ظاهر جِزم الشيء: مِهْمَز "هَمَز الدابة: غَمَزها بالمهماز، والجوزةَ بيده، والقناةَ: غَمَزها ضَغَطها بالمهامز إذا ثَقَّفَها. والهَمْز مثل الغَمز والضَغْط. وهَمَزَه: دَفَعه وضَرَبه ".
ومن مجازه "الهامز والهمّاز - كشداد، والهُمَزة: العَيّاب الذي يَعيب الناسَ في غيبتهم (بلسانه كأنما ينخسهم). ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وآية التركيب ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ أمره تعالى - تعليما لنا - أن يستعيذ من نخسات الشياطين. والهمز من الشيطان عبارة عن حثه على العصيان والإغراء به كما يهمز الرائض الدابة لتسرع [بحر ٦/ ٣٨٧] وهذا يذكرنا بقول رب العزة ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].
• (همس):
﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]
"هَمَس الرجلُ (ضرب): مَضَغ من الطعام وفُوه مُنْضَمّ - الهميس: المضغ الذي لا يُفْغَر به الفم. همسه: عصره ".
стр. 2321
° المعنى المحوري إخفاء ما يجري في الفم: كمضغ الطعام مع ضم الفم، وكالعصر مع الضغط. ومنه: "أسَدٌ هَمُوس وكشداد: شديد الكَسْر بضِرْسه (كأن حسّ مضغه أقل مما يتوقع من الكمّ الذي يمضغه) وأخذْتُه أخذًا هَمْسًا أي شديدًا "فهذا محمول على همس الأسد.
ومنه: "الهمس والهميس: حسّ الصوت في الفم مما لا إشراب له من صوت الصدر، ولا جهارة في النطق، ولكنّه كلام مهموس في الفم كالسِرّ "وذلك من حيث إن الصوت يجري في الفم إذا كان موجودًا. وفي الهمس لا أصوات، كما قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾. أما "الهَمْس: الصوت الخفي للوطء هَمْس الأقدام أخفى ما يكون من صوت الوطء "فنظر فيه إما إلى خفاء أثر الصوت لانعدامه أو إليه مع الوطء (الدوس بالقدم) لأنه ضغط.
• (همن):
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]
"الهِمْيَان بالكسر: المِنْطَقَةُ، والتِكَّة، ويقال للذي يجعل فيه النفقة ويُشَدّ على الوسط ".
° المعنى المحوري ضبط أو حَوْز بشدة وتمكُّن "كالنفقة في الهميان، وكما تمسك التكة والمِنْطَقة السراويل والإزار.
ومنه: "الهَيمَنة: القيام على الشيء. قال:
ألا إن خيرَ الناس بعد نبيه ... مهيمنُه التاليه في العُرف والنُكْر
أي القائم على الناس بعده. ففيه الضبط والإمساك لهم في القَبْضة. والمهيمن في الأسماء الحسنى: القائم بأمور الخلق (إمساكًا وضبطًا وتدبيرًا وإحكامًا)
стр. 2322
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أي حافظًا - ولهم كلام آخر [قر ٦/ ٢١٠] والكلمة تعطي أن القرآن هو الضابط والفيصل في ما ورد في تلك الكتب السابقة له من الأخبار والتشريعات مخالفًا للقرآن الكريم.
° معنى الفصل المعجمي (هم): تسيب أثناء الشيء ذوبانًا أو نحوه كالهاموم: ما أذيب من السنام، وما يسيل من الشحمة إذا شويت - في (همم)، وكالهيام: التراب أو الرمل الذي لا تمالك - في (هيم)، وكما في بِلَى أثناء الشجرة أو الثمرة الهامدة وعفنها - في (همد)، وكما في انهمار السحاب السيّال بالماء - في (همر)، وكما في الدفع الشديد بدقة مع النفاذ بقوة في الأثناء كأن تلك الأثناء متسيبة - مثل همز الدابة بالمهماز، وشدة دفع القوس الهَمَزي للسهم فيخترق الجوّ بقوة - في (همز)، وكما في مضغ الطعام وتمزيق أثنائه والفم منضم - في (همس)، وكالنفقة المتسيبة في الهِمْيان في (كيس النقود) - في (همن).
الهاء والنون وما يثلثهما
• (هنن):
"الهانّة -بتضعيف النون، والهُنَانة- كرخامة: الشَحْمَة في باطن العين تَحْتَ المُقْلة. والهُنَانة كذلك الشَحْم، وبَقية المخ ".
° المعنى المحوري شيء دقيق طري في الباطن (١) كشحَمة العين الخ.
стр. 2323
• (هنو - هنى):
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨]
"هنا ظرف مكان "جعلته هنا أي في هذا الموضع "هَنُ المرأة: فرجها (أصله هَنَوٌ).
° المعنى المحوري تجوف ظرفي أي يكون ظرفًا وحيزًا لشيء يوضع فيه. كأن موضع الشيء تجويف يستقر فيه، ولذا سمي الظرف ظرفًا (وعاء مجوف). "هنا وههنا "للتقريب إذا أشرت إلى مكان، و "هناك "للتبعيد ﴿مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] في ذلك المكان والزمان البعيدين عن زمن حكاية القصة في القرآن، وليس لبعد الزمن بين الدعاء والاستجابة ولا لبعد مال مطلوب زكريا -كما قيل [في بحر ٢/ ٤٦٣] لكن الاستدلال بالآية على مشروعية توخى الداعي الأمكنة المباركة والأزمنة المشرفة [نفسه] صواب. ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤] أي في الدار الآخرة -كما قال ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦] [بحر ٦/ ١٢٤] ومنه "يا هَناه ويا هَنَتاه: يا هذا ويا هذه "كأنه
стр. 2324
يقول يا من هو هنا. وكذلك "هذا هَنُك أي شيئك "كأنه في حوزتك وجوفك. ومن هذا "مضى هِنْو من الليل - بالكسر أي وقت (ظرف زمني كالفَجْوة الزمنية للحَدَث، فظلام الليل كالجِرم الهلامي الفارغ الأثناء. والظلام يُخْفِي) ومن تعميمه في ظرف الزمان "أقام هُنَيَّةً "- بالتصغير: أي قليلًا من الزمان ويقال "هُنَيهة "أيضًا.
ومن التجوف مع الخفاء: "في فلان هَنَوات أي خَصَلاتُ شَرّ ولا يقال ذلك في الخير " (كما يقال فيه ضعف أو مَغْمز، أو هو رقيق الدين والخُلُق، وكما أن كلمة عَيْب مأخوذة مما معناه الفجوة كما في العَيبة).
• (هون - هين):
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]
"الهاوُون والهاوَن: هذا الذي يُدَقّ به. وامرأة هُونة - بالضم: ضعيفة من خِلْقتها لا تكون غَليظة كأنها رجل. وإنه لهَوْن من الخيل - بالفتح: سَلِس مطواع. والأنثى هَوْنة. وشيء هين (كبَيْت وسيّد): سَهْل. والعرب تمدح بالهَيْن اللَيْن "- بالفتح.
