والنضير.
وأخرج الطبري١ من طريق أخرى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وعن وائل٢ عن الحسن: أن أناسا من الانصار ارتضعوا في بني النضير.
٤- وأخرج الطبري٣ من طريق العوفي عن ابن عباس: نزلت٤ ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ لما دخل الناس في الدين وأعطى أهل الكتاب الجزية.
وقال عبد الرزاق٥ عن معمر عن قتادة: كانت العرب لا دين لهم فأكرهوا بالسيف٦ ولا يكره اليهود ولا النصارى ولا المجوس إذا أعطوا الجزية.
ونقل الثعلبي عن قتادة عن الضحاك وعطاء وأبي روق: إن معنى الآية: إن العرب كانت أمة واحدة أمية ليس لهم دين ولا كتاب فلم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، فلما أسلموا طوعا أو كرها أمر الله أن يقاتل أهل الكتاب إلى أن يسلموا أو يقروا بالجزية فمن أدى الجزية لم يكره على الإسلام.
وعن مقاتل بن سليمان٧ كان النبي ﷺ لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلما دخل العرب في الدين قبل الجزية من المجوس قال منافقوا أهل المدينة: زعم محمد أنه لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فما بال المجوس؟ فذكر ذلك للنبي ﷺ فأنزل
стр. 597
الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ يعني بعد إسلام العرب.
١٥٦- قوله ز تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ [الآية: ٢٥٧] ١.
أخرج الطبري٢ من طريق منصور بن المعتمر عن عبدة٣ بن أبي لبابة عن مجاهد أو مقسم في هذه الآية قال:
كان قوم آمنوا بعيسى، وقوم كفروا به، فلما بعث الله محمدا آمن به الذين كفروا بعيسى وكفر به الذين آمنوا بعيسى فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.
هذه رواية بهز٤ وأخرجه من رواية معتمر٥ عن منصور عن رجل عن عبدة بن أبي لبابة قال في هذه الآية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان أناس آمنوا بعيسى لما جاءهم محمد آمنوا٦ به فأنزلت فيهم.
ونقله الثعلبي عن ابن عباس بلفظ: هم قوم كفروا بعيسى ثم آمنوا بمحمد فأخرجهم الله من كفرهم بعيسى إلى الإيمان بمحمد المصطفى في الأنبياء٧.
стр. 598
١٥٧- قوله ز تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَات﴾ .
قال المقاتلان١: هم اليهود كانوا آمنوا بمحمد قبل أن يبعث لما يجدونه في كتبهم من نعته أي: صفته فلما بعث كفروا به٢.
١٥٨- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [الآية ٢٦٠] .
ذكر الواحدي٣: ما أورده أئمة التفسير في ذلك عن ابن عباس والحسن بن عكرمة وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك وابن جريج وابن إسحاق في كتاب "المبتدأ"٤، وهذا ليس من أسباب النزول التي يكثر السؤال عنها ويبني٥ عليها الأحكامَ أهلُ الكلام حيث يكون الحكم عاما، أو يختص بها مَنْ نزلت بسببه، وإنما هو من ذكر أسباب ما وقع في الأمم الماضية، وقد أخل بالكثير من هذا أوله القصة التي قبل هذه في الذي أنزلت فيه ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ ، وقد استدركت كثيرا مما فاته من ذلك، من غير استيعاب، بخلاف ما هو صريح في سبب نزول الآية المخصوصة فإنني استوعبته بحسب الطاقة٦، والكثير منه مما استدركته عليه.
стр. 599
وهو في تسمية الذين قال إنه نقل عنهم هذه القصة تابع للثعلبي، فإنه نسب ذلك ذهولا، ومراده أن الرواية عنهم على سبيل التوزيع عليهم، وقد نبهت على الأول١ حيث وقع غالبا.
ومحصل القول في السبب الذي حمل إبراهيم ﵇ على السؤال خمسة أقوال:
- أحدها: أنه تيقن لكنه بالمشاهدة أراد أن يزداد يقينا.
وأخرج عبد بن حميد بن سلم بن قتيبة عن أبي هلال وعن روح عن عوف واللفظ له كلاهما عن الحسن قال: إن كان إبراهيم ﵇ لموقنا بأن الله يحيي الموتى ولكن لا يكون الخبر عند ابن آدم كالعيان، وأن الله أمره أن يأخذ أربعة من الطير إلى آخره٢.
- الثاني: أن إبليس أراد أن يشككه ففزع إلى سؤال ربه.
فأخرج أبو الشيخ في "التفسير" من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان نا أبي قال: كنت جالسا مع عكرمة عند الساحل فقال عكرمة: إن الذين يغرقون في البحر تتقسم الحيتان لحومهم فلا يبقى منهم شيء إلا العظام فتلقيها الأمواج على البر فتصير حائلة نخرة، فتمر بها الإبل فتأكلها فتبعر، ثم يجيء قوم فيأخذون ذلك البعر فيوقدون به فتخمد تلك النار فتجيء الريح فتسقي ذلك الرماد عن الأرض فإذا جاءت النفخة خرج أولئك وأهل القبور سواء، أورده الواحدي٣ عقب رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم٤ التي أخرجها الطبري٥ قال: مر إبراهيم ﵇
стр. 600
بحوت ميت نصفه في البر ونصفه في البحر فما كان في البحر فدواب١ البحر تأكله وما كان في البر فدواب١ البر تأكله فقال له إبليس الخبيث متى يجمع الله٢ هذه الأجزاء من بطون هؤلاء؟ فقال يا: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ الآية.
