← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2102

العجاب في بيان الأسباب

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رسول الله بامتثاله أمر الله فيما ينزل به من الشدة والعذاب لا يصدر من عاقل بخلاف تجويز النسيان عليه مع من أمر بالإنزال عليه. هذا حاصل ما رجحه به١،

стр. 282

وفاته ترجيح أن١ يرجح الثاني٢؛ لأنه ليست مخالفة لما أمر به لا عمدا ولا سهوا، بل هو راجع إلى اجتهاده، ومن عادى من اجتهد فأداه اجتهاده إلى ضرر من عاداه لا يلام في المعاداة٣. وقد وجدت ما يصلح معه إفراد الترجمة الثانية وهو سبب معاداتهم لرسول الله ﷺ لأن الأولى من جميع طرقها خاصة بجبريل ﵇، وذلك فيما أخرجه الطبري٤ من طريق عبيد الله العتكي -وهو أبو المنيب المروزي صدوق٥- عن رجل من قريش قال: سأل النبي ﷺ اليهود فقال: "أسألكم بكتابكم الذي تقرءون، هل تجدونني قد بشر بي عيسى أن يأتيكم رسول من بعدي اسمه أحمد؟ " قالوا: اللهم وجدناك في كتبنا، ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال -يعني الغنائم- وتهريق الدماء. فأنزل الله ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِه﴾ [الآية: ٦] .

стр. 283

٣٣- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَات﴾ . قال الواحدي١: قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله ﷺ : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة نتبعك٢ بها فأنزل الله هذه الآية٣. قلت: أخرجه الطبري٤ من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا الفطيوني٥ لرسول الله ﷺ : يا محمد فذكره وفي آخره: فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ وأخرجه ابن المنذر من وجه آخر عن ابن إسحاق بغير سند لابن إسحاق لكن قال: قال ابن صلوبا الفطيوني والمحفوظ ما تقدم.

стр. 284

٣٤- قوله ز تعالى: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ١٠٠. أخرج الطبري١ وابن أبي حاتم٢ من طريق محمد بن إسحاق٣ عن محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: قال مالك بن الصيف٤ -حين بعث رسول الله ﷺ وذكرهم ما أخذ الله عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد: والله ما عهد الله إلينا في محمد، ولا أخذ علينا ميثاق فأنزل الله : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الآية. وأخرج الطبري٥ من طريق ابن جريج في هذه الآية قال: لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدا٦ ومن طريق أخرى عن عطاء٧: قال هي العهود بينه وبين اليهود نقضوها، كفعل قريظة والنضير وهي كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُم﴾ الآية٨. وذكر ابن ظفر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَات﴾ قيل: كان اليهود يقولون للنبي ﷺ : إن أخبرتنا عن كذا وكذا آمنا بك فيوحي الله إليه بذلك. فيخبرهم به، فلا يؤمنون وهو المراد بقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُم﴾ .

стр. 285

قال: وقيل: إن الأعراب التي كانت منازلهم بقرب يثرب، كانوا يغيرون عليهم، ويقاتلونهم، فيقولون: إن خرج النبي الذي يسفك دماءكم ويسبي أولادكم لنقاتلنكم معه، ونؤمن به، ويكررون الحلف فلما بعث نبذوا جميع تلك العهود١. ٣٥- قوله ز تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ الله﴾ [الآية: ١٠١] . أخرج الطبري٢ وابن أبي حاتم٣ من طريق أسباط عن السدي٤ قال: في هذه الآية ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ . قال: "لما جاءهم محمد عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفق التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف ونسخة٥ هاروت وماروت٦، فلم توافق القرآن، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُون﴾ . وأخرج الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس٧ قال: لما ذهب ملك سليمان

стр. 286

ارتد فئام١ من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما رجع٢ إلى سليمان إلى ملكه، أقام٣ الناس على الدين كما كان، ثم ظهر سليمان على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، ومات حدثان ذلك٤، فظهرت الجن والإنس على الكتب بعد وفاته فقالوا هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه منها، فأخذوا به فجعلوه٥، دينا فأنزل الله ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين﴾ من المعازف، واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله . ٣٦- قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان﴾ [الآية: ١٠٢] . ١- أخرج الواحدي٦ من "تفسير٧ إسحاق بن راهويه". قال: أنا جرير عن