° المعنى المحوري لين الشيء أو نعومته ورخاوته وضعفه أي عدم صلابته. والهاوون أداة ذلك حيث يُدّق فيه الشيء الصُلْب المتحجر فيتحول إلى نحو الدقيق أو العجين. ومنه "رجل فيه مَهَانة: ذُلٌّ وضعف " (الضعف والذل كلاهما أصله من باب الرخاوة، لكن المقصود ضعف القيمة بين الناس) قال في [بحر ١/ ٤٦٦] هان هوانا: لم يُحْفَل به، وهو معنى الذل، وهو كون الإنسان لا يؤبه به ولا يتفت إليه "ومن ذلك "الإهانة: الإذلال "أي بالقول والمعاملة
стр. 2325
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ أي من يهنهُ اللهُ لكفره أو فسقه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] [ينظر بحر ٦/ ٣٣٤] فهذا في قيمته عند الله تعالى مهما كان عند الناس. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] سَمَّى الإنسان ترك تفضل الله عليه بالمال إهانة، وليس بإهانه، فكم من عبد صالح مضيق عليه في الرزق [ينظر بحر ٨/ ٤٦٥]. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] مُذِلّ يسحق نفوسهم جزاء تكبرهم [ينظر نفسه ١/ ٤٧٤]. ومنه "الهُون - بالضم وكسحاب: نقيضُ العز (العز شدة وتماسك وشموخ) ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩]، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] قال [في قر ٧/ ٤٢]: الهُونُ والهَوانُ سواء. وكذا قال [في ١٥/ ٣٤٩] في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: ١٧]. لكن بنظرة إلى الأصل نستطيع أن نلمح في هذه الآية معنى ما قاله في ثمود أيضًا ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ صَيحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]. أي أن (الهُون) هنا مادِّيّ. فالعذاب الهُون هو العذاب الساحق.
وعن الليونة والرخاوة في الأصل "الهَوْنُ - بالفتح: الرفق واللين ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وخفة الشيء وسهولته ﴿قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ [الروم: ٢٧]، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] (الضمير يعود إلى إفكهم على أمنا الكريمة السيدة عائشة ﵂. والذي في القرآن من التركيب بعضه من الإهانة ومنها (يُهن)، (هُون) و (مُهين)، (مُهان). وسائره من (الهَوْن) بمعنى اللين واليسر والسهولة.
стр. 2326
ومنه (هيّن)، (أهْون) والسياقات واضحة.
• (وهن):
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]
"رجل مَوْهون (في العظم والبدن): ضعيفٌ. وامرأة وَ هْنَا نة: فيها فتور عند القيام كَسْلى عن العمل. وَهَن العظم ونحوه: ضَعُف. وأَوْهَن عظمه. وتَوَهَّن الطائرُ: أثقِل من أكل الجيف فلم يَقْدر على النهوض ".
° المعنى المحوري ضعف تماسك البدن أو الشيء من اشتماله على رخاوة ولذهاب الصلابة منه. كالعظم الواهن وكالمرأة والطائر الذي ذهبت قوته ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ١٤] , ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١].
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]. ضعفًا على ضعف ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨] (كم يكيدون ضد الإسلام فيوهن الله مكايد الكافرين. اللهم زد حمايتك للإسلام والمسلمين، واجعل الإيهان إحباطا لكل مكايدهم)، ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. وكل ما في القرآن من التركيب هو من الوَهَن الضعف المادي. ثم منه الوهن الضعف النفسي أو المعنوي. وهو في هذا التركيب فقد العزيمة أو ضعف نتيجة الكيد لا فقد العزة -كما في (هون).
• (هنأ):
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]
стр. 2327
"طعام هَنِيءٌ: سائغ، والهِنَاء - ككتاب: القَطِران، وعِذْق النخلة ".
° المعنى المحوري نجوعُ ما يجري في أثناء البدن وطيب أثره: كالطعام السائغ إلى مقره فيغني من جوع ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وكالقطران خلال مسام الجلد الأجرب فيريح الجلد ويبرّده، وكعِذْق النخلة يؤكل ما فيه حُلوًا سائغًا. ومنه: "هنأنى خبز فلان (ضرب ونصر): كان هنيئًا بغير تعب ولا مشقة، وكان طعامًا استهنأناه: استمرأناه. وهنأ الرجلَ (فتح): أطعمه. وهَنِئَتْ الماشية (فرح): أصابت حظًّا من البقل من غير أن تشبع منه " (أي حظًّا يسيرًا ليس غليظًا). ومنه "هَنَأَ الرجلَ (فتح وضرب) وأَهْنَأَه: أَعْطاه (أدخل خَيرًا في حوزته) واستهنأه: استعطاه. والهِنْئة - بالكسر: العطية ".
ومن الأصل: التهنئة بالولاية والأمر (خلاف التعزية)؛ إذ هي دعاء أو تمَّنٍّ بأن ما دخل حوزته من خير - يطيب له فلا يعسر ولا يشقيه - كالطعام السائغ.
° معنى الفصل المعجمي (هن): رخاوة المتجمع في اباطن ولطفه كما يتمثل في الهانّة: الشحمة في باطن العين تحت المقلة - في (هنن)، وكالظرف اللطيف أو الرخو - في (هنو - هنى)، وكالمرأة الهُونة الضيفة الخِلقة وعمل الهاوَن في دَقّه الأشياءَ الصُلبة حتى تصير دقيقًا ناعمًا - في (هون هين) وكالرجل الموهون والمرأة الوهنانة - في (وهن)، وكالطعام الهنيء السائغ في الباطن يقبله البدن ويتغذى به لرخاوته فيه وطيبه - في (هنأ).
стр. 2328
تراكيب مكونة من أحرف علة
• (أوو / أوى):
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
"أَوَيت منزلي، وإلى منزلي. أويت الرجلَ إلى وآويته. أويت فلانًا: أويت إليه. المأوَى: المنزل، كل مكان يأوي إليه شيء ليلًا أو نهارًا. "على أن تُؤْوُني وتنصروني أي تضموني إليكم وتحوطوني ". أوى إليه أَوْيةً وأيّةً: رَقّ ورَثَى له أَشْفَقَ عليه. اسْتَأْوَيته: استرحمته. تأوَّى الجُرْح: تقارب للبرء ".
° المعنى المحوري ضَمٌّ مع ضعف ما -كما في الإيواء للنصرة والحياطة، وكما في تأوِّى الجُرْح، فإنّ تقاربه للبرء يتمثل في تضامّه. وكما في الأُويّ إلى المنزل، وكذا إيواء الرجل، وكذا المأوى المنزل، فكل ذلك لا يستعمل فيه (أَوَى) إلا لضعفٍ ما - كالحاجة إلى الحماية من عدوّ أو مخوف أو جوٍّ يضر التعرض له، وكالحاجة إلى الراحة أو إحساس الآوى بحاجة المأويّ إلى العطف ونحوه. وقولهم: "أَوَى له: رَقَّ ورَثَى له أشفق عليه "هو مما برز فيه الضعف أكثر، ويتمثل الضم في التألم له والرثاء والإشفاق فكل ذلك مشاركة في الألم وانضمام إلى من يعاني منه فيه. وقولهم: "الأوَّة- بالضم: الداهية "هي من نفس هذا المعنى المحوري لكن مع زيادة الضعف. فالداهية - والعياذ بالله - مُضْعِفة مُوهِية، والضم فيها إصابتها -كما تسمى نازلة. ومن هذه الواوية أيضًا قالوا: "أوِّ مِن كذا: على معنى التحزن / تشكِّى مشقةٍ أو همٍّ أو حُزن ".