- الثالث: أن إبراهيم ﵇ أتى على دابة توزعتها السباع والدواب٣ فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ .
أخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة٤ ومن طريق عبيد بن سليمان٥ عن الضحاك قال: مر إبراهيم على دابة ميت قد بلي وتقسمته السباع والرياح فقام ينظر فقال: سبحان الله كيف يحيى الله هذا؟ وقد علم أن الله قادر على ذلك فأراد٦ أن يشاهد الكيفية.
وأما ابن جريج فأخرج الطبري٧ من "تفسير"٨ سنيد عن حجاج عنه قال: "بلغني أن إبراهيم بينما هو يسير إذا هو بجيفة حمار" فذكر نحوه وفيه: "فعجب ثم قال: رب قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع رب أرني" وفي آخره "قال: بلى ولكن ليس الخبر كالمعاينة" وهذا يمكن أن يرجع إلى الذي قبله.
стр. 601
وذكره مقاتل بمعناه١ لكن في آخره: ليسكن قلبي بأنك أريتني الذي أردت.
- السبب الرابع: أورده الطبري٢ من طريق محمد بن إسحاق قال: لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى٣ وخرج من النار٤ قال له نمرود٥: أرأيت إلهك هذا الذي تدعو إلى عبادته ما بلغ من قدرته؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت قال: أنا أحيي وأميت، فذكر ما قص الله تعالى فقال إبراهيم عند٦ ذلك: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ إلى قوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ عن غير شك في قدرة الله ولكنه أحب أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه، هكذا ساقه الطبري بسنده وذكره الواحدي٧ عن ابن إسحاق بلفظ: إن إبراهيم لما احتج على نمرود قتل نمرود رجلا وأطلق رجلا ثم قال: قد أمت وأحييت فقال له إبراهيم: فإن الله يحيي بأن يرد الروح إلى جسد ميت، فقال له نمرود: هل عاينت هذا الذي تقوله؟ فلم يقدر أن يقول نعم، فانطلق إلى حجة أخرى ثم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى لكي يطمئن قلبه عند الاحتجاج ويخبر عن مشاهدة.
وهذا أخرجه الطبري أيضا٨ وفيه أن نمرود لما قال: أنا أحيي وأميت قال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته، فقال له إبراهيم عند ذلك: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فائت بها من المغرب" فبهت عند ذلك نمرود
стр. 602
ووقعت عليه الحجة.
- السبب الخامس: أخرجه الطبري١ من طريق أسباط بن نصر عن السدي قال: "لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم ﵇ بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس في البيت، فدخل داره وكان إبراهيم أغير الناس إذا خرج أغلق الباب فلما جاء فوجد في داره رجلا ثار٢ إليه ليأخذه وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار! فقال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك الموت قال: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت جئتك أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلا! فحمد الله" قصة في سؤاله ملك الموت أن يريه صورته حين يقبض الكافر وفي حين يقبض المؤمن٣: قال وقام إبراهيم يدعو ربه يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ حتى أعلم أني خليلك قال: أو لم تؤمن؟ أي: تصدق بأني خليلك قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي بخلولتك٤.
ثم أخرج٥ من طريق عمرو بن ثابت عن أبيه عن أبي إسحاق٦ عن سعيد بن جبير قال: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بالخلة ومن طريق علي بن أبي طلحة٧ عن ابن
стр. 603
عباس في قوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ : أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك.
قلت: وهذا يمكن أن يرد إلى الخلة لأن ذلك من شأن الخليل ويجوز أن يكون سببا آخر، ويؤخذ من هذين الأمرين أن ابن عباس حمل السؤال على الكيفية لا على أصل إحياء الموتى لأنه كان يتيقن أن الله يحيي الموتى فسأله أن يريه الكيفية وعلى هذا فقوله ﷺ في الحديث المخرج في الصحيح١: "نحن أولى ٢ بالشك من إبراهيم" معناه أنه ليس في القصة ما يقتضي أنه حصل عنده شك في القدرة وإنما أراد الاستظهار على من ينكرها إذا شاهد كيفيتها فأخبر عن معاينة، وتقدير الخبر: نحن أحق بالشك من إبراهيم أن لو شك. ومنهم من قال: المراد بقوله نحن خطاب من خطابهم والتقدير أنتم وإنما عبر بنحن تأنيسا لهم بإيهام دخوله معهم٣.
١٥٩- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [الآية ٢٦٢] .
