المفارقة في صورة إنهاء الأمر المعلق "جَهَز على الجريح -كمنع- وأجهز: أسرع قَتْله وتممه، وموت مُجْهِز -كمحسن: وَحِيٌّ " (أي سريع).
• (جهل):
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]
"ناقةٌ مجهولة: لم تُحّلَبْ قط. وأرض مَجْهل -بالفتح، ومجهولة: لا أعلام بها ولا جبال. (واستجهلت الريحُ الغُصْن: حرّكته فاضطرب).
° المعنى المحوري خلو الباطن (مما يفيد أو يُطْلب) مع جفاف، ويلزم ذلك الخفةُ. كالناقة الموصوفة تعدّ خالية الباطن أو جافّته، إذ لم يُر لها لبن قط، وكالأرض المجهولة الخالية مما يستدل به، ولاستغراقها من يسلكها صَلَح أن يعد سطحها ظرفًا (بطنًا)، وكالغصن الذي يتحرك بالهواء الذي يهب عليه حركة قوية لخفته.
ومن هذا "الجهل ضدُّ العلم "لأن الجاهل خالي الذهن من المعلومات ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وكذا ما في [الأنعام: ٣٥] وربما ما في [الحجرات: ٦]، ككل لفظ (جهالة)، وكذلك ضد الحلم لما في الباطن من فراغ يتمثل في السلوك بخفة وطيش وسفه، أو من جفاف يتمثل في السلوك بجفاء، وغلظة ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]، ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وكذا ما لم نذكره من التركيب عدا (الجاهلية) و "الجاهلية: الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله
стр. 352
وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك "اه [ل].
أما "الجَيْهلة: الخشبةُ التي يحرَّك بها الجمر "فهي لتهوية النار وتقويتها بتحريك الجمر فينفذ الهواء (الفراغ) بين أثنائه.
• (جهنم):
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٦٢].
"بئرٌ جَهَنّم -بفتحتين فشدّ، وجَهَنّام (بتثليث الجيم والنون مشددة): بعيدة القعر ".
° المعنى المحوري بُعْد قَعْر الشيء وعُمق تجوفه مع اضطمامه على هذا التجوف. كالبئر الموصوفة. ومن هذا جَهَنّم التي يعذّب فيها الكافرون -نعوذ بالله منها ومما يؤدي إليها. وقد تكرر في الأحاديث وصفها بالعمق السحيق مثل " .. يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا، وقد سماها الله هاوية ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩]- "والهاوية: كُلُّ مَهْواةٍ لا يُدْرَك قعرُها " [ل]. ومن الناحية الصوتية فإن الجيم تعبر عن هيكل غير مصمت، والهاء عن فراغ جوفه، والنون عن امتداد ذلك الفراغ في الباطن والميم عن تضامها واستوائها على ذلك بقيام هيكلها هكذا أو بأن عمقها الشديد جدًا يُبْرِز تضامّ ظاهرها على جوفها أو على ما يُلقى فيها. ولا أظننا -بعد استعمال اللفظ وصفًا للبِئْر وعَلَمًا ولقبًا [ق]، وبعد انطباق المقاييس الصوتية العربية على اللفظ- بحاجة إلى الإطالة في تزييف ادعاء تعريب اللفظ عن الفارسية أو العبرية كهنام (المعرب ص ١٥٥). بل نضيف تأكيدًا لأصالة عروبته أن من الاستعمالات العربية "كل نار عظيمة في مهواة فهي جَحيم "والصلة الصوتية بين الجحيم وجهنم واضحة، فالحاء والهاء أختان
стр. 353
والنون تزيد الامتداد العمقي. واجتمع في معناها العمق والنار.
° معنى الفصل المعجمي (جه): الفراغ وما يلزمه من انكشاف كما يتمثل في حرمان السائل حرمانًا تامًا -في (جهه)، وفي انكشاف ما يواجَه ويظهر في أعلى الشيء ومقدَّمه- في (وجه)، وفي إفراغ أقصى القوة -في (جهد) وفي كشف الشيء وتنقيته- في (جهر)، وفي خروج المندفن وخلوصه مما يغطيه -في (جهز) وفي فراغ قلب الجاهل- في (جهل) ثم في فراغ (جهنم) وإعدادها للإطباق على أهلها والعياذ بالله.
стр. 354
باب الحاء
التراكيب الحائية
• (حوى):
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥].
"الحَوِيّة -كغنية: كساءٌ محشو حول سَنام البعير، وما تحوَّي من الأمعاء أي الدُوَّارَة التي في بطن الشاة وهي بنات اللبن- كالحاوية والحاوياء. وحُوّة الوادي بالضم: جانبه، وكغَنِىّ: الحَوْض الصغير يُسَوّيه الرجل للبعير يسقيه فيه. حَوَى الشيء يَحْوِيه: جَمَعَه وأحرزه، واحتوى عليه: أَلمْاَ عليه ".
° المعنى المحوري الانعطافُ على الشيء في الأثناء وحوزُه فيها بقوة كالحوِيّة حولَ السنام، والأمعاءِ بتحوِّيها في نفسها ولما فيها، وحُوّة الوادي ترُدُّ ماءَه فيه فيَحْويه، وحَوِى البعير يَحْوي الماء. ومنه الحوايا: حفائر للماء في القيعان. أما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] فهي جمع حَوِيّة: الأمعاء. ومنه "الحِوَاء -ككتاب: أخبية للناس تجمعهم، وهم يجتمعون على ماء. وتحوّي: تجمع واستدار. والحَوّة -بالفتح: الكلمة من الحق (ليست فارغة) .. وقالت الأم عن ابنها "كان بطني له حِواء "- ككتاب أي مكانًا يجمعه ويضمه ". ومن هذا فيما أرى تسمية أمنا حواء زوج أبينا آدم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام -لحملها الأولاد في بطنها (وهذا- صحيح علميًّا. وما ذكر في [قر ١/ ٣٠٠] نقلًا عن العهد القديم= لا يوثق به). ومن الأصل "الحُوّة-
стр. 355
بالضم: لَوْنُ سواد بظهر مع لون آخر خُضْرة أو حُمْرة " (لون معتم، فهما لونان مختلطان كأن السواد محتوى في أثناء الخضرة أو الحمرة فالأحوى الأسود من شدة الخضرة أو من القِدَم والعِتْق) ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ يمكن في ضوء الآيات السابقة التي تبين نعمة الله في إبلاغه ما خلق إلى كمال حاله .. ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ أن نفر الغُثَاء الأحوى بالنبات الشديد الخضرة حتى يَسْوَدّ قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] واللغة لا تمنع أن يراد بالغثاء المرعى نفسه، إذ هو خَضِر غضٌّ ليس أشجارًا ولا أعوادًا صُلْبة ولا هو مُحَمَّل بحب يُؤْكَل كالقمح والشعير، وهو يؤكل غضًا وجافًا. ثم قد جاء تسمية النبتة الضعيفة غُثَاء في حديث القيامة "كما تَنْبُتُ الحِبَّة في غُثَاء السيل. ثم جاء في مسلم "كما تنبت الغُثاءة "يريد ما احتمله السيل من البزورات " [ل غثا] وفي رواية "كما ينبت البقل [التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ٥/ ٣٢٩] فهذه تفسر تلك. وفي [ق] يقال "غَثِيت الأرض بالنبات -كرضى: كثُر فيها "اه فسمي النبات الكثير غثاء. ومما يشبه ذلك ويؤيده قولهم للضبع: غَثْواء- لكثرة شعرها [ل] والشَعَر من الجِلْد كالبَقْل من الأرض. وعلى ذلك يكون المعنى أخرج المرعى فأبلغه كمال حاله بأن جعله طبقة كثيفة غَضَّة حَوّاء وهذا كماله حال المرعى. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ أي لا تخف ألا نصل بنعمتا عليك إلى كمالها بأن تنسى بل سنقرئك فلا تنسى أبدًا. فهذا كمال هذه النعمة.
ويجوز غيرُ هذا: أن تكون أحوى بمعنى أسود أي من البِلَى وصفًا للغثاء الذي يصير إليه المرعى بعد تجاوز مرحلة التمام، والكلام على ترتيبه مع طيّ المرحلة الوسطى لأنها معلومة، وأخيرًا مجوز أَن تكون (أَحْوىَ) حالًا من المرعى بتقدير تقديمه على ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾.
стр. 356
• (حيي):
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]
"الحيّة: الحَنَش. والحيّ من النبات: ما كان طريًّا يهتز. وأرض حَيَّة: مُخْصِبة. وأحْيَيْناها: وَجَدْناها حَيّة النبات غَضّة. وحياءُ ذوات الظلف والخف: رَحِمُها ".