стр. 2329
والذي في القرآن من التركيب أكثره من الأُوِيّ أو الإيواء: الضمّ لمعنى مما ذكرناه: الحماية .. ﴿إذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠] ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] .. وسائر ما في القرآن من التركيب مثل ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٦٢] ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٥١] ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٩] .. هو مما اقتُصِر فيه على معنى الضم. وقد ينظر إلى الأصل فيحمل معنى التهكم أيضًا.
وأما (أَوْ) العاطفة فهي من المعنى المحوري أيضًا لأن العطف ضَمّ. ويتمثل الضعف في معناها في التردد بصوَرِه الكثيرة. فمنه تعديد الحالات ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة ٦] (أو) الأولى تخيير (تعديد حالات) و (أو) في (أو جاء أحد منكم من الغائط) بمعنى واو الحال، (أو) الثالثة معطوفة على ما قبلها بمعناها (أي هذه من تعديد الحالات) ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] هذه للتخيير، ولكنها في النفي تعني لا هذا ولا هذا. فالنهي هو عن طاعة كل منهما. ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] قيل إنها للتخيير وجملة ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ معترضة. وقيل إنها بمعنى (إلا أن) [ينظر بحر ٨/ ٥٦]. ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] قيل إن الترديد حسب نظر البشر وحَزْرهم لو
стр. 2330
رأوهم، وقيل إنها بمعنى الواو، وبمعنى بل. [ينظر بحر ٧/ ٣٦٠ ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] هي للإبهام وله هنا غرضان: عدم صدم الخصم باتهامه بالضلال مباشرة- وهذا ما عبر عنه باللطف في الدعوة، ثم دفع الخصم للتفكير والموازنة [ينظر بحر ٧/ ٢٦٧] وينظر [ل] أيضًا في كل ما ذكر عن أو- تركيب [أوا].
• (أبي، إِي):
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] جاء في [ل رنب] "قال خطام المجاشعي:
لم يَبْقَ من آي بها يُحَلَّيْن ... غيرُ خِطام ورَمادٍ كِنفين ... وغيرُ وَدٍّ جاذل أو وَدَّيْن
وصاليات ككما يُؤَثْفين) اهـ.
وقال آخر ﴿لم يُبقِ هذا الدهرُ من آيائه ... غيرَ أثافيه وأرمدائه﴾
"آيةُ الرجل: شخصُه. خرج القوم بآيتهم. بجماعهم لم يَدَعوا شيئًا ".
° المعنى المحوري بقاء الشيء في مكانه شاخصًا (أي مجسمًا) علامةً لشيء. كالآي التي ذكرها خطام المجاشعي في شعره (الخِطام، والرَماد، والوَتِد، والأَثافي)، وفي البيت الآخر أطلق الآيات على الأثافي أيضًا والرماد. وكشخص الرجل. وقول الشاعر:
توهمت آياتٍ لها فعرفتها ... لستة أعوان، وذا العامُ سابعُ
فهذه كلها أشياء مادية شاخصة باقية في المكان دالة عل ما كان فيه. وقولهم "خرج القوم بآيتهم أي جماعتهم لم يَدَعوا شيئًا، معناه أنهم حملوا ما شأنه أو
стр. 2331
المعتاد أن يكون قائمًا. وفي العبارة معنى الكثرة والجسامة أيضًا. ومن هذه الجسامة المادية ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] عَلَمًا أو قصورًا طوالًا .. [بحر ٣١/ ٧] وربما كان معها مقصد من الدلالة كبيان العظمة أو القدرة.
ومن معنى البقاء قالوا "التأيَى: التنظُّر والتُؤّدة / التوقف والتمكث. تأيَّيتُ عليه: تثبتُّ وتمكثثُ، دار تَئِية - كغنِيّة: تلبُّث وتحبُّس ". ثم قالوا "موضعٌ مَأبيُّ الكلأ أي وخيمُه "ووخامة المطعم تتمثل في عدم هضمه وجريانه في مجاريه إلى نهايته، فهذا بقاء، وهو يلزمه الثقل والإحساس بالجسامة.
ومن ملحظ البقاء والشخوص (القيام) والجسامة كذلك "إِيَا النَبْتِ وأَياؤه: حُسْنُه وزَهره على التشبيه ولا تشبيه. ومن الإصابة "تَأَيَّيته: تعمدتُ آيته آي شخصه وقَصَدتُه ".
ومن الجسامة الآية من القرآن الكريم "لجماعة من حروف القرآن "أي كلماته ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وهذا الاستعمال كثير في القرآن. ويجزم به وجود التلاوة في السياق، أو السمع، أو الدرس، أو الإحكام، أو العلم، أو النسخ، أو التبديل، أو القَصّ، أو إضافة لفظ آية أو آيات إلى الكتاب أو القرآن، فالآية جملة كلمات كما قالوا، وهي من الجسامة في المعنى المحوري مع ما فيها ووراءها من دلالات أيضًا.
ومن كون الشيء المجسم الشاخص علامة على شيء كان كما سبق: كثُر في القرآن الكريم لفظ (آية) بمعنى (أ) علامة إعجازية ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] أي علامة على صدق النبي ﵇ (سيدنا صالح هنا) وأنه مرسل من عند الله. (ب) علامة لأمر من عند الله وإن لم يكن من باب المعجزات ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ [آل
стр. 2332
عمران: ٤١]. (ج) علامة دالة على وجود الخالق وصُنعه في هذا الكون من مثل ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]. والمناسب للاستقبال في ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ هو ما كشفه العلم (في الآفاق) عن غلاف الأرض والمجموعة الشمسية والمجرات إلخ. و ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ عن أسرار بدن الإنسان وأسرار الأرض والنبات إلخ. [وينظر بحر ٧/ ٤٨٣] عما قاله بعض المفسرين القدماء.
ومن البقاء علامةً ودلالةً "الآية: العبرة " [ل] فإنما العبرة أمر وقع ومضى لكن بقي ما يُتَّعَظ به منه ويتخذ مثلًا- وهي من: "العبور: المجاوزة "أي من زمن إلى زمن ومن حدث وموقف إلى حدث وموقف آخر ثم مع ذلك من الشخوص كما سُمِّي المَثَل من المثول لانتصابه مَضرِبا. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]. وقد فسرت الآيات هنا أيضًا بالعلامات والدلائل [بحر ٥/ ٢٨٢] فـ (الآية) و (الآيات) لا يخرج معناها عما ذكرنا. والسياق يميز.
ومن التشخص والتجسم (أيّ) التي ينادَي بها ما فيه (ال) كقولك (يا أيها الرجل ويا أيتها المرأة). فالنداء موجه لشخص المنادَى أو المخاطَب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧].
وكذلك الأمر في (أيّ) في استعمالاتها الأخرى وهي تعود إلى كونها اسم موصول. واسم الموصول يعبر (في الأصل) عن شيء (شخص / جسم) تُعيّنُ المقصودَ به صلتُه- كقوله تعالى ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] أي الذي هو أشد. ومنه أيّ الشرطية ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وهي والموصولية من باب واحد بدليل دخول الفاء في قولهم
стр. 2333
"الذي يأتي (السوق) فله درهم "فالموصول شبيه بالشرط، والفاء داخلة على شبه جواب الشرط [مغني اللبيب تحـ المبارك وحمد الله ١/ ٢١٩] وتستعمل (أيّ) للاستفهام ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]. ولاستعمالها في الاستفهام رافدان (أ) كونها في الأصل تعبر عن شيءٍ عام، أعني غيرَ معين بالذات (أي أَثَر من آثار الرَبع الباقية كما أسلفنا) (ب) أنها تعبر في الأصل أيضًا عن كثرةٍ (أخذا من التجسم). وعدم التعيين والكثرة يتطلبان تحديدًا وتعيينًا، ومن هنا استعملت في الاستفهام المطلوب به التعيين.