قال الثعلبي: قال الكلبي:٤ نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف أما عبد الرحمن بن عوف فإنه جاء إلى النبى ﷺ بأربعة آلاف درهم وأربعة آلاف أقرضها ربي، فقال له رسول الله ﷺ : "بارك الله لك ٥ فيما أمسكت وفيما أعطيت"، وأما عثمان فقال: علي جهاز من٦ لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين
стр. 604
بألف بعير بأقتابها وأحلاسها١، وتصدق برومة -ركية كانت له٢- على المسلمين فنزلت فيهما هذه الآية.
وقال مقاتل بمعناه مختصرا.
وقال ابن ظفر: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن، أما أبو بكر فأنفق جميع ماله، وأما الباقون فأنفق نصف ما عنده وكذا ابن عوف وأما عثمان فاشترى بئر رومة وجهز جيش العسرة وأما علي فباع حائطا له باثني عشر ألفا فتصدق بجميعها وأصبح يوما وليس عنده سوى أربعة دراهم فتصدق بها وكان كثير الإيثار على نفسه٣ " " [وقال] ٤ أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله ﷺ رافعا يديه٥ يدعو لعثمان بن عفان ويقول: "يا رب عثمان بن عفان رضيت عنه فارض عنه" فما زال رافعا يده حتى طلع الفجر، فأنزل الله فيه
стр. 605
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ الآية.
١٦٠- قوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُون﴾ [الآية ٢٦٧] .
قال عبد بن حميد: أنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي مالك عن البراء قال: نزلت فينا هذه الآية كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرة نخله وقلته٢ فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة٣ ليس لهم طعام إذا جاع أحدهم أتى القنو٤ فضربه فيسقط من البسر والتمر ما يأكله، وكان أناس ممن٥ لا يرغب في الخير يجيء أحدهم بالقنو فيه الحشف [و] ٦ بالقنو فيه الشيص [و] ٦ بالقنو وقد انكسر فيعلقه قال فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ .
وهكذا أخرجه الترمذي٧ وابن أبي حاتم٨ من رواية عبيد الله بن موسى.
стр. 606
وأخرجه الروياني١ والحاكم في "المستدرك" من طريق أسباط بن نصر عن السدي عن عدي بن ثابت عن البراء نحوه ولفظه٢: نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا عند جذاذ٣ النخل من حيطانها يخرجون أفناء من التمر والبسر٤ فيعلقونها على حبل بين أسطوانتين في المسجد فيأكل٥ منه فقراء المهاجرين الحديث فنزلت٦.
وأخرج الحاكم٧ من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن جابر
стр. 607
قال: [أمر] ١ النبي ﷺ بزكاة الفطر بصاع من تمر فجاء رجل بتمر رديء فنزلت.
وأخرجه الفريابي وعبد بن حميد عن قبيصة عن الثوري به٢ عن جعفر عن أبيه مرسلا لم يذكر جابر وزاد فيه فقال رسول الله ﷺ : "لا يجزين هذا التمر". فنزلت وأمر النبي ﷺ [الذي يخرص التمر] أن لا يجيزه٣.
وأخرج عبد بن حميد والنسائي٤ من طريق أبي أمامة بن سهل كان المنافقون يتلومون٥ شرار ثمرهم الصدقة فنزلت.
وأخرجه ابن أبي حاتم موصولا من طريق أبي الوليد عن سليمان بن كثير عن الزهري عن أبي امامة عن أبيه.
стр. 608
وذكره أبو داود١ عن أبي الوليد مختصرا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد من طريق مجاهد نحوه وعبد من طريق قتادة٢: ذكر لنا أن الرجل كان يكون له حائطان٣ على عهد نبي الله ﷺ فينظر إلى أردئهما٤ تمرا فيتصدق به ويخلط٥ به الحشف، فعاب الله ذلك عليهم، وتلا هذه الآية. وعن يعلى بن عبيد عن جويبر عن الضحاك: كان ناس من المنافقين يجيئون بصدقاتهم بأردئ ما عندهم من التمر فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ ٦. ومن طريق الحسن نحوه.
وأخرجه الثعلبي من طريق محمد بن مروان السدي الصغير في روايته عن الكلبي عن باذان عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال لهم: "إن لله في أموالكم حقا فإذا بلغ حق الله فأعطوا منه" فكانوا يأتون أهل الصدقة بصدقاتهم ويضعونها في المسجد فإذا اجتمعت قسمها رسول الله ﷺ فجاء رجل بعد ما رق أهل المسجد وتفرق عامتهم بعذق حشف فوضعه في أهل الصدقة فخرج رسول الله ﷺ فأبصره فقال: "من جاء بهذا؟ " قالوا: لا ندري، فقال: "بئس ما صنع صاحب هذا"، وأمر به فعلق، فكل من رآه من الناس يقول: بئس ما صنع صاحب هذا الحشف فأنزل الله هذه الآية قلت: وذكره مقاتل بن سليمان٧ بمعناه لكن قال في أوله: إن النبي ﷺ أمر
стр. 609
بالصدقة قبل أن تنزل آية الصدقات.
محمد١ بن يحيى بن حبان٢ الأنصاري أن رجلا من قومه أتى بصدقته يحملها إلى النبي ﷺ أنواع من التمر من الجعرور ونحوه مما لا خير فيه من التمر فردها رسول الله ﷺ ، وأنزل الله تعالى هذه الآية.
