وأهل الحرم والبيت وقاطنو مكة فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلنا ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك١ استخفت العرب حرمكم، وقالوا: قد عظموا من٢ الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون أنها من المشاعر في٣ دين إبراهيم ويرون لسائر العرب٤ أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، وقالوا: نحن أهل الحرم فلا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم. ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحل مثل الذي لهم بولادتهم إياهم فيحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، فكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن حتى قالوا: لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا٥ الأقط ولا يسلوا٦ السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حراما٧.
٢- قول ز آخر٨: قال الطبري٩: قال آخرون: المخاطب بذلك المسلمون كلهم
стр. 492
والمراد بقوله "أفاض" أي: من جمع و"الناس" إبراهيم ﵇.
ثم أسنده عن الضحاك بن مزاحم كذلك١، ورجح الطبري الأول٢.
قلت: أخرج البخاري٣ من طريق موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال:
يطوف الرجل بالبيت الحديث وفيه ثم ليدفعوا من عرفات إذا٤ أفاضوا منها حتى يبلغوا جمعا الذي يبيتون٥ به ثم ليذكروا الله فيكبروا٦ قبل أن يصبحوا ثم يفيضوا فإن الناس كانوا يفيضون٧ وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من مزدلفة٨
стр. 493
١١٦- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم﴾ [الآية: ٢٠٠ ١] .
١- قال الواحدي٢: قال مجاهد: كان أهل الجاهلية إذا اجتمعوا في الموسم ذكروا فعل آبائهم في الجاهلية، وأيامهم وأنسابهم وتفاخروا فأنزل الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ .
قال٣: و٤ قال الحسن -يعني البصري:
كانت العرب إذا حدثوا أو تكلموا يقولون: وأبيك إنهم ليفعلون كذا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أما قول مجاهد فأخرجه الفريابي وعبد بن حميد٥ من طريق ابن أبي نجيح عنه٦ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ هو إراقة الدماء ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم﴾ تفاخر٧ العرب بينها٨ بفعال آبائها حين يفرغون يوم النحر فأمروا أن يذكروا الله مكان ذلك.
стр. 494
وأخرجه عبد بن حميد من وجه آخر عن مجاهد١ قال: كان أهل الجاهلية من المشركين إذا اجتمعوا في الموسم ذكروا فعال آبائهم وأنسابهم في الجاهلية فتفاخروا بذلك.
ومن طريق معمر٢ عن قتادة: كانوا إذا قضوا مناسكهم اجتمعوا فذكروا آباءهم وأيامهم فأمروا أن يجعلوا مكان ذلك ذكر الله كثيرا.
وأخرجه عبد بن حميد من رواية شيبان عن قتادة: كان هذا الحي من العرب إنما يهتمون٣ في ذكر آبائهم، هو حديث محدثهم إذا حدث وبه يقوم خطيبهم إذا خطب فأنزل الله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ٤.
وأخرج الطبري٥ والفاكهي٦ من طريق القاسم بن عثمان٧ عن أنس في هذه الآية قال: كانوا يذكرون آباءهم في الحج يقول٨ بعضهم: كان أبي يطعم الطعام! ويقول بعضهم: كان أبي يضرب بالسيف! ويقول بعضهم: كان أبي يجز٩ نواصي بني
стр. 495
فلان.
زاد الفاكهي: ويقوم من كل قبيلة شاعرهم وخطيبهم فيقول: فينا فلان وفينا فلان ولنا يوم كذا ودفعنا بني فلان يوم كذا ثم يقوم١ الشاعر فينشد ما قيل فيهم من الشعر، ثم يقول: من يفاخرنا فليأت بمثل فخرنا، فمن كان يريد المفاخرة من القبائل قام فذكر مثالب تلك القبيلة وما فيها من المساوئ فكان ذلك من شأنهم حتى جاء الله بالإسلام وأنزل على نبيه في كتابه ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ يعني دعوا هذه المفاخرة واذكروا الله.
وأخرج الطبري٢ والفاكهي أيضا من طريق سفيان عن عاصم بن بهدلة٣ عن أبي وائل: كان أهل الجاهلية يذكرون فعال آبائهم في٤، الناس فمن الناس من يقول: آتنا غنمًا هب لنا إبلًا فنزلت ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاق﴾ .
وقال الطبري أيضا:٥ حدثنا أبو كريب٦ ثنا أبو بكر بن عياش٧ قال: كان
стр. 496
أهل الجاهلية إذا فرغوا من الحج قاموا عند البيت، فيذكرون آباءهم وأيامهم: كان أبي يطعم الطعام وكان أبي يفعل فذلك قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم﴾ ، قال أبو كريب: فذكرته ليحيى بن آدم١ فقلت: عمن هو؟ فقال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل.
ورواه قيس بن الربيع٢ عن عاصم بلفظ: كان أهل الجاهلية إذا نظر أحدهم إلى البيت يقول: كان أبي، كان جدي يقاتل يطعم يفعل يفعل يعد من ذلك ما شاء الله ثم يقول: اللهم آتني إبلا اللهم آتني غنما فقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ٣.
وأخرج الطبراني في كتاب "الدعاء" من طريق أبي سعد البقال عن أبي عون الثقفي قال شهدت خطبة عبد الله بن الزبير فذكر قصة طويلة وفيها: وكانوا إذا فرغوا من حجهم تفاخروا بالآباء فأنزل الله ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ٤.
وأبو سعد اسمه سعيد بن المرزبان وهو ضعيف٥.
стр. 497
ونقل ابن ظفر عن مقاتل١ وغيره: كانوا إذا فرغوا من المناسك وقفوا بين مسجد منى والجبل فافتخروا بمكارم آبائهم وعن ابن عباس قال: هم والله المشركون يسألون الله المال ويقولون: اللهم اسقنا المطر وأعطنا لي عدونا الظفر ولا يسألون حظا في الآخرة فإذا فرغوا من حجهم تفاخروا بالآباء فأنزل الله هذه الآية٢.
٢- قول آخر: أخرج الطبري٣ من طريق شعبة عن عثمان بن أبي رواد٤ عن عطاء أنه قال في هذه الآية ﴿كَذِكْرِكُم﴾ قال هو قول الصبي يا بابا٥.
ومن طريق ابن جريج٦ قال عطاء: ذكركم آباءكم: أبه، أمه.
ومن طريق أخرى عن عطاء٧ كالصبي يلهج بأبيه وأمه.
ومن طريق جويبر٨ عن الضحاك ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم﴾ يعني بالذكر ذكر الأبناء الآباء ومن طريق أبي جعفر الرازي٩ عن الربيع بن أنس نحوه.
ومن طريق العوف١٠ عن ابن عباس كذلك.
стр. 498
٣- قول١ آخر: ذكر ابن ظفر عن أبي الحوراء٢: قلت٣ لابن عباس في هذه الآية:
إن الرجل ليمر عليه اليوم وما يذكر أباه فقال: ليس بذلك، يقول أن تغضب لله إذا عصي غضبك٤ إذا ذكر والدك٥ بسوء ٦.
١١٧- قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٧.
أخرج الطبراني في "الدعاء"٨ من طريق أبي سعد البقال -أحد الضعفاء- عن أبي عون محمد٩ بن عبيد الله الثقفي قال: شهدت خطبة عبد الله بن الزبير فذكر قصة طويلة وفيها: وكانوا إذا وقفوا عند المشعر الحرام دعوا فقال
стр. 499
أحدهم: اللهم ارزقني مالا، وقال الآخر اللهم ارزقني إبلا، وقال الآخر ارزقني غنما فأنزل الله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ ١.
وأخرج الطبري٢ من طريق القاسم بن عثمان٣ عن أنس في قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون ويقولون اللهم اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر وردنا صالحين إلى صالحين.
ومن طريق مجاهد٤: كانوا يقولون٥ ربنا آتنا نصرا ورزقا ولا يسألون لآخرتهم شيئا ومن طريق السدي٦ نحوه.
وقال مقاتل٧: كانوا إذا قضوا مناسكهم قالوا: اللهم أكثر أموالنا وأبناءنا ومواشينا، وأطل بقاءنا وأنزل علينا الغيث، وأنبت لنا المرعى، واصحبنا في أسفارنا، وأعطنا الظفر على عدونا، ولا يسألون ربهم في٨ أمر آخرتهم شيئا فنزلت٩
стр. 500
وأخرج الطبري١ من طريق خصيف عن سعيد بن جبير وعكرمة قالا: كانوا يذكرون فعل آبائهم في الجاهلية إذا وقفوا بعرفة فنزلت هذه الآية.
ومن طريق عبد الله بن كثير٢ عن مجاهد: كانت العرب يوم النحر حين يفرغون يتفاخرون بفعال آبائهم فأمروا بذكر الله مكان ذلك.
وأخرج عبد بن حميد٣ من طريق عثمان بن٤ عن عطاء: كان أهل الجاهلية إذا نزلوا منى تفاخروا بآبائهم ومجالسهم فقال هذا: فعل أبي كذا وكذا [وقال هذا] ٥: فعل أبي كذا وكذا فنزلت.
ومن طريق طلحة بن عمر٦ عن عطاء: كان أهل الجاهلية يتناشدون الأشعار يذكرون٧ فيها آباءهم يفخر بعضهم على بعض٨ فنزلت.
وسيأتي عن عطاء خلاف هذا.
ومن طريق أسباط٩ عن السدي: كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقاموا بمنى يقوم الرجل فيسأل الله: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة عظيم القبة١٠ كثير المال فأعطني
стр. 501
مثل ما أعطيت أبي ليس يذكر الله إنما يذكر أباه١ ويسأل أن يعطى في الدنيا أخرجه الفريابي عنه.
١١٨- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الآية: ٢٠٤] .
١- قال الواحدي٢: قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، وهو حليف بني زهرة أقبل إلى النبي ﷺ بالمدينة فأظهر له الإسلام، وأعجب النبي ﷺ ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أنني صادق وذلك قوله٣: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ثم خرج من عند النبي ﷺ فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر فأنزل الله تعالى فيه ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل﴾ .
قلت: أسند بعضه الطبري٤ من رواية أسباط عن السدي، قال في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآيتين: نزلتا في الأخنس.
وقال عبد بن حميد: حدثنا يعلى هو ابن عبيد٥ سمعت الكلبي يقول: كنت جالسا بمكة فسألني رجل عن هذه الآية فقلت: نزلت في الأخنس، فلما قمت تبعني
стр. 502
شاب من ولده فقال: إن القرآن إنما أنزل في أهل مكة فإن رأيت أن لا تسمي أحدا حتى تخرج منها فافعل.
وعزاه الثعلبي للسدي والكلبي ومقاتل وساقه مطولا بلفظ مقاتل وساق مقاتل١ نسب الأخنس إلى ثقيف ونسب أمه "ريطة" إلى بني عامر بن٢ لؤي قال: وكان عديد٣ بني زهرة وكان يأتي النبي ﷺ بالمدينة فيخبره أنه يحبه٤.
٢- قول ز آخر: أخرج الطبري٥ من طريق ابن إسحاق بسنده المتكرر إلى ابن عباس٦.
قال: لما أصيبت السرية أصحاب خبيب بالرجيع بين مكة والمدينة قال رجال
стр. 503
من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين١ الذين هلكوا لا هم قعدوا في بيوتهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم! فأنزل الله في ذلك ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُك﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِه﴾ أي: من النفاق ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام﴾ أي: ذو جدال إذا كلمك وراجعك ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أي: خرج من عندك إلى قوله: ﴿الْمِهَادْ﴾ وأنزل في السرية المذكورة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه﴾ الآية.
وفي لفظ من هذا الوجه٢: لما أصيبت السرية التي كان فيها عاصم ومرثد بالرجيع قال رجال من المنافقين فذكر نحوه.
ومن طريق أبي جعفر الرازي٣ عن الربيع بن أنس في هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُه﴾ قال: هذا عبد كان حسن القول سيئ العمل كان يأتي رسول الله ﷺ فيحسن له القول فإذا خرج٤ سعى في الأرض ليفسد فيها.
ومن طريق أبي معشر٥ سمعت سعيدا المقبري٦ يذاكر محمد بن كعب٧.
стр. 504
فقال: إن في بعض الكتب: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، الحديث فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية لتنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد١.
ومن طريق سعيد بن أبي هلال٢ عن محمد بن كعب القرظي عن نوف٣ -وكان يقرأ الكتب- فذكر نحو صدر الحديث قال:
فقال محمد بن كعب: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية.
ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم٤ قال:
نزلت في رجل كان يأتي إلى النبي ﷺ فيقول: أي رسول الله أشهد أنك جئت بالحق والصدق من عند الله حتى يعجب النبي ﷺ بقوله ثم يقول: وأيم٥ الله يا رسول الله إن الله ليعلم أن الذي في قلبي على ما نطق٦ به لساني. قال: وذلك قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِه﴾ .
стр. 505
وساق الثعلبي قصة سرية الرجيع فقال وقال ابن عباس ومقاتل١: نزلت في سرية الرجيع وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله ﷺ إنا أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك يعلموننا وكان ذلك مكرا منهم فبعث إليهم خبيب بن عدي ومرثد بن أبي مرثد وغيرهما، فذكر القصة مطولة، وقوله٢ فيها: إن قريشا هم الذين بعثوا في ذلك: منكر مردود، والقصة في الصحيح "والمغازي" لموسى بن عقبة وابن إسحاق لغير قريش٣ وذلك أشهر من أن يستدل عليه.
١١٩- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ .
قال الطبري٤: اختلف في من عني به فقيل: هو الأخنس -وقائل ذلك جعل الضمير لمن قيل في حقه- ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُه﴾ ٥. وقد تقدم بيان من قال إنه الأخنس وقيل٦: عني بها كل فاسق ومنافق. وأورد ما يشعر بذلك عن علي٧ وابن عباس٨.
стр. 506
وقال الثعلبي في سياقه قصة الرجيع: جاء رجل من المشركين يقال له: سلامان أبو ميسرة ومعه رمح فوضعه بين ثديي خبيب بن عدي فقال له خبيب: اتق الله فما زاده ذلك إلا عتوا فأنفذه فنزلت.
قلت: وهذا أيضا منكر فإن الذي في الصحيح أن الذي قتل خبيبا هو أبو سروعة بن الحارث النوفلي١.
١٢٠- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه﴾ .
١- قال الواحدي٢: قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي ﷺ فاتبعه نفر من قريش من المشركين فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته
стр. 507
وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلا وأيم الله لا تصلون إليَّ حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: دلنا على بيتك ومالك بمكة ونخلي عنك وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه ففعل. فلما قدم [على] ١ النبي ﷺ قال:
"ربح البيع أبا يحيى ربح البيع" فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه﴾ .
قلت: أخرجه ابن أبي خيثمة٢ من طريق علي بن زيد٣ عن سعيد بن المسيب مرسلا٤.
وأخرج الطبري٥ من "تفسير" سنيد بن داود من رواية ابن جريج عن عكرمة قال: أُنزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري جندب٦ بن السكن أخذ أهل أبي ذر أبا ذر فانفلت منهم فقدم على النبي ﷺ مهاجرا فعرضوا٧ له وكانوا بمر
стр. 508
الظهران فانفلت أيضا حتى قدم المدينة١، وأما صهيب فأخذه أهله فافتدى منهم بماله ثم خرج مهاجرا فأدركه قنفذ٢ بن عمير بن جدعان فخرج له ما بقي من ماله فخلى سبيله.
ومن طريق أبي جعفر الرازي٣ عن الربيع بن أنس قال: كان رجل من أهل مكة أسلم فأراد أن يهاجر فتبعوه٤ وحبسوه، فذكر القصة بطولها بنحوه ولم يسم صهيبًا.
وأخرج الطبراني من طريق ابن جريج نحو رواية سنيد لكن لم يذكر فيه عكرمة٥
ثم قال الواحدي٦: و٧ قال المفسرون: أخذ المشركون صهيبا فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال أبو بكر: ربح البيع٨ أبا يحيى فقال
стр. 509
صهيب: وبيعك فلا يخسر، وما ذاك؟
قال: أنزل الله تعالى فيك كذا وقرأ عليه الآية.
قلت: هو سياق مقاتل١ لكن في آخره أن الذي لقيه أبو بكر إلى آخر كلامه٢.
٢- قول٣ آخر: نقل الثعلبي عن ابن عباس والضحاك: نزلت في الزبير والمقداد حين أنزلا خبيب بن عدي من خشبته التي صلب عليها وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب.
٣- قول ز آخر قال عبد الرزاق٤. عن معمر عن قتادة قال: هم المهاجرون والأنصار وأخرجه عبد بن حميد من طريق شيبان٥ عن قتادة أتم منه.
٤- قول آخر قال الواحدي٦: وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية؟ نزلت٧ في أن المسلم لقي٨ الكافر فقال٩ له: قل لا إله إلا الله، فإذا قلتها
стр. 510
عصمت١ فأبى أن يقولها فقال المسلم: والله لأشرين نفسي لله فتقدم فقاتل حتى قتل.
٥- قول آخر قال الواحدي٢: وقيل نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٣.
قال الواحدي٤: وقال أبو الخليل: سمع عمر [بن الخطاب] إنسانا يقرأ هذه الآية فقال عمر٥: أنا لله قام رجل يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر فقتل.
قلت: أسنده عبد بن حميد عن محمد بن بكر٦ عن زياد أبي عمر٧ سمعت أبا الخليل صالحا٨ يقول:
سمع عمر رجالا فذكر مثله لكن قال: فاسترجع فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون وفي السند انقطاع٩.
стр. 511
وأخرج الطبري من رواية أبي رجاء العطاردي عن علي نحوه١.
٦- وقال الثعلبي: رأيت في بعض الكتب أنها نزلت في علي بن أبي طالب لما نام في فراش النبي ﷺ بعد أن هاجر يقيه بنفسه، وساق القصة مطولة ثم ساقها بسند له إلى الحكم بن ظهير٢ -أحد الهلكى وممن رمي بالرفض- عن السدي قال: قال ابن عباس: نزلت في علي حين خرج النبي ﷺ إلى الغار الحديث٣.
١٢١- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة﴾ [الآية: ٢٠٨] .
أخرج الواحدي٤ من "تفسير عبد الغني الثقفي بسنده إلى عطاء عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي قاموا بشرائعه وشرائع موسى فعظموا السبت وكرهوا لحمان الإبل وألبانها، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوم٥ على هذا وعلى هذا، وقالوا للنبي ﷺ : إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة﴾ .
стр. 512
قلت: تقدم أن عبد الغني واهٍ، وذكره مقاتل بن سليمان قال١: سبب نزولها أن عبد الله بن سلام ومن آمن معه من أهل التوراة استأذنوا النبي ﷺ في قراءة التوراة في الصلاة فقال: "خذوا سنن محمد وشرائعه".
كذا أورده ابن ظفر والذي في "تفسير مقاتل": أن عبد الله بن سلام وسلام بن قيس وأسدا وأسيدا ابني كعب ويامين بن يامين وهم مؤمنو أهل التوراة وزاد في آخره: فإن قرآن محمد نسخ كل كتاب كان قبله.
وقد أخرجه الطبري٢ من وجه آخر عن ابن عباس وإن كان فيه انقطاع فهو أمثل من هذا فأخرج من طريق سنيد واسمه حسين بن داود٣ قال: حدثني حجاج -هو ابن محمد- عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة﴾ قال: هم أهل الكتاب.
ومن طريق عبيد بن سليمان٤، سمعت الضحاك يقول مثله وبه٥ إلى ابن جريج عن عكرمة قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة﴾ قال: نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد ابني كعب وسعية٦ بن عمرو وقيس بن زيد وكلهم
стр. 513
من يهود، قالوا يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه١.
على ذلك٢ واستظهر الطبري٣ بحديث أبي هريرة المخرج أصله في
стр. 514
"الصحيحين"١ فساق من طريق معمر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في هذه الآية ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهدانا الله لما اختلفوا فيه [من الحق بإذنه] ٢، فهذا اليوم الذي هدانا الله له، والناس لنا فيه تبع غدا لليهود، بعد غد للنصارى" ٣.
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه رفعه: "نحن الآخرون السابقون" فذكر فيه الهداية للجمعة وزاد فيه: واختلفوا في الصلاة فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي.
١٢٣- قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [الآية: ٢١٤] .
١-[قال الواحدي] ٤: قال قتادة والسدي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والخوف والحر٥ والبرد وضيق
стр. 515
العيش وأنواع الأذى فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾ ١.
قلت: أخرجه عبد الرزاق٢ عن معمر عن قتادة. [وأخرج الطبري] ٣ من طريق أسباط عن السدي قال:
أصابهم هذا يوم الأحزاب حين قال٤ قائلهم: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٥.
٢- قال الواحدي٦: وقال عطاء: لما دخل رسول الله ﷺ [وأصحابه] ٧ المدينة اشتد الضرر عليهم فإنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضى الله ورسوله وأظهرت لهم اليهود العداوة٨ وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّة﴾ الآية.
١٢٤- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُون﴾ [الآية: ٢١٥] ٩.
١- قال مقاتل١٠: نزل الأمر بالصدقة قبل أن ينزل لمن الصدقة فسأل عمرو
стр. 516
بن الجموح١ فنزلت.
وقال الثعلبي: نزلت في عمرو بن الجموح كان شيخا كبيرا فقال:
يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق فنزلت.
كذا ذكره بغير إسناد وعزاه الواحدي٢ لرواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس٣، وذكره ابن عسكر٤ في "ذيل الأعلام"٥ بلفظ٦: نزلت في عمرو بن الجموح سأل عن مواضع النفقة فنزلت ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُون﴾ ثم سأل بعد ذلك
стр. 517
كم النفقة؟ فنزلت الآية الأخرى ﴿قُلِ الْعَفْو﴾ ١. ونسبه إلى ابن فطيس٢.
٢- قول آخر أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي بسنده الواهي عن عطاء عن ابن عباس٣: نزلت في رجل أتى النبي ﷺ فقال: إن لي دينارا، فقال: "أنفقه على نفسك"، قال: إن لي دينارين، قال: "أنفقهما على أهلك"، قال: فإن لي ثلاثة، قال: "أنفقها على خادمك"، قال: فإن لي أربعة، قال: "أنفقها على والدتك"، قال: فإن لي خمسة، قال: "أنفقها على قرابتك"، قال: فإن لي ستة، قال: "أنفقها في سبيل الله هو أحسنها". وهذا سياق منكر والمعروف في هذا المتن غير هذا السياق، وهو ما أخرجه٤ أحمد وأبو داود٥ والنسائي٦ وصححه ابن حبان٧ والحاكم٨ عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله معي دينار، قال: "أنفقه على نفسك"، قال: يا رسول الله عندي آخر، قال: "أنفقه على ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه على زوجتك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على خادمك"، قال: عندي آخر، قال: "أنت
стр. 518
أبصر"، ووقع عند أبي داود بلفظ: "تصدق". وعند غيره بلفظ: "أنفق"، وقدم أبو داود الولد، على الزوجة والنسائي الزوجة على الولد١، وهكذا ذكره الثعلبي عن أبي هريرة لكن زاد بعد الولد الوالدين ثم القرابة، والباقي سواء إلا أنه لم يذكر الخادم وليس عندهم أن هذه الآية نزلت في ذلك، وقال قتادة في سبب نزولها: أهمتهم النفقة فسألوا نبي الله ﷺ فنزلت ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْر﴾ ٢. وأخرج الطبري٣ نحوه عن مجاهد.
١٢٥- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [الآية: ٢١٦] .
هي نحو قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَة﴾ الآية٤.
وكأن هذه سابقة على آية البقرة فإن فيها نوع تسلية وترغيب في امتثال الأمر بالقتال٥.
стр. 519
وأخرج الطبري١ من طريق أسباط عن السدي قال: كره المسلمون القتال فقال الله تعالى: عسى أن تكرهوا القتال وهو خير لكم يقول: إن في القتال الغنيمة والظهور والريادة٢ أي: اجتماعا وافتراقا، وفي تركه يفوت ذلك٣.
١٢٦- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيه﴾ [الآية: ٢١٧] .
أخرج الطبراني في "المعجم الكبير"٤ من طريق سليمان التيمي عن الحضرمي -هو ابن لاحق وهو اسم بلفظ النسب ثقة٥- عن أبي السوار العدوي -هو حسان
стр. 520
بن حريث على الراجح ثقة أيضا١- عن جندب بن عبد الله٢ عن النبي ﷺ أنه بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة ابن الجراح فلما٣ ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فجلس، وبعث عبد الله بن جحش مكانه، وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك"، فلما قرأ الكتاب استرجع ثم قال: سمعا٤ وطاعة لله ورسوله فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَام﴾ الآية فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾
стр. 521
الآية١.
وهذا سنده حسن وقد علق البخاري طرفا منه في كتاب العلم من "صحيحه"٢.
وأخرجه الطبري من هذا الوجه٣، وهذه القصة ذكرها محمد بن إسحاق في كتاب "المغازي"٤: قال حدثني الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش مقفلة من بدر الأولى وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى
стр. 522
يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا - وذكر أسماءهم فالأمير عبد الله بن جحش وعكاشة بن محصن وعتبة بن غزوان وسعد بن أبي وقاص وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن البكير وسهيل بن بيضاء- قال: فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: إذا نظرت [في] ١ كتابي فسر٢ حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمع٣ وطاعة ثم قال لأصحابه: قد أمرني٤ رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة -إلى آخره- فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب [فيها] ٥ فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فإني٦ ماضٍ لأمر رسول الله ﷺ . فمضى ومضى أصحابه معه فلم يتخلف عنه أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع٧ يقال له بحران أضل سعد وعتبة بعيرًا لهما كان يعتقبان عليه٨ فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله ومن معه حتى نزل بنخلة فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن
стр. 523
الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وأخوه نوفل بن عبد الله والحكم بن كيسان مولاهم فلما رآهم القوم خافوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه فلما رأوه آمنوا وقالوا١: قوم٢ عمار فلا بأس علينا٣ منهم، وتشاور القوم وذلك آخر يوم من جمادى٤ فقال القوم: والله إن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام! فتردد القوم فهابوا الإقدام عليهم ثم تشجعوا٥ عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي [بسهم] ٦ فقتله واستأسر عثمان والحكم وأفلت نوفل فأعجزهم وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالغنيمة٧ والأسيرين على رسول الله ﷺ بالمدينة، قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ مما غنمتم الخمس، وذلك قبل أن يفرض الخمس من الغنائم فعزل خمس الغنيمة٨ وقسم سائرها بين أصحابه، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام! " فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم المسلمون فيما صنعوا وقالوا لهم: صنعتم ما لم تؤمروا به! وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه
стр. 524
الدم الحرام١ وأخذوا فيه الأموال وأسروا٢ فقال من بمكة من المسلمين: إنما أصابوا ما أصابوا في جمادى٢ وقالت اليهود تتفاءل على المسلمين: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله وقدت الحرب! فجعل الله ذلك عليه وبهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلى آخر الآيات فلما نزل القرآن بهذا فرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه وقبض رسول الله ﷺ الخمس. ورواه شعيب٤ عن الزهري مختصرا ومن طريقه أخرجه الواحدي٥: وفيه: وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل من المشركين بيد المسلمين٦ فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على النبي ﷺ فقالوا: أتحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَال﴾ الآية.
وأخرجه عبد الرزاق٧ عن معمر عن الزهري، وعن عثمان الجزري عن٨ مقسم [مولى ابن عباس] ٩ نحو رواية شعيب باختصار، ولم يذكر عروة وزاد الزهري: وكان فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ثم أحل له بعد.
стр. 525
وأخرج عبد بن حميد من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة، فذكر القصة مختصرة وعنده أن١ رجلا من المشركين آذى رسول الله ﷺ فقتله رجل١ من المسلمين فأنكروا عليه من كان معه وفي آخره فقال المسلمون لأهل١ السرية: قد عوفيتم من الإثم فليس لكم أجر فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ الآية.
ومن طريق حميد٢ بن عبد الرحمن عن أبي مالك في هذه القصة: والمسلمون يرون أنه آخر يوم من جمادى الآخرة وهو أول يوم من رجب وفيه: فقال المشركون تزعمون أنكم تحلون الحلال وتحرمون الحرام، وقد قتلتم في الشهر الحرام؟
وعند الفريابي٣ من طريق مجاهد في هذه الآية: نزلت في رجل من بني سهم كان في سرية فمر بابن الحضرمي وهو يحمل خمرا من الطائف إلى مكة وكان بين قريش والمسلمين عهد٤ وفي الشهر الحرام فنزلت، تقول: الكفر والصد عن سبيل الله وما ذكره كل ذلك أكبر من قتل ابن الحضرمي.
وأخرج الطبري٥ من طريق أسباط عن السدي هذه القصة بطولها نحو سياق ابن إسحاق وقال في أسمائهم: أبو حذيفة بن عتبة وعامر بن فهيرة بدل عكاشة وخالد، وقال فيه: وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن مَلَل -وهو بفتح "الميم"٦ واللام بعدها لام أخرى٧- وقال عبد الله بن المغيرة والمغيرة بن عثمان بدل عثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل أخيه، وقال فيه: وانفلت المغيرة، وقال: فكانت أول غنيمة غنمها
стр. 526
الصحابة، وقال فيه: فطلبوا أن يفادوا بالأسيرين فقال١ النبي ﷺ :
"حتى ننظر ما فعل سعد ورفيقه" ٢، وقال فيه: فقالوا يزعم محمد أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام.
وذكر ابن ظفر: أنه وقع في رواية قتادة: عبد الله بن واقد كذا قال، والمحفوظ: واقد بن عبد الله كما تقدم ونقل حديث جندب من كتاب "الأحكام" لإسماعيل القاضي فقال بدل أبي عبيدة بن الجراح: عبيدة بن الحارث بن المطلب٣.
١٢٧- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّه﴾ [الآية ٢١٨] .
تقدم في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيه﴾ ٤.
ونقل ابن ظفر عن الزهري قال:
لما فرج الله عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من الغم؛ لقتالهم في الشهر الحرام طمعوا في الثواب. فقالوا: يا نبي الله أنطمع أن تكون هذه غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فنزلت هذه الآية٥.
стр. 527
١٢٨- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر﴾ [الآية: ٢١٩] .
أسند الإمام أحمد١ عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الآية. فقال الناس: لم تحرم علينا إنما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْم﴾ فكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل المغرب فخلط في قراءته فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٢ الآية، فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان﴾ ٣ الآية، فقالوا انتهينا يا رب، وفي رجاله أبو المعشر المدني وهو ضعيف٤. وله شاهد من حديث ابن عمر٥ وستأتي بقية طرقه في تفسير سورة النساء٦ وتفسير سورة المائدة إن شاء الله تعالى.
وقال مقاتل في "تفسيره"٧: نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ونفر من الأنصار٨ أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية.
стр. 528
وقال الثعلبي: نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر١.
١٢٩- قوله ز٢ تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْو﴾ .
تقدم٣ وقال الثعلبي: حثهم رسول الله ﷺ على الصدقة ورغبهم فيها فقالوا: ماذا ننفق؟.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح إلى يحيى بن أبي كثير أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله إن لنا أرقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا فأنزل الله الآية.
ومن طريق ابن أبي ليلى عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس قال: ما يفضل عن أهلك٤.
وقال مقاتل بن سليمان٥: أمر النبي ﷺ بالصدقة -قبل أن تنزلت الصدقات في براءة٦- فقال عمرو بن الجموح٧: كم ننفق وعلى من ننفق فقال: قال تعالى:
стр. 529
﴿قُلِ الْعَفْو﴾ يقول فضل قوتك فإن كان الرجل من أهل الذهب والفضة أمسك الثلث وتصدق بسائره وإن كان من أهل الزرع والنخل أمسك بما يكفيه في سنته وتصدق بسائره وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه في يومه وتصدق بسائره فما زالوا على ذلك حتى نزلت آية الصدقات في براءة.
١٣٠- قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [الآية: ٢٢٠] .
أخرج أحمد١ والنسائي٢ وعبد بن حميد والحاكم٣ من طرق عن عطاء بن السائب٤ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزلت ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت.
لفظ٥ إسرائيل عند أحمد، ولفظ النسائي من رواية أبي كدينة نحوه وزاد: ونزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ ٦ اجتنب الناس مال اليتيم وطعامه
стр. 530
فشق ذلك على الناس١ فشكوا إلى النبي ﷺ ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْر﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيم﴾ ٢.
وأخرجه سفيان الثوري في "تفسيره"٣ من رواية أبي حذيفة النهدي٤ عنه عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير مرسلا لم يذكر ابن عباس وهو أقوى فإن عطاء بن السائب ممن اختلط وسالم أتقن منه٥.
ووافق الثوري على إرساله قيس بن الربيع عن سالم وسياقه أتم ولفظه٦: كان أهل البيت يكون عندهم الأيتام في حجورهم فيكون لليتيم الصرمة من الغنم، ويكون الخادم لأهل ذلك البيت فيبعثون٧ خادمهم فيرعى للأيتام وتكون لأهل البيت الصرمة من الغنم، والخادم للأيتام، فيبعثون خادم الأيتام يرعى عليهم فإذا كان الرسل وضعوا أيديهم جميعا ويكون الطعام للأيتام والخادم لأهل البيت، أو يكون الخادم للأيتام والطعام لأهل البيت، فيأمرون الخادم فتصنع الطعام فيضعون