стр. 287

حصين عن عمران بن الحارث قال: بينا نحن عند ابن عباس إذ قال: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء فيجيء أحدهم بكلام١ حق فإذا جرب من أحدهم الصدق كذب معها سبعين كذبة فيشربها٢ قلوب الناس، فاطلع على ذلك سليمان فأخذها -يعني الصحف التي نسخوا فيها تلك الأكاذيب وما قبلها من الصدق٣- فدفنها تحت الكرسي فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق٤ وقال: ألا أدلكم على كنز سليمان المنيع٥ الذي لا كنز٦ مثله قالوا: بلى. قال: تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا: هذا سحر فتناسخها٧ الأمم فأنزل الله تعالى عذر سليمان ﵇ ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان﴾ ٨. قال الواحدي٩: وقال الكلبي: إن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيات١٠ على لسان آصف بن

стр. 288

برخيا: هذا ما علم آصف بن برخيا سليمان الملك، ودفنوها تحت مصلاه، حين نزع الله ملكه، ولم يشعر بذلك سليمان، فلما مات سليمان استخرجوها من تحت مصلاه وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا، فتعلموه، فأما علماء بني إسرائيل فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان، وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشت الملامة على سليمان فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمدا ﷺ فأنزل الله عذر سليمان على لسانه، وأظهر براءته مما رمي به. فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية. ثم أسند الواحدي١ من طريق سعيد بن منصور ثنا عتاب بن بشير أنا خصيف٢ قال: كان سليمان إذا نبتت الشجرة قال لأي داء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا. فلما نبتت شجرة الخروب٣ قال لأي شيء أنت؟ قالت لمسجدك أخربه. قال:

стр. 289

تخربينه؟ قالت: نعم. قال: بئس الشجرة أنت. فلم يلبث أن توفي فجعل الناس يقولون في مرضاهم: لو كان لنا مثل سليمان. فأخذت الشياطين فكتبوا كتابا فجعلوه في مصلى سليمان، وقالوا: نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به، فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب فإذا فيه سحر ورقى، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله ﴿فَلا تَكْفُر﴾ . قال الواحدي١: وقال السدي: إن الناس في زمن سليمان اكتتبوا السحر واشتغلوا بتعلمه، فأخذ سليمان تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيه، ونهاهم عن ذلك، فلما مات سليمان وذهب الذين كانوا يعرفون دفن تلك الكتب، تمثل الشيطان على صورة إنسان، فأتى نفرًا من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا -أي: لا ينفد-٢؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا فوجدوا تلك الكتب فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان كان يضبط الإنس والجن والشياطين والطير بهذا. فاتخذ بنو اسرائيل تلك الكتب فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود فبرأ الله سليمان من ذلك وأنزل هذه الآية. قلت: أثر ابن عباس أخرجه الحاكم في "المستدرك"٣ من هذا الوجه وعمران أخرجه له مسلم٤، وباقي رجاله من رجال الصحيح. وأما أثر الكلبي فأخرج الطبري نحوه عن ابن إسحاق، ولفظه٥ قال: عمدت

стр. 290

الشياطين حين عرفت موت سليمان فكتبوا أصناف السحر: من كان يحب أن يبلغ كذا فليقل كذا، حتى إذا استوعبوا١ أصناف السحر جعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم نقشوه على خاتم سليمان، وكتبوا في عنوان الكتاب: "هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم"، ثم دفنوه تحت كرسيه، فاستخرجه بعد ذلك بقايا من بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله٢ ما كان ملك سليمان إلا بهذا، فأفشوا السحر وتعلموه وعلموه، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود فلما ذكر رسول الله ﷺ سليمان٣ وعده في مَنْ عده -يعني من الأنبياء-٤ قال مَنْ كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا. فأنزل الله هذه الآية، هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد وأخرج الطبري٥ من طريق شهر بن حوشب نحوه بطوله فلعل ابن إسحاق أخذه عنه وعن الكلبي. وحكى الماوردي٦: "إن آصف بن برخيا كاتب سليمان واطأ نفرا من الشياطين على كتاب كتبوه سحرا، ودفنوه تحت كرسي سليمان ثم استخرجوه" فذكر القصة ولم أر في الآثار المسندة أن آصف واطأ الشياطين. وأما ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد٧ قال: "لما جاءهم محمد بالقرآن عارضوه بالتوراة،

