"وجعل يفعل كذا: طَفِقَ وعَلِقَ " (تحول إلى هذا فاستمر عليه).
ومن ذلك: "أَجْعَلَتْ الكلبة والذئبة والأسَدة وكلُّ ذات مِخْلب واستَجْعَلَتْ: أحَبَّت السِفَاد واشتهت الفحل (من تحول الحال كما يقال حائل. والعامة تقول الآن في البقر "صارف "، وهما من التحويل). والجُعْل - بالضم: الأجر على الشيء فعلًا أو قولًا (فهو أجر الجَعْل كما قلنا في الأجرة إنها مقابل الأَجْر، وقالوا في أجر العمل عمالة).
° معنى الفصل المعجمي (جع): تجوف وسط الشيء كما يتمثل في الجعجع من الأرض - في (جعع)، وفي فراغ البطن - في (جوع)، وفي ترك الشيء المتحوَّل عنه - في (جعل).
الجيم والفاء وما يثلثهما
• (جفف - جفجف):
"الجُفُّ - بالضم: شيء من جلود الإبل كالإناء أو الدلو يؤخذ فيه ماء السماء يسع نصف قربة، وشيءٌ يُنْفَر من جُذوع النخل. والجَفْجَفُ بالفتح: الغليظُ من الأرض، والقَاعُ المستديرُ الواسع. والجف - بالضم للطلعة: وعاؤها الذي تكون فيه. والجَفَف محركة: الغليظ اليابس من الأرض ".
° المعنى المحوري يُبْس الشيء المحيط برقيقٍ وغلظُه بحيث لا يكون في أثنائه أو ينتَح منه بَلَلٌ أو ما إليه (١): كالدلو، والجذع المَنْقُور، والقاع المذكورات
стр. 317
وكالجَفَف والجَفْجَف من الأرض، وكجُفّ الطلعة يحفظ ما بداخلها من شبه المائع فلا يتسرب. ومنه "جَفَّ الشيءُ: يَبِس. وجَفَّ الثوبُ (نشف). وتجفجف: جَفّ وفيه بعض النداوة ".
• (جفو):
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦].
(في وصف المعزى بأن ذيلها جُفاء - كصداع) قالوا "هو من النُبو والتباعد وقلة اللزوق ". "والجُفَاية - كرُخامة: السفينةُ الفارغة، فإذا كانت مشحونة فهي غَامِد. وهو يجافي عَضُديه عن جنبيه في السجود أي يباعدهما. وجَفا السرجُ عن ظهر الفرس والقَتَبُ عن ظَهر البعير: نبا/ لم يلزم مكانه ".
° المعنى المحوري تباعد الشيء عن مقره الذي حقه أن يستقر فيه كذيل المعزى على غير معتاد أمره في الحيوانات الأخرى، والسفينةُ الفارغةُ تطفو فوقَ الماء لا تَنغمِس كالملأى، وكتباعُد العضدين عن الجنبين، والسرجِ عن ظهر الفرس، والقَتَب عن ظهر الجمل. ومنه تجافى جنبه عن الفراش: نَبَا ﴿تَتَجَافَى
стр. 318
جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. (تتباعد لسهرهم في قيام الليل والعبادة).
ومن معنويه "ال جَفا ءُ: تَرْك الصلة والبر " (لمن حقه أن تتصل به وتَبَرَّه).
• (جفأ):
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: ١٧].
"الجُفَاء - كصداع: ما نفاهُ السَيْل. جَفَأَ الوادي غُثاءَه يجفَؤُه: رَمَى بالزَبَد والقَذَى. وجَفَأَت القِدْرُ: رَمَت بما يجتمع على رأسها من الزَبَد والوسخ. وجَفَأْتُها: مسحتُ زَبَدَها الذي فَوْقَها من غَلْيها ".
° المعنى المحوري دَفْعُ الشيء بعيدًا بما يخرج من أثنائه أو يتجمع على سطحه من نحو الغثاء الموصوف والزَبَد. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي باطلًا لا خير فيه ولا بقاء له.
• (جوف - جيف):
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤].
"الجَوف - بالفتح من الأرض: المطمئِنّ الواسع/ أوسعُ من الشِعْب تسيل فيه التِلاع والأَوْدية وله جِرَفَةٌ، وربما كان أوسع من الوادي وأقْعَر. وجَوف الإنسان: بطنه معروف. والأجوفان: البطنُ والفرج ".
° المعنى المحوري فراغٌ واسع في قلب الشيء وباطنه. كجوف الإنسان وغيره فهو غير مُصْمَت وما فيه رِخْوٌ كله. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] و "الجَوَف - محركة: خلاءُ الجوف كالقَصَبة الجوفاء ". وليس في التركيب ما يحوج إلى التفصيل.
و"الجِيفَة - بالكسر: جُثَّة الميْت " (خالية من الروح إذ خرجت منها).
стр. 319
• (وجف):
﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]
"وَجَفَ البعيرُ والفرس - كوعد: أسرع في السير، والقلبُ: خاف/ خَفَق من الخوف. وأوجف الذِكْرَ بلسانه: حَرَّكه ".
° المعنى المحوري خفة حركة الشيء ومباعدته مقره. (بسبب خفة ما يحتويه) كارتفاع اللسان عن مَقَرّه بالذكْر بخفَّة، وارتفاع الفرس وغيره عن الأرض عند الإسراع. ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ أي ما أعملتم وما أجهدتم خيلًا ولا ركابًا من أجل تحصيله فيكونَ لكم سهم فيه ".
ومن خفة الحركة تلك "وَجَفَ القلبُ: خفق من الخوف ﴿﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٨] قال الزجاج: شديدةُ الاضطراب [ل].
ومن ملحظ الخروج من أثناء إلى بعيد بدفع قالوا "جَفَأَ البقلَ: قلعه من أصله ".
"جفن ":
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣]
"الجَفْن - بالفتح: غِطاء العين من أعلى وأسفل، وغِمْدُ السيف ".
° المعنى المحوري غلاف للشيء العظيم أو المهم يسعه ويغطيه أو يحفظه. كجَفْن السيف والعين لهما. ومنه الجَفنة - بالفتح: أعظم ما يكون من القصاع (تضم الطعام في بطنها مع انكشاف وجهها) ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ أي تشبه الحياض الضخمة. ومنه "الجَفْن: ورق العنب، لتغطيته ما تحته. وجَفْنا الرغيف: وَجْهاه " (كالغلاف للتجوف الذي بينهما) ومن ذلك "جَفَن نفسه عن الشيء:
стр. 320
مَنَعها وظَلَفَها " (حَجَبها وغَلّفها).
° معنى الفصل المعجمي (جف): يبس الشيء المحيط بغريب عنه أو مباعدته إياه كما في جُفّ الطلعة وجُف ماء السماء - في (جفف) وهما غليظان بالنسبة للرقيق الذي يحيطان به (وهذا الاختلاف في طبيعتهما مباعدة)، وكما في تباعد العضدين عن الجنبين والسرج عن ظهر الفرس - في (جفو)، وكما في فراغ جوف الشيء أو رقته بالنسبة لمحيطه - في (جوف/ جيف)، وكما في الحركة السريعة (وهي انتقال عن الحيز وإفراغ له) في (وجف)، وكما في دفع الشيء بعيدًا - في (جفأ)، وكما في غطاء العين لها وهو جِلد غريب عنها - في (جفن).
الجيم واللام وما يثلثهما
• (جلل - جلجل):
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]
"الجُلّة - بالضم: وعاء يُتَّخَذُ من الخُوص يُوضَع فيه التمر يُكْنز فيها. وجُلّ الدابة - بالضم والفتح: الذي تُلْبَسُه لتُصان به. وجِلال كل شيء - ككتاب: غطاؤه نحو الحَجَلة. والجِلّ - بالكسر من المتاع: القُطُف والأكسية والبُسُط (ج: كرجال).
° المعنى المحوري تغطية عظيمة أي واسعة (يقصد بها الصون) (١) كالجُلة
стр. 321
المذكورة وجُلّ الدابة والجِلال الحَجَلة، والقُطُف والبسط والأكسية واسعة ويقصد بها الصون. ومن ذلك "الجليل: الثُمام "فهو نبت ضعيف (ينبت بَعْليا بانتشار) يُحشى به ويُسَدّ به خَصاص البيوت وتُغَطَّى به سُقُفها. وسدّ الخصاص، والحشو، وتغطية السُقُف كل ذلك يُقْصَد به الصون.
ومن التغطية الواسعة دون قيد الصون "الجِلّ - بالكسر: قصب الزرع وسُوقه إذا حُصد عنه السنبل " (فبقى هو يغطي وجه الأرض فحسب) وجَلَّلَ المطر الأرض: عمها وطبقها فلم يدع شيئًا إلا غطى عليه " (المصباح).