وتستعمل أيّ معبرة عن الكمال مثل "زيد رجل أيّ رجل "والكمال يؤخذ من الجسامة في المعنى المحوري.
أما (إي) بالكسر فهي حرف جواب بمعنى نعم، وهو إثبات يؤخذ من بقاء الشيء في مكانه في المعنى المحوري. وتختص بالمجيء مع القسم إيجابا لما سبقه من الاستعلام [تاج ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].
* * *
اللهم ألق القبول الحسن على ما في هذا الكتاب من حق، وارزقه الذيوع، ويسر التفهم، وانفعني وذريتي والمسلمن وأهل الدراسات العربية بما فيه في الدنيا والآخرة. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان اللهم آمين. والحمد لله رب العالمين.
تم الكتاب بعون الله تعالى
والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات
стр. 2334
مستدركات
• (أذذ-إذ):
﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]
"أَذَّ يؤذّ: قطع. قال:
يؤُذّ بالشَفْرة أيّ أَذّ ... من قَمَعِ ومَأنةٍ وفِلذ
(القَمَعةُ الرأس، ورأس السنام، والمَأنة من الرجل: ما بين السرة والعانة وأطراف الأضلاع من باطن، وهي من البقر أطراف الأضلاع من باطن. الفِلذة: القطعة من الكبد). "شفرة أَذُوذٌ: قاطعة.
° المعنى المحوري القطع الوَحِيّ السهل: كقطع السنام وشحمة المَأنة وفَلْذ الكَبِد بالشفرة. والقطع السهل يؤخذ منه اللطف والخفة.
ومن هذا القطع: "إذْ "ظرف يدل على ما مضى من الزمان، فهي للاستحضار الزمني لحدث أو أمر قد مضى، كأنما بالتخيل، أخذًا من الانقطاع واللطف والخفة التي هي خفاء. ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كأنه تعالى قال: ابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة .. أي في ذلك الوقت [ل]. وفي [بحر ١/ ٢٨٧] أن (إذ) ظرف في محل نصب بقوله ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ﴾ أي وَقْتَ قولِ الله للملائكة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ﴾ فتكون الظرفية للقول لا لابتداء الخلق. وهذا هو الصواب؛ لعدم ذكر الخلق صراحة هنا، ولأن القول هنا قول بشأن الجعل لا الخلق. وفي قوله تعالى ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ
стр. 2335
فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] تمثل لابن جني إشكال في استعمال (إذ) هنا، لأن (اليوم) في الآية هو يوم القيامة، في حين أن (ظلم) المخاطبين وقع منهم في الدنيا. وحل الإشكال "أنه لما كانت الدار الآخرة تلى الدار الدنيا لا فاصل بينهما، إنما هي هذه فهذه، صار ما يقع في الآخرة كأنه واقع في الدنيا، فلذلك أُجْرى (اليوم) وهو للآخرة مجرى وقت الظلم وهو إنما كان في الدنيا " [ل]. و [في بحر ٨/ ١٨] أن "إذ يمكن أن تكون لمطلق الوقت. وقيل للتعليل حرف بمعنى أن ".
ثم إن (إذْ) تضاف إلى جملة، وقد تحذف الجملة ويعوض منها التنوين، وهو ساكن فيتقي سكونه مع سكون ذال (إذْ)، فتكسر الذال فيصير (إذٍ)، وفي لغة هذيل (إذًا) صار التخلص من التقاء الساكنين بالفتح. وفي [تاج] (أذذ) أن (إذ) تكون اسما للزمن الماضي، وحينئذ تكون ظرفًا غالبًا كما في ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠]، وتكون مفعولًا به كما في ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦] وتكون بدلًا من المفعول كما في ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] قالوا (إذ) بدل اشتمال من مريم مفعول (اذكر)، وتكون مضافًا إليها اسم زمان صالح للاستغناء عنه مثل قولهم يومئذ وليلتئذ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] أو اسم زمان غير صالح للاستغاء عنه كما في ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، وتكون (أي في حالة الإضافة) اسما للزمن المستقبل كقوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]. وعن التهذيب للأزهري: العرب تضع (إذ) للمستقبل قال تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] معناه: إذ يفزعون يوم
стр. 2336
القيامة. قال الفراء: إنا جاز ذلك لأنه كالواجب، إذ كان لا لك في مجيئه (أي فكأنه وقع فعلًا -كما قال تعالى ﴿أتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] [وينظر معجم حروف المعاني في القرآن الكريم ١/ ١٦٧].
أما (إذا) فهي في أصل استعمالها ظرف دال على ما يستقبل من الزمان. والأصل اللغوي لدلالتها هذه كالأصل اللغوي لدلالة (إذ): استحضارٌ لحدث أو أمر غير موجود الآن، ولكنه سيقع في المستقبل: ففيها معنى الانقطاع لأن عدم الحدث الآن هو فراغ من قبيل الانقطاع، واللطف والخفة أو الخفاء يتمثلان في تخيل وجود ما ليس واقعًا الآن، وكأن مدّ الألف التي بعد الذال في (إذا) يقابل امتداد فرصة الوقوع. فهي أرحب في المجال الزماني من (إذ). وأعذر للقارئ الكريم عن تتبع سياقاتها في القرآن، محيلًا على معجم حروف المعاني في القرآن الكريم ١/ ١٧٥، وكذلك ١/ ١٨٦ بالنسبة ل (إذا) الجوابية.
• (أشر):
﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦]،
"أُشَرُ المِنْجَل: أسنانه. التأشيرة: ما تعَضُّ به الجرادة، والتأشير: شوك ساقيها، والتأشير والمئشار: عقدة في رأس ذنبها كالمِخلبين. وهما الأُشرتان. أُشُر الأسنان وأُشَرها: التحزيز الذي يكون فيها خِلقة ومُستَعْملًا (أي مصوغًا لا خلقة). أشَرت المرأة أسنانها تأشرها أَشرا وأَشّرتها: حَزَّزَتها. الأُشُر: حِدّة ورقة في أطراف الأسنان، وإنما يكون ذلك في أسنان الأحداث تفعله المرأة الكبيرة تتشبه بأولئك. أَشِر النَخل أَشرًا: كثر شُربه للماء فكثرت فِراخه. أَشَر الخَشبة بالمئشار (نصر): نشرها، والمئشار: ما أُشر به ".