١٦١- قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية ٢٧١.
١- قال الواحدي٣: قال ابن الكلبي: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ٤ قالوا: يا رسول الله صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فأنزل ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.
وذكره الثعلبي بغير إسناد.
٢- قول ز آخر أخرج ابن أبي حاتم٥ نا أبي نا الحسين بن زياد مؤدب محارب نا موسى بن عمير عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي﴾ الآية: قال: أنزلت في أبي بكر وعمر، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه للنبي
стр. 610
صلى الله عليه وسلم، وأما أبو بكر فجاء بماله كله [يكاد] يخفيه من نفسه حتى دفعه للنبي صلى الله عليه وسلم١. وقصة إتيان أبي بكر وعمر بالمال وردت من طريق موصولة٢، ولكن ليس فيها ذكر نزول الآية أخرجها٣ أبو داود٤ وصححها٥ الترمذي٦ والحاكم٧ من رواية زيد ين أسلم عن أبيه عن عمر به.
١٦٢- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [الآية ٢٧٢] .
١- قال الفريابي في "تفسيره": نا سفيان عن الاعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال٨: كانوايكرهون أن يرضخوا لأنسابهم٩ من المشركين، فسألوا فرخص لهم فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون﴾ .
стр. 611
وأخرجه النسائي١ والطبراني٢ من طريق الفريابي، وكذا هو في تفسير الثوري" رواية أبي حذيفة٣.
وأخرجه عبد بن حميد عن أبي داود [عمر] بن سعد٤ الحفري٥ عن سفيان. وأخرجه الطبري٦ من طريق الحفري٧ موصولا أيضا.
ومن طريق أبي أحمد٨ الزبيري٩ وعبد الله بن المبارك١٠ عن سفيان كذلك ولفظ رواية ابن المبارك: كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون١١ أن يتصدقوا عليهم ويريدون أن يسلموا فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم﴾ الآية.
стр. 612
وأخرج الثعلبي من تفسير الكلبي نحوه وزاد فأعطوهم بعد نزولها.
ورواه أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير مرسلا، وخالف في سياقه ولفظه قال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا إلا على أهل دينكم" فنزل قوله تعالى: [ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ ] ١ فقال رسول الله ﷺ : "تصدقوا على أهل الأديان".
أخرجه هكذا إسحاق في تفسيره عن جرير عنه٢.
وأخرجه الواحدي من طريق [سهل] بن عثمان عن جرير٣.
وأخرجه ابن أبي حاتم٤ من طريق الدشتكي عن أشعث فوصله بذكر ابن عباس، ولفظه: كان يأمرنا٥ أن لا نتصدق٦ إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية فأمرنا٧ بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين.
وأخرجه الطبري٨ من طريق يحيى بن يمان عن أشعث٩ مرسلا بلفظ: كان النبي ﷺ لا يتصدق على المشركين فنزلت فتصدق عليهم.
وذكره الثعلبي عن سعيد بن جبير بغير إسناد ولفظه: كانوا يتصدقون على
стр. 613
فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ﷺ ، فذكر نحو الدشتكي١ وزاد: فمنعوهم ليدخلوا في الإسلام.
وأخرج ابن أبي حاتم٢ من طريق يزيد بن أبي حبيب المصري: إنما نزلت هذه الآية ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ في [النفقة على] اليهود والنصارى. فكأنه يشير إلى هذا التفسير المذكور عن سعيد بن جبير [و] ٣ عن ابن الكلبي.
طريق آخر: أخرج عبد بن حميد والطبري٤ من طريق سعيد عن قتادة: ذكر لنا أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أنتصدق٥ على من ليس من أهل ديننا؟ قال قتادة: فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم﴾ الآية.
طريق آخر: وأخرج الطبري٦ من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابة وهو محتاج فلا يتصدق عليه يقول ليس من أهل ديني فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم﴾ الآية.
стр. 614
طريق آخر: أخرج الواحدي١ من طريق سهل بن عثمان العسكري عن ابن نمير عن حجاج عن سالم٢ المكي عن ابن الحنفية كان المسلمون يكرهون أن يتصدقوا على [فقراء] ٣ المشركين حتى نزلت هذه الآية فأمروا أن يتصدقوا عليهم.
قول آخر: أخرج الثعلبي من تفسير ابن الكلبي٤ قال: اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر فجاءتها أمها قتيلة٥ وجدتها -يعني لأمها- تسألانها، وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئا حتى أستأمر رسول الله ﷺ ، فإنكما لستما على ديني فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرها رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية أن تتصدق عليهما فأعطتهما. انتهى٦.
وقال مقاتل بن سليمان٧: نزلت في أسماء بنت أبي بكر سألت النبي ﷺ عن صلة جدها أبي قحافة فنزلت.
стр. 615
قلت: وهذا متوجه إن كان ما نقله ابن الكلبي ثابتا فإنه حينئذ يحتمل أن تكون أسماء سألت عن حكم صلة جدها أبي قحافة بعد أن دخلت مكة في العمرة المذكورة، والمحفوظ لأسماء أن أمها قدمت عليها المدينة تسألها كما سيأتي بيانه في تفسير سورة الممتحنة.
