وكذلك أخرجه الطبري١ من طريق معتمر بن سليمان عن داود بن أبي هند عن عامر وهو الشعبي ولفظه: إن الأنصار كانوا احتبس عليهم بعض الرزق، وكانوا قد أنفقوا نفقات، فساء ظنهم وأمسكوا فأنزل الله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال فكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم وجاء عن حماد٣ بهذا السند٤ حديث آخر في الألقاب٥ وهو مقلوب٦ والصواب
стр. 457
رواية شعبة١ ووهيب٢ وغيرهما٣ عن داود عن الشعبي عن أبي جبيرة بن الضحاك. قال أبو نعيم٤، وأخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما٥ من هذا الوجه. وقد وافق الشعبي على التأويل المذكور قتادة، أخرجه الطبري٦ من طريق معمر عنه قال في هذه الآية يقول: لا تمسكوا بأيديكم عن النفقة في سبيل الله.
ومن طريق خُصيف٧ عن عكرمة: لما أمر الله بالنفقة فكان بعضهم يقول٨: ننفق فيذهب ما لنا ولا يبقى شيء! فقال: أنفقوا ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يقول: أنفقوا وأنا أرزقكم.
ومن طريق يونس بن عبيد٩ عن الحسن: أنزلت في النفقة. وفي لفظ
стр. 458
له١: في التهلكة، أمرهم الله بالنفقة في سبيل الله، وأخبرهم أن ترك النفقة في سبيل الله هو التهلكة.
وأخرج عبد بن حميد من طريق السكن بن المغيرة٢ عن الحسن نحوه ولفظه: ﴿إِلَى التَّهْلُكَة﴾ قال: هو البخل٣.
ومن طريق عوف٤ عن الحسن مثله.
وأخرج الطبري٥ من طريق ابن جريج أنه سأل عطاء عن هذه الآية فقال: يقول: أنفقوا في سبيل الله ما قل وكثر٦: وقال لي عبد الله بن كثير نزلت في النفقة في سبيل الله.
ومن طريق العوفي٧ عن ابن عباس يقول: أنفقوا ما كان من قليل أو كثير ولا تستسلموا فلا تنفقوا شيئا فتهلكوا.
وأخرج الفريابي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه.
وأخرجه ابن المنذر ولفظه: ليس ذلك في القتال إنما هو في النفقة أن تمسك
стр. 459
يدك عن النفقة في سبيل الله. وسنده صحيح إليه١.
وأخرج البخاري٢ والطبري٣ وغيرهما من حديث حذيفة في قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ : أنزلت في النفقة، وفي لفظ: أي لا تمسكوا عن النفقة.
٢- وأما القول الثاني فحديث النعمان بن بشير، أخرجه أيضا ابن المنذر من طريق حماد عن سماك ولفظه: إذا أذنب أحدكم الذنب فلا يقولن قد أسأت فيلقي بيده إلى التهلكة ولكن ليستغفر الله ويتوب٤ إليه.
وجاء مثله عن البراء بن عازب أخرجه الطبري٥ وعبد بن حميد وغيرهما٦ من عدة طرق عن أبي إسحاق عنه، أتمها رواية حفيده إسرائيل عنه سمعت البراء -وسأله رجل: فقال يا أبا عمارة أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ هو الرجل يتقدم فيقاتل حتى يقتل؟ قال: لا، ولكنه الرجل يعمل
стр. 460
بالمعاصي ثم يلقي بيده ولا يتوب.
وفي رواية الثوري١ عن أبي إسحاق: فيقول لا يغفر الله لي.
وفي رواية الحسين بن واقد٢ عنه: فيلقي بيده فيقول: لا تقبل لي توبة.
وأخرج الطبري أيضا٣ مثله عن عبيدة بن عمرو السلماني -وهو من كبار التابعين- من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية فقال: كان الرجل يذنب الذنب -حسبته [قال] ٤: العظيم-فيلقي بيده فيهلك٥ فنهوا٦ عن ذلك فقيل ﴿أَنْفِقُوا﴾ الآية.
ومن طريق هشيم٧ أنا هشام، نحوه وقال بعد قوله: "بيده إلى التهلكة"، ويقول: لا توبة لي.
ومن طريق أيوب٨ عن ابن سيرين نحوه دون قوله: ويقول لا توبة لي، وفي لفظ عن أيوب٩: هو الرجل يصيب الذنب العظيم فيلقي بيده ويرى أنه قد هلك.
