١- منها: إن الذين أنكروا أعمال بني آدم هم الثلاثة الذين اختاروهم.
٢- ومنها عن عطاء: بلغني أن هاروت وماروت قالا: يا ربنا إنك لتعصى في الأرض فأهبطهما إلى الأرض.
٣- ومنها: أن الثالث الذي استقال يسمى عزازيل، وأنه أقام أربعين سنة مطأطئًا رأسه استحياء من ربه، وأنه عندما ركبت فيه الشهوة أحس بالبلاء فلذلك استقال.
٤- ومنها: لو كنتم مكانهم لعملتم شرًّا من أعمالهم.
٥- ومنها قول كعب ما مر بهما شهر حتى فتنا بالمرأة.
٦- ومنها: أن أحدهما قال للآخر: هل لك أن تقضي على زوجها؟ قال: أما تعلم ما عند الله من العقوبة؟ قال: بلى، ولكن أما تعلم ما عنده من الرحمة لمن تاب فسألاها نفسها فقالت: لا إلا أن تقتلاه فأفرغ لكما فقتلاه وسألاها نفسها فقالت: لا إلا أن تعبدا معي الصنم فتقاولا ثم صلبا١ فتقاولا٢ كالأول.
٧- ومنها: فجعل الملائكة يعذرون أهل الأرض.
٨- ومنها: أنهما لما ندما انطلقا إلى إدريس وقيل إلى سليمان وقيل إلى بعض علماء العصر.
"الذين أنكروا قصة هاروت وماروت"٣.
وأما من أنكرها فجماعة منهم القاضي أبو بكر بن العربي٤ في "أحكام
стр. 317
القرآن" فقال:
١ وقد روى المفسرون عن نافع قال: قال لي ابن عمر٢: أطلعت الحمراء؟ قلت: نعم -وذكر أنه لعنها- فقلت: سبحان الله نجم مسخر مطيع تلعنه! قال: ما قلت إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، أن الملائكة عجبت٣ من معاصي بني آدم في الأرض -فذكر القصة ولخص بعض ما ورد في ذلك- ثم قال: وإنما سقت هذا الخبر لأن العلماء رووه ودونوه، فخشينا أن يقع لمن يضل به، وتحقيق القول فيه أنه٤ لم يصح سنده، ولكنه جائز [كله] ٥ في العقل لو صح النقل، ولا يمتنع أن تقع المعصية من الملك، ويوجد منهم خلاف ما كلفوه، وتخلق فيهم الشهوات فإنه لا ينكر ذلك إلا جاهل لا يدري الجائز من المستحيل أو من شم ورد الفلاسفة القائلين بأن الملك روحاني بسيط لا تركيب فيه وشهوة الطعام والشراب والجماع لا تكون إلا في مركب. وهذا تحكم لأنهم أخبروا عن كيفية لم يروها ولا نقلت إليهم ولا دل العقل٦ عليها. وجواز تركيب البسيط إنما هو بطريق العادة٧ وأما ما أخبر الله به عنهم أنهم
стр. 318
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ١.
وأنهم ﴿يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ ٢ فهو خبر صدق وحق لكنه إخبار عن حالهم٣ إلى آخر كلامه٤ فجوز وقوع ذلك، ودفع صحة النقل بوقوعه وهو محجوج بما قدمته.
وقد تلقاه عنه القرطبي المفسر فقال بعد أن أشار إلى القصة باختصار ما نصه٥: "وهذا كله ضعيف وبعيد على ابن عمر" وممن أنكر صحة ذلك أبو محمد ابن عطية في "تفسيره"٦ فقال "روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي ما معناه" فذكر القصة ملخصة ثم قال: "وهذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء فإنه قول تدفعه الأصول في المنقول٧، وأما العقل فلا ينكر ذلك إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم، لكن وقوع هذا
стр. 319
الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح" انتهى١.