ومن ذلك الاتساع العظيم استعمل التركيب في التعبير عن العِظم المادي. "الجِلّ: نقيض الدِقّ - بالكسر فيهما. وفي عظم الكَمّ "جُلّ الشيء - بالضم: مُعْظَمُه "، وفي عِظَم المِساحة (العِرَض) "المَجلة: الصحيفة: فيها الحكمة " (عِرَض نسبي)، وفي عظم السنّ مع عِظَم البدن والقَدْر (وبينها نوع من التلازم) "تجالّت المرأة: أسنت وكبرت. وجَلّ الرجل: أسنّ واحتنك. وجَلّت الناقة: أسنّت،
стр. 322
وجِلّة الناس والإبل - بالكسر: مسانّهم " (ج جليل).
ومن هذا العِظَم المادي مع الشمول جاء العِظَم المعنوي كما في "الجُلّى: الأمر العظيم "، وكما في وصفه تعالى بالجليل "وجلال الله تعالى: عظمته ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧ ومثلها ما في ٧٨] وملحظ (الصَون) الذي ذكرناه في الأصل ثابتٌ بمعنى التنزيه له سبحاته فيقال "جَلّ عن كذا أي تنزه "قال الراغب "الجَلالة عظم القدر، والجلال بغير الهاء: التناهي في ذلك، وخُصّ بوصف الله تعالى فقيل ذو الجلال. والجليل: العظيم القدر ووصفه تعالى بذلك لأنه يجل عن الإحاطة به أو لأنه يجل عن أن يدرك بالحواس "اهـ. "وجل فلان في عيني: عظُم، فهو جليل وأجْللته في المرتبة: عظّمته ".
ومن تلك التغطية مع أثر الصيغة "الجُلْجُل - بالضم: الجرس الصغير (كرة نحاسية في جوفها حجر صغير أو نحوه تصوت إذا حُرّكت). وكذلك الجُلْجُلان: السِمْسِمُ في قشره، والحب الذي في جوف التين. وتجلجل في الأرض: ساخ فيها ودخل (فجلّلته أي أحاطت به)، وجَلْجَل الشيءَ: خلطه "فهي تغطية مترددة متكررة.
أما إطلاقهم الجَلَل - محركة على الشيء العظيم، والصغير الهيّن فقد جاء من الصيغة مع ما في الأصل من تغطية وإمساك في الجوف. فالجَلَل تكون بصيغتها صفة مشبهة باسم الفاعل كحَسَن وبَطَل وتدل على الشيء العظيم عِرَضًا أو سُمكًا في نفسه أو الذي يشمل شيئًا في جوفه ويغطيه، وتكون اسمًا دالًا على المفعولية كالحَصَد والنَفَض والحَفَر إلخ أي المحصود والمنفوض والمحفور فهي تدل على الشيء المشمول في الجوف المغطى كالسمسم في قشره. ومن هنا جاء
стр. 323
استعمال الكلمة بمعنى الصغير الهين. وليس ذاك التضاد من أصل الوضع. وكأن حقيقة معنى جَلَل هنا أن الموصوف بها محدُود الخطر يمكن أن يحاط به (على عكس ما يعطيه معنى التغطية العامة).
• (جلو - جلى):
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
"الجَلَى - كالفتى: انحسار مقدَّم الشعر. والمَجَالى: مقاديم الرأس وهي مواضع الصَلعَ. جَلا القومُ عن أوطانهم: خرجوا من بلد إلى بلد، واجْتَلَيْتُ العِمامة عن رأسي: رفعتُها مع طيّها عن جبينك. والجَلا - كفتى (ورضا) وسماء: الكُحل. جلا الصيقلُ السيفَ والمرآة ونحوهما: صَقَلهما. وجلوت بصري بالكحل ".
° المعنى المحوري انزياح ما هو كالطبقة (الواسعة) عما يغطيه فينكشف. كانحسار مقدَّم الشعر، وجَلاءِ المَوم عن أوطانهم، وزحزحة العمامة عن الجبهة. وإزالة الصدأ عن المِرآة والسيف، وما هو كالغشاء عن العين. ومن الجلاء عن الوطن ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر: ٣] و "جلا الأمرَ وجلّاه - ض، وجلّى عنه - ض: كشفه وأظهره ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ وتجلي الشيءُ تكشف ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس: ٣ ومثلها ما في الليل ٢] أي جلّي الظلمة - ض، كما يقال أصبَحَتْ باردة وهَبَّت شَمَالًا دون ذكر مرجع الضمير لأن معناه معروف -[ل ١٦٦/ ١٠]. والجِلْيُ - بالكسر - كعِذْى: الكَوَّة من السطح لا غير (جزء أزيل ويَكْشِف). وجَلَيت الفضة: جَلَوتها - والمُجَلِّى من الخيل: السابق في الحَلْبة (ينفذ
стр. 324
من بين الخيل أمامَها فينكشف) وقولهم "أجلى يعدو: أسرع بعض الإسراع ". هو أيضًا زوال عن المكان مع قيد السرعة. وليس في سائر الاستعمالات ما يحتاج تفصيلًا.
• (وجل):
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
"الوجيل والموجِل - كمنزل: حُفْرة يستنقع فيها الماء ".
° المعنى المحوري الاحتواء على مائع وما إليه (في الضعف وخفة الجرم) زمنًا طويلًا. كالماء المستنقع المذكور.
ومن الزمن الطويل مع الضعف "وَجُل - ككرُم: كَبِر. والوُجُول: الشيوخ [ق]. وفي الحديث الشريف "وَعَظَنا رسول الله ﷺ موعظة وَجِلَتْ منها القلوبْ ". فسرت المعاجمُ الوَجَل بالفزع والخوف. وهما ضَعْف واضطراب ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢ ومثلها ما في الحج: ٣٥] فهذا وَجَل خشية واستحضار جلال الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فالوَجَل هنا من خشية أن يكون إيتاؤهم مشوبًا بما يبطله، وهم سيُرَدَّون إلى ربهم فيحاسبهم. وفي تفسير الأولى قال ابن عباس [طب ١٣/ ٣٨٦]: إن المنافين لا يدخل قلوبَهم شيءٌ من ذكر الله عد أداء فرائضه ... "ثم لم يصرح بأن الوَجَل الفزعُ أو الفَرَقُ. وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ [الحجر: ٥٢، ٥٣] فالوَجَل هنا تَوَجُّس شَرّ وهو من الضعف كقوله ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠].
стр. 325
• (أجل):
﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣]
"المأْجَل - كَمَسْكَن: "شِبْهُ حوض يُجْمَع فيه الماء إذا كان قليلًا ثم يُفَجَّر إلى المَشَارات. والإجْل - بالكسر: وَجَعٌ في العنق من تَعَادِى الوِساد في النوم (تصلب) والقطيعُ من بقر الوحش والظباء " (المَشارات: الجداول).
° المعنى المحوري تجمع أو تماسك مؤقت كتجمع الماء إلى أن يُفَجَّر إلى الجداول. وتَصَلُّب العنق تماسك وهو مؤقت، وتجمع القطيع مؤقت أيضًا، إذ قد ينفرط لتنضم أفراده إلى قُطْعان أخرى. ومن الجمع "أجَل عليهم (نصر وضرب): جَنَى وجَرَّ، وأجَلَ لهم: كَسَب وجَمَع واحتال ". ومن الجمع كذلك "فعلت ذلك من أجل كذا (أي تحصيلًا له) ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢]. وقولهم "أَجَلْ "بمعنى نعم هي من هذا المعنى في أي (حَصَل) كما نقول الآن. والحصولُ في حوزةٍ تجمعٌ.
ومن التوقيت: "الأجلُ - محركة: غايةُ الوقت في الموت وغيره وحلولُ أجله " ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف: ٣٤]، ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]. وكل لفظ (أَجَل) ومثناه، والفعل (أجّل) - ض: للفاعل والمفعول و (مؤجّل) فهو من هذا المعنى.
• (جلب):
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].
"الجَلْب: سَوْق الشيء من موضع إلى آخر/ يَجْلِبون الإبل والغنم للبيع. والجَلَب - بالتحريك: ما جُلب من خَيل وإِبِلٍ ومتاع/ من غَنَمٍ أو سَبْى.
стр. 326
والجليب: الذي يُجْلَب من بلد إلى غيره. الجُلْبة - بالضم: الجِلدة التي توضع على القَتَب. وجُلُبَّانُ السلاح: شبه الجراب من الأَدَم يوضع فيه السيف مُغْمَدًا في جرابه، ويَطْرح فيه الراكب سَوطه وأداته ويعلقه من آخرة الكَوْر أو في واسطته ".
