سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
وأما "احْمَوْمَى السحابُ: تراكمَ واسْودّ. والليلُ: اسودّ "فقد مرّ في (حمم) أن السواد لازم للاحتراق من الحرارة ".
• (حمأ):
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]
"الحمأ -محركة- والحَمأة، بالفتح: طينُ البئر الأسودُ المنتن ".
° المعنى المحوري حدّةٌ ما تخالط عُمْقَ الشيء: كهذا الطينِ في جَوْف البئر، وحِدَّتُه نَتْنُه. ومنه: "حَمِئْتُ عليه أي غَضِبْتُ " (الغَضَب شعورُ حادٌّ في الجوف) ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٠]، ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] فسرت بذات الطين، وقرئت: حامية [قر ١١/ ٤٦٩]. ويمكن تفسير الحمئة بالحامية كما في قولهم: "حَمِئْتُ عليه أي غضبت "أي عين ذات حِدّة يَتَصوَّرُها من يراها. ويُقَرِّب ذلك أن ضوءَ الشمس وأشعَّتَها الحمراء تنعكس في ماء المحيط عند غروبها فتكون في رَأي الواقف على شاطئه في تلك الساعة كنارٍ عَظيمة. ومنه "الحَمْء -بالفتح ومحركة: أبو زوج المرأة " (حدّته أنه يعد حاميًا لها يمنعها ويغضب لها (ينظر حمو).
ومن تلك الحدّة أيضًا "رجل حَمِئُ العين -كفرح: عَيُون "أي يصيب بعينه.
• (حمد):
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]
"أنشد في ل:
стр. 492
وكانتْ من الزوجات يُؤمَنُ غَيْبُها ... وترتادُ فيها العينُ مُنتجَعًا حَمْدا
ويقال: أَحْمَدْتُ موضعًا أو أرْضًا: رَضِيتُ سكناه أو مرعاه. ويقال طعام ليست عنده مَحْمِدَة -كمنزلة. أي لا يُحْمَد. [وفي تاج]: الرِعَاء يتحامدون الكلأ. فسره في المعجم الكبير بـ "يرتضونه ".
° المعنى المحوري غِنَى باطن البَدَن بما يناسبه من غذاء يَقُوته ويقويه وينميه: كالمنتجَع، وهو موضع الكلأ، فإن كونه حَمْدًا يعني أنه كثير الكلأ مُشبع يُستقَرّ فيه. وفي ضوء هذا يُفهم أن الطعامَ الذي ليست عنده مَحْمِدَة هو الذي لا يُغَذِّى ولا يَنْجَعُ في آكله أي لا يَقُوته ولا يُنَمِّيه. فيكون الذي عنده محمدة هو الذي يَغْذُو وَينجع ويُقَوِّى. والرعاء الذين يَتَحامدون الكلأ، أي يرتضونه، إنما يتوخون أو يدل بعضهم بعضا عليه من حيث كونُه حمدًا، أي عنده مَحمِدة، أي له نجوع في الماشية التي يرعونها.
فأصل الحَمد، بإيجاز هو الإشباع والتجوع وما يلزمه من قوة، ويتوسع في لازمه فيكون: الإعطاء والإنعام والإفضال. "نَجع الطعام في الإنسان: هَنَأَ آكلَه أو تبَينَتْ فيه تنميته واستمرأه وصلح عليه. نجع العلَفُ في الدابة. طعام يُنجَع عنه، وبه: إذا نفع واستُمرئ فيُسمَنُ عنه. ماء ناجع: مريء/ نمير ".
ويؤيد أن أصل الحمد هو ما قلناه:
أ) تفسيرهم إياه بالرضا (في المعجم الكبير خمسة تفسيرات بذلك)، والرضا أصبل معناه الامتلاء برخو، وهذا قريب من الامتلاء بالطعام الناجع.
ب) تفسيرهم إياه بالشكر، وتركيب (شكر) يعبر عن امتلاء باطن الشيء بطيّب امتلاءٌ يظهر ويتبين "شَكِرَت الناقةُ: امتلأ ضَرعُها لَبَنًا، والشَكِرَةُ الممتلئة
стр. 493
الضرع من النوق "، والتصريح بامتلاء الضرع باللبن. ووضوح ذلك الامتلاء هو الذي أبرز معنى عرفان النعمة في تركيب (شكر).
ج) كذلك ذُكِر المَدْح في تفسير الحمد، والمدْح أصله يناسب أصل الحْمد: يقال: "تمدَّحت خواصر الماشية: اتّسعت شِبَعًا ".
د) معنى الحمد على ما ذكرناه يحقق التصاقب في المعنى بين (حمد) و (عمد) مقابل تصاقب لفظيهما. فـ (عمد) تعبر عن انتصاب شيء قويٍّ في الأثناء كالعمود. والشِبَع يَعْمِدُ الحيّ من الداخل أي يقيمه.
هـ) وأخيرًا فإن نظير أخذ الحمد من الشِبَع أخذُ المَجْد (الشرف) من الشبع أيضًا: "أمجد الإبلَ: ملأ بطونَها عَلَفا وأشْبعها "وفي الجمهرة "وأصل الْمجد أن تأكل الماشية حتى تمتلئ بطونها. يقال راحت الإبل مُجَدًّا ومواجد "والشِبَعُ وما إليه مصرَّح به في معنى تركيب (مجد) أكثر من مرّة [ينظر ل].
أما الثناء فهو من الثَتى والتثنية التي هي المستوى الأقل في باب الجمع، وهي تراكم ظاهري وليس تجمعًا في الباطن، فهي أقل مناسبة لتفسير الحمد، كما أن الثناء اللفظي ليس مقصورًا على الذكر بخير، فإنهم استعملوه في الشرّ والذمّ "الثناء: ما تصف به الإنسانَ من مدح أو ذم .. أثنى إذا قال خيرًا أو شرًا. وأثنى إذا اغتاب " [ل].
ومما سبق يتبين أنه في التعبير بالحمْد ينبغي أن يُسْتَشْعَر أنه يحمل شيئًا من معنى الإنعام المُقيت المُقيم، وكذا القوة والتمكين اللازمين عن الشبع والنجوع، وكذا معنى العظم اللازم عن الشبع والنجوع أيضًا، أخذًا من كون الطعام ذي المحمِدة هو الذي ينجع أي يغذي ويقوي، ولا يتأدّى معنى الحمْد بالثناء
стр. 494
الكلامي المجرد من استشعار هذه المعاني.
ومن الاستعمالات العربية القديمة التي يبرز فيها جانب مما قلناه الآن قول امرئ القيس [شرح ديوانه ١٨٧]:
متى عَهْدُنا بطعان الكُما ... ةِ والحمْد والمجْد والسُؤْدُد
فالحمد هنا تعبير عن مستوى من العظمة يتمثل في انتصارٍ أو غيره، ولا يتأتى أن يكون أنهم يُمْدَحون. بَلْهَ أنهم يَمدحون غيرهم.
وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] في [طب التركي ١٤/ ٦٣٢] رواية عن ابن عباس ﵄ أي "بأمره "وهذا يكاد يكون هو ما قصدناه بقولنا، إن القوة والتمكين لا زمان لمعنى الحمد. وقول قتادة: "بمعرفته وطاعته "غريب، فإن معنى المعرفة هنا بعيد عن معنى اللفظ، والطاعة إنما هي من طرفهم، ويغني عنها "تستجيبون ". وارتضى [طب] أن معناه "فتستجيبون لله من قبوركم بقدرته ودعائه إياكم، ولله الحمد في كل حال "وكأنه -بعد أن ذكر القُدْرة وهو الدقيق هنا، ويلتقي مع قول ابن عباس- تذكر المعنى المشهور للحمد فقال، ولله الحمد في كل حال. وقد ردّ ابن عطية التفسيرين بناء على أن لفظ الآية لا يعطيهما، وأن "جميع ذلك بأمر الله "اه. فكأنه حمل كلمة "بأمره "في كلام ابن عباس على الإرادة العامة لا على (القضاء بكُنْ) الذي نحمل نحن لفظَ ابن عباس عليه، ثم فسّر هو (بحمده) بالمعنى المشهور للحمد كما قال ابن جبير. وفسّر الزمخشري اللفظ بالمعنى المشهور لكنه قال إنه مبالغة في انقيادهم للبعث. فاستعمل لفظ الانقياد الذي هو الطاعة، وسياق كلامه يقضي أنه يفسّر به الاستجابة. واستعمل الرازي نفس العبارة [الغد العربى ٧/ ١١٣] وفي
стр. 495
[قر ١٠/ ٢٤٦] "وقيل: المعنى بقدرته "وفي [أبو السعود ٥/ ١٩٨] "بحمده: حال من ضمير (تستجيبون) أي منقادين له حامدين لما فعل بكم غير مستعصين ". فهم يحومون حول القدرة ثم يأسرهم المعنى المشهور وهو الثناء. والخلاصة أني أرى أن معنى (بحمده) هو بأمره وقدرته وعظمته. فالآيات الثلاث السابقة تذكر إنكارَ الكفار لبعثِهم "خلقًا جديدًا "بعد أن صاروا "عظامًا ورفاتًا "، وتساؤلَهم عمّن له القدرة على أن يعيدهم أحياء، فقيل لهم هو ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فتساءلوا ﴿مَتَى هُوَ﴾ فجاءت الآية التي نحن فيها لتجيب بالتوقيت وتضيف الكيفية، لأن الكيفية يتعلق بها شطر الإنكار. فبينَتْ أن ذلك يكون بمجرد دعائه تعالى الأَموات أن يقوموا، فيقومون بقدرته تعالى استجابة لدعائه دون مستحيلات مما توهموه. فأقرب تفسير لقوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ تستجيبون للدعاء فتقومون من قبوركم بقدرته أحياء بعد أن صرتم ترابًا بَقِى أو تحول إلى حجارة أو حديد أو غيرهما. وما دام معنى التركيب يسمح بهذا المعنى المناسب، فإن الاستئسار للمعنى المشهور يكون تفريطًا وهضمًا لحق القرآن. ولا أدري كيف غاب عن أئمتنا -غفر الله لنا ولهم- أن هؤلاء الذين تحكي حالهم في قيامهم من قبورهم آيةُ الإسراء هذه هم أنفسهم الذين تحكي نفس حالهم هذا [يس ٥١ - ٥٢]: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فهذا ما يقولون عند قيامهم من قبورهم لا أنهم يثنون. وفي قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] تكاد الآية تنطق بأن معناها العظمة لله. وقد أحس الزمخشري بالقلق في مناسبة الحمد (أي بمعناه
стр. 496
المشهور وهو الثناء) لنفي الولد والشريك والذل، لكنه تخلص بأن لواهما إلى أن هذا هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة. وأحس ابن المنيّر بنفس القلق وظن أنه مهّده، لكنه لم يفعل شيئًا لا هنا ولا في أول سورة الأنعام [ينظر الكشاف (العلمية) ٢/ ٦٧٤، ٤]. وهناك كثير من الآيات التي لا يسوغ تفسير الحمد فيها إلا بالتعظيم مثل [النحل: ٧٥، النمل: ٩٣، العنكبوت: ٦٣، سبأ: ١، الزمر: ٢٩] بل وكل (تسبيح بحمد الله).