ومنهم أبو محمد بن حزم٢ فقال في كتاب "الملل والنحل"٣ بعد أن قرر عصمة الأنبياء واستدل بالآيات الواردة في ذلك وأطنب في التمسك بظاهرها وعمومها ثم ختم بأن قال٤: "وهذا يبطل ظن من قال إن هاروت وماروت كانا ملكين فعصيا بالزنا وشرب الخمر وقتل النفس" ثم أخذ يتأول القصة التي في الآية قال٥ "ولم يقل الله إنهما كفرا ولا عصيا، وإنما جاء ذلك في خرافة موضوعة لا تصح من طريق الإسناد أصلا ولا هي مع ذلك عن رسول الله ﷺ ، بل هي موقوفة على من دونه، فسقط التعلق بها" إلى أن قال٦: "نسبوا إلى الله ما لم يأت به أثر يشتغل به، وإنما هو كذب مفترى، أن الله أنزل إلى الأرض ملكين وهما هاروت وماروت وأنهما عصيا بشرب الخمر والحكم بالباطل وقتل النفس المحرمة والزنا وتعليم الزانية اسم الله الأعظم فطارت به إلى السماء فمسخت كوكبا وهي الزهرة وأنهما عذبا في غار ببابل" قال: "وأعلى٧ ما في هذا الباب خبر رويناه من طريق عمير بن سعيد٨ وهو
стр. 320
مجهول، يقال له مرة النخعي، ومرة الحنفي، ما نعلم له رواية إلا هذه الكذبة، وليست مرفوعة، بل وقفها على علي وكذبة أخرى في أن حد الخمر لم يسنه النبي ﷺ " انتهى.
وكلامه في هذا الفصل ينبئ عن قصوره في النقل فإن عمير بن سعيد وثقه يحيى بن معين١ ومحمد بن سعد٢ وحديثه فيما يتعلق بحد الخمر أخرجه البخاري في "صحيحه"٣ ولا نعرف أحدا قدح في سنده قبله ولا جرح عمير بن سعيد ولا قال إنه مجهول٤.
стр. 321
وقد قال شعبة عن الحكم١ قال: عمير بن سعيد وحسبك به٢ وذكر البخاري في "تاريخه"٣ أنه كان بالكوفة لما كان المغيرة بن شعبة أميرها في زمن عمر رضي الله عنه٤.
وأما قوله: إنه ليس له إلا هذان الأثران٥ فحصر مردود لأن له رواية عن أبي موسى وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص والحسن بن علي وغيرهم من الصحابة وعن علقمة ومسروق وغيرهما من التابعين وحدث عنه خلق من التابعين٦.
стр. 322
فسقط كلامه١. وقد تلقاه منه بالقبول شيخ من شيوخنا أثير الدين أبو حيان٢ وسأذكر كلامه بعد.
وممن صرح بنفي ورود حديث مرفوع في هذه القصة القاضي عياض في "الشفاء" فقال: ما نصه بعد أن حكى الخلاف في عصمة الأنبياء هل هي عامة في الجميع أو في المرسلين فقط وفيمن عداهم خلاف قال٣: "فما احتج به من [لم] يوجب٤ عصمة جميعهم: قصة هاروت وماروت وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقلة التفسير٥ وما يروى عن علي وابن عباس في خبرهما وابتلائهما، فاعلم أن هذه الأخبار لم يرو منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله ﷺ ، وليس هو شيئا يؤخذ بقياس، والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وقد أنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف٦، وهذه الأخبار من كذب٧ اليهود وافترائهم" قلت: وهذا من غريب ما وقع لهذا الإمام المشتهر بالحديث٨ المعدود في حفاظه٩.
стр. 323
المصنف في شرحه١ كيف يجزم بما نفاه من ورود خبر مرفوع في هذه القصة٢ وكيف يجزم بأن الذي ورد من ذلك إنما هو من افتراء اليهود مع أن عليًّا وابن عباس وابن عمر وغيرهم ثبت عنهم الإنكار على من سأل اليهود عن شيء من الأمور٣,
стр. 324
وكثرة الأخبار الواردة في هذه القصة.
وقال أبو حيان في تفسيره الكبير الذي سماه "البحر"١: "وقد ذكر المفسرون في قراءة من قرأ الملكين بفتح اللام قصصا تتضمن أن الملائكة تعجبت من بني آدم" فذكر قصة ملخصة إلى أن قال وكل هذا لا يصح منه شيء، والملائكة معصومون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا يصح أن رسول الله ﷺ كان يلعن الزهرة ولا ابن عمر" انتهى.