° المعنى المحوري إلحاق الشيء بمكان أو مقر غريب عنه يلزمه مع اتساع في ذلك أو كثاقة ما. كجَلْب الإبل والغنم من مقرها عند أصحابها إلى حيث تباع في سوق أو نحوه (ومن الشواهد على أن الأصل كان أن يقع ذلك الجلب بالجملة (أي بكثرة لا فرادى وهذا اتساع) قولهم في المثل "النفاض (كسحاب وغراب) يُقَطِّر الجَلَب "أي أنه إذا أنفضَ القومُ أي نفِدَت أزوادهم قَطّروا إبلهم (أي ربطوا بعضها في إثر بَعض قُطُرًا لكثرتها ثم ساقوها لتباع)، وكالجُلْبة المذكورة تُقْطَع من إهاب، ثم تُلْصَق على القَتَب فتغشاه وتمسكه (وكذلك جُلْبة السكين التي تَضُمُّ النِصَاب على الحديدة, وجُلْبَة القَدَح: حديدة صغيرة يُرْقَع بها (بدل الجلدة)، والجُلْبة العُوذة التي تُخْرَز عليها جلدة. وكذلك "تجليب الضرع "هو تغطيته بطبقة كثيفة من طين أو عجين تشمل جميع أَطْبائه لمنع الإرضاع، وجُلُبّان السلاح: جراب واسع لحفظه عند السفر يه وهو يغطيه تغطية كاملة، وكل ذلك غريب عن مقره الأصلي.
ومن ذلك الجِلْبابُ وجمعه جلابيب، وهو ثوب يلزم ما يغطَّى به كأنه لاصق. لكن هناك اختلافًا في صورته التي سماها العرب جلبابا: أهو "الثوب الذي تغطى به ما عليك من الثياب نحو المِلْحَفَة "أي "المُلاءة التي تشتمل بها المرأة "أي فوق ثيابها. فهذا بيان للجلباب يمكن أن نضم معه تفسير الجلباب بالقميص، لأن القميص عند العرب قريب مما نسميه الآن جلابية إلا أن طوق القميص عند العرب لم يكن له شق رأسي أي فتحة أمامية طويلة كالتي توجد في
стр. 327
ما يسمى الآن جلابية أفرنجي. والذي له فتحة طويلة هكذا كان يسمى الدِرع وهو من ملابس النساء. المهم أن القميص قريب من معنى الجلباب من حيث الشمول، فهذا هو التفسير الأول للجلباب. والتفسير الآخر هو أن الجلباب "خمار واسع تغطي به المرأة رأسها وصدرها [وفي ل إضافة]: وظهرها).
والذي يؤدي إليه التحرير أن الجلباب هو الملحفة أي الملاءة التي تغطي تغطية خارجية شاملة. وليس هو الخمار بأي حال. ووصف الجلباب بأنه كالملحفة هو الذي قال به الأخفش الأوسط (٢٢٦ هـ) والجوهري، وهو قول الأزهري حيث فسّر قول ابن الأعرابي إن الجلباب: الإزار بأن قال إن ابن الأعرابي لم يُردْ به إزار الحَقْو (أي الذي يشد في الخَصْر ويغطَّى به نصفُ البدن الأسفل) ولكنه أراد به "الإزار الذي يُشْتَمَلُ به فيجَلِّلُ جميع الجسد، وكذلك إزارُ الليل هو الثوب السابغ الذي يشتمل به النائم فيغطي جَسَده كله "اهـ وفي نظام الغريب للربعي ص ١١٠ "التلفّع: التغطِّى بالثوب، ومثله التجلبُب والتزمُّل والتدثّر "اهـ وفي المخصص ٤/ ٧٧ "الجلباب: الملاءة, وفي ٨٤ منه "الجلباب: القميص، وقد تقدم أنه الملاءة "اهـ. فهذه أقوال الأئمة. والقول بأن الجلباب هو الخمار منسوب لأعرابية تسمى العامرية. وهذه الأعرابية ليس لها في معجم لسان العرب إلا ثمانية نقول - أي أنها ليست ذات إسهام يعتدّ به في المعرفة باللغة. وليس معها في قولها إلا قول الليث "الجلباب ثوب أوسع من الخمار - دون الرداء تغطي به المرأة رأسها وصدرها "والخلاصة إلى هنا أن الجلباب ثوب يغطَّى به البدن كله فوق الثياب، ثم هناك من قال إن التغطية به تشمل الرأس. والخطب هنا سهل. وتحريرنا لغوي مبني على أن صدر التركيب (جل) أي الفصل المعجمي يعبر عن الاتساع العظيم كما مر، (والباء للإلصاق)
стр. 328
وهذا يناسب أقوال الأئمة الذين ذكرناهم [ينظر الألفاظ لابن السكيت تح قباوة ٤٩٣، والمقاييس ١/ ٤٧٠ وتهذيب اللغة واللسان وتاج جلب، وقر ١٤/ ٢٤٣]. ولم نأخذ بتأويلهم للشاهد في تشبيه مشي النسور إلى القتيل بـ (مَشى العذارى عليهن الجلابيب) فإن القائلة تشبه النسور في مشيتها إليه من حيث إرخاء أجنحتها على جوانبها بالعذارى اللاتي يجررن جلابيبهن السابغة على أرجلهن وخلفهن. لا من حيث "إنها آمنة لا تعجل "كما قالوا.
هذا وفي قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] يمكن أن يفسر إدناء الجلابيب على أنه كناية عن لزومها لا استبعادها الذي يؤدي إلى التكشف وإلى أن يُوصَفَ بدنُها، ويمكن أن يقصد بها سبوغ الجلابيب على السوق. لكن في [طب التركي ١٩/ ١٨١] ما خلاصته أن المقصود تغطية ما عدا عينا واحدة. وفي [بحر ٧/ ٢٤٠] عدة أقوال لابن عباس وبعض التابعين تؤيد ما في الطبري. وبعضها يتسق مع معنى الجلباب الذي حررناه، أقْرَبُها ما يؤخذ من قول الكسائي "يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن " (أراد بالانضمام معنى الإدناء) اهـ. والقناع كالخمار فمعنى عبارته أن الجلباب يشمل الرأس مع البدن، وهذا ما يتأتى بالملاءة. لكن ليس في عبارة الكسائي، ولا في ما أسلفنا عن اللغويين من معنى الجلباب ما يصرح أو يقضي بتغطية الوجه عدا عين أو عينين. وهنا ترجع المسألة إلى علم الفقه، وتقوّم الأدلة، ويُتبع ما يقضي به الشرع.
وقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] فسر بـ "اجْمَع عليهم وتوعدهم بالشر "وفي [الغريبين ١/ ٣٧٣] "اجْمع عليهم ما قَدَرْت من جندك ومكائدك "والجمع هنا حشر (نقل طبقة كثيفة) من مواطن وجهات.
стр. 329
وقالوا أيضًا: "أَجْلَبَ عليه: إذا صاح به واستحثه في الرِهان: يأتى المراهن بفرس آخر ويُركِبُه رجلًا فإذا قَرُبَ من الغاية تبع ذلك الآخر فرسَ الرِهان المقصود فجَلّب عليه وصاح به (حثًّا) ليكون هو السابق "، ولعل استعمال الجَلَبة في اختلاط الأصوات والصياح مأخوذ من جَلْب ذلك الفرس الآخر ثم الصياح خلف فرس الرهان لأن الصياح هو المقصود هنا.
• (جلد):
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣]
"الجِلْد - بالكسر وبالتحريك: المَسْك من جميع الحيوان، وبالتحريك: الغيظُ من الأرض، والأرضُ الصُلْبة. والجليد: ما سقط من السماء على الأرض من الماء والندى فجمد ".
° المعنى المحوري غلاف بالغ التماسك والشدة يكسو ظاهر الشيء لاصقًا به، كجِلْد الحيوان وجَلَد الأرض والجَلِيد في ذاته ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا ...﴾ [النحل: ٨٠] وكل ﴿جُلُودُ﴾ في القرآن عدا هذه فهي جلود البشر. ومنه "جَلَده (ضرب جِلْده أو ضربه بالجِلْد) ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤ وكذا ما في ٢] ومنه اجتلدْتُ الإناء واجتلدت ما فيه: شربته كله (إلى جلده).
ومن الاشتداد والتماسك في صورة جفاف "الجَلَد - محركة وكسحابة: الصلابة، والقوة والشدة. والجَلَدة من النوق - محركة: الكبيرة التي لا أولاد لها ولا ألبان لها. والجَلْدة - بالفتح - من النخل: اليابسة اللحاء الجيدة، وثمرة جَلْدة "صُلبة مكتنزة.
стр. 330
• (جلس):
﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١]
"الجَلْس - بالفتح: الصخرة العظيمة الشديدة, وما ارتفع عن الغَوْر ".
° المعنى المحوري ارتفاعٌ أو نتوءٌ (محدود) مع تجمع جرم وشدة تماسك. كالصخرة. والجَلْسُ من الأرض ناتئ عما حوله من الأرض، ويعبَّر بالجَلْس عن الجبل تغاضيا عن قيد المحدودية. ومنه "ناقة جَلْس شديدةٌ مشرفة، وقَدَح جَلْس: طويل، وشُهْد جَلْس: غليظ (لا يبدو تماسكه إلا إذا كان متراكمًا مرتفعًا) ومنه الجلوس: القعود (حيث يجتمع الجسم ويتضام مرتفعًا عن وضع الاتكاء ونحوه). والمجلس - كمنزل موضع الجلوس "جمعه ﴿الْمَجَالِسِ﴾ كما في آية التركيب.