стр. 2337
° المعنى المحوري حدّة (أسنان دقيقة حادة) تنتشر من طرف الشيء: كالتآشير المذكورة، والنخل يكون خُوضُ جريده حادَّ الجوانب والأطراف ويكون على شيء من الصلابة، وبخاصة إذا كان فراخا بعدُ، مما يزيد حدّتَه. ومن ذلك "الأَشَر: البَطَر أشَدُّ البَطَر ". وقد فسّروه أيضًا بالمرح، وهذا غير دقيق، فبعض المرح يكون مجرد نشاط وخفة في الحركة مع طِيب تصرف. والبطر سوء احتمال النعمة ببخس قيمتها وسوء استغلالها وهذا الاخير بعض من الأشر. ولذا قالوا الأشر أشد البطر. فالأشر فيه شرٌّ ونوع من التعدي (أخذًا من انتشار الحدة) ﴿أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيهِ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥]: بطر يريد العلو علينا، وأن يقتادنا ويتملك طاعتنا [بحر ٨/ ١٧٨ - ١٧٩].
• (ألت- ولت):
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ [الطور: ٢١]
"الأُلْتة- بالضم: العطية الشَقْنة (أي القليلة). أَلَتَهُ مالهُ وحَقَّه يأْلِتُه وأَلاته وآلته إياه: نقصه ".
° المعنى المحوري النقص عن المستحَقّ أو المتوقَّع: كالعطية الشَقْنة القليلة. وهي كذلك من وجهة نظر آخذها، إذ لا بد مع هذا الوصف أنه كان يتوقع أو يُتَوقَّع له أكثر منها. ولما قال رجل لسيدنا عمر: اتق الله يا أمير المؤمنين، سمعها رجل فقال: أَتَأْلِت على أمير المؤمنين؟ فسرها ابن الأعرابي بـ "أَتَحُطّه بذلك أَتَضَعُ منه أَتُنقِّصُه؟ ". وهو من ذلك. فالحط والوضع عن المنزلة المستحقة نقص. وأما استعمال (عَلَى) هنا فإنه من أن المعنى أَتُزْرِي عليه. وهو من النقص أيضًا. ومن ذلك المعنى: "الأَلْت: الحَلِفُ. ألته بيمين أَلْتا: شَدَّد عليه:
стр. 2338
وأَلت عليه، طلب منه خلِفًا أو شهادة "ووجه كون الإحلاف من الم عنى المحوري النقص، أن الحَلِفَ قَيْد، والقيد إنقاص لحرية الحركة المتاحة، وهم قد صرحوا بأن الحلف قيد، إذ أُثر عن العرب "إذا لم يُعْطِك حقَّك فقيِّدْهُ بالأَلْت. ومن هذا التقييد أيضًا "أَلَته عن وجهه أي حَبَسه وصرفه ". فهذا الصرف عن الوجهة حبس كما هو صريح، ونقص من حرية الحركة أيضًا. ومن النقص كذلك "ألاتَ الإنسانُ شيئًا عمِله: كتمه وأَتَى بخبر سواه. إذا عَمَّي عليه الخبر قيل قد لاته يَليته لَيتًا "فهذا نقص مما ينبغي. وفي قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ من (ألَت) ومن (أَلِت) ومن (آلت) ومن (ألات) .. وقرئت (لِتناهم) من (لا يليت) وكذا (ولتناهم) وكلها بمعنى نقص. والضمير عائد على "الذين آمنوا "أي أن الله يُلحق ذرية المؤمنين المكرمين بآبائهم في درجتهم في الجنة، وإن لم تكن أعمال الذرية تؤهلهم لتلك الدرجة، وذلك إكرامًا للآباء، دون أن ينقصَ الآباء شيئًا في مقابل ذلك الإلحاق. [ينظر بحر ٨/ ١٤٧] والقول بأن الضمير عائد على الأبناء لا يتسق مع الامتنان الذي سيقت له الآية، بل هو يَنْقُضه إذا لم يُنْقَص من سيئات الأبناء شيء. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئًا﴾ [الحجرات: ١٤] وقد قرئت (لا يألتكم). وحاشا لله الذي يضاعف مثوبة الحسنات أن ينقصها.
• (ألم):
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]
"الألَم: الوجع. الأليم: المؤلم المُوجعِ. قال ذو الرمة ﴿يصك وجوهها وَهَج أليم) ومن كلامهم "أَلِمْتَ بطنَك أي ألِمَ بَطْنُك. والله لأُبيّتَنَّك على أَيلَمَة: يعني
стр. 2339
إدخال المشقة عليه والشدّة. تألم فلان من فلان: إذا تشكَّى وتوجَّع منه ".
° المعنى المحوري وَجَعٌ يسري في أثناء البدن (أو النفس): كالألم من الوَهَج (: حرّ النار)، ومن وجع البطن، وكالمشقَّة المتوعَّدة، والألم من فلان. هما نفسيان. أما عن درجة ذلك الوجع فقد جاء في [ل] "العذاب الأليم: الذي يبلغ إيجاعه غاية الإيجاع "والسياق القرآني لكلمة (أليم) يؤكد ذلك، فإن جمهور ما جاء منها هو صفة لـ (عذاب). والعذاب من جنس الوجع ولكنه أشد وأثره أشمل، فإذا وصف (العذاب) بأنه أليم بلغ الغاية في ذلك. وكذلك الامر في وصف العقاب ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣] فالعقاب إيجاع. ومجيئه مقابل المغفرة يعني شدته، لأن المغفرة غاية الإكرام في العفو، فيكون العقاب الأليم غاية الإيجاع في العقوبة. وكذلك الأمر في ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]، فإن نسبة الأَخْذ إلى الله العزيز القاهر الذي لا حَدَّ لقدرته تعني شدة ذلك الأخذ، ثم صُرِّح بوصفه بالشدة توكيدًا للمعنى. ولا يغيب عن الفطنة أن المشار إليه بـ (ذلك) في (وكذلك) هنا هو ما أوقع الله بمكذبي رسله الذين سبق أن قصّ أنباءهم في هذه السورة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى. والذي جاء في القرآن من التركيب هو تلك الصفة (أليم) وصفا للعذاب، (وللعقاب وللأخذ مرةً واحدة لكلٍّ منهما): ثم الفعل منه ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] حَثَّهم -سبحانه- على طلب القوم رغم جراحهم، وألزمهم الحجة بأنه إذا كان الكفار
стр. 2340
يصبرون على الآلام والجراح والقتل، وهم لا يرجون ثوابًا في الآخرة، فأنتم أحرى أن تصبروا، لأنكم ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [ينظر بحر ٣/ ٣٥٧].
• (أمر):
﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]
"الأَمَةُ: المملوكة خلاف الحرّة المرأة ذات العبودة ".
° المعنى المحوري أنث ى مملوكة. وليس في التركيب إلا كلمة (أمة) وجمعها. وجمع الأَمَة أَمَوَات، وإماء، وآمٍ، وإِمْوان، وأُموان. قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وليس في القرآن من التركيب إلا ما ذكر هنا.
• (أنث):
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥].
"أنثيا الفرس: رَبَلتا فَخِذيها. أرض مِئْناث وأنيثة: سهلة مُنْبِتَة خليقة بالنبات ليست غليظة. بَلَد (أي قطعة أرض خالية) أنيث: ليّن سهل ".
° المعنى المحوري لين أثناء الشيء وعدم غلظها وصلادتها: كرَبَلتَي فَخِذَي الفرس أي باطن فخذيها، وكالأرض السهلة المتسيبة التربة اللينتها. ومنه: "حديد أنيث: غير ذكير "، فالأنيث من الحديد هو الذي يسمَّى الحديد المطاوع، والذكير منه هو الصلب، و "الأنيث من السيوف الذي من حديد غير ذكر ". ومن ذلك أيضًا: "الأُنثيان: الخُصْيتان "للينهما، ويسمون الأُذُنين الأنثيين
стр. 2341
(يمانية) نظروا إلى الجزء الرخو المتدلي من الأذن. والمرأة سميت أنثى للينها، لأن (بدن) المرأة ألين من (بدن) الرجل. ويقال "أَنَّث الِرجلُ: لان ولم يشدد، وتأنَّثَ في أمره وتخنث ". وليس في القرآن من التركيب إلا الأنثى خلاف الذكر. وجمعها إناث ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] وقرئ (أُنُثًا) جمع إناث مثل ثمار وثُمرُ. وأما المراد بها فالأصنام، وعُبِّرَ عنها بالإناث إما لأن كثيرًا منها كانت لها أسماء مؤنثة: اللات، والعُزَّى، ومناة، ونائلة. وقال الحسن: لم يكن حيّ من العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان اهـ أو نُظر إلى تسميتهم الملائكة بنات الله، أو إلى أن الأوثان جمادات وموات كالخشب والأحجار والشجر "والموات كلها يُخْبَر عنها كما يُخْبَر عن المؤنث " [ينظر ل، بحر ٣/ ٣٦٧]. أما على قراءة (أُثُنا) فالأوثان مسماة بنظرتهم إليها أنها شركاء، كما في قولهم "استوثن الرجل من المال إذا استكثر منه ".
• (أنف):
﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥].
"الأنف: المَنْخَر للإنسان وغيره. أَنْفُ الناب: طَرَفه حين يطلع. أنف النعل: أسلتها (الجزء الدقيق من مقدَّمها)، أَنْف خف البعير: طَرَف مَنْسِمه. أنف الجبل: نادر يَشْخَص ويندُر منه. أَنْف كل شيء: طَرَفُه وأوّله ".
° المعنى المحوري نتوء الشيء للأمام أو إلى أعلى دقيقًا مُسَوًّى سابقًا ما هو منه: كالأنف من الوجه، وطرف الناب والنعل والخف من كل منهن، وكالكتلة النادرة أي الناتئة الممتدة من جسم الجبل.
والذي جاء في القرآن من التركيب هو الأنف ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ و (آنفا).
стр. 2342
وجاءت في اللغة استعمالات كثيرة، وهي تؤخذ من المعنى المحوري حسب ما يلي: فمن معنى التقدم للأمام والسبق يؤخذ معنى الأوَّلية "أَنْفُ البَرد: أَوَّله وأشدّه، أَنْفَة الصلاة: التكبيرة الأولى. أَنْف الشَدّ (أي العَدْو): أوَّله "أَنْف عمل فلان أي أولُ ما أخذ فيه. أَنفُ المطر: أول ما أَنْبَتَ ". ثم قالوا (روضة أُنُف: لم يَرْعها أحدا "أي هي على حالها الأوّل، وإذا رعاها) أحد يكون هو أول من فعل ذلك. وكذا "كلَأ أُنُف، وكأس أُنُف: مَلْأَى " (لم يُشْرَب منها) وكذلك المنهل الأُنُف. والأُنُف من الخَمر: التي لم يُسْتَخْرَج من دَنِّها شيء قبلها "ومن صور هذه الأولية "أرض أُنُف وأنيفة: بكّر نباتُها، وهي آنفُ بلاد الله أي أسرعها نباتا ". والسرعة والأوّلية متلازمتان. ثم قالوا "أَنَف: وَطئَ كلأَ أُنُفًا ""والمؤنَّفَة من النساء: التي استُؤنفت بالنكاح أوّلًا (أول زيجة لها) وهكذا. ومن الأَوّلية أيضًا "استأنف الشيء وأْتنفه: أخَذَ أوّله وابتدأه، وقيل: استقبله " (ومن هذا الاستقبال: استئناف الأحكام) "وفعلت الشيء آنفا: أي في أوَّل وقت يقرب مني " (أي أول وقت قريب وهو ما يسبق الآن الذي أنا فيه مباشرة): جاءوا آنِفًا: أي قُبَيلًا. ﴿مَاذَا قَال آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] قال الزجاج: نزلت في المنافقين يستمعون خطبة رسول الله ﷺ ، فإذا خرجوا سألوا أصحاب رسول الله ﷺ ، استهزاءً، وإعلامًا أنهم لم يلتفتوا إلى ما قال [ل]. وكذا الحديث الشريف "أُنزلت عليّ سورة آنفًا: أي الآن " (المقصود في الآن السابق للكلام مباشرة). ومن دِقّة الممتد المُسوَّى "المؤنَّفُ: المُسَوَّى. سيرٌ مؤنَّف: مقدود على قدْر واستواء ".
وقد اشتُقَّ من أَنْف الإنسان كثير نرتب ما يهمنا منه للتوضيح: فإنه يقال "أَنفَهُ (ضرب ونصر): أصاب أنفه "ثم يقال "أَنِفَ من الشيء (فرح): حَمِيَ
стр. 2343
استنكف. أنِفَ الطعام وغيره: كرِهه. أنِفَ البعيرُ الكلأ: أَجِمه. والمرأةُ والناقةُ والفرسُ: تأنَف فَحْلها: إذا تبين حملُها فكرهته. أَنِفْت من قولك لي أشدَّ الأَنَف: أي كرهت ما قلتَ لي. أَنِفَ من الشيء: كرِهه وشرُفَتْ نفسه عنه. ورَجُل أَنوفٌ: شديد الأنفة "وكأن أصل كل ذلك صيغة فَعِل للمطاوعة التي بمعنى المفعولية كأنما ضُرِب أنفُهُ. ومن شبه الصريح في هذا "آنَفَت البُهمي (: مَرْعيَ) الإبلَ بِنِصالها " (أي شوكها) أي أن شوك ذلك المرعي آذى الإبل إذْ أصاب أنوفها فكرهت الإبل المرعى. ومما اشتُقَّ من الأنف "امرأة أَنُوف: طيبة ريح الأنف. رجل أنوف: شديد الأَنَفة. الأَنْف: السيد "ثم استعملوه في الكنايات "وَرِمَ أنفه: اغتاظ. أضاع مطلب أنفه: الرَحِم التي خرج منها "إلخ.
• (أوه):
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
"آوَّه، أوَّه، آوُوه -بالمد وواوين، أَوهِ -بكسر الهاء خفيفة، وأَوْهَ، وآه: كلها كلمة معناها التحزن. أَوْهِ من فلان إذا اشتد عليك فقدُه. وقولهم عند الشكاية أَوهِ من كذا إنما هو توجع. وقد أَوَّه الرجل تأويهًا وتأوّه تأوهًا. أوّه وأَهَّه: إذا توجع الحزين الكئيب فقال آهِ أو هاه عند التوجع. قال:
وإن تَشَكَّيتُ أذى القُروح ... بأهَّة كأهة المجروح
وقال:
فأوْهِ لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بُعْدِ أرض بيننا وسماء
° المعنى المحوري التصويت بأيٍّ مما حُكى تعبيرًا عن التوجع من ألم حِسِّيٍّ كالفقد والجروح، أو نفسيٍّ (ذِكرَى أو مفارقة). ومنه قالوا: "رجل أوَّاه: كثير
стр. 2344
الحزن "أما في آية التركيب وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] فقد فسرت في [ل، بحر ٥/ ١٠٨ -] ١٠٩] بستة عشر معنى أنسبُها لمعنى التركيب وأوثقُها أيضًا: الدَعّاء، وما هو مؤدٍّ أو لازم له: الرحيم الرقيق، المتضرع، المكثر من التأوه شفقًا وفرقًا من التقصير في حق الله.
• (سخط):
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢].
"السخط -بالضم، وبالتحريك: ضد الرضا. سخط الشيءَ (تعب): كَرهه، تسخَّطَ عطاءَه: استقلّه. كلما عملت له عملًا تسخطه: أي لم يرضه ".
° المعنى المحوري الغضب (الشديد) استنقاصا لما يُقَدّم من عمل أو عطاء. وقد جاء في [بحر ٣/ ٨٨] "السُخط: الكراهة المفرطة ". والطاء في آخر الكلمة توجه هذه الصفة، فإن "السُخْدَ ماء ثخين غليظ يخرج مع الولد عندما ينتج "والطاء أغلظ من الدال كثيرًا، وليس في القرآن من التركيب إلا السُخْط بمعناه المذكور.
• (شطط):
﴿فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢].
"الشَطُّ: شاطئ النهر. شَطُّ الوادي: سَنَد. الذي يلي بطنه. الشَطّ: جانب السَنام، وقيل شِقُّهُ وقيل نصفه ولكل سنام شَطّان. الشَطّ: جانب النهر والوادي والسنام ".
° المعنى المحوري امتداد جانبٍ إزاء مقابل له امتدادًا عظيمًا بارتفاع واستقامة نسبية: كشطِّ النهر والوادي المذكورَين. وشَطُّ السنام الامتدادُ فيه
стр. 2345
نسبيّ أو مُجْتَزَأٌ عنه. ومن ذلك الامتداد (مبالغة) مع الاستقامة "ال شَّطا ط - كسحاب: الطول واعتدالُ القامة / حُسْن القَوام. جارية شَطَّة وشاطّة بَيّنة الشَطاط - كسحاب وكتاب: وهما الاعتدال في القامة ". ومن الامتداد البالغ حقيقة "الشَطَاط - كسحاب: البعد. شطت دارُه تشط (كقعد وجلس): بعُدتْ وكل بعيد شاطٌّ ".
ومن معنويه: "الشَطَط: مجاوزة القدر في بيع أو طَلَب أو احتكام أو غير ذلك. يقال: لها مهر مثلها لا وَكْس ولا شَطَط أي لأ نقصان ولا زيادة. وشطّ في سلعه (أي في تقدير ثمنها) وأَشَطَّ: جاوز القدر وتباعد عن الحق ". ومن هذا المعنوي ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)﴾ [الجن: ٤]، السفيه هنا هو إبليس أو كل سفيه. والشطط: تجاوز الحدّ (أي في فحش الافتراء هنا) وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله تعالى [بحر ٨/ ٣٤١] وقريب منه قول أصحاب الكهف ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ [الكهف: ١٤] تعالى الله عن الصاحبة والولد وعن الشريك ﴿فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] لا تتخط الحق / لا تَجُرْ في الحكم [ينظر بحر ٧/ ٣٩٢] أُخِذ معنى تخطي الحق من الامتداد الزائد - في المعنى المحوري.
• (شطأ):
﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ﴾ [القصص: ٣٠]
"الشَّطْء - بالفتح: فَرْخ النخل والزرع. شَطَأ الزرعُ والنخلُ: أخرج شطأه. شَطءُ الشجر: ما خرج حول أصله. أشطأت الشجرةُ بغصونها إذا أخرجت غصونها. شَطْءُ الوادي والنهر؛ شِقَّته، وقيل جانبه: شاطئ البحر: ساحله. شاطئ الواد: شَطُّه وجانبه ".
стр. 2346
° المعنى المحوري نتوء شيء بجانبِ ملازمٍ له (حتَّى يعلوه): كنتوء فراخ النخل منه وهي تعلوه أي تركبه، وكذا نُتوء فروع الشجر منه، ونتوء فراخ الزرع بجانبه حتَّى تساميه ومثله "أشطأ الرجل: بلغ وَلَدُه مبلغ الرجال فصار مثله ". وملحظ العُلُوّ قد يكون حقيقيًّا كما في شاطئ الوادي والنخل والشجر، وقد يكون من مساواة الصغير للكبير إذا ساواه لزيادته عن المتوقع من أصله. ومن العلوّ "شطأ الناقةَ: شدّ عليها الرحْل. شطأه بالحِمل شَطْأ: أثقله. شطأ الرجلَ: قهره. شَطَأ المرأة شَطْأ: نكحها ".
والذي جاء في القرآن من التركيب هو شاطى الوادي ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ﴾، وشطء الزرع: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩].
• (شطر):
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]
"للناقة شَطْران: قادِمان وآخِران، فكل خِلْفَين شَطْر (الخِلْفُ: حلمة ضرع الناقة والشاة، والناقة لها أربعةُ أخلاف والشاة لها خِلْفان). شَطَر ناقته وشاته (نصر): حَلَب شَطْرًا وترك شطرًا. وكل ما نُصِّفَ فقد شُطِّر. الشَطور من الغنم: التي يَبِس أحدُ خِلْفَيها. شاة شَطور: إذا كان أحد (خِلفيها) أطول من الآخر. شَاطَر طَلِيَّه (وهو الصغير من أولاد الغنم): احتلَب شَطْرًا أو صَرَّه وترك (للطَلِيَّ) الشطر الآخر. ثوب شَطور: أحدُ طرَفَيّ عَرْضِه أطول من الآخر. قَدَح شَطْران: أي نَصْفان. إناء شَطْران: بلغ الكيل شَطره، وكذلك جُمجُمةٌ شَطرَي وقَصْعةٌ شَطرَي ".
° المعنى المحوري انقسام الشيء -في حالته- إلى نصفين بحسب الجهة أي الأمام والخلف والأعلى والأسفل (واليمين والشمال) ونحو ذلك: كما هو
стр. 2347
واضح في أحوال أخلاف الناقة والاة المذكورة، وحال الثوب الشَطور والقَدَح الشَطْران إلخ). ومن ذلك الأصل أُخذ ما يلي.
أ) من الانقسام: شطْر الشيء: نصفه "الشطر: نصف الشيء. شَطَرته: جعلته نصفين. شاطره ماله: ناصفه "ومن هذا "شَطَر بصرُه (كجلس): صار كأنه ينظر إليه وإلى آخر " (كأنه قسم نظره بين اثنين).
ب) ومن اعتبار أن الانقسام إلى جهات - كل جهة ذات حال: الشَطر: الجهة (شَطْر الشيء ناحيته. شَطر كل شيء نحوُه وقصده. قصدت شطرَه أي نحوه ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤، ١٤٩، ١٥٠]:
توليةُ الوجه "شَطرَ الشيء: قَصْدُ عين الشيء: إن كان معايَنًا فبالصواب (أي بالتصويب إليه مباشرة)، وإذا كان مُغَيَّبًا فبالاجتهاد بالتوجه إليه. وذلك أكثرُ ما يمكنه [الرسالة للإمام الشافعي تح أحمد شاكر ٣٧ - ٣٨].