وقال ابن ظفر: قيل إن عبد الرحمن بن أبي بكر كان مشركا بمكة، فكتب إلى أبيه يستوصله، فكره أن يصله بشيء لشركه، وإن أسماء بنت أبي بكر قدمت عليها أمها قتيلة مشركة تستوصلها فحجبتها ومنعتها، فنزلت الآية إذنا في الصدقة على الكفار.
قلت: وقصة أسماء أشرت إليها، وأما عبد الرحمن فما عرفت سلفه فيه.
١٦٣- قوله ز تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [الآية ٢٧٣] .
قال مقاتل١ هم: أهل الصفة منهم أبو هريرة وابن مسعود والموالي أربعمائة رجل لا أموال لهم بالمدينة، فإذا كان الليل أووا إلى الصفة فأمر الله بالنفقة عليهم.
وقال ابن ظفر: قال ابن عباس: نزلت في الفقراء أهل الصفة مهاجرة الأعراب.
وقال الثعلبي: كانوا نحوا من أربعمائة رجل لا مساكن لهم بالمدينة ولا عشائر، أووا إلى صفة المسجد، فيجيئون السوق بالنهار ويتعلمون القرآن بالليل وقالوا: نخرج في كل سرية فحض الله الناس على " "٢، فكان الرجل إذا كان عنده فضل أتاهم به.
стр. 616
وذكره ابن ظفر عن ابن عباس بنحوه، وزاد في آخره حين يمسي.
١٦٤- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَة﴾ .
١- قال مقاتل١: نزلت في علي بن أبي طالب لم يملك غير أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية، فقال له النبي ﷺ : "ما حملك على ذلك؟ " قال: حملني عليه طلب ما وعد الله فقال: "لك ذلك" فأنزل الله ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَة﴾ .
ونقل الواحدي٢ هذا بعينه عن الكلبي وقد٣ رويناه موصولا من طريق عبد الوهاب بن مجاهد [عن أبيه] عن ابن عباس في الطبراني٤.
وأسند ابن مردويه والثعلبي من طريق أيوب عن مجاهد عن ابن عباس: كان عند علي فذكره إلى قوله: علانية.
وقد أخرجه الطبري٥ وابن أبي حاتم٦ من طريق عبد الوهاب بن مجاهد
стр. 617
عن أبيه١: كان لعلي أربعة دراهم فذكره، وعبد الوهاب ضعيف.
وقد أخرجه عبد الرزاق٢ عنه فوصله بذكر ابن عباس فيه٣، وأخرجه عبد بن حميد عن عبد الرزاق بذلك، وينظر في رجال سنده٤، وذكر بقيته الكلبي في "تفسيره"٥.
٢- قول آخر٦، أخرج ابن أبي حاتم٧ والطبراني٨ والواحدي٩ من طريق ابن١٠ مهدي عن يزيد بن عبد الله بن عريب١١ عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ :
стр. 618
نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية في أصحاب١ الخيل٢.
وأخرجه عبد بن حميد٣ من طريق قيس بن حجاج عن حنش٤ الصنعاني عن ابن عباس قال: على الخيل في سبيل الله٥. وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه بلفظ: الذين يعلفون الخيل في سبيل الله، وأخرج الطبري٦ من طريق العجلان بن سهيل عن أبي أمامة في تفسير هذه الآية ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية نزلت في أصحاب الخيل فيمن لم يرتبطها لخيلاء ولا مضمار.
ومن طريق الأوزاعي مثله من قوله٧.
١٦٥- قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [الآية: ٢٧٥] .
أخرج ٨ والطبري٩ من طريق ورقاء١٠ عن ابن أبي نجيح عن
стр. 619
مجاهد١: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني٢.
ومن طريق سعيد٣ عن قتادة: إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاد وأخر عنه.
وقال الثعلبي: كان أهل الجاهلية إذا حل مال أحدهم على غريمه فطالبه يقول: زدني في الأجل وأزيدك في مالك فيفعلان ذاك، ويقولان: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند محل المال لأجل التأخير فأكذبهم الله فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ .
وهذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير نحوه.
وأخرج الطبري٤ من طريق ليث عن مجاهد: كانوا إذا حل دين بعضهم فلم يجد ما يعطي زاده وأخره فنهوا عن ذلك٥.
١٦٦- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢٧٨.
أخرج الطبري٦ من طريق أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية في العباس بن
стр. 620
عبد المطلب ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية، فيسلفان في الربا إلى ناس من ثقيف، من بني عميرة١ وهو بنو عمرو بن عمير فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فنزلت.
وأخرج الواحدي٢ من طريق السدي أول هذا الخبر وسمى الرجل من بني المغيرة خالد بن الوليد بن المغيرة، فذكره إلى قوله: فجاء الإسلام فقال في سياقه: ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله هذه الآية فقال النبي ﷺ : "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب".