هذا. وقد قال ابن فارس - مثبتًا للفرق بين الجلوس والقعود "ونحن نقول إن في "قعد "مَعْنى ليسَ في "جلس ". ألا تَرَى أنّا نقول: "قامَ ثم قعد "و "أخذه المُقيم المُقْعد "ونقول لناس من الخوارج "قَعَدٌ ". ثم نقول: "كان مضطجعًا فجلس "فيكونُ القعودُ عن قيام، والجلوس عن حالةٍ هي دون الجلوس، لأن "الجلس: المرتفع. فالجلوس ارتفاعٌ عما هو دونه " [الصاحبي ١١٦]. وقال الراغب: "وجلس "أصلُه أن يَقْصد بمقعده جَلْسا (أي مرتفعًا) من الأرض. ثم جُعِل الجُلوس لكل قعود، والمَجْلِسُ لكل موضع يقعد فيه الإنسان. قال الله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فابن فارس يبين الأصل، والراغب ينبّه على تطور الدلالة.
° معنى الفصل المعجمي (جل): الاتساع انبساطًا أو انكشافًا وابتعادًا كما في الجِلال: الغِطاء للحجلة - في (جلل)، وكما في الجلا انحسار الشعر عن مساحة واسعة
стр. 331
وكذا جلاء القوم عن مقرهم - في (جلو جلى)، وكما في فراغ حفرة الوجيل وفَرَق القلب في (وجل)، وكما في الامتداد الزمني - في (أجل)، وكما في استحضار الشيء من مكان بعيد - في (جلب)، وكما في التغطية العامة المتمثلة في جلد الإنسان والحيوان - في (جلد)، وفي الارتفاع عن تمدد أو معه - في (جلس).
الجيم والميم وما يثلثهما
• (جمم - جمجم):
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠].
"جَمُّ الماءِ - بالفتح: معظمُه إذا ثاب. وبئر جَمَّة وجَموم: كثيرة الماء. والجُمّة بالضم: مجتمع شعر الرأس وهي أكثر من الوَفْرة. والحميم: النَبْت الكثير ".
° المعنى المحوري تجمع الرقيق اللطيف مع استواء ظاهر (١): كالماء والشعر والنبت المجتمع. والاستواء لازم لتجمع نحو الماء والشعر ومن معنويه
стр. 332
الحُبّ الجم الكثير العظيم كما في آية التركيب. ومن ماديه أيضًا "جمَّ المالُ وغيرُه: كثُر، والبئرُ: كثر ماؤها ". "جَمّ الفرسُ: ترك الضِراب فتجمع ماؤه. والجَمَمُ - محركة: الكيل إلى رأس المكيال. والجَمَام: الراحة (لتجمع القوة في الجسم) وجَمّ الفرس وأَجَمّ: تُرِك فلم يُرْكَب فعفا من تعب وذهب إعياؤه. ودخلوا على القوم وبهم جَمَامة: راحةٌ وشِبَعٌ ورِيٌّ. والمَجَمّ - بالفتح: الصدر " (مجمع لما وعاه). "والجمم محركة: مصدر الشاة الأَجَمّ الذي لا قَرن له " (لأن رأسه لم يَشْعَبْه القَرْن فظل مجتمعًا مستويًا). و "قَصْر أجمّ: لا شُرَف له "من ذلك. "ومَرَةٌ جماء العظام: كثيرة اللحم عليها. والجمّاء الغفير: جماعة الناس المجتمعون الكثيرون. والجُمْجُمة بالضم: عَظْم الرأس المشتمل على الدماغ وغيره. والجَمْجَمة - بالفتح أن لا يُبِين كلامَه من غير عِىّ (يجمع الكلام في فمه). وجَمْجَم في صدره شيئًا: أخفاه ولم يُبْده " (جمعه وختم عليه).
• (جمح):
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]
"الجُمَّاح - كتُفَّاح: شيء يُتَّخذ من الطين الحُرّ أو التَمْر والرماد فيُصَلَّب ويكون في رأس الِمعْراض يُرْمي به الطَير [وفي ق: جمح الصبي الكعب بالكعب: رماه حتى أزاحه من مكانه]. وفرس جَموح: إذا لم يَثْن رأسه .. / من عادته ركوب رأسه لا يثنيه راكبه/ يعتزّ راكبَه ويغلبُه ". [المِعراض عود تثبّت الحصاة في رأسه لتُقْذف به. والكعب حصاة مكعبة، وكانوا يلعبون بالكعاب].
° المعنى المحوري اندفاع مع صلابة (في الشيء المجتمع) بحيث لا ينثني: كالجُمَّاح الموصوف يندفع حتى يصيب الطائر، وكالفرس الجموح يندفع ولا يلين
стр. 333
ليدِ راكبه. ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧] (تصوير لشدة حرصهم على الفرار والاختباء دون أي تراخ).
• (جمد):
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]
"الجَمَد - محركة: الماء الجامد. جَمَد الماء والدم وغيرُهما من السَيَّالات: قام/ يبس. ومُخّةٌ جامدة: صُلْبة ".
° المعنى المحوري تصلب المائع وما يشبهه بتماسك بعضه في بعض مع يبس الأثناء. كالماء والدم والمخ إذا جمدت. ومنه شَهرا جُمادى لجمود الماء فيهما زمن التسمية. ومنه (تضمنًا) "أرض جماد: غليظة يابسة لم تمطر. وكرِجال: الحجارة. والجَمَد كأسد وقفل وعنق: ما ارتفع من الأرض وصَلُب. والجوامد: الأُرَف وهي الحدود بين الأَرَضين (ارتفاعها وثباتها تماسك). ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. (الثبات في المكان صلابة وجمود) "هذه الحال للجبال عقيب النفخ في الصور، وهي أول أحوال الجبال: تموج وتسير، ثم ينسفها الله فتكون كالعهن، ثم تكون هباء منبثا في آخر الأمر " [بحر ٧/ ٩٤] وفيه تفصيل للمراحل أكثر من هذا. "وناقة جماد: لا لبن فيها " (يابسة).
• (جمع):
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]
"الجَمْع - بالفتح: الصَمْغُ الأحمر، ولبنُ كلَّ مصرورة. وجُمْع الكف - بالضم: هو حين تقبضها. والمَجْمعة - بالفتح: ما اجتمع من الرمال، والأَرْضُ القَفْر. والجميع: الجيش، والحي المجتمع. جمع الشيء: جاء به من هنا وهنا.
стр. 334
واستجمع السيلُ: اجتمع من كل موضع ".
° المعنى المحوري تضامُّ أشياء متجانسة كثيرة تلاقيًا أو تلاحمًا أو تراكمًا. كما يُلْحَم بالجَمع: الصمغ المذكور، وكما يَتَكون من لَبَن المصرورة من مَرَّات حلب كان ينبغي أن تتم، وكالكف المقبوضة، والرمال المجتمعة، وكسطح الأرض القفر (ملتحم لا ينفذ منه نبات). ثم عُمِّم في كل جمع لمال أو ناس إلخ. ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢] ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. (أي أن يجمع الرجل في عصمته زوجتين أختين في نفس الزمن) ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] سمي كذلك لاجتماعهم فيه. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] كله، ويتأتى في جميعه ما ينفعكم ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي جموعًا لقتالكم ﴿فَجَمَعَ كَيدَهُ﴾ [طه: ٦٠]: حِيلَه وسِحْرَه [قر: ١١/ ٢١٤] ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤]: اعزموا وجِدّوا [١١/ ٢٢٠] وكذا ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس ٧١] [قر ٨/ ٣٦٢] ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] الأمر الذي يشمل الناس نفعُه وضُرُّه فيجمعهم الإمام للتشاور [ينظر قر ١٢/ ٣٢٠] ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] هذا جمع الحشر، وكذا ما في [آل عمران ٢٥، النساء: ٨٧، الأنعام: ١٢، الكهف: ٩٩، الشورى: ٧، ٢٩، الجاثية: ٢٦، التغابن: ٩] ﴿نَجْمَعَ عِظَامَهُ] [القيامة: ٣]، للإحياء والبعث ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] جمعه في صدرك وتقرؤه [قر: ١٩/ ١٠٦] ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ٥] استظهر [في بحر ٨/ ٥٠١] أنه جمع المغزويين.
стр. 335
• (جمل):
﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]
"الجَمْلاء - بالفتح: التامّة الجسم من كل حيوان. وكصبور: المرأة السمينة. والجامل: الحيّ العظيم. والجمَل - محركة: الذكر من الإبل إذا بَزَل (في تاسع سِنِيه)، والحَبْلُ الغليظ كالجُمّل (كسُكّر وصُرَد وقُفْل وعُنُق). وجَمَلُ البحر: سمكة من سمكه قيل طوله ثلاثون ذراعًا. والجميل: الشَحْمُ يذاب ويُجْمَل أي يُجْمَع. وجَمَلْت الشيء: جمعته. وجمّل الجيشَ - ض: أطالَ حبسه ".