ج) ومن الانقسام وهو انفصال يتأتى منه التباعد قيل "شطَر عن أهله شُطورًا: نزح عنهم وتركهم مُراغِمًا أو مخالفًا وأعياهم خُبْثًا. ونيَّةٌ شَطُور أي بعيدة، ومنزلٌ شطير وبلدٌ شطير، وحيّ شطِير: بعيد، ومن هذا "الشطير: الغريب، لتباعده عن قومه، والشَطْر: البعد ".
د) ومن معنى البعد (مع ملاحظة الانحراف المأخوذ من معنى الجهة: الناحية في الأصل) "فلان شاطر معناه أنَّه أخذ في نحو غير الاستواء / تباعد عن الاستواء ".
هـ) ومن الشَطْر الخِلْف قيل في التعبير عن الخبرة الطويلة بتدبير الأمور وسياستها "حَلَب فلان الدهرَ أَشْطُرَهُ: أي خَبَر ضُروبَه يعني أنَّه مَرَّ به خَيرُه وشَرّه، وشدته ورخاؤه تشبيها بحلب جميع أخلاف الناقة ما كان منها حَفِلًا
стр. 2348
وغير حَفِل، ودارًّا وغير دارّ ".
• (شطن):
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ [المؤمنون: ٩٧]
"الشَطَن - محركة: الحبل الطويل الشديد الفتل يُسْتَقَى به وتشد به الخيل. بِئْر شَطونٌ: بعيدة القعر في جرابها عوج. رمح شَطون: طويل أعوج: أَلْية شطون إذا كانت مائلة في شِق ".
° المعنى المحوري امتداد بالغ مع اعوجاج أو انحراف: كالبئر والرمح الموصوفين. والألية الشَطون منحرفة وهي في وسط قَوَام البَدَن الممتد. والشَطَن الحبلُ ممتد. وأما اعوجاجه فإما أن يكون من لوازم عدم صلابته، وإما أنَّه يكون توسعًا، أصله: الذي يُسْتَقَى به من البئر الشَطُون خاصة، وهي "التي تُنْزَع (الدلو منها) بحبلين من جانبيها، وهي متسعة الأعلى ضيقة الأسفل فإن نزعها (المستقى) بحبل واحد جَرَّها على الطيّ فتخرقت ". فيكون أصل الشَطَن هو "الحبل الذي يُشْطن به الدلو "من أحد الجانبين، ومقابله شَطَن يشدُّه آخرُ، فهما مشاطنان. وهذه الجانبية هي العوج.
ومن مادّي ذلك أيضًا: "الشيطان من سمات الإبل: وَسْم يكون في أعلى الوَرِك مُنْتصبًا على الفخذ إلى العُرقوب ملتويًا " (فهو مستطيل ومعوجّ ودقيق). و "الشيطان: حية لها عُرف " (فالامتداد متحقق والعرف مميّز كالثَنْية). ومن الشَطَن الحبل قالوا "شطنه (نصر): شدّه بالشَطَن. هو ينزو بين شَطنين: يُضْربُ مثلًا للإنسان الأَشِر القوي، لأن الفرس إذا استعصى على صاحبه شده بحبلين من جانبين ".
ومن الامتداد قالوا: "شَطَن عنه: بَعُد، وأشطنه: أبعده. كلُّ هَوًى شاطنٌ في
стр. 2349
النار. الشاطن: البعيد عن الحق. أي كل ذي هوى. شطَنت الدار: بَعُدت. نية شَطُون: بعيدة ".
ومنه مع مقابل العوج: "نوًى شَطون: بعيدة شاقة. وحرب شطون: شديدةٌ عَسِرة ". ومن ملاحظة العوج أكثر: "شطنه (نصر): خالفه عن وجهه ونيته ".
وأما "الشيطان فهو (فَيْعال) من شَطَنَ إذا بَعُد [ولفظ (شاطن) في شاهدين في [ل] يثبت أصالة النون حَسْما]، وكل عات = متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان "فخفاؤه بُعد، وتمرده اعوجاج. وعتوه وتمرُّده المأخوذ من الاعوجاج في الأصل هو أساس كل أعماله و (وظائفه) من وسوسة بالشر، واستزلال، وإضلال ونزغ، وهمز، ومسّ وتزيين للباطل وصدّ عن سبيل الله إلخ ما أسند إليه في القرآن الكريم. وقوله تعالى ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] قال الزجاج: وجه (هذا التشبيه) مع أن الشيطان لا يُرى، أنَّه يُسْتَشعَر أنَّه أقبح ما يكون من الأشياء، ولو رُئي لرُثي في أقبح صورة " [ل].
وأخيرًا فإن قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وكذلك: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ [طه: ١٢٠]، يعني أن الشيطان هو إبليس نفسه؛ لأنه هو الذي أَبى السجود لآدم وأقسم ليغوينه وذريته. وفي [سبأ: ٢٠] تصديق أنَّه هو المُغوِي، وأنه أول الجن وبداءتهم كآدم في الإنس. وبما أنَّه عات متمرد فإنه يستحق اسم الشيطان، لكن هناك من قال إن الشيطان من ذرية إبليس، وإنه كنوح في الإنس [ينظر بحر ٦/ ١٢٩، كشاف إصطلاحات الفنون / بسج / ٢/ ٥٤٠، ١/ ٣٥٥، ٣/ ٤٤٥]، وفي [طه ١٢٠] ما يردّ هذا. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] اليهود، أو رؤسائهم في الكفر، أو كهنتهم. [ينظر بحر ١/ ٢٠١ - ٢٠٢].
стр. 2350
• (شظظ):
"الشِظاظ - ككتاب: العود الذي يُدْخَل في عُرْوة الجُوالق. شَظَظت الغِرارتين بشِظاط وهو عود يُجْعَل في عُرْوتي الجُوالقين إذا عُكِما على البعير، شَظَظتُ الجُوالق أي شددت عليه شِظاظه ".
° المعنى المحوري شدٌّ بإنفاذ عود صُلْب يمتد نحو ذراعين في عروتي الجوالقين ليحملا على البعير. وعمله هذا يبين أنَّه شديد وغليظ، وقد يكون له طَرفٌ حادٌ، لأنه ذكر (في ل) أن رجلًا نحر به ناقة. وقد يكون له عقْفَةٌ.
ومن الشَّدِّ مع الغلظ والصلابة قيل: شَظَّنى الأمر شظًّا وشُظُوظا: شقّ عليّ ".
• (شوظ)
﴿يُرْسَلُ عَلَيكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥]
"الشُواظ - ككتاب وصداع: اللَهبُ الذي لا دخان فيه / قطعة من نار ليس فيها نحاس (دخان). وقيل الشواظ لهب النار ولا يكون إلَّا من نار وشيء آخر يخلطه ".
° المعنى المحوري لهب نار ممتد معه أو ليس معه دخان. وليس في الاستعمالات اللغوية أو القرآنية لهذا التركيب إلَّا كلمة الشواظ هذه. وقد جاء عنها في [بحر ٨/ ١٩٣] "الشواظ: لهب النار، قال مجاهد: اللهب الأحمر المنقطع. وقال الضحاك: الدخان الذي يخرج من اللهب اهـ وقول الضحاك مرجوح لأن كلمة (نحاس) المعطوفة على (شواظ) في الآية معناها الدخان، فيكون تكرارًا. وهو خلاف الأصل. وهذا يرجح أيضًا أن المعنى اللغوي للشواظ هو اللهب بلا دخان.