"قال الكلبي بلغني أنهم السبعون الذين١ اختار موسى" ثم قص القصة نحو ما ساقها ابن إسحاق وفي آخرها: فلما رجعوا إلى العسكر قال لهم مَنْ لم يكن معهم: ماذا قال ربكم؟ قالوا: أمرنا بكذا وكذا ونهانا عن كذا وكذا. هذا قول الذين صدقوا منهم وأما الذين كذبوا فقالوا: نعم قال ما قلتم ولكن وسع لنا في آخر ذلك فقال: إن لم تستطيعوا إلا الذي نهيتكم عنه فافعلوا قال: فلما قدم محمد ﷺ المدينة كلم اليهود ودعاهم إلى الله وإلى الإيمان بكتابة فجحدوا وكتموا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّه﴾ الآية.
وأما مقاتل بن سليمان فأورده مختصرا٢ فقال: قوله ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ الله﴾ نزلت في السبعين الذين اختار موسى ليذهبوا معه حتى يسمعوا كلام الله فلما ذهبوا معه سمعوا كلام الله وهو يأمر وينهى، فلما رجعوا أدى الصادقون ما سمعوا، وأما طائفة منهم فقالوا: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا.
وأخرج الطبري٣ من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال: كانوا يسمعون الوحي فيسمعون من ذلك كما يسمع أهل النبوة ثم يحرفونه من بعدما عقلوه، وقد استنكر ابن الجوزي٤ القصة المتقدم ذكرها فقال٥: أنكر
стр. 247
الحكيم الترمذي١ أن يكون أحد من بني إسرائيل سمع كلام الله غير موسى لأن ذلك من خصائص موسى.
قال ابن الجوزي: وهذا هو المعتمد والآثار الواردة في ذلك واهية لأنها من رواية ابن إسحاق عن بعض أهل العلم ومن تفسير مقاتل والكلبي وليس واحد من هذا بحجة٢ انتهى.
ورجح الطبري أنهم كانوا يسمعون قال٣: وذلك أن الله أخبر أن التحريف كان من فريق منهم كانوا يسمعون كلام الله، استعظاما من الله لما كانوا يأتون من البهتان، بعد توكيد الحجة عليهم إيذانا عباده المؤمنين بقطع أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما جاءهم به محمد فقال: كيف تطمعون في تصديق هؤلاء إياكم، وإنما تخبروهم عن غيب لم يشاهدوه وقد كان بعض سلفهم يسمع من الله كلامه بأمره ونهيه، ثم يبدله ويجحده فهؤلاء الذين بين أظهركم أحرى أن يجحدوا ما آتيتموهم به انتهى.
وعلى هذا فالذي اختص به موسى هو كلام الله على قصد مخاطبته إياه لا مطلق سماع الكلام ويحتمل أن يكون أولئك إنما كانوا يسمعون كلام
стр. 248
الله من بعض الملائكة فيكون لهم بذلك المزية على من بعدهم بما يدل عليه سياق الآية كما أشار إليه الطبري، ويصح ما أطلقه الترمذي ومن تبعه من اختصاص موسى بسماع كلام الله ، على أن في الحصر١ نظرًا فظواهر القرآن والأحاديث تدل على أن موسى ﵇ اختص بقدر زائد٢ من ذلك لا مطلق الكلام والله أعلم.
٢٢- قوله ز تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم﴾ الآية ٧٦.
١- أما صدرها فذكر أبو حيان بغير إسناد قال:٣ قيل إن النبي ﷺ قال:
стр. 249
"لايدخل ١ قصبة المدينة إلا مؤمن" ٢ فقال كعب بن الأشرف وكعب٣ بن يهوذا وغيرهما: اذهبوا فتجسسوا٤ أخبار من آمن وقولوا لهم آمنا واكفروا إذا رجعتم.
وأما باقيها فأخرج الطبري٥ من طريق ابن جريج٦ عن مجاهد قال: قام النبي ﷺ تحت حصون بني قريظة فقال: "يا إخوان القردة والخنازير ويا عبد الطاغوت". فقالوا: من أخبر محمدا بهذا؟ ما خرج هذا إلا منكم! أتحدثونهم بما فتح الله عليكم فيكون لهم حجة عليكم٧.
وأخرجه عبد بن حميد٨ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد٩: كان رسول الله ﷺ بعث عليا إلى بني قريظة فآذوا النبي ﷺ فقال: "اخسئوا يا أخوة القردة والخنازير". فقالوا من حدث محمدا بهذا١٠؟
стр. 250
وللطبري١ من طريق بشر٢ بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُم﴾ : بما أكرمكم٣ الله به فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم.