° المعنى المحوري عِظَمُ الجِرْم مع تمامٍ وتجانس حال بحسبه فيهما، كالجَمْلاء التامة الجسم/ وكالمرأة السمينة، وكالحيّ العظيم. (على ما ينبغي للحيّ) وكالجمَل إذا بَزَلَ (تمامُ جسم وسِنّ)، والحبْل الغليظ (عِظَم مع امتداد)، والشحم الذى أذيب وتجمَّد (عِظَم) ليُخْزن (طول زمني). والتجانس في ذلك كله أن العظم فيه ليس من تجمع أشياء مختلفة. ومنه "الجَمَال "- كسحاب: وهو من تمام الجسم كما صرحوا، مع السِمَن وامتلاء الجسم بالشحم كما قالوا "الجَمُول: المرأة السمينة (والسِمَن كان وما زال يهيئ للجسم الامتلاء واستواء الجلد بلا تجاعيد. جاء في مثل عربي "قيل للشحم أين تذهب؟ قال: أُقوِّمُ المعوج - يعني أن السِمَن يستر العيوب " (١) وعن الشعبي قال "حَلْىُ النساء الشَحْم "وفي شرح قوله (جَبَّتْ نساء العالمين بالسبب) ما يؤكد ذلك (٢)، ومن الجمال
стр. 336
التناسب (المأخوذ من التجانس) في مقادير الأعضاء وهيئآتها بعضها مع بعض ﴿وَلَكَمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦]، ﴿فَاصْبِرْ صَبرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] والأشبه هنا هو تمام الصبر طولًا مع عظم التحمل. وهذا صالح لتفسير وصف الصبر، والصفح، والسراح، والهَجْر بالجَمال في القرآن الكريم.
ومن عظم الجِرْم "جُمْلة الشيء - بالضم: جاعته، وأجمل الشيءَ: جمعه عن تفرقة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] "ومن هذا أُخذت "الجملة "في النحو لأنها مجموعة كلمات، وكذلك البيع بالجملة في مصطلح التجار.
والجَمَل في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]: الحبل الغليظ. بقرينة سم الخياط. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] فُسِّر في هذا وفي قراءة "جمالات "بجمع الجمل ذكر الإبل، لكنها فى الثانية جمع جمع. كما قرئ جُمالات بضم الجيم وهي الحبال الغليظة من حبال السفينة وهن من الجَمْل: الجمع ويلزمه العِظَم فتكون من الأصل وتعني كتلًا غليظة طويلة أو دائمة التماسك أو نحو ذلك. وكلٌّ جائزٌ لغويًا. [انظر الغريبين ١/ ٣٩٨، قر ١٩/ ١٦٥ والمعاني للفراء ٣/ ٢٢٥].
° معنى الفصل المعجمي (جم): التجمع اللطيف كما في جموم الماء في (جمم)، وكما في تركز الصلابة إصرارًا على ما في الرأس أو القلب في (جمح)، وكما في التماسك والاحتباس في (جمد)، وكما في تضام الأشياء المتجاتسة في (جمع)، وكما في عظم الشيء في (جمل).
стр. 337
الجيم والنون وما يثلثهما
• (جنن - جنجن):
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]
"الجَنَّة - بالفتح: الحديقةُ ذاتُ الشجر والنخل/ والعنب، - وبالضم: الدِرْعُ وكلُّ ما وقاك/ ما دَارَاك من السلاح واستترت به منه، والسُتْرة. والمِجَنُّ: التُرْس يُواري حامله. والجَنين: الولد ما دام في بَطْن أمه، والمقبور. والجَنَن - محركة: القبر، جَنَّ الشيء يَجُنّه: سَتَره ".
° المعنى المحوري سَتْرُ الشيء بكثيف يعلوه أو يكون الشيء في أثنائه (١)
стр. 338
كالشجر والنخل والعنب تُظِلُّ ما تحتها وتستره، وكالدِرْع يستر ستر حماية، وكالجنين في البطن ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ والميت في القبر .. ومنه "جنّ عليه الليل وأجنّه: ستره بظلمته " (الظلام ساتر كثيف يغشى) ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]. وقد ذكرنا الجُنة - بالضم ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٦ والمنافقون: ٢] أي يسترون جرائمهم بأيمان تنفي وقوعها منهم، فتدرأ عنهم العقوبة كما يرد المِجَنّ سيفَ العدو. [وينظر قر ١٧/ ٣٠٤].
ومن ذلك "الجِنّ والجِنّة - بالكسر فيهما: نوع من العالم استَجَنُّوا عن الأبصار. ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] , ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦]. ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] أدرج الجن هنا، لقدراتهم المستغربة فيكون عجزهم أبلغ في التعجيز. ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] وأُجِيزَ تفسيرها هنا بالملائكة. والاشتقاق لا يأباه. ومثل الجِنّ والجِنة (مقابل الإنس) (الجانّ) في سياق مقابلته بالإنسان أو الإنس. أما (جانّ) في [النمل: ٧, والقصص: ٣١] فهو الحية الدقيق الجسم، لأنه يستكن في البيوت - لا في الصحارى مثلًا.
ومن ذلك "الجُنُون وهو الجِنة "بالكسر أيضًا، لأنه استتار العقل أو غيابه ﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] وكل كلمة (مجنون) و (جنّة) ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦ وكذا (جِنّة) في الأعراف: ١٨، المؤمنون: ٢٥، ٧٩، سبأ: ٨، ٤٦]. وسائر كلمة (جِنّة) معناها الجِنّ.
وذكرنا "الجنة - بالفتح: الحديقة ذات الشجر والنخل والأعناب، وأن كثافة فروع الشجر والنخل وكروم العنب المرفوعة تَجُنّ أي تُظِلّ وتستر من يسير
стр. 339
أثناءها ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢]- فهذه لحدائق الدنيا وكذا ما في [البقرة: ٢٦٥، ٢٦٦، الإسراء: ٩١، الكهف: ٣٢, ٣٣, ٣٥، ٣٩، ٤٠، المؤمنون: ١٩، الفرقان: ٨، ١٠، الشعراء: ٥٧، ١٣٤، ١٤٧، سبأ: ١٥، ١٦، يس: ٣٤، الدخان: ٢٥، ق: ٩، النبأ: ١٦] ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٩، ٣٠] وهذه لجنة الثواب في الآخرة وبمعناها سائر كلمات (جَنة)، و (جنتين)، و (جنات). والجنة التي أُسكِنها أبونا آدم أول ما خُلق مقرها موضح خلاف بين العلماء. أهي جنة الثواب أم جنة أي مكان ظليل بشجر على هذه الأرض [ينظر بحر علمية ١/ ٣٠٨].
° ومن المعنى المحوري استعمل التركيب في ما كان مجتنًّا فخرج فقالوا "جِنُّ النبت: زَهْرهُ ونَورْه. ومنه - لكُمون قُوَى الشيء فيه في أول نشأته - قيل "كان ذلك في جِنَّ صباه أي حداثته ". و "جِنُّ الشباب أوله وقيل جِدَّتُه ونشاطه. وجِنُّ كل شيء أول شدته ".
وأما "الجَناجِنُ: عِظامُ الصدر "فإنها كالقفص الذي يحمل غشاء الساتر لما تحته ويجعله كالصندوق له. وفي التركيب استعمالات أخرى كثيرة لا تخرج عن معنى الستر والاستتار في الأثناء.
• (جنى):
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]
"الجنَى - كالفَتَى: الكَمْأَةُ، والرُّطَبُ، والقُطْن، والعسلُ إذا اشْتِير، وكل ما يُجْنَي من الشجر. وجَنَى الثمرةَ: تناولها من شجرتها. وقد اجْتَنَوْا الكمأة "
° المعنى المحوري تحصيل (أو أخذ) ثَمَر الشجر وما يشبهه من الأثناء التي تُكنّه أو تُقِرّه. كالكَمْأَة والقُطْن والرُطَب والعسل خارجةً من الأرض
стр. 340
والأكمام وخلايا النحل أو أجوافها. ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ هو الثمر نفسه. والجَنِىَّ كغَنِىّ: الثمر المُجْتنَى ما دام طريًّا ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] ومنه قالوا جَنَى الذنبَ عليه: جَرّه إليه "فهي من الأخذ والجمع (كجَرَّ وجَرَم وكسب). ومن الأصل "الجَنَى كفتى: الذهب (يستخرج من جوف الأرض) والوَدَع " (من البحر) ويستخرج من جوفه ما يستخرج.