وليعتبر الناظر في كلام هؤلاء والعجب ممن ينتمي منهم إلى الحديث ويدعي التقدم في معرفة المنقول ويسمى عند كثير من الناس بالحافظ كيف يقدم على هذا النفي ويجزم به مع وجوده في تصانيف من ذكرنا من الأئمة بالأسانيد القوية والطرق الكثيرة والله المستعان٢.
стр. 325
وأقول: في طرق هذه القصة القوي والضعيف ولا سبيل إلى رد الجميع فإنه ينادي على من أطلقه بقلة الاطلاع والإقدام على رد ما لا يعلمه، لكن الأولى أن ينظر إلى ما اختلفت فيه بالزيادة والنقص فيؤخذ بما اجتمعت عليه، ويُؤخذ من المختلف ما قوي، ويُطرح ما ضعف أو ما اضطرب فإن الاضطراب إذا بعد به الجمع بين المختلف ولم يترجح شيء منه التحق بالضعيف المردود١ والله المستعان,
٣٨- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [الآية: ١٠٤] .
[قال الواحدي] ٢، قال ابن عباس في رواية عطاء: إن العرب كانوا يتكلمون٣ بها، فلما سمعهم اليهود يقولونها للنبي ﷺ أعجبهم ذلك. و٤ كان راعنا في كلام اليهود للسب القبيح، فقالوا: إنا نسب محمدًا سرًّا فالآن أعلنوا بسب محمد؛ لأنه من كلامهم. فكانوا يأتون نبي الله ﷺ فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون، ففطن لها
стр. 326
رجل من الأنصار وهو سعد بن عبادة١ -وكان عارفا بلغة اليهود- فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد بيده لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه. فقالوا: ألستم تقولونها له؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ الآية انتهى ما نقله الواحدي، فأوهم بقوله: "في رواية عطاء" أن السند إلى عطاء بذلك قوي وليس كذلك، وإنما هذا السياق من تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفي بإسناده الماضي في المقدمة٢، والثابت عن عطاء ما أخرجه ابن أبي حاتم٣ عن الأشج عن أبي معاوية عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء: ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: كانت لغة تقولها الأنصار فنهى الله عنها فقال: ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآية.
وقال عبد الرزاق:٤ أنا معمر عن قتادة٥ والكلبي في هذه الآية قالا: كانوا يقولون راعنا سمعك! وكانت اليهود٦ يأتون فيقولون مثل ذلك يستهزءون فنزلت٧. وأخرجه عبد بن حميد من وجه آخر عن قتادة كانت اليهود تقول: راعنا استهزاء فكرهه الله للمؤمنين.
стр. 327
وأخرج ابن أبي حاتم١ من طريق أبي صخر حميد بن زياد٢: كان رسول الله ﷺ إذا ولى٣ ناداه من كانت له حاجة من الناس: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله أن يقال له ذلك، ومن طريق عباد بن منصور٤ عن الحسن: الراعن من القول: السخري منه، نهاهم الله أن يسخروا من قول نبيه وما يدعوهم إليه٥ من الإسلام٦
стр. 328
قال ابن ظفر قرأ ابن مسعود راعونا وهي أشبه بلغتهم"١ ونسب ما ذكر قبل عن سعد بن عبادة لسعد بن معاذ٢.
وكذا ذكره القرطبي٣ ووافق مقاتل في "تفسيره" على أنه سعد بن عبادة٥.
وذكر الثعلبي أن معنى راعنا بلغة اليهود أسمعنا لا سمعت.
وأخرج ابن أبي حاتم٦ من طريق أسباط عن السدي أن رجلا من اليهود كان يدعى رفاعة بن زيد٧ كان يأتي النبي ﷺ فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك ثم
стр. 329
تقدم إلى المؤمنين فقال: لا تقولوا راعنا١.
٣٩- قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُم﴾ الآية ١٠٥.
قال الواحدي٢: كان المسلمون إذا قالوا لحلفائهم٣: آمنوا بمحمد. قالوا: ما هذا الدين الذي تدعوننا بخير من الدين الذي نحن فيه، ولوددنا لو كان خيرا فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم.
قلت: سبقه الثعلبي ولم ينسبه لقائل٤. وعبر عنه ابن ظفر والجعبري بـ"قيل"٥ ثم قال ابن ظفر: الخير هنا القرآن٦ كان ينزل بما يقصم به الكفار من البشرى للمؤمنين والوعيد للكفار فيزداد المؤمنين به في جهادهم.
