نحوه وأخرجه الفريابي في "تفسيره" عن الثوري عن عطاء بن السائب مقرونا برواية الثوري عن إبراهيم بن المهاجر عن إبراهيم النخعي وروايته مختصرة.
طريق أخرى عن ابن عباس قال عبد الرزاق١: أنا معتمر بن سليمان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: دخلت على ابن عباس: فقلت: يا أبا عباس كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى قال: أية آية؟ فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية لما نزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غما شديدا وغاظتهم غيظا شديدا، وقالوا: هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا ولا نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون﴾ إلى ﴿مَا اكْتَسَبَت﴾ وتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال".
وأخرجه الطبري٢ من طريق إسحاق بن سليمان [عن عبد الرزاق] عن جعفر بن سليمان نحوه٣ طريق أخرى عن ابن عباس: قال الطبري٤: حدثني أبو الرداد
стр. 632
المصري عبد الله بن عبد السلام نا أبو زرعة وهب الله بن راشد عن حيوة بن شريح سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول:
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن مرجانة١ قال: جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية ثم قال ابن عمر: لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه، ثم جئت ابن عباس فذكرت له فقال ابن عباس: [يغفر الله] لأبي عبد الرحمن٢، لقد فرق أصحاب رسول الله ﷺ منها كما فرق ابن عمر منها، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية فنسخ الله الوسوسة وأثبت القول والفعل.
ثم أخرج عن يونس٣ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري مثله وقال فيه: ثم بكى ابن عمر حتى سُمع نشيجه، فقمت حتى أتيت ابن عباس، وقال فيه: لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد فأنزل بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فكانت هذه [الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل] ٤.
وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: قرأها ابن عمر فذكر مرسلا وفيه فقام رجل من عنده فأتى ابن عباس فذكر نحوه٥.
стр. 633
طريق أخرى أخرج الطبري١ من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم أن أباه قرأ ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُم﴾ الآية فدمعت عيناه فبلغ صنيعه ابن عباس فقال٢: يرحم الله أبا عبد الرحمن فذكر نحوه باختصار، وأخرجه من طريق ابن جريج٣ عن الزهري قال: قال ابن عباس: لما نزلت ضج المؤمنون ضجة فذكره مختصرا وقال فيه: إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا عن الوسوسة.
وأخرج الطبري٤ من طريق بيان عن حكيم بن جابر قال: لما أنزل على النبي ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية إلى ﴿الْمَصِير﴾ قال له جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه. فسأل ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة يعني٥ فأجاب سؤاله.
وأخرج الطبري٦ من طريق السدي قال: [يوم] نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وسوست أنفسهم وما عملوا فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ وقالوا: والله ما نملك الوسوسة فنسخها الله بهذه الآية التي بعدها.
قلت: وأنكر بعضهم نسخها وقالوا: يؤاخذهم بها بأن يسألهم عنها يوم القيامة، وقيل غير ذلك، وليس من شرط هذا الكتاب٧.
стр. 634
وأخرج الطبري١ من طريق جويبر عن الضحاك نحو رواية عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس التي تقدمت لكن قال في أوله: أتى جبريل فقال: يا محمد قل: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فقالها، فقال جبريل: قد فعل وساق البقية، يقول في الجواب: فقال جبريل قد فعل ولم يستوعب التفصيل في كل كلمة٢. ومن طريق أسباط عن السدي نحوه٣.
وأخرج عبد بن حميد من طريق إسرائيل عن السدي حدثني من سمع عليًّا يقول: لما نزلت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ أحزنتنا فقلنا: يحدث أحدنا نفسه فنحاسب فلا ندري من يغفر له منا ومن لا يغفر له فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
وأخرج البخاري القصة عن ابن عمر باختصار٤، وكأنه٥ قال ذلك بعد أن سبق من قول [ابن عباس] ٦ ما تقدم، ولفظه عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي ﷺ -أحسبه ابن عمر- قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوه
стр. 635
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ قال نسختها الآية التي بعدها١.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: نسختها ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ ٢.
طريق أخرى: قال محمد بن يوسف الفريابي: نا الثوري وقال عبد بن حميد نا قبيصة نا سفيان عن موسى بن عبيدة عن خالد بن مرثد عن محمد بن كعب٣ قال: ما بعث الله من نبي ولا أرسل من رسول أنزل عليهم الكتاب إلا أنزل عليه ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فكانت الأمم تأبى ذلك على أنبيائها، فيكفرون ويضلون فلما نزلت على النبي ﷺ اشتد٤ على المسلمين ما اشتد على الأمم فقالوا: يا رسول الله أنؤاخذ بما نحدث به٥ [أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟ قال: "نعم فاسمعوا وأطيعوا" فذلك قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ فوضع الله عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح.