• (جنب):
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]
"الجَنْب - بالفتح، والجانِب، والجَنَبة - محركة: شِقُّ الإنسان وغيرِه. وجَنبَتَا الوادي - محركة، وجانباه: ناحيتاه. والمِجْنب - بالكسر: (أداة كالمِجرف) يرفع بها التراب على الأعضاد والفُلْجان. والجَنْبة - بالفتح: ما كان في نِبْتَتِهِ بين البَقْل والشجر/ يبقى أصله في الشتاء ويَبيد فرعه .. ويتربل في الصيف أو القيظ "- أي يخرج من تحت اليبيس منه نبات أخضر.
° المعنى المحوري ناحية من الشيء خارجية غليظة أو شديدة تُكْمِل تجوُّفه وتحفظ ما بأثنائه. كشِقّ الإنسان يُكْمِل بناء جوفه وبدنه، وكجانِبَيْ الوادي يُكْملان تجوُّفه ويحفظان ماءه - وكلاهما خارجي شديد غليظ. والمِجْنب المذكور أداة لصنع الجوانب كما هو واضح. أما الجَنْبة الموصوفة فهي نوع (: ناحية) ثالث من النبات لا هي من الشجر ولا من البقل. ثم إن بقاء أصلها حفظ للنبات بحيث يعود للإيراق في الصيف. فمن (الجانب) جانب البرّ والطور وكل جانب ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء: ٦٨]، ﴿أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣، فصلت: ٨١] أي تكبر وتباعد، ناء مقلوب منه. أي بعد عن القيام
стр. 341
بحقوق الله [فر ١٠/ ٣٢١] ومن الجنب: شِقّ الإنسان وغيره ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: ١٢] أي على جنبيه مضطجعًا، وجمعه (جنوب) كما في [آل عمران: ١٩١، النساء: ١٠٣، التوبة: ٣٥، الحج: ٣٦، السجدة: ١٦] ﴿وَالْصَّاحِب بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] الرفيق في السفر [قر ٥/ ١٨٨] ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] أي قربه وجواره [قر ١٥/ ٢٧١] أي في أسباب ذلك.
ومن كون الجَنْب ناحية غليظة من الشيء قيل "الجَنب - بالفتح: القطعة العظيمة من الشيء تَكُون مُعْظَمَهُ أو كثيرًا منه. وطعام مَجْنَب - بالفتح أي كثير. وريح الجَنوب واحدة (أي جانب أو ناحية) من الرياح القُوم وهي تقترن بالخير العظيم ". قال الأصمعي "إذا جاءت الجنوب جاء معها خير وتلقيح وإذا جاءت الشَمال نَشِفَت ".
ومن غلظ الجنب أيضًا جاء معنى الجفاف "جَنَّب الرجلُ - ض: إذا لم يكن في إبله ولا غنمه دَرّ. يقال: إن الإبل جَنّبت قِبَلنا العامَ أي لم تَلْقَح فيكون لها ألبان ". ويتأتى أن يكون هذا من تَنَحِّى الجنْب كالآتي.
ومن كَوْن الجَنْب ناحية خارجية جاء معنى البُعد والإبعاد ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] ومثلها ما في [الأعلى: ١١] يبعد عنها كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] , ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] .. ابتعدوا عنها جانبًا ومثلها ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] وكذلك ما في [المائدة: ٩٠، النحل: ٣٦، الحج: ٣٠، الشورى: ٣٧، الحجر: ١٢٢، النجم: ٣٢] ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] فُسِّر باللازق إلى جنبك [ل ٢٦٨]- وبالذي ليس ذا قرابة [٢٧٠] ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] أي عن
стр. 342
بُعْد أو عن مجانبة لها منه، فلم يعرفوا أنها (أُخته) [قر ١٣/ ٢٥٧] والأجنب والأجنبي والجانب: الغريب. والجُنُب - كعنق: الذي عليه الغُسْل لإنزال أو جماع - نُهِىَ أن يقرب مواضع الصلاة وأن يخالط الناس ما لم يتطهر (أي عليه أن يَجْتَنب) ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وكذا ما في [المائدة: ٦].
ومن الجَنْب - بالفتح قالوا "جَنَب الفَرَس والأسيرَ (كنصر): قاده إلى جَنْبه فهو جنيب. والجَنْبة - بالفتح جلدة من جَنْب البعير يُعْمَل منها عُلبة ".
• (جنح):
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨].
"جناح الطائر، معروف. وجناحا النصل: شفرتاه، وجناحُ الرجل: عَضُدُه/ يدُه. والجوانح: أوائل الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر ".
° المعنى المحوري امتداد - أو اندفاع - من الجوانب قوي أو حادّ. كالجَناح من جسم الطائر ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١] وكشفرتي النصل من جِرمه، والعَضُد من جانب الصدر، وكأوائل الضلوع من مصدرها. ومنه "جِنْحُ الطريق - بالكسر: جانبه، وجِنْح القوم: ناحيتهم. وجَنَحت السفينة جُنوحًا: انتهت إلى الماء القليل فلزِقَتْ بالأرض فلم تمض " (انحرفت إلى الماء الضحل وهو يكون في جوانب المجرى). ومن ذلك "الجُناح - كغُراب: الجناية والجُرْم (انحرافٌ عن الجادة المستقيمة إلى الجوانب)، وكذلك الإثم والذنب. ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، في [طب ٣/ ٢٣٠ وما بعدها] أنه كان عليهما في الجاهلية أصنام، وكانوا يَطُوفون بهما
стр. 343
لذلك تعظيمًا، فَتَأثَّموا أن يطوفوا بهما في الإسلام لذلك، فأُعْلِمُوا أن السعي بينهما من شعائر الإسلام ولا جناح فيه (أي لا ذنب). وكذلك كل نفي للجناح فمعناه نفي الإثم والذنب. وفي ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢]. فسّر بالعَضُد والصواب: إلى جيبك كما قال قطرب [قر ١١/ ١٩١، ١٣/ ٢٨٤، الغريبين ٤٠٨]. وذلك كما قال ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] , ﴿اسْلُك يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ [القصص: ٣٢]. ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] (فسرها الفراء في معاني القرآن) ٢/ ٣٠٦ بالعصا والأقرب أنه أمر بضم يده إلى صدره ليذهب عنه الخوف [قر ١٣/ ٢٨٤].
وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] أي لِنْ لهم [قر ١٣/ ١٤٤] , وذَلَّلْ وكُفّ ما (قد) يتأتى من الخشونة والحدة " [ل] (كما يعبرون في هذا بلين الجانب والحواشي) وكذلك ما في [الإسراء ٢٤، الشعراء: ٢١٥].
ومن الامتداد إلى جانب وشق جاء معنى الميل ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]- أي مالوا كما يميل الإنسان في جانب وشِقّ. يقال: "أنا إليك بجُناح - كغراب: أي متشوق " (أي مائل جدًّا).
• (جند)
﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]
"الجَنَد - محركة: الأرض الغليظة، وقيل هي حجارة تشبه الطين ".
° المعنى المحوري " صلابة الشيء وغِلَظه (كأنما ضغط على ما فيه). كتلك الأرض والحجارة وسمي "الجُنْد: العسكر "كذلك لغلظهم وصلابتهم كما رأى الراغب. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠].
стр. 344
وكذلك كل (جند) و (جنود) في القرآن.
والمقصود بهم في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج: ١٧، ١٨]. جموع الكفرة والمكذبين الذين من أشهرهم هؤلاء [ينظر قر ١٩/ ٢٩٧] وفي ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يس: ٢٨]. قيل الجند العساكر أي لم أحتج في هلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر [قر ١٥/ ٢٠].
وأما "الجُنْدُ: المدينةُ "فإن كثيرًا من المدن نشأت في الأصل معسكرات كالفسطاط والقطائع والكوفة.
• (جنف):
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]
"الجَنَفُ - بالتحريك في الزَوْرِ: دُخول أحد شِقَّيه وانهضامه مع اعتدال الآخر ". (الزور - بالفتح: ملتقى أطراف عظام الصدر حيث اجتمعت من الأمام).
° المعنى المحوري ميل بسبب انخساف أو نقص في جانب من الشيء: كما وُصف. ومن هذا الجَنَفُ: الميل والجور ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]. جورًا أو حيفًا -[طب ٣/ ٤٠٥] (وانظر جور). ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾: غير مائل إلى حرام -[الغريبين ١/ ٤١١].
° معنى الفصل المعجمي (جن): الكثافة التي تستر كما تتمثل في كثافة شجر الجنة - في (جنن)، وفي الثمر الذي كان مستجنًا في شجره وتولد منه - في (جنى)، وفي عدم المواجهة - في (جنب)، وفي قوة الجناح وجانبيته وغلظ الجنوح - في (جنح)، وفي تركز الكثافة إلى درجة الصلابة في (جند)، وفي الميل وعدم الاستقامة (التي هي مواجهة) - في (جنف).
