← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2102

العجاب في بيان الأسباب

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ومنها: عن العوفي عنه: ولفظه في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُم﴾ يعني بذلك الذي فعل عمر بن الخطاب فأنزل الله عفوه فقال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُم﴾ أخرجه ابن أبي حاتم١، وأخرجه الطبري٢ مطولا وأوله: "كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم" الحديث وفيه: وإن عمر بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي فإنها زينت لي فهل تجد لي من رخصة. فقال: "لم تكن بذلك حقيقا يا عمر". فلما بلغ بيته أرسل إليه فأتاه فعذره٣ في آية من القرآن، وأمره الله أن يضعها في المائة٤ الوسطى من البقرة. وأخرج الطبري٥ أيضا من طريق حماد بن سلمة عن ثابت: أن عمر واقع أهله ليلة في رمضان فاشتد ذلك عليه فأنزل الله ﴿أُحِلَّ لَكُم﴾ الآية٦. ولها طرق أخرى عن غير ابن عباس: منها: ما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن المسعودي بسنده الماضي قريبا قال فيه٧: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا

стр. 422

ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له "صرمة" كان يعمل صائما حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائما، فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدا شديدا، فقال: "ما لي أراك جهدت جهدا شديدا؟ " قال: يا رسول الله إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت فأصبحت حين أصبحت صائما. قال: وكان عمر أصاب من النساء١ بعدما نام فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك فأنزل الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ . وأخرجه [الطبري] ٢ أيضا من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى مرسلا. ومن طريق٣ حصين بن عبد الرحمن [عن عبد الرحمن] ٤ بن أبي ليلى مرسلا وقال فيه: فجاء شيخ من الأنصار يقال له صرمة بن مالك٥. وأخرجه أحمد٦ والطبري٧ وابن أبي حاتم من طريق قيس بن

стр. 423

سعد١ عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة في قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ قال: كان المسلمون -قبل أن تنزل هذه الآية- إذا صلوا العشاء الآخرة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا وأن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عينه بعد صلاة المغرب فنام فلم يشبع من الطعام ولم يستيقظ حتى صلى الرسول ﷺ العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأنزل عند ذلك ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ فكان ذلك عفوا من الله ورحمة. كذا جاء في هذه الرواية أن صرمة بن قيس أكل وشرب بعد ما نام، والذي تقدم أصح أنه امتنع فجهد فنزلت. وأخرج الطبري٢ من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه٣ قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: إني قد نمت قال: ما نمت! ثم وقع بها. وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُم﴾ الآية وأخرجه ابن أبي حاتم٤ وفي سنده عندهما ابن لهيعة٥، وحديثه يكتب في المتابعات.

стр. 424

ثم أسند الواحدي١ من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة حدثني أبي و٢ غيره عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويمسون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئا من ذلك إلى مثلها وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، فأتى أهله عند الإفطار فانطلقت امرأته تطلب شيئا وغلبته عينه فنام، فلما انتصف النهار من غد غشي عليه قال: وأتى عمر امرأته وقد نامت، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُم﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ ففرح المسلمون٣. ثم أسند أيضا٤ من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء: كان أصحاب محمد إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يطعم لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما. فذكر نحوه ولم يذكر قصة عمر وفي آخره: فأنزلت هذه الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم﴾ ففرحوا بها فرحا شديدا. قال: رواه البخاري عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل وهو كما قال٥.

стр. 425

وأخرجه الإسماعيلي١ من وجه آخر عن عبيد الله بن موسى فقال عن إسرائيل وزهير كلاهما عن أبي إسحاق وأخرجه أيضا أبو داود٢ من وجه آخر عن إسرائيل وقال في روايته: إن صرمة بن قيس. وأخرجه النسائي من رواية زهير وقال في روايته: ونزلت في أبي قيس بن عمرو٣. وأخرج الطبري٤ أيضا من طريق السدي قال: كتب على النصارى صيام رمضان وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء في رمضان بعد النوم٥ وكتب على المسلمين٦ كما كتب على النصارى فلم يزل المسلمون٧ حتى أقبل رجل من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة وكان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة فأتى أهله بتمر فقال [لامرأته] ٨: استبدلي لي بهذا طحينا فاجعليه سخينة٩ لعلي آكله فإن التمر قد أحرق جوفي. فانقلبت فاستبدلت له ثم صنعته فأبطأت عليه فنام فجاءت فأيقظته فكره أن

стр. 426

يعصي الله فأبى أن يأكل فأصبح صائما فرآه النبي ﷺ بالعشي، فقال: "ما لك يا أبا ١ قيس؟ " فقص عليه القصة. وكان عمر وقع على جارية له -في ناس من المسلمين٢ لم يملكوا أنفسهم- فلما سمع كلام أبي قيس رهب أن ينزل فيه شيء فبادر واعتذر٣ وتكلم أولئك الناس فنسخ الله تعالى ذلك عنهم ونزلت ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ . ثم أسند الواحدي٤ من طريق إسحاق بن أبي فروة عن الزهري أنه حدثه عن القاسم بن محمد [قال] ٥: إن بدء الصوم: كان يصوم الرجل من عشاء إلى عشاء، فإذا نام لم يصل إلى أهله بعد ذلك ولم يأكل ولم يشرب حتى جاء عمر إلى امرأته فقالت: إني قد نمت فوقع بها، وأمسى صرمة بن قيس٦ صائما فنام قبل أن يفطر فأصبح فكاد الصوم يقتله٧ فأنزل الله تعالى الرخصة قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ . وهذا الحديث مع إرساله ضعيف السند من أجل إسحاق بن أبي فروة٨،

стр. 427

ولولا أني التزمت أن استوعب ما أورده الواحدي لاستغنيت عن هذا. وأخرج الطبري١ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد كان الرجل من الصحابة يصوم فإذا أمسى أكل وشرب وجامع، فإذا رقد حرم ذلك كله عليه حتى القابلة وكان فيهم٢، رجال يختانون أنفسهم في ذلك فعفا الله عنهم وأحل ذلك قبل الرقاد وبعده وفي رواية٣ ذكر عمر٤. ومن طريق محمد٥ بن يحيى بن حبان٦ الأنصاري٧: أن صرمة بن أنس٨ أتى أهله وهو شيخ كبير فلم يهيئوا له طعاما فوضع رأسه فأغفى وجاءته امرأته فقالت: كل. قال: إني قد نمت! قالت: إنك لم تنم فأصبح جائعا مجهودا فنزلت. تنبيه: جمع ابن عطية الخلاف في تسمية الأنصاري بحسب ما وقع عنده في "تفسير ابن جرير" فقال٩: "ورُوي أن صرمة بن قيس ويقال: ابن مالك، ويقال: أبو

стр. 428

قلت: وتقدم في بعض طرقه: أبو قيس بن صرمة، وفي بعضها: أبو قيس بن عمرو، وذكرت في كتابي في "الصحابة"١ أن بعضهم قال: أنس بن صرمة٢ وأن

стр. 429

بعضهم صحفه فقال: ضمرة بضاد معجمة١. ووقع في "تفسير مقاتل"٢ أنه صرمة بن أنس بن صرمة بن مالك من بني عدي بن النجار أبو قيس٣. ٩٨- قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ . أسند الواحدي٤ من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له زيهما٥ فأنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار. قال رواه البخاري ومسلم وهو كما قال٦

стр. 430

قال ابن عطية١ وجعل عدي بن حاتم خيطين على وسادة فقال له النبي ﷺ : "إن وسادك لعريض" ٢. قال ابن عطية روي أنه كان بين طرفي المدة عام. قلت: كلامه يوهم أن قصة عدي كانت قبل نزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ وليس كذلك٤ بل صنيع الأنصار وصنيع عدي وإن اتحد في الخيطين لكن مأخذ الغرضين مختلف ونزول ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ كان بسبب الأنصار لأنهم حملوا الخيطين

стр. 431

على حقيقتهما. وفعل عدي استمر بعد نزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ حملا للخيطين على الحقيقة أيضا١، وأن المراد أن يوضح الفجر الأبيض منهما من الأسود فقيل له: إن المراد بالخيط نفس الفجر ونفس الليل٢. ٩٩- قوله ز تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد﴾ . قال مقاتل بن سليمان٣: نزلت في علي وعمار [بن ياسر] وأبي عبيدة [بن الجراح] كان أحدهم يعتكف فإذا أراد الغائط من السحر رجع إلى أهله فيباشر ويجامع ويغتسل٤ ويرجع فنزلت. وعبر عنه ابن ظفر مقتصرا عليه بقوله: قيل كان علي وأبو عبيدة إذا خرجا في حال اعتكافهما لحاجة الإنسان قد يكون منها الوطء فنزلت. وأخرج الطبري٥ من طريق سفيان -وهو الثوري- عن علقمة بن مرثد عن الضحاك بن مزاحم قال: كانوا يجامعون وهم معتكفون حتى نزلت ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد﴾ ٦.

стр. 432

وفي رواية له١ من هذا الوجه: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد٢ جامع إن شاء فنزلت، يقول: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في مسجد ولا غيره. ومن طريق سعيد٢ عن قتادة: كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف فلقي امرأته باشرها فنهاهم الله عن ذلك، وأخبرهم أن ذلك لا يصلح حتى يقضي اعتكافه. ومن طريق معمر عن قتادة نحوه٤. ومن طريق ابن جريج قال٥: قال ابن عباس: كانوا إذا اعتكفوا فخرج الرجل إلى الغائط جامع امرأته ثم اغتسل، ثم رجع إلى اعتكافه فنهوا عن ذلك. ومن طريق أبي جعفر الرازي٦ عن الربيع بن أنس: كان أناس يصيبون نساءهم وهم عكوف فنهاهم الله عن ذلك. ومن٧ طريق ابن أبي نجيح٨ عن مجاهد: كان ابن عباس يقول: من خرج من بيته إلى بيت الله فلا يقرب النساء ومن طريق ابن جريج قال٩: قال مجاهد: نهوا عن

стр. 433

جماع النساء في المساجد حيث كانت الأنصار تجامع. ١٠٠- قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ الآية ١٨٨. قال الواحدي١: قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي وفي عيدان٢ بن أشوع الحضرمي وذلك أنهما٣ احتكما إلى النبي ﷺ في أرض فكان امرؤ القيس المطلوب وعيدان الطالب فأنزل الله تعالى هذه الآية فحكم عيدان في أرضه ولم يخاصمه٤. قلت: كذا رأيت فيه: "ابن حيان" وقد وجدته في "تفسير مقاتل بن سليمان٥ وقال في آخره ولم يكن لعيدان٦ بينه وأراد امرؤ القيس أن يحلف فقرأ النبي ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فلما سمعها امرؤ القيس كره أن يحلف فلم يخاصمه في أرضه وحكمه فيها فنزلت٧. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن دينار٨ عن سعيد بن جبير بنحوه.

стр. 434

وعَيدان بفتح المهملة بعدها تحتانية مثناة١ ذكره أصحاب المشتبه٢. ١٠١- قوله ز تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّام﴾ . قال الماوردي٣: "معنى تدلوا تصيروا بها إلى الحكام٤ مأخوذ من إدلاء الدلو٥، ويحتمل أن يكون المعنى تقيموا بها الحجة عندهم تقول: أدلى بحجته إذا قام بها" قال القرطبي٦: "المعنى لا تدلوا إلى الحكام بالحجج الباطلة، وقيل المعنى: لا

стр. 435

تصانعوا بأموالكم الحكام فترشوهم ليقضوا لكم". قال ابن عطية١: "ويترجح هذا القول بأن الحكام مظنة الرشوة [إلا من عصم وهو] الأقل" قال: "واللفظتان متناسبان٢ لأن تدلوا من إرسال الدلو والرشوة من الرشا كأنها يمد٣ بها [لتقضي الحاجة] . وقال الرازي٤: "قيل المراد ما لا بينة عليه كالودائع، وقيل شهادة الزور وقيل: في دفع الأوصياء بعض مال الأيتام إلى الحاكم، وقيل: أن يحلف ليذهب حق غريمه، وقيل: نزلت في الرشوة، وهو الظاهر، وإن كان الكل منهيا عنه"٥. قلت: بل السبب لا يعدل عن كونه مرادا وإن كان اللفظ يتناول غيره٦. ١٠٢- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾ . قال الواحدي٧: "قال معاذ بن جبل: يا رسول الله إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال قتادة: وذكر لنا أنهم سألوا نبي الله ﷺ لم خلقت٨ هذه الأهلة؟ فأنزل

стр. 436

الله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ . وقال الكلبي: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن عنمة١ -بفتح المهملة والنون- وهما رجلان من الأنصار، قالا يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو فيطلع دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود٢ كما كان على حال واحد؟ فنزلت هذه الآية. قلت: أما الأول فلم أر له سندا إلى معاذ ويحتمل أن يكون اختصره أولًا٣ ثم أورده مبسوطا. وأما أثر قتادة فأخرجه يحيى بن سلام عن شعبة عنه بهذا اللفظ، وأخرجه الطبري٤ من طريق سعيد٥ بلفظ: سألوا النبي ﷺ لِمَ جعلت هذه الأهلة، فأنزل الله. ومن طريق أبي جعفر الرازي٦ عن الربيع بن أنس ذكر لنا أنهم سألوا النبي ﷺ لِمَ خلقت الأهلة فنزلت. ومن طريق ابن جريج٧ قال: قال ناس. فذكر مثله.

стр. 437

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي العالية قال: بلغنا أنهم قالوا فذكر مثله. وأما أثر الكلبي فلعله في "تفسيره" الذي يرويه عن أبي صالح عن ابن عباس١. وقد وجدت مثله في "تفسير مقاتل بن سليمان"٢ بلفظه فلعله تلقاه عنه وقد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاء السند فيه ولا شعور عندهم بذلك بل كاد يكون مقطوعا به لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم. قال الفخر الرازي:٣ "ليس في الآية عن أي شيء سألوا لكن الجواب بقوله: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاس﴾ يدل على أنهم سألوا عن الحكمة في تغيرها" والله أعلم. ١٠٣- قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [الآية: ١٨٩] . ١- أسند الواحدي٤ من طريق شعبة عن أبي إسحاق سمعت البراء يقول: كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية. متفق عليه٥.

стр. 438

ومن طريق الأعمش١ عن أبي سفيان عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام فبينما رسول الله ﷺ في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري فقالوا: يا رسول الله: إن قطبة بن عامر رجل٢ فاجر وإنه خرج معك من الباب فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت. فقال: إني أحمس٣ قال: إن ديني دينك. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ . قلت: حديث جابر أخرجه ابن خزيمة٤ والحاكم٥، وهو على شرط مسلم ولكن اختلف في إرساله ووصله٦. وحديث البراء له شاهد قوي، وله عدة متابعات

стр. 439

مرسلة١. ثم قال الواحدي٢: قال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة، لم يدخل حائطا ولا دارا ولا بيتا من بابه، فإن كان من أهل المدر٣ نقب نقبا في ظهر بيته منه، يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب ولا يخرج منه٤ حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا٥ إلا أن يكون من الحمس وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وجشم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضر بن معاوية سموا حمسا لشدتهم في دينهم قالوا٦: فدخل رسول الله ﷺ ذات يوم بيتا لبعض الأنصار فدخل رجل من الأنصار على أثره من الباب وهو محرم٧ فقال له رسول الله ﷺ : "لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ " فقال: رأيتك دخلت فدخلت على أثرك، فقال رسول الله ﷺ : "إني أحمس" ٨ فقال الرجل:

стр. 440

إن كنت أحمس فإني أحمس١ ديننا واحد، رضيت بهديك وسمتك ودينك. فأنزل الله هذه الآية. قلت: وهذا جمعه من آثار مفرقة ولم أجده عن واحد معين. وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره"٢ عن معمر عن الزهري قال: كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء، يتحرجون من ذلك، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدوا له الحاجة بعدما يخرج من بيته، فيرجع فلا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب٣ أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من قدامه٤ ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته. فتخرج إليه من بيته، حتى بلغنا أن رسول الله٥ ﷺ أهل زمن الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره، من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبي ﷺ : "إني أحمس"، قال الزهري: وكان الحمس لا يبالون ذلك، فقال الأنصاري: فأنا أحمس! يقول: أنا على دينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. هذا مرسل رجاله ثقات أخرجه الطبري٦ من طريق عبد الرزاق. وأخرج٧ من طريق أسباط عن السدي في هذه الآية قال: إن ناسا من العرب كانوا إذا حجوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، كانوا ينقبون في أدبارها فلما حج رسول الله ﷺ حجة الوداع أقبل يمشي ومعه رجل من أولئك وهو مسلم فلما بلغ رسول الله ﷺ باب البيت، احتبس الرجل خلفه وأبى أن يدخل، وقال: يا رسول الله،

стр. 441

إني أحمس -يقول: إني محرم- وكان أولئك الذين يفعلون ذلك يسمون الحمس فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أيضا أحمس: فادخل"، فدخل الرجل فأنزل الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ . قلت: شذ السدي بهذه الرواية فخالف في زمان نزول الآية وخالف في من كان يفعل ذلك، فزعم أنهم الحمس والمحفوظ أنهم غير الحمس، وخالف في أن الصحابي امتنع حتى أذن له النبي ﷺ والمحفوظ أنه صنع فأنكر عليه فإن أمكن الجمع بالحمل على التعدد مع بعده وإلا فالصحيح الأول١. وقد أخرجه الطبري وغيره من طرق أخرى: منها٢: من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال: كان أهل المدينة وغيرهم إذا أحرموا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها وذلك أن يتسوروها وكان أحدهم إذا أحرم لم يدخل البيت إلا أن يتسور من ظهره، وأن النبي ﷺ دخل ذات يوم بيتا لبعض الأنصار ودخل رجل على أثره ممن قد أحرم فأنكروا عليه ذلك وقالوا هذا رجل، فقال له النبي ﷺ : "لم دخلت من الباب وقد أحرمت؟ "، قال: رأيتك يا رسول الله! دخلت على أثرك، فقال: "إني أحمس" -وقريش يومئذ تدعى الحمس- فقال الأنصاري: إن ديني دينك فأنزل الله هذه الآية. ومن طريق العوفي٣ عن ابن عباس: "إن رجالا من أهل المدينة كانوا إذا خاف

стр. 442

أحدهم من عدوه شيئا أحرم فأمن وإذا أحرم لم يلج من بابه واتخذ ثقبا من ظهر بيته فلما دخل النبي ﷺ المدينة كان بها رجل محرم فدخل رسول الله ﷺ بستانا فدخل معه ذلك المحرم، فذكر نحو ما تقدم. وأخرج الطبري١ وعبد بن حميد من طريق داود بن أبي هند عن قيس بن حبتر بمهملة ثم موحدة ثم مثناة كوزن جعفر٢ النهشلي قال كانوا إذا أحرموا لم يأتوا بيتا من قبل بابه ولكن من قبل ظهره وكانت الحمس تفعله فدخل رسول الله ﷺ حائطا من حيطان المدينة ثم خرج من بابه فاتبعه رجل يقال له رفاعة بن تابوت٣ ولم يكن من الحمس، فقالوا: يا رسول الله نافق رفاعة، فقال: "ما حملك على ما صنعت يا رفاعة؟ " قال: رأيتك خرجت فخرجت، فقال: "إني من الحمس ولست أنت من الحمس" فقال: يا رسول الله ديننا واحد فأنزلت ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ . قلت: الرواية المتقدمة٤ في تسميته قطبة بن عامر أصح٥، وكذا سماه مقاتل

стр. 443

بن سليمان في "تفسيره"١ وفي هذا المرسل من النكارة قوله: إن ذلك في حائط من حيطان المدينة، وما كان النبي ﷺ قط وهو بالمدينة محرما. وأخرج عبد بن حميد من طريق مغيرة٢ عن إبراهيم -هو النخعي- قال: كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيتا من بابه فنزلت٣. ومن طريق شيبان عن قتادة نحوه٤. ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أهل الجاهلية جعلوا في بيوتهم كوى في ظهورها، وأبوابا في جنوبها فنزلت٥.

стр. 444

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج قلت لعطاء١: فقال كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من أبوابها ويرونه برا فنزلت. ٢- قول ز آخر: قال عبد بن حميد: حدثنا هاشم بن القاسم ثنا سليمان بن المغيرة سألت الحسن يعني البصري عن هذه الآية ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ قال: كان الرجل من أهل الجاهلية يهم بالشيء يصنعه فيحبس عن ذلك فكان لا يأتي بيتا من قبل بابه حتى يأتي الذي كان هم به وأراده٢. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عباد بن منصور عن الحسن أوضح منه قال: كان قوم من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا أو خرج من بيته يريد سفرا ثم بدا له أن يقيم ويدع سفره الذي خرج له لم يدخل البيت من بابه ولكن يتسوره فقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ وذكره الزجاج٣ بلفظ "أن قوما من قريش وجماعة من العرب كانوا إذا خرج الرجل منهم في حاجة فلم يتيسر له رجع فلم يدخل من باب بيته سنة"٤.

стр. 445

وذكر الماوردي١ بنحوه وزاد في آخره تطيرا من الخيبة، فقيل٢ لهم ليس في التطير بر ولكن البر أن يتقوا الله. ٣- قول ز آخر: أخرج ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة -أحد الضعفاء٣- عن محمد بن كعب القرظي قال: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فأنزل الله هذه الآية. ٤- قول ز آخر: أخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي شيبة٤ عن عطاء قال: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا البيوت من ظهورها ويرون أن ذلك أحرى للبر فنزلت. ٥- قول ز آخر: قال الماوردي٦ ما حاصله: إنه قيل إنها نزلت في من كان يأتي النساء من غير قبلهن وكنى عن النساء بالبيوت للإيواء إليهن وعن الوطء في غير القبل بالإتيان من جهة الظهر، ونسبه لابن زيد. وحكاه مكي والمهدوي عن ابن الأنباري أيضا ورده ابن عطية٧ مستبعدا له.

стр. 446

٦- قول ز آخر ذكره الماوردي١ عن ابن بحر٢ قال: نزلت في النسيء كانوا يؤخرون الحج فيجعلون الشهر الحرام حلالا والحلال حراما فعبر البيوت وإتيانها من ظهورها عن المخالفة في أشهر الحج، والمخالفة إتيان الأمر من خلفه، والخلف والظهر في اللغة واحد. وجوز الزمخشري٣ وتبعه المرسي٤ أن إتيان البيوت من أبوابها كناية عن

стр. 447

التمسك بالطريق المستقيم، وإتيانها من ظهورها كناية عن التمسك بالطريق الباطل١. وحكاه الفخر الرازي٢ وقال: هذا تأويل المتكلمين وهو أولى لاتساق النظم٣ كذا قال٤. ١٠٤- قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم﴾ الآية ١٩٠. ١- قال الواحدي٥ قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله ﷺ لما صد عن البيت هو وأصحابه نحر الهدي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه ﴿ثُمَ يَأْتِيْ﴾ ٦ القابل، ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء وصالحهم رسول الله ﷺ على ذلك،

стр. 448

فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك؛ وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم فكرهوا القتال في الحرم في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله﴾ يعني قريشا. قلت: الكلبي ضعيف لو انفرد فكيف لو خالف! وقد خالفه الربيع بن أنس وهو أولى بالقبول منه فقال: "إن هذه الآية أول آية في الإذن للمسلمين في قتال المشركين" وسياق الآيات يشهد لصحة٢ قوله فإن قوله تعالى عقيبها: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيه﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم﴾ ٣ عند الأكثر٤ فوضح أنها سابقة لكن سيأتي في سورة الحج عن أبي بكر الصديق: أول آية نزلت في الإذن في القتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ ٥. قلت: ويمكن الجمع. ولفظ الربيع قال: "هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة. فكان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت براءة" أخرجه الطبري من طريقه٦ ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال٧: نسخ قوله تعالى:

стр. 449

﴿قَاتَلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة﴾ ١ هذه الآية وغيرها٢. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن الربيع عن أبي العالية قال: هذه أول آية نزلت في القتال. ٢- قول ز آخر٣: أخرج الطبري٤ من طريق يحيى بن يحيى الغساني٥ قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ قال: فكتب إليَّ أن ذلك في النساء والذرية ومن لم ينصب٦ [لك] الحرب منهم. ومن طريق علي بن أبي طلحة٧ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ قال: "لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم فكف يده".

стр. 450

ورجح الطبري١ هذا القول، وجوز غيره٢ أمورا أخرى٣، قيل: نزلت في النهي عن من بذل الجزية، وفي من قتل قبل الدعوة، وقيل: في المثلة، وقيل: في القتال في الحرم، وقيل: في الشهر الحرام وفي القتال لغير وجه الله. ١٠٥- قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ . ١- قال الواحدي٤: "قال قتادة: أقبل نبي الله ﷺ وأصحابه في ذي القعدة حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون، فلما كان العام المقبل دخلوا مكة فاعتمروا في ذي القعدة وأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين٥ ردوه يوم الحديبية فأقصه الله منهم وأنزل الشهر الحرام ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَام﴾ الآية". قلت: وصله الطبري٦ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وقال فيه: واعتمروا في ذي القعدة وفيه٧: فصالحهم نبي الله ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك ويعتمر في العام المقبل فنحروا الهدي بالحديبية وحلقوا وقصروا حتى إذا كان العام المقبل اعتمروا في ذي القعدة حتى دخلوا مكة وفي آخره: فأدخله الله مكة في

стр. 451

ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه فقال: ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ . قال ابن ظفر: حرمات الدين لا يدخلها قصاص وإنما المراد: حرمات الناس أضاعوا حرمة قاصدي بيت الله بمنعهم منه فأقص الله منهم بأن أمكنهم من دخوله، وأخرج الذين كانوا يمنعونهم منه ثلاثة أيام. ومن طريق معمر١ وعن قتادة وعن عثمان٢، عن مقسم٣ قالا: كان هذا في سفر٤ الحديبية، فذكر نحوه وقال: فجعل الله لهم شهرا حراما يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صدوا فيه، فلذلك قال: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص﴾ . ومن طريق أبي جعفر الرازي٥ عن الربيع بن أنس نحوه بطوله. ومن طريق العوفي٦ عن ابن عباس نحوه باختصار. وأخرج الطبري٧ أيضا من طريق نافع بن مالك عن عكرمة عن ابن عباس في

стр. 452

هذه الآية: هم المشركون حبسوا محمدا ﷺ في ذي القعدة فرجعه الله في ذي القعدة فأدخله البيت الحرام فاقتص له منهم١. ومن طريق ابن أبي نجيح٢ عن مجاهد: فخرجت قريش بردها رسول الله ﷺ يوم الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام فأدخله الله في العام المقبل في ذي القعدة فقضى عمرته وأقصه بما حيل بينه وبين البيت. ومن طريق أسباط٣ عن السدي: "لما اعتمر النبي ﷺ عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من مهاجره، صده المشركون، ثم صالحوه على أن يخلوا له مكة من عام قابل ثلاثة أيام فأتاهم بعد فتح خيبر في السنة السابعة". ومن طريق جويبر٤ عن الضحاك قال: "حصروا٥ النبي ﷺ في ذي القعدة عن البيت الحرام فأدخله الله البيت الحرام في العام المقبل، واقتص له منهم". وأخرج أحمد بسند صحيح عن جابر: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغزى٦. ٢- قول ز آخر: حكى الماوردي٧ عن الحسن البصري "أن سبب نزولها أن مشركي العرب قالوا: أنهيت يا محمد عن قتالنا في الشهر الحرام؟ قال: "نعم"، فأرادوا أن

стр. 453

يقاتلوه في الشهر الحرام فنزلت الشهر الحرام ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ فقاتلوهم فيه" وسيأتي مزيد بيان لهذا في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيه﴾ ١. ١٠٦- قوله ز تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه﴾ الآية ١٩٤. ١- أخرج٢ الطبري من طريق علي٣ بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان المشركون يأخذون المسلمين٤ بألسنتهم بالشتم والأذى، وهم بمكة فأمر الله المسلمين بالمجازاة أو الصبر أو العفو، فلما هاجروا أعز الله دينه٥ أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم ولا يعتدوا كأهل الجاهلية. ٢- ثم نقل عن مجاهد٦ أنها في القتال. ويرجح ذلك من جهة سياق ما قبلها وما بعدها والله أعلم٧. ١٠٧- قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ . ١- أسند الواحدي٨ من طريق هشيم عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال:

стр. 454

نزلت في الانصار أمسكوا عن النفقة في سبيل الله فنزلت هذه الآية. ومن طريق هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن عكرمة قال: أنزلت في النفقة في سبيل الله. ومن طريق حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن الضحاك بن١ أبي جبيرة قال: كان الأنصار يتصدقون ويطعمون ما شاء الله فأصابتهم سنة فأمسكوا فأنزل الله هذه الآية. ٢- قول٢ آخر: أسند الواحدي من طريق حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير في قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ قال: كان الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ . ٣- قول آخر: أسند الواحدي من طريق المقري عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب أخبرني أسلم أبو عمران: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر٢ وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد٣ فخرج من المدينة صف عظيم من الروم وصففنا لهم صفا عظيما من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم خرج٤ إلينا مقبلا فتصايح٥ الناس، فقالوا: سبحان الله

стр. 455

ألقى بيده إلى التهلكة! فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار إنا لما أعز الله نبيه١، وكثر ناصريه قلنا بعضنا لبعض سرا من رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت فلو أنا أقمنا في أموالنا٢ أصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى كتابه يرد علينا ما هممنا به فقال ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ في الإقامة التي أردنا أن نقيم في الأموال فنصلحها فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيوب غازيا في سبيل الله حتى قبضه الله . قلت: أما الأول٣ فأخرجه أيضا ابن أبي حاتم والبغوي٤ في "معجم الصحابة" وأبو علي بن السكن٥ وقال: تفرد به هدبة٦ عن حماد٧ والصواب أنه مرسل٨.

стр. 456

وكذلك أخرجه الطبري١ من طريق معتمر بن سليمان عن داود بن أبي هند عن عامر وهو الشعبي ولفظه: إن الأنصار كانوا احتبس عليهم بعض الرزق، وكانوا قد أنفقوا نفقات، فساء ظنهم وأمسكوا فأنزل الله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال فكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم وجاء عن حماد٣ بهذا السند٤ حديث آخر في الألقاب٥ وهو مقلوب٦ والصواب

стр. 457

رواية شعبة١ ووهيب٢ وغيرهما٣ عن داود عن الشعبي عن أبي جبيرة بن الضحاك. قال أبو نعيم٤، وأخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما٥ من هذا الوجه. وقد وافق الشعبي على التأويل المذكور قتادة، أخرجه الطبري٦ من طريق معمر عنه قال في هذه الآية يقول: لا تمسكوا بأيديكم عن النفقة في سبيل الله. ومن طريق خُصيف٧ عن عكرمة: لما أمر الله بالنفقة فكان بعضهم يقول٨: ننفق فيذهب ما لنا ولا يبقى شيء! فقال: أنفقوا ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يقول: أنفقوا وأنا أرزقكم. ومن طريق يونس بن عبيد٩ عن الحسن: أنزلت في النفقة. وفي لفظ

стр. 458

له١: في التهلكة، أمرهم الله بالنفقة في سبيل الله، وأخبرهم أن ترك النفقة في سبيل الله هو التهلكة. وأخرج عبد بن حميد من طريق السكن بن المغيرة٢ عن الحسن نحوه ولفظه: ﴿إِلَى التَّهْلُكَة﴾ قال: هو البخل٣. ومن طريق عوف٤ عن الحسن مثله. وأخرج الطبري٥ من طريق ابن جريج أنه سأل عطاء عن هذه الآية فقال: يقول: أنفقوا في سبيل الله ما قل وكثر٦: وقال لي عبد الله بن كثير نزلت في النفقة في سبيل الله. ومن طريق العوفي٧ عن ابن عباس يقول: أنفقوا ما كان من قليل أو كثير ولا تستسلموا فلا تنفقوا شيئا فتهلكوا. وأخرج الفريابي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه. وأخرجه ابن المنذر ولفظه: ليس ذلك في القتال إنما هو في النفقة أن تمسك

стр. 459

يدك عن النفقة في سبيل الله. وسنده صحيح إليه١. وأخرج البخاري٢ والطبري٣ وغيرهما من حديث حذيفة في قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ : أنزلت في النفقة، وفي لفظ: أي لا تمسكوا عن النفقة. ٢- وأما القول الثاني فحديث النعمان بن بشير، أخرجه أيضا ابن المنذر من طريق حماد عن سماك ولفظه: إذا أذنب أحدكم الذنب فلا يقولن قد أسأت فيلقي بيده إلى التهلكة ولكن ليستغفر الله ويتوب٤ إليه. وجاء مثله عن البراء بن عازب أخرجه الطبري٥ وعبد بن حميد وغيرهما٦ من عدة طرق عن أبي إسحاق عنه، أتمها رواية حفيده إسرائيل عنه سمعت البراء -وسأله رجل: فقال يا أبا عمارة أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ هو الرجل يتقدم فيقاتل حتى يقتل؟ قال: لا، ولكنه الرجل يعمل

стр. 460

بالمعاصي ثم يلقي بيده ولا يتوب. وفي رواية الثوري١ عن أبي إسحاق: فيقول لا يغفر الله لي. وفي رواية الحسين بن واقد٢ عنه: فيلقي بيده فيقول: لا تقبل لي توبة. وأخرج الطبري أيضا٣ مثله عن عبيدة بن عمرو السلماني -وهو من كبار التابعين- من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية فقال: كان الرجل يذنب الذنب -حسبته [قال] ٤: العظيم-فيلقي بيده فيهلك٥ فنهوا٦ عن ذلك فقيل ﴿أَنْفِقُوا﴾ الآية. ومن طريق هشيم٧ أنا هشام، نحوه وقال بعد قوله: "بيده إلى التهلكة"، ويقول: لا توبة لي. ومن طريق أيوب٨ عن ابن سيرين نحوه دون قوله: ويقول لا توبة لي، وفي لفظ عن أيوب٩: هو الرجل يصيب الذنب العظيم فيلقي بيده ويرى أنه قد هلك. ومن طريق [ابن] عون١٠ عن ابن سيرين قال: التهلكة القنوط.
следующие страницы →