واستواء. وراحة البيت: ساحته. رَوِحَ الشيء (فرح) اتّسع "
° المعنى المحوري انبساطٌ أو اتساع وانتشار مع شمول ولطفٍ ما استواء أو نحوه: كالراحة (كف اليد) فهي تشمل، أي بها يُقْبَض على الأشياء، وكالأوعية المذكورة وهي غير عميقة (وكلها مستوية القاع تحوز)، واتساع ما بين صدور القدمين عن المألوف (وكأنما تحاصران شيئًا)، وكالراحة من الأرض، وراحة البيت.
ومن هذا: "الريح " (أصلها رِوْح، ومادتها متخلخلة وهي تشمل الأرض وأهلها، أو هي مشمولة في كل خلاء بيننا. فهي على صيغة (فِعْل): الصالحة لمعنى الفاعلية والمفعولية): ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]. "والريح كذلك: نسيم كل شيء/ الرائحة/ نسيم الشيء طيبًا كان أو غير ذلك. (ينتشر منه مع لطف جرمه): ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤]. وكل (ريح) -عدا هذه- و (رياح) في القرآن فهي هذا النسيم الجاري. وقد قيل "الريحُ: القُوّة (كأن المراد نفوذ التأثير أخذًا من الانتشار. والعامة تقول: له نَفَس -محركة- يعنون التأثير، أو من الحَوْز والشمول فالريح تحيط بكل شيء): ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. والرَوْح -بالفتح: نسيم الريح. وَجَد رَوْح الشَمَال: بَرْدَ نسيمها ". ثم تأتي بمعنى الراحة، والرحمة والسرور، والفَرَج (لانبساط النفس وخفتها كما يقال: نفّس عنه): ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. والريْحَان: كل بقل طيب الرائحة (له رائحة تشرح النفْس): ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾، فُسِّرا بالرحمة والرزق [ل] والنفْس تنبسط بهما ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢]: الرزق (سعة وراحة).
стр. 772
ومن ذلك "الروح -بالضم: النَفَس- محركة. ملأ قِرْبةً من رُوحِه أي نَفَسِه (والنفَس هواء أي ريح). (ولأن التنفس هو أهم علامات الحياة عُبِّر لنا بلفظ الرُوح عن الحياة): "الرُوح -بالضم: النفْس (بسكون الفاء) ما به حياة النفْس/ هو الذي يعيش به الإنسان. قال الفراء سمعت أبا الهيثم يقول: الرُوح إنما هو النَّفَس الذي يَتَنَفَّسُه الإنسانُ وهو جَارٍ في جميع الجسد ... "وقول أبي الهيثم هذا منصب على الظاهر لنا. أما حقيقة الرُّوح فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] اه وفي القرآن الكريم ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، المنفوخ فيه هو آدم ﵇. ومن هذا الروح المنفوخ ما في [النساء ١٧١، الأنبياء ٩١، ص ٧٢، التحريم ١٢]. وأُطْلِقتَ على الوحْي، وهو تغلغل لطيف إلى النفس بخبر السماء، وعلى جبريل ﵇ لأنه حامل وحي الله إلى رسله في [البقرة ٨٧، ٢٥٣، المائدة ١١٠، النحل ١٠، مريم ١٧، الشعراء ١٩٣، المعارج ٤، النبأ ٣٨، القدر ٤] وفي هذه خلاف: جبريل أم رحمة] [ينظر بحر ١/ ٤٦٨، ٥/ ٥١٨، ٦/ ١٧٠، ٧/ ٣٨، ٨/ ٣٢٧، ٤٩٣]، وعلى القرآن ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، لأن حياة النفوس به وهو من عند الله، وكذا هي بمعنى الوحي في [النحل ٢، غافر ١٥] ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]: الهدى والنور واللطف [بحر ٨/ ٢٣٧].
ومن الأصل "الراحة ضد التعب (من انبساط النفس وسعها وخِفّتِها) أراح وارتاح واستراح. والرَوَاح: العودة للراحة في المُراح عشيًّا "من هذا أو من العود إلى المقر وهو انبساط وحُلول (انظر حلل) "راحَت الإبل وأرَحْتها: رددتها إلى مراحها ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ
стр. 773
غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]، (وعُمِّمَ في الرجوع ونحوه) "أَرَحْتُ على الرجل حقَّه: رَدَدْته إليه. وتروَّحَ الشجرُ وراح: تفطر بالورق قبل الشتاء من غير مطر " (كما يقال تَرْجيعة).
ومن الأصل "الأَرْيَح الواسع من كل شيء: والأريحيّ الواسع الخُلُق المنبسط إلى المعروف. وراح للأمر يَراح رَوَاحًا: أشرق له وفرح به وأخذته له خِفة. وراحت يده بالسيف: خفت إلى الضرب به (انبساط). وراح إلى الشيء وارتاح: نَشِطَ وسُرَّ به ".
• (رحب):
﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٨]
"رَحَبة المسجد والدار -بالتحريك: ساحتُهما ومُتَّسَعُهما. ورِحَاب الوادي: مواضعُ مُتَواطئة يَسْتَنْقِع فيها الماءُ تكون عند منتَهَى الوادي وفي وَسَطه، وقد تكون في المكان المُشْرِف، والرَحَبة أيضًا: موضعُ للعِنَب بمنزلة الجَرِين للتمر. وامرأة رُحاب -كغراب: واسعَة. ورجل رَحْب الصَدْر -بالفتح والضم، ورحيب الصدر والجوف: واسعهما ".
° المعنى المحوري انبساط الحيز اللاحق بشيء، كرَحَبَة المسجد والدار لاحقين بهما، ويحوزان الناس، ورِحاب الوادي تحوزُ الماء، ورَحَبَة العنب تحوزه. وذلك من المرأة لاحق يحوز. ومنه "رحُبتْ الدَار (كرم) وأَرْحَبت: اتسعت (لحَوْز كثير) وأرض رحيبة: واسعة ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨ وكذا ما في ٥ منها]، ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِم﴾ [ص: ٥٩ وكذا ما في ٦٠]، (لما كان العرب يعبرون عن قبول الزائر والسرور به بقولهم
стр. 774
مرحبًا أي يسعك المكان والقلب -عُبِّر عن الغضب على داخلي النار بـ (لا مرحبا) لأنهم ما جاءوا إليها إلا لأنهم حادّوا الله ورسوله).
• (رحق):
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦]
"الرحيق من أسماء الخمر وهو من أعتقها وأفضلها صَفْوةُ الخمر السَهْل من الخمر، الشَرَاب الذي لا غِشَّ فيه. والرحيق والرُحاق -كغراب: الصافي ".
° المعنى المحوري صفاء الشيء وسهولته بذهاب غلظه وحِدّته من أثنائه: كتلك الخمر بصفاتها المذكورة، فهي صافية سلسة ليس فيها حُمُوزة -كما قال تعالى عنها: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، وأيضًا ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]، ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦]، فهذه هي خمر الجنة.
• (رحل):
﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢]
"رحلَ: سار. رحلَ عن المكان: انتقل، رَحَلْتُه: أظعنته من مكانه وأرسلته. التَرْحيل والإرحال: الإزعاجُ والإشخاصُ، والتَرَحُّل والارتحالُ: الانتقالُ. الراحلة: المَرْكَب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى. وناقة رَحِيلة أي شديدة قوية على السَيْر. جمل رَحِيلٌ: قويٌّ على الارتحال والسير ".
° المعنى المحوري الانتقال أو السفر إلى مكان بعيد ركوبًا: كما هو واضح. وقيد البعد يؤخذ من الركوب والتجهز له -فقد سَمَّوْا ما يُجَهَّز به البعير كالبرذعة ليُرْكَب عليه (ومعه كلُّ ما يلحق به من متاع الراكب وزاده) رَحْلًا -
стр. 775
بالفتح، ورِحَالةً، والجملَ نفسَه رَاحلة. وسمَّوْا الوجهَ الذي تأخذ فيه وتريده عندما تَرْحَل، وكذلك الإنسانَ الذي تقصده بسفرك: رُحْلة -بالضم، وسَمَّوْا منزلَ الرجل ومسكنَه وبيتَه رَحْلًا -بالفتح (كما سُمِّىَ مَنْزلًا- من نزول المسافر) وفي الأفعال قالوا "رَحَل البعيرَ: شدَّ عليه الرَجْلَ، ورَحَلَه وارْتَحله: ركِبه بقَتَب أو اعْرَوْرَاه. ورجُل مُرْحِل -كمحسن: له رَوَاحل كثيرة. وبعيرٌ مُرْحِل: سَمِين (كأن عليه رَحْلًا - وقالوا سمين يُطيق الرحْلة) ومِرْط مُرَحَّل -كمعظم: عليه صور الرَحْل. وشاة رَحْلاء -بالفتح: سوداءُ بيضاءُ مَوْضِع الراكب من مآخير كتفيها ... (أي أن البياض يغطي الموضع الذي يغطيه الرحْل من ظهر البعير، فهذه الشاة كأن عليها رَحْلا). ومن الرَحْل متاع الراكب والذي يوضع على ظهر البعير ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠ وكذا ما في ٦٢، ٧٥]. ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] إلى الشام في الصيف وإلى اليمن في الشتاء للتجارة [وينظر بحر ٨/ ٥١٥].
• (رحم):
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]
"الرَحِم -ككتف، وبِئْر: مَنْبِتُ الوَلَد ووِعَاؤه في البَطْن. ورَحِمَ السقاءُ (تعب): ضيَّعه أهلُه بعدَ عِينَتِه (اتساع مسامّه كالعيون) فلم يَدْهَنوه حتى فَسَد فلم يَلْزَم الماءَ ".
° المعنى المحوري اتساعٌ في باطن الشيء المتضامّ أو أَثْنائه مع رقة وبلال -كالرَحِم (كيس الجنين) وهو رِخْو رطب ويتسع للجنين، وكالسِقَاءِ المذكور تكونت فيه عيون ينفذ منها الماء.
стр. 776
ومن سَعة الباطن مع التَنَدِّي والرِقَّة: "الرحمة: رقةُ القلب "والعطفُ ونحوهما من الشخص على من يَضُمّ. وهي من الله كلُّ ما يناسب البَلال والرقة من إحسان ورزق وحَنان ومَغفرة لعبادِه وهُمْ في حوزته . و "الرُحْم -كقُفْل وعُنُق ": الرَحْمة. وكل ما في القرآن من التركيب فهو بمعنى الرحمة هذا - عدا ما نفسره بغيرها. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١]، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧]، "والرَحِم: القَرابة (وأصله خروجهم من رَحِمِ أمٍّ واحدة) ثم يقولون وصَلَتْكَ رَحِم لا يريدون قرابة الأُمّ خاصة " ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦] وهي جمع رَحِم: كيس الجنين وبمعناها كل كلمة (أرحام) عدا ما يأتي. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، المراد بها هنا العصبات -[قر ٨/ ٥٨]. لكن خصت بعدُ بالقرابة من جهة النساء. ومن الأرحام: القرابة ما في [النساء ١، الأحزاب ٦، محمد ٢٢، الممتحنة ٣].
وقد قيل الكثير في الفرق بين اسميه : الرَحْمَان الرحيم [ابن قتيبة ٦ والكَشاف ١/ ١٦ - ١٨، قر ١/ ١٣، والتاج الجامع للأصول ٥/ ٨٤] وخلاصة ما أراه أن الرحمان صفة ذات. أي ذو الرحمة أخذًا من صيغة فَعْلان من فَعِلَ المكسور العين حيث يَغْلبان في الأَعْرَاض المستقرة من الأدواء الباطنة والعيوب الظاهرة والحِلَى أي الصفات الخِلْقية والألوان وما شاكل ذلك مما يطول بقاؤه [تصريف الأسماء للشيخ محمد الطنطاوي ص ١٠٣ - ١٠٥] وانظر في صفات الذات والفعل [ص ١٢ من مقدمة التحبير في التذكير للإمام القشيري تحقيق وتقديم الدكتور إبراهيم البسيوني] فالرحمان تعني ذا الرحمة الممتلئ بها الملازمة له. وهذه الملازمة وأنها صفة ذاتية باطنة سِرُّ اختصاص هذا الاسم به تعالى، لأنه الرحمن الحقُّ الدائم الرحمة العامّ
стр. 777
برحمته المؤمن والكافر. ولذا قامت هذه الصفة مقام اسم الذات في مثل ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] إلى ٥٧ موضعًا يصلح فيهن اسم "الرحمن "أن يقوم مقام اسم الذات العَلِيّة. في حين يرد اسمه "الرحيم "١١٥ مرة يُلحظ فيهن جميعًا تطلُّب الموضِع لوقوع الرَحْمة ومسبوقٌ بما هو يناسبها كالغفور والرءوف والتوّاب والبَرّ. وفي بضع مواضع سُبِق بالعزيز، وبالتأمل تراها للجمع بين صفتي القوة والرحمة معًا. فالرحيم صفة فِعْل. وكل منهما فيه مبالغة في مجاله فهناك الرحمة الذاتية العظمى الدائمة. وهنا الرحمة الفياضة العظمى التي يتقلب في كنفها عبادُه، وللمؤمنين منها الحظ الأوفى، إذ هُم مَيْدانها ومجالها بوعده وبفضله ﵎. لكن وقوع الرحمة أكثرُ تذكيرًا بفضل الله. وبه يتحقق الترقي من "الرحمن "إلى "الرحيم ". عند اجتماعها كما في البسملة والفاتحة وغيرهما.
° معنى الفصل المعجمي (رح): الاتساع والانبساط مع نوع من الرقة -كما يتمثل في القدم الأرحّ مع رقة باطنه -في (رحح)، وفي تخلخل الريح وخفتها وانتشارها، وانبساط الكف ونعومتها ودقة سمكها -في (روح)، وفي اتساع الرحبة وخلوها -في (رحب)، وفي صفاء الرحيق (وهو تخلخل أثناء) مع سهولته وعدم لذعه -في (رحق)، وفي بعد مسافة المفارقة مع راحة الركوب -في (رحل)، وفي اتساع مسامّ جلد السقاء وكيس الجنين مع بَلالهما -في (رحم).
стр. 778
الراء والخاء وما يثلثهما
• (رخخ - رخرخ):
"أرض رَخاء -كدَكَّاء: منتفخة تَكَسَّرُ تحت الوطء/ رِخْوة لينة. الرَخَاخ - كلسحاب: الليّن من الأرض. رَخَاخُ الثَرَى: ما لانَ منه. طين رَخْرخ -بالفتح: رقيق. رَخَّ العجينُ -بكسر عين المضارع: كثُرَ ماؤه. ارتَخَّ العجين: إذا استرخى ".
° المعنى المحوري رخاوة الشيء لكثرة النَدَى والرطوبة في أثناءِ جوفه (١).
ومن معنويه: "عَيْشٌ رَخَاخٌ: رَغَدٌ ليّن واسع ناعم ".
• (رخو- رخى):
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]
"الرِخْو - مثلثة: الهَشُّ من كل شيء، وهو الشيء الذي فيه رخاوة. وريح رُخاء -كغُراب: لينة سريعة لا تُزَعْزِع شيئًا. وأرْخَتْ الناقة: اسَتَرْخَى صلاها وراخت المرأة: حان ولادها ".
° المعنى المحوري طراوة الشيء (المنتفخ) لتَنَدّى أثنائه وعَدَم جفافها واشتدادها -كالريح الرُخَاء. وإذا كان الرخو جسمًا فإنه يَتَهَدّل ويَتَدَلَّى كصلا
стр. 779
الناقة المستَرْخِي، والمرأة القريبة الولادة يسترخي ثديها فهذا تعبير عن المعنى بلازمه ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (سريعة لينة نَدِيَّة) والفعل منه رَخِىَ الشيءُ ورَخُو (كفرح وكرُم) واسترْخَى. وأرْخَى الرباطَ (والحبلَ والقيد) وراخاه: جعله رِخْوًا (ليس مشدودًا).
وقولهم "أرخيت الشيء: أرسلته ". كأن المراد أنه كان مشدودًا (= مربوطًا) فأطلقته.
ومن معنويه "الرَخْاء -كسماء: سعة العيش ".
° معنى الفصل المعجمي (رخ): طراءة الشيء المتجسم لتندى أثنائه -كما يتمثل في الأرض الرخّاء -في (رخخ)، وفي صلا الناقة المسترخي في (رخو- رخى).
الراء والدال وما يثلثهما
• (ردد):
﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]
"الرَدة -بالفتح: تَقَاعُسٌ الذَقَن إذا كان في الوجه بَعْضُ القَباحة وفيه شيءٌ من جمال. والقصيرُ المَتَرَدِّدُ: المتناهي في القصر. وعضوٌ رِدِّيد -كسكير: مُكْتَنِزٌ. ورجل مُرِدّ -كمُقِلّ: طالَت عُزْبته فترادّ الماءُ في ظهره. والرَدَد -كسَبَب وهِمّة: أن تشرب الإبل الماءَ عَلَلًا فترتَدّ الألبانُ في ضروعها/ امتلاء الضرع ".
° المعنى المحوري صدُّ استرسالِ ما يمتدّ أو ينتشرُ فينعكسُ اتجاههُ أو يتراكم ويكثُف (١) كرجوع -الذَقْن عن غاية امتدادها المعتاد، وتجمع القَصير
стр. 780
والعُضْو. وتراكم الماء (المتصور) في الظهر واللبنِ في الضَرْع. ومنه "ردَّ الشيءَ: رَجَعَه (أي بعد ما ذهب مسترسلًا) ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، ورده عن وجهه: صرفه ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، والارتداد: الرجوع، والاسم منه الرِدَّة "بالكسر ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ...﴾ [البقرة: ٢١٧]، وكل ما في القرآن من التركيب فهو بمعنى الرجوع والإرجاع هذا (انعكاس الاتجاه) ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] (يفهم التعبير بالرد هنا من تفسير أرذل العمر بأنه اختلال النطق والفكر وفساد الحواس فهذه تكون في الطفولة [ينظر بحر ٥/ ٤٩٨]. وكذلك الأمر في ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١] فالفتنة هي المحنة في إظهار الكفر. [بحر ٣/ ٣٣٢].
стр. 781
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] (مصدر أو مكان، لأنهم يُرَدُّون إلى مكان فيه ثمرة أعمالهم الصالحة) لكن كلمة (مَرَدّ) في سائر الآيات مصدر. واستردّه الشيءَ: سأله أن يرده عليه. وأردَّ البحرُ: كثرت أمواجه وهاج (لارتداد أمواجه بأخرى أو بالريح أو بالشاطئ) وجاء مُرِدَّ الوجه: غضبان (لانتفاخ الوجه كأن الدم رُدّ فيه -كما قالوا وَرِمَ أنفه) ورُدُود الدراهم: ما زُيِّفَ فرُدَّ على ناقده، وكل ما رُدَّ بغير أخذ فهو رَدٌّ -بالفتح. وشيء رَدٌّ: ردي ء " (يُرَدّ).
ومنه: "الردّ -بالكسر: ما كان عمادَ الشيء (يرتد الشيء إليه فيدعمه فلا يسقط). والكَهْفُ " (يحمي ويحفظ ما أوى إليه فلا يهلك).
• (ردى):
﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦]
"الرَداة -كفتاة: الصَخْرة. المِرْداة: الحجَر الذي لا يكاد الرجل الضابط يَرْفَعه بيده يُرْدَى به الحَجَرُ والمكانُ الغليظ يحفرونه فيضربونه يُليّنونه، ويُردَى به جُحْر الضبّ إذا كان في قلعة فيُليّن القَلْعة ويهدِمُها، ورَدَيْت الحَجَر بصخرة أو بمعْوَل (رمن): ضربته بها لتكسره ".
° المعنى المحوري صدم بشدة وثقل عظيمين: كما يُرْدَى الجُحْرُ والمكانُ الغليظُ بالحَجَر الموصوف أو الصَخْرة العظيمة فيتصدع كالصخرة المذكورة. والمِرْداة أداة ذلك. ومن مادى الأصل: "المَرادِى: قوائمُ الإبل والفِيَلة (لثِقَلها فكأن الرِجْل مِرْدَاةٌ إذ هي تضغط بثقل عظيم له أثر الصدم بالمرداة) ورَدَى الفرس يَرْدِى (رَمَى): عدا فرَجَم الأرضَ رَجْمًا (دَقَّها بشَّدةِ وَطْئه). وكذا رَدَى
стр. 782
الغلامُ: رَفَع إحدى رجليه وقفز بالأخرى " (فيهبط على الأرض بشدة لتركز ثقل جسمه في هبوطه على رِجْل واحدة). ومنه "رَدِىَ في الهُوَّة (= بئر أو نهر أو مَهواة) - من جَبَل أو مُرْتَفعْ (تعب) وتردَّى: تَهَوَّر في مَهْواة (سقط بثقله حتى اصطدم بالقاع) ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣]: هي التي تَقَع من جَبل أو تَطِيح في بئر. وأرداه وردّاه فتَرَدَّى: قَلَبه فانقلب ".
ومن معنويه ولازمه (مع أثر الصيغة) "رَدِى (تعب): هَلَك (كالساقط يُدَكُّ فيَهْلِك) وتَرَدَّى. وأرْداه: أهلكه "، ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦]، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]. وكل ما في القرآن من التركيب هو من (الردى) الهلاك هذا -عدا التردي فهو سقوطٌ ماديٌّ يلزمه الهلاك.
والصدْم بشدة وثِقَلٍ هو ضَغط شديد يقع على المصدوم فيزيح جِرمه، وبهذا يتأتى معنى الدفع، أو يزحم بعضه بعضًا فيتأتى معنى التراكم ثم الزيادة. فمن الدفع "المُرْدِىّ -كالكُرْسِيّ: خَشَبَة تُدفع بها السفينةُ تكون في يد الملّاح ".
ومن الزيادة "رَدَى على المائة (كرمى) وأردى: زاد " (أي في سنّه).
و"الرِدَاء: الغِطاء الكبير/ المِلْحَفَة. (هو من معنى الرَمْى والإلقاء الذي هو صورة من رَدْى القَلْعةِ بالحجَرِ العظيم أي إلقائه عليه. لأنه) كساء يلقى على المَنكِبين والكَتِفين والعاتق/ مُجْتَمَعِ العنق "، وسمي بهذا الملحظ لأنه لا يُتَأنّق في التلفع به. ثم لهذا الإلقاء على الكتف .. سمَّوا السيف رداء والقوس رداء. [انظر تعليق شارحَىْ المفضليات ص ٦٧ في شرح جو قصيدة متمم في أخيه مالك بن نويرة رقم ٦٧] قال ابن سيده "تشبيهًا بالرداء الملبوس في التعلق بالجسم "اه. ولتعلق
стр. 783
الرداء بالرقبة سموًا الدَين رِدَاء، كما جعلوا كُلًّا من العقْل، والجهْل، والشباب رداءً لمن يتصف بأي منهن. وذلك لكثرة استعمالهم الرداء وملازمته إياهم، فهو كالسّمة لصاحبه.
• (رود):
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣]
"رادَتْ الإبلُ: اختلَفَت في المرعى مقبلة ومدبرة. والروائد: المختلفة من الدوابّ. راد الرجلُ: إذا جاء وذهب ولم يطمئن. امرأة رَوَاد -كسحاب: طوّافة في بيوت جاراتها. ريح رَادة ورائدة: إذا كانت هَوْجاء تجيء وتذهب. والمِرْوَد - بالكسر: مِيلُ المِكْحَلة، ومحْوَرُ البَكَرة إذا كان من حَديد، وحديدةٌ تَدُورُ في اللجام، ويَدُ الرَحَى، والمِفْصَلُ، والوَتد.
° المعنى المحوري حركة انتقال أو تردد بخفّة وعدم ثبات واستقرار. كالإبل، والدَوابّ، والمرأة الموصوفات، وكالرجل والريح الموصوفة. والحرف الناتيء من الجبل خارج منه فكأنه لعدم استوائه مع جسم الجبل متحرك مفارق كما قال ابن جني عن اللقوة [الخصائص ١/ ١١] ومرود المكحلة شأنه أن يُخْرَج ويُدْخَل كثيرًا وكذلك الوتد، ومِرْوَد البكرة واللجام تدور عليه حركتهما، ويد الرحى أداة تحريكها، والمفصل موضع الحركة، ومنه "الرائد: الذي يتقدَّم القوم يُبْصِرُ لهم الكلأَ ومساقط الغيث "فهو يتقدمهم ليتكشف له الحال ويعرف المنتجَع المناسب. ومن هذا الأصل أيضًا "رائدُ العين: عُوَّارُها الذي يَرُود فيها (يتحرك هنا وهنا) ورجل رائد الوساد: إذا لم يطمئن عليه لم يستقر -لَهمٍّ أقلقه " (حركة مرددة لفقد الارتياح).
стр. 784
ومن ذلك مراودة الرجل امرأة عن نفسها (أو المرأة الرجل عن نفسه) فهي مجارّة ومجاذبة، فالمراود يحاول جذْب الآخر مَرّة بعد مَرّة، وجاء معنى المحاولة من صيغة المفاعلة ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣]. وكل (مراودة) في القرآن فهي مجارّة ومجاذبة. ومنها ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ [يوسف: ٦١] أي ليأخذوه إلى العزيز كما اشترط عليهم.
• (ريد):
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
"الرَيْد -بالفتح: الحَيْد في الجبل كالحائط، وهو الحرف الناتئ منه. الترييد في الحرث: رفع الأعضاد بالمِجْنَب "عَضُد الجدول: ضفتاه الناتئتان بجانبيه.
المجنب: الرفش (أداة لرفع التراب).
° المعنى المحوري تقدم أو نتوء واتجاه إلى غاية أو حدٍّ معيّن: كذلك الحَيْد الموصوف، وكعضد الجدول.
ومن ذلك المعنى "الإرادة: المشيئة. أراد الشيءَ: أحبه وعُنِىَ به " (ذهاب النفس إلى الشيء طلبًا ورغبة قوية في تحصيله) ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧]. وكل ما جاء في القرآن من التركيب فهو من الإرادة بهذا المعنى عدا (المرادوة)، (رُوَيدا).
وفي قوله تعالى ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ١٧٧]- وُجِّه في [ل] إسنادُ الفعل "يريد "إلى الجِدار -وإنما تكون الإرادة من الحيّ- بأنّ تَهيُّؤ الجِدار للسقوط قد ظهر كما تظهر أفعال المريدين "ولو فسَّره بالميل لأن المَيْل اندفاعٌ كالحركة لكان أدق. [راجع أيضًا كلام ابن جني عن اللقوة في الخصائص ١/ ١١].
стр. 785
• (ردأ):
﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]
"ردأ الحائط ببناء: أَلْزقه به. دَعَمه بخَشَب أو كَبْش يدفعه (خشية) أن يسقط ".
° المعنى المحوري دفع المرتفع الذي يُخْشَى سقوطه (من جانبه) بقوة تجعله يتماسك ويتجمع (لا يتفكك) كما في ردْء الحائط. ومنه "الردء -بالكسر: العون والناصر (لأنه يُسْند صاحبه)، وردأت فلانًا بكذا وكذا: جعلته له قوة وعمادًا كالحائط تردَؤُه (ببناء تُلزِقه به)، وأردأته أي ردأته وصرت له رِدءًا أي معينًا. ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ والرِدْءُ كذلك: العِدْل "-بالكسر فيهما. (يُسْنِد العِدْلَ المقابل لئلا يسقط) ومنه "رَدَأه بحجر: رماه به وكذا رَدَاه (دفعه نحوه فأثبته أي أعجزه عن الحركة أو الهرب مثلًا).
ومنه "الرديء: المنكر المكروه (يُدْفَع لرداءته كقولهم "بضاعة مزجاة ". ردؤ الشيء (كرم): فسد. وأردأته: أفسدته، وأردأ الرجلُ: أتى شَيئًا رديئًا أو أصابه ". فهذا تفسير ما زعمه ابن فارس من تباين شديد فقد ظهرَ أن الأصل واحد لا تباين فيه.
أما "أردأ الرجل على الستين: زاد عليها، وأردأ الأمرُ على غيره: أرْبَى "، فهو من معنى الدعم في الأصل، لأن المعنى هنا هو من باب التمكين في السن والقَدْر فحسب، فالذي أَرْبىَ على الستين يكون في الحادية أو الثانية والستين لا في الخامسة أو السابعة والستين.
стр. 786
• (رأد):
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
"الرَأْد -بالفتح: أصلُ اللَحْى الناتئ تحت الأُذُن. الرئد -بالكسر: فرْخُ الشجرة وقيل هو ما لان من أغصانها. يقال للغصن الذي نبت من سَنَتِه أَرْطَبَ ما يكون وأَرْخَصَه رُؤْد. وقيل طرَفُ كل غُصن رُؤد -بالضم. رَؤد الغصن (ككرم)، وترأَّدَ. وتَرَؤُّدُه: تفيؤه وتَذَيُّله، الترؤُّد: الاهتزازُ من النَعْمة. وتراؤده: تميّله وتميّحه يمينًا وشمالًا. ترأّد الرجل في قيامه ترؤدا قام فأخذته رعدة في قيامه حَتّى يقوم. وترأّدت الحية: اهتزت في انسيابها ".
° المعنى المحوري تثنى الشيء من طراءته أو حداثته فلا يَصْلُب ولا يشتدّ -كحال فرخ الشجرة والتميل من النعمة، وكما يبدو من حركة الرَأْد -بالفتح، وكحال الرجل والحية الموصوفين. وطرف الغصن أحدث ما نما منه. ومنه "ترأدت الجارية ترؤدا وهو تثنيها من النَعْمة ".
أما "الرِئد -بالكسر: التِرْب ". فأرى أن صيغة (فِعل) هنا بمعنى مفاعل كخِلّ بمعنى مخالل فالرِئد هو المشارك في الطراءة والغضاضة والحداثة أي النشأة.
ومن الحداثة والطراءة قالوا: "الرأْد -بالفتح: رَوْنَق الضُحَى/ بعد انبساط الشمس وارتفاعها ولا تكون الشمس حينئذ شديدة. فبَعْد الرَأْد فَوْعَةُ النهار، ثم نَحْرُ الظهيرة أي أولها.
ومن الطراءة وعدم الاشتداد يأتي معنى التمهل، لأنه رخاوة وعدم اشتداد قالوا: "الرُؤْد -بالضم: التؤدة "فالأشبه أن يكون من هذا "رويدا "في قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾، وقد ذكرت في (رود).
стр. 787
• (ورد):
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]
"وَرَدْتُ الماء: حضرتَه لتَشرب. ورد الماءَ وغيرهَ، وورد عليه (أي على الماء): أشرف عليه -دَخَلَه أَوْ لَمْ يَدْخُلْه [فلما وَرَدْنَ الماء]: بلغْنَ الماء. والموردة-بكسر الراء: مأتاة الماء، والجادّة. وكل من أتى مكانًا -منهلًا أو غيره- فقد وَرَدَه. ورد فلانٌ ورُودًا: حضر ".
° المعنى المحوري بلوغ الماء أو الشيء تدلِّيًا أو تقدُّمًا إليه: كورود الماء أي الوصول إليه وانتهاء السير عنده. وكالحضور في المكان. ومن ذلك قولهم "أرنبة (= طرف مارن الأنف) وَارِدةٌ: إذا كانت مقبلة على السَبَلة (= الشارب للرجل)، وشَعر وارد: مسترسل طويل: [وعلى المتنَيْن منها واردٌ] (يسترسل على متني الظهر)، وشجرة واردة الأغصان أي أغصانها متدلية إلى الأرض ". ومن ورود القوم الماء (وهو أمر بالغ القيمة عندهم) استعملوا لفظ الوِرد -بالكسر في ورود القوم (أي مصدرًا)، وفي الماء الذي يُورَد، وفي الإبل الواردة، وكذا في الطير ثم في الجيش، وفي يوم الورد (لأنه كان عندهم بتوقيت منظم) ثم في الحُمَّى التي تأتي لوقت منتظم، وفي النصيب من الماء (ثم في النصيب من القرآن).
ومما في القرآن من ورود الماء أو أصله كذلك: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]، ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩]. وأما قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:
стр. 788
٩٨ - ٩٩]، فهذه وتلك لمعنى الدخول في جهنم قطعًا. ومأتاه اللغوي ثلاثة أمور: شمول المعنى اللغوي للدخول جوازًا، والسياق، واللزوم من بلوغها. وهناك أمر رابع هو ما يؤخذ مما قاله الزجاج في قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، قال: مُشاةً عطاشا "اه. [تاج]. وهو موفق [ينظر قر ١١/ ١٥٢] فالثلاث للدخول. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ففي [ل] أن الإجماع على أن الورود ليس بدخول (أي حتمًا)، وأُضيفُ سندًا ودعمًا لهذا: أن القَدْر المستيقن من معنى الاستعمالات اللغوية للتركيب هو مجرد الوصول إلى المكان. (والمستعمل لمعنى دخول الماء هو الشروع لا الورود)، كما أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢]، يقطع بعدم شمول الورود في آية [مريم ١٧] عباد الله الأخيار.
هذا والورود إلى الماء أو المكان تقدُّمٌ إليه وإقبال، ومن هنا استعمل التركيب في معنى الإقدام جاء في [تاج] "والوَرْد: الجريء من الرجال كالوارد وهو الجِريء المقبل على الشيء "اه. ويتأتى هذا أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف: ١٩] أي سابقهم " [تاج].
أما "الوَرْد -بالفتح: وهو نَوْر كل شجرة "فهو من معنى البلوغ المذكور أي مَجيء ثمرة الشجرة، لأن النَوْر هو مقدمة الثمرة. والعرب تستعمل الإتيان في هذا أيضًا فيقولون: "أتت النخلةُ والشجرةُ تأتو أَتْوًا -بالفتح، وإتاءً: طلع ثمرها أو بدا صلاحه. والإتاء -ككتاب: ما يخرج من أَكال الشجرة "- (مع ملاحظة تداخل معاني التركيبين وتلاقيها، وأنّ أتوت لغة في أتيت بمعنى جئت).
стр. 789
وقد اشتهر استعمال "الوَرْد "في الحوجم خاصة، للفته النظر بحمرته وطيب ريحه. وبه من هذه الحمرة قيل للأسد وَرْد، وللفرس وَرْد، ويجوز أن تكون تسميتها بذلك للإقدام. وفي قوله تعالى في وصف السماء ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، قيل صارت كلون الورد وهو لون غريب أن يعم السماء، وفي [ل] أنّ الوَرْد يتغير لونه "فيكون في الشتاء خلاف لونه في الصيف، وأراد أن السماء تتلون من الفزع الأكبر كما تتلون الدهان المختلفة ". ولكن جاء في [ل] أيضًا: "عشيةٌ ورَدْة إذا احمرّ أُفقها عند غرُوب الشمس وكذا عند طلوع الشمس وذلك علامة الجَدْب ". ويتأتى أن يكون هذا من بلوغ الشمس مغربها، وحُمِل عليه بلوغها مطلعها.
وأما الوريد في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، ففي [ل] أن الوريدين عرقان تحت الودجين. والودجان عرقان غليظان عن يمين ثُغْرة النحر ويسارها، والوريدان ينبضان أبدًا من الإنسان، وكل عرق ينبض فهو من الأوردة التي فيها مجرى الحياة " (بتصرف في ترتيب العبارة)، فهو من ورود الماء لأنه يسقى البدن بالدم وكأنه فعيل بمعنى مُفْعِل.
• (ردف):
﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]
"الرِدْف -بالكسر: الكَفَل والعجُز، والراكبُ خلفَك، والحقيبةُ ونحوها مما يكون وراءك. ورِدْف كل شيء: مُؤَخَّره. ردِف الرجل صاحبه (نصر وسمع): ركِبَ خلفَه، وتبعه ".
° المعنى المحوري تجمع أو كتلة تلحق شيئًا من خَلْفه أو آخره كالكَفَل
стр. 790
من صاحبه، والراكبِ خلفَ صاحبه، وكالحقيبة على مؤخر ظهر البعير ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧]، في [قر ١٩/ ١٩٥]، أن الرادفة هي الساعة تقوم بعد زلزلة، وقيل هي صيحة (نفخة) أخرى يحيا بها الجميع الذين ماتوا بالصيحة (النفخة) الأولى. وانظره. ومنه "أرْدَف القوم: توالوا وتتابعوا. وأرْدف فلانًا: ركبَ خَلْفه، وتَبِعه، وجاء بعدَه. وأرْدَفَ الشيءَ الشيءَ: أتبعه (إياه) ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، قرئ بكسر الدال أي متتابعين فرقة بعد فرقة وهو أَهْيَب في العيون والقلوب، وقرئ بفتح الدال أي أن الله أردف المؤمنين بالملائكة. [وانظر مزيدًا من التفاصيل في قر ٧/ ٣٧٠] ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، أي اقْتَرب لكم ودنا منكم ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧٢]: أي من العذاب. [قر ١٣/ ٢٣٠]- أي لعله يلحقكم ويدرككم ذلك العذاب الذي تستبعدونه. وقبل هذه الآية ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١].
• (ردم):
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥]
"الرَدْم -بالفتح: السَدُّ العظيم. وقد رَدَم الباب (ضرب): سدّه كله وكذا الثُلْمة، والمَدْخَل، ونحو ذلك. وقيل الردْم أكثر من السد، لأن الردم ما جُعِل بعضُه على بعض. ورَدَمت الثوبَ وردَّمته -ض، وهو رَديم ومردَّم كمعظم أي مُرَقَّع. ورَدَم الشيءُ: سال ".
° المعنى المحوري تراكم مادة مناسبة في ثُلْمة أو فَجْوة حتى تُسَدَّ وتستويَ مع ما حولها. كالسدّ بمادة تُجْمَع في فجوة بين صَدَفين أو فريقين، أو في شيء متماسك كالثوب المرقَّع ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ أي سدًا.
стр. 791
وقد وصف المادة في الآيات التالية ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ...﴾ [الكهف: ٩٦]، ومن الأصل: "الرَدْم -بالفتح: ما يسقط من الجدار المتهدم "باعتباره كان من الجدار ويشغل الفراغ الذي يسقط منه ويسده، ومثله "رَدَم الحمارُ والبعيرُ. (قعد): ضَرِط، وكذلك رَدَمَ القوسَ: صَوَّتها بالإنباض ".
ومن التراكم ولزوم هذا المتراكم الفجوة: "أَرْدَمَتْ عليه الحمَّى: دامت، وأرْدَمَ عليه المرضُ: لزمه. وسحَاب مُرْدِم ووِرْد مُرْدم -كمحسن. وتردَّم القومُ الأرضَ: أكلوا مَرْتعها مرة بعد مرة ". (أي أكلوا ما شغل وجه الأرض -وهو المرعى) الذي ينبت ثانية كلما أُكِل، كتَردِيم الثوب: تَرْقيعه. فكان الصيغة هنا للإصابة.
° معنى الفصل المعجمي (رد): التراكم المترتب على صدّ الشيء المسترسل كما يتمثل في القصير المتردد أي البالغ القصر -في (ردد)، وفي الضغط العظيم في رَدْى الحجر بالمرداة -في (ردى)، وفي كثافة الحركة جيئة وذهابًا -في (رود)، وفي تراكم البناء الداعم للحائط في (ردأ)، وفي التثني من الطراءة -في (رأد)، وفي الاجتماع بالشيء المورود أي بلوغه والكون معه في حيز واحد -في (ورد)، وفي التجمع خلف الشيء -في (ردف)، وفي حشو فراغ وسط الشيء أو ما بين الأشياء -في (ردم).
الراء والذال وما يثلثهما
• (رذذ):
"الرذاذ: المطر الساكن الدائم الصغار القطر ".
° المعنى المحوري مادة رقيقة تنتشر منتثرة مع سكون ودوام (١).
стр. 792
• (رذل):
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]
"الرذال -كغراب ورخامة: ما انتُقِىَ جيدُه وبقِىَ رديئه ".
° المعنى المحوري تميز الشيء ضعيفًا (رديئًا أو فاسدًا) بعدَ ذهاب جيده منه ". كالرُذَال المذكور. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾، (أي حيث تذهب الصحة والقوة ولا يبقى إلا الثِقَلُ وضَعْف الجسم والعقل ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] ومثلها ما في [النحل: ١٠]، ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]، يقصدون بالأرذلين والأراذل: ضعفاء القدر والقمة الذين لا يعتد بآرائهم ولا مواقفهم (أي في رأي الكفرة). وهناك الثقل المعنوى أيضًا -ثقل أهل الحق على نفوس أهل الباطل.
° معنى الفصل المعجمي (رذ): قلة القدر وضعف الأثر والقيمة. كما يتمثل في الرذاذ بوصفه -في (رذذ)، وفي رديء الباقي من الحَبّ ونحوه الذي بقى بعد ما انتُقِىَ جيده -في (رذل).
الراء والزاي وما يثلثهما
• (رزز):
"الإرزيز: بَرَدٌ صغار شبيه بالثلج -والرزُّ: الأرْز معروف. ورَزَّ السكينَ في
стр. 793
الحائط (رد): أثبته فيه فارْتَزّ أي ثَبَتَ. ورزَّت الجرادة ذنبها في الأرض وأرَزَّته/ أَثْبَتَته لتبيض ".
° المعنى المحوري تداخل أو دخولٌ باكتنازٍ وثَبات (١) كالسكين في الحائط وذنب الجرادة في الأرض. ولوحظ في الإرزيز تداخل بعضه في بعض وتماسك جِرمه ثَلْجًا بعد أن كان ماء، ولعله لحظ في الرزّ: الأُرْز أن حَبَّه متمكن في غلافه لا يخرج الحب من الغلاف إلا بمعالجة خاصة (الدق أو الحك الشديد حتى يُفْرَك) وذلك مقابل سهولة انفصال حب البُرّ من غُلُفِه.
• (رزق):
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]
"الرزق -بالكسر: ما يصل إلى الجوف ويُتَغَذَّى به ".
° المعنى المحوري ما يدخل الجوف من طعام ونحوه باسترسال أي دائمًا. كالرزق وهو دائم. ومنه "رَزَقَ الطائرُ فرخه (نصر): كَسَبَ له ما يَغْذُوه (والطائر يَزُقّ فِراخه أي يُدخل بمنقاره الطعامَ في مناقيرها، لكن لم يفسروا رَزْقه إياها إلا بهذا الكسب)، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]،
стр. 794
وواضح من هاتين الآيتين وغيرهما، ومن الأصل الذي حددناه أن الرزق هو الغذاء (أصلًا) كما قال [قر ١/ ١٧٧]، ثم يطلق على ما يحطيه الله العبد من مال وخير يَطْعَم منه ويَنْتَفِع (إدخال في الحوزة). "رَزَقَه الله: أعطاه " (وكلّ مَن أَجْرَيْتَ عليه جِرَاية فقد رَزَقْتَه [الوسيط]. والله تعالى: ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، يرزق الخلق أجمعين ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. وكل ما جاء في القرآن من التركيب فهو بمعنى الرزق الذي ذكرناه. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، أي شُكْرَ رزقكم. وقالوا إن الرزق معناه الشكر بلغة أزد شنؤة. والعلاقة اللغوية بين (رزق وشكر) لا تمنع ذلك لأن في كليهما دخولَ شيء في الباطن (انظر شكر) ولكن الشاهد الذي أورده [قر ١٧/ ٢٢٨] على لغة أزد شنؤة تلك وهو "ما رِزْقُ فلان أي ما شكره "مُريب. وقد وردت رواية أنه ﷺ قرأ "وتجعلون شكركم "كما في قر والمعنيان متحققان. فما أكثر الذين يرتزقون بالتكذيب بالله وبصلاحية ما شرعه لعباده.
° معنى الفصل المعجمي (رز): التداخل الشديد كما تمثل في تداخل مادة الإرزيز (البَرَد) فيتماسك ويصلب بعد أن كان ماء -في (رزز)، وفي دخول الطعام فتحة الفم أي في سبيله إلى أن يصل إلى عمق الجوف -في (رزق).
الراء والسين وما يثلثهما
• (رسس - رسرس):
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨]
"الرَسُّ -بالفتح: المَعْدِن (= المَنْجم كمنجم الحديد)، وكلُّ ركيّةٍ (= بئرٍ) لم
стр. 795
تُطوَ (= لم يُبْنَ لها جِدار من الداخل)، أو مطوية.
سَبَقتُ إلى فَرَطٍ ناهِلٍ ... تنابلةً يحفِرون الرِساسا
أي المعادن. [المجاز ٢/ ٧٥، ٢٢٣].
° المعنى المحوري النفاذ إلى عمق الشيء أو أثنائه بقوة ودقة (١) كالجواهر في المعدن (المنجم) وكما يُتَعَمَّق في حفر البئر "رَسَسْتُ رَسًّا: حفرت بئرًا. رَسُّوه في بئر: دَسُّوه فيها ". ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] وكذا ما في [ق ١٢]، هو كل حَفْر احْتُفِرَ كالقبر والمعدِن والبِئر. والمراد قوم رَسُّوا داعيَهم إلى الله في بِئْر، أو هم أصحابُ الأخدود. [قر ١٣/ ٣٢]. ومنه "الرَسَّة -بالفتح: السواري المُحْكَمة (نافذة مثبتة في الأرض). وبالضم: القَلَنْسُوَة " (لفراغها ودَسّ الرأس فيها). ومن ذلك "الرَسِيس: الشيء الثابت الذي قد لَزِمَ مكانه. ورَسْرَس البعيرُ ورَسَّسَ: ثَبَّتَ ركبتيه في الأرض لينهض. والرَسّ: العلامة " (كأنما غُرِسَت فوق المُعْلَم).
стр. 796
ومن الأصل "رَسُّ الحُمَّى ورَسِيسُها: بَدْؤُها وأولُ مَسِّها (أي أول الإحساس بسخونتها تدب في أثناه البدن وتَتَغلغل فيه قويةً حادة). وبَلَغَه رَسٌّ من خَبَر، وذَرْءٌ من خَبَر أي طَرَفٌ منه (دقيق نفذ إليه). وأَهْلُ الرَسِّ الذين يبتدئون الكذبَ ويُوقِعُونه في أَفْواه الناس " (يبُثّونه ويُنْفِذُونه بينهم دقيقًا لإخفائه وقويًا لإحكامه).
ومن الأصل "رَسَّ بينهم: أصلح. إنك لتَرُسّ أمرًا ما يلتئم (كأنما وضع في الفجوة والصَدْع ما يجعله يلتئم ويلتحم)، وأَفْسَد " (كأنما أنفذ بينهم ما يُفْسد) (كلاهما دَسُّ شيءٍ في الأثناء، فهو معنى عامّ لا تضادّ فيه، وإنما قد تتضاد التطبيقات الجزئية اتفاقًا).
• (رسو):
﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢]
"الرسِىّ -فعيل: العمود الثابتُ في وَسَط الخِباء، والرَسْوة: السِوار من الذَبْل أو من خَرَز " (الذَبْل دَرَقة السُلَحْفاة).
° المعنى المحوري ثبات الشيء بلزوم أسفله أو باطنه ما يمسكه بتمكن. كالعمود في الأرض والسِوَار في الذراع. ومنه "رَسَا الجَبَلُ: ثَبَت أصله في الأرض ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾، ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [الرعد: ٣]، ورَسَت السفينة: بلغ أسفلُها القَعْرَ وانتهى إلى قَرَار الماء فثبتَتْ وبقيت لا تسير ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]. وقِدْرٌ راسية: لا تبرح مكانها ولا يطاقُ تحويلها لعظمها. ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. والذي في القرآن من التركيب هو (رواسي) الجبال، (راسيات) القدور، و (مُرْسَى) السفينة أي رُسُوّها، ومنها (مُرْسَى)
стр. 797
الساعة [الأعراف ١٧٨، النازعات ٤٢] أي وقت وقوعها. كما سميت (واقعة)، (حاقة).
ومن معنويه "رسا الصومَ: نواه (أثبت العزم عليه في قلبه)، رسا عنه حديثًا: رَفَعه وحدّث به عنه " (التقطه فاستوعبه ثم نقله، أو أسنده إليه فأثبته له).
• (رأس):
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧]
"الرأْسُ رأْسُ الإنسانِ وغيره. ورَائس النهرِ والوادي: أعلاه .. وكل مُشْرفٍ رائسٌ، ورأسُ كل شيء: أعلاه ".
° المعنى المحوري الطرف الجامع لقوام الشيء في أعلاه أو مقدمه. كالرأس ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وكل ما في التركيب هو (رأس) الحيّ وجمعها (رءوس) عدا ﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وهي مشبهة برأس الحي في جمعه قوامه. ومنه "رَأَسَ السيلُ الغُثاء (كفتح): جَمَعَه، أو جمعه واحتمله (أعلاه). والرَأْس: القوم إذا كثُروا وعَزّوا (صاروا جمعًا فاكتمل قِوامهم) ورَأَسَ الرجلُ قومَه ورأس عليهم (كفتح): صار رئيسَهم ومقدَّمهم (ارتفع عليهم وصار قِوَامهم) ورِئَاسُ السيف ورِياسه: مَقْبِضُه (قوامه أي يقيمه وينصبه) وأنت على رِئاس أَمْرك: أي أَوّله " (طرفه وأول قوامه).
• (رسخ):
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٢]
"رَسَخَ الدِمْنُ (وهو الزِبْل المتلبِّد والبَعَر): ثبَت، ورَسَخَ المطر: نَضَب نداه في داخل الأرض (أي غار) والتَقَى الثَرَيان. ورَسَخ الشيءُ: ثبت في موضعه ".
стр. 798
° المعنى المحوري تمكن ثبوت الشيء بتغلغله في مخلخلٍ أسفلَه. -كتغلغل ماء المطر وتراكم الدِمْن في الأرض. ومنه "رَسَخَ الغديرُ: نَضَب ماؤه (غار في الأرض) ورَسَخ الحِبْر في الصحيفة. والراسخُ في العلم: (الذي تغلغل في العلم، أو تغلغل العلم في باطنه فعَرَف خفاياه). ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وكذا ما في آية التركيب. وخلاصة القول في آية آل عمران هذه أن الراسخين يعلمون من المتشابه ما يتاح إجمالًا، بالآثار أو بمعاني اللغة، ثم يسلمون الأمر لله في ما غاب من تفاصيل قائلين كل من عند ربنا، فلا يعلقون رسوخ إيمانهم على التفاصيل والكيفيات المغيبة. [ينظر بحر ٢/ ٤٠٠ - ٤٠١].
• (رسل):
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]
"أرسلْتُ الطائر من يدي: أطلقته (مصباح). الرِسْل -بالكسر والتحريك: اللَبَن ما كان. وقوائم البعير رِسَال واحدها كذِئْب. رَسِل الشَعَر (فرح): كان طويلًا مسترسلًا. الرَسَلُ -محركة: قطيعٌ من الإبل والغنم بعد قطيع ".
° المعنى المحوري تسيب من المقر أو الحيز مع امتداد وتميز -كانطلاق الطائر من اليد، واللبن من الضرع، وامتدادُ الطائر ابتعادُه، واللبنِ تتابعه، إذ يتاح حَلْبُه صباحًا ومساء، وقوائم البعير تبدو ممتدة من بدنه قوية، وهي متميزة كالمستقلة لطولها، وكقطيع الإبل والغنم يبدو متسيبًا متميزًا من غيره وهو ممتد. يقال "أورد إبله أرسالًا: جماعة بعد جماعة ".
ومنه "المُرْسَلة -كمُكْرمة: قِلادة تَقَعُ على الصدر عالقة بالرقبة، (ممتدة
стр. 799
ليست على قدر العنق فقط). وترسَّل في الركوب: بسط رجليه على الدابة حتى يُرْخِىَ ثيابه على رجليه (امتداد). (والرسول ينطلق من طرف من أرسله برسالة متميزة عنه أي ليس هو منشئها) ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وهكذا المعنى بالنسبة لكل (إرسال) الله (رسولا) أو (رُسُلا) إلى أقوامهم. أو (إرسال) أحد أحدًا في أمر ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف: ١٩] ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] أو (تكليفه) بأمر ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] وكل ذلك كثير في القرآن. و "أرسل الشيءَ: أطلقه وأهمله (= خلّاه)، وأرسل الكلابَ على الصيد ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤]. (كأنها تشارك في الغضب لله ثم يطلقها الله) ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] (أي أطلقهم ليخرجوا معي). (والرسول) يكون مرسلًا من الله، وقد يمون ملَكًا ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١] وكل ذلك كثير في القرآن، وقد يكون مجرد رجل مبعوث من شخص آخر ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]. والسياقات واضحة. والحمد لله.
ومن التسيب في الأصل عُبِّر بالتركيب عما فيه معنى الاسترخاء ومنه "على رِسْلك -بالكسر: على هِينَتِك، وناقة رَسْلَة القوائم -بالفتح: سَلِسَة لينة
стр. 800
المفاصل. ورجل فيه رَسْلَة أي كَسَل. والتَرَسُّل في الكلام والقراءة: التَمَهُّل والترفُّق .. من غير أن يرفع صوته شديدًا ".
° معنى الفصل المعجمي (رس): النفاذ بامتداد كما يتمثل ذلك في نفاذ البئر أو الجوهر (أي المادة حديدًا أو ذهبًا) في الأرض -في (رسس)، وفي سئوخ الشيء الراسي. في ما يمسكه كسئوخ عمود الخيمة في الأرض -في (رسو)، وفي امتداد الرأس كالمنسحبة من البدن إلى أعلى -في (رأس)، وفي تغلغل الشيء الراسخ أو أصله (في ما تحته) -في (رسخ)، وفي تسيب الشيء نافذًا مما هو فيه باستطالة أو توالٍ كالقوائم من البدن واللبن من الضرع -في (رسل).
الراء والشين وما يثلثهما
• (الرَشّ) - بالفتح: المطر القليل/ أولُ المطر. رَشَّتْ العينُ والسماءُ وأَرَشَّتْ: جَاءَت بالرشّ. وأَرَشَّت الطعنةُ .. ورَشَاشُها: دَمُها. وتَرَشْرَشَ الماءُ: سال. وشِوَاءٌ مُرِشّ- بضم فكسر، ورَشْرَاش -بالفتح: خَضِلٌ نَدٍ يقطرُ ماؤه أو دَسَمُه ".
° المعنى المحوري انتشارُ أشياء طرية دقيقة وكثيرة من الشيء (١) كالمطر
стр. 801
ودم الطعنة وقَطْر الشِوَاء. ومنه "عَظْمٌ رَشْرَاشٌ: رِخْو " (كأن المقصود أنه يرشح منه الودك).
• (ريش):
﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]
"الريش: كُسْوة الطائر معروف، والرَيَش -كسبب: كثرة الشعر في الأذنين ".
° المعنى المحوري ما ينبت منتشرًا على ظاهر جلد الحيّ فيكسوه -كالريش والشعر من بدن الطائر والحيوان.
ومن مجازه "راشَ الرجلُ: استغْنَى، وراشَه اللهُ مالًا: أعطاه، وراش صديقَه: أطعمه وسقاه وكساه. وراشه الله: نَعَشه، ورِشْتُه: قَوّيتُه وأعنتُه على معاشه وأصلحت حاله. وكل من أوليتَه خيرًا فقد رِشْتَه (كل ذلك تزويد بما يكسو ويحفظ). والرِيشُ والرياش: الخِصبُ، والمعاشُ، والمالُ، والأثاثُ، واللباسُ الحسن الفاخر ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، وذات الريش: ضَرْب من الحَمْض .. ينبت خِيطانًا من أصل واحد. (فهذه الخيطان تشبه شعر الريش).
• (رشد):
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]
في [تاج] "الرَشادة: الصخرة. وسمع الأزهري غير واحد من العرب يقول: الرَشَادة: الحَجَر الذي يملأ الكف. قال وهو صحيح ".
° المعنى المحوري صلابة أثناء الشيء وتماسكها تماسكًا شديدًا -كالحجر والصخرة. (وليس هناك استعمالات مادية إلا هذا وقولهم "حَبّ الرشاد بقلة لها
стр. 802
حَبٌّ حِرّيف: هو الحُرْف. لكن الأزهري قال إن هذا -يعني لفظ "حب الرشاد "-اسم بديل لاسم الحُرْف لتشاؤمهم منه. فيسْتَبْعَد لأنه بذلك لا يعبر عن المسمَّى.
أما الرُشْد والرَشَد في الاستعمال المعنوى أي غير المادي فقد غلب -في [ل، تاج]- تفسيرُه بالهداية بمعنى الدلالة على الطريق مطلقًا، وغلب على سائر المعاني، كما أنه أُجمل فعُرِّفَ بنقيض الغَىّ، وأن مراشد الطريق مقاصدُه. ولبعد الهداية إلى الطريق (مطلقًا) عن المعنى المحوري (الصلابة ..)، ولأن الراغب لم يحسم المعنى فقال "الرُشْد والرَشَد: خلاف الغيّ، ويستعمل استعمال الهداية "ثم علق على آيتَى رُشْد التيم، ورُشد إبراهيم ﵇ بأن بين الرُشْدين بونا بعيدًا، ولم يبيّنْه، وحكى عن (بعضهم) أَن الرُشْد يقال في الأمور الدنيوية، والرشَد -أي بالتحريك -في الأخروية لا غير- لذا تحولتُ عن المصدرين الأساسيين: [ل، تاج]، ونظرت في غيرهما.
جاء في [الفروق] عن أبي عمرو بن العلاء أن الرُشْد: الصلاحُ ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، وأضاف أن الرَشَد -بالتحريك: الاستقامة في الدين ومنه ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، (قراءة أبي عمرو بالتحريك). وهذا مناسب للمعنى المحوري، لأن الصلاح من باب الصلابة، لأن الصلاح صحة وسلامة، كما أن الصلاح مناسَبةٌ لما يراد "أديم يصلح للنعل "، [تاج] (أي بمتانته ومقداره]. وفي [لفروق] أيضًا "المرشد: الهادي للخير والدالّ على طريق الرشد. إذا دَلّه على الطريق المؤدي إلى الغرض المطلوب فقد أرشده، وإذا قَبِل هو قولَ الدالّ فسلك قَصْدَ السبيل فهو
стр. 803
راشد، وإذا بَعَثَتْهُ نفسه على سلوك الطريق القاصد فهو رشيد " [ينظر الفروق باب ٦ ١ الفقرتين ١، ١٠، وفي تحقيق عيون السود ٢٣٥، ٢٣٨]. وفي المصباح "الرُشْد: الصلاح، وهو خلاف الغي والضلال، وهو إصابة الصواب. وهو لِرَشْدة أي صحيح النسب "وفي الأساس "هو يمشي على الطريق الأسدّ الأرشد، وتقول للمسافر "راشدًا مهديًّا "ولا يَعْمَى عليكَ الرَشَدُ. إذا أصاب وجه الأمر ".
فالتحرير أن معنى الرُشْد هو صلاح الأمر وكونه على الوجه الصحيح، ويصح تفسيره بنقيض الغيّ، وبالهداية إلى ما هو صواب خاصة. ورُشْد الصبي استحكام صواب نظرتِه إلى الأمور وتقويمها وتصريفه مع الجِدّ والصلابة على ذلك. وتفسير الإرشاد باهداية ينبغي أن يكون مقيدًا بالهداية إلى الطريق الأسدّ الصحيح الصائب الأقصد، لا مطلق الهداية إلى طريق ما. فإن الهداية قد تستعمل في هذه الدلالة المطلقة لما لا يستحبّ الوصول إليه ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]. ويؤيد أن الهداية في أصلها: دلالة مطلقة وأن الرُّشْد أخصّ قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢]. حيث استعمل الهداية في الدلالة والرُشْد بمعنى الحق والصواب أو الخير. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦] استبان الإيمان من الكفر [بحر ٢/ ٢٩٢] (أي تبين الصواب والحق وهو لزوم الإيمان بالله ولذا فلا إكراه، بل كل يتحمل مسئولية موقفه) ومثلها في معنى الرُشْد ما في [الأعراف ١٤٦، الجن: ٢] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١] أي من قبل النبوة هدينَاه للحق والصواب من أمر الدين. وفسر أيضًا بالنبوة مغ أقوال أخرى [ينظر قر ١١/ ٢٩٦، بحر ٩/ ٢٩٨]. وأما ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] فقد كان علم الخضر معرفةً
стр. 804
ببواطنَ قد أُوحِيت إليه، وعلم موسى الأحكام والفتيا بالظاهر [بحر ٦/ ١٣٩] أقول: ومجال علم الخضر غامض، فكان موسى يشترط.
وعن موقف الأئمة من رُشْد الصغير ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، أهو العقل أم إحكام التصرف؟ [ينظر قر ٥/ ٣٧]. وفي قوله تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. (أي بإرسال النبي ﷺ إليهم، لأنهم إنْ أَبَوْا هلكوا كالأمم السابقة، وإن آمنوا اهتدوا (- أي رَشَدوا) عن [قر ١٩/ ١٤]. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦] يتهدون لمصالح دينهم ودنياهم [بحر ٢/ ٥٤، قر ٢/ ٣١٤] ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٨٧] أي ذو رشد أو بمعنى راشد أو مرشد أي صالح أو مصلح .. [قر ٩/ ١٧٧]، وفيه "شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر "وهذا كأنه ناظر إلى الصلابة والحدة في الأصل اللغوي، ومثلها يقال في ما في [هود ٨٧ تهكما، ٩٧]. ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ومن تعرض للخذلان فلن مجد من يليه ويرشده بعد خذلان الله (إياه) [الكشاف ٢/ ٦٨١]، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]: الرشَد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة الصخرة. اهـ[قر ١٦/ ٣١٤] وبالاهتداء لمصالح الدين والدنيا يفسَّر الرشَد -بالتحريك؛ والرشاد في كل آياتهما.
° معنى الفصل المعجمي (رش): انتشار الأشياء الدقيقة الطرية كالرش المطر القليل -في (رشش)، وكالريش بانتشاره على البدن مع لينه ودقته -في (ريش) وكأثناء الحجر (قبل أن يتحجر) فهو ذرات ضعيفة تجمعت وتحجرت فصارت رشادة، وكالصبي بضعفه وطراءته قبل أن يشتد ويرشُد في (رشد).
стр. 805
الراء والصاد وما يثلثهما
• (رصص- رصرص):
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] "الرَصَاص من المعدنيات معروف. والرَصّاء والرَصُوص من النساء: الرَتْقاء ".
° المعنى المحوري الْتِحام المادة (اللينة) مع غلظ وقوة (١) كحال الرتقاء، والرَصَاصُ ثقيل جدًّا وليّن (طري) وثقله يوحي بامتلاء أثنائه أي شدة اكتنازه. ومنه "رصّ البنيانَ ورَصْرَصه: أحكمه وجَمَعه وضمّ بعضَه إلى بعض، والشيءَ: ألصق بعضه ببعض. وكل ما أُحْكِم وضُمَّ فقد رُصّ " ﴿صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ومنه "الرَصَّاصة -كنَشَّابة والرَصْرَاصة: حجارة لازمة لما حوالَيْ العين الجارية ". (بالغة الصلابة لا يؤثر فيها الماء الجاري).
• (رصد):
﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧]
"الرَصِيدُ: السبع الذي يَرْصُد لِيثِب. ومراصدُ الحيات: مكامنها. الرصود من الإبل: التي ترصُد شُرْبَ الإبل ثم تشرب هي. فلان يرصُد فلانًا (نصر)
стр. 806
ورَصَدًا -بالتحريك: يقعد له على طريقه. الرُصْدة: الزُبية (= حفرة في أعلى ربوة تُغَطَّى ليقع فيها الأسد أو الذئب، وأيضًا يستتر فيها الصائد).
° المعنى المحوري لزوم مكان للترقب مع تحفُّزٍ للأخْذ أو الإصابة كالسبع والحيات في مكامنها، وكالناقة التي تنتظر شرب الإبل. والزُبية مكان للارتقاب. ومنه في الحديث "إلا دينار أُرْصِده لدَيْن: أْمْسِكه أو أُبْقِيه. المَرْصَد والمِرْصاد: المكان الذي يُرْصَد فيه العدو ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: يراقبك ولا تفوته [وسيط] ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة ١٠٧] (إنشاء مسجد الضرار مركزًا لهم) ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] ومثلها ما في [النبأ ٢١، الفجر ١٤]. والرَصَد -محركة: الراصد يستوي فيه الواحد والجمع .. ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، ﴿يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧].
° معنى الفصل المعجمي (رص): الالتحام بغلظ أو متانة كما يتمثل في التحام الرصاص وحال المرأة الرتقاء -في (رصص)، والغلظ هنا أن هذا عيب يحرم المرأة من الأمومة، وكما في لزوم المترصد مكانه مع تحفز ليهجم أو ياخذ، والزبية مرصدة للأخذ أيضًا -في (رصد).
الراء والضاد وما يثلثهما
• (رضض - رضرض):
"الرَضُّ: الدقُّ الجَرِيش (= الخَشِن). رَضَّ الشيء: لم يُنْعم دَقَّه. رَضّ رأس الجارية بين حجرين. والرَضُّ -بالفتح: التَمْر الذي يُدَقُّ فيُنَقَّى عَجَمُه (= نواه) ويلقى التمر في المَخْض أى في اللبن (الرائب). والمُرِضّة -بضم الميم وكسر الراء: الرَثِيئَة الخاثرة. وهي لَبن حليب يُصَبّ عليه لبن حامض، ثم يُتْرك ساعة فيُخرج
стр. 807
ماءً أصفرَ فيُصَبّ منه (أي يُصَفَّى ويُطْرَح، ويُشْرَبُ الخاثر). وقد أَرَضَّت الرثيئةُ: خَثُرت ".
° المعنى المحوري رخاوة الشيء الغليظ لإذهاب غلظ أثنائه بالدق ونحوه (١). كرض رأس الجارية يجعله كتلة رخوة، وكالرضّ والمُرِضّة الموصوفين.
ومن الصور المادية لمعنى الرخاوة مع الغلظ "بعير ورجلٌ رَضْراض: كثير اللحم ". ومنها "الرَضْراض: الحصا الذي يجرى عليه الماء " (فالحصا كالغليظ المفتت، والماء الجاري عليه يمثل الرخاوة) وكذلك منها "أرضّ التعبُ العَرَقَ: أساله ". فالتعب هو الغلظ والعَرق رخاوة لأنه ماء.
ويلزم من الرخاوة مع الضخامة الارتجاج "امرأة رَضْراضة من السمن، وكفل رَضْراض ".
стр. 808
ويلزم من الضخامة مع الرخاوة الثقلُ والإبطاءُ، أو لزوم المكان كما في "أرَضّ: ثَقُل وأبطأ، وأرَضّ بالأَرْض: أَرَبَّ بها فلم يبرح ".
• (رضو - رضى):
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]
"الرضا: خلاف السُخط رَضِيتُ به وعنه، وربما قالوا عليه، ثم قالوا رضيته ".
° المعنى المحوري تشبع النفس وامتلائها بَلالًا ورقة نحو شيءٍ، أخذًا من (رضض) ومن مِثْل "أراضَ: شرِب عَلَلًا بعد نَهَل حتى نَقَع رِيّا. ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥]. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] أى رضوانه و (التراضى: رضا كل من أفراد جماعة بأمرٍ ما اتفقوا معا عليه) ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] وكذا ما في البقرة ٢٣٢] و (ارتضى) أرى فيها مبالغة في الرضا ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] لا يجسرون على أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهّله للشفاعة [بحر ٦/ ٢٨٥]. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] كانهم في يوم مباهاة الله ملائكتَهُ بهم هذا حققوا أهليتهم لإنعام الله عليهم بهذا الدين.
• (روض- ريض):
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]
"المَراض -كسحاب: المكانُ السهلُ لا يمسك الماءَ (اي هو يشرب الماء إذا سُكب عليه ولا يُبْقيه ظاهرًا) وأسفلَ السهولة صلابة تُمْسِك الماء (أي تحبسه فلا يتسرب إلى الأعماق ويفنى). والرَوْضَة -بالفتح: الموضع المنخفض يجتمع إليه
стр. 809
الماء، يكثر نَبْته من البَقْل والعُشْب. وهي أيضًا الرِيضَة -بالكسر، والأَرِيضة والأَرَاضة، والمستريضة .. ولا تكون رَوْضَةً إلا بماء معها أو إلى جنبها. وأراضَ الوادي والحوضُ: استنقع فيه الماء. وأراضوا: شربوا عَلَلًا بعد نهل ".
° المعنى المحوري رخاوة ال أَرْض من تشبُّعها بالماء والرطوبة: كأرْض الرَوْضة الموصوفة، ويلزم مثلَها كثرةُ النبت والخضرة: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ [الشورى: ٢٢]، وكذا ما في آية الرأس. كما أن كثافة النبت والخضرة في مكان تعد رخاوة ورطوبة له.
ومن رخاوة الأرض استُعمل التركيب في رخاوة ما هو كثيف له صلابة معنوية. ومن هذا: "رُضْتُ الدابَة أرُوضُها: وَطَّأْتها وذَلَّلْتها (جعلتها ذليلة طيْعة). ورَاوَضْتُه في البيع والشراء وهو ما يجرى بين المتبايعين، كأن كل واحد منهما يُرَوِّض صاحبه. والرَيِّض -كسيِّد- من النُوق: ما بدأ رَوْضُها وهي صَعْبَةٌ بعدُ ".
• (أرض):
﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]
"الأرض التي عليها الناس. أرض أرِضةٌ وأريضةٌ بيّنَهُ الأراضة: زكية كريمة مُخِيلة للنبت والخير/ هي التي تَرُبُّ الثرى وتَمرَحُ بالنبات. الأَراضة: الخِصْبُ وحسن الحال. ما آرض هذا المكان: ما أكثر عشبَه. ما آرض هذه الأرض: ما أسهلها وأنبتها وأطيبها ".
° المعنى المحوري كثافة الجرم مع غِنَى باطنه بلطيف تقوم به وعليه الأشياء: كهذه الأرض التي نحن عليها، فهي كثيفة الجرم وتحمل كل ما عليها، وغنية الباطن بما ينبت النبات. وهذا ملحوظ في الاستعمالات المعبرة عن
стр. 810
الخصوبة. ومنها امرأة رَيّضة أريضة: وَلود كاملة (قالوا) على التشبيه بالأرض "ومن صور خصوبة الباطن كذلك "جَدْىٌ أريضٌ: سمين ".
ومما يُحمَل على خصوبة الباطن هذه "رجل أريض بيّن الأَراضة: خليق للخير متواضع. هو آرضهم أن يفعل ذلك أي أخلقهم. وهو أريض بكذا: خليق به " (في إمكاناته المذخورة ما يؤهله لذلك). ومن جنس هذا الفرع "لا صيام لمن لم يُؤَرّضه من الليل أي لم يهيئه ولم ينوه ".
ومعنى القيام على الأرض، والإقامة متمكن في التركيب. ومن صوره:
أ) "تأرض النبت: أمكن أن يُجَزّ " (تمكن في الأرض وارتفع وأمكن فيه ذلك).
ب) (تأرض في المكان ثبت فلم يبرح/ أقام به ولبث. تأرض المنزلَ: ارتاده وتخيره للنزول. استأرض السحاب: انبسط، أراض الوادي: استنقع فيه الماء ".
ج) "بَعير شديد الأَرْض: شديد القوائم. الأرض: أسفل قوائم الدابة. أرض الإنسان: ركبتاه فما بعدهما " (إلى أسفل) كل ذلك دفع وحمل إلى أعلى.
ولعله وضح أن ما في الفقرة السابقة (صور للقيام والإقامة) يمكن أن يردّ كله إلى (الأرض) هذه التي نعيش عليها أي يمكن أن يؤخذ من معنى حملها إيانا - هذا الحمل الذي يؤخذ منه الرفع والقوائم والثبوت.
والذي ورد في القرآن الكريم من هذا التركيب لفظ (الأرض) هذه التي نعيش عليها. أو بقعة خاصة منها يُعيّنها السياق. عدا ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر ٧٤] فالسياق يجزم بأنها أرض الجنة [وانظر بحر ٦/ ٣١٨]، وما في [الأنبياء ١٠٥] الراجح أنها أرض الجنة كذلك [ينظر بحر ٦/ ٣١٨].