стр. 291

فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت". فمراده بكتاب آصف الكتاب الذي ادعت الشياطين أن آصف هو الذي ألفه وهذا لا يلزم منه أنهم صدقوا فيما ادعوه على آصف. ثم إن الثابت في كتابة الشياطين السحر أنه إنما وقع لهم حين نزع من سليمان ملكه، كذلك أخرجه الطبري١ من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الذي أصاب سليمان بن داود في سبب أناس من أهل امرأة يقال لها جرادة، وكانت من أكرم نسائه عليه. فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي٢ لهم، فعوقب حين لم يكن هواه في الفريقين واحدا، وكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء، نزع خاتمه فذكر القصة بطولها كما سيأتي في سورة "ص"٣ إلى أن قال: "فعمدت٤ الشياطين في تلك الأيام فكتبت كتبا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم

стр. 292

أخرجوها -يعني بعد موته١- فقرءوها على الناس فقالوا٢: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب! فبرئ الناس من سليمان وكفروه، حتى بعث الله محمدا فأنزل الله ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان﴾ ٣ وأخرج ابن أبي حاتم٤ أثر الأعمش عن المنهال عن سعيد عن ابن عباس بلفظ كان٥ آصف كاتب٦ سليمان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا، وقالوا: هذا الذي كان سليما يعمله٧ فأكفره جهال الناس وسبوه٨، حتى أنزل على محمد ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان﴾ . وأما أثر خُصيف ففيه ضعف مع إعضاله، وأصل قصة سليمان في خطاب الشجرة إذا نبتت وما يتداوى بها منه ثابت في حديث آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك"٩ من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مات سليمان وهو قائم يصلي، ولم تعلم الشياطين يموته١٠، حتى أكلت

стр. 293

الأرضة١ عصاه فخر، وكان إذا نبتت شجرة سألها لأي داء أنت؟ فتخبره٢ فلما نبتت الخروب٣ سألها: لأي شيء أنت؟ فقالت لخراب هذا المسجد. فقال: إن خراب هذا المسجد لا يكون إلا عند موتي٤ فاتخذ منها عصا يتوكأ عليها وقال: اللهم عم عن الجن موتي، الحديث وسأذكره بتمامه في سورة سبأ إن شاء الله تعالى. وأما أثر السدي فأخرجه الطبري٥ مطولا وفي أوله نظير القصة التي في أثر ابن عباس بأبسط منه وأوضح بيانا ولفظه من طريق أسباط عن السدي قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، يستمعون من كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيب٦ أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس، فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم فأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتبت الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه. ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق وقال سليمان: لا أسمع أحدا يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه! فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين

стр. 294

يعرفون أمر سليمان، وخلف بعد ذلك خلف، تمثل شيطان في صورة إنسان فذكره، وفيه: فأراهم المكان وقام ناحية. فقالوا: ادن! قال: لا، ولكني ههنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني! فحفروا فوجدوا تلك الكتب. فلما أخرجوها قال الشيطان١: إن سليمان إنما كان يضطر٢ الإنس والجن٣ والشياطين والطير بهذا السحر. ثم طار فذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا واتخذت بني إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها فذلك حين يقول الله ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ . وأخرج الطبري٤ أيضا من طريق الربيع بن أنس قال إن اليهود سألوا محمدا ﷺ زمانا عن أمور التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم٥. فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا! وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان﴾ الآية وذلك أن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان سليمان لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس، وقالوا هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده بخزي٦ وقد أدحض الله حجتهم.