وأقول أيضًا إن معنى الإعطاء أصيل في هذا التركيب من الناحية الاشتقاقية وذلك من جهتين: الأُولَى وجود أصل هذا المعنى، كما في قولهم "منتجع حَمْد "أي فيه من الكلأ ما يَنْجع ويُشبع ويُستقَرَ عليه. والجهة الثانية: الصيغة. فقد كررنا أن صيغة فَعِل للمطاوعة قد تعطي معنى المفعولية فكأن مَنْ حَمِد (كفرح) أُعْطِى ونَجعَ فيه ما أُعْطيه، ويلزم ذلك معنى الشكر. فهذا مدخل هذا المعنى في التركيب وهو أصيل كما هو واضح. وفي [تاج] "الحمْد: الرضا، والجزاء، وقضاء الحق. وقد حَمِده -كسمعه: شكره وجَزَاه وقَضَى حقه ". فمعنى الرضا واضح الأصالة هنا، لأن حقيقته وجود نعمة ورخاوة في الباطن فهو مناظر للحمد. والفعل بمعناه قاصر، وبالمعنيين الآخرين معدًّى. والثناء لازم للشكر وقد يكون تعبيرًا عنه أو عن الجزاء وقضاء الحق، لكنه ثناء مقيد بأنه من نوع المدح، وبأن سبب المدح هو الإعطاء والإفضال. وفي قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] قال في [بحر ١/ ٢٩١]: "الحمد هو الثناء، والثناء ناشئ عن التوفيق للخير والإنعام على المثنى " (يلحظ أن العبارة الأخيرةَ هي الدقيقة). ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] ينظر [قر ٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧] فهناك كثير
стр. 497
مما يؤيد ما قلنا.
وفي اسمه "الحميد "الصيغة يمكن أن تكون بمعنى مُفْعِل (اسم فاعل) كالحكيم بمعنى المحكِم ويكون المعنى: الذي يعطى ما يَنْجَع وُيغْنى ويُعين ونحو ذلك. وهذا معنى جديد، ويلزمه معنى الشكر. فهذا يبرز لمعنى اللفظ رصيدًا آصلَ وأبرزَ حدودًا من الثناء بالكلام الهلاميّ بلا حدود ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وكذا كل صفة (حميد) في القرآن الكريم.
وفي تفسير طب "قال أبو جعفر: ومعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر لله خالصًا ... بما أنعم على عباده. . النعم التي لا يحصيها العدد ... "ثم جاء طب بحديث عن ابن عباس ﵄ قال "قال جبريل لمحمد ﷺ قل يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قال ابن عباس: الحمد هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه ". ثم قال الطبري "وقد قيل إن قول القائل "الحمد لله "ثناءٌ على الله بأسمائه وصفاته الحسنى، وقوله "الشكر لله "ثناء عليه بنعمه وأياديه "وعزا هذا التفسير إلى كعب الأحبار، ولم يرتض طب هذا التفسير. وبمراجعة ما قلنا يتبين أن ما استخلصنا أنه معنى الحمد هو معنى كلام ابن عباس ﵄. ونلفت إلى قوله "والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته "فالاستخذاء معناه الخضوع. والخضوع يكون إزاء قوة قاهرة. وهذا يزكي ما لمحناه ورجّحناه في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]. لكن القوة القاهرة هنا في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هي قوة المنعم الذي يُمِدّ بما يغذو ويقيم ويُنَمِّي، وبكلِّ ما يُصْلح الحياة. فأنسب تفسير لعبارة "الحمد لله "هو: الفضل والتعظيم والفعل لله. فهذا يؤدي معنى الشكر على النعم، والإقرار بأنه القاضي بكل أمر،
стр. 498
الممكّن منه، وهو ما عبر عنه ابن عباس بالاستخذاء.
ومع أن الفخر الرازي لم يقف عند الأصل الاشتقاقي، وإنما ذكر أن "الحمد لا معنى له إلا الثناء على الإنعام ""الحمد عبارة عن مدح الغير بسبب كونه منعمًا متفضلًا [الفائدة السادسة والسابعة في الكلام عن "الحمد لله "في سورة الفاتحة - الغد العربي ١/ ٣٧٣] فإنه لما عرض لعبارة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثانية في أول سورة الأنعام ذكر عدة معالم:
أ) أن الحمد "لا يحصل (أي لا يوجّه) إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من الإنعام والإحسان ".
ب) "الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام ".
ج) "قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تصريح بان المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة " [المسألة الأولى في الكلام عن الحمد لله جـ ١١ - الغد العربي مجلد ٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩] فما ذكره من الإنعام في (أ) و (ب) هو جانب، وهو المعنى المباشر. وما ذكره في (ج) - وكان قد أغفله: أن الذي يوجّه إليه الحمد فاعل مختار خلق العالم بالقدرة والمشيئة= هو المعنى اللازم. فالتعظيم الذى يخص معنى عبارة (الحمد لله) ليس مقصورًا على التنويه بأنه سبحانه هو المتفضل بالنعم، وإنما يشمل الإقرار بأنه سبحانه هو الفاعل القاضي بكل أمر، الممكّن منه -على ما يؤخذ من عبارة ابن عباس، وهو الذي يزكيه الأصل الاشتقاقي للكلمة. فهذا عن معنى الحمد، وبه معنى ﴿الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وفي قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] المحمود: المثني عليه- حسب ما وقفوا
стр. 499
عنده، وقد بينوا المراد بـ (المقام) بأنه الشفاعة العظمى العامة، أو رفعه ﷺ لواء الحمد يوم القيامة وغير ذلك [قر ١٠/ ٣٠٩/ ٣١١، بحر ٦/ ٧٠ - ٧١] والتفسيران هما المناسبان للمقام. وأرى أن تفسير صفة (محمود) هنا بالمثنى عليه هو دون ما يستحق هذا المقام بكثير. والمناسب تفسير (محمود) هنا بأنه عظيم أو معظّم -بل بالغ العظم والتعظيم. بل و "لواء الحمد "لا يناسب أن يكون هو لواء (الثناء)، بل لواء اعتراف المؤمنين بعظمته سبحانه، يحمله ويتقدمهم كبير رسل الله إلى البشر، ممثِّلًا للمؤمنين من جميع الأمم، في يوم الحساب الختامي لمسيرة آدم وذريته على الأرض.