"وَجْهُ البيت: الحد الذي يكون فيه بابه. ووَجْه الكعبة (زادها الله تشريفًا وتكريمًا): الحد الذي فيه الباب. ووَجْه الإنسان وغيره: معروف. وجّه السُدْفة أي الحجاب - ض: كشفه وأزاله، والمطر الأرضَ: قَشَر وجهها وأثر فيه - كَحَرصَها (قشرها)، والريح الحصى: ساقته ".
° المعنى المحوري مُقْتَبَل ملامح الشيء ومقدَّمه المكشوف الذي يُعرف به وتعرف حقيقته. كوجه البيت والكعبة والإنسان والحيوان، وكتبين ما وراء الحجاب وما تحت الحصى من سطح الأرض. ومنه "الوجيه من الخيل: الذي تخرج يداه معًا عند النتاج (يخرج بمقدمه). فمن الوجه المعروف ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤ وكذا ١٤٩، ١٥٠]، ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ [يوسف: ٩٣] , وسائر كلمة (وجه) في القرآن إما حقيقة وإما كناية مع التوسع في معناها - مثل ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩] وكذا ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [يونس: ١٠٥، الروم: ٣٠، ١٤٣] ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] انصبوا قلوبكم مع وجوهكم عند كل داعية سجود (أخذًا من الإقامة ومن الوجه الذات) [وينظر قر ٧/ ١٨٨، بحر ٤/ ٢٨٩]. ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [البقرة ١١٢، النساء ١٢٥، وكذا ما في آل عمران ٢٠، لقمان ٢٢]، ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١]، ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ [طه: ١١١] خص الوجوه لأن آثار الذل إنما تظهر أولا في الوجوه [بحر ٦/ ٢٦٠] أقول وكذا غير الذل. ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ ﴿سِيْئَتْ وُجُوهُ﴾ [الملك ٢٢، ٢٧]، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]. وسائر ما بقى أيضًا تصلح فيه الكناية ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨] أي على ما شهدا (وانكشف لهما) حقيقة دون إنكار،
стр. 347
ولا تحريف، ولا كذب [بحر ٤/ ٥١] ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]: أي قِبلةُ الله. [طب ٢/ ٥٣٦] وتفسير هذا بأنه تعبير عن قرب المولى من عباده في كل مكان وزمان وحال أنسب للإطلاق في (أينما)، ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] (أي طلبًا للوصول إليه أي إلى رضوانه وكذا كل ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ﴿وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ وما بمعناها ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ذاته : قبلة [طب ٣/ ١٤٨]. ووَجْهُ النهار: أوله (ملتقاه) ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]. والوجهة - بالكسر: القبلة (طريق ومنحى إلى الملتقى) .. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] ووجّهه - ض: أرسله (الأصل: أداره إلى ملتقَى) ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل: ٧٦] ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢]. وأما توجه الرجل: كَبِر سِنُّه وولّى. فمن المعنى وكأن المراد توجه إلى لقاء ربه. و "الوِجَاه والتِجاه: الوجه الذي تقصده. والجاه: المنزلة والقدر عند السلطان (مقلوب من الوجه: أي هو ذو وَجْه يُقْصَد أو هو جِهة تُقْصَد). ورجل مُوَجَّه - كمعظم ووجيه: ذو جاه ". ﴿وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] , ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥]: ذا وجه ومنزلة عالية عند الله وشرفٍ وكرامة. يقال للرجل الذي يَشْرُفُ وتعظّمُه الملوكُ والناسُ وَجِيه [طب ٦/ ٤١٥]- كأن أصل المراد: ذو وجه كريم أو شريف).
• (جهد):
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]
"الجَهاد - كسَحَاب: الأَرْضُ الصُلْبَةُ لا نباتَ بها. الجَهْد - بالفتح: الهُزال.
стр. 348
وجُهِد الرجل - للمفعول: هُزِل. وجَهَده المرض والتعبُ والحبُّ (فتح): هَزَله "لا يَجْهَدْ الرجلُ مالَه ثم يَقْعد يسأل الناس ": أي يفرقه جميعَه ههنا وههنا - حتى لو كان في البرّ).
° المعنى المحوري إفراغُ قُوة الشيء وقِوامه الذي في باطنه فيَيْبَس ويَجِفّ. كالأرض الجَهَاد التي ذَهَبَتْ خُصُوبتُها فيَبِست، وكالذي جَهَدَه المرض إلخ، وكالذي جَهَد مالَه. ومنه "جُهِدَ الطعامُ: اشْتُهِىَ - للمفعول فيهما (أي فأُكِل كله أو جُلّه). وجَهَدَها الحَلْبُ: أَنْهَكَ لَبَنهَا. ومَرْعًى جَهِيد: جَهَده المال ". ومن ذلك الأصل "جِهاد العدو أي بذل الطاقة واستفراغها في مدافعته " (أو إضعافه) ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] فالجهاد يكون ببذل المال وببذل النفس. ويؤخذ من ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣، والتحريم: ٩] ومن ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، أن الجهاد بالكيد والتدبير والفكر لمقاومة المنافقين والكافرين، وبالعلم بكل مجالاته هي كلها صور شرعية للجهاد ينبغي عدم التقصير في أي منها. وكل فعل (جاهدَ) ومضارعه وأمره ومصدره جِهاد هي في القرآن للجهاد بالأنفس والأموال. أما ﴿وَإنْ جَاهَدَاكَ﴾ [العنكبوت: ٨، ولقمان: ١٥] فهما لمحاولة الوالدين جرّ ولدهما إلى الشرك. والجهاد والاجتهاد في العلم وفي طلب الأمر: بذل الوسع (وغاية القوة) في طلبه، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]: غايةَ وسعهم وطاقتهم. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] غاية أيمانهم وأقواها.
стр. 349
• (جهر):
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]
"الجَهْراء - بالفتح: الرابية السَهْلَة العريضةُ. والجهيرُ: اللَبَن الذي أُخْرِج زُبْده. جَهَر البئرَ (فتح) واجتهرها: نقَّاها وأخرج ما فيها من الحَمْأَة إذا كان ماؤُها قد غُطَّى بالطين، فنقَّى ذلك حتى يَظْهرَ الماءُ ويصفو/ كَسَحها إذا كانت مندفنة. وجهروا البَصَل والثوم: استخرجوه وأكلوه ".
° المعنى المحوري ظهور الشيء وانكشافه واضحًا بروزًا أو بزوال الكثيف الذي كانَ يغْشاه أو شأنه كذلك: كظهور وجه الرابية العريضة لأنها سهلة مستوية فيكون سطحها ظاهرًا وليست جبلا شاهقا، ولا هي وعرة السطح فيخفى سطحها، وكماء البئر المجهورة نقيًّا صافيًا، وكاللبن الذي أُخرج زُبْده، وكالبصل والثوم حيث يستخرجان من بطن الأرض.
ومن صور ذلك الخلوص والانكشاف: "جَهَرَ الشيءُ: عَلَن وبدا. وجَهَرتُه واجْتَهَرْتُه: رأيتُه بلا حجاب ". "والجهرة - بالفتح: ما ظهر ليس بينك وبينه ستر " ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] (أي بلا حجاب) وكذلك ما في [البقرة: ٥٥] ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ [الأنعام: ٤٧] (كأن المراد: يُرَى من بعيد كالعارض وهذا فيه إيحاش ورعب شديدان). ومن هذه العلانية ما في [النحل: ٧٥] ويمكن [الأنعام: ٣]. وجَهَر بكلامه ودُعائه وصَوْته وصَلاته، وأجهرَ، وجَهْوَر: أَعْلَن به وأظهره ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢]، ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ [نوح: ٨]. وما لم نذكره من التركيب هو في القرآن من جهر القول هذا.
стр. 350
ومن لازم ذلك المعنى "الجُهر -بالضم: حُسْنُ المنظر (نقاء مما يشوب) وهو أجهر، وقد جَهَرْتَه: عَظُم في عَيْنك. وجَهَر الجيشَ: كثُر الجيشُ في عينه " (أو كل ذلك من لازم النصوع الذي يؤخذ من النقاء والخلوص من الكثيف الذي يحجب الشيء فلا يبرز عَظَمُه).
و"الأجهر: الذي لا يبصر بالنهار "من ذلك لأن الأجهر يخيل إليه أن أمام عينيه طبقة بيضاء أو غشاء أبيض فلا يرى الأشياء.
ومن ذلك أيضًا: "الجَوْهر: كُلّ حَجَر يُسْتَخرج منه شيءٌ ينتفع به (كالحديد والذهب والفضة. وأصولها مدفونة في بطن الأرض تستخرج منها. وكأن معناه: ما شأنه أن يستخرج مما هو مدفون والاستعمال يصلح أن يلحظ فيه الأمران: أن منفعته كأنها مدفونة فيه، وأن الحجر نفسه قد يكون مدفونا).
• (جهز):
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠]
"عين جَهْزاء -بالفتح: خارجةُ الحَدَقَة. وأَرْضٌ جَهْزاء: مُرْتَفعة ".