стр. 295

وأخرج الطبري١ من طريق عمرو بن دينار عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان﴾ قال: كانت الشياطين تستمع الوحي فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك فأخفاه٣. فلما مات سليمان وجدته الشياطين، فعلمته الناس وهو السحر. قلت: وجاء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ : ٢- قول آخر أخرجه الطبري أيضا٢ من طريق عمران بن حُدير٤، عن أبي مِجْلَز٥ قال: أخذ سليمان من كل دابة عهدا فإذا أصيب رجل فسئل٦ بذلك العهد، خلي عنه فزاد الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا كان يعمل به سليمان فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ . وهذا سند صحيح لكنه في حكم المرسل؛ لأن أبا مجلز تابعي وسط من طبقة محمد بن سيرين. وجاء فيه أيضا ما أخرجه الطبري٧ من طريق جعفر بن أبي المغيرة٨، عن

стр. 296

سعيد بن جبير قال: كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر ويأخذه فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزائنه١. فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدبت٢ إلى الإنس فقالوا لهم: أتريدون العلم الذين كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزائنه٣ وتحت كرسيه فاستشارته٤ الإنس فاستخرجوه فعملوا به. فقال أهل الحجى: ما كان٥ سليمان يعمل بهذا وهذا سحر فأنزل الله تعالى على نبيه براءة سليمان فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، فأبرأ الله سليمان على لسان نبيه محمد ﷺ . ٣٧- قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوت﴾ . سبب نزولها ما تقدم في قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ وما بعده٦ فأخرج الطبري من٧ طريق السدي في هذه الآية قال هذا سحر آخر خاصموه به -أي: خاصموه بما أنزل الله على الملكين- لأن٨ كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإنس وعلمت به كان سحرا.

стр. 297

ومن طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة١: قال السحر سحران سحر تعلمه الشياطين وسحر يعلمه هاروت وماروت. وأخرج الطبري٢ من طريق العوفي عن ابن عباس قال: لم ينزل الله السحر. ومن طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس مثله٣ قال الطبري٤: "فعلى هذا فالمراد بالملكين جبريل وميكائيل، وهاروت وماروت: رجلان من أهل بابل، وفي الكلام تقديم وتأخير والتقدير وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، وهاروت وماروت بدل٥ من الناس" والقراءة المشهورة أن٦ الملكين بفتح اللام، وبنى الطبري الإختلاف فيها على تفسيرها فمن قرأ بالفتح قال: هما هاروت وماروت، أو جبريل وميكال، ومن بالكسر قال: هما علمان ملكا بابل أو شيطانان٧.

стр. 298

ورجح١ الأول لشهرة القراءة بالفتح ولتعسف التأويل والتركيب ممن قال: جبريل وميكال. واختلف في الأمر الذي أنزل الملكان بسببه فوردت في ذلك أقوال٢: ١- أن السحرة كانوا كثروا، وفشا منهم عمل السحر، حتى ادعوا النبوة فجاء الملكان يعلمان الناس السحر، ليتمكنوا من معارضة السحرة. ٢- وقيل: كان السحر الذي يوقع التفرقة بين أعداء الله وأوليائه مباحا فنزلا لذلك، فاستعمله بعضهم في التفرقة بين الزوجين، وغير ذلك، من الباطل. ٣- وقيل: إن الجن كانوا يقدرون من السحر على ما لا يقدر عليه البشر، فنزلا ليعلما البشر ليحذروا من فعل الجن.

стр. 299

٤- وقيل: إنهما نزلا بالوحي على إدريس. وهذه الأقوال جمعت مما ذكره من ينقل كل ما وجد سواء ثبت عن قائليه أم لا، ومنهم من يحذف اسم من نقل ذلك ومن نقل عنه، ومهم من يعسر عليه التأويل فيبادر إلى تكذيب المنقول لعدم معرفته بأحوال النقلة، حتى إن أبا حيان١ مع أنه ممن ينتسب إلى الحديث وأهله، ويتبسط في توثيق بعض الشيوخ وتجريحهم تبع غيره في إنكار ما ورد من قصة هاروت وماروت والزهرة كما سأذكر لفظه، وقد ورد في ذلك خبر مرفوع٢، رجاله موثقون وله شواهد كثيرة. قال أحمد في "مسنده":

стр. 300

حدثنا يحيى بن أبي بكير١ ثنا زهير بن محمد٢ عن موسى بن جبير٣ عن نافع٤ مولى ابن عمر٥ عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة٦ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية إلى ﴿مَا لا تَعْلَمُون﴾ قالت الملائكة: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. فقال الله ﵎ للملائكة هلموا ملكين من الملائكة حتى يهبطا٧ إلى الأرض فننظر كيف يعملان قالوا ربنا: هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة٨ امرأة من أحسن البشر.