ومن طريق [ابن] عون١٠ عن ابن سيرين قال: التهلكة القنوط.
стр. 461
وأخرج عبد بن حميد من طريق عوف١ عن ابن سيرين قال: لا تيأس فتقنط فلا تعمل.
وأما القول الثالث فأخرجه الترمذي٢ من طريق أبي عاصم٣ عن حيوة كذلك وأخرجه أبو داود٤ والطبري٥ من طريق ابن وهب عن حيوة، وابن لهيعة كلاهما٦ عن يزيد ولكن قال في روايته: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بدل فضالة بن عبيد، وقال في روايته: إنما تأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل ﴿فِي سَبِيل﴾ ٧ يلتمس الشهادة، أو يُبلى في نفسه، إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. وقال في آخره: والإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد وقال في آخره: حتى دفن بالقسطنطينية.
وأخرجه الطبري من طريق المقري٨ كما تقدم قال الترمذي: حسن صحيح٩.
стр. 462
قلت: وصححه أيضا ابن خزيمة١ وابن حبان٢ والحاكم٣.
وجاء مثل الذي ذكره أبو أيوب٤ عن عمر٥ فأخرج الفريابي في: "تفسيره"٦ من طريق طارق بن عبد الرحمن٧ عن المغيرة بن شبيل قال: بعث عمر جيشا فحاصروا قيصر فتقدم رجل من بجيلة فقاتل حتى قتل -وهو جد المغيرة بن شبيل- فأكثر الناس فيه فقالوا: ألقى بيده إلى التهلكة فبلغ ذلك عمر فقال كذبوا يرحمه الله ثم قرأ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله﴾ ٨ الآية٩
стр. 463
وله شاهد عند عبد بن حميد١ من طريق إسماعيل بن أبي خالد٢ عن قيس بن أبي حازم٣ عن مدرك٤ بن عوف٥ أنه كان ذات يوم عند عمر قال فذكروا النعمان بن مقرن ورجلا شرى بنفسه٦ فقال مدرك: ذاك والله خالي يا أمير المؤمنين، زعم رجال أنه ألقى بيده إلى التهلكة؟! فقال عمر كذبوا.
وأخرجه ابن المنذر من هذا الوجه ولفظه: قلت: إن خالي غزا بنفسه حتى قتل فزعموا أنه ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال: كذب أولئك ولكن من الذين اشتروا الآخرة بالحياة الدنيا وسنده صحيح٧.
وأخرج ابن المنذر من طريق القاسم بن مخيمرة٨ قال: لو حمل رجل على عشرة آلاف لم يكن بذلك بأس.
стр. 464
وذكر الطبري وغيره في سبب النزول أشياء آخر.
- أحدها١:
ما أخرجه من طريق أبي بكر بن عياش٢ عن أبي إسحاق قال: سأل رجل البراء أحمل على المشركين وحدي فيقتلونني، أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا إنما التهلكة في النفقة، بعث الله رسوله فقال ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَك﴾ ٣.
ومن طريق حكام بن سلمة الرازي٤ عن الجراح عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: يا أبا عمارة الرجل يلقى ألفا من العدد فيحمل عليهم وإنما هو وحده أيكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ ؟ فقال: ليقاتل حتى يقتل٥ قال الله تعالى لنبيه: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ .
- ثانيها:
من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال٦ في قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ قال: إذا لم يمكن عندك٧ فلا تخرج بنفسك٨ بغير نفقة و [لا قوة: فتلقي بيديك إلى التهلكة] ٩.
стр. 465
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم أن رجالا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة، فإما يقطع بهم وإما كانوا عيالا فأمرهم الله أن ينفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة١ أن يهلكوا من الجوع أو المشي.
- ثالثها:
من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ لا يمنعكم النفقة في حق خوف العيلة٢.
- رابعها:
معناها أن ترك الصدقة يفضي إلى الهلاك قال مقاتل في "تفسيره"٣: قال رجل من الفقراء: يا رسول الله ما نجد ما نأكل فبأي شيء نتصدق؟ فقال: "بما كان ولو بشق تمرة تكفون وجوهكم عن النار. وهي التهلكة" ٤.
- خامسها:
لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة: لا تنفقوا من حرام فتأثموا بذلك [و] تهلكوا. حكاه القرطبي٥ ونحوه عن الطبري٦ عن عكرمة قال: لا تيمموا الخبيث
стр. 466
منه تنفقون١.
- سادسها:
قال الطبري: هي عامة في جميع ما ذكر لاحتمال اللفظ له٢.
تنبيه: كان ممن تأول الآية على من يحمل وحده على العدد الكثير من العدو عمرو بن العاص أخرجه ابن أبي حاتم٣ بسند جيد عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنه أخبره أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل من أزدشنوءة فأسرع في العدو وحده يستقتل٤ فعاب ذلك عليه المسلمون ورفعوا٥ حديثه إلى عمرو بن العاص فأرسل فرده وقال له: قال الله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ .
وأجاز الجمهور ذلك بشروط: منها أن يغلب على ظنه أنه ينجو أو ينكي العدو بذلك أو يرهبه أو يكون سببا لتجريء المسلمين على عدوهم فيصنعون كما صنع أو يكون سببا للفتح على المسلمين كما وقع في اليمامة والقادسية أو يخلص نيته لطلب الشهادة٧ كما وقع ذلك في عدة مواطن كما أخرج مسلم بعضها فعنده من حديث
стр. 467
أنس في قصة الاثني عشر الذين قاتلوا بعث١ رسول الله ﷺ واحدا بعد واحد حتى قتلوا أجمعين٢، ومن حديث أبي موسى أنه حدث عن النبي ﷺ قال: "الجنة تحت ظلال السيوف". فقال له رجل: أنت سمعت رسول الله يقول هذا؟ قال: نعم، فكسر جفن سيفه ومشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل٣.
стр. 468
١٠٨- قوله ز تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه﴾ .
١- أخرج ابن أبي حاتم من طريق إبراهيم بن طهمان عن عطاء عن صفوان بن أمية أنه قال جاء رجل إلى النبي ﷺ مضمخ بالزعفران عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه﴾ فقال رسول الله ﷺ : "أين السائل عن العمرة؟ " قال هأنذا١ فقال له: "ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ٢ ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك".
وهذا الحديث رواته ثقات٣ لكن وقع في سياق السند وهم فإنه في الصحيح من طريق عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه فسقط من هذه الرواية كلمتان قوله: "ابن يعلى" وقوله: "عن أبيه" فصار ظاهره أنه من مسند صفوان بن أمية وهو ابن خلف الجمحي وإنما هو من رواية صفوان بن يعلى بن أمية التميمي.
وقد أخرجه البخاري " "٤ والنسائي من طرق عن عطاء٥ وليس عند أحد منهم ذكر نزول هذه الآية في هذه القصة٦
стр. 469
٢- قول ز آخر:١ نقل القرطبي٢ عن مقاتل قال:
إتمامهما أن لا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون لبيك٤ اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. فقال: فأتموها لله ولا تخلطوهما بشيء آخر، وقال غيره٥: كانت العرب تقصد مع الحج الاجتماع والتظاهر والتنافر والتفاخر وحضور الأسواق وقضاء الحوائج فأمر الله تعالى بالقصد إليه خالصا وفي تفسير الإتمام٦ أقوال أخرى ليست من غرض هذا الكتاب
стр. 470
١٠٩- قوله ز تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِه﴾ [الآية: ١٩٦] .
أسند الواحدي١ من طريق ابن الأصبهاني٢ عن عبد الله بن معقل٣ عن كعب بن عجرة قال: فيَّ نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِه﴾ وقع القمل في رأسي فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "احلق وافد بصيام ٤ ثلاثة أيام أو النسك أو أطعم ٥ ستة مساكين" وفي لفظ٦: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -مسجد الكوفة- فسألته عن هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُك﴾ قال: حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: "ما كنت أرى [أن] ٧ الجهد بلغ بك ٨ هذا أما تجد شاة؟ " فقلت: لا، فنزلت الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُك﴾ قال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين كل ٩ مسكين نصف صاع من طعام". فنزلت فيَّ خاصة ولكم عامة١٠
стр. 471
وفي لفظ له١ من هذا الوجه خرجنا مع رسول الله ﷺ محرمين فوقع القمل في رأسي ولحيتي وشاربي حتى وقع في حاجبي وفيه: فقال: "ادع ٢ الحالق"، فجاء الحالق فحلق رأسي، فقال: "هل تجد نسيكة؟ " قلت: لا -وهي شاة- قال: "فصم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصع ستة ٣ مساكين". فأنزلت في خاصة وهي للناس عامة.
ومن طريق مجاهد٤ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال كعب بن عجرة: فيَّ نزلت هذه الآية أتيت رسول الله ﷺ فقال: "ادنه" فدنوت منه مرتين أو ثلاثا، قال: "أتؤذيك هوامك؟ " قال٥: نعم، فأمرني بصيام أو بصدقة أو نسك ما تيسر٦.
ومن وجه آخر عن مجاهد٧ عن ابن أبي ليلى عن كعب قال: مر [به] ٨ رسول الله ﷺ وهو يوقد تحت قدر له وهو٩ بالحديبية فقال: "أتؤذيك هوام رأسك؟ "
стр. 472
قال: نعم، قال: "احلق" فأنزلت هذه الآية، قال: "فالصيام ثلاثة أيام والصدقة فرق ١ بين ستة مساكين والنسك شاة". قلت: حديث كعب بن عجرة في "الصحيحين"٢، ومن ألفاظه مما لم يذكر في هذه الطريق ما ذكره مسلم في رواية لعبد الله بن معقل: "لكل مسكين نصف صاع نصف صاع" كررها مرتين٣.
وفي رواية لعبد الكريم الجزري عن مجاهد: "أي ذلك فعلت أجزاك" ٤. ولأبي داود٥ في رواية: "إن شئت وإن شئت".
وفي رواية لمجاهد عند الطبري٦: ونحن محرومون وقد حصرنا المشركون.
وفي رواية لعبد الله بن معقل٧: "أتجد شاة؟ " قال: لا، قال: "فصم أو أطعم".
стр. 473
وفي رواية لعطاء الخراساني عند مالك١: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين" قال: وكان علم أنه ليس عندي ما أنسك به -أي ما أذبحه.
"تكميل" نقل ابن عبد البر٢ عن أحمد٣ بن صالح المصري المعروف بابن الطبري الحافظ أنه قال: حديث كعب بن عجرة سنة معمول بها لم يروها من الصحابة غيره ولا رواها عنه إلا عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن معقل وهي سنة أخذها أهل المدينة عن أهل الكوفة، فإن الزهري قال: سألت علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب فلم يبينوا٤ كم عدد المساكين انتهى.
وفيما قال نظر فقد جاءت هذه السنة من رواية:
стр. 474
١- عبد الله بن عمرو بن العاص.
٢- وأبي هريرة.
٣- وعبد الله بن عمر.
٤- وفضالة الأنصاري عن صحابي لم يُسَمَّ.
فحديث ابن عمرو عند الطبري والطبراني١ وحديث أبي هريرة عند سعيد بن منصور٢ وحديث ابن عمر عند الطبري٣ وكذا حديث فضالة٤.
ورواه عن كعب بن عجرة غير ابن أبي ليلى وابن معقل جماعة منه أبو وائل
стр. 475
عند النسائي١، ومحمد بن كعب القرظي عند ابن ماجة٢ ويحيى بن جعدة عند أحمد٣، وعطاء عند الطبري٤، وأرسله أبو قلابة والشعبي عن كعب وهو عند أحمد أيضا٥، ومجاهد عند الطبري٦ ولفظ الشعبي٧ عن كعب أن النبي ﷺ مر به وهو محرم وله وفرة وبأصل كل شعرة وبأعلاها قملة أو صؤاب٨ فقال: إن هذا الأذى الحديث.
стр. 476
وأخرجه عبد بن حميد والطبري أيضا ولفظ عطاء: لما كان النبي ﷺ بالحديبية عام حبسوا بها وقمل رأس رجل من أصحابه يقال له كعب بن عجرة فقال له النبي ﷺ : "أتؤذيك هوامك؟ " ١، قال: نعم، قال: "فاحلق واجزز" وفيه: "أطعم ستة مساكين مدا مدا" ٢.
١١٠- قوله ز تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ [الآية: ١٩٦] ٣.
قال عبد بن حميد: ثنا أبو نعيم ثنا محمد بن شريك عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كان أهل الجاهلية إذا حجوا قالوا: إذا عفا الأثر وتولى الدبر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ تغييرا لما كان أهل الجاهلية يصنعون وترخيصا للناس٤.
وأصله في الصحيح٥ من حديث ابن عباس دون ذكر نزول الآية، ولفظه من طريق طاوس عنه قال كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفر٦ ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت
стр. 477
العمرة لمن اعتمر فقدم١ النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة٢ مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة٣.
١١١- قوله ز تعالى: ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَج﴾ ٤.
أسند الطبري٥ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه إبراهيم فقطعه الله حين أهل٦ نبيه بالمناسك.
ومن طريق أبي صخر٧ عن محمد بن كعب قال: كانت قريش إذا اجتمعت [بمنى] ٨ قال هؤلاء حجنا أتم من حجكم فنزلت٩.
ومن طريق القاسم بن محمد١٠: الجدال في الحج أن يقول قوم: الحج اليوم
стр. 478
ويقوم قوم: الحج غدا.
ويجمع هذه الأقوال أن المراد بالجدال التنازع وذهب الجمهور إلى أنها عامة في جميع ما يصدق عليه اسم المخاصمة.
ونقل ابن ظفر: إن المراد بالجدال مراجعتهم للنبي ﷺ لما أمرهم أن يجعلوا حجهم عمرة وهذا ذكره قبله مقاتل بن سليمان
١١٢- قوله٢ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ .
١- أسند الواحدي٣ من طريق البخاري٤ ثم من طريق ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون يقولون نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ .
قلت: ووصله عبد بن حميد عن شبابة وكذا أخرجه أبو داود والطبري من طريق شبابة٥.
وقال البخاري بعده: رواه ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلا.
стр. 479
وكذا أخرجه عبد الرزاق١ وغير واحد عن ابن عيينة ليس فيه ابن عباس.
ورواه بعض أصحاب ابن عيينة عنه موصولا وهو عند النسائي٢.
وأخرج الطبري٣ من طريق العوفي عن ابن عباس: كان ناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة يقولون٤ نحج بيت الله ولا يطعمنا! فقال الله: "تزودوا ٥ ما يكف وجوههم عن الناس".
وأخرجه عبد الرزاق٦ أيضا عن معمر عن قتادة كان أناس٧ من أهل اليمن يخرجون بغير زاد إلى مكة فأمرهم الله أن يتزودوا وأعلمهم أن خير الزاد التقوى.
وعن٨ عمر بن ذر٩: سمعت مجاهدا يقول نحوه وقال: رخص لهم في الزاد فأنزل ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ .
وأخرج الطبري١٠ من طريق عمر بن ذر عن مجاهد: كان الحاج لا يتزود فنزلت.
стр. 480
وفي لفظ١: كانوا يحجون ولا يتزودون فنزلت.
وأخرج الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد٢ في هذه الآية قال: كان أهل الآفاق يخرجون إلى الحج يتوصلون بالناس بغير زاد فأمروا أن يتزودوا.
وأخرجه الطبري٣ من هذا الوجه وزاد ويقولون نحن متوكلون٤.
ومن طريق الحسن البصري٥: إن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ويسافرون ولا يتزودون فأمرهم الله بالزاد ثم أنبأهم أن خير الزاد التقوى.
ومن طريق مغيرة٦ عن إبراهيم كان ناس من الأعراب يحجون بغير زاد ويقولون نتوكل على الله فنزلت.
وقال مقاتل٧: إن ناسا من أهل اليمن وغيرهم كانوا يحجون بغير زاد وكانوا يصيبون من أهل الطريق ظلما فنزلت.
٢- قول ز آخر: أخرج الطبري٨ من طريق محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها واستأنفوا زادا آخر فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق وهذا
стр. 481
سند صحيح١.
١١٣- قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ .
قال مقاتل٢: لما نزلت ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قالوا: يا رسول الله ما نجد شيئا فقال٣: "تزودوا تكفون به وجوهكم عن الناس وخير ما تزودتم التقوى".
وذكر ابن ظفر حديث ابن عباس المذكور أولا وزاد: قال غيره: وربما ظلموهم وغصبوهم رواه عكرمة وجاء ما يشبهه عن مجاهد والضحاك٤ قال: وقد شذ بعض العلماء فقال: معناه تزودوا التقوى قال: والمشهور من قول المفسرين أنه التزود بالمطعومات٥.
١١٤- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
١- أسند الواحدي٦ من طريق أبي أمامة التيمي سألت ابن عمر فقلت: إنا
стр. 482
قوم نكرى في هذا الوجه وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا، قال: ألستم تلبون، ألستم تطوفون، ألستم تسعون بين الصفا والمروة؟ ألستم ألستم؟ ١ قلت: بلى، قال: إن رجلا سأل النبي عما سألت عنه فلم يدر ما يرد عليه حتى نزل ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ ٢.
قلت:
أخرجه أحمد٤ وأبو داود٥ وابن خزيمة٦ والدارقطني٧ من طريق العلاء٨ بن المسيب وغيره عن أبي أمامة -رجل من بني تيم الله- مرفوعا.
وأخرجه الطبري٩ من طريق الثوري عن العلاء١٠ بن المسيب عن رجل من بني تيم الله قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن
стр. 483
أنا [قوم] ١ نكرى فيزعمون أنه ليس لنا حج فذكر نحو الأول وفيه: ألستم تحرمون كما يحرمون وتطوفون كما يطوفون وترمون كما يرمون؟ قال: بلى، قال: فأنت حاج جاء رجل إلى النبي ﷺ فذكره.
وأخرجه عبد بن حميد من طريق شعبة٢ عن أبي أميمة٣ قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج فيتجر؟ فقال: لا بأس بذلك وتلا ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ موقوف.
قلت: وهذا يوافق القول الذي يذكر بعده.
وقال عبد بن حميد حدثنا أبو نعيم ثنا عمر بن ذر٤ عن مجاهد: كان ناس يحجون ولا يتجرون فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ فرخص لهم في المتجر والركوب والزاد.
٢- قول آخر أسند الواحدي٥ من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ في مواسم
стр. 484
الحج. قال١: ورواه مجاهد عن ابن عباس قال: كانوا يتقون البيع والتجارة في الحج يقولون: أيام ذكر الله تعالى فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ فتجروا٢.
قلت: أخرج طريق عمرو البخاري من رواية ابن جريج به٣ ومن رواية سفيان بن عيينة عن عمرو وزاد فيه: ومَجِنّة٤ -وهي بفتح الميم وكسر الجيم وتشديد النون٥- وقال في روايته: فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت والباقي مثله.
وأخرج طريق مجاهد أبو داود من رواية يزيد بن أبي زياد عنه ولفظه: كانوا لا يتجرون بمنى فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات وقرأ هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ ٦.
وأخرجه الفريابي من هذا الوجه -وأخرجه الطبري٧ أيضا:
حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: أحلت لهم التجارة في الموسم وكانوا لا يبتاعون في الجاهلية بعرفة ولا منى لم ذكر فيه ابن عباس وكذا أخرجه ابن جرير٨ من طريق عمر بن ذر عن مجاهد، وزاد في رواية٩: وكانوا لا يبيعون ولا يبتاعون في
стр. 485
الجاهلية بعرفة١.
وأخرج عبد بن حميد من طريق هشام بن حسان٢ عن الحسن البصري قال: لما فرض الله الحج كان الرجل يكره أن يدخل في حجه تجارة وكانت قريش تجارا فشق ذلك عليهم فذكروا ذلك للنبي ﷺ فأنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فمن شاء حمل٣ ومن شاء ترك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد٤ من طريق محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير قال: كان التجار يسمون الداج٥
стр. 486
وكانوا ينزلون مسجد منى وينزلون مسجد الخيف وكانوا لا يتجرون حتى نزلت الآية١.
وأخرج عبد بن حميد من طريق عكرمة:
كان الناس لا يتجرون في أيام الحج فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وذكره٢ عن ابن عباس.
٣- قول آخر قال عبد الرزاق٣: أنا معمر عن قتادة كانوا إذا أفاضوا من عرفات لم يشتغلوا بتجارة ولم يعرجوا على كسير٤ ولا ضالة فأحل لهم ذلك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
وأخرجه الطبري٥ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: كان هذا الحي من العرب لا يعرجون على كسير ولا على ضالة [ليلة النفر] ٦، وكانوا يسمونها ليلة الصدر ولا يطلبون فيها تجارة ولا بيعا فأحل الله ذلك كله للمؤمنين أن يعرجوا على حوائجهم ويبتغوا من فضل ربهم. ومن طريق أبي جعفر الرازي٧ عن الربيع بن أنس مثله سواء، وزاد بعد٨ قوله: "ضالة": ولا ينتظرون لحاجة.
стр. 487
١١٥- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ [الآية: ١٩٩] .
١- أسند الواحدي١ من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: كانت العرب تفيض من عرفات وقريش ومن دان بدينها٢ تفيض من جمع من المشعر الحرام فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ .
ومن طريق سفيان٣ بن عيينة أخبرني عمرو بن دينار أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أضللت بعيرًا لي يوم عرفة فخرجت أطلبه بعرفة فرأيت رسول الله ﷺ واقفا مع الناس بعرفة فقلت: هذا من الحمس ما له ههنا! قال سفيان: والأحمس الشديد الشحيح على دينه، وكانت قريش تُسمى الحمس فجاءهم الشيطان واستهواهم فقال: إنكم إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، ويقفون بالمزدلفة فلما جاء الإسلام أنزل الله ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ يعني عرفة.
قلت: أما حديث عائشة فأخرجه البخاري٤ ولفظه من طريق محمد بن خازم٥ -بمعجمتين، وهو أبو معاوية الضرير- عن هشام ولفظه: يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس وكانت٦ سائر العرب تقف٧ بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى:
стр. 488
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ ولفظ مسلم١ من طريق أبي أسامة: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس. والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء. وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة وكان الناس كلهم يبلغون عرفات قالت عائشة: الحمس هم الذين أنزل الله فيهم ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ ٢.
وأخرجه عبد بن حميد٣ من طريق معمر عن هشام فزاد: وعن معمر عن الزهري: كان الناس يقفون بعرفة إلا قريشا وأحلافها وهم الحمس فقال بعضهم لبعض: لا تعظموا٤ إلا الحرم فإنكم إن عظمتم غير الحرم أوشك أن يتهاون الناس بحرمكم، فقصروا عن موقف الحق، فوقفوا بجمع فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس.
وأخرج ابن جرير٥ من طريق أبان العطار٦ عن هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: والحمس ملة قريش -وهم مشركون- ومن ولدت قريش في خزاعة وبني كنانة، كانوا لا يدفعون من عرفة، إنما كانوا يدفعون من المزدلفة وهو المشعر الحرام. وكانت بنو عامر حُمسًا، وذلك أن قريشا ولدتهم، ولهم قيل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ .
стр. 489
واما حديث جبير بن مطعم فأخرجه الشيخان أيضا١.
ولفظ ابن أبي عمر في "مسنده"٢ عن سفيان: هذا من الحمس فما له خرج من الحرم؟ قال سفيان: وكانت قريش تسمى الحمس وكانت لا تجاوز الحرم ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من حرمه وكان سائر الناس يقفون بعرفة وذلك قول الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قال سفيان: والأحمس الشديد في دينه.
وأخرج عبد بن حميد من طريق عطاء عن جبير بن مطعم قال: كنت مع قريش في منزلهم دون عرفة فأضللت حماري فذهبت أطلبه في الناس الذين بعرفة فوجدت رسول بعرفة. قال عطاء: وكانت قريش ينزلون دون عرفة وكان سائر أهل الجاهلية ينزلون بعرفة فذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من عرفات. ومن طريق شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة: كانت قريش وكل من حولهم من أجير وحليف لا يفيضون مع الناس من عرفات إنما يفيضون من المغمس٣ كانوا
стр. 490
يقولون: إنما نحن أهل الله فلا نخرج من حرمه فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس وكانت سنة إبراهيم وإسماعيل الإفاضة من عرفات.
وأخرجه ابن جرير١ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وقال في روايته٢: كل حليف لهم وبني أخت لهم.
وأخرجه من طريق أبي جعفر الرازي٣ عن الربيع بن أنس نحوه سواء.
وأخرج الطبري٤ من طريق حسين بن عبد الله٥ عن عكرمة عن ابن عباس: كانت العرب تقف بعرفة، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ فدفع النبي ﷺ الموقف إلى موقف العرب بعرفة٦.
ومن طريق ابن إسحاق٧ عن ابن أبي نجيح: كانت قريش -لا أدري قبل الفيل أو٨ بعده- ابتدعت أمر الحمس، رأيا رأوه بينهم فقالوا: نحن بنو إبراهيم،
стр. 491
وأهل الحرم والبيت وقاطنو مكة فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلنا ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك١ استخفت العرب حرمكم، وقالوا: قد عظموا من٢ الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون أنها من المشاعر في٣ دين إبراهيم ويرون لسائر العرب٤ أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، وقالوا: نحن أهل الحرم فلا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم. ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحل مثل الذي لهم بولادتهم إياهم فيحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، فكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن حتى قالوا: لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا٥ الأقط ولا يسلوا٦ السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حراما٧.
٢- قول ز آخر٨: قال الطبري٩: قال آخرون: المخاطب بذلك المسلمون كلهم
стр. 492
والمراد بقوله "أفاض" أي: من جمع و"الناس" إبراهيم ﵇.
ثم أسنده عن الضحاك بن مزاحم كذلك١، ورجح الطبري الأول٢.
قلت: أخرج البخاري٣ من طريق موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال:
يطوف الرجل بالبيت الحديث وفيه ثم ليدفعوا من عرفات إذا٤ أفاضوا منها حتى يبلغوا جمعا الذي يبيتون٥ به ثم ليذكروا الله فيكبروا٦ قبل أن يصبحوا ثم يفيضوا فإن الناس كانوا يفيضون٧ وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من مزدلفة٨
стр. 493
١١٦- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم﴾ [الآية: ٢٠٠ ١] .
١- قال الواحدي٢: قال مجاهد: كان أهل الجاهلية إذا اجتمعوا في الموسم ذكروا فعل آبائهم في الجاهلية، وأيامهم وأنسابهم وتفاخروا فأنزل الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ .
قال٣: و٤ قال الحسن -يعني البصري:
كانت العرب إذا حدثوا أو تكلموا يقولون: وأبيك إنهم ليفعلون كذا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أما قول مجاهد فأخرجه الفريابي وعبد بن حميد٥ من طريق ابن أبي نجيح عنه٦ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ هو إراقة الدماء ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم﴾ تفاخر٧ العرب بينها٨ بفعال آبائها حين يفرغون يوم النحر فأمروا أن يذكروا الله مكان ذلك.
стр. 494
وأخرجه عبد بن حميد من وجه آخر عن مجاهد١ قال: كان أهل الجاهلية من المشركين إذا اجتمعوا في الموسم ذكروا فعال آبائهم وأنسابهم في الجاهلية فتفاخروا بذلك.
ومن طريق معمر٢ عن قتادة: كانوا إذا قضوا مناسكهم اجتمعوا فذكروا آباءهم وأيامهم فأمروا أن يجعلوا مكان ذلك ذكر الله كثيرا.
وأخرجه عبد بن حميد من رواية شيبان عن قتادة: كان هذا الحي من العرب إنما يهتمون٣ في ذكر آبائهم، هو حديث محدثهم إذا حدث وبه يقوم خطيبهم إذا خطب فأنزل الله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ٤.
وأخرج الطبري٥ والفاكهي٦ من طريق القاسم بن عثمان٧ عن أنس في هذه الآية قال: كانوا يذكرون آباءهم في الحج يقول٨ بعضهم: كان أبي يطعم الطعام! ويقول بعضهم: كان أبي يضرب بالسيف! ويقول بعضهم: كان أبي يجز٩ نواصي بني
стр. 495
فلان.
زاد الفاكهي: ويقوم من كل قبيلة شاعرهم وخطيبهم فيقول: فينا فلان وفينا فلان ولنا يوم كذا ودفعنا بني فلان يوم كذا ثم يقوم١ الشاعر فينشد ما قيل فيهم من الشعر، ثم يقول: من يفاخرنا فليأت بمثل فخرنا، فمن كان يريد المفاخرة من القبائل قام فذكر مثالب تلك القبيلة وما فيها من المساوئ فكان ذلك من شأنهم حتى جاء الله بالإسلام وأنزل على نبيه في كتابه ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ يعني دعوا هذه المفاخرة واذكروا الله.
وأخرج الطبري٢ والفاكهي أيضا من طريق سفيان عن عاصم بن بهدلة٣ عن أبي وائل: كان أهل الجاهلية يذكرون فعال آبائهم في٤، الناس فمن الناس من يقول: آتنا غنمًا هب لنا إبلًا فنزلت ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاق﴾ .
وقال الطبري أيضا:٥ حدثنا أبو كريب٦ ثنا أبو بكر بن عياش٧ قال: كان