° المعنى المحوري امتلاء بالطراءة التي لها حِدّةٌ ما أو فاعلية تتمثل في رهافة الحسّ وفي النمو حركة أو امتدادًا: كجِرْم الحية ممتدَّا يتحرك (والامتداد يصور النمو)، وتتجلى طراءته في مرونته وتَلَويِّه دُونَ أن ينقطع كأنه مليءٌ بمانع. والتلوِّى دون انكسار يعطي التماسكَ أيضًا، وكالنبات الطري ينمو، واهتزازه دون أن ينكسر يبدي تماسكه. والحياءُ مجتمعُ الجرم على طراءة وهو حادّ الحس (وهو للمرأة حَيّ -بالفتح. وقد ارتبط تركيب (حيي) في القرآن الكريم بالماء في أكثر من عشرة مواضع مثل ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥]. ومن ذلك أيضًا "الحيا: المطر " (به تكون الطراءة والنمو، وفُسِّر أيضًا بالخِصْب). ومنه أيضًا: "المحاياة: الغِذَاء للصبي " (به نموه وغضاضته) (وعند الفلاحين أول سَقْية لبعض ما يزرعون تُسَمى رَيَّة المحاياة). "وأحيا القومُ: أُمطِروا فأصابت دوابُّهم العُشْب حتى سَمِنت. وحَيُوا هُمْ أنفسُهم بعد الهزال ". (السِمَن عن شحم متراكم وهو طري) وقالوا "حَيَّ الطريقُ: استبان " (وهو حينئذ ممتد متصل متماسك) ومن ذلك الأصل "الحياة نقيض الموت " (قوة سارية تتمثل في الحِسّ والنموّ وهو حركة واتصال وامتداد مع الطراءة. وجسمُ الميت يتصلب). ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ
стр. 357
يُمِيتُكُمْ﴾ [الحج: ٦٦] "والحيوان: الحياة الدائمة الباقية " ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وكل ما في القرآن من التركيب هو من الحياة ضد الموت -عدا التحية والحياء. وعنه الاستحياء إبقاء الشخص حيًّا أي عدم قتله ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩، الأعراف: ١٤١، إبراهيم: ٦] وكذلك ما في [الأعراف: ١٢٧، والقصص: ٤، وغافر: ٢٥].
ومن "الأصل التحيّة: البقاء "إذ هو امتداد واتصال مع رقة الحياة والحركة ومنه قول زهير بن جناب الكلبي:
ولَكُلُّ ما نالَ الفَتَى .. قد نِلْتُه إلا التحية
(أي الخلود) والتحيةُ: السلامُ من ذلك أيضًا فالشائع بين عرب الجزيرة إلى الآن: "حَيّاك الله "ومعناها أحياك الله أي أبقاك، "وأعمرك الله " [ل ٢٣٦/ ٢٣٧] وهذا المعنى مازال شائعًا إلى الآن (أطال الله عمرك وأبقاك وعافاك إلخ) وقد كان شائحًا قديمًا عند العرب والعجم [ل ٢٣٧] وما أظنه كان خاصًّا. والتحيةُ في هذا صِنْو السلام من حيث المعنى فهو من السلامة وهي بقاء أو سبب للبقاء ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ومثلها ما في [المجادلة: ٨]، وكل كلمة (تحية). وقولنا في التشهد "التحياتُ لله "معناها البقاء والدوام والسلامة (من كل نقص) كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وفيها معنى التنزيه مثل (سبحان الله، وتعالى الله). وفُسّرت بأنها جَمْع أنواع التحية: السلام. وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] (أي لا يستبقى ذلك ولا يمنع منه ولا يحجزه -وأنا
стр. 358
أستريح لهذا التفسير هنا) وفي [طب ١/ ٣٩٨، ول ٢٣٨/ ١٨] جُعِلَتْ من الحَياء الذي هو نحو الخجل.
ومما في الأصل من تجمع مع رقة في الباطن قالوا: "الحَيّ: الواحدُ من أحياء العرب، والبطنُ من بطون العرب " (فهذا تجمع لقوم يربطهم الدم والرحم وهما رقة تضادّ جَفَافَ الأجانب وجفاءهم، مع التعاطف (إحساس)، ولتجمع القوم حركة كثيرة ونمو أيضًا).
والحياءُ الذي هو ضد الوقاحة هو من الامتلاء بالغضاضة والطراءة والحس المرهف المتمثل في سرعة التأثر. والعامة تصف الحيِىّ بأنه عنده دم وأنه حسّاس، ومن توقح بأنه فاقد الدم والإحساس، ويقال لمن عانَى مخجلًا: أراق ماءَ وجهه. قال الشاعر:
عساها تنجلي وخلاك ذم ... وماء الوجه في الوَجَنات جار
ومن وقع في ما يُستحيا منه يقول إنه مَبْلول، والشوام يقولون مَغْسول) ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٥]، ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وتأثر المستحْيي يغلب أن يكون انقباضًا، وقد عُرّفَ الحياءُ بأنه التوبةُ والحشمةُ. والتوبة انقباض وإمساك. وقالوا "لا حَيَّ عنه ولا حَدَدَ: أي لا مَنْعَ منه لا يَحُدّ عنه شيء " [ل ٢٣٣/ ١٠] والمنع إمساك وقبض.
ومن الصفة (حيّ) ولوازمها استعملوا كلمة (حَيّ) بمعنى شَخْص ذي حياة قال: ﴿وَحَيَّ بَكْرٍ طَعَنّا﴾، "أدركتُ حَيَّ أبي حفص "، "إن حيَّ ليلى لَشاعرة "يريدون ليلى، "أتانا حيُّ فلان أي أتانا في حياته "، "وسمعت حَيّ فلان يقول كذا
стр. 359
أي سمعته يقول "في حياته، ﴿بعد حَيّ أبي المغيرة﴾ أي بعد أبي المغيرة "، و "قاله حيُّ رياح: أي رياح "ثم قالوا: "حَيُّ فلان: فلان نفسه ". ومن هذا أيضًا قولهم "صليت العصر والشمس حَيَّة "أي فيها حدّتها وفاعليتها لم يصبها الفتور بدنو الغروب (غروبها انطفاء وموت).
وقولهم حيَّ على الصلاة أي ائتوها، وكذلك على الغداء أي هلموا وأقبلوا -وهو من المعنى المحوري أي تحركوا إلى مكانها.
• (وحي):
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]
"الوحْي -بالفتح: المكتوب، والكتاب. ومن أمثالهم "وَحْيٌ في حَجَر "، وسمعت وَحَاة الرعد وهو صوته الممدود الخفي. وَحَى إليه وأوحى: كلّمه بكلام يُخْفيه. واستوح لنا بني فلان ما خبرهم: أي استخبرهم. والوَحَي: النارُ ".
° المعنى المحوري تحصيل شيء في الأثناء لطيف المادة حادّ الأثر أو قويه: كوجود النار في حجرها، ومعنى المكتوب في الحجر (أو في أي مادة شديدة)، وكالشعور باقتراب المطر بسماع صوت الرعد، وكالخبر المُحَصَّل بالتلطف أي بطريقة خفية غير مباشرة علنية.
ومن ذلك الإيحاء: إيقاع المعنى في القلب بطريقة خفية: كالإفهام بالإشارة ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وبالإلهام ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] ونحوه ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، ونحو الوسوسة ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، والإسرار ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
стр. 360
زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
وفي ضوء ذلك المعنى يمكن فهم ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وكذا ما في [طه: ٣٨]، ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]: قذفت في قلوبهم: ألهمتهم: [طب ١١/ ٢١٨]، ويشمل الوَحْيَ بالكلام المباشر، وبواسطة الرسل ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]، والإلهام، والإلقاء في الرُوع، والغرز في الطبع كما في ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ونحوها. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] (وضع وأوعى) وقال الفراء: جعل فيها ملائكة فذلك أمرُها (المعاني ٣/ ١٣). وكل ما في القرآن من التركيب هو من الوحي بأي من الطرق السابقة، والسياق يوضح الطريقة المرادة.
ومن حصول الشيء القوي في الحوزة بلطف: "أَوْحَى الإنسان: صار مَلِكًا بعد فقر (ويجوز صار ذا وَحْي أي أمر أو سلطة)، والوَحَي -كالفتى: السيد من الرجال " (المالك شيئًا مادِّيًّا أو معنويًّا).
ومن "اللطف مع الحدة في الأثناء "في المعنى المحوري جاء معنى الإسراع في معنى "وَحَي ذبيحته: ذبحها ذبحً سريعًا وَحِيًّا. وموت وَحِيّ -كغني: سريع. والوحا الوحا: السرعةَ السرعةَ. وتوحّ في شأنك: أَسْرِع ".
ومما سبق يتبين أن الذي ذكروه [ل ٢٥٨ وفي المقاييس] من أن الأصل هو الإعلام في خفاء= قاصر غير جامع، إذ لا يشمل معاني حصول الملك والسيادة إلخ.