قلت: وهذا الحديث الآخر ثابت في "الصحيحين" وغيرهما، دون ما قبله، من رواية جابر وغيره في خطبة حجة الوداع٣.
ومن طريق ابن جريج٤ كانت ثقيف قد صالحت رسول الله ﷺ على أنه لهم ربا على الناس فهو لهم٥، وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، فلما كان الفتح، استعمل رسول الله ﷺ على مكة عتاب بن أسيد، وكانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو بن عمير يطلبون رباهم، فأبى بنو
стр. 621
المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، فرفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد فكتب عتاب بن أسيد إلى رسول الله ﷺ فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إلى ﴿يُظْلَمُون﴾ فكتب رسول الله ﷺ إلى عتاب فقال: "إن رضوا وإلا فأذنهم بحرب"، قال ابن جريج: وذكر عكرمة أن بني عمرو بن عمير كانوا يأخذون الربا على بني المغيرة ويزعمون أنهم مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة بنو عمرو بن عمير فهم الذين كان لهم الربا فأسلم عبد ياليل وحبيب وربيعة ومسعود وهلال.
قلت: لم يتقدم لهلال ذكر في الإخوة الأربعة، فيحتمل أن يكون أخاهم فعد خامسا، ويحتمل أن لا يكون أخاهم بل كان ممن له ربا من ثقيف فأسلم وسلم الحكم١.
ووقع في الرواية إشكال؛ لأن ظاهرها أن إسلام ثقيف ومصالحهم كان قبل فتح مكة! وليس كذلك، ولعل معنى الكلام أن الفاء في قوله: "فلما كان فتح مكة" معقبة لشي محذوف، وإنما ذكر فتح مكة هنا لما وقع في القصة أنهم تحاكموا إلى عتاب فبين سبب كونه حاكما ثم أكمل القصة٢.
وقد ساق مقاتل بن سليمان في "تفسيره"٣ سياقا واضحا فقال: نزلت [يعني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ] في أربعة إخوة من ثقيف -فسماهم ونسبهم- كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو٤ بن مخزوم فلما أظهر الله نبيه على الطائف اشترطت٥ ثقيف، فذكر الشرط واختصامهم إلى عتاب،
стр. 622
فقال بنو المغيرة: أجعلنا أشقى الناس بالربا وقد وضع عن الناس! فقالت ثقيف: إنا صالحنا على ذلك فكتب عتاب، الحديث.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق بكير [بن] ١ معروف عن مقاتل بن حيان نحوه وزاد: كلهم إخوة وهم الطالبون، وبنو المغيرة المطلوبون، وذكر سياق القصة التي ذكرها ابن جريج وفيه "كتب لهم في الشرط ما كان لهم من ربا" إلى آخره وزاد "ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم فلما طلبوهم قالت بنو المغيرة: والله لا نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله فرفعوا شأنهم لمعاذ بن جبل، ويقال عتاب بن أسيد، وأحدهما عامل رسول الله ﷺ على مكة، فكتب بقصتهم، فأنزل الله على نبيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فكتب إلى معاذ بن جبل: "أن اعرض عليهم هذه الآية، فإن فعلوا فلهم رءوس أموالهم، وإن أبوا فآذنهم بحرب".
وأخرج أبو يعلى في "مسنده"٢ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عمير فذكر القصة بطولها نحوه.
وذكر ابن ظفر أن بعضهم ذهل فسمى ابن المغيرة الوليد، وزيفه بأن الوليد ما مات حتى سلبه الله المال الممدود.
стр. 623
قلت: وأقوى في الرد من ذلك أنه كان مات لأن أهل الطائف إنما أسلموا بعد فتح مكة لأن١ الوليد مات قبل ذلك بدهر طويل والنبي ﷺ يومئذ بمكة.
١٦٧- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُم﴾ ٣،٢
قال الواحدي٤: "قال عطاء وعكرمة: نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إن أنتما أخذتما حقكما كله، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا. فلما حل الأجل طلب الزيادة فبلغ رسول الله ﷺ ، فنهاهما عن ذلك وأنزل الله تعالى هذه الآية فقالا: سمعا وطاعة وأخذا رءوس أموالهما".
١٦٨- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [الآية: ٢٨٠] .
نقل الواحدي٥ عن ابن الكلبي: قال [بنو] ٦ عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رءوس أموالنا ولكم الربا ندعه لكم، فقال بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن ندرك التمر فأبوا أن يؤخروهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .
وأخرج الطبري٧ من طريق مغيرة عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى
стр. 624
مَيْسَرَة﴾ قال: ذاك في الربا. ومن طريق يزيد بن أبي زياد١ عن مجاهد عن ابن عباس قال: نزلت في الدين.
ومن طريق ابن جريج قال لي عطاء: ذلك في الربا وفي الدين في كل ذلك٢.
١٦٩- قوله ز تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم بعد نقله عن٣ مجاهد٤ والسدي وجوب الكتابة على ذلك أن سبب ذلك ما أسنده إلى بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال:
الكاتب -يعني في زمانه- إذا كانت له حاجة ووجد غيره يذهب في حاجته ويلتمس غيره وذلك أن الكتاب في ذلك الزمان كانوا قليلا.
