← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2102

العجاب في بيان الأسباب

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

إلى الملاعنة فوعداه على أن يغادياه١ الغداة فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا وأقرا له بالخراج فقال: "والذي بعثني بالحق لو قالا ٢ لأمطر عليهم الوادي نارا"، قال جابر: فيهم نزلت: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الحديث٣. ولأخره شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الحاكم في أثناء حديث٤ أصله البخاري٥ والترمذي والنسائي٦. ولفظه عند الحاكم: ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون إبلا ولا مالا. ولفظ معمر: لو خرج الذين يباهلون مثله٧.

стр. 667

وفي "تفسير سنيد"١ عن ابن جريج: والذي نفسي بيده لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم منهم أحد إلا أهلكه الله. وأخرج البيهقي في "دلائل النبوة"٢ قصة وفد نجران والملاعنة مطولة في نحو ورقة كبيرة من طريق يونس بن بكير في "المغازي" من زياداته على ابن إسحاق قال يونس عن سلمة بن عبد يسوع٣ عن أبيه عن جده -وكان نصرانيا- فأسلم: إن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران يدعوهم إلى الإسلام. وفيه إرسالهم وفدًا اختاروهم وفيه فساءلهم وسألوه إلى أن انتهت به المسألة أن قالوا: ما تقول في عيسى؟ فقال: "أقيموا حتى أخبركم"، فافتتح الصلاة وأنزل٤ الله عليه ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فقصها عليهم٥ فأبوا أن يقروا بذلك، فأصبح رسول الله ﷺ فأقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة فذكر أنهم رضوا أن يحكموه، ورضوا بما حكم به عليهم من المال في كل سنة.

стр. 668

ومن مستغربات مقاتل بن سليمان١ أنه نقل في هذه القصة أن عمر قال للنبي ﷺ : لو لاعنتهم بيد من كنت تأخذ؟ قال: "بيد علي وفاطمة والحسن والحسين وعائشة وحفصة". وقد ساق الطبري٢ آخر هذه القصة بما فيها من الزيادة عما قبلها، فأخرج من طريق مغيرة عن عامر وهو الشعبي قال: فلما أمر النبي ﷺ بملاعنتهم بقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيه﴾ فتواعدوا أن يلاعنوه الغد، فانطلق السيد والعاقب ومن تبعهما إلى رجل منهم عاقل فذكروا له ما عزموا عليه فقال: بئس٣ ما صنعتم وندمهم٤ وقال: إن كان نبيا ثم دعا عليكم لا يعصيه٥ الله فيكم، وإن كان ملكا فظهر عليكم لا يستبقيكم٦، قالوا: فكيف بنا وقد واعدنا! قال: إذا غدوتم عليه فعرض عليكم الملاعنة فقولوا: نعوذ بالله فلعله يعفيكم قال: فغدا النبي ﷺ محتضنا حسينا آخذا بيد الحسن٧ وفاطمة تمشي ملتفة٨ فدعاهم إلى الذي فارقوه عليه بالأمس، فقالوا: نعوذ بالله ثم دعاهم فقالوا: نعوذ بالله مرارًا قال: "فإن أبيتم فأسلموا فإن أبيتم فأعطوا

стр. 669

الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء فقالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب، ولكن نؤدي الجزية، قال: فجعل عليهم ألفي حلة: ألفا في رجب، وألفا في صفر، وقال النبي ﷺ : "لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة". ومن طريق السدي١ قال: فأخذ النبي ﷺ بيد الحسن والحسين وفاطمة وقال لعلي: اتبعنا فلم يخرج النصارى وصالحوه فقال رسول الله ﷺ : "لو خرجوا لاحترقوا". ومن طريق علباء٢ بن أحمد اليشكري٣: فقال شاب منهم: لا تلاعنوا أليس عهدكم بالأمس بإخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ ١٩٥- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [الآية: ٦٤] . قال الثعلبي: قال المفسرون: قدم وفد نجران فالتقوا مع اليهود، فاختصموا في إبراهيم، فقالوا يا محمد إنا اختلفنا في إبراهيم، فزعمت اليهود أنه كان يهوديا وهم على دينه، وهم أولى الناس به، وزعمت النصارى، أنه كان نصرانيا وهم على دينه، وهم أولى الناس به. فقال النبي ﷺ : "كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان حنيفا ومسلما" فقالت اليهود: يا محمد ما نريد أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا فأنزل الله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾ انتهى. وإطلاقه على قائل هذا -مع ضعفه- أنه قول المفسرين مما ينكر

стр. 670

عليه، فإن هذه الآية١ الأولى أنزلها الله في قصة وفد نجران قبل أن يقع اجتماعهم باليهود، فلما أبوا وبذلوا الجزية واطمأنوا اجتمعوا بيهود المدينة عند النبي ﷺ أو فيما بينهم، فتجادلوا إلى أن ذكروا إبراهيم ونزلت الآيات التي بعدها في إبراهيم وسيأتي سياق ذلك واضحا في الذي بعده. ١٩٦- قوله تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [الآيات: ٦٥-٦٧] . ١- قال ابن إسحاق في "السيرة"٢: دعا النبي ﷺ أهل نجران إلى النصف وقطع٣ عنهم [الحجة] . ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْلِمُون﴾ فأبوا فنزل ما بعدها. ثم٤ أسند عن محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران و [أحبار] يهود عند النبي ﷺ فتنازعوا عنده فقال الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فنزلت: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيم﴾ ٥.

стр. 671

ومن طريق السدي١ نحوه ولم يذكر مكان اجتماعهم. ٢- وأخرج عبد بن حميد والطبري٢ من طريق قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء وهم الذين حاجوه في إبراهيم وزعموا أنه كان يهوديا فأكذبهم الله تعالى ونفاهم منه فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيم﴾ . وأخرج ابن أبي حاتم٣ من طريق مقاتل بن حيان قال: قال كعب -يعني ابن الأشرف- وأصحابه٤: إن إبراهيم منا وموسى منا والأنبياء منا فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ الآية وبنحوه ذكر مقاتل بن سليمان وقال٥: قال رؤساء اليهود كعب بن الأشرف وأبو ياسر وأبو الحقيق وزيد بن تابوت٦ ونصارى نجران كان إبراهيم والأنبياء على ديننا، القصة. وأخرج سنيد من طريق ابن جريج قال: بلغنا أن نبي الله ﷺ دعا يهود المدينة إلى الإسلام وقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ٧﴾ فأبوا عليه فجاهدهم أخرجه الطبري٨.

стр. 672

ومن طريق الربيع بن أنس١ ذكر لنا أن النبي ﷺ دعا اليهود إلى كلمة السواء. واختار الطبري٢ أنها نزلت في الفريقين معا يهود المدينة وأهل نجران. وقال الطبري٣ حدثني إسحاق بن شاهين نا خالد الواسطي عن داود هو ابن أبي هند عن عامر هو الشعبي قال: قالت اليهود: إبراهيم على ديننا. وقالت النصارى: إبراهيم على ديننا فأنزل الله ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ فبرأه الله منهما. ١٩٧- قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ﴾ [الآية ٦٨] . ١- نقل الثعلبي والواحدي٤ عن ابن عباس: إن رؤساء اليهود قالوا: يا محمد لقد علمت أنا أولى بإبراهيم منك ومن غيرك وأنه كان يهوديا وما بك إلا الحسد، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية. ٢- وأخرج عبد بن حميد٥ من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم٦: أنه لما أن خرج أصحاب رسول الله صلة الله عليه وسلم إلى النجاشي انتدب لهم عمرو بن

стр. 673

العاص وعمارة بن أبي معيط -كذا قال وإنما هو عمارة١ بن الوليد بن المغيرة٢- أرادوا عنتهم٣ والبغي عليهم، فقدموا على النجاشي فأخبروه أن هؤلاء الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة، إنما يريدون أن يخبلوا٤ عليك ملكك، ويفسدوا عليك أرضك، ويشتموا ربك، فأرسل إليهم، فذكر القصة مطولة، وفيها: إن الذي خاطبهم من المسلمين حمزة وعثمان بن مظعون فقال النجاشي لما سمع كلامهم: لا دهوره٥ -أي: لا خوف٦- على حزب إبراهيم فقال عمرو: من هم حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده، ومن اتبعه، فأنزلت ذلك اليوم يوم خصومتهم على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ﴾ الآية. قلت: وقصة عمرو بن العاص وجعفر بن أبي طالب عند النجاشي مروية من طرق متعددة: منها في "السيرة"، لابن إسحاق من طريق [محمد بن مسلم الزهري] ٧.

стр. 674

ومنها في الثعلبي مطولة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. ومنها في الطبراني من طريق [جعفر بن أبي طالب] ١. وليس في شيء منها نزول هذه الآية في هذه القصة، وقد خلط الثعلبي رواية الكلبي برواية شهر مع رواية ابن إسحاق، وساقها بطولها مساقا واحدا٢ وهو من عيوب كتابه حيث يخلط الصادق بالكاذب بالمحتمل، فيوهم أن الجميع من رواية الصادق وليس كذلك. ١٩٨- قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [الآية: ٦٩] . تقدم في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ الآية٣، حكاه الثعلبي. وقال مقاتل بن سليمان٤: نزلت في عمار بن ياسر وحذيفة، وذلك أن اليهود جادلوهما ودعوهما إلى دينهم وقالوا: إن ديننا خير من دينكم ونحن أهدى سبيلا فنزلت٥.

стр. 675

١٩٩- قوله تعالى: ﴿يَا ١ أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [الآية: ٧١] . قال محمد بن إسحاق في "السيرة"٢: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيف٣ وعدي بن زيد "٢٦٦" ولا الحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نجيء٤ نؤمن بما أنزل الله على محمد وأصحابه، غدوة ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع ويرجعون عن دينهم، فأنزل الله تعالى فيهم ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ . وقال مقاتل بن سليمان٥: قال كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف٦ لسفلة اليهود: آمنوا معهم نهارا. فذكر القصة. ٢٠٠- قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾ [الآية: ٧٢] ٧. أخرج الطبري٨ وابن أبي حاتم٩ من طريق أسباط عن السدي قال: كان أحبار

стр. 676

قرى١ عربية٢ اثني عشر حبرا، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا نشهد أن محمدا حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا به، وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم فحدثونا أنه كاذب، وليس على شيء٣ وإنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكون يقولون هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم؟ فأخبر الله رسوله بذلك. ومن طريق أبي مالك الغفاري٤ نحوه باختصار، وفي آخره فاطلع على سرهم وأنزل: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية. وأخرجه ابن أبي حاتم٥ من طريق إسرائيل عن السدي عن أبي مالك نحو الأول بتمامه. ومن طريق ابن أبي نجيح٦ عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم٧ من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: كانوا يكونون مع النبي ﷺ أول النهار يكلمونه ويمارونه٨ فإذا أمسوا وحضرت الصلاة

стр. 677

كفروا به وتركوه١. ومن طريق العوفي٢ عن ابن عباس: قال طائفة من اليهود لبعضهم إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا وإذا كان آخر النهار فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهو أعلم منا لعلهم ينقلبون عن دينهم. ٢٠١- قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الآية: ٧٣] . أخرج الطبري٣ من طريق أسباط عن السدي: قال الله تعالى لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من إكرامه٤ حتى أنزل المن والسلوى، فنزل: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ . ٢٠٢- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [الآية: ٧٥] . قال مقاتل بن سليمان٥: الفرقة الأولى: مؤمنو أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه، والفرقة الثانية: كفار اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه يقول: منهم من يؤدي الأمانة ولو كثرت، ومنهم من لا يؤدي الأمانة ولو قلت.

стр. 678

وعن جويبر بن الضحاك عن ابن عباس: الأول عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه فمدحه الله، والثاني فنحاص بن عازورا أودعه رجل من قريش دينارا فخانه فيه١. وقال الثعلبي: قال أكثر المفسرين: نزلت في اليهود وقد علم أن الناس كلهم كذلك فيهم الأمين والخائن، وإنما حذر الله المؤمنين أن يغتروا بأهل الكتاب لأنهم يستحلون مال المؤمن. قلت: وسيأتي بيان ذلك في الذي بعده قال: وفي بعض التفاسير إن الذي يؤدي الأمانة هم النصارى، وإن الذي لا يؤديها هم اليهود٢. ٢٠٣- قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ٧٥] . أخرج الطبري٣ من طريق العوفي عن ابن عباس: إن أهل الكتاب كانوا يقولون: ليس علينا جناح فيما أصبنا من أموال هؤلاء؛ لأنهم أميون.

стр. 679

أخرج سنيد١ من طريق ابن جريج قال: بايع اليهود٢ ورجال في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم ثمن بيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا؛ لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني اليهود. وهو عند مقاتل بن سليمان٣ بنحوه. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ يعنون من ليس من أهل الكتاب أخرجه الطبري٤ من طريقه هكذا مختصرا. ومن طريق سعيد بن أبي عروبة٥ عن قتادة: قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل. ومن طريق السدي٦: كان يقال له: مالك لا تؤدي أمانتك فيقول: ليس علينا حرج في أموال العرب قد أحلها الله لنا. ومن طريق القمي٧ [عن جعفر] عن سعيد بن جبير: لما نزلت: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ قال النبي ﷺ : "كذب أعداء الله كل شيء

стр. 680

موضوع إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر ١ والفاجر ". ٢٠٤- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [الآية: ٧٧] ٢. ١- قال مقاتل بن سليمان٣: يعني رؤوس اليهود. وقال الحسين بن داود المعروف بسنيد في "تفسيره"٤ حدثنا حجاج عن ابن جريج عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة﴾ الآية في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب٥ وغيرهم من رؤوس اليهود كتموا ما عهد الله إليهم في التوارة من نبوة محمد، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله، لئلا تفوتهم المآكل التي كانت لهم على اتباعهم. ٢- وبه إلى ابن جريج قال٦: وقال آخرون: إن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول الله ﷺ في أرض كانت في يده لذلك الرجل، أخذها بتعززه في الجاهلية، فقال النبي ﷺ للرجل: "أقم بينتك" فقال: ليس يشهد لي أحد على الأشعث! قال: "فلك يمينه" فقدم الأشعث يحلف، فأنزل الله هذه الآية، فنكل الأشعث وقال: إني أشهدكم الله وأشهد له إن خصمي صادق فرد إليه أرضه، وزاده من أرض

стр. 681

نفسه زيادة كثيرة مخافة أن يبقى في يده شيء من حقه فهي لعقب ذلك الرجل بعده". قلت: كذا وقع في هذه الرواية المرسلة، والحديث مخرج في "الصحيحين" و"السنن الأربعة" و"مسند أحمد"١ من طرق عن منصور والأعمش وغيرهما عن شقيق عن الأشعث منها٢ لأحمد: نا أبو معاوية٣ نا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين هو فيها فاجر، الحديث فقال الأشعث: في والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي ﷺ فقال لي: "ألك بينة"؟ قلت: لا، فقال لليهودي: "احلف"، فقلت: يا رسول الله إذا يحلف فيذهب بمالي! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية.

стр. 682

وفي رواية عاصم١ عن شقيق فجاء الأشعث، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن فحدثناه فقال: كان في والله هذا الحديث خاصمت ابن عم لي. فذكره وفيه: في بئر بدل أرض. وفيه: مالي بينه وإن تجعلها بيمينه يذهب ببئري، إن خصمي رجل فاجر قال: فقال: "من اقتطع مال امرئ مسلم"، الحديث وقرأ هذه الآية. ووقع نحو ذلك في حديث عدي بن عميرة عند النسائي٢ ولفظه٣ خاصم رجل من كندة امرأ القيس بن عابس الحضرمي في أرض، الحديث، وفيه: فقال الحضرمي: أمكنته من اليمين يا رسول الله ﷺ ذهب أرضي ورب الكعبة، فذكر الحديث، وتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ الآية وفي آخره فقال امرؤ القيس: ما لمن تركها يا رسول الله؟ قال: "الجنة": قال: فأشهدك أني قد تركتها٤". وهكذا في أكثر الطرق٥ أن النبي ﷺ تلا الآية عقب الحديث، وصرح في

стр. 683

رواية الأعمش بقوله: فأنزل الله تعالى١ وكذلك٢ ذكرها جرير عن منصور عن شقيق عند البخاري٣ وغيره، كما صرح في رواية عكرمة٤ المرسلة بذلك، وللمتن شواهد من حديث أبي داود٥ وأبي أمامة بن ثعلبة٦ وغيرهما ليس فيه سبب النزول.

стр. 684

٣- سبب آخر: أخرج البخاري١ وأحمد٢ والطبري٣ من طريق العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا٤ أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع رجلًا من المسلمين فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ٥. وله شاهد مرسل أخرجه الطبري٦ من طريق الشعبي بسند صحيح إليه أن رجلا أقام سلعة أول النهار فلما كان آخره جاء رجل يشتري فحلف لقد منعها أول النهار من كذا ولولا المساء ما باعها به فأنزل الله هذه الآية. وبه٧ إلى داود عن رجل عن مجاهد نحوه. ٤- سبب آخر: قال ابن الكلبي٨ عن أبي صالح عن ابن عباس: إن أناسا من علماء اليهود أولي فاقة كانوا ذوي حظ من علم التوراة فأصابتهم سنة فأتوا كعب بن

стр. 685

الأشرف يستميرونه، فسألهم كعب هل تعلمون أن هذا الرجل -يعني رسول الله ﷺ في كتابكم؟ قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله قال كعب: لقد قدمتم علي وأنا أريد أن أميركم وأكسوكم، فحرمكم الله خيرًا كثيرًا، قالوا: فإنه شبه لنا فرويدا حتى نلقاه، فانطلقوا فكتبوا صفة سوى صفته، ثم أتوا النبي ﷺ فكلموه ثم رجعوا إلى كعب فقالوا: قد كنا نرى أنه هو فأتيناه فإذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا وأخرجوا النعت الذي كتبوه ففرح كعب بذلك، ومارهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وسبق نظيرها في البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّار﴾ ١. ٥- وقال ابن الكلبي٢ أيضا عن أبي صالح باذان عن ابن عباس: نزلت في امرئ القيس ابن عابس استعدى عليه عيدان بن أشوع٣ في أرض ولم يكن له بينة فأمره رسول الله ﷺ أن يحلف، الحديث. ٢٠٥- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَاب﴾ [الآية ٧٨] . ١- نقل الثعلبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: نزلت في اليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل وضربوا كتاب الله بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه وأسقطوا منه الدين الحنيف. ٢- وأخرج الطبري٤ من طريق قتادة: إنهم اليهود حرفوا كتاب الله وابتدعوا

стр. 686

فيه وزعموا أنه من عند الله. ومن طريق الربيع بن أنس مثله١. ومن طريق العوفي٢ عن ابن عباس نحوه، وقال: كانوا يزيدون في كتاب الله ما لم ينزل الله. وقال مقاتل بن سليمان٣: هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف٤ وأبو ياسر وحيي ابنا أخطب٥ وسعية٦ بن عمرو يلوون ألسنتهم بالكتاب يحرفونه كتبوا غير نعت محمد وحذفوا نعته، ويقولون: هو من عند الله وما هو من عند الله. ٢٠٦- قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّه﴾ [الآية: ٧٩] . ١- أخرج الطبري٧ من طريق ابن إسحاق٨ عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو نافع٩ القرظي حين اجتمعت الأحبار

стр. 687

من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ فقال رجل من أهل نجران يقال له الرئيس١: أو ذاك تريد يا محمد وإليه تدعونا فقال: "معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني"، أو كما قال فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ . وذكره الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس نحوه فقال: "معاذ الله أن نعبد غير الله، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني" فنزلت. ٢- ومن طريق سنيد٢ ثم٣ عن ابن جريج: كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم، بتحريفهم كتاب الله عن موضعه فنزلت. ٣- قول آخر: أخرج عبد بن حميد٤ عن روح عن عوف عن الحسن: بلغني أن رجلًا قال: يا رسول الله: نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: "لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله"، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ ٥.

стр. 688

٤- قول آخر: قال مقاتل بن سليمان١: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ يعني عيسى بن مريم و ﴿الْكِتَاب﴾ الإنجيل٢. ونقل الثعلبي٣ عن الضحاك نحوه، وزاد: نزلت في نصارى نجران. ٢٠٧- قوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْر﴾ [الآية: ٨٠] . يعني بعبادة عيسى وعزير. قال مقاتل: نزلت ردًا على كردم بن قيس والأصبغ بن زيد٤. ٢٠٨- قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [الآية: ٨٣] . نقل الثعلبي٥ عن ابن عباس: اختصم أهل الكتاب٦ إلى رسول الله ﷺ فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم، كل فرقة زعمت أنه أولى بدينه، فقال النبي ﷺ : "كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم"، فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك، ولا بدينك،

стр. 689

فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ ١". ٢٠٩- قوله تعالى ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [الآية ٨٤] . قال ابن ظفر: لما تكلم اليهود بما قالوه، والنصارى بما ليس لهم، أمر الله نبيه أن يقول للمسلمين٢: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ الآية فأخبر أنهم يؤمنون بجميع الأنبياء ولا يفرقون بين أحد منهم٣. ٢١٠- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه﴾ [الآية ٨٥] . أخرج الطبري٤ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِين ٥﴾ الآية فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه﴾ ٦. وقال مقاتل٧: نزلت في طعمة بن أبيرق من الأوس ارتد عن الإسلام ولحق بكفار مكة.

стр. 690

٢١١- قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِم﴾ [الآية ٨٦] . ١- أخرج النسائي١ والطبري٢ وصححه ابن حبان٣ والحاكم٤ من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رجل٥ من الأنصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة فسألوا فقالوا: إن صاحبنا قد ندم، وإنه قد أمرنا أن نسأل هل له توبة فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ فأرسل إليه فأسلم. وفي رواية٦ فلما قرئت عليه قال: والله ما كذبني قومي على رسول الله ﷺ ولا كذب رسول الله، والله تعالى أصدق الثلاثة فرجع تائبًا فقبل منه.

стр. 691

هذا لفظ١ الطبري عن محمد بن عبد الله بن بزيع عن يزيد بن زريع عن داود. وأخرجه البزار٢ عن ابن بزيع هذا فقال في أوله: إن قوما أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون فذكره. والبزار كان يحدث من حفظه فيهم٣، والمحفوظ ما رواه ابن جرير ومن وافقه. وقال عبد بن حميد نا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة: أن رجلا ارتد عن الإسلام فذكر نحوه ولم يذكر ابن عباس. - وروى حميد الأعرج عن مجاهد قال: كان الحارث بن سويد قد أسلم وكان مع رسول الله ﷺ ثم لحق بقومه وكفر، فأنزل الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ الآية فحملها إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فقال الحارث: والله إنك ما علمت لصادق

стр. 692

وإن رسول الله لصدوق، وإن الله لأصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلامًا حسنا، أخرجه مسدد١ في "مسنده"٢، وعبد الرزاق في "مصنفه"٣. وأخرجه الطبري٤ من طريق عبد الرزاق جميعًا٥ عن جعفر بن سليمان عن حميد به٦. وذكر ابن إسحاق في "السيرة الكبرى": [إن الحارث بن سويد بن صامت كان منافقا، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى الناس غدا على مسلمين فقتلهما، ثم لحق بمكة بقريش، ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة، فأنزل الله فيه هذه الآيات، وذكر] ٧ إن المقتول هو المجذر بن ذياد وقيس بن زيد من بني ضبيعة،

стр. 693

وتعقب ابن هشام١ ذكر قيس بن زيد فإنه لم يعد في قتلى أحد٢. وأورد الطبري٣ من طريق أسباط عن السدي نحو رواية حميد الأعرج. ومن طريق ابن أبي نجيح٤ عن مجاهد قال: هو رجل من بني عمرو بن عوف، فذكره مختصرًا ولم يسمه. وذكر سنيد٥ عن حجاج عن ابن جرير عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: لحق رجل بأرض الروم فتنصر٦ ثم كتب إلى قومه: أرسلوا لي هل لي من توبة؟! الحديث. وبه إلى ابن جريج قال: قال عكرمة: في أبي عامر الراهب والحارث بن سويد بن الصامت ووحوح بن الأسلت في اثني عشر رجلا رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهليهم هل لنا من توبة فنزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ . وساق مقاتل بن سليمان٧ من أسماء الاثني عشر طعمة بن أبيرق -أوسي-

стр. 694

ومقيس بن صبابة١، ليثي، وعبد الله بن أنس بن حنظل٢، تيمي، ووحوح٣ بن الأسلت، أوسي، وأبو عامر الراهب، أوسي، والحارث بن سويد، أوسي، ثم ذكر ندم الحارث بن سويد ومكاتبته أخاه الجلاس. ٢- قول آخر أخرج الطبري٤ من طريق العوفي عن ابن عباس: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾ الآية: هم أهل الكتاب عرفوا محمدا ثم كفروا به. وبسند حسن عن الحسن٥ قال: اليهود والنصارى نحوه وزاد: عرفوه فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك فكذبوه وأنكروه. ومن طريق معمر٦ عن الحسن نحوه باختصار. ٢١٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [الآية: ٩٠] . أخرج الطبري٧ من طريق عباد بن منصور عن الحسن قال: هم اليهود والنصارى.

стр. 695

ومن طريق معمر١ عن قتادة نحوه قال٢: وقال عطاء الخراساني مثل ذلك. وذكره الثعلبي عن عطاء الخراساني بلفظ: نزلت في اليهود كفروا بعيسي ثم ازدادوا كفرا بمحمد٣. وأخرج عبد بن حميد عن روح عن الثوري عن داود عن أبي العالية، وعن روح عن سعيد عن قتادة هم اليهود، نحو الأول، قال أبو العالية: تابوا من الذنوب ولم يتوبوا من الكفر. وأخرجه الطبري٤ من طريق داود بن أبي هند عن رفيع وهو أبو العالية قال: ﴿ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ ازدادوا ذنوبا وهم كفار فلن تقبل توبتهم من تلك الذنوب ما كانوا على كفرهم وضلالتهم. - وأخرج سنيد٥ من طريق ابن جريج عن مجاهد: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ تموا على كفرهم قال ابن جريج: لن تقبل توبتهم يقول: إيمانهم أول مرة لن ينفعهم. وأخرج الطبري٦ من طريق السدي: ﴿ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ أي: ماتوا وهم كفار وعند موته لا تقبل توبته٧. وقال ابن الكلبي: نزلت في الأحد عشر رفقة الحارث بن سويد لما رجع الحارث