٤٠- قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ٧ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [الآية: ١٠٦] .
стр. 330
قال الواحدي:١ قال المفسرون: إن المشركين قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول٢ اليوم قولا ثم يرجع عنه غدا؟ ما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه وهو كلام ينقض٣ بعضه بعضا فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر﴾ ٤، وأنزل أيضا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآية.
قلت: وهذا أيضا تبع فيه الثعلبي فإنه أورده هكذا وتبعهما الزمخشري٥ فلخصه، فذكر أنهم طعنوا في النسخ وكذلك القرطبي٦ وزاد أنهم أنكروا شأن القبلة٧ وغيره المنسوخ. ووجدت في المنقول عن السلف ما أخرجه عبد بن حميد
стр. 331
[عن قتادة] ١ قال: كانت الآية تنسخ الآية، وكان نبي الله ﷺ يقرأ الآية من السورة ثم ترفع فينسيها الله تعالى نبيه، فقال الله تعالى يقص على نبيه ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآية٢.
قلت: وقد أورد الثعلبي في آخر كلامه هنا حديثا يستأنس به في سبب النزول وهو ما أخرجه أبو عبيد٣ من طريق الليث عن عقيل ويونس عن ابن شهاب قال: أخبرنا أبو أمامة٤ بن سهل بن حنيف في مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا كانت معه سورة فقام يقرؤها من الليل فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرؤها فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا النبي ﷺ فقال بعضهم: قمت البارحة -فذكر حاله- فقال الآخر: ما جئت إلا لذلك، فقال آخر: وأنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "إنها نسخت البارحة" ٥.
стр. 332
قلت: ولعل قتادة أخذ ما قال من هذا الخبر، وليس في الخبر تعيين الآية الناسخة صريحا بل ما يومئ إلى ذلك والعلم عند الله تعالى.
٤١- قوله : ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل﴾ [الآية: ١٠٨] .
١- قال الواحدي١: قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن أبي أمية ورهط من قريش قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهبا، ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالها تفجيرا نؤمن بك فأنزل الله هذه الآية.
٢- قول آخر:٢ قال المفسرون: إن اليهود وغيرهم من المشركين تمنوا على رسول الله ﷺ فمن قائل يقول: ائتنا بكتاب من السماء كما أتى موسى بالتوراة، ومن قائل يقول -وهو عبد الله بن أبي أمية المخزومي٣: ائتنا بكتاب من السماء فيه "من رب العالمين إلى ابن أبي أمية اعلم أنني قد أرسلت محمدا إلى الناس" ومن قائل يقول: لن نؤمن بك أو تأتي بالله والملائكة قبيلا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قلت: أما الأول فذكره الثعلبي ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن
стр. 333
عباس فإني وجدته عن ابن عباس بسند جيد لكنه مغاير له١ أخرجه ابن أبي حاتم٢ من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ : ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ﴾ الآية. وقد قال الثعلبي عقب الأول: قال مجاهد: لما قالت قريش هذا لرسول الله ﷺ قال: نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن لم تؤمنوا فأبوا ورجعوا قال: الصحيح أنها نزلت في اليهود حين قالوا يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة قال الثعلبي: ويصدق هذا القول أن هذه السورة مدنية، وقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما أتى موسى بالتوراة قال الثعلبي: ويصدق هذا القول أن هذه السورة مدنية وقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَة﴾ ٣ انتهى وفيما حاوله نظر فإن أثر مجاهد المذكور صريح في أن السائل في ذلك هم قريش كذا أخرجه الفريابي والطبري٤ وابن أبي حاتم٥ صحيحا إليه قال: سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فقال: نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل٦ فأبوا ورجعوا لكن لم يقل: إن هذه الآية نزلت في ذلك٧.
стр. 334
وأما ما نقله الواحدي عن المفسرين فأومأ به إلى الجمع بين ما نقله الثعلبي عن ابن عباس ثم عن مجاهد، وسيأتي في تفسير سورة سبحان تسمية مَنْ سأل تحويل الصفا ذهبا مع عبد الله بن أبي أمية وغير ذلك.
٢- وقد جاء عن إمام كبير من المفسرين سبب آخر أوضح مما نقله وأولى بأن يكون سببا لنزول هذه الآية وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم١ بسند قوي عن أبي العالية وهو من كبار التابعين قال في قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُم﴾ الآية قال: قال رجل يا رسول الله: لو كانت كفارتنا ككفارات بني إسرائيل؟ فقال النبي ﷺ : "اللهم لا نبغيها، ثلاثا، ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كان أحدهم إذا أصاب الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه، وكفارتها. فإن كفرها كانت له خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الدنيا ٢ والآخرة فأعطاكم الله خيرا مما أعطاهم ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٣ " فنزلت٤ ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل﴾ الآية.
стр. 335
٣- وحكى ابن ظفر أنه قيل١: إنها نزلت في من قال من المسلمين لما رأوا شجرة يقال لها ذات أنواط فقالوا٢ يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط. فقال: هذا كقول قوم موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة﴾ ٣ قال ابن ظفر: لأن التبرك بالشجر واتخاذها عيدا يستدرج من يجيء بعدهم إلى عبادتها٤.
стр. 336
٤٢- قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم﴾ [الآية: ١٠٩] .
١- قال الواحدي١: قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم؟ لو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم.
قلت: هذا لعله من تفسير الكلبي والذي ذكره ابن إسحاق في "المغازي" من رواية يونس بن بكير٢ عنه حدثني محمد بن أبي محمد وحدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود٣ للعرب حسدا، إذ خصهم الله تعالى برسوله، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا فأنزل الله تعالى فيهما ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية.
٢- قول آخر وقال عبد الرزاق٤ أخبرنا معمر عن الزهري هو كعب بن
стр. 337
الأشرف١ وللطبري٢ من طريق المعمري٣ عن معمر عن الزهري وقتادة مثله، ورد الطبري هذا بأنه لا يقال لمن نسب قولا إلى كثير: يجوز أن يكون المراد به واحدا ولا سيما وقد قال بعد ذلك ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُم﴾ إذ لو أراد بقوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب﴾ الواحد كما يقال فلان في الناس كثير أي: في رفعة القدر وعظيم المنزلة لقال يردكم ولم يقل يردونكم٤.
قلت: هذا الذي أورده الطبري مختصر من حديث طويل وقد أخرج الواحدي٥ من طريق محمد بن يحيى الذهلي٦ ما أخرجه في "الزهريات"٧ من طريق الزهري أخبرني عبد الرحمن٨ بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه٩ أن
стр. 338
كعب بن الأشرف كان يهوديا شاعرا فكان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون النبي ﷺ وأصحابه أشد الأذى، فأمرهم الله بالصبر والعفو وفيهم نزلت ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ وهذا سند صحيح وأخرجه أبو داود١ من هذا الوجه دون هذا الكلام الأخير وعلى هذا فالجمع في قوله: ﴿يَرُدُّونَكُم﴾ لكعب ومن تابعه ويستقيم الكلام.
ونقل ابن ظفر عن ابن عباس نحو الأول ثم قال: "وبسط هذا الكلام بعض الرواة فقال"٢ وذكر ما ذكره الثعلبي بغير إسناد قال نزلت هذه الآية في نفر من اليهود٣ منهم فنحاص ابن عازورا وزيد بن قيس قالوا لحذيفة وعمار بعد وقعة أحد [انظروا] ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعا إلى ديننا فهو [خيرلكم
стр. 339
وأفضل] ونحن أهدى منكم سبيلا. فقال لهم عمار: كيف [نقض العهد عندكم؟ قالوا: هو] ١ شديد قال: فإني عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت. فقالت اليهود: أما هذا فقد خيبنا٢. فقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا ثم أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بذلك فقال: "أصبتما الخير وأفلحتما" فأنزل الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم﴾ يا معشر المؤمنين ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ .
٤٣- قوله ز٣ تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن﴾ [الآية: ١١٢] .
قال السدي وغيره: نزلت في الذين قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى أي: قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا٤.
٤٤- قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْء﴾ .
[قال الواحدي] ٥: نزلت في يهود أهل المدينة، ونصارى أهل نجران وذلك أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله ﷺ ، أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بموسى والتوراة. فأنزل الله
стр. 340
هذه الآية.
قلت: وذكر ابن إسحاق في "المغازي"١ من رواية يونس بن بكير٢ عنه حدثني محمد بن أبي محمد بالإسناد المذكور آنفا إلى ابن عباس قال لما قدم أهل نجران من النصارى المدينة٣ أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ فقال رافع بن حُرَيْملة للنصارى ما أنتم على شيء! وكفر بعيسى والإنجيل وقال له رجل من أهل نجران ما أنتم على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة فنزلت في ذلك من قولهما ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْء﴾ الآية.
وأخرج الطبري٤ من طريق الربيع بن أنس قال: نزلت في٥ أهل الكتاب الذين كانوا في٦ عهد رسول الله ﷺ .
٤٥- قوله ز٧ تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِم﴾ الآية ١١٣.
أخرج الطبري٨ من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج قلت لعطاء: "من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ " قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى وهكذا أخرجه ابن
стр. 341
أبي حاتم١ من وجه آخر عن حجاج لم يزد، ونقله الثعلبي وزاد فيه مثل قوم نوح وهود وصالح ونحوهم، قالوا في نبيهم: إنه ليس على شيء وإن الدين ديننا. انتهى.
وأظن هذه الزيادة مدرجة من كلام غير عطاء.
وللطبري٢ من طريق أسباط عن السدي: هم العرب. ومن طريق الربيع بن أنس٣ قال: هم النصارى لأن اليهود كانوا قبلهم.
٤٦- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّه﴾ .
١- قال الواحدي٤ تبعا للثعلبي: نزلت في ططوس بن استسيانوس الرومي وأصحابه من النصارى، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتلهم، وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير فكان خرابا إلى أن بناه المسلمون في زمن عمر انتهى كلام الثعلبي، زاد الواحدي وهذا معنى قول ابن عباس ﵄ في رواية الكلبي.
وقال قتادة والسدي: هو بخت نصر وأصحابه، غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك نصارى الروم٥ وقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في
стр. 342
مشركي مكة ومنعهم المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام.
قلت: أخرج الطبري١ عن العوفي بسنده المتكرر إلى ابن عباس قال: نزلت في النصارى٢.
ومن طريق ابن نجيح عن مجاهد٣: هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
ومن طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة٤: نزلت في٥ النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
ومن طريق معمر عن قتادة٦: هو بخت نصر وأصحابه خربوا بيت المقدس وأعانه النصارى على ذلك ومن طريق أسباط عن السدي٧: هم الروم، كانوا ظاهروا بخت نصر على خراب بيت المقدس حتى خربه، وأمر أن يطرح فيه الجيف وإنما أعانوه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا٨.
стр. 343
٢- قول آخر أخرج الطبري١ من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّه﴾ الآية: هم المشركون حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة، حتى نحر هدية بذي طوى وهادنهم، بعد أن قال لهم: ما أحد يرد أحدا عن هذا البيت، فقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعدو عليه، قالوا لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باقٍ٢.
ورجح الطبري٣ القول الأول٤ بأن في الآية ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ والمشركون لم يسعوا في تخريب المسجد الحرام قط بلا كانوا يفتخرون بعمارته في الجاهلية وأيد ذلك بما نقله عن قتادة٥ وعن السدي٦ أن كل نصراني الآن لا يدخل بيت المقدس إلا خائفا وأجاب الثعلبي عن ذلك بأن قوله: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُم﴾ خبر بمعنى الأمر وإن قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ منع المسلمين أن يقيموا بها أمر الدين فهو خراب معنوي٧.
стр. 344
٤٧- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ .
١- قال الواحدي١: اختلفوا في سبب نزولها ثم ساق من طريق عبد الملك العزرمي٢، عن عطاء عن جابر: بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: هي قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي ﷺ عن ذلك، فسكت فأنزل الله هذه الآية. وفي السند انقطاع.
ومن طريق وكيع٣ ثنا أشعث السمان٤ عن عاصم بن عبيد الله٥، عن عبد الله٦ بن عامر٧ بن ربيعة عن أبيه، قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ في السفر في ليلة مظلمة، فلم ندر كيف القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ الآية.
стр. 345
قلت: أخرجه الترمذي١ وقال: "ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث وأشعث يضعف في الحديث وضعفه العقيلي أيضا٢.
وقد أورده الطيالسي٣ عن أشعث وعمرو بن قيس٤ قالا: ثنا عاصم بن عبيد الله وأخرجه الدارقطني٥ وعبد بن حميد٦ وغيرهما٧ من طريق أشعث.
٢- قول آخر٨ أخرج الواحدي٩ عن ابن عمر: أنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ أن تصلي حيث توجهت بك راحلتك في التطوع، وكان رسول الله ﷺ إذا رجع
стр. 346
من مكة صلى على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة أخرجه مسلم١ والترمذي٢ وابن أبي حاتم٣ وغيرهم ووهم الحاكم فاستدركه٥ بلفظ آخر وهو من طريق أبي أسامة عن عبد الملك بن سعيد عن ابن عمر في قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ إنما نزلت في التطوع حيث توجه بك بعيرك.
٣- قول آخر قال الواحدي٦: وقال ابن عباس في رواية عطاء: إن النجاشي توفي فأتى جبريل النبي ﷺ ، فقال: إن النجاشي توفي فصل عليه، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يحضروا فصفهم ثم تقدم، وقال: "إن الله أمرني أن أصلي على النجاشي"، فصلى هو وهم عليه فقال بعضهم في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات وهو يصلي لغير قبلتنا؟ وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات وقد صرفت القبلة إلى الكعبة فأنزل الله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ ٧.
٤- قول آخر قال الواحدي٨:
стр. 347
مذهب قتادة١: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ وهو موافق لرواية عطاء الخراساني عن ابن عباس: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فصلى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق٢.
وقال علي بن أبي طلحة٣ عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة -وكان أكثر أهلها اليهود- أمر أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فلما صرفه الله تعالى إليها ارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ ٤. وسيأتي في الكلام في قوله تعالى: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ٥.
وأخرج الطبري٦ من وجهين عن قتادة في قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ قال: كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله بمكة قبل الهجرة وبعدما هاجر ستة عشر شهرا ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام بقوله ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الآية فنسخت ما قبلها من أمر القبلة.
стр. 348
٥- قول آخر حكاه الثعلبي عن الحسن ومجاهد١ والضحاك: لما نزلت ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ ٢ قالوا: أين ندعوه؟ فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ ٣.
٤٨- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَه﴾ .
قال الواحدي٤: نزلت في اليهود قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران قالوا المسيح ابن الله وفي مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله.
قلت: وكذا ذكره الثعلبي بغير سند وتبعه ابن ظفر والكواشي٥ وغيرهما
стр. 349
واقتصر الطبري على قوله: هم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله١.
قلت: وهو قول مقاتل قال٢: نزلت في نصارى نجران السيد والعاقب ومن معهما من الوفد قدموا على النبي ﷺ فقالوا: عيسى ابن الله فأكذبهم الله تعالى٣. وزاد الزجاج٤: ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله وجعل الماوردي٥ ذلك قولين وحكاها الفخر الرازي٦ أقوالا، وأغرب الجعبري٧ فقال: قال ابن عباس: قال ابن سلام ونعمان وسابق ومالك من اليهود: عزير ابن الله وقال مقاتل: قال نصارى نجران المسيح ابن الله. وقال إبراهيم النخعي قال مشركو العرب الملائكة بنات الله. قال: وقال الثعلبي الثلاثة.
٤٩- قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آية﴾ .
أخرج الطبري٨ من طريق محمد بن إسحاق٩ بسنده المتكرر عن ابن عباس
стр. 350
قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله ﷺ : إن كنت رسولا من عند الله كما تقول فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه! فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا﴾ الآية كلها.
وأخرج١ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هم النصارى والذين من قبلهم اليهود٢.
ومن طريق سعيد عن قتادة قال: هم كفار العرب٣. ومن طريق أسباط عن السدي، ومن طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس جميعا مثله٤. ورجح الطبري٥ قول مجاهد، والراجح من حيث السند قول ابن عباس ﵄.
٥٠- قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيم﴾ ٦.
قال الواحدي٧: "قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قال ذات يوم: ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزلت هذه الآية.
قال: وقال مقاتل: قال رسول الله ﷺ : "لو أن الله أنزل بأسه باليهود لآمنوا". فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيم﴾ .
قلت: لم أر هذا في "تفسير مقاتل بن سليمان" فينظر في تفسير مقاتل بن
стр. 351
حيان".
وأما [قول] ١ ابن عباس فنسبه الثعلبي لرواية عطاء عنه وهي من تفسير عبد الغني بن سعيد الواهي، وقد أخرجه الطبري٢ من مرسل محمد بن كعب القرظي وعليه اقتصر الماوردي٣ وابن ظفر وغيرهما، واستبعد الفخر الرازي صحة هذا السبب قال: لأنه ﷺ يعلم حال من مات كافرا انتهى٤. وفي سنده موسى بن عبيدة٥ وهو ضعيف٦.
وأخرج الطبري٧ من طريق ابن جريج أخبرني داود بن أبي عاصم٨ أن النبي ﷺ قال ذات يوم، فذكره. وهذا مرسل أيضا٩ وهو من رواية سنيد بن داود
стр. 352
وفيه مقال.
وقد ذكر الواحدي السبب الأول في "الوسيط" بأتم مما هنا فقال١: وذلك أنه سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه فدله فذهب إلى القبرين فدعى لهما وتمنى أن يعرف حال أبويه في الآخرة فنزلت.
وذكر الطبري٢ أن هذا التفسير على قراءة من قرأ من أهل المدينة: ﴿وَلا تُسْأَل﴾ بصيغة النهي قال:٣ والصواب عندي القراءة المشهورة بالرفع على الخبر لأن سياق ما قبل هذه الآية يدل على أن المراد مَنْ مضى ذكره من اليهود والنصارى وغيرهم، قال ويؤيد ذلك أنها في قراءة أبي "وما تسأل" وفي قراءة ابن مسعود "ولن تسأل"٤. وقال يحيى بن سلام: وكان النبي ﷺ يسأل عن أمه فنزلت وهو قول سفيان الثوري ذكره بإسناده.
قلت: أسنده عبد الرزاق٥ من طريق الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب لكنه عنده باللفظ المنقول أولا عن الطبري وذكر المهدوي٦ أثر ابن عباس بلفظ أي أبوي أحدث موتا؟ وقد بالغ ابن عطية في رده وفي تخطئته نقلا ومعنى لأنه لا خلاف أن أباه مات قبل أمه٧ ولأنه ليس في السؤال عن ذلك ما يناسبه الجواب
стр. 353
الوارد في الآية١.
وحكى القرطبي٢ كلام المهدوي ولم يتعقبه لكن قال: "قد ذكرنا في كتاب "التذكرة"٣ أن الله أحيا له أبواه وآمنا به٤ وذكرنا قوله للأعراب٥: إن أبي وأباك في النار وبينا تأويل٦ ذلك" وتعقبه العماد بن كثير بأن الخبر الذي أشار إليه في إحياء أبويه لا أصل له٨.
стр. 354
وإن كان عياض١ والسهيلي٢ قد سبقا٣ القرطبي إلى ذكره٤ وقد وقع في آخر رواية محمد بن كعب في تفسير الفريابي وغيره فما ذكرهما حتى توفاه٥ الله .
٥١- قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ الآية ١٢٠.
قال الواحدي٦: قال المفسرون: إنهم كانوا يسألون النبي ﷺ الهدنة.
ويطمعونه أنه إن هادنهم وأمهلهم اتبعوه ووافقوه. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 355
قال: وقال ابن عباس:١ هذا في القبلة، وذلك أن اليهود بالمدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي ﷺ إلى قبلتهم فلما صرف الله تعالى القبلة إلى الكعبة شق عليهم ويئسوا أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله هذه الآية٢.
قلت: ذكره الجعبري بلفظ: قال ابن عباس: كانوا يودون ثبوت النبي ﷺ على الصلاة إلى الصخرة انتهى.
وقال مقاتل٣: كان اليهود من أهل المدينة والنصارى من أهل نجران دعوا النبي ﷺ إلى دينهم وزعموا أنهم على الهدى فنزلت.
وقال ابن عطية٤: "روي أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى طلبوا" فذكر نحوه٥.
٥٢- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِه﴾ ١٢١.
قال الواحدي:٦ قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، كانوا أربعين رجلا من الحبشة وأهل الشام.
وقال الضحاك: نزلت فيمن آمن من اليهود وقال قتادة وعكرمة: نزلت في أصحاب محمد.