стр. 301

فجاءاها١ فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الشرك٢، فقالا: لا والله لا نشرك شيئا٣ أبدا، فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: لا والله لا نقتله أبدا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله٤، فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي فلما٥ أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما، فخُيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدنيا٦.

стр. 302

قال شيخنا الحافظ أبو الحسن١ في "زوائد المسند": "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن جبير وهو ثقة"٢. قلت: السند على شرط الحسن٣ وقد أخرجه ابن حبان في "صحيحه" كعادته في تصحيح مثله فأخرجه في النوع الرابع من القسم الثالث عن الحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكير ورجاله رجال الصحيح إلا موسى بن جبير فإنه مدني نزل مصر وروى عنه جماعة ولم أر فيه تجريحا ولا تعديلا٤ إلا ذكر ابن حبان٥ له في "الثقات"٦ وإخراج حديثه في "صحيحه"٧.

стр. 303

وقال ابن حبان بعد تخريجه١: "الزهرة هذه: امرأة كانت في ذلك الزمان، لا أنها الزهرة التي هي في السماء"٢. قلت: وهذا مما قاله من عنده٣ وقد ورد الخبر بخلاف ما زعم وصرح فيه بأنها

стр. 304

الزهرة الكوكب الذي هو الآن في السماء وأن تلك المرأة مسخت كوكبا فأخرج الطبري١ من طريق حماد بن زيد عن خالد الحذاء عن عمير بن سعيد قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: "كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وأنها خاصمت إلى الملكين هاروت، وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به يعرج به إلى السماء. فعلماها٢، فعرجت إلى السماء فمسخت كوكبا" وهذا سند صحيح وحكمه أن يكون مرفوعا لأنه لا مجال للرأي فيه وما كان علي ﵁ يأخذ عن أهل الكتاب. وأخرجه عبد بن حميد بسند آخر صحيح إلى علي أتم منه قال: حدثنا يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن عمير وأخرجه الحاكم٣ من طريق إسماعيل بن أبي خالد به وقال: صحيح٤ عن عمير بن سعيد قال: قال علي: أرأيتم هذه الزهرة تسميها العجم "أناهيد" وكانت امرأة وكان الملكان يهبطان أول النهار يحكمان بين الناس ويصعدان آخر النهار فأتتهما فأراداها على نفسها، كل واحد من غير علم صاحبه ثم اجتمعا فأرادها فقالت لهما: لا إلا أن تخبراني بم تهبطان إلى الأرض وبما تصعدان٥. فقال أحدهما للآخر: علمها. فقال: كيف بنا لشدة عذاب الله؟ قال: إنا لنرجو سعة رحمة الله فعلماها، فتكلمت به فطارت إلى السماء، فمسخها الله

стр. 305

فكانت كوكبا. وقال عبد الرزاق في "تفسيره"١ -وأخرجه عبد بن حميد عنه- قال أنا ابن التيمي هو معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان هو النهدي عن ابن عباس قال: إن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت فهي هذه الكوكب الحمراء يعني الزهرة، وهذا سند صحيح أخرجه الحاكم من هذا الوجه٢ وأخرجه الطبري٣ من وجه آخر أتم منه وسيأتي ذكره في تفسير حم٤. وجاء عن ابن عمر٥ مطولا أخرجه ابن أبي حاتم٦ بسند صحيح عن مجاهد

стр. 306

قال: كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر طلعت الحمراء؟ لا مرحبا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة: رب كيف تدع عصاة بني آدم وهو يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟ فقال: إني قد ابتليتهم، فلعلي إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون؟ قالوا: لا. قال: فاختاروا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، وأعهد إليكما: أن لا تشركا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تخونا فأهبطا إلى الأرض وألقى عليهما الشبق، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة فتعرضت لهما، فأراداها عن نفسها، فقالت: إني على دين لا يصلح لأحد أن يأتيني إلا إن١ كان على مثله. فقالا وما ذلك٢؟ قالت: المجوسية. قالا: الشرك هذا لا نقربه فسكتت٣ عنهما ما شاء الله، ثم تعرضت لهما فأراداها عن نفسها فقالت: ما شئتما غير أن لي زوجا وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما بديني، وشرطتما لي أن تصعداني٤ إلى السماء فعلت، فأقراها٥ وأتياها٦، ثم صعدا بها٧، فلما انتهيا بها٨ اختطفت