وسيدنا (محمد) رسول الله ﷺ اسمه الشريف هذا يعني الممجَّد أي المُعْطَي خيرًا عظيمًا مستقرًّا. ويتأتى أن يكون معناه المفَضّل، وأن يكون معناه العظيم أو المعظّم. وقد فسّره: ابنُ دريد [الاشتقاق ٨] وغيرُه بالحَمْد بمعنى الثناء. وكذا الاسم الشريف أحمد: رأى [قر ١٨/ ٨٣] أنه منقول من أفعل التفضيل أي أحمد الحامدين لربه. ولو قُصِدَ بهذا معنى الشكر والتعظيم والتمجيد لله. لكان تفسيرًا صحيحًا. لكن هناك جانبًا آخر هو معنى الصيغة. فإنى أرى أن الاسم الشريف (أحمد) ليس من الفعل المتعدى، وإنما هو من فُعلَ المبني للمفعول بمعنى المحمود، وأجاز هذا ابن القيم -كما نقل عنه الإبياري في [دائرة المعارف الإسلامية ٢٦٤ - ٢٦٥] فتلتقي صيغة أحمد مع صيغة محمّد على معنى المحمود. فإنّ أخذ التفضيل من المبني للفاعل غالب لا حَتْمي [ل- جدّ ٧٨] فقد يأتى مما هو بمعنى المفعول، كما قالوا: هو (أجَدُّ) منك أي (أَحَظّ): من مجدود وجَديد وهما بمعنى مفعول، و (الأَحَكُّ) من الناس الذي ليس في فمه سن كأنما
стр. 500
حُكّتُ أسنانه. وكما قالوا (أجْرَد) من جَرِد (كتعب) وانْجَرد، ورجل (أحَصّ): مُنْحَصّ الشعر و (الأحطَبُ) والحَطِب -كتَعِب: الشديد الهزال [وانظر الدرّة الفاخرة ٥٦، ٥٩] وقد قالوا في "العَوْدُ أحْمَدُ "إنه أفعَلُ من المفعول أي أحق بأن يُحْمَد. وللسخاوي في سفر السعادة رأي يصير إلى ما رأيناه [انظر خزانة الأدب للبغدادي ١/ ٢٢٧] وفائدة ذلك تتبين في التقاء اسمه الشريف محمد باسمه الشريف الوارد في البشرى: أحمد ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
• (حمر):
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر: ٢٧]
"حمراء الظهيرة: شدتها. حَمَارة القيظ -كسحابة، وتشدد الراه: شدة حرّه. حَمّارّة الصيف: شدة وقت حره. غيث حِمِرّ -كفلز: شديد يقشر وجه الأرض. حَمَر الخارز سيره (نصر). سَحا بطنه بحديدة، ثم لينه بالدهن، ثم خرز به فسَهُلَ. حَمَرْتُ الجلد: قشرته وحلقته. حَمَرت المرأة جلدها. حَمَر رأسه: حَلَقه. الحَمْر في الوَبَر والصوف. وقد انحمر ما على الجلد. الحَمْر بمعنى القشر يكون باللسان والسوط والحديد. المِحْمَر والمِحْلَأ -بالكسر: هو الحديد والحجر الذي يُحْلَأ به/ يحلأ الإهاب وينتق به ".
° المعنى المحوري حدة تقشر الظاهر قشرًا قويًا -كما في كل استعمالات القشر الصريحة المذكورة. والحر الشديد يلذع الجلد كأنه يقشره بل أحيانًا يقشره فعلًا كما يحدث للمصطافين.
أما معنى الحُمْرة اللون المعروف فعلاقته بالمعنى المحوري:
стр. 501
أ) أنه لون شديد أي شديد الوقع على الحس، ومن هنا عُبّر به عن الشدة. جاء في [ل] "وكثيرًا ما يطلقون الحُمْرة على الشدة .. والعرب إذا ذكرت شيئًا بالمشقة والشدة وصَفَتْه بالحمرة. ومنه قالوا "سنة حمراء للجَدْبة "، "احْمرّ البأس: اشتدّت الحرب. موت أحمر أي شديد/ يعني القتل لما فيه من حُمْرة الدم أو لشدته ". "والحمرة: داء يعتري الناس فيحمرّ موضعها وتُغالَب بالرقية (كأن المعنى أنها لا علاج لها) ... الحمرة من جنس الطواعين، أعاذنا الله منها ". "الحُسْن أحمر، أي شاق، أي من أحب الحُسْن احتمل المشقة ".
ب) أنها كثيرًا ما تَلْزم الحدّة التي تحدث في أثناء الشيء فالذي "يتحرق غضبًا وغيظّا "يحمرّ وجهه وعيناه. والحديد يحمرّ إذا أُحْمى، والجلد الذي يُحْمَر أي يُحفّ أو يحلق شعره يحمرّ، والجلد الذي يُسْلخ يكون ما تحته أحمر. كما أن الإبل الحُمْر أصْبر على الهواجر "أي على حرّها. ومن هذا اللون قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ [فاطر: ٢٧].
ونقل الأشياء من مواضعها إلى مواضع أخرى هو قَشْر وإزالة لها من مواضعها، وهذا يتم بحملها. فالنّقْل من صور القَشْر. وللجلادة على الَحمل والنقل سُمي "الحمار: النهّاق من ذوات الأربع أهليا كان أو وخشيا "وهو معروف بالشدة والجلادة (وصِف بالشدة والصبر في حياة الحيوان الكبرى للدميري في الكلام عن البغل). والأعراب الرحّل إلى الآن يستصحبونه -لحمْل أمتعتهم، ومروان بن محمد بن مروان آخر ملوك بني أمية لقَّبه أهل عصره (وهم من عصر الاحتجاج) بمروان الحمار. أرى أن ذلك لتحمله هزائم كثيرة متوالية دون كلل (: الزاب، فالموصل، فحرّان، فحمص، فدمشق، ففلسطين، فبوصير
стр. 502
بصعيد مصر حيث قتل ١٣٢ هـ. وفي [الأعلام للزركلي] تعليل آخر، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. وكذا سائر ما في القرآن من التركيب من (حمار)، (حمر). ولملحظ شدة الخمل سميت بذلك عدّة أدوات وأحجار. "الحمائر حجارة تنصب حول الحوض/ تردّ الماءَ إذا طغى (تدعم حوائط الحوض)، وتُنْصَب حول قترة الصائد. الحِمَارة ثلاثة أعواد من جريد يشد (أطرافها من ناحيةٍ معا وتنصب مع المخالفة) بين أرْجلها تعلق عليها الإداوة لتبرد الماء تسمى بالفارسية سهباى " (العامّة تسميها سِيبْيا). ومن هذا ال حمل أيضًا حِمَارّة القدم -بكسر الحاء وتشديد الراء: ما أشرف بين مفصلها وأصابعها من فوق " (= عَيْر القدم: الناتئ لا ظهرها) فهو الذي يَدْعم القدم لا حملها الجسم).
ومن القشر أيضًا لكن الصيغة عبرت عن كونه في الباطن "حَمِر الفرس (تعب): سَنِقَ من أكل الشعير (= اتّخم). الحَمَر -بالتحريك: داء يعتري الدابة من كثرة (أكل) الشعير فينتن فوه. المُحْمِر -بالضم مع كسر الميم الأخيرة وفتحها: الناقة يلتوي لا بطنها ولدها فلا يخرج حتى تموت " [تاج].
• (حمل):
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٠]
"حَمَل الشيءَ على ظهره وعَلَى الدابة وحمله هو واحتمله. المِحْمل -كمِنْجَل، والحاملةُ: الزَبيلُ الذي يُحْمل فيه العِنب إلى الجَرِين. والحَمْل -بالفتح: ما يُحْمَل في البطن، والحَمِيل: الولَد في بطن أمه .. والحمالة -كرسالة وسفينة: عِلاقة السيف ".
стр. 503
° المعنى المحوري حوز أو ضم بإقلال رفعًا أو تعليقًا. كالحِمل على الظهر .. وكالعِنب في الزَبِيل والوَلد في البطن والسيف على الكتف أو الحائط ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]،، أي ما عَلِقَ بها من الشحم ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] والحِمْل -بالكسر- ما حُمِل (على ظهر أو نحوه) ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] "والحَمُولة: كلُّ ما احتَمَل عليه الحيُّ من بعير أو حمار عليها أثقال أوْلا "- أي هو ما يمكن أن يُحْمَل عليه ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] "أما الحُمول كطُبول فهي الأَحْمال أنفسها ".
ومن ذلك "احتمل القومُ وتحمّلوا: ذَهَبُوا وارتحلوا. (حملتهم رواحلهم) وحَمَله: أعطاه ظهرًا يركبه (يحمل نفسه عليه) ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] هي السحاب يحمل الماء [قر ١٧/ ٣٠]، "والحِمالة كرسالة: الغُرْم تَحْمِلُه عَن القوم ".
ومن معنوى ذلك حَمْل الخطايا ونحوها ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤].
ومن الكناية "حَمَل به: كَفَل -كأنما تَعَلَّقَهُ في حوزته، والحميل الكفيل ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٠] أي لا تدّخر [قر ١٣/ ٣٦٠]. أو لا تضمنه .. كما قيل عن المحمولات في البطن: المضامين. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾
стр. 504
[الجمعة: ٥]: كُلّفُوا العملَ بها ثم لم يعملوا بها [قر ١٨/ ٩٤]. وهذا التركيب معناه قريب واضح في أغلب ما استعمله القرآن منه. ولذا اكتفيت بأمثله منه ضمّنتها ما يحتاج بيان المراد.
"واحْتَمَل الصنيعةَ: شكرها (كما يقال حَفِظَ له الجميل) وحَمَل عَلَيه في الحرب: كَرَّ " (كأنما حَمَّلَ نفسه على الآخَر وأَلْقَى ثِقَل نفسه عليه) ..
° معنى الفصل المعجمي (حم): الحدة السارية في أثناء شيء كلما يتمثل ذلك في حَمّ الماء والشحم -في (حمم)، وفي الحرارة التي تشمل عليها الشمس والنار -في (حمو/ حمى)، وفي نتن الحمأة -في (حمأ)، وفي الغذاء الذي يَقُوت ويُنَمِّي -في (حمد)، وفي الحدّة التي تقشر الظاهر -في (حمر)، وفي الشدة والقوة التي تمكن من الحمل في (حمل).
الحاء والنون وما يثلثهما
• (حنن- حنحن):
﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣]
"الحَنُّون كتَنُّور: نَوْر كل شَجرة وَنْبت. وَحنَّنَ الشجرُ والعُشْب -ض: أخرج ذلك. والناقةُ تِحنّ في إثْر وَلَدها: تُطَرّب. قوسٌ حَنّانة: تَحِنّ عند الإِنْباض وكذلك السهم الذي إذا نَفَّزْته حَنَّ أي صوّت لعِتْق عُوده والتئامه. والطسْتُ تَحِن إذا نُقِرَتْ (وزَيْتٌ حَنين: مُتَغير الريح وكذلك الجَوْز).