стр. 696

قالوا: نقيم بمكة ما بدا لنا فمتى أردنا رجعنا فنزل١ فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتحت مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته ونزلت فيمن مات منهم كافرا هذه الآية٢. ونقل مقاتل بن سليمان٣ نحوه لكن في آخره فأخرجوا من مكة٤. ٢١٣- قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ [الآية: ٩٢] . يؤخذ من قصة إسرائيل في تحريمه على نفسه أحب الطعام إليه وأحب الشراب إليه كما سيأتي في الذي بعده أنه كان في شرعهم التقرب بترك بعض المباحات تحريما فشرع الله تعالى لهذه الأمة أن يتقربوا إلى الله بالصدقة بما يحبون فيحصل التوافق في الترك لكن كان أولئك إذا حرموه اقتصروا على عدم تناوله من غير أن يقترن بذلك بذله لغيرهم فيحصل لهم٦ ثواب ذلك الإنفاق مضافًا إلى التورع عن تناول ذلك، ومن هنا يظهر أن مجرد ترك المباح لا يستقل بالاستحباب وبالله التوفيق. ٢١٤- قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاة﴾ [الآية: ٩٣] . أخرج الطبري٧ من طريق أسباط عن السدي قال: قالت اليهود: إنما نحرم ما

стр. 697

حرم إسرائيل على نفسه، وإنما حرم إسرائيل العروق١، وكان يأخذه عرق النساء، كان يأخذه بالليل ويتركه بالنهار فحلف لئن الله عافاه منه لا يأكل عرقا أبدا فحرمه الله عليه [ثم قال:] ٢ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني فإن فيها أنه ما حرم عليكم هذا غيري ببغيكم٣ على أنفسكم وأنتم تحرمونه كتحريم إسرائيل له وهو كقوله في سورة النساء: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ٤. هذا قول السدي: وقد خالفه الضحاك في بعضه، وأخرجه الطبري٥ أيضا من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، فذكر صدر الكلام في تحريم إسرائيل ثم قال: كان ذلك قبل نزول التوراة فسأل نبي الله ﷺ اليهود: "ما هذا الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ " فقالوا: نزلت التوراة بتحريم الذي حرم. فقال الله لمحمد: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاة﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فكذبوا وافتروا لم٦ أنزل٧ التوراة بذلك. ومن طريق العوفي٨ عن ابن عباس فذكر نحو الضحاك لكن قال: لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد. وليس تحريمه مكتوبًا في التوراة فسأل النبي ﷺ نفرًا من أهل الكتاب فقال: "ما شأن هذا حراما عندكم؟ " قالوا: هو حرام علينا من قبل التوراة.

стр. 698

فأكذبهم الله فقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ الآية. وأخرجه سنيد١ عن حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس. فذكر نحوه وفيه: فقال اليهود نزلت التوراة بتحريمه، كذبوا، ليس في التوراة. ثم ذكر الطبري٢ بسند صحيح إلى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ قال: كان به عرق النساء فجعل على نفسه لئن شفاه الله منه لا يأكل لحوم الإبل قال: فحرمته اليهود وتلا: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: أن هذا كان قبل التوراة. ومن هذا الوجه أيضًا٣ كان حرم العروق على نفسه ولحوم الإبل وكان أكل من لحومها فبات ليلة٤ [يرزقو] فحلف أن لا يأكله أبدًا. ونقل الثعلبي٥ عن الكلبي وأبي روق: أن النبي ﷺ لما قال: "أنا على ملة إبراهيم" قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبي ﷺ : "كان ذلك حلا لإبراهيم فنحن نحله"، فقالت اليهود: كل شيء نحرمه فإنه كان محرمًا على نوح وإبراهيم وهلم جرا٦ حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا﴾ ". ونقل أيضًا من طريق جويبر عن الضحاك: إن يعقوب كان نذر إن وهب الله

стр. 699

[له] ١ اثني عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم، فتلقاه ملك، فقال له يعقوب: هل لك في الصراع؟ فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه، وغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النساء من ذلك وقال له: أما أني لو شئت أن أصرعك لصرعتك ولكني غمزتك هذه الغمزة؛ لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولدك، وقد جعل الله لك بهذه الغمزة مخرجا، فلما قدمها يعقوب أراد ذبح ولده، ونسي قول الملك، فقال: له قد وفيت بنذرك فدعه لا تذبحه. تنبيه: تقدم في أوائل البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية٢ شيء يتعلق بقصة يعقوب في تحريمه لحوم الإبل وألبانها وأنه كان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها فنذر إن شفاه الله أن يحرمهما، وبذلك جزم مقاتل بن سليمان٣، ينبغي أن يستحضر هنا. ٢١٤أ٤- قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [الآية: ٩٦] . ذكر الثعلبي وتبعه الواحدي٥ وابن ظفر عن مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل؛ لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة، وقال المسلمون: مكة٦ أفضل فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّة﴾ الآية.