стр. 307

منهما وقطعت أجنحتهما، فوقعا١ يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب، فقالا: لو أتينا فلانا فسألناه أن يطلب لنا التوبة، فأتياه، فقال: رحمكما الله كيف يطلب أهل الأرض لأهل السماء؟ فقالا: إنا قد ابتلينا. قال: ائتياني يوم الجمعة. فأتياه٢ فقال: ما أجبت فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية، فأتياه، فقال: اختاروا قد خيرتما، إن أحببتما معاقبة الدنيا وأنتما في الآخرة على حكم الله، وإن أحببتما عذاب الآخرة٣، فقال أحدهما: الدنيا لم يمض منها إلا قليل٤، وقال الآخر: ويحك إني قد أطعتك في الأمر٥ فأطعني الآن، إن عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى، فقال٦ أما تخشى أن يعذبنا في الآخرة٧؟ فقال: لا إني لأرجو إنْ علم الله إنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة أن لا يجمعهما علينا، فاختاروا عذاب الدنيا فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار عاليها وسافلها٨. وهذه متابعة قوية لرواية موسى بن جبير عن نافع لكنها موقوفة على ابن عمر

стр. 308

لم يضفها إلى النبي ﷺ . وجاءت من وجه آخر عن ابن عمر عن كعب الأحبار موقوفة عليه أخرج ابن أبي حاتم١ أيضا وعبد بن حميد من طريق الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم أن ابن عمر عن كعب٢ قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب فقيل لهم اختاروا منكم اثنين فاختاروا هاروت وماروت فقال لهما: اهبطا إلى الأرض وإني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكما رسولا لا تشركا بي شيئا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر. قال كعب. فما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استحلا٣ جميع ما حرم عليهما. قلت: وسند الثوري أقوى من سند زهير، إلا أن رواية كعب مختصرة جدًّا، فيحتمل أن يكون ابن عمر استظهر برواية كعب لكونها توافق ما حمله ابن عمر٤ عن النبي ﷺ . وقد حكى المنذري٥ عن بعض العلماء أنه رجح الرواية الموقوفة على كعب على الرواية المرفوعة٦ والذي أقول: لو لم يرد في ذلك غير هاتين الروايتين لسلمت أن

стр. 309

رواية سالم أولى من رواية نافع لكن جاء ذلك من عدة طرق عن ابن عمر ثم من عدة طرق عن الصحابة ومجوع ذلك يقضي بأن للقضية أصلا أصيلا والله أعلم١. وقد جاء عن ابن عباس موقوفا عليه بسند حسن أخرجه ابن أبي حاتم٢ من طريق الربيع بن أنس عن قيس بن عباد٣ عن ابن عباس قال: لما وقع الناس بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: يا رب هذا العالم

стр. 310

الذين إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، قد وقعوا في الكفر، وقتل النفس، وأكل الحرام، والزنا، والسرقة، وغير ذلك -وجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم- فقيل لهم: إنهم في غيب، فلم يعذروهم فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين من أفضلكم، آمرهما وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه، ولا يشركا به شيئا، ونهاهما عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر. فلبثا في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق -وذلك في زمان إدريس- وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وإنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول، وأراداها عن نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنما فقالت: هذا أعبده فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فغبرا١ ما شاء الله ثم أتيا عليها فراوداها عن نفسها ففعلت مثل ذلك، فذهبا ثم أتيا فأراداها على نفسها فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: فاختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذه الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر، فشربا الخمر فأخذت فيهما فوقعا المرأة، وخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهم السكر، وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة، أرادا إلى الصعود٢ إلى السماء فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه من الخطيئة، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أن من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب بالآخرة. فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه يذهب وينقطع أما عذاب الآخرة فلا انقطاع له فاختارا عذاب الدنيا فجعلا

стр. 311

ببابل فهما يعذبان. وأخرجه الطبري١ من وجه آخر عن ابن عباس وسنده صحيح إلى قتادة قال: حدثنا أبو سعيد٢ العدوي في حنازة يونس أبي غلاب٣ عن ابن عباس قال: إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون أعمال بني آدم، فذكر نحو القصة، وقال في روايته: أما أنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم، قالوا: سبحانك ما ينبغي لنا! وقال فيها: فاهبطا إلى الأرض، وأحل لهما ما فيها٤ ولم يذكر: وذلك في زمان إدريس، وقال فيها فما أشهرا٥ حتى عرض لهما بامرأة٦ قد قسم لها نصف الحسن يقال لها "بيذخت"٧.