° المعنى المحوري رقيق أو لطيف يصدر ممتدًا عن باطن جرم جامد أو صُلب (١): كخروج النَورْ من الشجر، والنَورُ لطيف رقيق ويبقى إلى أن يتحول،
стр. 505
وكصوت الناقة مع ما توحيه ضَخامة جسمها من شِدّة لا تأتى بذلك الصوت الرقيق الممتد، وكصوت القوس والسهم والطسْت الرقيق الممتد مع إِصْماتهن. وكذا ريحُ الزيت والجوز حادّة من فَساد لطيف أي خَفِيٍّ يتخلل باطنها. ومنه: "الحنّان كشداد: الطريق الواضح " (خط دقيق واضح ممتد بين ما حوله من الأرض).
ومن ذلك الأصل: "الحَنَان -كسحاب: الرَحْمة والعَطْف (فعل أو شعور رقيق من رَحْمة في قلب فاعله) ﴿وَحَنَانًا مِن لَّدُنَّا﴾ أي وفعلنا ذلك رحمة لأبويك [تاج] والحنّان في صفة الله تعالى ذو الرحمة والتعطف " [تاج] "والحِنّة -بالكسر: رقة القلب، حَنْحنَ: أشفق. والحَنين: الشوق وتَوَقان النفس " (مشاعر رقيقة لطيفة تخامر النفس بقوة).
стр. 506
ومن ملحظ الرقة التي تخالط الباطن رغم ما يبدو من صلابته: "حَمَل فحنّن: (أي هجم على العدو ثم حنَّن أي) جَبُن. وحُنَّ عَنّا شَرَّكَ: اصرفه (كأن أصل المعنى أَضْعِفْه أي خفّفه) والمحنونُ من الحقّ: المنقُوص (ذهبَ بعضُه فَرَقّ ونَقَص) والمحنون: المجنون أو المصروع (منتقص العقل أو ضعيفه، كما يقال فلان رقيق الدين).
• (حين):
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]
"حان سنبل الزرع: يبس فآن حصاده ".
° المعنى المحوري يُبْس الشيء أي ذهاب الندى والبلل من أثنائه لبلوغه وقت تحصله. كيبس السنبل المذكور.
ومن يبس الأثناء وفراغها من الندى يتأتى معنى هلاك الحيّ. فجفاف الحي هلاك له ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] "الحَيْن -بالفتح: الهلاك. التحوّن: الذل والهلاك ".
أما معنى الظرفية فهو أصيل من بلوغ الزرع وَقْتَ حصاده، وبلوغ كل شيء وقت ما يراد به أو منه، أما عن تحديد مدى هذا الوقت فقد خلص الأزهري والراغب والمناوي إلى أن "الحِين اسم كالوقت يَصْلُح لجميع الأزمان. وأن معنى قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أنه ينتفع بها في كل وقت لا ينقطع البتة "وهذه عبارة الأزهري. وعبارة الراغب "الحين وقت بلوغ الشيء وحصوله "وأضاف أنه "مبهم المعنى ويتخصص بالمضاف إليه "نحو قوله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣]، ثم قال "ومن قال إن حين تأتى على أوجه:
стр. 507
للأجل نحو ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] والسنة نحو ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥]، وللساعة نحو ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وللزمان المطلق نحو ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] فإنما فسر ذلك بحسب ما وَجَدَه وعُلِّق به "انتهى كلام الراغب. والعبارة الأخيرة هي كالتفصيل لقوله هو يتخصص بالمضاف إليه "فهما متفقان. وعبارة المناوي "الحين في لسان العرب يطلق على لحظة فما فوقها إلى ما لا يتناهى، وهو معنى قولهم الحِين لغة: الوقت يطلق على القليل والكثير "اه.
لكن عبارة الراغب ومن معه أدقّ بدليل استعمال الفعل "حان "لبلوغ وقت الأمر والحدث، والحين في الآية الأولى ﴿إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨] تعني إلى الوقت الذي أُجِّلُوا إليه، وفي الآية الثانية ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] تعني كلّ حينِ أُكُلٍ لا تتخلف، والآية الثالثة واضحة في التقييد أي حين الإمساء وحين الإصباح. كما أنه يمكن أن يقال هذا حينُ الحصاد وحينُ الرحيل وحينُ البدء في كذا. ثم إن "الحِين "قد يطلق عن قيد "وقت الأمر والحدث "إلى "مدة من الزمن مطلقًا "أي "لحظة فما فوقها "بتعبير المناوي -أي من حيث الطول. لكن قول المناوي إلى ما لا يتناهى "مردود، فإن التناهي أساسي في دلالة الحين لأن الظرف حيز محدَّد. والإطلاق عن تعيين الوقت المحدد لا يعني امتداده إلى ما لا نهاية.
بقيت كلمتا "حانة "و "حانوت "وقد عالجتهما المعاجم في (حون/ حين) وفي (حنت) وقيل عن "حانة "إنها معرّبة عن الفارسية. والمقصود بكل منهما
стр. 508
دكان الخمار. فإن كانتا عربيتين فأقرب ما يتأتى به دخولُهما هنا هو الحِين: الزمان أو المدة الطويلة من الدهر، حيث إن سبيل إجادة صنع الخمر أن تُعَتّق دهرًا قبل أن تجودَ لشاربيها. فالحانة والحِانوت هما المكانُ الذي تتاح فيه الخمر مُعَتَّقة هكذا.
• (حنث):
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]
سئل أعرابي فصيح عن الحِنْث فقال "هو العِدْل الثقيل. قال والأحناث عندنا: الأعدال الثقال " [غريب الحديث للخطابي ١/ ٥٣٩] العِدْل هو الحِمْل الذي يكون في أحد جانبي البعير ونحوه معادِلًا ومثاقِلًا لحِمل في الجانب الآخر).
° المعنى المحوري ثِقَلُ الشيء ثقلًا بالغًا (ولا يكون ذلك إلا بسبب احتوائه على غليظ جَسِيم جاف ثقيل). كالعِدْل الموصوف بأنه ثقيل (مع أن العِدل سمي كذلك لأنه يثاقل شيئًا في الجانب الآخر فهو ثقيل في نفسه).
ومن ذلك "بلغ الغلام الحِنْث أي الإدراك والبلوغ/ الحُلُم "المستيقن أن المعنى أنه بلغ مبلغ الرجال. فالتعبير كناية. إما لثقل الرجولة من حيث الاعتداد بما يصدر عنه موقفًا أو كلامًا أو تصرفًا مقارنة بخفة أمره قبل ذلك، وإما لتكوّن مادة الإلقاح فيه، وثقلُها عظم أثرها. ولا أرى ضرورة لربط بلوغ الرجولة بارتكاب إثم حسب تفسير اللغويين لبلوغ الحنث.
ومن ذلك "حَنِثَ في يمينه - (تعب): لم يَبَرّ فيه (أي حلف على كذب). الحِنْثُ: الخُلْف في اليمين/ نقضُها/ النَكْث فيها "ومآل كل ذلك إلى الخُلْف. والخُلْف تخلّف وثقل عن الأداء ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾.
стр. 509
وفي قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] قال في [قر ١٧/ ٢١٣] أي يقيمون على الشرك العظيم الذي لا يتوبون منه اه. والذنوب أثقال وأوزار ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. وذلك كما سموها آثامًا [ينظر أثم]. والشرك أثقل الأثقال:
وقولهم: "تحنث بمعنى تعبد واعتزل الأصنام "قال ابن سيده "هذا عندي على السلب كأنه ينفي بذلك الحنث الذي هو الإثم عن نفسه. كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، أي ألق الهجود عن عينك. ونظيره تأثم وتحوب "اه. وأنا لا أسلم بمجيء الصيغة لنفي ما وُضعت له، فهذا خلاف الأصل. وهذه الصيغ تأتي للتكلف وللعمل المتكرر في مهلة ففيها معنى الاجتهاد، وصورته هنا مقاومة الِحنْث أي مقاومة الوقوع فيه بالتعبد ونحوه. وذلك كما قالوا مَرّضه. فالتمريض ليس سلب المرض وإنما مقاومته والتعامل معه.
هذا وقد فسر بعض اللغويين الخث بأنه الميل من باطل إلى حق وعكسه أي الميل من حق إلى باطل، وأنه يقال حنثتَ مع هواك على الحق أو مع الحق على هواك "وأقول إن تفسر الحنث بالميل متأت لأن الميل يكون من الثقل كالهُوِىّ، كذلك تفسيره بالميل مع الهَوَى ضد الحق متأت بل هو من جنس المعنى المحوري. أما كون الحنث ميلًا مع الحق فلا يتأتى إلا بشاهد صريح أصيل. فإذا ثبت كان من تعميم الميل.
• (حنج):
"الحَنْجُ: إمالة الشيء عن وجهه. حَنَج الحَبْل حَنْجا: شدّ فَتْله: المُحنِجُ: الذي
стр. 510
إذا مشى نظر إلى خلفه برأسه وصدره ".
° المعنى المحوري الميل أو الإمالة ليًّا وفتلا: كفتل الحبل فهو ليّه أولىّ كلٍّ من قُوَّتَيْه على الأخرى. وكذلك فعل المحْنِج فهو التواء والتفات.
ومن معنويه: "الإحناج: أن تلوي الخبر عن وجهه. المُحْنَجُ الكلام الملْوِيُّ عن جهته كيلا يُفْطَن (إليه) يقال: أَحْنَجَ كلامه أي لواه كما يلويه المخنّث. ويقال أَحْنَجَ علىّ أمرَه أي لواه "ومنه كذلك "الأَحْناجُ: الأصول واحدها حِنْج -بالكسر. رجع فلان إلى حنجه أي رجع إلى أصله "فهذا الحِنْجُ الأصلُ مرجوع إليه، والرجوع التواء إلى الخلف.
• (حنجر):
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]
"الحُنجُورة -بالضم: شِبُه البُرْمَة هن زُجاج يُجْعل فيه الطيب، قارورة طويلة يجعل فيها الذريرة. والحَنْجَرة -بالفتح: جَوْفُ الحُلْقُوم.
° المعنى المحوري فراغٌ مستطيلٌ كأنه قناة يمتد في جَوْفِ كثيف: كما في الحنجورة والحنْجَرة. فمن حنجرة الإنسان: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾. وبلوغ القلوب الحناجر مبالغة في اضطرابها ووجيبها دون أن تنتقل من مقرها إلى الحنجرة، ... ، ... ، وقيل إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع والغضب ... رَبَتْ وارتفع القلبُ بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثمّ قيل للجبان: انتفخ سَحْرُه. [بحر ٧/ ٢١١] (والسَحْر هو الرئة) وفي مثل هذا جاءت أيضًا ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨].ومنه "حنجرت عينه: غارت " (أي في الفراغ الذي خلفها).
стр. 511
• (حنذ):
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]
"حَنَذ اللحمَ: شَواه على الحجارة المُحْمَاة واستَحْنَذتُ في الشمس: استَعْرَقْتُ بأن أُلْقِى فيها عليكَ الثيابُ حتى تَعْرَق. وحَنَذْتُ الفَرَسَ حِناذًا إذا جَلَّلْتَه بعد أن تَسْتَخضِرَه ليعرق ". [الأساس].
° المعنى المحوري حَرَارة تُذْهِب رُطُوبة الشيء وغُضُوضَتَه نَفَاذًا من أثنائه. كما في الاسِتحْنَاذ وحَنْذ اللحم والفرس. ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]: مشوِىًّ على الحجارة المُحْماة [قر ٩/ ٦٣] ومنه "إذا سَقَيْتَه (أي الخمر والعياذ بالله) فاحنِذْ له: أي اسقِهِ صِرْفًا قليل المِزَاج يَحْنِذُ جَوْفه "والعجل الحنيذ في آية الرأس هو المشوي على الحجارة المحماة.
• (حنف):
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٩]
"رَجُلٌ أحنفُ: يمشي على ظهر قَدَمِه مِن شِقِّها الذي يلي خِنْصَرها. الحَنَف في القدمين: إقبال كل واحدة منهما على الأخرى بإبهامها، وكذلك هو في الحافر في اليد والرجل ".
° المعنى المحوري التفات الشيء أو اعوجاجه عن معتاد الحال: كالأخف الموصوف أولا، والصورة الأخرى فيها التفات واعوجاج أيضًا. ومن الاعوجاج في صورة انحناء "الحَنْفاء: القوس، والموسى، والسلحفاة، والحرباء "فكل تلك معوجة ماديًّا لانحناء هيئتها. ومن معنوى هذا "الأَمَةُ الحنفاء: المتلونة تكسل عرة وتنشط أخرى ".
ومن الالتفات عن معتاد الحال "حَنَف عن الشيء وتحنف: مال. والحنيف:
стр. 512
المسلِم الذي يتحنّف عن الأديان (الباطلة) أي يميل (عنها) إلى (الدين) الحق "فقد كانت عبادة الأصنام هي الشائعة. وكان هناك أفراد نصارى وربما كان هناك غير ذلك. فمن مال عن ذلك كله، وعَبَد الله وحده كان حنيفًا. وكان مَنْ تعلق بشيء من ملة إبراهيم "فاختتن وحج البيت سُمِّي حنيفًا ". ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، فسرها [طب ٣/ ١٠٤] بالاستقامة على الدين، و [قر ٢/ ١٣٩] بالميل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق. وأورد [طب، ل] تفسيرًا بالإخلاص وبالاستقامة. واللغة (الاشتقاق) يؤيد ما قال قر. وعبارة ابن عطية قبله "الحنيف في الدين الذي مال عن الأديان المكروهة إلى الحق ". والمراد بدين الحق تعيينًا هو الإسلام، ففي الحديث الشريف "أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة " [ل، والجامع الكبير ١/ ٢١ مخطوط] وفي ل: الدين الحنيف: الإسلام، والحنيفية ملة الإسلام ". وكل ما في القرآن من التركيب هو (حنيف) بهذا المعنى وجمعه حنفاء.
• (حنك):
﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]
"الحَنَك من الإنسان والدابة: باطنُ أعلى الفَم من داخل، وما تحت الذَقَن من الإنسان وغيره. والحِناك -ككتاب: الخشبة التي تضم غراضيف الرَحْل " (غُرضوفَا الرحْل خشبتان تشدان يمينًا وشمالًا بين واسط الرْحل وآخرته).
° المعنى المحوري تجوفُ باطنٍ صُلب مجرد الوجه محاطٍ بغليظ: كباطن الحنك الأعلى (: الحنك الصلب) وفي حافته القريبة من خارج الفم تجاعيد شديدة أيضًا. وأما الحنك الأسفل فهو تجوف أيضًا وشدّته هي عظام اللحيين المحيطة به. والحِناك يشد غراضيف الرحل بعضها إلى بعض لتكوّن الرحل الذي
стр. 513
يلبس السنام. ومن الحنك نفسه "استحنك الرجلُ: قَوِىَ أكْلُه واشتد بعد ضعف. وحَنَكَ الفرس: جَعَل في حَنكه الأسفل حبلًا يقوده به، وكذا حَنَك الدابة (كنصر وضرب): جعل الرسن في فيها (فهذا وذاك من إصابة الحنك). ومن كناية ذلك "حنّكَتْه السنُّ والتجاربُ وأحنكته: أَحْكَمَتْه (صيرّته حكيما موفق الاتجاه) واحتنكَ الرجلُ: استحكم. والرجل حُنُك -بضمتين: لَبِيب عاقل ".
ومن التجرد أو من الإصابة بالحنك الذي يجتمع تحته ما يؤكل "احْتَنَك الجَرادُ الأرض: أتى على نَبْتها وأكل ما عليها. وفي آية الرأس. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يجوز أن يفسر بأخذه إياهم إلى حزبه مثل احتناك الجراد الأرض، وأن يفسر بقيادته إياهم وتحكمه فيهم كما يقال "احتنكت دابتي: ألقيت في حنكها حبلًا وقدتها ". وقد ذكر هذين الوجهين في [ل ٢٩٨] عن يونس. ومن الأول "ما ترك الأحناك في الأرض شيئًا يعني الجماعات المارّة ""وقد حَنكتُ الشيء: فهمته وأحكمته " (كما يقال استوعبته/ هَضَمته)، ومن الثاني (القيادة) "أحنكه عن هذا الأمر إحناكا أي ردّه ".
° معنى الفصل المعجمي (حن): تتعلق معاني التركيب بجوف الشيء القوي أو أثنائه -كما يتمثل في امتداد الصوت اللطيف من الناقة والقوس -في (حنن)، وفي جفاف ندى الحب الذي في الأثناء -في (حين)، وفي الثقل المترتب على اكتناز الأثناء بثقيل -في (حنث)، وفي التفاف الحبل والتواء الشيء فيكون له تجوف في موضع الانثناء -في (حنج)، وبزداد ذلك التجوف حتى يصير كالقناة الواسعة -في (حنجر)، ويتمثل كذلك في إخراج الغضوضة والطراءة التي في أثناء المحنوذ -في (حنذ)، وفي انصباب الانحراف عن الاتجاه على الخارج من الأثناء -في (حنف)، وفي كون الصلابة منصبة على التجوف الذي في باطن الحنك -في (حنك).
стр. 514
باب الخاء
التراكيب الخائية
• (أخخ):
"الأَخِيخَية: دقيقٌ يُصَبّ عليه ماء فيُبْرَق بزيت أو سمن، ولا يكون إلا رقيقًا ".
° المعنى المحوري رقة أثناء الشيء بحيث يشرب كالسوائل -كالأخيخة الموصوفة. وفي التركيب كلمات أخرى كثيرة لا تدخل في التأصيل. "أخّ -بالتضعيف: كلمة تَوَجُّع وتَأَوّهٍ من غَيْظٍ أو حُزْن "فإن لم تكن محدثة كما رجح ابن دريد فهي انفعالية. ويمكن عزوها إلى المعنى المحوري على أساس أن المرض الذي يُتَوجَّع ويُتَأَوِّه منه ضعف يناسب الرقة. وكذلك "إخ -بالكسر: زجر للبعير ليبُرك، ولا فعل له "على أساس أن البروك يَقَع برَخَاوة الأثناء. ولكني أميل إلى استبعاد أصوات الزجر من حمل المعنى المحوري. وكذا ما قالوه عن الأَخّ -ض مع فتح الهمزة: بمعنى القَذَر فأرجح أنه إن ثبت -صوت انفعالي. واختيار تلك الألفاظ لما قُصِد بها وراءه خشونة الخاء.
• (خوخ):
"الخَوْخَةُ -بالفتح: كُوَّةُ في البيت تُؤَدِّي إليه الضوء، ومُخْتَرَقُ ما بين كل دارين لم يُنْصَب عليها باب/ هي باب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين يُنْصَب عليها باب ".