стр. 700

هكذا ذكره الثعلبي بغير إسناد، ولم أر له عن مجاهد ذكرا١، وإنما ذكره مقاتل بن سليمان٢. فقال: إن المسلمين واليهود اختصموا في أمر٣ القبلة فقال المسلمون القبلة: الكعبة، وقالت اليهود: القبلة بيت المقدس، فأنزل الله أن الكعبة أول مسجد كان في الأرض، والكعبة قبلة لأهل المسجد الحرام، والمسجد الحرام قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض. ٢١٥- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [الآية: ٩٧] . أخرج الفاكهي في "كتاب مكة" من طريق ابن جريج: عن عكرمة، ومن طريق ابن أبي نجيح سمعت عكرمة قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٤ قالت اليهود: فنحن على الإسلام، فما يبتغي منا محمد؟ فأنزل الله حجا مفروضا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ الآية فقال: النبي ﷺ : "كتب عليكم الحج". زاد ابن أبي نجيح عن عكرمة: فقال الله تعالى لنبيه: حجهم، أي: اخصمهم، فقال لهم: "حجوا" فقالوا: لم يكن علينا فأنزل الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فأبوا وقالوا: ليس علينا حج.

стр. 701

وهو عند الفريابي وعبد بن حميد والطبري١ من طريق ابن أبي نجيح٢ [عن عكرمة] ولفظه: لما نزلت [ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا﴾ ] قال الملل٣: نحن مسلمون فنزلت٤، فحج المسلمون وقعد الكفار. وقال سعيد بن منصور في "السنن"٥ نا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عكرمة فذكره إلى قوله قيل لهم: حجوا فإن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فقالوا: لم يكن علينا وأبوا أن يحجوا قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ . ومن طريق ليث بن أبي سليم١ عن مجاهد قال: آية فرقت بين المسلمين وأهل الكتاب لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: [قد أسلمنا] ٧ فنزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية فقالوا: لا نحجه أبدًا

стр. 702

[ومن طريق ليث] ١ ابن أبي سليم٢ أيضا: لما قالوا: إن إبراهيم كان على ديننا، قال لهم ﷺ : "إن إبراهيم كان يحج البيت وأنتم تعلمون ذلك". فنزل [في ذلك] قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ". [وروى] ٣ أبو حذيفة [النهدي] من "تفسير سفيان الثوري" عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن جعفر قال: قال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٤. وأخرج الطبري٥ من طريق جويبر عن الضحاك قال: لما نزلت آية الحج [جمع] ٦ رسول الله ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فآمنت به ملة واحدة وهم من صدق به وآمن، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نستقبله ولا نصلي إليه، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٧. ٢١٦- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ إلي قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الآيات: ٩٨-١٠١] .

стр. 703

قال الطبري١: ذكر أن هاتين الآيتين: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ ٢ وما بعدهما إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ ٣ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤ نزلت في رجل من اليهود حاول الإغراء٥ بين الأوس والخزرج بعد الإسلام، ليراجعوا ما كانوا عليه في الجاهلية من العداوة والبغضاء، فعنفه الله تعالى بفعله ذلك، وقبح له ما فعل، ونهى عن الافتراق وأمرهم بالاجتماع. ثم ساق٦ من طريق محمد بن إسحاق٧: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم٨ قال: مر شأس بن قيس وكان شيخا عظيم الكفر قد عسا٩ في الجاهلية، شديد الضغن على المسلمين، والحسد لهم، بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من إلفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ ابني قيلة١٠ بهذه البلاد، ولا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار فأمر فتى

стр. 704

شابا من يهود وكان معه فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان يوم بعاث١ اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس ففعل، فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان على الركب وهما أوس بن قيظي من الأوس، وجبار بن صخر٢ من الخزرج، فقال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها جذعة٣ وغضب الفريقان جميعا وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح موعدكم الظاهرة -والظاهرة الحرة-٤فخرجوا إليها وتحاوز٥ الناس فانضمت الأوس بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم في من معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: "يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى الإسلام وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا؟! " فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدوهم شأس بن قيس وما صنع. وفي [شأس بن قيس و] ٦ أوس بن قيظي وجبار بن صخر

стр. 705

[نزلت] ١ الآيات المذكورات الخبر٢ بطوله، وفي آخره٣: قال جابر٤: ما كان من طالع أكره إلينا منه٥ فأومأ إلينا بيده فكففنا وأصلح الله ما بيننا فما كان شخص أحب إلينا منه وما رأيت يوما قط أوحش٦ أولا ولا أطيب وأحسن آخرا من ذلك اليوم. ٢١٧- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الآية: ٩٩] . تقدم في نظيرتها٧ أنها نزلت في حذيفة وعمار بن ياسر حين دعوهما إلى دينهم٨. ٢١٨- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [الآية: ١٠٠، وما بعدها] . تقدم ما فيه قبل. فصل٩ وأخرج إسحاق بن راهويه في "تفسيره"١٠
следующие страницы →