стр. 636
وقال الثعلبي: روت الرواة بألفاظ مختلفة فقال بعضهم١: لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار فجثوا على الركب، وقالوا: والله يا رسول الله ما نزلت آية أشد علينا من هذه الآية إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه فقال: "هكذا أنزلت"، فقالوا: هلكنا وكلفنا من العمل بما لا نطيق! قال: "فلعلكم تقولون كما قال من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوا: سمعنا وأطعنا، فمكثوا بذلك حولا فأنزل الله آية الفرج والراحة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
قال الثعلبي: وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وابن عباس ومن التابعين وأتباعهم فسرد جماعة انتهى. وهذا من عيوب كتابه ومن تبعه عليه يجمعون الأقوال عن الثقات وغيرهم، ويسوقون القصة مساقا واحدا على لفظ من يُرمى بالكذب أو الضعف الشديد ويكون أصل القصة صحيحا٢، والنكارة في ألفاظ زائدة، كما في هذه القصة من تسمية الذين ذكروا، وفي كثير من الألفاظ التي نقلت، والسياق في هذه بخصوصها إنما هو لبعضهم.
طريق أخرى عن ابن عباس تخالف جميع ما تقدم:
أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: ذاك سر عملك وعلانيته، يحاسبه الله به وليس من عبد مؤمن يسر في نفسه خيرا فيعمل به فإن عمل به كتبت له عشر حسنات وإن هو لم يعمل به كتبت له به حسنة من أجل أنه مؤمن، وإن كان أسر في نفسه سوءا وحدث به نفسه اطلع الله عليه وأخبره به يوم تبلى السرائر فإن هو لم يعمل لم يؤاخذه الله به وإن هو عمل به تجاوز الله عنه كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ
стр. 637
نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ١.
ومن طريق مقاتل بن حيان أنه بلغه أن ابن عباس كان يقول إذا دعي الناس إلى الحساب يحاسب العبد بما عمل، وينظر في عمله فيخبره الله بما أبدى منه وبما أخفاه في نفسه ولم يعمله، ولم تكن الملائكة تطلع عليه، ولكن الله حاسبهم بما أسروا في أنفسهم فلم يطلع عليه أحد.
١٧٦- قوله تعالى:٢ ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ .
قال ابن الكلبي: كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به، أو أخطئوا عجلت لهم العقوبة فحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق فيض٣ بن إسحاق الرقي قال: قال الفضيل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ الآية قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب الذنب قيل له: توبتك أن تقتل نفسك فيقتل نفسه، فوضعت الآصار عن هذه الأمة٤.
وأخرج الطبري٥ من طريق ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: لا تمسخنا قردة وخنازير.
ومن طريق عبد الرحمن بن زيد٦ قال: لا تلزمنا ذنبا لا توبة فيه ولا كفارة.
стр. 638
ومن طريق محمد بن شعيب١ بن شابور٢ عن عمه قال المراد به الغلمة.
٣ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الوليد بن مسلم عن ابن شابور٢ عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول قال: الأنعاظ.
وأخرج الثعلبي بسند ضعيف إلى الثوري عن منصور عن إبراهيم النخعي قال: ﴿مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ هو الحب قال الثعلبي: وقيل: الفرقة، وقيل: القطعية، وقيل: شماتة الأعداء. انتهى.
والأولى كما قال الطبري٤: الحمل على العموم لكن فيما كان ألزم به من كان قبلنا من التكاليف والله أعلم.
قال الطبري٥ عن المثنى بن إبراهيم٦ نا أبو نعيم نا سفيان عن أبي إسحاق أن معاذا كان إذا فرغ من هذه السورة فقال: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ قال: آمين.
آخر ما في سورة البقرة
стр. 639
المجلد الثاني
سورة آل عمران
...
سورة آل عمران:
١٧٧- ذكر سبب نزول صدرها:
أخرج ابن أبي حاتم١ من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: أن النصارى أتوا النبي ﷺ يخاصمونه في عيسى بن مريم، فادعوا الكذب، وقالوا: من أبوه٢؟ فقال٣ لهم النبي ﷺ : "ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلأه ويحفظه ويرزقه؟ " قالوا: بلى، قال: "فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟ " قالوا: لا. قال: "ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ " قالوا: بلى، قال: "أفكذلك عيسى؟ " ٤قالوا: لا. قال: "فإن ربنا صير عيسي في الرحم كيف شاء ٥، ألستم تعلمون أن أمه حملته كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ثم غذي بالطعام ٦ كما يغذى الصبي
стр. 640
ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث والله بخلاف ذلك؟ " ١ قالوا: بلى، قال: "فكيف الذي زعمتم؟ " ٢ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودًا، وأنزل الله ﴿ألم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى٣ قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
وأخرجه الطبري٤ من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق٥ عن محمد٦ بن جعفر بن الزبير نحوه وأتم منه وفيه تسمية رؤساء وفد نجران.