стр. 515
° المعنى المحوري خَرْقٌ أو فَرَاغ نافذٌ في عَريضٍ صُلْب أو بين عريضين. كخوخة الباب والخَوْخة بين البيتين، ومنه الخَوْخة الثمرة المعروفة. فهي من أن البذرة الصُلبة التي في وسط الثمرة لا تؤكل فلا قيمة لها (فكأنها فراغ).
ومن ذلك (الخَوْخَاة: الرجل الأحمق (فارغ المخ) والخويخية -مصغرة: الداهية "فإن صحت الكملة فوجهُها أنها جَائحة تُخْرِبُ فتُفْرغُ الحَوْزة.
• (خوو - خوى):
﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]
"الخَوَاء -كسماء: الهَواَء بين الشيئين، والهَوَاء الذي بين الأرض والسماء. ودخل الفارس في خَوَاء فَرَسِه: يعني ما بين يديه ورجليه. (أي حال جريه به فلا يتمكن منه عَدُوه). خَوَاية الرحْل: متسع داخله (= تجويف البرذعة ونحوها الذي يلتقم ظهر الدابة) وخواية السِنان: جبته (السنان جِذْعُه أنبوبة حديدية هي الجبّة يدسُّ فيها طَرَفُ الرمح. ومُقَدّم السنان عريض كالسكين ذات الحدّين أو مذبَّب). الخَوّ -بالفتح: الوادي الواسع/ الأرض المتطامنة. الخُوة -بالضم: الأرض الخالية " [الأخيران من تاج].
° المعنى المحوري فراغ أثناءٍ مُكتنَفَةٍ مُحاطة: كالخَوَاء الموصوف، وكخَوَاية السِنان والرحْل، وكالوادي. والأرضُ المتطامنةُ والخاليةُ ظرف شأنها أن تشغل. ومنه خوّت الدار- بتضعيف الواو، وخَوِيَت (كرضى): أَقْوَتْ وخَلَتْ من أهلها. قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي خالية بعد بَوَارهم " (هلاكهم) ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: ٤٢]، ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] وكذلك [ما في الحج: ٤٥، والنمل: ٥٢]
стр. 516
خالية من الناس والبيوتُ قائمة، أو استُعْمِل الخَواء في سقوط الحيطان نفسها (كأنما فَرَغت أثناؤها وما بين لبناتها) فسقطت العروشُ ثم انهارت الحيطان عليها [من قر ٣/ ٢٩٠ بتصرف] ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] تفسر بخاوية الجوف، شأن جذوع النخل، وبالمنقلعة الساقطة.
ومن الأصل "خَوَى الزَنْدُ (كرمى) وأخْوَى: لم يُورِ (الزَند عُود شجر تتولد منه النار بالحكّ، فإذا لم يُورِ أي لم يولّدْ نارّا فكأنه فارغ). واختوى الشيءَ: اخْتطفه (أخذه في خَوَايته أي جَوفه وحَوْزته) وخَوِيَت المرأة -كرضى: وَلَدت. والخَوَى -كالفَتَى: الرُعاف (يَخْرجُ فَيَخِفُّ الضغط عن العِرْق كأنما خلا) وكذا الخَوّ: العسل الخارج من جوف النحل " (شأنه أن يخرج فيخلو الجوف بعده).
• (أخو: أخي):
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]
"الأَخِيّة -كهدية- وتُمدُّ هَمْزتُها، وكفَرِحة: أن يُدْفَنَ طَرَفا قطعة من الحبل في الأرض وفيه عُصَيَّة أو حُجَيْر ويَظْهر منه عُروة تشد إليه الدابة " (تستعمل في الرمل بديلًا للأوتاد التي لا تثبت فيه).
° المعنى المحوري عُرْوة او نحوها يُشَدُّ فيها الشيء أي يُرْبَط كما تُرْبط الدابة في عروة الآخية. ومن هذا الأَخُ والأُخت من النسب. فالأخوان مرتبطان بخروج كل منهما من نفس الصلب أو البطن التي خرج منها الآخر أو منهما معًا. ولأخذ الأخوة من ملحظ الارتباط هذا وردت عبارة طريفة في [ق] (عرو) حيث قال "والعُرْوَةُ من الثوب أُخْتُ زِرّه "اه كأنه يريد: ممسكةُ زره، أو رفيقته حيث صُنعت لتحيط به. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
стр. 517
ولملحظ الارتباط عُبّر بها عن الصداقة والصحبة، وفي المقترنين المتلازمين في عقيدة أو حال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٣]- أي قومه. وفي لحظ التناظر والتساوي ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. وفي التعبير عن ملازمة شخص لعمل أو عادة، كما يقال: أَخُو حرب وإخوان عَمَل، أي ملازمون له. وكل ما في القرآن من التركيب هو من الأخوة المذكورة: حقيقة كانت، أو بمعنى الاقتران أو المجانسة الملازمة.
الخاء والباء وما يثلثهما
• (خبب - خبخب):
"الخُبّ -بالضم: الغامِضُ من الأرض، وبالفتح: سَهْل بين حَزنَيْن يكون فيه الكمأَةُ، وبالكسر: هَيَجَان البَحْر واضطرابه. خبخب الرجُل: سَمِنَ ثم هُزِل حتى يسترخيَ جلده. خبائب اللحم: طرائق تُرَى في جلد (الحيّ) من ذهاب اللْحم. يقال: لحم خَبائب أي: كُتَل وزِيَم وقطع ونحوه ".
° المعنى المحوري تخلخل (أو فراغ يتخلل) باطنَ مجتمِع منضم. (أو ما يفترض أو يتوهم أنه مجتمع منضم) (١): كالغامض والسهل من الأرض بين
стр. 518
المستوى المرتفع، وكالتخلخل في بدن المهزول ولحمه، وكأمواج البحر عند هيجانه ترتفع وبينها انخفاضات. ومنه "خَبَّ الرجلُ ما عنده (أخفاه في باطنه)، ورجلٌ خَبّ -بالفتح والكسر: خَدّاع (يخفى في باطنه ما يدبره ويحيكه فلا يبديه) وخَبْخَبَ: غَدَر (أخلف -أي ترك وأخلى) ما عاهد عليه أو تُوقع منه) ومنه الخَبب -محركة: ضَرْبٌ من العدْو/ السُرْعة " (كالقفز ففيه فجوات بين الخطوت).
стр. 519
• (خبو):
﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]
"خَبَتْ النارُ (سما ..): سَكَنَت وطَفِئَت، وخَمَد لهبها ".
° المعنى المحوري خُمُود لهب النار ونحوها. ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ "قيل معناه سكن لهيبها، وقيل معناه: كلما تَمَنَّوْا أن تخبو وأرادوا أن تخبو "اه [تاج]. وكأن القول الأخير نظر إلى أنها لا تخبو حقيقة أبدا. نعوذ بوجه الله الكريم من النار.
• (خوب - خيب):
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]
"الخَوْبَة -بالفتح: الأَرْض التي لم تُمْطَر بين أَرْضَيْن ممطورتين. أصابتهم خَوْبَة أي جُوع/ أي ذَهَب ما عندهم فلم يَبْقَ عندهم شيء. وخاب يخوب خَوْبا (قال): افتقر ".
° المعنى المحوري خُلُوّ حَوْزة الشيء من (طَيّب) يُتَوَقَّع أو يُطْلبُ أن يشغَلها. كالأرض التي لم تُمْطَر (دون ما حولها) وكخُلُو جَوف الجائع وحَوْزة الفقير. ومنه "القِدْحُ الأَخْيبُ هو السهمُ الخائب الذي لا نَصيبَ له بين قِداح الميسر. والخَيْبة: الحرمان والخسران. وخاب يخيب: حُرِم ولم يَنَلْ ما طَلَب. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١]،، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] وكل ما في القرآن من التركيب فهو من الخيبة بهذا المعنى.
стр. 520
• (خبأ):
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥]
"الخِبَاء: ما كان من الأبنية من وَبَر أو صوف أو شَعَر ... ، وغِشَاءُ البُرّة والشعيرة في السنبلة ".
° المعنى المحوري إخفاء الشيء وتغطيته في كِنٌّ مناسب التجوّف: كما يخفي الخباء مَن بداخله، وكما يَسْتُر غِشاءُ البُرّة ما في جوفه سَتْرًا تامًّا. ومنه خَبأت الشيء (فتح): سَتَرْتُه. والخَبْءُ -بالفتح: ما خُبِئَ، وكذلك الخبيء والخبيئة. ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هو كل ما غاب واستتر. فيصدق على الغيب، والمطر في السماء، وعلى النبت والمعادن في الأرض.
• (خبت):
﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]
"الخَبْتُ -بالفتح: ما اتَّسَعَ من بُطون الأَرْض/ ما اطْمأنَّ من الأرض واتسع ".
° المعنى المحوري انخفاض باتساع واستقرار -مثل الخَبْت الموصوف (وقيد الاستقرار يؤخذ من الاتساع ومن الاستقرار المعتاد في المنخفَض). ومنه "أخْبَت الرجل: اطمأنّ وتواضع وخَشَع -كمن نَزَلَ الخبْتَ ينخفض ويَقْصُر ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤]: وكل ما في القرآن من التركيب فهو من الإخبات بهذا المعنى.
стр. 521
• (خبث):
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]
"خَبَثُ الحديد والفضة -محركة: ما نَفَاه الكِيرُ إذا أُذيبا، وهو ما لا خير فيه. ويقال في الشيء الكريه الطعم أو الرائحة خبيثٌ مثل الثَوْم والبَصَل والكُرّاث. والأخبثان: الرجيع والبَوْل أو القيءُ والسَلْحُ ".