стр. 361
الحاء والباء وما يثلثهما
• (حبب - حبحب):
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] الحَبّ -بالفتح: حَبّ البُرّ والشعير والعَدَس والأُرْز إلخ معروف. أَحَبّ الزَرْعُ وأَلَبَّ: دخل فيه الأُكُل وتَنَشَّأَ فيه الحَبّ واللُّب. وتحبَّبَ الحمارُ وغيره: امتلأ من الماء. واستحَبّت كَرِشُ المال: أَمْسَكَت الماءَ وطال ظِمْؤها " (المال هنا: الإبل).
° المعنى المحوري تجمع الدقيق أو اللطيف مكتنزًا معًا (١): كما في حَبّ
стр. 362
الزرع. وكامتلاء كرش الحمار، وإمساك كرش البعير الماء. فمن حب الزرع ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢]. ومن المعنى "حَبُّ الغمام: البَرَدُ (ماء متجمع متجمد)، وحَبَاب الماء: موجُه الذي يتبع بعضه بعضًا " (فهو تجمعات لطيفة متوالية، وقد فُسِّر الحَبَاب بالفقاقيع فإن ثبت ذلك فيكون لأنها تنشأ على رءوس الأمواج أي للمجاورة). ومنه "حَبّ البعيرُ: وَقَف. وحُبَّ -للمفعول: أُتْعِبَ. وأَحَبَّ: بَرَك فلم يَثُرْ لكسر أو مرض أو حِران " (الوقوف والبروك تجمع وتماسك ولزوم وعدم انبساط). ولهذا التماسك وعدم الانبساط قيل "الحَبْحبة: جرى الماء قليلًا قليلًا ".
والحُبُّ ضد البغض من ذلك التجمع والتلازم إذ هو تعلق القلب بالمحبوب، وملازمته إياه ماديًّا أو فكريًّا، وهذا تجمع وتلازم ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وكل ما في القرآن من التركيب هو من الحُبّ عدا كلمة (حَبّة) فهي من حَبّ البرّ ونحوه والخردل.
وفي قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] لعل المعنى قَعَدْتُ أو لَزِمْت مكاني حُبًّا في الخير بسبب تذكري نعمةَ ربي. أي جلس يتمتع بمنظر الخيل على أنها من نعمة الله عليه. ومن قصه مع النمل ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل: ١٩] قد نستطيع أن نقول إن تلك كانت عادة سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام أن يتذكر المنعِم عند تجلى النعمة له ويفرح بها فهذا من شكرها. (انظر مسح). والتفسير الأخر (أحببت) بقلبي، وتكون (حب الخير) لبيان النوع.
стр. 363
• (حوب):
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]
"الحَوبة: كلُّ حُرمة تضيع إن تركها من أم أو أخت أو ابنة أو غيرها، والرجل الضعيف، وكذلك المرأةُ إذا كانت ضعيفة زَمِنة، والحاجةُ والمسكنة والفقر. ابن حُوب: رجلٌ مجهولٌ محتاج " [تاج].
° المعنى المحوري عجز أو ثقل من ضعف: ككل من أولئك النسوة العاجزات عن التصرف القليلات الحيلة (يُلتفت إلى قوله "إن تركها ")، وقوله "ضعيفة زَمِنة "وعَدَمُ المال إلى درجة الحاجة والمسكنة والفقر يُعْجِز عن التصرف. ومن ذلك "الحَوْبة: الهمّ والحزَن ".
ومن ذلك الثقل في صورة العجز عُبّر بالحُوب عن الإثم من حيث إن الإثم ثِقْل -كما عُبِّر عن الذنوب بالأثقال والأوزار ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ يعني اليتامى ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ أي إثمًا عظيمًا، وكل مأثم حُوْب- بالضم والفتح. وقد حاب مجوب: أَثِم ".
و"التحوب: التوجع والشكوى والتحزن "إنما يكون من بلاء بالغ الإضعاف أو الإيلام.
وقولهم: "الحَوْبُ: الجمل الضخم "عن الليث فقد قال هو إنه سُمِّي حَوْيا برجره كما سُمِّيَ البغل عَدَسًا والغراب غاقًا. فكأن اللفظ حكائي.
стр. 364
• (حبر):
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] "الحَبِير من البرود: ما كان موشيًّا مخططًا. الحِبر -بالكسر: الوَشْى. ثوب حَبِير: جديد ناعم. أرض مِحْبار: سريعة النبات حَسَنته السهلة الدَفِئَة ببطون الأرض وسَرَارتها وأَراضَتها. الحَبْرة -بالفتح: النَعمةُ- بفتح النوَن، وسَعَةُ العيش النَعمة التامة ".
° المعنى المحوري أثر ظاهر يستحسن من تجمع لطيف (في الأثناء): كالوَشْى وهو محيط في الثوب، والثوب الناعم من رقة خيوطه ونَسْجه. والأرضُ المِحْبارُ خَصْبة الباطن والنباتُ يزينها. وكالحَبْرة النَعْمة، فإن النَعمةَ التَرَفُّهَ والتنعمَ ترجع لرِيّ الباطن بما هو حسن مفيد. وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] وكذلك آية الرأس جاء في [ل] "يُجبرون أي يُسَرّون يُنعَّمون ويُكْرَمون يكرمون إِكرامًا يبالَغ فيه ". فهذا كله يتمثل في طيب أنفسهم وريّها بالسعادة مع بهجة الظاهر وجماله.
ومن ذلك "الحَبْر -بالفتح: العالِم "لأن قلبه زاخر بالعلم والمعاني اللطيفة، ثم هو يخرجه للناس هداية ونورًا ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]. وليس في القرآن من التركيب إلا الفعل (يُحْبَر) و (الأحبار).
واستعمل التركيب في جمال الظاهر أي في الأثر الظاهر المستحسن "حَبّرت الشِعرَ والكلام -ض: حسّنته، التحبير: حسن الخطّ، سهم محبّر: حسن البَرْى، فلان حسن الحِبْر والسِبْر: جميل حسن الهيئة. لو علمت أنك تسمع لقراءتي
стр. 365
لحبَّرتها لك تحبيرًا: يريد تحسين الصوت. كل مما حَسُن من خط أو كلام أو شعر أو غير ذلك فقد حُبِرَ حَبْرًا وحُبِّر ".
ثم استعمل في مجرد الأثر الظاهر أي بصرف النظر عن قيد الاستحسان. ومن ذلك "الحِبرُ: الذي يكتب به، والأثر من الضرب إذ لم يَدْمَ، وصفرةٌ تشوب بياض الأسنان. ورجل محبَّر -كمعظم: أكل البراغيث جلده فصار له آثار في جلده ". ويمكن أن يُلْحَظ أن وراء كل من ذلك هنا تَجمُّعًا لطيفًا بدرجة ما: حِبْر الكتابة من خلط السِنَاج أو نحوه بالماء وبما يصلحه ليكون حبرًا، وتجمع الدم تحت موضع الضرب وأكل البراغيث، وصفرةُ الأسنان طبقة.
أما ما جاء في [ل] عن أبي عمرو "الحِبْر من الناس: الداهية "فهو من الجمع اللطيف في المعنى المحوري، ذلك أن الداهية ماكر، والمكر اختزان فكر. ومن تركيب (مكر) "هي ممكورة السارق أي مرتوية الساق خَدْ لة "وسِمَن الساق يكون من اختزانها الشحم.
• (حبس):
﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
"المحبِس -بكسر الباء، والحابسُ: مثلُ المَصْنعة يُجْعَل للماء (المصنعة ما يسمى الآن خَرَانًا)، حجارةٌ أو حشبٌ تبنَى في مجرى الماء (في واد أو نهر) لتحبسه كي يَشْرب القومْ ويُسْقُوا أموالهم. زِقٌّ حابس: ممسك للماء ".
° المعنى المحوري امتساك الشيء في حيّزٍ لا يتسيب أو ينفذ منه، لسدّ السُمُوم والمنافذ التي يمكن أن يتسرب منها. كإمساك تلك السدود المذكورة الماء. ومن الإمساك عن الانطلاق: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾،
стр. 366
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] ومنه "حَبْس اللص، والمحبِس -بالكسر: مَعْلَفُ الدابة (يحبسها أو يمسك علفها فلا يتبدّد)، والمِقرمة- بالكسر: ثوب يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه يحبس الزوائد) و (الحَبْسُ: ما وُقِف لا يورث ولا يباع ولا يوهب، (منع تصرف).
• (حبط):
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]
"الحَبَط -محركة: أن تأكلَ الماشيةُ فتُكْثِرَ حتى تنتفخَ لذلك بطونُها ولا يخرج ما فيها فتهلِك. وحَبِط الجُرح: عَرِب (كتعِب) ونُكسٍ- للمفعول: (بقى فيه أَثَر بعد الُبرء وغُفْرٌ، ويقال عَرِبَ السَنام: وَرِمَ وتقيح).
° المعنى المحوري فساد ما تجمع في الجوف بكثافة لعدم تصرفه: كضغط الطعام في الجوف من تجمعه بكثافة وعَدَم تصرفه في البدن أي عَدَم قبول البدن له فيفسُد وتهلِك الماشية، وكالدم يتجمع في الجُرْح ولا يقبله الجسم أي لا يمتصه فيفسد ويتقيح فيُبَطّ ليَذْهب. ومن هذا "حَبِط عمل الرجل -كتعب وضرب: عَمِل عملًا (صالحًا) ثم أفسده بسوء النية أو غير ذلك فلا يقبله الله تعالى. وأحبطه الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، ونعوذ بالله تعالى من حبوط العمل. وكل ما في القرآن من التركيب فهو من حبوط العمل هذا.
• (حبك):
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٧]
"الحُبْكة -بالضم: الحَبْل يُشَّدُّ به على الوسط. والحِبَاك- ككتاب: أن يُجْمع
стр. 367
خَشَب كالحظيرة ثم يُشَدّ في وَسَطه ب حبْل مجمعه. والحُبْكة والحِباك أيضًا: القِدّة التي تضم الرأس إلى الغراضيف من القتَب والرَخل. والحَبْك -مصدر: الشدّ والإحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب " [ق].
° المعنى المحوري شَدُّ أَسْر المتجمع من وَسَطه شدًّا دقيقًا متينًا. كما وُصِف. ومنه "حَبَكتُ عُرُوش الكَرْم بالحِبال. والحَبِيكَةُ: كلُّ طريقة من خُصَل الشعر (مجدولة مشدودة في الوسط) أو البيضة " (= الخُوذة. والحبيكة هنا وشيٌ عليها). وعلى التشبيه في التماسك مع الاطراد: "في رأسه حُبُك بضتين أي شعر رأسه متكسرٌ من الجعودة مثل الماء الساكن أو الرمل إذا هبت عليهما الريح فتجمعت على وجهيهما طرائق ممتلئة كالأمواج فتصنع ما يشبه الموجات الدقيقة الممتدة في وسط تلك المساحة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ج حِباك أي المشدودة الوثيقة، أو ذات طرائق النجوم المترابطة الممتدة كالحُزُم. أو (ج) حبيكة أي طرائق النجوم.
• (حبل):
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]
"الحَبْل -بالفتح: الرِبَاط، والرَسَن. والحِبَالة- كرسالة: تلك التي يُصادُ بها (مصنوعة) من حِبَال. وكرُخام: الشعر الكثير. وحَبْل الرمل: قطعة من الرمل ضخمة ممتدة. وحَبِلت المرأة: امتلأ رحمها ".
° المعنى المحوري جع وثيق أو عظيم مع امتداد: كحبل الرمل وهو متجمع ممتد، وكعُلوق ما يصاد بالحبالة ليصير إلى حوزة الصائد، وما يربط بالحبل ليظل زمنًا كذلك، والحُبْلى تجمع الجنين في بطنها زمنًا طويلًا، والشعر
стр. 368
الكثير متجمع ممتد. ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]: الحبل هنا هو الرباط. والمسد ليف النخل أو المُقل حقيقيّ ليساعدها على حمل الشوك ذُكر تحقيرا، أو وعيدًا: فقد ماتت مختنقة بحبلها إن صح هذا، أو في الآخرة يشتعل نارا [ينظر بحر ٨/ ٥٢٦ - ٥٢٨]. ومن الحبْل: الرباط المفتول من قطن أو كتان إلخ ما في [طه: ٦٦، والشعراء: ٤٤]. وللربط به استعير فعبّر به عن العَهْد والذمة، لأنه جمع بين فريقين وتقييدٌ لهما، أو لأن بالعهد يكون الأمان أي الحجز والإمساك عن العدوان ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] أي تمسكوا بدين الله .. وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم [طب ٧/ ٧٠] أي ما جعله سبحانه ووضعه ليشُدّ بعضَكم إلى بعض في دينه.
ومن مادّى الأصل "حبل الوريد: عِرْقٌ في العنق "وعروق الدم أوعية للدم تجمعه في باطنها طويلًا، وهي ممتدة أيضًا ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] "وحبال الساقين: عصبهما ". ("وهو على حبل ذراعك أي في القرب منك) "حَبِل من الشراب واللبن إلخ (تعب): امتلأ. والحُبْلة -بالضم: ثَمَر السَلَم والسَمُر (هنة مُعَقَّفة فيها حَبٌّ صِغار كأنه العَدَس مثل اللوبياء). والحبَل: شجر العنب، والقضيبُ من الكَرْم. ويقال للكَرْمة حَبَلة- بالتحريك. ويبين دخولَه ضمن المعنى المحوري للتركيب "حديثُ أَنَس رضي الله تعالى عنه أنه كانت له حَبَلَةٌ تَحْمِل كُرًّا (الكُرّ كيل قدره ستون قفيزًا) (١) وكان يسميها أم
стр. 369
العيال "فهي من الجمع مع امتدادها.
ومن مجاز الحَبَل امتلاءِ الرَحِم او امتلاء البطن من الماء واللبن أُخذ "الحَبَل: الغضب "و "الحَبْلَ: الداهية من الرجال " (١). (يختزن تدابير).
و"حَبَالّة الشيء -بتشديد اللام: زمانه وحينه، فالشيء مرتبط بتوقيته وأوانه. وهي على حَبَالّة الطلاق أي مشرفة عليه " (وقوع الشيء حُصُول في حيز هو الزمان هنا وهو ممتدّ. واستعمالات التركيب غزيرة ولكن كلها ترجع إلى ما ذكرنا).
° معنى الفصل المعجمي (حب): التجمع في حيز باكتناز مع جفاف أو لطف -كما يتمثل في تجمع دقيق الحب- في (حبب)، وفي الثقل اللازم لتجمع -في (حوب)، وفي تراكم الوشْى- في (حبر)، وفي الانحصار في المحبس -في (حبس)، وفي جمود العلف في البطن لا يتصرف- في (حبط)، وفي الشيء المتجمع الذي يُحْبَك -في (حبك)، وفي وجود الجنين في البطن- في (حبل).
الحاء والتاء وما يثلثهما
• (حتت- حتحت):
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ...﴾ [الزمر: ٧٣]
"جاء بتَمْرٍ حَتٍّ -بالفتح: لا يلتزق بعضُه ببعض. والحَتُوت من النخل: التي يَتَناثَرُ بُسْرها. وأَحَثَّ الأَرْطَى (وهو من شَجَر الرَمْل يُدْبَغُ بوَرَقه): يَبِس.
стр. 370
والحَتَت- محركة: داءٌ يصيبُ الشجرَ تحات أوراقُها منه. والحُتات -كصُداع: أن يأخذ البعيرَ هَلْسٌ (: سُلال شديد من الهُزَال) فيَتَغَيرَ لحمُه وطَرْقه ولونُه وَيتَمَعَّطَ شَعَرُه. وانحتّ شَعَره عن رأسه، وانحَصَّ: تَسَاقط. وحَتُّ الجَرَاد بالفتح: مَيْتُه. حَتَّ الدَّمَ اليابِسَ والمَنِىَّ ونحوَه عن الثَوْب: فَرَكَه وقَشَرَه فَرَكه شَيئًا بعد شيء وحَكّه ".
° المعنى المحوري تفتت ما هو كالطبقة الرقيقة الجافة أو تسيبه شيئًا بعد شيء دقاقا متفرقة بحكّ أو ضغط (١): كحكّ الدم اليابس والمنى، وكتسيب ذلك التمر الذي شأنه أن يتماسك ولكنه ليس كذلك في حاله هذه، وكانحتات ورق الشجر إذا جف -لهبوب الريح مثلًا. والأرْطي ينحت هَديْه في القيظ [ينظر النبات لأبي حنيفة ٥/ ٢٥]. فالصيغة هنا لدخول زمن انحتاته. وكتمعط الشعر. والاستعمالات التي ليس فيها حكّ حقيقي استعملت ألفاظ التركيب فيها لجزء المعنى.
ومن ذلك أُخِذ "الحَتّ: العَجَلةُ في كل شيء (تسيب) وحته دراهم: عجّل له النقد (سيَّبَها له بيسر). وفرس حَتٌّ: جَوَاد سريع كثير العدْو (تسيب، كما أن
стр. 371
الجري بذل لمذخور القوة) وكذا بعير وظليم حَتٌّ وحَتْحَتٌ "-بفتح الحاءات.