стр. 312

فلما رأياها كسرا بها١ وقال فيها ودخل عليهما سائل فقتلاه وزاد: فقالت الملائكة: سبحانك! أنت٢ كنت أعلم، وقال فيها فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهم، وقال في آخرها: فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق النجب٣، وجعلا ببابل. وله طريق أخرى٤ بسند جيد إلى يزيد الفارسي٥ عن ابن عباس قال: إن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض، فرأوهم، فذكر نحوه، وفيه اختاروا ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض ويحكموا بينهم وجعلت فيهم شهوة الآدميين، فاستقال منهم واحد فأقيل، وأُهبط اثنان، فأتتهما امرأة يقال لها مناهيد٦ فهوياها جميعا، فذكر القصة، وفي آخرها: وقالت لهما أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما، فأخبراها فطارت، فمسخت جمرة وهي هذه الزهرة. وأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما وفي آخره "فهما مناطان بين السماء والأرض" أخرجه ابن أبي حاتم. وجاء من وجه آخر مقتصرا على آخر القصة وسنده على شرط الصحيح إن

стр. 313

كان التابعي حمله عن ابن عباس قال عبد الرزاق١ أنا معمر عن الزهري٢ عن عبيد الله بن عبد الله٣ "إن هاروت وماروت كانا ملكين، فأُهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا٤ من حكام٥ بني آدم فتحاكمت٦ إليهما امرأة فحافا٧ لها، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا"٨. تنبيه: طعن في هذه القصة من أصلها بعض أهل العلم ممن تقدم، وكثير

стр. 314

من المتأخرين١، وليس العجب من المتكلم والفقيه إنما العجب ممن ينتسب إلى

стр. 315

الحديث كيف يطلق على خبر ورد بهذه الأسانيد القوية مع كثرة طرقها أو تباين أسانيدها أنه باطل١ أو نحو ذلك من العبارة مع دعواهم تقوية أحاديث غريبة، أو واردة من أوجه لكنها واهية، واحتجاجهم بها والعمل بمقتضاها. وقد لخص الثعلبي ثم ابن ظفر ثم القرطبي هذه القصة من بعض ما ذكرته ومن رواية الكلبي وغيره من المفسرين وذكروا في القصة زيادات٢.

стр. 316

١- منها: إن الذين أنكروا أعمال بني آدم هم الثلاثة الذين اختاروهم. ٢- ومنها عن عطاء: بلغني أن هاروت وماروت قالا: يا ربنا إنك لتعصى في الأرض فأهبطهما إلى الأرض. ٣- ومنها: أن الثالث الذي استقال يسمى عزازيل، وأنه أقام أربعين سنة مطأطئًا رأسه استحياء من ربه، وأنه عندما ركبت فيه الشهوة أحس بالبلاء فلذلك استقال. ٤- ومنها: لو كنتم مكانهم لعملتم شرًّا من أعمالهم. ٥- ومنها قول كعب ما مر بهما شهر حتى فتنا بالمرأة. ٦- ومنها: أن أحدهما قال للآخر: هل لك أن تقضي على زوجها؟ قال: أما تعلم ما عند الله من العقوبة؟ قال: بلى، ولكن أما تعلم ما عنده من الرحمة لمن تاب فسألاها نفسها فقالت: لا إلا أن تقتلاه فأفرغ لكما فقتلاه وسألاها نفسها فقالت: لا إلا أن تعبدا معي الصنم فتقاولا ثم صلبا١ فتقاولا٢ كالأول. ٧- ومنها: فجعل الملائكة يعذرون أهل الأرض. ٨- ومنها: أنهما لما ندما انطلقا إلى إدريس وقيل إلى سليمان وقيل إلى بعض علماء العصر. "الذين أنكروا قصة هاروت وماروت"٣. وأما من أنكرها فجماعة منهم القاضي أبو بكر بن العربي٤ في "أحكام

стр. 317

القرآن" فقال: ١ وقد روى المفسرون عن نافع قال: قال لي ابن عمر٢: أطلعت الحمراء؟ قلت: نعم -وذكر أنه لعنها- فقلت: سبحان الله نجم مسخر مطيع تلعنه! قال: ما قلت إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، أن الملائكة عجبت٣ من معاصي بني آدم في الأرض -فذكر القصة ولخص بعض ما ورد في ذلك- ثم قال: وإنما سقت هذا الخبر لأن العلماء رووه ودونوه، فخشينا أن يقع لمن يضل به، وتحقيق القول فيه أنه٤ لم يصح سنده، ولكنه جائز [كله] ٥ في العقل لو صح النقل، ولا يمتنع أن تقع المعصية من الملك، ويوجد منهم خلاف ما كلفوه، وتخلق فيهم الشهوات فإنه لا ينكر ذلك إلا جاهل لا يدري الجائز من المستحيل أو من شم ورد الفلاسفة القائلين بأن الملك روحاني بسيط لا تركيب فيه وشهوة الطعام والشراب والجماع لا تكون إلا في مركب. وهذا تحكم لأنهم أخبروا عن كيفية لم يروها ولا نقلت إليهم ولا دل العقل٦ عليها. وجواز تركيب البسيط إنما هو بطريق العادة٧ وأما ما أخبر الله به عنهم أنهم

стр. 318

﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ١. وأنهم ﴿يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ ٢ فهو خبر صدق وحق لكنه إخبار عن حالهم٣ إلى آخر كلامه٤ فجوز وقوع ذلك، ودفع صحة النقل بوقوعه وهو محجوج بما قدمته. وقد تلقاه عنه القرطبي المفسر فقال بعد أن أشار إلى القصة باختصار ما نصه٥: "وهذا كله ضعيف وبعيد على ابن عمر" وممن أنكر صحة ذلك أبو محمد ابن عطية في "تفسيره"٦ فقال "روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي ما معناه" فذكر القصة ملخصة ثم قال: "وهذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء فإنه قول تدفعه الأصول في المنقول٧، وأما العقل فلا ينكر ذلك إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم، لكن وقوع هذا

стр. 319

الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح" انتهى١. ومنهم أبو محمد بن حزم٢ فقال في كتاب "الملل والنحل"٣ بعد أن قرر عصمة الأنبياء واستدل بالآيات الواردة في ذلك وأطنب في التمسك بظاهرها وعمومها ثم ختم بأن قال٤: "وهذا يبطل ظن من قال إن هاروت وماروت كانا ملكين فعصيا بالزنا وشرب الخمر وقتل النفس" ثم أخذ يتأول القصة التي في الآية قال٥ "ولم يقل الله إنهما كفرا ولا عصيا، وإنما جاء ذلك في خرافة موضوعة لا تصح من طريق الإسناد أصلا ولا هي مع ذلك عن رسول الله ﷺ ، بل هي موقوفة على من دونه، فسقط التعلق بها" إلى أن قال٦: "نسبوا إلى الله ما لم يأت به أثر يشتغل به، وإنما هو كذب مفترى، أن الله أنزل إلى الأرض ملكين وهما هاروت وماروت وأنهما عصيا بشرب الخمر والحكم بالباطل وقتل النفس المحرمة والزنا وتعليم الزانية اسم الله الأعظم فطارت به إلى السماء فمسخت كوكبا وهي الزهرة وأنهما عذبا في غار ببابل" قال: "وأعلى٧ ما في هذا الباب خبر رويناه من طريق عمير بن سعيد٨ وهو

стр. 320

مجهول، يقال له مرة النخعي، ومرة الحنفي، ما نعلم له رواية إلا هذه الكذبة، وليست مرفوعة، بل وقفها على علي وكذبة أخرى في أن حد الخمر لم يسنه النبي ﷺ " انتهى. وكلامه في هذا الفصل ينبئ عن قصوره في النقل فإن عمير بن سعيد وثقه يحيى بن معين١ ومحمد بن سعد٢ وحديثه فيما يتعلق بحد الخمر أخرجه البخاري في "صحيحه"٣ ولا نعرف أحدا قدح في سنده قبله ولا جرح عمير بن سعيد ولا قال إنه مجهول٤.
следующие страницы →