° المعنى المحوري بروز ما شأنه أن يكون مكتنَفًا بقوة من بين ما يكتنفه. كنتوء الحدقة من بين الحِجَاج الذي يكتنفها وكنتوء الأرض الجَهْزاء عما حولها. ومن هذا "جَهاز المسافر والعروس والميت (أمتعة مما في المقر يستصحبها المسافر ونحوه كل إلى وجهته) ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٥٩ وكذا ما في ٧٠]. أما جَهاز المرأة فلعله من البروز في صورة (نتوء)، أو اللفظ كناية.
ومن بروز الشيء بقوة من بين ما يكتنفه وهو مفارقة عَبّر التركيب عن
стр. 351
المفارقة في صورة إنهاء الأمر المعلق "جَهَز على الجريح -كمنع- وأجهز: أسرع قَتْله وتممه، وموت مُجْهِز -كمحسن: وَحِيٌّ " (أي سريع).
• (جهل):
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]
"ناقةٌ مجهولة: لم تُحّلَبْ قط. وأرض مَجْهل -بالفتح، ومجهولة: لا أعلام بها ولا جبال. (واستجهلت الريحُ الغُصْن: حرّكته فاضطرب).
° المعنى المحوري خلو الباطن (مما يفيد أو يُطْلب) مع جفاف، ويلزم ذلك الخفةُ. كالناقة الموصوفة تعدّ خالية الباطن أو جافّته، إذ لم يُر لها لبن قط، وكالأرض المجهولة الخالية مما يستدل به، ولاستغراقها من يسلكها صَلَح أن يعد سطحها ظرفًا (بطنًا)، وكالغصن الذي يتحرك بالهواء الذي يهب عليه حركة قوية لخفته.
ومن هذا "الجهل ضدُّ العلم "لأن الجاهل خالي الذهن من المعلومات ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وكذا ما في [الأنعام: ٣٥] وربما ما في [الحجرات: ٦]، ككل لفظ (جهالة)، وكذلك ضد الحلم لما في الباطن من فراغ يتمثل في السلوك بخفة وطيش وسفه، أو من جفاف يتمثل في السلوك بجفاء، وغلظة ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]، ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وكذا ما لم نذكره من التركيب عدا (الجاهلية) و "الجاهلية: الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله
стр. 352
وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك "اه [ل].
أما "الجَيْهلة: الخشبةُ التي يحرَّك بها الجمر "فهي لتهوية النار وتقويتها بتحريك الجمر فينفذ الهواء (الفراغ) بين أثنائه.
• (جهنم):
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٦٢].
"بئرٌ جَهَنّم -بفتحتين فشدّ، وجَهَنّام (بتثليث الجيم والنون مشددة): بعيدة القعر ".
° المعنى المحوري بُعْد قَعْر الشيء وعُمق تجوفه مع اضطمامه على هذا التجوف. كالبئر الموصوفة. ومن هذا جَهَنّم التي يعذّب فيها الكافرون -نعوذ بالله منها ومما يؤدي إليها. وقد تكرر في الأحاديث وصفها بالعمق السحيق مثل " .. يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا، وقد سماها الله هاوية ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩]- "والهاوية: كُلُّ مَهْواةٍ لا يُدْرَك قعرُها " [ل]. ومن الناحية الصوتية فإن الجيم تعبر عن هيكل غير مصمت، والهاء عن فراغ جوفه، والنون عن امتداد ذلك الفراغ في الباطن والميم عن تضامها واستوائها على ذلك بقيام هيكلها هكذا أو بأن عمقها الشديد جدًا يُبْرِز تضامّ ظاهرها على جوفها أو على ما يُلقى فيها. ولا أظننا -بعد استعمال اللفظ وصفًا للبِئْر وعَلَمًا ولقبًا [ق]، وبعد انطباق المقاييس الصوتية العربية على اللفظ- بحاجة إلى الإطالة في تزييف ادعاء تعريب اللفظ عن الفارسية أو العبرية كهنام (المعرب ص ١٥٥). بل نضيف تأكيدًا لأصالة عروبته أن من الاستعمالات العربية "كل نار عظيمة في مهواة فهي جَحيم "والصلة الصوتية بين الجحيم وجهنم واضحة، فالحاء والهاء أختان
стр. 353
والنون تزيد الامتداد العمقي. واجتمع في معناها العمق والنار.
° معنى الفصل المعجمي (جه): الفراغ وما يلزمه من انكشاف كما يتمثل في حرمان السائل حرمانًا تامًا -في (جهه)، وفي انكشاف ما يواجَه ويظهر في أعلى الشيء ومقدَّمه- في (وجه)، وفي إفراغ أقصى القوة -في (جهد) وفي كشف الشيء وتنقيته- في (جهر)، وفي خروج المندفن وخلوصه مما يغطيه -في (جهز) وفي فراغ قلب الجاهل- في (جهل) ثم في فراغ (جهنم) وإعدادها للإطباق على أهلها والعياذ بالله.
стр. 354
باب الحاء
التراكيب الحائية
• (حوى):
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥].
"الحَوِيّة -كغنية: كساءٌ محشو حول سَنام البعير، وما تحوَّي من الأمعاء أي الدُوَّارَة التي في بطن الشاة وهي بنات اللبن- كالحاوية والحاوياء. وحُوّة الوادي بالضم: جانبه، وكغَنِىّ: الحَوْض الصغير يُسَوّيه الرجل للبعير يسقيه فيه. حَوَى الشيء يَحْوِيه: جَمَعَه وأحرزه، واحتوى عليه: أَلمْاَ عليه ".
° المعنى المحوري الانعطافُ على الشيء في الأثناء وحوزُه فيها بقوة كالحوِيّة حولَ السنام، والأمعاءِ بتحوِّيها في نفسها ولما فيها، وحُوّة الوادي ترُدُّ ماءَه فيه فيَحْويه، وحَوِى البعير يَحْوي الماء. ومنه الحوايا: حفائر للماء في القيعان. أما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] فهي جمع حَوِيّة: الأمعاء. ومنه "الحِوَاء -ككتاب: أخبية للناس تجمعهم، وهم يجتمعون على ماء. وتحوّي: تجمع واستدار. والحَوّة -بالفتح: الكلمة من الحق (ليست فارغة) .. وقالت الأم عن ابنها "كان بطني له حِواء "- ككتاب أي مكانًا يجمعه ويضمه ". ومن هذا فيما أرى تسمية أمنا حواء زوج أبينا آدم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام -لحملها الأولاد في بطنها (وهذا- صحيح علميًّا. وما ذكر في [قر ١/ ٣٠٠] نقلًا عن العهد القديم= لا يوثق به). ومن الأصل "الحُوّة-
стр. 355
بالضم: لَوْنُ سواد بظهر مع لون آخر خُضْرة أو حُمْرة " (لون معتم، فهما لونان مختلطان كأن السواد محتوى في أثناء الخضرة أو الحمرة فالأحوى الأسود من شدة الخضرة أو من القِدَم والعِتْق) ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ يمكن في ضوء الآيات السابقة التي تبين نعمة الله في إبلاغه ما خلق إلى كمال حاله .. ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ أن نفر الغُثَاء الأحوى بالنبات الشديد الخضرة حتى يَسْوَدّ قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] واللغة لا تمنع أن يراد بالغثاء المرعى نفسه، إذ هو خَضِر غضٌّ ليس أشجارًا ولا أعوادًا صُلْبة ولا هو مُحَمَّل بحب يُؤْكَل كالقمح والشعير، وهو يؤكل غضًا وجافًا. ثم قد جاء تسمية النبتة الضعيفة غُثَاء في حديث القيامة "كما تَنْبُتُ الحِبَّة في غُثَاء السيل. ثم جاء في مسلم "كما تنبت الغُثاءة "يريد ما احتمله السيل من البزورات " [ل غثا] وفي رواية "كما ينبت البقل [التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ٥/ ٣٢٩] فهذه تفسر تلك. وفي [ق] يقال "غَثِيت الأرض بالنبات -كرضى: كثُر فيها "اه فسمي النبات الكثير غثاء. ومما يشبه ذلك ويؤيده قولهم للضبع: غَثْواء- لكثرة شعرها [ل] والشَعَر من الجِلْد كالبَقْل من الأرض. وعلى ذلك يكون المعنى أخرج المرعى فأبلغه كمال حاله بأن جعله طبقة كثيفة غَضَّة حَوّاء وهذا كماله حال المرعى. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ أي لا تخف ألا نصل بنعمتا عليك إلى كمالها بأن تنسى بل سنقرئك فلا تنسى أبدًا. فهذا كمال هذه النعمة.
ويجوز غيرُ هذا: أن تكون أحوى بمعنى أسود أي من البِلَى وصفًا للغثاء الذي يصير إليه المرعى بعد تجاوز مرحلة التمام، والكلام على ترتيبه مع طيّ المرحلة الوسطى لأنها معلومة، وأخيرًا مجوز أَن تكون (أَحْوىَ) حالًا من المرعى بتقدير تقديمه على ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾.