← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2102

العجاب في بيان الأسباب

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

حيان". وأما [قول] ١ ابن عباس فنسبه الثعلبي لرواية عطاء عنه وهي من تفسير عبد الغني بن سعيد الواهي، وقد أخرجه الطبري٢ من مرسل محمد بن كعب القرظي وعليه اقتصر الماوردي٣ وابن ظفر وغيرهما، واستبعد الفخر الرازي صحة هذا السبب قال: لأنه ﷺ يعلم حال من مات كافرا انتهى٤. وفي سنده موسى بن عبيدة٥ وهو ضعيف٦. وأخرج الطبري٧ من طريق ابن جريج أخبرني داود بن أبي عاصم٨ أن النبي ﷺ قال ذات يوم، فذكره. وهذا مرسل أيضا٩ وهو من رواية سنيد بن داود

стр. 352

وفيه مقال. وقد ذكر الواحدي السبب الأول في "الوسيط" بأتم مما هنا فقال١: وذلك أنه سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه فدله فذهب إلى القبرين فدعى لهما وتمنى أن يعرف حال أبويه في الآخرة فنزلت. وذكر الطبري٢ أن هذا التفسير على قراءة من قرأ من أهل المدينة: ﴿وَلا تُسْأَل﴾ بصيغة النهي قال:٣ والصواب عندي القراءة المشهورة بالرفع على الخبر لأن سياق ما قبل هذه الآية يدل على أن المراد مَنْ مضى ذكره من اليهود والنصارى وغيرهم، قال ويؤيد ذلك أنها في قراءة أبي "وما تسأل" وفي قراءة ابن مسعود "ولن تسأل"٤. وقال يحيى بن سلام: وكان النبي ﷺ يسأل عن أمه فنزلت وهو قول سفيان الثوري ذكره بإسناده. قلت: أسنده عبد الرزاق٥ من طريق الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب لكنه عنده باللفظ المنقول أولا عن الطبري وذكر المهدوي٦ أثر ابن عباس بلفظ أي أبوي أحدث موتا؟ وقد بالغ ابن عطية في رده وفي تخطئته نقلا ومعنى لأنه لا خلاف أن أباه مات قبل أمه٧ ولأنه ليس في السؤال عن ذلك ما يناسبه الجواب

стр. 353

الوارد في الآية١. وحكى القرطبي٢ كلام المهدوي ولم يتعقبه لكن قال: "قد ذكرنا في كتاب "التذكرة"٣ أن الله أحيا له أبواه وآمنا به٤ وذكرنا قوله للأعراب٥: إن أبي وأباك في النار وبينا تأويل٦ ذلك" وتعقبه العماد بن كثير بأن الخبر الذي أشار إليه في إحياء أبويه لا أصل له٨.

стр. 354

وإن كان عياض١ والسهيلي٢ قد سبقا٣ القرطبي إلى ذكره٤ وقد وقع في آخر رواية محمد بن كعب في تفسير الفريابي وغيره فما ذكرهما حتى توفاه٥ الله . ٥١- قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ الآية ١٢٠. قال الواحدي٦: قال المفسرون: إنهم كانوا يسألون النبي ﷺ الهدنة. ويطمعونه أنه إن هادنهم وأمهلهم اتبعوه ووافقوه. فأنزل الله تعالى هذه الآية.

стр. 355

قال: وقال ابن عباس:١ هذا في القبلة، وذلك أن اليهود بالمدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي ﷺ إلى قبلتهم فلما صرف الله تعالى القبلة إلى الكعبة شق عليهم ويئسوا أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله هذه الآية٢. قلت: ذكره الجعبري بلفظ: قال ابن عباس: كانوا يودون ثبوت النبي ﷺ على الصلاة إلى الصخرة انتهى. وقال مقاتل٣: كان اليهود من أهل المدينة والنصارى من أهل نجران دعوا النبي ﷺ إلى دينهم وزعموا أنهم على الهدى فنزلت. وقال ابن عطية٤: "روي أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى طلبوا" فذكر نحوه٥. ٥٢- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِه﴾ ١٢١. قال الواحدي:٦ قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، كانوا أربعين رجلا من الحبشة وأهل الشام. وقال الضحاك: نزلت فيمن آمن من اليهود وقال قتادة وعكرمة: نزلت في أصحاب محمد.

стр. 356

قلت: ذكره بأبسط منه الثعلبي فقال: نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر، وكانوا أربعين رجلا، اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من رهبان الشام، منهم بحيرا. وذكره يحيى بن سلام عن ابن الكلبي وزاد بعد قوله: "بحيرا": وسبعة من اليهود منهم عبد الله بن سلام وابن صوريا قال الثعلب: وقال الضحاك: هم من آمن من اليهود عبد الله بن سلام وسعيد بن عمرو ومام١ بن يهودا وأسيد وأسد ابنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا. وأما قول قتادة فأسنده الطبري٢ عنه ورجحه٣، وجوز غيره٤ أن يكون المراد عموم المسلمين، انتهى. وهذا لا يمنع خصوص السبب. وحكى أبو حيان أن الأربعين كلهم من الحبشة، منهم اثنان وثلاثون من كبارهم وثمانية كانوا ملاحين٥.

стр. 357

وحكى ابن ظفر أها نزلت في النجاشي وحده، وكان أعلم النصارى في عصره، بما أنزل الله على عيسى، حتى كان هرقل يبعث إليه علماء النصارى ليأخذوا عنه العلم١. ٥٣- قوله ز تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ١٢٣. تقدم٢. ٥٤- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْت﴾ الآية٣. قال عبد الرزاق: أنا معمر: بلغني أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا فلما أغرق الله قوم نوح رفع البيت وبقي أساسه فبوأه الله تعالى لإبراهيم ﵇ بعد ذلك فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْت﴾ ذكره في تفسير سورة القمر٤. وأخرج الطبري٥ من طريق أبي قلابة عن عبد الله بن عمرو قال:٦ لما أهبط الله آدم من الجنة قال: إني منزل معك بيتا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، فلما كان زمن الطوفان رفع فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله

стр. 358

لإبراهيم، وأعلمه مكانه فبناه من خمسة أجبل: حراء ولبنان وثبير وجبل الحمر والطور١. ٥٥- قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ . قال الفريابي: حدثنا سفيان هو الثوري عن عبيد المكتب٢ عن مجاهد قال: قال عمر: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ ٣. وأخرج الفاكهي٤ من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة٥ عن من حدثه عن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يطوف فقال: "هذا مقام أبينا إبراهيم"، فقال عمر: أفلا تتخذه مصلى؟

стр. 359

فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ ١. قلت: وأصله في "صحيح البخاري" أخرجه في الصلاة٢ والتفسير٣ من طريق حميد الطويل عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ الحديث. وأخرجه الترمذي٤ من هذا الوجه بلفظ: أن عمر قال: يا رسول الله لو صليت خلف المقام فنزلت٥. وأخرج ابن أبي حاتم٦ من طريق ابن جريج عن جعفر٧ بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه٨ أنه سمع جابرا يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: لما طاف النبي ﷺ قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: "نعم" قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ سنده صحيح٩ وأصله عند

стр. 360

مسلم١ وأخرجه النسائي٢ وابن مردويه من حديث جابر نحوه٣. وحكى الثعلبي عن ابن كيسان٤ قال: ذكروا أن رسول الله ﷺ مر بالمقام ومعه عمر فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام إبراهيم؟ قال: بلى قال: أفلا نتخذه مصلى؟ قال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت٥. ٥٦- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه﴾ [الآية: ١٣٠] . ذكر الثعلبي وتبعه الزمخشري٦ إن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا٧ إلى الإسلام وقال لهما: لقد علمتما أن الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد رشد واهتدى ومن لم يؤمن به فهو

стр. 361

ملعون، فأسلم سلمة، وامتنع مهاجر فنزلت ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيم﴾ الآية. وقد وجدته في "تفسير" مقاتل بن سليمان١ فذكره بلفظه إلى قوله: "فقال لهما: ألستما تعلمان أن الله قد قال لموسى" فذكره بلفظ": ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِه﴾ وفيه: "وأنه ملعون من كذب بأحمد النبي وملعون من لم يتبع دينه" ولم يذكر فمن آمن به فقد رشد واهتدى، وقال في آخره: وأبى مهاجر ورغب عن الإسلام فأنزل الله ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه﴾ إلى آخر الآية٢. ٥٧- قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْت﴾ الآية ١٣٣. قال الواحدي٣: نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلى الله وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية فنزلت. قلت: ذكره مقاتل بن سليمان٤ بلفظه وذكره الواحدي في "الوسيط"٥ أيضا وزاد ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى لم يقبض نبيا حتى يخيره بين الموت والحياة فلما حضرت وفاة يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم ففعل الله به ذلك، فجمع ولده وهم اثنا عشر رجلا وجمع أولادهم وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَه آبَائِك﴾

стр. 362

إلى آخر الآية وذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْت﴾ الآية. كذا ذكره بغير سند وذكر نحوه الثعلبي عن عطاء وقال أيضا: "قال الكلبي: لما دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران فجمع ولده وخاف عليهم فقال: ما تعبدون من بعدي؟ ". وقال ابن ظفر: "قيل: إن سبب نزولها أن اليهود اعتذروا عن امتناعهم من الإسلام بأن يعقوب أوصى الأسباط عندما حضره الموت بأن لا يبتغوا بملة اليهود بدلا فنزلت ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء﴾ ١. ٥٨- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ . قال الواحدي٢: قال ابن عباس: نزلت في رءوس يهود المدينة: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، ووهب بن يهوذا؛ وأبي ياسر بن أخطب، وفي نصارى نجران٣ وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله من غيرها فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفرت بالإنجيل وبعيسى وبالقرآن وبمحمد، وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان: وكفرت بمحمد وبالقرآن، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلا هو، ودعوهم إلى دينهم. قلت وكذا ذكره الثعلبي، وفي آخره: فقال الله تعالى: ﴿قُل﴾ يا محمد ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيم﴾ انتهى. والذي ذكره ابن جرير٤ عن ابن عباس من رواية ابن إسحاق٥ بالسند المتكرر

стр. 363

أخصر من هذا ولفظه: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ : ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ ١. وذكره مقاتل بن سليمان٢ بلفظ: أن رءوس اليهود كعب بن الأشرف وكعب بن ابن أسيد وأبا٣ ياسر بن أخطب ومالك بن الضيف وعازارا وأشمويل وحميسا٤، والسيد والعاقب ومن معهم٥ من نصارى نجران قالوا للمؤمنين: كونوا على ديننا فإنه ليس دين إلا ديننا فأكذبهم الله تعالى فقال: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ثم أمر المؤمنين فقال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية. ٥٩- قوله ز تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية ١٣٦. أخرج الطبري٦ من طريق ابن إسحاق٧ بسنده المتكرر قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من اليهود منهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر وخالد، وآزار بن أبي آزار٨ وأشيع٩ فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي

стр. 364

موسى وعيسى. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به فأنزل الله ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُم﴾ ١. وأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُون﴾ ٢. ٦٠- قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . قال مقاتل بن سليمان لما تلا النبي ﷺ على الناس هذه الآية ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّه﴾ قالت اليهود: لم نجد للإسلام في التوراة ذكرا وقالت النصارى: كيف نتبعك وأنت تجعل عيسى كالأنبياء فأنزل الله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ فأنجز له ما وعده به فأجلى بني النضير وقتل قريظة٣. ٦١- قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة﴾ ١٣٨. ١- قال الواحدي:٤ قال ابن عباس: إن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد

стр. 365

فأتت عليه ستة١ أيام صبغوه في ماء لهم يقال له: المعمودي، ليطهروه بذلك ويقولون: هذا طهور مكان الختان. فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًّا. قلت: ذكره قبله الطبري فقال٢ في قوله صبغة الله: "يعني صبغة الإسلام، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصِّر أطفالها، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك تقديس لها، بمنزلة الختان٣ لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية فقال الله تعالى إذ قالوا للمسلمين: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ قل لهم يا محمد بل اتبعوا ملة إبراهيم صبغة الله وهي الحنيفية المسلمة ودعوا الشرك والضلال. وأخرج٤ من طريق قتادة قال: "إن اليهود تصبغ أبناءها يهودًا٥، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى وإن صبغة الله الإسلام". ثم أسند عن ابن عباس٦ وعن جماعة من التابعين٧ أن معنى الصبغة الدين، وهي كقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّه﴾ ٨ أي دين الله٩. وذكر ابن ظفر أن الصبغة عند اليهود الختان يوم السابع يرون أنهم يدخلونه في اليهودية بالختان فلما ترك النصارى الختان غمسوا المولود في ماء لهم سموه ماء

стр. 366

المعمودية وزعموا أن يحيى بن زكرياء صبغ عيسى في الماء المذكور١. ٢- قول آخر أخرج ابن مردويه في تفسير هذه الآية من طريق أشعث٢ بن إسحاق عن جعفر بن أبي٣ المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: قالت بنو إسرائيل: يا موسي هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله، فناداه ربه يا موسى الألوان كلها من صبغى وأنزل الله على نبيه ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة﴾ ٤. ٦٢- قوله ز تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّه﴾ . قال ابن ظفر: "كانوا قالوا للمسلمين: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولى به منكم٥ فنزلت

стр. 367

هذه الآية ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ إلى آخرها١. ٦٣- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ الله﴾ . قال الطبري٢: نزلت في حق من قال: إن ابراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب٣ كانوا هودا أو نصارى ثم كتموا شهادة عندهم من الله أنهم كانوا مسلمين. ثم أسند٤ من طريق أبي الأشهب٥ عن الحسن البصري قال: لما تلا هذه الآية: والله لقد كان عند القوم من الله شهادة أن أنبياءه بُرآء من اليهودية والنصرانية، كما أن عندهم من الله شهادة أن دماءكم وأموالكم بينكم حرام [فبم استحلوها] ٦. ومن طريق أبي جعفر الرازي٧ عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال: هم أهل الكتاب كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دين الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وأن الأنبياء لم يكونوا يهودا ولا نصارى بل كانت اليهودية والنصرانية بعدهم بزمان.

стр. 368

وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال١: نزلت في يهود، سئلوا عن النبي ﷺ عن صفته٢ في كتاب الله عندهم فكتموا الصفة. ومن طريق٣ أخرى عن قتادة مثله سواء. وأخرج عبد بن حميد من طريق شيبان٤ عن قتادة: هم اليهود٥ كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه حق وكتموا محمدا وهم يعلمون أنه رسول الله. ٦٤- قوله ز تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَت﴾ الآية الثانية ١٤١. قال ابن ظفر: "قيل٦: أعيدت لأنهم جادلوه مرتين في أمرين أحدهما: أن يعقوب أوصى ذريته بالثبات على اليهودية، والثاني: أن إبراهيم ومن ذكر معه كانوا هودا أو نصارى فأنزلت مرتين وتلاها عليهم في مقامين". ٦٥- قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية ١٤٢. أسند الواحدي٧ من طريق أبي إسحاق٨ عن البراء قال: لما قدم رسول

стр. 369

الله ﷺ المدينة، صلى نحو بيت المقدس ستة عشر١ شهرا وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ فقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. أخرجه البخاري٣ عن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عنه، وأخرج أيضا٤ من طريق أبي بكر بن عياش٥ عن أبي إسحاق نحوه وقال فيه: ثم علم الله هوى نبيه فنزلت ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ وقال: "أخرجاه من طرق عن أبي إسحاق"٦ وهو كما قال٧.

стр. 370

ومن طرقه عند البخاري من رواية زهير١ عن أبي إسحاق بلفظ: صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت الحديث٢. وذكر مقاتل في "تفسيره" قال٣: "فلما صرفت القبلة إلى الكعبة قال مشركو مكة قد تردد على محمد أمره واشتاق إلى مولد آبائه، وقد توجه إليكم فهو راجع إلى دينكم. فكان ذلك سفها منهم فأنزل الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاس﴾ الآية". وأخرج الطبري٤ من طريق ابن إسحاق٥ بسنده المتكرر إلى ابن عباس قال: لما صرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة وذلك في رجب على رأس سبعة٦ عشر شهرا من مقدم رسول الله ﷺ المدينة أتى رسول الله ﷺ رفاعة بن قيس وقردم بن عمرو وكعب بن الأشرف ونافع بن أبي نافع، وفي رواية له ورافع بن أبي رافع والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف والربيع٧ أبي الحقيق وكنانة بن أبي٧ الحقيق فقالوا يا محمد: ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك وإنما يريدون فتنته

стр. 371

عن دينه فأنزل الله فيهم ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ إلى قوله ﴿عَلَى عَقِبَيْه﴾ . وقيل: أراد بالسفهاء أهل الكتاب حكاه الطبري١ قال: وقال آخرون: قاله المنافقون استهزاء٢. ثم أسند٣ من طريق أسباط عن السدي قال: لما وجه النبي ﷺ قبل المسجد الحرام اختلف الناس فكانوا أصنافا فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانا ثم تركوها فأنزل الله في المنافقين ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاس﴾ الآية. وحكى الماوردي٤ عن الزجاج: قال ذلك كفار قريش٥. قلت: وحكاه يحيى بن سلام عن تفسير الحسن البصري ونبه على أن هذه الآية سابقة على ما قبلها في التأليف وهي بعدها في التنزيل٦. ٦٦- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ١٤٣. قال مقاتل٧: "وذلك أن اليهود منهم مرحب وربيعة ورافع قالوا لمعاذ: ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا فإن قبلتنا قبلة الأنبياء ولقد علم أنَّا عدل بين الناس فأنزل الله

стр. 372

تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ يعني عدلا". وقد ثبت في حديث أبي سعيد الخدري هذا التفسير١ مرفوعا دون السبب٢. وأسنده الطبري عن جماعة من الصحابة٣. ٦٧- قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ ٤. أخرج الطبري٥ من طريق سنيد٦ بن داود عن حجاج بن محمد عن ابن جريج قال قلت لعطاء٧: فقال: يبتليهم ليعلم من يسلم لأمره -قال ابن جريج: بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا فقالوا: مرة ههنا ومرة ههنا! قال الطبري٨: معناه ليعلم الرسول والمؤمنون وأضاف ذلك إليه وفقًا لخطابهم. وأخرج عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة قال: كان في القبلة الأولى بلاء وتمحيص فصلى النبي ﷺ قدومه إلى المدينة إلى بيت المقدس ثم وجهه الله إلى

стр. 373

الكعبة. واسند الطبري١ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس معناه: "نميز أهل اليقين من أهل الشك"٢. قال٣: وقال آخرون: كانوا ينكرون أن يكون الله يعلم الشيء قبل كونه ولو قيل٤ لهم إن قوما من أهل القبلة سيرتدون٥ إذا حولت القبلة لقالوا: إن ذلك باطل فلما حولت القبلة وكفر من كفر من أجل ذلك قال الله وما جعلت ذلك إلا لأعلم ما عندكم٦ -أيها المنكرون علمي بما هو كائن من الشيء قبل وقوعه- وحاصله أن المعنى إلا لنبين لكم أنا نعلم ما كان قبل أن يكون٧. وقال المارودي٨: "اختلفوا في سبب الصلاة إلى بيت المقدس فقال الطبري: إنه

стр. 374

كان ليتألف أهل الكتاب١، وقال الزجاج٢: "إن العرب كانت تحج البيت غير آلفة لبيت المقدس، فأحب أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه". ٦٨- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ . قال الواحدي٢: "قال ابن عباس في رواية الكلبي -يعني عن أبي صالح عنه: كان رجال من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين٤ قد ماتوا على القبلة الأولى منهم أبو أمامة٥ أسعد بن زرارة أحد بني النجار والبراء بن معرور أحد بني سلمة في

стр. 375

أناس آخرين جاءت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا؟ فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ . قلت: وذكره مقاتل في "تفسيره"١ بتمامه بنحوه وأوله: أن حُيي بن أخطب وأصحابه قالوا: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس كانت هدى أو٢ ضلالة؟ فقالوا: إنما الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى عنه: قالوا: فما شهادتكم على مَنْ مات منكم على قبلتنا وقد كان مات؟ فذكره. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والطبري٣ من طريق سماك بن حرب٤ عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما وجه رسول الله ﷺ إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله أرأيت الذين ماتوا وهو يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ . وأخرج الطبري٥ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "أول ما

стр. 376

نسخ من القرآن القبلة وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها بضعة عشر شهرا، فقال الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ إلى قوله ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه١﴾ فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب ٢﴾ وأنزل الله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ "٣. وأخرج الطبري٤ من طرق عن قتادة قال: "قال أناس لما صرفت القبلة نحو الكعبة: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل قبل فنزلت". ومن طريق أسباط بن نصر عن السدي٥. "لما توجه٦ رسول الله ﷺ قبل المسجد الحرام قال المسلمون: ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس هل قبل الله منا ومنهم أو٧ لا؟ فنزلت". ومن طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال٨: قال ناس لما حولت القبلة إلى البيت الحرام: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ فنزلت

стр. 377

ومن طريق داود بن أبي عاصم نحوه١ لكن قال: هلك أصحابنا. ومن طريق العوفي٢ عن ابن عباس: أشفق المسلمون على من صلى منهم إلى غير الكعبة أن لا تقبل منهم. قال الطبري: اتفقوا على أن الإيمان في هذه الآية: الصلاة٣. ونقل يحيى بن سلام عن الحسن البصري أنه قال: معنى الآية محفوظ لكم إيمانكم عند الله حيث أقررتم بالصلاة إلى بيت المقدس إذ فرضها عليكم٤. ٦٩- قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ . قال الواحدي٥ بعد ما نقله عن الكلبي في الذي قبله إلى قوله: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ : قال٦: ثم قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ وذلك أن النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: "وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها"

стр. 378

-وكان يريد الكعبة لأنها قبلة إبراهيم ﵇ فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئا، فسل ربك أن يحولك إلى قبلة إبراهيم ﵇، ثم ارتفع جبريل فجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل ﵇ بما سأله، فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ الآية. قلت: وجدت هذا السبب بهذا السياق في "تفسير مقاتل بن سليمان"١ فيحتمل أن يكون مراده بقوله: "قال ثم قال" إلى آخره غير ابن الكلبي وهو مقاتل فيكون ظاهره الإدراج على كلام ابن الكلبي عن ابن عباس، ويحتمل أن يكونا تواردا٢ والذي أورده الطبري٣ عن ابن عباس هو ما أخرجه من طريق علي بن أبي طلحة عنه: أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﵇ فكان يدعو وينظر إلى السماء فنزلت. وقد جمع محمد بن إسحاق في روايته٤ الأمور الثلاثة فقال: حدثني إسماعيل بن أبي خالد٥ عن أبي إسحاق عن البراء: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُون﴾ قال: فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن تصرف القبلة وكيف بصلاتنا إلى بيت المقدس فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ قال: قال السفهاء من الناس وهم أهل الكتاب: ما

стр. 379

ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأنزل الله ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاس﴾ الآية. ومن طريق سنيد ثم من رواية ابن جريج عن مجاهد١ قال: قالت اليهود: أيخالفنا محمد ويتبع قبلتنا! فكان النبي ﷺ يدعو الله أن يحوله عن قبلتهم، فنزلت الآية فانقطع قول يهود. ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال٢: لما أنزل الله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ ٣ واستقبل النبي ﷺ بيت المقدس٤ فبلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم، فكره رسول الله ﷺ ذلك، وجعل يرجع بوجهه٥ إلى السماء فقال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ الآية. ومن طريق أسباط عن السدي قال٦: كان الناس يصلون إلى بيت المقدس، فلما قدم النبي ﷺ المدينة صلى كذلك إلى٧ ثمانية عشر شهرا من مهاجره، وكان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينتظر ما يؤمر به وكان يحب أن يصلي إلى الكعبة، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ .

стр. 380

ومن طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس١ أن النبي ﷺ كان يقلب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس وكان يهوى قبلة البيت الحرام، فولاه الله قبلة كان يهواها. وقال ابن ظفر: قيل كان النبي ﷺ إذا قام لصلاة الليل بالمدينة قلب وجهه في السماء قبل دخوله في الصلاة يود لو صرف عن المسجد الأقصى إلى البيت الحرام محبة لموافقة إبراهيم وكراهة لموافقة اليهود فنزلت. ٧٠- قوله ز تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَك﴾ . أخرج الطبري٢ من طريق أسباط عن السدي قال: لما حول النبي ﷺ إلى الكعبة قالت اليهود: إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر فنزلت٣. ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوه٤. ٧١- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ [الآية: ١٤٦] . قال الواحدي٥.

стр. 381

نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام١ وأصحابه، كانوا يعرفون رسول الله ﷺ كما يعرف أحدهم ولده إذا رآه مع الغلمان. قال عبد الله بن سلام لأبي بن كعب٢: كنت أشد معرفة برسول الله ﷺ مني بابني فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذلك يابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقًّا يقينًا، وأنا لا أشهد بذلك على ابني لأني لا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يابن سلام. وقال يحيى بن سلام: قال الكلبي٣: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: إن الله أنزل على نبيه وهو بمكة أن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كيف هذه المعرفة يابن سلام؟ قال: نعرف نبي الله بالنعت الذي نعته الله به إذا رأيناه فيكم كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان، والذي يحلف به عبد الله بن سلام لأنا بمحمد أشد مني معرفة بابني فقال له عمر: كيف ذلك؟ قال: عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا أنه هو، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه، فقال له عمر: وفقك الله فقد أصبت وصدقت. قال يحيى بن سلام: أراد بما أنزل بمكة الآية التي في أول سورة الأنعام ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٤ ثم نزل بعد في المدينة في سورة البقرة فذكرها.

стр. 382

قلت: وحاصله أن الضمير في قوله ﴿يَعْرِفُونَه﴾ للنبي ﷺ ، هو في آية الأنعام بعيد، وأما في آية البقرة فمحتمل وقد جاء أن الضمير للبيت الحرام١ كذا قال مقاتل بن سليمان٢: إن اليهود منهم أبو ياسر بن أخطب وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وسلام بن صوريا وكنانة بن أبي الحقيق، ووهب بن يهوذا وأبو رافع٣ قالوا للمسلمين٤: لم تطوفون بالكعبة وهي حجارة مبنية؟ فقال النبي ﷺ : "إنهم ليع لمون ٥ أن الطواف بالبيت حق، وأنه هو القبلة، وذلك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل ولكنهم يكتمون ذلك" فقال ابن صوريا: ما كتمنا شيئًا مما في كتابنا، فأنزل الله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَه﴾ يعني البيت الحرام وأنه القبلة. قلت: وأخرج الطبري أن الضمير للبيت الحرام فقال٦: يعني أن أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون أن البيت الحرام قبلة إبراهيم. كما يعرفون أبناءهم ثم أسند من طريق العوفي عن ابن عباس٧ في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾ : عرفوا أن قبلة البيت الحرام قبلتهم التي أُمروا بها كما عرفوا أبناءهم. ومن طريق٨ قتادة، و٩ عن الربيع بن أنس، وعن السدي وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كلهم

стр. 383

نحوه١. ٧٢- قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّة﴾ الآية١٥٠. قال الطبري٢: يعني بالناس أهل الكتاب الذين كانوا يقولون ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم ويقولون: يخالفنا محمد في ديننا ويتابعنا في قبلتنا، فهي حجتهم التي كانوا يموهون بها على الجهال، فقطع الله ذلك بتحويلها إلى الكعبة. قال٣: "وقد ذكر الأسانيد إلى قائلي ذلك" يعني كما تقدم. قال:٤ والمراد بالذين ظلموا منهم قريش لقولهم رجع محمد إلى قبلتنا وسيرد إلى ديننا. ثم أسند٥ من طريق أسباط بن نصر عن السدي فيما يذكر عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس و٦ عن مرة الهمذاني عن ابن مسعود و٦ عن ناس من الصحابة قالوا: لما صرف نبي الله ﷺ نحو الكعبة، بعد صلاته إلى بيت المقدس، قال المشركون من أهل مكة: تحير على٧ محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم وعلم٨ أنكم

стр. 384

كنتم أهدى منه سبيلا، ويوشك أن يدخل في دينكم فأنزل الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾ . ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد١ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾ قال: حجتهم قولهم قد راجعت قبلتنا. ومن طريق سعيد عن قتادة٢ ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ : هم مشركو قريش فكانت حجتهم أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا فنزلت. ومن طريق سنيد بن داود بسنده إلى عطاء٣ وعن مجاهد نحو ذلك٤. وذكر يحيى بن سلام عن أنس٥ قال: أخبره أنه لا يحول عن الكعبة إلى غيرها أبدا فيحتج عليه محتج بالظلم كما احتج عليه مشركو العرب٦.

стр. 385

٧٣- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ . أخرج عبد بن حميد من طريق شيبان بن قتادة١ قال: لما احتج مشركو قريش بانصراف النبي ﷺ إلى الكعبة فقالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا أنزل الله تعالى في ذلك كله٢ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ . ٧٤- قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَات﴾ [الآية: ١٥٤] . قال الواحدي٣: نزلت في قتلى بدر وكانوا بضعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، وذلك أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فنزلت. قلت: كذا ذكره الثعلبي بغير إسناد، ووجدته في "تفسير مقاتل بن سليمان"٤ به وزيادة أن سمى الستة من المهاجرين وهم عبيدة٥ بن الحارث، وعمير٦ بن أبي

стр. 386

وقاص، وذو الشمالين١ بن عبد عمرو٢ وعاقل٣ بن البكير، ومهجع٤ مولى عمر، وصفوان بن بيضاء٥، وسمى الثمانية من الأنصار وهم سعد٦ بن خيثمة ومبشر٧ بن عبد المنذر وحارثة بن سراقة٨، وعوف٩ ومعوذ١٠ ابنا عفراء١١، وهي أمهما، واسم أبيهما الحارث بن مالك ويزيد بن الحارث١٢، وعمير١٣ بن الحمام١٤ ورافع بن المعلى١٥.

стр. 387

وذكره الماوردي١ مختصرا ولفظه: "وسبب ذلك أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وقتلى أحد مات فلان مات فلان، فنزلت". وحكى ابن عطية٢ في سببها: "أن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم، فنزلت مسلية لهم تعظم منزلة الشهداء٣، فصاروا مغبوطين لا محزونا لهم"٤. ٧٥- قوله ز٥ تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ . أشار الماوردي٦ إلى أن سبب نزولها دعاء النبي ﷺ : "اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ٧ يوسف ٨ " فقال تعالى مجيبا لدعاء نبيه:

стр. 388

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ الآية. وعبر عنه أبو حيان بقوله١: وقيل هؤلاء٢ أهل مكة خاطبهم بذلك إعلاما بأنه أجاب دعوة نبيه فيهم٣. ٧٦- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾ [الآية: ١٥٨] . أسند الواحدي١ من طريق مالك وغيره عن هشام بن عروة عن عائشة سبب ذلك وهو في "الصحيحين" من طريق هشام ومن طريق الزهري، أما الزهري٥ فقال عن عروة: سألت عائشة فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، فقالت: بئس ما قلت يابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها عليه لكانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا يهلون قبل أن يسلموا لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل٦، وكان من أهل منها تحرج أن يطوف بالصفا والمروة فلما أسلموا سألوا النبي ﷺ عن ذلك، فقالوا يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى:

стр. 389

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾ الآية. قالت عائشة: وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. وفي رواية يونس١ عن الزهري٢ إن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا٣ هم وغسان يهلون لمناة. قال الزهري٤: ثم أخبرت٥ أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس -إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة- كانوا يطوفون كلهم بالصفا٦ والمروة، فلما ذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا والمروة٧ فهل علينا من حرج أن لا نطوف٨ بالصفا والمروة فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون في أن لا يطوفوا٩ بالصفا والمروة في الجاهلية، والذين كانوا يطوفون ثم تحرجوا

стр. 390

أن لا يطوفوا١ بهما في الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة٢ حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. وأما طريق هشام بن عروة عن أبيه فلفظها٣ عن عائشة قالت: إنما أنزل هذا في أناس من الأنصار، كانوا إذا أهلوا لمناة في الجاهلية لا٤ يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع النبي ﷺ في الحج٥ ذكروا ذلك له فأنزل الله هذه الآية قالت: ولعمري ما أكمل٦ الله حج من حج٧ ولم يطف بين الصفا والمروة. وفي رواية أبي معاوية٨ عن هشام بهذا السند قالت: إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما "إساف ونائلة" ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، وسائر الرواة قالوا: كانوا لا يطوفون انتهى. ويؤيده أن في رواية عبد الرحيم بن سليمان عن هشام لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة٩.
следующие страницы →