١٧٨- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ٧ بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الآية: ٤] .
قال مقاتل بن سليمان٨: "نزلت في اليهود٩ منهم حيي وجدي وأبو ياسر بنو أخطب وكعب بن الأشرف وكعب بن أسيد وزيد بن التابوت١٠".
١٧٩ -قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا ١١ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
стр. 641
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [الآية: ٧] .
١- قال ابن الكلبي١ عن أبي صالح عن ابن عباس: المتشابه حروف التهجي في أوائل السور، ولك أن رهطًا من اليهود حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراءهما أتوا النبي ﷺ فقال له حيي: بلغنا أنه أنزل عليك "ألم"٢ أنشدك الله أأنزلت عليك؟ قال: "نعم"، قال: فإن كان ذلك حقا فإني أعلم مدة ملك أمتك هو إحدى وسبعون سنة فهل أنزل عليك غيرها قال: "نعم المص " ٣ قال: هذه أكثر من تلك هي إحدى وستون ومئة سنة فهل غيرها؟ قال: نعم "الر" ٤ قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وثلاثون سنة فهل غيرها؟ قال: نعم "المر" ٥ قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري بقليله نأخذ أم بكثيره؟ ونحن لا نؤمن بهذا فأنزل الله ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية".
стр. 642
وقال مقاتل بن سليمان١ في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: هي الكلمات الأربع "ألم والمص والمر والر" شبه على اليهود كم٢ تملك هذه الأمة من السنين قال٣ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ هم عبد الله بن سلام وأصحابه يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ وهم الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ﴾ إلى قوله: ﴿الْمِيعَادَ﴾ .
٢- قول آخر: قال مقاتل بن حيان٤: هم وفد نجران خاصموا النبي ﷺ في عيسى فقالوا: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: "بلى" قالوا: فحسبنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية".
٣- قول آخر٥: أخرج البخاري من طريق يزيد بن إبراهيم عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وقالت: قال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم".
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ثلاثتهم عن القعنبي عن يزيد٦.
وأخرج ابن أبي حاتم٧ عن أبيه عن أبي الوليد عن يزيد وحماد بن سلمة عن
стр. 643
ابن أبي مليكة بلفظ: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال: "إذا رأيتم"، فذكره".
وأخرجه الترمذي١ عن بندار٢ عن أبي الوليد، بدون ذكر حماد وقال٣: تفرد يزيد بذكر القاسم فيه بين عائشة وابن أبي مليكة ورواه [غير] ٤ واحد ابن أبي مليكة [عن عائشة ولم يذكروا فيه] ٤ القاسم.
قلت: وقد وافقه حماد بن سلمة في إحدى الروايتين عنه كما تقدم من طريق [ابن] ٥ أبي حاتم٦.
وكذا أخرجه الطبري٧ من طريق يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة. وقد أغرب الوليد بن مسلم فرواه عن حماد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، [عن عائشة] أخرجه الطبري٨ من طريقه. ومن طريقه٩ أيضًا عنه عن نافع بن عمر١٠ عن ابن أبي ملكية عن عائشة، والذي يظهر أن حماد بن سلمة كان يتنوع في إيراده،
стр. 644
فإن كان حفظه فالطرق كلها صحيحة. وأخرج الإمام أحمد١ عن أبي كامل٢ عن حماد بن سلمة عن أبي غالب سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: "هم الخوارج" ٣.
وأخرجه ابن أبي حاتم٤ وابن مردويه من طريق حميد الخياط عن أبي غالب عن أبي أمامة٥ كذلك.
وأصله عند الترمذي٦ وغيره٧ من حديث أبي أمامة وفيه قصة نصب رؤوس الخوارج على درج دمشق٨، وهذا من علامات النبوة، فإن الخوارج أول من
стр. 645
تبع١ ما تشابه منه وابتغوا بذلك الفتنة فقتلوا من أهل الإسلام ما لا يحصى كثرة، وتجنبوا قتل أهل الشرك، وأخبارهم في ذلك شهيرة، ولذلك ورد في عدة أحاديث صحيحة أنهم شر الخلق والخليقة٢. وذكر الخوارج نبه به الحديث المذكور على من ضاهاهم في اتباع المتشابه وابتغاء تأويله فالآية شاملة لكل مبتدع سلك ذلك المسلك.