° المعنى المحوري رديء مكروه ينتشر من الشيء أو يتأتى منه: كصدأ الحديد ونحوه وكطعم الثوم ورائحته الخ وقَذَر الرجيع الخ. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]: الرديء. ومن هذا يطلق الخبيث على ما استقبحه الشرع كالحرام من المال والقبيح من الأفعال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، (فالمال المأخوذ بغير حق حرامٌ خبيث، وذكر اليتامى هنا إنما هو لزيادة تشنيع الفعل مع الإشارة لواقعةٍ. والتبدل قد يراد به حقيقته، وقد يراد به مجرد أخذ المال الحرام الخبيث هذا مع إمكان الحلال الطيب [ينظر المحرر الوجيز ٣/ ٤٨٦] ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]: الدمَ والميتةَ ولحمَ الخنزير والخمرَ إلخ أو ما تستخبث العرب أَكْله كالعقرب والحية والحشرات [بحر ٤/ ٤٠٣]، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]: القرية هي سدوم. والخبائث الفواحش وهي في هذه القرية اللواط [وينظر قر ١١/ ٣٠٦]. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] البلد (= الأرض) الخبيث: الذي في تربته حجارة أو شوك [قر ٧/ ٢٣١] (لعل الأدق: الفاقد
стр. 522
الخصوبة لأمرٍ ما) ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] على ما أنتم عليه أيها المؤمنون من اختلاطكم بالمنافقين وإشكال أمرهم وإجراء المنافق مجرى المؤمن، ولكنه ميز بعضا من بعض بها ظهر من هؤلاء وهؤلاء من الأقوال والأفعال [بحر ٣/ ١٣٠] وقريب منه ما في [الأنفال: ٣٧]. ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦] الخبيثات الزواني أو الكلمات الخبيثات من القول للخيثين من الرجال [قر ١٢/ ٢١١] ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] الكلمة الخبيثة كلمة الكفر، والشجرة الخبيثة شجرة الحنظل [قر ٩/ ٣٦١].
• (خبر):
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]
"الخبار -كسحاب: أرض رِخوة تَتَتَعْتَع فيه الدوابُّ/ ما استرخى وتحفّر/ وساخت فيه القوائم. الخَبْراء -بالفتح: قاع مستدير يجتمع فيه الماء/ مَنْقَع الماء في أصول السِدْر (= شجر النَبِق الذي ينبت على الماء ويُسمَّى العُبْرى). والخَبْر -بالفتح أيضًا: الناقة الغزيرة اللبن، والمَزَادة (= قربة الماء) العظيمة ".
° المعنى المحوري وصول الرخاوة إلى عمق الشيء، أو رخاوة الشيء بحيث يوصل إلى عمقه. كما تسوخ القوائم في الأرض الرخوة وكما يصل الماء إلى القاع وإلى أصول السدر، وكما يتوهم في الناقة الغزيرة أنها مملوءة لبنًا والقربة العظيمة يلفت عظمها إلى كثرة الماء في جوفها. ومنه "خبر الطعام (نصر). دَسَمه، والخُبْرة -بالضم: الإِدام (١) والمخبوز: "ألطيب الإدام (أي من الطعام)
стр. 523
ومن هذا "الخُبْر -بالضم: اللحم يشتريه الرجل لأهله (قطعة اللحم غضة رخوة مأخوذة من جسم الذبيحة، أو يُقْصد أنها يؤتدم بها). والجبْر -بالفتح: الزرع (كأنه التعامل مع الأرض الرخوة الحَيَّة لا الصَلْدة، وأيضًا فإن الزرع يكون بحرْثها ووضع البذور فيها ثم سَقْيها ماء فتسترخي وينفذ منها النبات -كما يقال استنبت، والنَباتُ نفسه رخو). "والمخابرة: المزارعة. والخبير: النبات والوَبَر " (لنشوئهما نفاذًا من الباطن الغض).
ومن ذلك الأصل قيل "خَبَرْتُ الأَمْر (كنصر): عَرَفتُه على حقيقته " (كأنك تغلغلت في باطنه حتى عرفته) وفي حديث الحديبية أنه "بعث عينًا من خزاعة يتخبر له خبر قريش أي يتعرف. والخابر: المختبِر المجرِّب. والمَخْبَر خلاف المَنْظَر والمَرْآة (أي هو الحقيقة الباطنة). والخِبْر والخِبْرة -بالكسر والضم فيهما: العِلْم بالشيء (أي على حقيقته) والخَبَر -بالتحريك: النبأ (مخبور عنه) والخبير: العالم الذي يَخبُر الشيء (أي ينفذ إلى باطنه) بعلْمه ". ولعل هذا يفسر أن عُظْم صفة الخبير جاء في القرآن للمَوْلى ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]، وكل ﴿خَبِيٌر﴾ في القرآن هي صفة لله تعالى عدا ما في [الفرقان ٥٩] ففي أحد تفسيريها أن المراد بها جبريل والعلماء وأهل الكتب المنزلة. أي اسأل عن الله هؤلاء [ينظر بحر ٦/ ٤٦٥ - ٤٦٦] ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨ ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [القصص: ٢٩]. ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]. وليس في
стр. 524
القرآن من التركيب ما يخرج عن (الخُبْر) و (الخَبَر) و (الأخبار) و (الخبير) بمعنى العلم بالحقيقة.
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، أورد في [قر ٢٠/ ١٤٨] حديثًا عن الترمذي أن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها ... كما أورد حديثًا بأنه إخراجها الموتى من بطنها. ولكنَّ سَبْقَ آية "وأخرجت الأرض أثقالها "تلقي ظلاًّ على صحة هذا الحديث الأخير. ورأى أطب، أن الأخبار هي ما سبق من الزلزلة وإخراج الأثقال: وهو غير متوجّه، وحديث الترمذي صريح.
• (خبز):
﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ [يوسف: ٣٦]
"الخَبَزُ -محركة: الرَهَل، والمكان المنخفِض المطمئِنّ من الأرض [ق] والخُبَّازَى كشقارى ... بقلة معروفة ". والخَبْزُ -بالفتح: ضَرْبُ البَعير الأرض بيديه كمن يبسط خبزة، وقد تخَبَّزَتْ الإبل العشب: خبطته بقوائمها ".
° المعنى المحوري بسط الشيء بإذهاب غلظه أي تكلتله وذلك مع التئام أطرافه أي عدم انتشارها. كما في ترهل البدن من ذهاب ما كان تحت الجلد من لحم وشحم، والمكان المنخفض المطمئن ذهب غلظه، والخُبَّازَى وَرَقُها مُنْبَسِطٌ مُسْتَدير. ومنه الخُبْز الذي يؤكل ذَهَبَ غِلَظُ كتلته ببَسْطه، وغلظُ طعمه بإنضاجه أي وَضْعه في مَلَّة أو تَنَّور حتى ينضج كأن الخَبْزَ يشمل الأمرين البسطَ والإنضاجَ بالنار، وإلا فالخَبزُ هو البسط، والإنضاج بالنار أو الحر لازم. "والخُبْز بالضم الخَبيزُ المخبوز من أيّ حبّ كان ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾.
стр. 525
• (خبط):
﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]
"خبط البعير بيده/ بِخُفِّ يَده: ضَرَبَ الأرضَ بها (إذا أحس بشوكة أو نحوها) والخَبْط: الوَطْءُ الشديد. والخَبِيط: الحَوْض الذي خَبَطَتْه الإِبِل فهَدَمته، وقيل سُمِّي بذلك لأن طينَه يخُبَط بالأرجل عند بنائه. والخَبْطة -بالفتح: الزّكْمة تأخذ في قُبُل الشتاء أي أوله [ق]. والخَبِيطُ: لَبَنٌ رائب أو مَحِيضٌ يُصَبّ عليه الحَليب من اللبن ثم يُضْرَبُ حتى يختلط. وخَبَطَ الشجرةَ/ العِضاهَ من الطَلْح ونحوه/ بالعصا: شَدَّها (أي حزمها أو حزم بعض فروعها) ثم ضَرَبَها بالعَصَا ونَفَضَ وَرَقَها منها ليَعْلِفها الدوابّ/ ثم يُسْتَخْلَفُ (الورقُ) من غير أن يَضُرّ ذلك بأصل الشجرة وأَغْصانها ". والخَبَط -بالتحريك: هو الورق المتناثر بذلك ".
° المعنى المحوري صَدْمٌ أو مُخَالطة بِغَليظٍ قوي يَخْتَرق أو يَكَاد. فالذي يخترق كخبط الطين أي يخلطون التبن ونحوه به بواسطة دَوْسِه واخْتراقه بالأرجل، والزُكمَةُ تَسُدُّ الأَنْف كأن كتلة اخترقته فحَشَتْه. واللبن الرائب يكون غليظًا في أثناء الحليب حتى يُضْرَبَ فيصيرُ الخليطُ غليظًا أيضًا، والذي يكاد يخترق هو خبط البعير الأرضَ بخُفّ يده وهو ضرب غليظ قوي. ولغلظه قيل "خَبْطَ عشواء الليل، وهي الناقة التي في بصرها ضعف تَخْبِط إذا مَشَتْ لا تَتَوَقَّى شيئًا " (هي لا تتوقى لأنها لا ترى ما يجب توقيه فهي تمشي مجازفة). ومن هذا عُبِّر بالخْبط في الآية الكريمة عن مسّ الشيطان. "الخُبَاط -كصداع: داء كالجنون وليس به. خَبَطَه الشيطان وتَخَبَّطَه مَسَّه بأَذىَ وأَفْسَدَهُ " ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وذلك لشدة أثر ذلك المس على الممسوس.
стр. 526
ومن صور الاستعمال المادي "الخَبْطُ: الضَرْبُ الشديد بالعصا، والسَيْف. وخبط فلان (الأرض) -كضرب: طرح نفسه (عليها) لينام ". ق ..
ونظرًا لأهمية خَبْط الشَجَر من حَيْثُ هو وسيلةٌ للرعي محدودة الحصيلة عُبرِّ بالخِبْطة -بالكسر عن القلة. "الخِبْطة: اللبنُ القَلِيل يبقى في مَزادة أو حَوْض، وما بقى في الوعاء من طعام وغيره ".
ومن الحصول على مرعى بخَبْط الشجر -وهو مَصْدَر غيرُ المصادر المشهورة للمرعى قالوا: "خَبَطه واختبَطه: طلبَ معروفه بلا وسيلة من قرابة أو معرفة، وخَبَطَه: أعطاه على ذلك ".
• (خبل):
﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]
"خَبِلَتْ يده (تعب): شَلَّتْ. والمخبَّل -كمعظم: من الوَجَع: الذي يمنعه وَجَعُه منْ الانبساط في المشي. والخَبْل -بالفتح: فسادُ الأعضاء حتى لا يَدْري كيف يمشي فهو مُتَخَبِّل/ الفَالج وفسادُ الأعضاءِ والعَقْلِ. والخبل -محركة: القربة الملأى ".
° المعنى المحوري تَعَطُّلُ العُضْوِ أو الشيء واحتباسه عن الانبساط والتحرك لمعتاد أمره (لسبب في أصله): كخبل اليد والقوائم إلخ. والقربة الملأى نُظِر في تسميتها -إن صحت- إلى احتباس مائها وعدم انصرافه. ولعل أصل تسميتها هذه كانت مخصصة بقصد اختزان الماء فيها. ومنه قيل "خَبَله عن كذا (نصر): عَقلَه ومنعه وحبسه ". ومن التعطل عن العمل استعمل في فَسَاد العمل لتقارب نتيجتيهما "الخَبَال -كسحاب: الفساد في الأفعال والأبدان والعقول.
стр. 527
﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧].
ومن تَعَطُّل الأعضاء بشلل ونحوه استُعْمل الخبْل في قطعها "لنا في بني فلان دِمَاء وخُبُول. الخُبُول قَطْع الأيدي والأرجل ""الخَبْل -بالفتح: قَطْع اليد أو الرجل، والخَبْل: الجرْح " (أي المؤدى لهذا أو نحو).
ومن الحبس والاحتباس أيضًا: "الإخبالُ أن يُعْطَى الرجلُ البعيرَ أو الناقةَ ليركبها ويجتزّ وَبَرها وينتفع بها ثم يردها " (فهذا وقف وحبس لكلن مؤقت) والخبل -بالفتح: القَرْض والاستعارة (من هذا) والخابلان: الليل والنهار " (ظرفان حابسان يحيطان بكل شيء في باطنهما).
° معنى الفصل المعجمي (خب): تخلخل باطن الشيء المتجمع -كما يتمثل في الفراغ الذي يسبب استرخاء جلد من كان سمينًا فهُزل -في (خبب)، وفَناء وقود النار أو لهبها -في (خبو) والفراغ الذي يُخْبأ فيه الشيء -في (خبأ)، وفراغ الحيز والحوزة مما يُتَوقع أي عدم المطر في بقعة أُمطِر ما حولها -في (خوب)، وعدم حصول الخائب على شيء -في (خيب)، وفي الفراغ الجوفي أو الظاهري أي فراغ المنخفض -في (خبت)، وفي انتشار (= اقتطاع وانتقاص) الغليظ من جسم الشيء كصدأ الحديد -في (خبث)، وفي تخلخل أثناء الأرض الرخوة حتى تسوخ فيها القوائم -في (خبر)، وفي ذهاب غلظ الأثناء (كأنما أفرغت من غليظها -كالجلد المترهل -في (خبز)، وفي النفاذ بغلظ في أثناء الشيء ولولا تخلْخُلُه ما نُفِذَ فيه كزُكمة الأنف -في (خبط)، وفي فساد العضو (اليد أو الرجل ..) فلا يتحرك حسب المراد كأنما فرغ من القوة التي كانت -في أثنائه في (خبل).
стр. 528
الخاء والتاء وما يثلثهما
• (ختت):
"الخَتَت - محركة الفُتُور في البدن. والخَتِيت: الخسيس، والناقص. وأخَتَّ فلانا: أخس حظه ".
° المعنى المحوري نَقْصٌ من قِوَام الشيء وحِدَّته (١): كذلك الفتور والخسة والنقص. ومنه "الختّ: الطَعْن بالرماح مُدَارَكا " (إنقاص للبدن وللحدة والقوة بتدارك الطعن) ومن المعنوى "أَخَتَّ: استحيا ".
• (ختر):
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]
"الخَتَر -محركة: كالخَدَر وهو ما يأخذُ عندَ شُرْب دَواءٍ أو سُمِّ حتى يضعفَ أو يُسْكِر. وقد خَتَّرَه الشرابُ -ض: أفسدَ نفسَه وتركه مُسْترخيا. وشَرِبَ اللبنَ حتى تخَتّر: فَتَر بدنُه واسترخَى من هذا أو من مرض ".
° المعنى المحوري زيادة استرخاء الباطن وضعفِه وتخدّرِه مما دخله فلا يَعِي ولا يَحْفظ. كالختر الموصوف. ومنه الخَتْر: الغدر/ أقبحُ الغدر (استرخاء
стр. 529
وعدم مبالاة أو اكتراث ففيه أيضًا معنى الاستهانة، وهذا أقبح من مجرد عدم الوفاء). ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ فُسِّر الختر هنا بأقبح الغدر [أبو عبيدة ٢/ ١٢٩ وابن قتيبة ٣٤٥]. وإرداف صفة الختر بصفة الكفران يؤيد تأسيس مأخذ الختر على الخَدَر ونحوه لأن كفران النعمة يكون بجحدها وإغفال قيمتها وعدم المبالاة بها.
• (ختم):
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥، ٢٦]
"الخَتْم أن تجمعَ النَحْلُ من الشَمَع شيئًا رقيقًا أرق من شَمع القُرص فتطليه به. والختام: الطين الذي يختم به على الكتاب. وخِتام الوادي أقصاه. جاء مُتَخَتِّما: متعمما. ختم الشيءَ: بلغ آخرَه. خاتِم كل شيء، وخاتمته: عاقبته وآخره ".
° المعنى المحوري إنهاءُ الشيء ومنع الزيادة عليه بتسوية ظاهره وتغطيته على ما في أثنائه -كما في تغطية ظاهر قرص العسل، وكالطين الذي يختم به على الكتاب (قديمًا كانت الكتابة حفرًا في ألواح صلصالية فكانوا يغطون الرسائل بطبقة من الطين حتى لا يُعرَفَ ما فيها أو يُزاد عليه. ولما كتبوا في الجلد والورق كانت الطينة عجينة خاصة كالجمع الأحمر الآن يطبعون في آخرها أو على طيّها خاتَم المُرسِل)، وأقصى الوادي يرتفع فيسد مجراه وينهيه.
ومن التغطية وحدها: "خَتْم البَذْر للزرع، وهو أن يغطَّي البذرُ بتسوية التراب عليه ثم تُسقى الأرض ".
ومن ذلك: "الختم -محركة، والخاتم -ككاتِب وهاجَر: حلية الإصبع
стр. 530
المعروفة قال في [ل]: "كأنه أول وهلة خُتِم به فدخل بذلك في باب الطابعَ، ثم كثر استعماله وإن أُعِدّ الخاتم لغير الطبع "وأضيف أنه يقوَى جدًّا في نفسي أن سر إلزام الخاتم الإصبع هو ضمان حفظه تحرزًا من أن يتمكن منه غير صاحبه، فيختم به ما لا يريد صاحبه ومن هذا الإلزام اتُّخذ زينة. [وينظر التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول جـ ٣ ص ١٤٣].
وعلى ذلك فتفسير بعض النِحَل كالأحمدية القاديانية قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بذاك الذي يُطْبَع به على الورق هو على ما فيه من جفاء غيرُ مقبول. وإنما المعنى الصحيح هو تفسيرها بآخر النبيين، لأن هذا هو المعنى الأصلي الذي من أجله استعمل الخَتْم للطَبْع على الشيء وهو أن ينهيه، ولا يترك فرصة لتسرب شيء إليه أو زيادة شيء عليه، كما هو واضح في ختم الزرع والختم بالشمع على العسل وختم الكتاب وختام الوادي. وتأمل أيضًا: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] أي فلا تصل إليها هداية. وهذا كما قال تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. ومثله قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، قال في [قر ١/ ١٨٦]: ومعنى الختم التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء. حتى لا يوصل إلى ما فيه ولا يوضع فيه غير ما فيه اه. فالختم هنا كالطبع والتغليف. ثم إن هذا يلزم منه عدم خروج شيء أيضًا. ومثل هذا ما في [الأنعام: ٤٦، الشورى: ٢٤] ومنه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥، ٢٦]، هو من الأصل على معنى أن ريح المسك الذي يسطع من هذا الرحيق