قلت: فعلى هذا المراد بالفتح الإنعام والكرامة، وعلى الأول الفتح العقوبة، ويشهد له ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ ٤.
وقد أخرج الطبري٥ من طريق السدي التصريح بأن المراد بالفتح هنا العذاب ولفظه: قال في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُم﴾ يعني من العذاب وهو الفتح قولوا لهم: نحن أكرم على الله منكم٦.
وجاء في السبب المذكور:
٢- قول آخر٧ فأخرج عبد الرزاق في "تفسيره"٨ عن معمر عن قتادة قال: كانوا يقولون إنه سيكون نبي -يعني في آخر الزمان٩- فخلا بعضهم إلى بعض
стр. 251
فقالوا: أتحدثونهم بهذا فيحتجون١ عليكم به.
وكذا أخرجه عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة وسياقه أبسط من هذا ونحوه للطبري٢ من طريق أبي العالية ولفظه: يعني بما أنزل الله في كتابه٣ من بعث٤ محمد ﷺ .
وذكره ابن إسحاق٥ عن محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس بلفظ آخر في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: إن صاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم﴾ بهذا فتقوم عليكم الحجة جحدوا ولا تقروا بأنه نبي أصلا يعني أن النبي لا يكذب وقد قال إنه رسول الله إلى الناس جميعا.
٣- وجاء فيه قول آخر ابن أبي حاتم٦ من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة: إن امرأة من اليهود أصابت فاحشة فجاءوا إلى النبي ﷺ يطلبون٧ منه الحكم رجاء الرخصة فدعا النبي ﷺ ، عالمهم٨ فذكر قصة الرجم قال ففي ذلك نزلت:
стр. 252
﴿وَإِذَ خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُم﴾ الآية١.
٢٣- قوله ز تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [الآية: ٧٨] ٢.
أخرج الطبري٣ من طريق ابن جريج عن مجاهد في هذه الآية ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّون﴾ قال: ناس من اليهود لم يكونوا يعلمون٤ شيئا وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله تعالى ويقولون: هو من الكتاب أماني يتمنونها.
وأخرج ابن أبي حاتم٥ من طريق عباد بن منصور عن الحسن البصري نحوه بتمامه٦ وأخرج الطبري٧ من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: الأميون هنا قوم
стр. 253
لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزل الله فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سِفْلة١ جهال: هذا من عند الله فأخبر أنهم يكتبون بأيديهم ثم سماهم أميين٢. وهذا استنكره الطبري من جهة اللغة العربية٣ وقد تقدم أن الضحاك لم يسمع من ابن عباس وإسناده [من ابن منصور] ٤ إلى الضحاك ضعيف٥ وكأنه جعل ما في الآية وصف مَنْ ذكر في التي بعدها وعند الأكثر أنها صفة قوم آخرين وهو أولى.
٢٤- قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [الآية: ٧٩] ٦.
قال الواحدي:٧ قال الكلبي بالإسناد الذي ذكرنا أنهم غيروا صفة رسول الله ﷺ في كتابهم وجعلوه آدم سبطا طويلا وكان ﷺ ربعة أسمر. وقالوا لأصحابهم وأتباعهم انظروا إلى صفة النبي ﷺ الذي يُبعث في آخر الزمان ليس يشبه نعت هذا وكانت٨ للأحبار والعلماء مأكلة من سائر اليهود فخافوا أن تذهب مأكلتهم إن بينوا
стр. 254
صفته فمن ثم غيروا١.
قلت: الكلبي تقدم وصفه وقد وجدت هذا من وجه آخر قوي أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر٢ عن عكرمة عن ابن عباس، وفيه مغايرة لسياق الكلبي، ولفظ شبيب بن بشر هذا -وقد وثقه ابن معين-٣ قال: هم أحبار يهود وجدوا نعت النبي ﷺ محمد مكتوبا في التوراة أكحل أعين ربعة جعد الشعر حسن الوجه. فمحوه حسدا وبغيا فأتاهم نفر من قريش من أهل مكة فقالوا: أتجدون في التوراة نبيا أميا؟ قالوا: نعم نجده طويلا أزرق سبط الشعر فقالت قريش ما هذه صفة صاحبنا٤.
ومن طريق أبي العالية:٥ عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد فحرفوه عن مواضعه يبتغون بذلك عرضا من٦ الدنيا.
стр. 255
ومن طريق١ السدي: كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم يبيعونه من العرب وغيرهم ويحدثونهم أنه من عند الله ليأخذوا به ثمنا قليلا.
ومن طريق٢ قتادة عن معمر نحوه.
٢٥- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ .
أسند الواحدي٣ من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة، واليهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا، يوما واحدا٤ من أيام الآخرة وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ .
ثم أسند من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال٥: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين يوما٦، فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة فإذا كان يوم القيامة اقتحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا
стр. 256
إلى سقر١ وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة. قال فقال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياما معدودة فقد انقضى العدد وبقي الأمد٢.
قلت: وجويبر ضعيف جدا والضحاك لم يسمع من ابن عباس والسند الذي قبله إلى ابن عباس أولى بالاعتماد.
وقد أخرجه الطبري٣ من رواية العوفي عن ابن عباس والعوفي٤ ضعيف، ولعله أخذه عن الضحاك لكن سياق العوفي أتم من سياق الضحاك وعنده عن ابن عباس "ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة" فذكره وقال في آخره ساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة [فلما أكلوا من شجرة الزقوم وملئوا منها البطون] ٥ قال لهم خزان سقر:
زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة فقد خلا٦ العدد وأنتم في
стр. 257
الأمد١ فأخذ بهم في صعود٢ في جهنم يرهقون.
وأخرج الطبري٣ من وجه آخر عن جويبر عن الضحاك في هذه الآية قال: قالت اليهود: لا نعذب في النار إلا أربعين يوما بمقدار ما عبدنا العجل. وأما السند الأول من طريق ابن إسحاق فقد تقدم في حال النسخة المروية عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد وأنه صدوق عند ابن أبي حاتم٤ وغيره لكن الأحاديث التي يقول فيها ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس فالترديد بين عكرمة وسعيد بن جبير، وفي هذا الموضع اقتصر
стр. 258
الواحدي في سياقه على عكرمة وأظنه اختصر وإلا فقد أخرجه الطبري١ من طريق ابن إسحاق على العادة قال: عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس.
وقد أخرجه الطبري٢ أيضا من طريق حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة مرفوعا مرسلا قال: خاصمت اليهود رسول الله ﷺ فقالوا: لن ندخل إلا أربعين ليلة ويخلفنا فيها قوم آخرون يعنون٣ أصحاب محمد فقال النبي صلى الله عليه وسلم٤: "بل أنتم فيها خالدون لا يخلفكم فيها أحد". فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية ٥.
وأخرجه سُنيد٦ في "تفسيره" عن حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عكرمة قال: "اجتمعت يهود تخاصم النبي صلى الله عيله وسلم فقالوا لن تصيبنا النار" فذكره وفيه: "كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم فيها إن شاء الله تعالى أبدا". فنزل القرآن تصديقا لقول النبي ﷺ وتكذيبا لهم ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ .
وأخرج الطبري٧ عن قتادة قال: قالت اليهود:
لن ندخل النار إلا تحلة القسم عدد الأيام التي عبدنا فيها العجل فقال الله
стр. 259
تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أي: بهذا الذي تقولون فهاتوا حجتكم.
وأخرج الطبري١ من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال حدثني أبي زيد بن أسلم٢ أن رسول الله ﷺ قال ليهود: "أنشدكم الله الذي أنزل التوراة على موسى مَنْ أهل النار الذين ذكرهم الله تعالى في التوراة؟ " قالوا: إن ربهم غضب عليهم غضبة فنمكث في النار أربعين ليلة ثم نخرج فتخلفوننا فيها فقال: "كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبدا".
فنزل القرآن تصديقا لرسول الله ﷺ ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةْ﴾ إلى ﴿خَالِدُون﴾ .
قلت: أصل هذا دون ذكر نزول الآية في "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة أخرجه من رواية الليث عن سعيد المقبري عنه في أثناء حديث قال فيه: قال لهم -أي النبي ﷺ : "من أهل النار؟ " قالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها. فقال النبي ﷺ : "اخسئوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدا" ٣.
стр. 260
٢٦- قوله ز تعالى: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [الآية: ٨٥] .
قال ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس: كانوا فريقين يعني بالمدينة بنو قينقاع ولهم حلفاء الخزرج، وقريظة والنضير ولهم حلفاء الأوس فوقع بين الأوس والخزرج حرب، فخرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت قريظة والنضير مع الأوس، فظاهر كل فريق حلفاءه على إخوانهم حتى سفكت دماؤهم، وبأيديهم التوراة، يعرفون فيها تحريم سفك دمائهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، لا يعرفون حلالا من حرام فاذا انقضت الحرب افتدوا أسرى من أسر منهم فتفتدي قينقاع من أسرة الأوس، وتفتدي قريظة والنضير من أسرة الخزرج فأنبهم الله تعالى بذلك.
قال ابن إسحاق: ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج نزلت هذه القصة فيما بلغني، أخرجه الطبري١.
وأخرج٢ من طريق السدي نحوه لكن خالف في بعضه فقال: إن الله أخذ علي بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعض بعضا وأيما عبد أمة وجدتم من بني إسرائيل فاشتروه فأعتقوه فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في حرب سمير٣ فإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فكان العرب تعيرهم بذلك يقولون كيف تقاتلونهم وتفدونهم فإذا٤ قالوا: أمرنا بأن
стр. 261
نفديهم فإن قيل لهم: فقد نهيتم عن قتالهم قالوا: إنا نستحيي من حلفائنا فنزلت الآية بتوبيخهم على ذلك١.
٢٧- قوله ز تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم٢ من طريق أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: قالت اليهود قلوبنا مملوءة علما لا نحتاج إلى علم محمد ولا غيره٣ بل هي غلف فنزلت ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِم﴾ .
ومن طريق٤ فضيل بن مرزوق٥ عن عطية٦ العوفي قالوا: قلوبنا أوعية العلم٧.
стр. 262
قال١: وروي عن عطاء الخراساني مثله.
قلت: ويستفاد من هذا أمران:
أحدهما: أن قراءة الجمهور "غُلْف" بسكون اللام مخففة٢.
ثانيهما: أن بل للإضراب على بابها٣.
٢٨- قوله ز تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
أخرج الطبري٤ وابن أبي حاتم٥، من طريق محمد بن إسحاق بالسند المذكور أولا: أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل بعثته، فلما بعثه الله جحدوا ما كانوا يقولون فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء٦ بن معرور أحد٧ بني سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل "شرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته فقال: سلام بن مِشكم
стр. 263
أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكره لكم! فأنزل الله ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية١.
وهكذا أخرجه ابن إسحاق في "السيرة الكبرى"٢ وأخرج فيها أيضا٣ والطبري من طريقه٤ عن عاصم بن عمر بن قتادة٥ عن أشياخ منهم٦ قالوا: فينا والله وفيهم -أي: الأنصار واليهود- نزلت هذه القصة قالوا: كنا علوناهم دهرا٧ في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب فكانوا يقولون: إن نبيا يُبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه نقتلكم معه قتل عاد وأرم.
فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به٨ قال الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه﴾ الآية.
стр. 264
وأخرج الطبري١ من طريق العوفي عن ابن عباس قال: كان أهل الكتاب يستنصرون بخروج محمد ﵊ على مشركي العرب فلما بعث الله محمدا ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.
ومن طريق قتادة٢ نحوه وزاد: وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا في التوراة، يعذبهم ويقتلهم فلما بعث من غيرهم كفروا به حسدا.
٢٩- قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣.
قال الواحدي٤: قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فإذا التقوا هزمت يهود، فعاذت اليهود بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا فدعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان فلما بعث النبي ﷺ كفروا به فأنزل الله ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بك يا محمد إلى قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِين﴾ .
قال٥: وقال السدي كانت العرب تمر باليهود فتلقى اليهود منهم أذى وكانت اليهود تجد نعت محمد ﷺ في التوراة فيسألون الله أن يبعثه ليقاتلوا معه فلما جاءهم محمد كفروا به حسدا وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل٦.
стр. 265
قلت: المحفوظ عن ابن عباس ما تقدم١، وأما هذا الطريق بهذا اللفظ فأخرجه الحاكم في "المستدرك"٢ من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عنه٣ واعتذر عن إخراجه فقال: غريب من حديثه أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير.
قلت: وأي ضرورة تحوج إلى إخراج حديث من يقول فيه يحيى بن معين: كذاب٤ في "المستدرك" على البخاري ومسلم، ما هذا إلا اعتذار ساقط٥.
وجاء عن ابن عباس في تفسير ﴿يَسْتَفْتِحُون﴾ :
٢- قول آخر أخرجه الطبري٦ من طريق أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله ﴿يَسْتَفْتِحُون﴾ قال: كانوا يستظهرون يقولون نحن نعين محمدا عليهم وليسوا كذلك بل يكذبون.
стр. 266
وأما أثر السدي فأخرجه الطبري وابن أبي حاتم١ من طريق أسباط عنه بهذا ولكن فيه: تمر باليهود ويؤذونهم، وكانوا يجحدون محمدا في التوراة وفيه فيقاتلوا٢ معه العرب، وفيه: كفروا به حين لم يكن، والباقي سواء. زاد ابن أبي حاتم في آخره: فما بال هذا من بني إسماعيل؟
وأخرجه الطبري٣ من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا٤ حتى يعذب المشركين ويقتلهم٥.فلما بعث الله محمدا ورأوه أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله فقال : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه﴾ الآية.
ومن طريق٦ ابن جريج قلت لعطاء٧ قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُون﴾ قال: كانوا يرجون أن يكون منهم فلما خرج ورأوا أنه ليس منهم، كفروا به وقد عرفوا أنه الحق.
ومن طريق٨ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانت يهود يستفتحون على كفار العرب يقولون: أما والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى، أحمد لكان لنا
стр. 267
عليكم! وكانوا يظنون أنه منهم، وكانوا بالمدينة١ والعرب حولهم، فلما كان من غيرهم أبوا أن يؤمنوا به وحسدوه، وقد تبين لهم أنه رسول الله فمن هناك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيا خارج.
ومن طريق٢ ابن أبي نجيح عن علي الأزدي هو ابن عبد الله البارقي٣ تابعي ثقة قال قالت اليهود: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس، ﴿يَسْتَفْتِحُون﴾ يستنصرون.
وأخرج عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة نحو رواية السدي وأوله: كانت اليهود تستفتح بمحمد على كفار العرب، وقال في آخره: كفروا به حسدا للعرب وهم يعرفون أنه رسول الله٤.
٣٠- قوله ز تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاس﴾ [الآية: ٩٤] .
ذكر ابن الجوزي٥ أنها نزلت لما قالت اليهود: إن الله لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وبنيه. قلت: الذي أخرج الطبري٦ من طريق أبي العالية قال: قالت اليهود
стр. 268
يعني والنصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ١ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٢ فأنزل الله ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَة﴾ الآية٣. ومن طريق قتادة ونحوه٤.
ومن طريق ابن إسحاق بسنده المتكرر عن ابن عباس قال٥: لو تمنوه يوم قال لهم: فتمنوا الموت، ما بقي على ظهر الأرض يهودي إلا مات٦ وذلك أنهم فيما ذكر لنا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.
وبه إلى ابن عباس٧ في قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْت﴾ : أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ .
وقال عبد الرزاق٨ عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود لماتوا، وهذا سند صحيح٩.
стр. 269
وعند ابن أبي حاتم من طريق الأعمش٢ أحسبه عن المنهال -يعني ابن عمرو- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.
وهذه الطرق موقوفة على ابن عباس، وقد رفعه عبيد الله بن عمرو الرقي وهو ثقة٣ عن عبد الكريم٤.
أخرجه الطبري من طريقه٥ ولفظه عن رسول الله ﷺ : "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا" ٦ أو "لو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ -يعني نصارى نجران- لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا". وأخرجه أحمد في "مسنده" من وجه آخر عن عبد الكريم٧ وسند الطبري صحيح. وقد أخرجه الضياء المقدسي٨ في "المختارة"٩.
стр. 270
ووقع في "تفسير ابن ظفر" أنهم لما ادعوا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا أو نصرانيا أعلم الله نبيه أنه يحول بينهم وبين تمني الموت فجمعهم وتلا عليهم الآية فامتنعوا من تمني الموت فقال: "لو تمنوا الموت لما قام رجل منهم من مجلسه حتى يغصه الله بريقه فيموت" ١ وسيأتي في تفسير سورة الجمعة ما يؤيد رواية ابن إسحاق أنها نزلت في زعمهم أنهم أولياء الله. ويؤخذ من مجموع الآيتين٢ أن دعاءهم إلى تمني الموت نزل بسبب القولين معا دعواهم أنهم أولياء الله وأن الدار الآخرة خالصة لهم.
٣١- قوله ز تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ [الآية: ٩٦] .
قال محمد بن يوسف الفريابي في "تفسيره": حدثنا قيس بن الربيع٣ عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان أهل الكتاب يقول أحدهم لصاحبه عش ألف سنة كُلْ ألف سنة فنزلت.
وأخرجه الحاكم٤ أيضا من طريق الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد عن
стр. 271
ابن عباس ﴿وَلَتَجِدَنَّهُم﴾ قال: هم اليهود ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال: الأعاجم.
وأخرجه١ من تفسير٢ إسحاق بن راهويه عن أبي معاوية عن الأعمش بهذا السند بلفظ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة﴾ هو قول الأعاجم إذا عطس: زَهْ هزار سالَ.
وأخرجه الطبري٣ وابن المنذر من طريق أبي معاوية٤ وقال في آخره: يعني عش ألف سنة.
٣٢- قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيل﴾ إلى قوله ﴿لِلْكَافِرِين﴾ [٩٧-٩٨] .
أسند الواحدي٥ من طريق بكير بن٦ شهاب٧ عن سعيد بن جبير عن ابن
стр. 272
عباس قال: أقبلت يهود إلى النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم نسألك عن أشياء فإن أجبتنا فيها اتبعناك، أخبرنا من الذي يأتيك من الملائكة فإنه ليس نبي إلا يأتيه ملك من عند ربه بالرسالة أو١ بالوحي، فمن صاحبك؟ قال: "جبريل ﵇"، قالوا: ذاك الذي نزل بالحرب وبالقتال ذاك عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك فأنزل الله ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيل﴾ الآية إلى قوله: ﴿لِلْكَافِرِين﴾ .
قلت: أخرجه أحمد٢ والترمذي٣ والنسائي٤ من هذا الوجه٥ وفي أول الحديث إنا نسألك عن خمسة أشياء وذكرها في سياقه وهي علامة النبي، وكيف تُؤنث المرأة وتذكر، وعما حرم إسرائيل على نفسه، وعن الرعد، وآخرها من صاحبك من الملائكة؟ الحديث.
وعند أحمد أيضا٦ وعبد بن حميد٧ والطبري٨ من طريق شهر بن حوشب٩ عن ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا
стр. 273
القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، فقال: "سلوا عم شئتم"، فذكر الحديث وفيه: قالوا فأخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه قال: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا، وطال سقمه ١، فنذر لله نذرا إن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه، وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟ " قالوا: اللهم نعم، قال: "اللهم اشهد عليهم".
قالوا فأخبرنا بهذا النبي الأمي مَنْ وليه من الملائكة؟ قال: "فإن وليي جبريل ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه". قالوا: فعندها نفارقك لو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك، قال: "فما يمنعكم؟ " قالوا: إنه عدونا فأنزل الله الآية٢.
وأخرجه ابن إسحاق٣ عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر بن حوشب بنحوه ولم يذكر ابن عباس وزاد فيه: قالوا: فأخبرنا عن الروح، قال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه جبريل وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم ولكنه لنا عدو وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء ولولا ذاك اتبعناك فأنزل الله الآية إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُون﴾ .
стр. 274
وقال عبد الرزاق في "تفسيره"١ عن معمر عن قتادة: قالت اليهود: إن جبريل يأتي محمدا وهو عدونا لأنه ينزل بالشدة والحرب والسنة٢، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيل﴾ الآية.
وأخرج الطبري٣ من طريق القاسم بن أبي بزة يهودا سألوا النبي ﷺ من صاحبك الذي ينزل عليك بالوحي قال: "جبريل"، قالوا: فإنه عدونا لا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال فنزلت٤.
وفي "صحيح البخاري"٥ عن أنس قال سمع عبد الله بن سلام بمقدم النبي ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه أنه سأله عن أشياء فقال: "أخبرني بهن جبريل آنفا"، قال: جبريل؟ قال: "نعم" قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، هكذا في هذه الطريق من قول عبد الله بن سلام وهي قصة غير التي في حديث ابن عباس٦.
وأسند الواحدي٧ من طريق علي بن مُسْهر والطبري٨ من طريق ربعي بن عُلية وهو أخو٩ إسماعيل عن داود بن أبي هند١٠ عن الشعبي١١ قال: نزل عمر
стр. 275
الروحاء١ فذكر قصة فيها "فقال عمر: كنت أشهد اليهود يوم
هم فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان، ومن الفرقان كيف يصدق التوراة، فبينما أنا عندهم ذات يوم فقالوا: يابن الخطاب ما أحد أحب إلينا منك.
إنك تأتينا وتغشانا قال: ومر رسول الله ﷺ فقالوا: يابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به. فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟ فسكتوا فقال عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظم عليكم فأجيبوه، قالوا: أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت، قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به، فإنا نعلم أنه رسول الله، قال: قلت: ويحكم فأنى٢ هلكتم قالوا: إنا لم نهلك. قال: كيف ذاك، وأنتم تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: لأن لنا عدوا من الملائكة وسلما، وأنه قرن بنبوته٣ عدونا من الملائكة. قال قلت: ومن عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل وسلمنا ميكائيل قال قلت: وفيم عاديتم جبريل؟ وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة
стр. 276
والتخفيف ونحو هذا. قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عنة يساره قال: قلت: فوالله الذي لا إله إلا هو إن الذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل قال: ثم قمت فاتبعت النبي ﷺ ، فلحقته وهو خارج من خوخه١ لبني فلان، فقال لي: "يابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نزلن قبل" ٢ فقرأ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه﴾ حتى قرأ الآيات قال:
قلت: بأبي وأمي [أنت يا رسول الله] ٣ والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.
لفظ الطبري، وأخرجه٤ أيضا من طريق إسماعيل٥ بن علية عن داود نحوه.
ومن طريق مجالد عن الشعبي نحوه٦.
стр. 277
وأخرج أيضا من طريق قتادة١ قال: ذكر لنا أن عمر انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه رحبوا به. فقال لهم عمر: أما والله ما جئت لحبكم ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبريل، فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسنة٢، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب وبالسلم. فقال لهم عمر: أفتعرفون جبريل وتنكرون محمدا؟ ففارقهم وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدثه، حديثهم فوجده قد أنزلت عليه ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ الآية.
ومن طريق السدي٣ قال: كانت لعمر أرض بأعلى المدينة، فكان ممره على طريق مدارس اليهود، فدخل فسمع منهم، فقالوا: يا عمر، ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، فإنك تمر بنا فلا تؤذينا فقال عمر: أي يمين أعظم فيكم؟ قالوا: الرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء، فقال لهم عمر: فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمدا عندكم، فذكر نحو حديث الشعبي بطوله.
ومن طريق هشيم٤ عن حصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل الذي ينزل عليكم اتبعناكم فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالنقمة والعذاب، وهو لنا عدو فنزلت هذه الآية
стр. 278
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيل﴾ .
وأخرجه ابن أبي حاتم١ من طريق عبد الرحمن الدشتكي٢ عن حصين عن ابن أبي ليلى مختصرا ولفظه: إن يهوديا لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهْ﴾ إلى ﴿لِلْكَافِرِين﴾ قال: فنزلت على لسان عمر٣.
قلت: وهذا غريب إن ثبت فليضف إلى موافقات عمر٤، وقد جزم ابن عطية بأنه ضعيف، ولم يبين جهة ضعفه٥، وليس فيه إلا الإرسال.
ثم قال الواحدي٦: قال ابن عباس: أن حبرا من أحبار اليهود من "فدك" يقال
стр. 279
له "عبد الله بن صوريا١" حاج النبي ﷺ ، فسأله عن أشياء، فلما اتجهت عليه الحجة قال: أي ملك يأتيك من السماء؟ قال: "جبريل، ولم يبعث الله نبيا إلا وهو وليه". قال: ذاك عدونا من الملائكة، ولو كان ميكائيل مكانه لآمنا بك، إن جبريل ينزل بالعذاب والقتال والشدة، على يدي رجل يقال له بخت نصر، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلا من أقوياء٢ بني إسرائيل في طلب بخت نصر ليقتله، فانطلق يطلبه حتى لقيه ببابل غلاما مسكينا ليست له قوة، فأخذه صاحبنا ليقتله، فدفع عنه جبريل، وقال لصاحبنا: إن كان ربكم هو الذي أذن في هلاككم فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هذا فعلى أي حق تقتله؟ فصدقه صاحبنا، ورجع إلينا، وكبر بخت نصر وقوي، وغزانا وخرب بيت المقدس، فلهذا نتخذه عدوا، فأنزل الله هذه الآية.
قلت: يتعجب من جزمه بهذا عن ابن عباس مع ضعف طريقه فإنه من تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفي وقد قدمت أنه هالك٣.
وقد أخرج الطبري٤ من طريق أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس "أن اليهود سألت محمدا ﷺ عن أشياء كثيرة فأخبرهم بها على ما هي عندهم إلا جبريل، فإن جبريل كان عند اليهود صاحب عذاب وسطوة، ولم يكن عندهم صاحب
стр. 280
وحي ينزل١ من الله على رسله، ولا صاحب رحمة، فأخبرهم رسول الله ﷺ فيما سألوه عنه: أن جبريل صاحب وحي وصاحب نقمة، وصاحب رحمة، فأنكروا ذلك.
وقالوا هو عدو لنا فأنزل الله تكذيبا لهم ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية، ثم قال الواحدي٢: "قال مقاتل٣: قالت اليهود إن جبريل٤ أمره الله أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله هذه الآية ".
قلت: جعل الواحدي هذا السبب ترجمتين٥ من أجل الإختلاف في سبب عداوتهم لجبريل وإن كان سبب النزول واحدا وحاصل ما ذكر فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما قول الجمهور: إن عداوتهم لكونه ينزل بالعذاب.
ثانيها: كونه حال دون قتل بخت نصر الذي خرب مسجدهم وسفك دماءهم، وسبى ذراريهم.
ثالثها: كونه عدل بالنبوة عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل.
وهذا الثالث قواه الفخر الرازي٦ من جهة المعنى٧؛ لأن معاداة جبريل وهو
стр. 281
رسول الله بامتثاله أمر الله فيما ينزل به من الشدة والعذاب لا يصدر من عاقل بخلاف تجويز النسيان عليه مع من أمر بالإنزال عليه. هذا حاصل ما رجحه به١،
стр. 282
وفاته ترجيح أن١ يرجح الثاني٢؛ لأنه ليست مخالفة لما أمر به لا عمدا ولا سهوا، بل هو راجع إلى اجتهاده، ومن عادى من اجتهد فأداه اجتهاده إلى ضرر من عاداه لا يلام في المعاداة٣.
وقد وجدت ما يصلح معه إفراد الترجمة الثانية وهو سبب معاداتهم لرسول الله ﷺ لأن الأولى من جميع طرقها خاصة بجبريل ﵇، وذلك فيما أخرجه الطبري٤ من طريق عبيد الله العتكي -وهو أبو المنيب المروزي صدوق٥- عن رجل من قريش قال: سأل النبي ﷺ اليهود فقال: "أسألكم بكتابكم الذي تقرءون، هل تجدونني قد بشر بي عيسى أن يأتيكم رسول من بعدي اسمه أحمد؟ " قالوا: اللهم وجدناك في كتبنا، ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال -يعني الغنائم- وتهريق الدماء. فأنزل الله ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِه﴾ [الآية: ٦] .
стр. 283
٣٣- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَات﴾ .
قال الواحدي١: قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله ﷺ : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة نتبعك٢ بها فأنزل الله هذه الآية٣.
قلت: أخرجه الطبري٤ من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا الفطيوني٥ لرسول الله ﷺ : يا محمد فذكره وفي آخره: فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ وأخرجه ابن المنذر من وجه آخر عن ابن إسحاق بغير سند لابن إسحاق لكن قال: قال ابن صلوبا الفطيوني والمحفوظ ما تقدم.
стр. 284
٣٤- قوله ز تعالى: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ١٠٠.
أخرج الطبري١ وابن أبي حاتم٢ من طريق محمد بن إسحاق٣ عن محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: قال مالك بن الصيف٤ -حين بعث رسول الله ﷺ وذكرهم ما أخذ الله عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد: والله ما عهد الله إلينا في محمد، ولا أخذ علينا ميثاق فأنزل الله : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الآية.
وأخرج الطبري٥ من طريق ابن جريج في هذه الآية قال: لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدا٦
ومن طريق أخرى عن عطاء٧: قال هي العهود بينه وبين اليهود نقضوها، كفعل قريظة والنضير وهي كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُم﴾ الآية٨.
وذكر ابن ظفر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَات﴾ قيل: كان اليهود يقولون للنبي ﷺ : إن أخبرتنا عن كذا وكذا آمنا بك فيوحي الله إليه بذلك. فيخبرهم به، فلا يؤمنون وهو المراد بقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُم﴾ .
стр. 285
قال: وقيل: إن الأعراب التي كانت منازلهم بقرب يثرب، كانوا يغيرون عليهم، ويقاتلونهم، فيقولون: إن خرج النبي الذي يسفك دماءكم ويسبي أولادكم لنقاتلنكم معه، ونؤمن به، ويكررون الحلف فلما بعث نبذوا جميع تلك العهود١.
٣٥- قوله ز تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ الله﴾ [الآية: ١٠١] .
أخرج الطبري٢ وابن أبي حاتم٣ من طريق أسباط عن السدي٤ قال: في هذه الآية ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ . قال: "لما جاءهم محمد عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفق التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف ونسخة٥ هاروت وماروت٦، فلم توافق القرآن، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُون﴾ .
وأخرج الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس٧ قال: لما ذهب ملك سليمان