قال ابن جرير٣: المراد بالذين في قلوبهم زيغ كل مبتدع بدعة تخالف ما مضى
стр. 646
عليه رسول الله ﷺ فتأول١ بعض الآيات المحتملة التأويل ما يشيد به بدعته٢.
ثم٣ أسند عن قتادة نحو ذلك٤.
ثم٥ أسند من طريق الحارث٦ بن يعقوب، عن أيوب، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة قالت: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَات﴾ الآية كلها فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله ٧ فاحذروهم".
ورجح الطبري٨ قول من قال من المفسرين: "إن المراد باتباع الفتنة في الآية اتباع الشبهات واللبس، ليروج بذلك الباطل الذي ابتدعه" وأطلق على ذلك فتنة
стр. 647
لأنه يؤول إليها نسأل الله السلامة والعافية.
١٨٠- قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَاد﴾ [الآية: ١٢] .
١- قال ابن إسحاق في "المغازي" رواية يونس بن بكير عنه١. حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع، فقال: "يا معشر اليهود احذروا من الله ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم"، فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآية.
وقال ابن إسحاق أيضًا٢ في رواية سلمة بن الفضل عنه عن عاصم بن عمر بن قتادة قال:
فلما أصاب الله قريشا يوم بدر جمع رسول الله ﷺ يهود في سوق بني قينقاع حين قدم المدينة، فذكر نحوه.
وفي "تفسير" سنيد٣: حدثني حجاج عن ابن جريج عن عكرمة في هذه الآية
стр. 648
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ قال: فنحاص اليهودي في يوم "بدر"١: لا يغرن محمدا٢ إن غلب قريشا وقتلهم أن قريشا لا تحسن القتال فنزلت.
وقال ابن ظفر: يحسن أن يقال: لما شمت اليهود بالمسلمين يوم أحد، قيل لهم ستغلبون وتحشرون إلى جهنم٣ يعني على القراءة بالياء٤ المثناة التحتانية فيهما٥.
قول آخر: وقال الثعلبي: قال الكلبي٦: عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة، ومن طريق مجاهد، قالا: أنزلت في محمد وأصحابه، ومشركي قريش يوم بدر، أن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم رسول الله المشركين يوم بدر: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى، ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنه لا ترد له راية. وأرادوا اتباعه، فقال بعضهم: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة له أخرى فلما كان يوم أحد ونكب٧ أصحابه شكوا وقالوا: ما هو به، فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، وكان بينهم وبينه عهد، فنقضوه وانطلق كعب بن الأشرف إلى أبي سفيان بمكة فوافقهم أن يكونوا كلمة واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة فنزلت٨.
стр. 649
وقال مقاتل بن سليمان١ في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ : نزلت في بني قينقاع من اليهود توعدوا٢ المسلمين بالقتال فنزلت.
١٨١- قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية والتي بعدها ١٤-١٥.
قال ابن ظفر: قيل: إن وفد نجران لما دخلوا المدينة تزينوا بأحسن زي فتشوقت نفوس رجال من فقراء المسلمين إليهم فنزلت.
وقال ابن إسحاق٣ عن محمد بن جعفر بن الزبير: دخلوا المسجد العصر وهم في جمال رجال بني الحارث وعليهم الحبرات٤.
١٨٢- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُم﴾ الآية١٥ ٥.
أخرج ابن أبي حاتم٦ من طريق عطاء بن السائب عن أبي بكر بن حفص قال: لما نزلت ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية قال عمر: الآن يا رب زينتها٧ لنا، فنزلت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ ٨.
стр. 650
١٨٣- قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية ١٨.
ذكر الثعلبي عن ابن الكلبي١ قال: قدم٢ حبران من أحبار الشام على النبي ﷺ فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم٣ الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟ قال: "نعم" قالا: وأنت أحمد؟ قال: "أنا محمد وأحمد"، قالا: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال: "سلا" قالا: فأخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ فأسلم الرجلان".
١٨٤- قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ الآية١٩ ٤.
١- أخرج الطبري٥ من طريق الربيع بن أنس في هذه الآية قال: قال أبو العالية: ﴿بَغْيًا﴾ أي: طلبا للملك، قال الربيع: وذلك أن موسى ﵇ لما حضره الموت دعا سبعين٦ حبرا من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء [عليه] ٧ كل حبر جزءا منه واستخلف موسى يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول
стр. 651
والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم من أبناء السبعين [حتى اهراقوا الدماء بينهم، ووقع الشر "والاختلاف" وكان "ذلك" كله] ١ من قبل الذين أوتوا العلم بغيا بينهم على الدنيا وطلبا لسلطانها وزخرفها فسلط الله عليهم الجبابرة.
٢- قول آخر: أخرج الطبري٢ من طريق ابن إسحاق٣ عن محمد بن جعفر ابن الزبير في هذه الآية قال: المراد بهم النصارى٤. وسيأتي بقية كلامه في التي بعدها.
٣- ونقل الثعلبي عن بعضهم: إن المراد أهل الكتاب في نبوة محمد بعد أن وجدوا نعته وصفته في كتبهم فكفروا به حسدًا٥.
٤- قول آخر: نقل الثعلبي عن ابن الكلبي قال: نزلت في اليهود والنصارى حين تسموا بهذين الاسمين وتركوا اسم الإسلام.
١٨٥- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [الآية: ٢٠] .
стр. 652
قال ابن الكلبي: لما نزلت: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ قالت اليهود والنصارى: لسنا على ما تسمينا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية ليست لنا، والدين هو الإسلام ونحن عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: خاصموك في الدين: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ قال: فقالوا: أسلمنا، فقال لليهود: "أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله، فقالوا: لا فنزلت: ﴿وَإِنْ ١ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ٢".
١٨٦- قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [الآية: ٢١] ٣.
أخرج عبد بن حميد والطبري٤ من طريق ابن أبي نجيح عن معقل بن أبي مسكين قال: كان الوحي يأتي بني إسرائيل، ولم يكن يأتيهم كتاب، فيقوم الذين يوحى إليهم فيذكرون قومهم فيقتلونهم فيقول رجال ممن٥ اتبعهم وصدقهم فيذكرون قومهم، فيقتلونهم، فنزلت فيهم٦ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ
стр. 653
النَّاسِ﴾ ١.
قال مقاتل بن سليمان٢: كان الذي يصنع ذلك ملوك بني إسرائيل. وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح أن النبي ﷺ قال: "قتلت بنو إسرائيل في ساعة واحدة من أول النهار ثلاثة وأربعين نبيا، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عبادهم فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم فهم الذين ذكر الله في كتابه وأنزل الآية فيهم".
أخرجه الطبري٣ وابن أبي حاتم٤ والثعلبي كلهم من طريق محمد بن حمير٥ الحمصي.
عن أبي الحسن مولى بني أسد عن مكحول عن قبيصة بن ذؤيب عنه، وقد ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه ما نصه "أبو الحسن الأسدي روى عنه أبو كريب مجهول٦" فما أدري هو هذا أو غيره٧؟
стр. 654
١٨٧- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية٢٣.
١- قال ابن إسحاق في "المغازي"١ رواية يونس بن بكير عنه عن محمد عن سعيد و٢عكرمة عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم٣ بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: "على ملة إبراهيم ودينه"، فقالا: إن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما: "فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم"، فأبيا عليه فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَاب﴾ الآية".
أخرجه الطبري [و] ٤ هكذا ذكره الثعلبي٥ عن سعيد وعكرمة عن ابن عباس والصواب أن هذه الرواية ترد دائما بالشك وهو من ابن إسحاق أو من شيخه محمد بن أبي محمد "٢٥٣".
стр. 655
٢- قول آخر: نقل الطبري١ عن قتادة وابن جريج أن المراد بالكتاب القرآن ثم ساق الرواية عنهما بذلك٢ ولفظهما٣: "الكتاب وهو يحتمل أن يراد به التوراة٤ فيرجع إلى الأول"، نعم وقع في تفسير جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: جعل الله القرآن حكما فيما بينهم وبين رسول الله ﷺ فحكم القرآن على اليهود والنصارى أنهم على غير الهدى فأعرضوا عنه وهم يجدونه مكتوبا عندهم.
٣- قول آخر: أخرج الطبري من طريق السدي٥ قال: دعا النبي ﷺ اليهود إلى الإسلام فقال له نعمان بن أبي٦ أوفى: هلم يا محمد نخاصمك إلى الأحبار٧ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل بن سليمان٨: نزلت في كعب بن الأشرف و٩كعب بن أسيد ومالك بن الصيف١٠ ونعمان بن أبي١١ أوفى وبحري١٢ بن عمرو وأبو١٣ نافع بن
стр. 656
قيس وأبو١ ياسر بن أخطب، وذلك أن النبي ﷺ قال لهم: "أسلموا " ٢ فقالوا٣: نحن أهدى وأحق بالهدى منكم، وما أرسل الله نبيا بعد موسى، فقال: "أخرجوا التوراة نتبع نحن وأنتم ما فيها" فأبوا فنزلت هذه".
٤- قول آخر: قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس٤: إن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا، فذكر القصة الآتية في سورة المائدة، وفيها: فحكم عليهما بالرجم، فقال له نعمان بن أبي أوفى وبحري بن عمرو: جرت علينا يا محمد، فقال: بيني وبينكم التوراة، القصة، وفيها ذكر ابن صوريا، وفي آخرها فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ .
١٨٨- قوله تعالى: ﴿قَالُوا ٥ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة ٦﴾ [الآية: ٢٤] .
تقدم في تفسير سورة البقرة٧.
١٨٩- قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الآية: ٢٦] .
قال إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد جميعا عن روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في
стр. 657
أمته، فأنزل الله هذه الآية١.
وبهذا جزم مقاتل بن سليمان٢ فقال: سأل رسول الله ﷺ ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته.
وذكر الثعلبي٣ عن ابن عباس قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ فنزلت.
وذكر الثعلبي٤ هنا حديث عمرو بن عوف المزني في قصة ضرب الصخرة بالخندق وفي آخره: ونزل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٥. في ذلك ونزل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ في ذلك.
قلت: وحديث عمرو أخرجه البيهقي٦ وغيره، وليس في آخره: ونزل قوله
стр. 658
تعالى: ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ونورده١ في تفسير سورة الأحزاب.
١٩٠- قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الآية: ٢٨] .
١- ذكر الثعلبي٢ عن ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر مباطنتهم وملازمتهم فأنزل الله فيهم هذه الآية.
٢- قول آخر قال مقاتل بن سليمان٣: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم الله عن ذلك.
٣- قول آخر قال الكلبي٤ عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت في عبد الله ابن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار يرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ونهى المؤمنون عن مثل٥
стр. 659
فعلهم.
٤- قول آخر ذكر جويبر١ في "تفسيره" عن الضحاك عن ابن عباس: نزلت في عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود فلما خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن أستظهر بهم على العدو٢، فأنزل الله : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية.
١٩١- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [الآية ٣١] .
١- قال الكلبي٣ عن أبي صالح عن ابن عباس: إن اليهود لما قالت: نحن أبناء الله وأحباؤه، أنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله ﷺ فأبوا أن يقبلوها.
وقال مقاتل بن سليمان٤: لما دعا النبي ﷺ كعب بن الأشرف وأصحابه إلى الإسلام قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ولنحن أشد حبا لله مما تدعونا إليه فنزلت: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ .
٢- قول آخر: قال محمد بن إسحاق في "المغازي"٥ حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: نزلت في نصارى أهل نجران وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده
стр. 660
حبا لله وتعظيما له فقال الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ﴾ ١.
٣- قول آخر: ذكر سنيد في "تفسيره"٢ عن حجاج عن ابن جريج قال: زعم أقوام على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا، فنزلت وجعل اتباع نبيه علما لحبه.
٤- قول آخر ذكر جويبر٣ في "تفسيره" عن الضحاك عن ابن عباس قال: وقف النبي ﷺ على قريش، وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف٤ وهم يسجدون لها، فقال: "لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل" فقالوا: يا محمد إنا نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى.
فقال: "أنا رسول الله إليكم وأنا أولى بالتعظيم من الأصنام".
قلت: وهذا من منكرات جويبر فإن آل عمران مدنية، وهذه القصة إنما كانت بمكة قبل الهجرة، ولعل الذي نزل فيهما في أوائل الزمر٥.
стр. 661
١٩٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الآية ٣٢] .
١ -نقل الثعلبي أن عبد الله بن أبي لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ قال لأصحابه: إن محمدا -يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نعبده كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم فنزلت: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ الآية.
٢- وقال مقاتل بن سليمان١: نزلت في اليهود٢.
قلت: وهذا هو الراجح.
١٩٣- قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [الآية ٥٩] .
قال عبد بن حميد: حدثنا روح بن عبادة عن عوف الأعرابي عن الأزرق بن قيس قال: جاء أسقف نجران والعاقب إلى رسول الله ﷺ فعرض عليهما الإسلام، فقالا: قد كنا مسلمين قبلك فقال: كذبتما منع الإسلام منكما ثلاث: قولكما اتخذ الله ولدا، وسجودكما للصليب، وأكلكما لحم الخنزير، قالا: فمن أبو عيسى؟ فلم يرد عليهما، فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الآية: ٣] .
وعن سعيد عن قتادة: ذكر لنا أن سيدي أهل نجران قالا: لكل آدمي أب فما بال عيسى لا أب له؟ فنزلت٤.
стр. 662
وأسند الطبري١ وابن أبي حاتم٢ من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن رهطا من أهل نجران فيهم السيد والعاقب قدموا على النبي ﷺ فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا أي: عيسى تزعم أنه عبد الله قال: "أجل إنه عبد الله" قالوا: فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده فجاءه جبريل بأمر الله فقال: قل لهم إذا أتوك: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية".
ومن طريق مغيرة٣ عن عامر هو الشعبي قال: كان أهل نجران أعظم قوم من النصارى في عيسى قولا فكانوا يجادلون النبي ﷺ فيه، فنزلت.
ومن طريق أسباط٤ عن السدي قال: لما سمع أهل نجران بالنبي ﷺ أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم منهم العاقب والسيد وماسرجس٥ وما ربحن٦ فسألوه ما تقول في عيسى؟ فقال: "هو عبد الله وروحه وكلمته" فقالوا: ولكنه هو الله نزل من ملكه فدخل في جوف مريم، ثم خرج منها فأرانا قدرته وأمره فهل رأيت قط إنسانا خلق من غير أب؟ فنزلت.
وأخرج سنيد٧ عن حجاج عن ابن جريج: بلغنا أن نصارى أهل نجران قدم
стр. 663
وفدهم فيهم السيد والعاقب وهما سيداهم يومئذ فقالا: يا محمد فيم تشتم صاحبنا عيسى تزعم أنه عبد؟ فقال: "أجل إنه عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم". فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقا فأرنا عبدا يحيي الموتى ويبرئ الأكمه ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه لكنه الله، فسكت حتى أتاه جبريل فقال: يا محمد: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم﴾ ١ فقال: يا جبريل إنهم سألوني أن أخبرهم بمثل عيسى فقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية.
ومن طريق سلمة بن الفضل٢ عن ابن إسحاق٣ عن محمد بن جعفر بن الزبير قال:
فإن قالوا: كيف خلق عيسى من غير ذكر فقد خلقت آدم من تراب بتلك٤ القدرة من غير ذكر ولا أنثى. فكان كما جاء عيسى لحما ودما وشعرا وبشرا فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من خلق آدم. وأخرج ابن أبي حاتم٥ من طريق مبارك بن فضالة سمعت الحسن البصري يقول: أتى راهبا نجران رسول الله ﷺ فذكر نحو رواية الأزرق بن قيس لكن قال: فنزل عليه: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ
стр. 664
الْحَكِيمِ، إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ الآية إلى: ﴿الْمُمْتَرِينَ﴾ .
وسمى مقاتل بن سليمان١ فيهم الحارث وقيسا وابنيه وخالدًا وخليدًا وعمرًا.
١٩٤- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [الآية: ٦١] ٢.
قال ابن إسحاق في "السيرة الكبرى"٣ رواية يونس بن بكير عنه: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، فذكر قصة وفد أهل نجران وما قالوه، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ قال: فلما أتى رسول الله الخبر من الله وفصل القضاء بينه وبينهم وأنهم إن ردوا ذلك لاعنهم [دعاهم إلى ذلك٤] فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم قط نبيا فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة عليه فوادعوا هذا الرجل، وانصرفوا. فأتوا النبي ﷺ فقالوا: قد رأينا ألا نلاعنك، فذكر قصة بعثه معهم أبا عبيدة بن الجراح ليفصل بينهم في أمور اختلفوا فيها من أموالهم.
ولابن إسحاق في هذه القصة سند آخر موصول أخرجه أبو بكر بن مردويه في
стр. 665
"التفسير" من طريق أخرى عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ فذكر القصة، وفيها: أن أشرافهم كانوا اثني عشر رجلا١.
وأخرج البخاري أصل هذه القصة في "الصحيح" في أواخر المغازي٢ من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن صلة٣ بن زفر عن حذيفة قال: جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريد أن يلاعناه فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله إن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: نعطيك ما سألتنا فابعث معنا رجلا أمينا الحديث.
وأخرج الحاكم في "المستدرك"٤ من طريق علي بن مسهر وابن شاهين٥ وابن مردويه في "التفسير"٦ من طريق بشر بن مهران كلاهما عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن جابر قال: قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب٧ فدعاهما
стр. 666
إلى الملاعنة فوعداه على أن يغادياه١ الغداة فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا وأقرا له بالخراج فقال: "والذي بعثني بالحق لو قالا ٢ لأمطر عليهم الوادي نارا"، قال جابر: فيهم نزلت: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الحديث٣.
ولأخره شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الحاكم في أثناء حديث٤ أصله البخاري٥ والترمذي والنسائي٦.
ولفظه عند الحاكم: ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون إبلا ولا مالا.
ولفظ معمر: لو خرج الذين يباهلون مثله٧.
стр. 667
وفي "تفسير سنيد"١ عن ابن جريج: والذي نفسي بيده لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم منهم أحد إلا أهلكه الله.
وأخرج البيهقي في "دلائل النبوة"٢ قصة وفد نجران والملاعنة مطولة في نحو ورقة كبيرة من طريق يونس بن بكير في "المغازي" من زياداته على ابن إسحاق قال يونس عن سلمة بن عبد يسوع٣ عن أبيه عن جده -وكان نصرانيا- فأسلم: إن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران يدعوهم إلى الإسلام. وفيه إرسالهم وفدًا اختاروهم وفيه فساءلهم وسألوه إلى أن انتهت به المسألة أن قالوا: ما تقول في عيسى؟ فقال: "أقيموا حتى أخبركم"، فافتتح الصلاة وأنزل٤ الله عليه ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فقصها عليهم٥ فأبوا أن يقروا بذلك، فأصبح رسول الله ﷺ فأقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة فذكر أنهم رضوا أن يحكموه، ورضوا بما حكم به عليهم من المال في كل سنة.
стр. 668
ومن مستغربات مقاتل بن سليمان١ أنه نقل في هذه القصة أن عمر قال للنبي ﷺ :
لو لاعنتهم بيد من كنت تأخذ؟ قال: "بيد علي وفاطمة والحسن والحسين وعائشة وحفصة".
وقد ساق الطبري٢ آخر هذه القصة بما فيها من الزيادة عما قبلها، فأخرج من طريق مغيرة عن عامر وهو الشعبي قال: فلما أمر النبي ﷺ بملاعنتهم بقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيه﴾ فتواعدوا أن يلاعنوه الغد، فانطلق السيد والعاقب ومن تبعهما إلى رجل منهم عاقل فذكروا له ما عزموا عليه فقال: بئس٣ ما صنعتم وندمهم٤ وقال: إن كان نبيا ثم دعا عليكم لا يعصيه٥ الله فيكم، وإن كان ملكا فظهر عليكم لا يستبقيكم٦، قالوا: فكيف بنا وقد واعدنا! قال: إذا غدوتم عليه فعرض عليكم الملاعنة فقولوا: نعوذ بالله فلعله يعفيكم قال: فغدا النبي ﷺ محتضنا حسينا آخذا بيد الحسن٧ وفاطمة تمشي ملتفة٨ فدعاهم إلى الذي فارقوه عليه بالأمس، فقالوا: نعوذ بالله ثم دعاهم فقالوا: نعوذ بالله مرارًا قال: "فإن أبيتم فأسلموا فإن أبيتم فأعطوا
стр. 669
الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء فقالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب، ولكن نؤدي الجزية، قال: فجعل عليهم ألفي حلة: ألفا في رجب، وألفا في صفر، وقال النبي ﷺ : "لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة".
ومن طريق السدي١ قال: فأخذ النبي ﷺ بيد الحسن والحسين وفاطمة وقال لعلي: اتبعنا فلم يخرج النصارى وصالحوه فقال رسول الله ﷺ : "لو خرجوا لاحترقوا". ومن طريق علباء٢ بن أحمد اليشكري٣: فقال شاب منهم: لا تلاعنوا أليس عهدكم بالأمس بإخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟
١٩٥- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [الآية: ٦٤] .
قال الثعلبي: قال المفسرون: قدم وفد نجران فالتقوا مع اليهود، فاختصموا في إبراهيم، فقالوا يا محمد إنا اختلفنا في إبراهيم، فزعمت اليهود أنه كان يهوديا وهم على دينه، وهم أولى الناس به، وزعمت النصارى، أنه كان نصرانيا وهم على دينه، وهم أولى الناس به. فقال النبي ﷺ : "كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان حنيفا ومسلما" فقالت اليهود: يا محمد ما نريد أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا فأنزل الله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾ انتهى. وإطلاقه على قائل هذا -مع ضعفه- أنه قول المفسرين مما ينكر
стр. 670
عليه، فإن هذه الآية١ الأولى أنزلها الله في قصة وفد نجران قبل أن يقع اجتماعهم باليهود، فلما أبوا وبذلوا الجزية واطمأنوا اجتمعوا بيهود المدينة عند النبي ﷺ أو فيما بينهم، فتجادلوا إلى أن ذكروا إبراهيم ونزلت الآيات التي بعدها في إبراهيم وسيأتي سياق ذلك واضحا في الذي بعده.
١٩٦- قوله تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [الآيات: ٦٥-٦٧] .
١- قال ابن إسحاق في "السيرة"٢: دعا النبي ﷺ أهل نجران إلى النصف وقطع٣ عنهم [الحجة] . ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْلِمُون﴾ فأبوا فنزل ما بعدها.
ثم٤ أسند عن محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال:
اجتمعت نصارى نجران و [أحبار] يهود عند النبي ﷺ فتنازعوا عنده فقال الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فنزلت: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيم﴾ ٥.