ومن هذا التركيب (على رأي ابن سيده والجوهري) حَتّى وهي بمعنى الغاية والانتهاء (وهو انقطاع للمُغَيّا وفراغٌ منه شيئًا بعد شيء -إلى بلوغ الغاية) ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٦]، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
• (حوت):
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣]
"الحُوت -بالضم: ما عَظُم من السمك معروف. والحَوْتاء من النساء: الضَخْمة الخاصِرتين المُسْتَرْخِيةُ اللحْم. حات الطائر على الشيء: حام حَوْله. وقد حات الطائرُ والوحشُ حَوْل الماء أو غيره يَحُوت: حامَ. وقد حات به يحوت ".
° المعنى المحوري استدارةُ الجرم عِظَما والتفافًا أو دَوَرانا: كذلك الحَوَمان. وكجسم الحوتاء الموصوف، واسترخاؤه يبديه كما لو كان فارغ الأثناء. والحوت عظيم الجرم مستديره وهو مشهور باللَقْم وهو يؤدي إلى عظم الجرم ويصلح لتعليل تسميته. قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ وقال الشاعر:
كالحوت إن لم يلقَ شيئًا يلقَمُه .. يصبح ظمآنَ وفي البحر فمه
وقال آخر: ﴿حُوتًا إذا مازادُنا جئنَا به﴾ وهو بذلك أَصْدَقُ ما يُطْلَقُ على ما يسميه [المُنْجِدُ] (البال) انظر لوحة الأسماك فيه.
ووجه إطلاقه في الأسماك عامة هو التشبيه به في الحركة الخفيفة المتعرجة دائمًا (.. غير مستقيمة) فهي أشبه بالدوارة. وليس في القرآن من التركيب إلا الحوت وجمعه حيتان.
ومن الأصل "حَاوتَه: رواغه (دَاوَرَه) والحائت: الذي يُكْثِر العَذْل) (يداور لثبت استحقاق المَلُوم اللومَ وما إليه).
стр. 372
• (حتم):
﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]
"الحَتَمة -محركة: القارورة المفتتة. والتحتم: تكسُّر الزجاج بعضه على بَغض، وتفتُّت الثُؤْلول إذا جف، والهَشَاشة- كسحابة. والحُتامة- كرخامة: فُتَات الخبز الساقط ".
° المعنى المحوري تفتت المتماسك ظاهريًا (على ضَعْفٍ) قِطَعًا منفصلةً محدودة الامتداد: كتكسر الزجاج وتفتت الثؤلول ركل ما هو هش كالخبز الرقيق الجاف. ومنه "الحاتم: الحاكم (يفصل بحكمه ويجزم ويقضى ويقطع) والحتم: القضاء من ذلك " ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: قضاءً قضاه وحكم به وفَصَل القول فيه. ومن الأصل "الحاتِم: المشئوم (الذي يَقْطع الخير) وسَمَّوا الغراب لذلك حاتمًا لأنه كان عندهم نذير فراق (والغراب أسود عادة. ومنه قالوا الحُتْمة -بالضم: السواد كأنهم يقصدون (الغُرَابية) أي السواد الغرابي).
° معنى الفصل المعجمي (حت): هو تفتت الرقيق الجاف حكًّا، كما في التمر الحتّ- في (حتت)، وفي الدِقاق أو الكثير الذي يلتقمه الحوت فيضخم -في (حوت)، وفي كسر الزجاج ونحوه في (حتم).
الحاء والثاء وما يثلثهما
• (حثث- حثحث):
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]
"الحُثّ -بالضم: الرمْلُ الغليظُ اليابسُ الخَشِنُ، وحُطامُ التِبْن، والمدْقُوقُ من
стр. 373
كل شيء. وسويق حُثٌّ ليس بدقيق الطحن، وكُحْل حُثٌّ كذلك، وتمر حُثٌّ: لا يلزق بعضه ببعض ".
° المعنى المحوري تسيب الشيء قطعًا جافة خشنة -أو نفاذه ونشوءه كذلك (١): كما هو واضح في الحُثّ بمعانيه، ومنه "حَثّه: أعجله في اتصال (كأنما جعله أو دفعه ليتسيب أي يسرع، فالبطيء كالمقيد، وقد يُؤَوَّل الحث بالمخاشنة). وحثْحَثه كحَثه وحَثَّثه: حَضَّه. والحثحثة: الحَرَكة المتداركة (تسيب متوال) وقَرَب حثحثات: شديد ليس فيه فتور. ﴿ولَّىَ حَثِيثًا﴾: مسرعًا حريصًا. ورجل حثيث ومحثوث: جادٌّ سريع ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. ومن الحركة الخشنة: "حثحثت المِيلَ في العَيْن: حَرّكه " (حساسية العين تجعل كل حركة فيها خشنة) [المِيل: قضيب من الزجاج دقيق ناعم].
ثم قالوا: "ما ذقت حَثاثًا أي نومًا "وأرى أن المقصود به النومُ القليل بدليل قوله "نَومٌ حِثاث -ككتاب أي قليل "فمثل هذا النوم متقطع عن قلق أو انزعاج أو تعب.
• (حوث- حيث):
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩].
стр. 374
[قال كثيرون إن حيث أصلها حَوْث (ل، تاج] كما أنه ليس في باب حيث إلا استعمالها هي ظرف مكان].
"أحاث الأرض واستحاثها: أثارها [ق]، استحاث الأرضَ: إذا ضاع فيها شيءٌ وطَلَبَه منها. والاستحاثة: الاستخْراج. [تاج]. استَحَثْثُ الشيءَ: إذا ضاع في التراب فطلبته، وهي كالانتباثة ".
° المعنى المحوري إثارة التراب المتراكم ونحوه طلبًا لما هو موجود تحته. كما هو واضح. ومنه (حيث) ظرف مكان للشيء أي المكان الذي يوجد فيه الشيء ويُخرَج أو يصدر منه -كما في آية الرأس. وهو لازم للظرفية، و (ما) بعدها تجعلها لعموم الأماكن التي يحلها الإنسان ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي في أي موضع كنتم [ينظر بحر ١/ ٣٠٥، ٦٠٣ - ٦٠٤] وكذلك كل ﴿وَحَيْثُ﴾، (حيثما) في القرآن. ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]: من الجهة التي أمر الله تعالى وهو القبل، لأنه هو المنهي عنه في حال الحيض [بحر ٢/ ١٧٩]. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] هذا إنكار على الذين قالوا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فالله تعالى هو الأعلم بالجهة التي يضع فيها رسالته، وقد وضعها في مَنْ اختاره لها وهو محمد ﷺ . وظرفية (حيث) هنا مجازية. المقصود بها شخصه ﷺ [ينظر بحر ٢/ ٢١٨] وأرى أن ظرفية (حيث) تشمل اللغة التي صيغت بها هذه الرسالة.
ومن يبث المتراكم يتأتى معنى التَفْريق. "أحاثه: حَرَّكه وَفرَّقه. تركهم حَوْثًا بوثًا: إذا فَرَّقَهم وبددهم ".
стр. 375
أما الحَوْثاء الكَبِد، أو الحَوْثُ عِرْق الحَوْثاء للكبد -فلعل سر تسمية الكبِد حوثاء أنها دم متراكم متجمد معًا. وقام التجمد مقام خشونة التراب وجفافه.
° معنى الفصل المعجمي (حث): تسيب الشيء قطعًا جافة صغيرة كالرمل اليابس الخشن -في (حثث)، وكالتراب المتراكم- في (حوث).
الحاء والجيم وما يثلثهما
• (حجج- حجحج):
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]
"الحَجَج -محركة: الوَقْرة في العظم (١). والحُجُج- بضمتين: الطرُقُ المُحَفَّرة. وحِجَاج العين- ككتاب وسَحَاب: العظم المُطْبِقُ على وَقْبَتِها "كَنَّت الضَبُعُ أولادَها في حِجَاج عَيْن رجل من العماليق (زعموا): أي عَظْمِ العين المحيط بالحدقة. وجلس كذا وكذا نَفَرا في حِجاج عين السمكة التي قَذَفَ بها البَحر " [انظر ل].
° المعنى المحوري تجوف كهفي صُلب أو مَتين (يحمي ضعيفًا في داخله) (٢) - كحِجاج العين (يحمي مُقْلَة العين بكل ما حولها) وكوقرة العظم
стр. 376
وحُفَر الطريق.
ومنه "رأس أَحَجّ: صُلب (شديد محكم على ما فيه. وأعلى الرأس قِحْف صُلْب تحته تجوّف كهفي) واحتجّ الشيءُ: صَلُب (ظاهره). ومه "حَجَّ الجُرْحَ: سَبَره ليعرف غوره ". (فهذا دخول لشيء صلب في تجوف كالكهف فهو من الإصابة. (والعامة تقول الشمس حَجَّتْ أي غَرَبت أي أنها دخلت في تلك الفَجْوة التي في نهاية الأفق) ومنه "حَجَّ البيت: قصده (زاره) (دخل حَوْزَته وحَرَمه. ولعل الأصل كان دخول البيت (: الكعبة) كما في الآية الآتية. وفي تخصيص الحجّ بزيارة بيت الله الحرام -زاده الله تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وبرًّا- إشارة إلى أنه كهف ومأْمَن (صُلْب) لمن دخله قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ويترجح لدىّ -أخذًا من أن المعنى اللغوي المحرر للحج هو الدخول، ومن هذه الآية أيضًا، أن الحج كان يحصل في الزمن الأول بدخول الحاج البيت (الكعبة نفسها) دخولًا حقيقيًا، ثم طرأ ما جعلهم يقتصرون على دخول حيّزه وحَرَمه. ويؤيد هذا ما روى عن السيدة عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ تمنى أن يعيد بناء البيت ليضيف إليه ما تركت قريش منه، وليجعل له بابين يلصقهما بالأرض، لأنهم رفعوا بابها "تَعَزُّزًا لئلا يدخلها
стр. 377
(أي الكعبة) إلا من أرادوا " [الجامع الكبير للسيوطي مخطوط جـ ٢/ ٧٣٦ و ٧٤٦] ويؤخذ مما في [الدر المنثور ٢/ ٢٧٠ - ٢٧٢] أنه منذ الجاهلية كان مَنْ جَرَّ جريرة قَتَل أو سَرقَ إلخ ثم لجأ إلى الحرم لم يُهيَجْ ولم يعاقَب حتى يخرج بنفسه، فقطعوا السبيل إلى ذلك برفع باب البيت فلا يُدْخَل إلا بسُلّم. وهذا يتطلب إجازة السَدَنة ومن بيده مفتاح الكعبة. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. والذي في القرآن من هذا التركيب هو (أ) حج البيت كما في هذه الآية، وكلمة (الحجّ) وما في [آل عمران ٩٧، والتوبة: ١٩] وكلمة ﴿حِجَجٍ﴾ جمع حِجَّة بمعنى عام- وهي من أن الحج لا يكون إلا مرة كل عام ب). "الحُجّة -بالضم: البرهان "وهي من المعنى المحوري كأنها ظرف قوي صلب للرأي يحفظه ويدعمه. و "المحاجّة: المجادلة "من هذا كلٌّ يأتي بحُجَّته ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ومنه كل الفعل ﴿حاجّ﴾ ومضارعه، و ﴿يتحاجون﴾ وكل كلمة ﴿حُجَّة﴾ بالضم.
ومن الأصل "حَجَّجَ الرجل: نَكَص " (تراجُعٌ وغثورٌ إلى الخلف أو إلى ما يظنه مأمنًا) -وكذا "حَجْحَجَ ": أراد أن يقول أو يندفع وَفْقَ ما في نفسه ثم أمسك (تراجع وارتداد إلى الجوف)، "وعن الشيء: كفّ وتوقف وارتدع. وتحجحجوا بالمكان: أقاموا به فلم يبرحوا ".
وأما حَجَّ بمعنى قصد، وزار فمن الغثور في جِرمٍ تجمَّعَ أي الاتجاه إلى وسطه وهي في هذا قريبة من عَمَد [انظر التركيب] إلا أن (عَمَد) نصٌّ في عقد النية بالقلب على شيء وأقوى في ذلك.
стр. 378
• (حوج- حيج):
﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠]
"الحاجُ: نبت. قال أبو حنيفة وهو الذي يسميه أهل العراق العاقول. وله شوكة حادة .. وشوكُه طوال مستوية حادّة " [النبات ٥/ ١٢٠، وتاج وقد ذكره في الواوي واليائي].
° المعنى المحوري نقص منفعة أو طَلِبة أو التعوق عنها ويلزم عنه طلبها: كما يعوق ذلك النبت ذو الشوك الحادّ من يريد أن يَعْبُره خشية من أذى شوكه، لأنه ليس شجرًا مرتفعًا إنما هو مرعى أرضى. قال الزبيدي عن العاقول "نبت معروف له شوك ترعاه الإبل يطلع على الجسور والترع "فالذي يطلع على الجسور والترع يكون كالنجيل أو أطول قليلًا -لا شجرًا. وقد رأيت العاقول. ثم أقول إن "الحَوْج -بالفتح: الطلب، والحُوج -بالضم: الفقر، والمأرُبة "هي من ذلك العوق فهو تعبير باللازم وأصله ما يشعر المرء بأنه مَعُوقٌ عنه أو يَنْقُصه من مال أو غيره. وقد عرّف أبو هلال (الحاجة) بأنها القصور عن المبلغ المطلوب، وفرق بينها وبين النقص بأن النقص سببها [تاج] فالقصور صورة من التعوق أو الاستعاقه. وفي [الخصائص لابن جني ٢/ ١٢٧] عن الحاج هذا أنه يعتاق من مرّ عليه، وردّه ابن جني إلى معنى الجذب، وهو بمعنى الطلب، أي طلب ما نقص. هذا، والثلاثي منه حاج يَحُوج ويَحيج: احتاج ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨]، ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩]-أي لا يجدون مسّ حاجة من فَقْدِ ما أُوتوا- أي لا يحسُد الأنصارُ المهاجرين على ما خُصُّوا به من مال الفيء وغيره [قر ١٨/ ٢٣]. و (حاجة) في آية الرأس: رغيبة كانت تنقصهم.
стр. 379
• (حجب):
﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
"الحَجَبَتان -بالتحريك: حَرفَا الوَرِك اللذان يشرفان على الخاصرتين. والحاجبان العَظْمان اللذان فوق العينين بلَحْمِهما وشَعْرهما. وحجاب الجوف: ما يحجب بين الفؤاد وسائره لحمة رقبقة كأنها جلدة قد اعترضت مستبطنة بين الجنبين تحول بين السَحْر (= الرئة) والقُصْب (= الأمعاء) " [تاج].
° المعنى المحوري حماية أو ستر للشيء بحائل قوي يحجز غيره عنه. كما تحيط الحجبتان بقاع البطن وما فيه كالحَوْض له، وكما يُغطِّى الحاجبان مُقلةَ العين. وكما يحجز حجابُ الجوف القُصْبَ عن القلب والرئة. ومعنى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] "غابت الشمس واستترت بما يسترها من الأفق " ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] أي بين النار والجنة -لأنه جرى ذكرهما- حاجزٌ أي سور، وهو السور الذي ذكره الله له قوله ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣ - قر ٧/ ٢١١]. ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أرى أن هذا تعبير ثالث عن الإعراض [ينظر قر ١٥/ ٣٣٩] ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] في (مستورا) قولان: أحدهما أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه، والثاني أن الحجاب ساتر عنكم ما وراءه. ويكون مستورًا بمعنى ساتر " [قر ١٠/ ٣٧١] والأول أقوى معنى. ولم يبق من ألفاظ التركيب القرآنية إلا (حجابا) في [مريم: ١٧، (محجوبرن) المطففين: ١٥] وهما واضحان.
стр. 380
• (حجر):
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤]
"الحاجِر: ما يُمسك الماءَ من شَفَة الوادي ويحيط به، والجَدْرُ الذي يمسك الماء بين الدبار (الدَبْرة= مجرى الماء في المزرعة) والحُجْرةُ -بالضم: من البيوت معروفة، وحَظِيرة الإبل. والمَحْجِر- كمجلس: الحَدِيقة. وحَجَرْت الأرضَ واحتجرْتها: إذا ضَرَبْتَ عليها مَنَارًا تمنعها به من غيرك ... " (والحِجَار -ككتاب: سور أو نحوه على ظهر البيت يمنع السقوط) والحَجَر -محركة: الصَخْرة. ومَحْجِر العين- كمجلس: ما دار بها من العظم الذي في أسفل الجَفْن ".
° المعنى المحوري الحفظ ومنع الاختراق لصلابة مسترسلة تَحول- كما يمنع الحاجرُ والجَدْرُ والمنارُ والسورُ ومحجر العين العينَ. والحَجَر شديدُ التماسك لا يُخترق. ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠] وهو معروف وكل (حَجَر) و (حِجَارة) فهي من هذا، والحُجرة محجورة عن غير أهلها. ﴿وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤]. ومن ذلك "حَجَر عليه (نصر): منع منه. والحِجْر- مثلثة وكمجلس: الحرام (الممنوع) ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]: حَرَامًا محرمًا [أبو عبيدة ٢/ ٧٣] وفي آية ٥٣ منها ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي سترا مستورا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر [قر ١٣/ ٥٩] وحِجْر البيت الحرام -بالكسر: ما حواه الحطيمُ المُدَارُ بالبيت من جانب الشمال. و "حِجْر الإنسان- بالكسر والفتح- ما بين يَديه من ثوبه. نشأ فى حَجْره أى حفْظه وسَتره (وموضعه يجعله مثاليًّا للحفظ) ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والحِجْر كذلك:
стр. 381
الفَرَس التي تُتخذ للنسل، جَعَلوها كالمحرَّمةِ الرَحِم إلا عل حِصان كريم ". وقد تكون التسمية لأنها (عقيلة) لصاحبها لاتباع.
ومن ذلك أيضًا "الحِجْر: العقل "لأنه يحفظ ويمنع كما سمى عقلا ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] وأخيرًا فهناك الحِجْر: عَلَم على منطقة في الجزير ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠].
• (حجز):
﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١]
"حُجزة الإزار -بالضم: حيث يُثْنَى طَرَفه في لُوْثهِ، وهي للسراويل: موضع التِكَّة. ويقال لكل شيء يَشُدّ به الرجلْ وَسَطه ليُشَمِّرَ ثيابَه: حِجاز- ككتاب ". (وحَجْزُ العِدْل وهو حِمْل أحد جانبي الدابة) أن يُدْرَج الحَبْل عليه ثم يُشَدّ (يعْقَذ). والحجاز- ككتاب: حَبْل يناخ عليه البعيرُ ثم يُشَدُّ به رُسّغَا رجليه إلى حقويه وعَجُزه؛ لتُداوَى دَبَرتُه فلا يستطيع أن يمتنع، إلا أن يَجُرَّ جنبَه على الأرض ".
° المعنى المحوري منعٌ "شديد "للشيء من أن يتسَيّب عن وضع ما أو إلى شيء آخر: كالحُجْزة والحجاز بمعنييه.
ومن مادى ذلك أيضًا: "الحُجْز -بالضم: الناحية (حيّز خاص لا يختلط بغيره)، والحَجْز -بالفتح: الفصل بين الشيئين أو المتقاتلين. والحاجز والحجاز- ككتاب هو اسم ما فَصَل بينهما ". ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ أي حجازًا بين ماء مِلْح وماء عذبٍ لا يختلطان وذلك الحجاز قدرة الله " [ل] ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] (يحجز أي يدفع ويردّ العذاب عمّن يراد أن
стр. 382
يناله ويخالطه). وفُسر الحجاز في قوله: ﴿ونحن أناس لا حجاز بأرضنا)
بالجبال فالجبل يمنع ويردّ ما في جانب منه لا يخالط الجانب الآخر. وسُمّيت أرض الحجاز شرفها الله تعالى بأن فيها سلسلة من الجبال حجزت بين نجد وتهامه [ينظر ل ١٩٦].
ومن ذلك أيضًا "حُجْز الرجل -بالضم: فصل ما بين فَخِذه والفخذ الأخرى من عشيرته " (الفخذ، هنا أحد تفرعات القبيلة. فالشخص الذي يتميز عنده الفرع كأنه حاجز عن الفرع الآخر) ومن هنا "حُجْز الرجل -كذلك: أَصْلُه ومنبته "لأن الفرع ينسب إليه أيضًا. و "رجل شديد الحُجزْة -بالضم: صبور على الشدة والجَهْد " (حجزة الإنسان: معقِد السراويل والإزار- كناية). أما "الحَجَز -محركة: أن تتقبض أمعاء الرجل ومصارينه من الظمأ فلا يستطيع أن يكثر الشرْبَ ولا الطّعمّ "فهو من المنع الشديد لكن بمعونة الصيغة فالحَجَز -محركة مصدر لفَعِل بكسر العين وهي قد تأتي للمطاوعة كما هنا. والمطاوعة من باب المفعولية.
° معنى الفصل المعجمي (حج): الحيلولة بصُلب أو شديد كما يتمثل في حجاج العين -في (حجج)، وكما يتمثل في تعويق نبات (الحاج) من يريد أن يجتازه- في (حوج)، وفي (حاجب) العين الذي يحميها -في (حجب)، وفي منع اختراق (الحجَر والحجرة) - في (حجر)، وفي منع (الحاجز) تسيبَ الشيء إلى ما هو محجوز عنه -في (حجز).
стр. 383
الحاء والدال وما يثلثهما
• (حدد):
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]
"حدّ كل شيء: طَرفُ شَباته كحدّ السكينِ والسيف والسِنان والسَهم. وقيل الحدّ من كل ذلك: مارَقّ من شَفْرته. ومُنْتَهَى كلِّ شَيء حدُّه. ومنه أحد حدود الأَرَضِين وحدود الحرم. وحد كل شيء: منتهاه. حدَّ الشيءَ من غيره: ميّزه. الحدّ: الفصْل بين الشيئين لئلا يختلط أحدُهما بالآخر أو لئلا يتعدى أحدُهما على الآخر. وفَصْلُ ما بين كل شيئين حدٌّ بينِهما ".
° المعنى المحوري إيقاف الامتداد والتخطى للشيء أي إنهاؤه أو منعه (١): كحد السكين والسيف في ذاتهما برقتهما إلى الانقطاع أو بعملهما وهو قطع الامتداد، وكحدود الأرضين وحدود الحرم.
стр. 384
ومن ذلك "الحدود: النهايات، والعقوبات الي تَحُدّ أي تمنع من ارتكاب الكبائر وتُوقِف عن ارتكابها. "قال الأزهري: فحدود الله ضَرْبان ضرب منها حدود حدّها للناس في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها مما أحلَّ وحرّم وأمر بالانتهاء عما نَهَى عنه منها ونَهَى عن تعديها. والضرب الثاني عقوبات جُعِلَت لمن رَكِب ما نُهِى عنه كحد السارق، وهو قطع يمينه في ربع دينار فصاعدًا .. سميت حدودًا لأنها تَحُدّ أي تمنع من إتيان ما جُعِلت عقوبات له. وسميت الأولى حدودًا لأنها نهاياتٌ نَهَى الله عن تعديها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] والانتهاء توقف عن التخطي والامتداد. ومن هذا كل كلمة (حدود) في القرآن الكريم.
ووقف الامتداد والتخطي منعٌ منه. قالوا "حَدّ الرجلَ عن الأمر: منعه وحبسه، والحدّاد: البواب، والسجّان يمنعان، وهذا أمر حَدَد -محركة أي منيعٌ حرام لا يحل ارتكابه. وحُدّ الإنسان- للمفعول: حُرِم الظفر. وحَدَّ الله عنا شرَّ فلان: كفه وصرفه. وحَدّهْ صرفه عن أمر أراده ". ومن هذا حِداد المرأة "المُحِدّ هي المرأة التي تترك الزينة والطيب بعد زوجها للعدة ". أي هي ممنوعة منها.
وقولهم "مالك عن ذلك حَدَد أي مصرَف ومَعْدل "، الأصل لا انقطاع ولا انتهاء عنه، كما قيل (لابُدّ) وأصلها (لا فراق).
والحديد: الجوهر المعروف سمي بذلك "لأنه منيع "أي صُلْب. وتأويل هذا اشتقاقيًّا أنه لا يقبل الانشقاق أو التفتت بالضغط المعتاد. أي بما ينشق ويتفتت به غيرُه. والتفتت والتشقق تسيب وانتشار، فهو من امتناع الانتشار الذي هو من جنس الامتداد ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]
стр. 385
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] [انظر (بأس) هنا].
و"إحداد السكين ونحوها " (: جعلها حادّة، ويكون ذلك بترقيق حدها أي طرَفها بشحذها ومسحها بحجر أو مبرد فتكون ذات حد يقطع وُينْهي).
ومن معنوى هذا: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] تؤذي فتمنع التواصل. ومن هذا: الفعلُ حادّ ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وكذلك مضارعه (أي حارب الله ورسوله برفض الإيمان، والصد عن سبيل الله، وتعذيب من آمن) إلخ.
وقد فُسِّرَت المحادّة بأنها مفاعلة من الحَدّ كأن كل واحد منهما يجاوز حَلَّه إلى الآخر فهي معاداة ومخالفة ومنازعة. ويمكن أن تكون من الحِدّة السابقة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥].
ولنفاذ الحادّ في الأشياء واختراقه إياها (وهو من صور قطع امتداها) وُصِفَت به قوة البصر ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] والرائحة الحادّة: ذكية (نفاذة أيضًا) ومن هذا أيضًا "الحِدّة (المعنوية): النشاط والسرعة في الأمور والمضاءُ فيها ". وليس في القرآن من التركيب إلا (الحدود) و (الحديد) والحدّة والمحادّة وقد ذكر ناهن.
• (حيد):
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]
"الحَيْد -بالفتح: حرفٌ شاخص يخرج من الجبل فيتقدم كأنه جَناح. وجَبل ذو حُيُود وأحياد. وحُيود العُودِ: عُجَره. وحُيود القَرن: ما تلَوَّى منه- وحَيْد الرأس: ما شخص من نواحيه ".
стр. 386
° المعنى المحوري شخوص متباعد عن الاتجاه الأصلي: كحُيود الجبل والعود والقرن. ومنه "حادَ عن الطريق والشيء يَحُود ويَحِيد: عَدَل (شخص عنه جانبًا) ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ و "حايَده: جانَبه ".
• (وحد):
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]
"الواحد أولُ عدد الحساب بُني على انقطاع النظير وعوز المثل. صلينا وُحدانًا أي منفردين جمع واحد. فجعله في قبر على حدة أي منفردًا وحدَه. رأيته وحده، جلس وحدَه أي منفردًا. توحّد برأيه: تفرد. ورجل وَحَد -محركة مُتَوحد منفرد لا أحد معه يؤنسه، وأَوْحَدَت الشاةُ: وضعت واحدًا "، ورجل واحدٌ: متقدم في بأس أو علم ".
° المعنى المحوري انفراد الشيء فلا يكون معه مثله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]. هذه حال من الخالق أو من المخلوق. وكل ما في القرآن من التركيب هو بمعنى الانفراد الصريح هذا عدا ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٠، وكذلك ما في البقرة ٣٣] فالمقصود أنه هو هو عينه، فالاختلاف درجة من التعدد. وذلك أرادوا في قولهم "أصحابي وأصحابك واحد، الجلوس والقعود واحد "وكذلك ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ [الرعد: ٤] فالمقصود بنفس نوع الماء. وكذلك كل ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة ٢١٣] وسائرها. على نفس الملة والمعتقد لا على ملل مختلفة.
стр. 387
• (أحد):
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]
[في ل (أحد) أن (أَحَدًا) هنا أصلُها (وَحَد) أُبدلت الهمزة من الواو. وقال في معنى اسم الله الأحد: إنه هو "الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر "اه وفيه "استأخذ الرجل: انفرد ". وقد جاء في شعر النابغة في وصف ثور ﴿بذي الجليل على مُسْتأْنِسٍ وَحَد﴾ ومعنى الوَحَد هنا المنفرد] وأقول إنهم جعلو هنا تركيبين (وحد) و (أحد) وجعلوا لكلٍّ أحكامًا [ينظر حاشية الشهاب ٢/ ٢٤٦] وخلاصة ما أرى أنه تركيب واحد معناه الانفراد، لكنه انفراد مقترن بشيوع، فإذا وقع في غير سياق الإيجاب بأن كان في سياق نفي أو نهي أو استفهام أو شرط فإن معناه (أيّ واحد) ولمعنى الشيوع هذا جاز ﴿بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة ١٣٦ ومثلها ما فيها ١٨٥، ٢٨٥] آل عمران ٨٤، النساء ١٥٢]. وإذا وقع في سياق إيجاب وكان مضافًا ظل معناه (أيّ واحد)، لكن من أفراد المضاف إليه. والشيوع يتحقق بعدم قصد التعيين وهو بذلك المعنى في القرآن كله في الحالتين. وإن وقع في سياق إيجاب وهو غير مضاف تحول معنى الشيوع إلى إطلاق، وعبّر لفظ (أحد) عن الانفراد المطلق، كما في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وما أورده [ل] يعني أن المبالغة في تعبير (أحد) هنا عن الوحدانية تتمثل في أنها أزلية. وهذا وجه جيد، لكن هناك وجهًا آخر لهذه المبالغة يؤخذ من تفسير الأحد بالمنفرد هو التفرد أي تفرده سبحانه بالتصرف في كل أمور ملكه ومخلوقاته، كما قال سبحانه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وذلك بالإضافة إلى التفرد الذاتي. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] (أي واحد)، ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أى ليست
стр. 388
أي واحدة منكن كأي واحدة من النساء من حيث إن الواحدة منكن أم للمؤمنين، وزوجة لخير المرسلين، ونزل القرآن فيها وفي بيوتكن [ينظر بحر ٧/ ٢٢١]. ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] أي ليكونن أكثر اهتداء من أي أمة ممن كذب الرسل من أهل الكتاب [ينظر قر ١٤/ ٣٥٨] والذي في [بحر ٧/ ٣٠٤] غريب. ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] [ينظر حاشية الشهاب ٢/ ٢٤٦ و ٨/ ٤١١، ومواضع لفظ أحد في فهرس الدر المصون، والآلوسي ٣٠/ ٢٧١ - ٢٧٢].
• (حدب):
﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]
"الحَدَب -محركة: خروج الظهر ودخول البطن والصدر. موضع الحدب في الظهر الناتي. وقد حَدِبَ ظهره واحدَوْدب وتحادب. الحَدَبة: ما أشرف من الأرض وغلظ وارتفع، ولا تكون الحدَبة إلا في قُفٍّ أو غِلظ أرضٍ. حَدَبُ الماء: موجُه. الأَحْدب: النُؤْي لِاحْدِيدابه ".
° المعنى المحوري انحناء الشيء بنتوء وسطه عن سائره. كنتوء الظهر عن جانبى البدن ونتوء النؤى والحُدوب الموصوفه. وقوله تعالى ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أي من كل أَكَمة وكل موضع مرتفع ".
ومن معنويه: "حَدِب فلان على فلان وتحّدب: تعطف وحنا عليه يقال هو له كالوالد الجَدِب. والمتحدِّب: المتعلق بالشيء الملازم له ". فهذا من الانحناء كما يقال حنا عليه وتعطف عليه وجنأَ عليه ".
стр. 389
• (حدث):
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]
"شابٌّ حَدَث -محركة: فتِيّ السنّ. والحَدَثانُ- محركة: الفأس التي لها رأس واحدة. ومُحادَثة السيوف: جِلاؤها. وأحدث الرجل سيفَه وحادثه: جلاه ".
° المعنى المحوري الكشف عن الشيء وإظهاره بالنحت أو الكشط أو ما إليهما من القطع: كالسيوف التي تُجْلَى، والفأس تكشف وجه الأرض، والشاب الفتى: ناشئ (مستجد) كأنما كُشِف عنه وظهر الآن (وكذا الشيء الحديث ضد القديم) ناشئ الآن.
ومن الكشف يأتي "الحديث: الخبر (يكشف عما في النفس) ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] في [بحر ٨] حديث حسن صحيح غريب أخرجه الترمذي أن أخبارها أن تَشهدَ على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا يوم كذا وكذا. قال ﷺ فهذه أخبارها "ومنه يُعْلم أن التحديث حقيقي، أما الكيفية فالله أعلم بها. وما في القرآن من الفعل (تُحدّث) المضارع، وأمره، و (حديث) وجمعه (أحاديث) فهو بمعنى الإخبار هذا. جاء في [قر ٩/ ١٢٩] ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] أي أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد "اه وفي [بحر ٥/ ٢٨٢] أنها أو منها عبارة الرؤيا.
ومن إظهار الأمر يتأتى الإيجاد: "حَدَث أمر أي وقع. والحدَث -محركة: الأمر الحادث. وأحدثه الله: أوقعه وأظهره. ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾
стр. 390
[الطلاق: ١]، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ..﴾ [الأنبياء: ٢]، (أتاهم بعد ما سبق من ذِكْر) وكل ما لم نذكره من التركيب فهو من الإحداث الإنشاء أو الجِدّة. و (محدَث) في هذه الآية، وكذلك [الشعراء: ٥] يراد: في النزول وتلاوة جبريل على النبي ﷺ ، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، لا أن القرآن مخلوق [قر ١١/ ٢٦٧].
• (حدق):
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ: ٣٢]
"حَدَقة العين: سَوادُها الأعظم. والحديقةُ من الرياض: كلُّ أرضٍ استدارت وأَحْدقَ بها حاجزٌ أو أرضٌ مرتفعة. وكلُّ بستانٍ عليه حائطٌ فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يُقَل له حديقة ".
° المعنى المحوري الإحاطة بشيء في الوسط أو العمق: كسواد العين يحيط بإنسانها في وسطه وجوفه، وكالحاجز بالحديقة وسطه ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ومثلها ما في [النمل: ٦٠] ومنه "حَدَق بالشيء وأحدق به: استدار وأحاط به ". ومن حدقة العين: "حَدَقُوه بأبصارهم: رَمَوْهُ بها. والتحديق شدة النظر بالحَدَقَة " (من باب الإصابة بالشيء).
° معنى الفصل المعجمي (حد): قطع ومنع لما شأنه الامتداد كعمل حدّ السكين -في (حدد)، والشخوص من أثناء الشيء خلوص كالانقطاع مع الامتداد- في (حيد)، والانفراد -في (وحد)، والتفرد- في (أحد) دقة كالانقطاع، والوجود امتداد. والكشط ونحوه الذي في (حدث) قطع، وتجلي الشيء بلا صدأ ثبوت وامتداد. والإطار الخارجي للشيء يمتد حوله في الحدقة والحديقة وهو دقيق السمك أو القيمة بالنسبة لما في وسطه.