١٧٠- قوله ز تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ٦،٥ [الآية: ٢٨٢] .
أخرج عبد بن حميد والطبري٧ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ٨ قال: كان الرجل يطوف في الحواء٩
стр. 625
العظيم فيدعوهم إلى الشهادة، فلا يتبعه أحد منهم فأنزل الله هذه الآية١.
وأخرج الطبري٢ من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال كان الرجل، مثله قال في "القوم" بدل الحواء٣ العظيم، وقال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ٤.
١٧١- قوله ز تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيد﴾ .
قال الطبري٥: حدثت عن عمار نا ابن أبي جعفر يعني الرازي عن أبيه عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه﴾ كان أحدهم: يجيء إلى الكاتب فيقول له: اكتب لي فيقول: إن لي حاجة فانطلق إلى غيري! فيلزمه ويقول: إنك قد أمرت أن تكتب لي! ولا يدعه ويضارره٦ بذلك وهو يجد غيره وذكر نحو ذلك في الشاهد فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيد﴾ .
وأسند عن مجاهد٧ وطاوس٨ والضحاك٩ وعكرمة١٠ والسدي١١
стр. 626
وغيرهم١ نحوه لكن ليس فيه: فأنزل الله إلى آخره.
١٧٢- قوله ز تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَه﴾ ٢ [الآية: ٢٨٣] .
أخرج ابن أبي حاتم٣ من طريق عبد الملك بن أبي نضرة عن أبيه عن أبي سعيد. قال: نسخت هذه الآية ما تقدم من الأمر بالإشهاد والرهن.
ومن طريق الشعبي٤: لا بأس إذا ائتمنه أن لا يكتب ولا يشهد.
١٧٣- قوله تعالى:٥ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ .
قيل: نزلت في كتمان الشهادة.
أسند الطبري٦ من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: نزلت في كتمان الشهادة٧.
стр. 627
هذه رواية الثوري١ عن يزيد عن مقسم٢.
وفي رواية محمد بن فضيل٣ عن يزيد عن مجاهد عن ابن عباس: [يعني] في الشهادة٤. وسند صحيح عن عكرمة٥ قال: في٦ الشهادة إذا كتمها.
ومن طريق الشعبي نحوه٧.
ومن طريق جويبر عن عكرمة٨: في كتمان الشهادة وأدائها على وجهها.
١٧٤- قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ﴾ الآية إلى آخر٩ قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء﴾ .
أخرج مسلم١٠ وأحمد١١ وابن حبان١٢ من رواية العلاء بن عبد الرحمن بن
стр. 628
يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا١ على الركب وقالوا: يا رسول الله كُلفنا من الأعمال٢ ما نطيق من الصلاة والصيام٣ والصدقة، وقد أنزلت هذه الآية ولا نطيقها، فقال: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما اقترأها٤ القوم، وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ .
١٧٥- قوله ز تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا ٥ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
[أخرج] ٦ مسلم وأحمد وابن حبان في الحديث الذي قبله: فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة وزاد على التلاوة بعد قوله: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم. وكذا بعد قوله٧: ﴿مِنْ قَبْلِنَا﴾ وكذا بعد قوله: ﴿طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ وكذا بعد قوله ﴿وَارْحَمْنَا﴾ وكذا في آخر السورة٨.
стр. 629
ووقع في رواية الطبري١ من وجه آخر عن العلاء بعد أن ساق هذا الحديث باختصار عند قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال العلاء: قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ " [قال الله: نعم] "، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ -فساق الآية إلى آخرها- قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: نعم".
قلت: وقضيته أن في سياق رواية مسلم إدراجا٢. وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج"٣ من رواية محمد بن إبراهيم البوشنجي عن أمية بن بسطام شيخ مسلم فيه ولفظه:
قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما ذلت بها ألسنتهم أنزل الله التي بعدها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: لا أؤاخذكم وساق إلى قوله: ﴿مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ قال: لا أحملكم إلى قوله: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ .
حديث آخر عن ابن عباس أخرج أحمد٤ ومسلم٥ والطبري٦ من طريق آدم بن سليمان عن سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم مثله٧ فقال رسول الله: "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا"، فألقى الله الإيمان في
стр. 630
قلوبهم فأنزل الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُول﴾ إلى آخر السورة.
وفي رواية مسلم: لما تلا إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت وأعاد بعد قوله: ﴿مِنْ قَبْلِنَا﴾ وبعد قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلانَا﴾ .
طريق أخرى عن سعيد بن جبير: أخرج الطبري من طريق ورقاء١ ومحمد بن فضيل٢ فرقهما عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزلت ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْه﴾ قرأها رسول الله ﷺ ، فلما انتهى إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قال الله: "قد غفرت لكم" فلما قرأ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: "لا أؤاخذكم" ٣ فلما قرأ ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ قال: "لا أحمل عليكم" فلما قرأ ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ قال الله: "لا أحملكم" فلما٤ قرأ: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ قال الله: "قد عفوت عنكم" فلما قرأ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ، قال الله: "قد غفرت لكم" فلما قرأ ﴿وَارْحَمْنَا﴾ قال الله: "قد رحمتكم" فلما قرأ ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال الله: "قد نصرتكم عليهم".
وأخرجه أبو عوانة٥ في "صحيحه"٦ من طريق أخرى عن عطاء بن السائب
стр. 631
نحوه وأخرجه الفريابي في "تفسيره" عن الثوري عن عطاء بن السائب مقرونا برواية الثوري عن إبراهيم بن المهاجر عن إبراهيم النخعي وروايته مختصرة.
طريق أخرى عن ابن عباس قال عبد الرزاق١: أنا معتمر بن سليمان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: دخلت على ابن عباس: فقلت: يا أبا عباس كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى قال: أية آية؟ فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية لما نزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غما شديدا وغاظتهم غيظا شديدا، وقالوا: هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا ولا نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون﴾ إلى ﴿مَا اكْتَسَبَت﴾ وتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال".
وأخرجه الطبري٢ من طريق إسحاق بن سليمان [عن عبد الرزاق] عن جعفر بن سليمان نحوه٣ طريق أخرى عن ابن عباس: قال الطبري٤: حدثني أبو الرداد
стр. 632
المصري عبد الله بن عبد السلام نا أبو زرعة وهب الله بن راشد عن حيوة بن شريح سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول:
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن مرجانة١ قال: جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية ثم قال ابن عمر: لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه، ثم جئت ابن عباس فذكرت له فقال ابن عباس: [يغفر الله] لأبي عبد الرحمن٢، لقد فرق أصحاب رسول الله ﷺ منها كما فرق ابن عمر منها، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية فنسخ الله الوسوسة وأثبت القول والفعل.
ثم أخرج عن يونس٣ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري مثله وقال فيه: ثم بكى ابن عمر حتى سُمع نشيجه، فقمت حتى أتيت ابن عباس، وقال فيه: لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد فأنزل بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فكانت هذه [الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل] ٤.
وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: قرأها ابن عمر فذكر مرسلا وفيه فقام رجل من عنده فأتى ابن عباس فذكر نحوه٥.
стр. 633
طريق أخرى أخرج الطبري١ من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم أن أباه قرأ ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُم﴾ الآية فدمعت عيناه فبلغ صنيعه ابن عباس فقال٢: يرحم الله أبا عبد الرحمن فذكر نحوه باختصار، وأخرجه من طريق ابن جريج٣ عن الزهري قال: قال ابن عباس: لما نزلت ضج المؤمنون ضجة فذكره مختصرا وقال فيه: إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا عن الوسوسة.
وأخرج الطبري٤ من طريق بيان عن حكيم بن جابر قال: لما أنزل على النبي ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية إلى ﴿الْمَصِير﴾ قال له جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه. فسأل ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة يعني٥ فأجاب سؤاله.
وأخرج الطبري٦ من طريق السدي قال: [يوم] نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وسوست أنفسهم وما عملوا فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ وقالوا: والله ما نملك الوسوسة فنسخها الله بهذه الآية التي بعدها.
قلت: وأنكر بعضهم نسخها وقالوا: يؤاخذهم بها بأن يسألهم عنها يوم القيامة، وقيل غير ذلك، وليس من شرط هذا الكتاب٧.
стр. 634
وأخرج الطبري١ من طريق جويبر عن الضحاك نحو رواية عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس التي تقدمت لكن قال في أوله: أتى جبريل فقال: يا محمد قل: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فقالها، فقال جبريل: قد فعل وساق البقية، يقول في الجواب: فقال جبريل قد فعل ولم يستوعب التفصيل في كل كلمة٢. ومن طريق أسباط عن السدي نحوه٣.
وأخرج عبد بن حميد من طريق إسرائيل عن السدي حدثني من سمع عليًّا يقول: لما نزلت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ أحزنتنا فقلنا: يحدث أحدنا نفسه فنحاسب فلا ندري من يغفر له منا ومن لا يغفر له فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
وأخرج البخاري القصة عن ابن عمر باختصار٤، وكأنه٥ قال ذلك بعد أن سبق من قول [ابن عباس] ٦ ما تقدم، ولفظه عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي ﷺ -أحسبه ابن عمر- قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوه
стр. 635
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ قال نسختها الآية التي بعدها١.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: نسختها ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ ٢.
طريق أخرى: قال محمد بن يوسف الفريابي: نا الثوري وقال عبد بن حميد نا قبيصة نا سفيان عن موسى بن عبيدة عن خالد بن مرثد عن محمد بن كعب٣ قال: ما بعث الله من نبي ولا أرسل من رسول أنزل عليهم الكتاب إلا أنزل عليه ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فكانت الأمم تأبى ذلك على أنبيائها، فيكفرون ويضلون فلما نزلت على النبي ﷺ اشتد٤ على المسلمين ما اشتد على الأمم فقالوا: يا رسول الله أنؤاخذ بما نحدث به٥ [أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟ قال: "نعم فاسمعوا وأطيعوا" فذلك قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ فوضع الله عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح.