وهو عند الفريابي وعبد بن حميد والطبري١ من طريق ابن أبي نجيح٢ [عن عكرمة] ولفظه: لما نزلت [ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا﴾ ] قال الملل٣: نحن مسلمون فنزلت٤، فحج المسلمون وقعد الكفار.
وقال سعيد بن منصور في "السنن"٥ نا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عكرمة فذكره إلى قوله قيل لهم: حجوا فإن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فقالوا: لم يكن علينا وأبوا أن يحجوا قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
ومن طريق ليث بن أبي سليم١ عن مجاهد قال: آية فرقت بين المسلمين وأهل الكتاب لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: [قد أسلمنا] ٧ فنزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية فقالوا: لا نحجه أبدًا
стр. 702
[ومن طريق ليث] ١ ابن أبي سليم٢ أيضا: لما قالوا: إن إبراهيم كان على ديننا، قال لهم ﷺ : "إن إبراهيم كان يحج البيت وأنتم تعلمون ذلك". فنزل [في ذلك] قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ".
[وروى] ٣ أبو حذيفة [النهدي] من "تفسير سفيان الثوري" عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن جعفر قال: قال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وأخرج الطبري٥ من طريق جويبر عن الضحاك قال: لما نزلت آية الحج [جمع] ٦ رسول الله ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فآمنت به ملة واحدة وهم من صدق به وآمن، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نستقبله ولا نصلي إليه، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٧.
٢١٦- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ إلي قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الآيات: ٩٨-١٠١] .
стр. 703
قال الطبري١: ذكر أن هاتين الآيتين: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ ٢ وما بعدهما إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ ٣ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤ نزلت في رجل من اليهود حاول الإغراء٥ بين الأوس والخزرج بعد الإسلام، ليراجعوا ما كانوا عليه في الجاهلية من العداوة والبغضاء، فعنفه الله تعالى بفعله ذلك، وقبح له ما فعل، ونهى عن الافتراق وأمرهم بالاجتماع.
ثم ساق٦ من طريق محمد بن إسحاق٧: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم٨ قال: مر شأس بن قيس وكان شيخا عظيم الكفر قد عسا٩ في الجاهلية، شديد الضغن على المسلمين، والحسد لهم، بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من إلفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ ابني قيلة١٠ بهذه البلاد، ولا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار فأمر فتى
стр. 704
شابا من يهود وكان معه فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان يوم بعاث١ اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس ففعل، فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان على الركب وهما أوس بن قيظي من الأوس، وجبار بن صخر٢ من الخزرج، فقال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها جذعة٣ وغضب الفريقان جميعا وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح موعدكم الظاهرة -والظاهرة الحرة-٤فخرجوا إليها وتحاوز٥ الناس فانضمت الأوس بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم في من معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: "يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى الإسلام وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا؟! " فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدوهم شأس بن قيس وما صنع. وفي [شأس بن قيس و] ٦ أوس بن قيظي وجبار بن صخر
стр. 705
[نزلت] ١ الآيات المذكورات الخبر٢ بطوله، وفي آخره٣: قال جابر٤: ما كان من طالع أكره إلينا منه٥ فأومأ إلينا بيده فكففنا وأصلح الله ما بيننا فما كان شخص أحب إلينا منه وما رأيت يوما قط أوحش٦ أولا ولا أطيب وأحسن آخرا من ذلك اليوم.
٢١٧- قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الآية: ٩٩] .
تقدم في نظيرتها٧ أنها نزلت في حذيفة وعمار بن ياسر حين دعوهما إلى دينهم٨.
٢١٨- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [الآية: ١٠٠، وما بعدها] .
تقدم ما فيه قبل. فصل٩ وأخرج إسحاق بن راهويه في "تفسيره"١٠
стр. 706
عن مؤمل [بن إسماعيل] ١ وعبد بن حميد عن سليمان بن حرب٢ وابن أبي حاتم٣ عن أبيه عن "عارم" محمد بن الفضل٤ ثلاثتهم عن حماد بن زيد٥ عن أيوب عن عكرمة قال: كان بين هذين الحيين الأوس والخزرج قتال في الجاهلية فلما جاء الإسلام اصطلحوا، وألف الله بين قلوبهم فجلس يهودي مجلسا فيه نفر من الأوس والخزرج فأنشد شعرا قاله أحد الحيين في حربهم، فكأنهم دخلهم من ذلك، فقال الآخرون: قد قال شاعرنا يوم كذا: كذا وكذا، فقالوا: تعالوا نرد الحرب جذعة كما كانت فنادى هؤلاء يا للأوس، ونادى هؤلاء يا للخزرج، فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا٦ للقتال فنزلت ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ٧ الآية فجاء النبي ﷺ حتى قام بين الصفين فرفع صوته يقرؤها، فلما سمعوا صوته أنصتوا وجعلوا يستمعون له، فلما فرغ ألقوا السلاح، وعانق بعضهم بعضا وجثوا يبكون.
طريق آخر قال: عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن حميد الأعرج عن
стр. 707
مجاهد قال: كان بين الأوس والخزرج حرب وشنآن ودماء، حتى من الله عليهم بالإسلام وبالنبي ﷺ ، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم، وألف بين قلوبهم فبينا رجل من الأوس، ورجل من الخزرج، يتحدثان ومعهما يهودي جالس، فذكرهما أيامهما حتى استبا ثم انفتلا١ فنادى هذا قومه وهذا قومه فخرجوا بالسلاح، وصفوا للقتال ورسول الله ﷺ [شاهد] ٢ بالمدينة يومئذ فجاء فلم يزل يمشي بينهم ليسكتهم٣ حتى رجعوا ووضعوا السلاح، وأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأخرجه الطبري٤ من طريقه.
طريق آخر: الأشجعي٥ في "تفسير" سفيان الثوري عن سفيان٦.
وأخرجه الطبري٧ وابن أبي حاتم٨ من طريق قيس بن الربيع كلاهما عن الأغر عن خليفة بن حصين عن أبي نصر عن ابن عباس قال: كان الأوس والخزرج يتحدثون فغضبوا حتى كان بينهم حرب فأخذوا السلاح ومشى بعضهم إلى بعض فنزلت ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ .
وفي رواية قيس بن الربيع: ٩شر في الجاهلية، فذكروا ما بينهم فثار بعضهم إلى
стр. 708
بعض بالسيوف، فأتى رسول الله ﷺ فذهب إليهم فنزلت.
وأخرجه الفريابي عن قيس بن الربيع أيضا١.
سياق آخر أخرج الطبري٢ من طريق أسباط عن السدي قال: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية: نزلت في ثعلبة بن عنمة الأنصاري كان بينه وبين أناس من الأنصار كلام فمشى بينهم يهودي من بني قينقاع فحمل بعضهم على بعض حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاح فيتقاتلوا، فأنزل الله هذه الآية:
سياق٣ آخر ذكر الثعلبي عن عطاء أن رسول الله ﷺ صعد المنبر فقال: "يا معشر المسلمين مالي أوذى في أهلي"؟ يعني عائشة في قصة الإفك فذكر الحديث ومراجعة السعدين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فثار الحيان حتى هموا أن يقتتلوا، فلم يزل رسول الله ﷺ حتى سكنهم٤ فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٥ إلى قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ٦.
стр. 709
وأخرج ابن أبي حاتم١ من طريق ابن جريج قال: نزل قوله ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُم﴾ ٢ فيما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة.
وأخرجها الطبري من هذا الوجه أتم منه٣.
وأخرج الطبري٤ من طريق أسباط عن السدي: قال نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه﴾ الآية بعد الآيات المذكورة قال: فتقدم٥ إلى المؤمنين من
стр. 710
الأنصاري فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وما بعدها١.
٢١٩- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [الآية: ١٠٣] ٢.
قال عبد الرزاق٣ عن معمر عن أيوب عن عكرمة: لقي رسول الله ﷺ نفر من الأنصار فآمنوا به، وصدقوه، وأراد أن يذهب معهم، فقالوا: يا رسول الله إن بين قومنا حربا وإنا نخاف إن جئت على هذه الحال أن لا يتهيأ لك الذي تريد، فواعدوه العام المقبل، وقالوا: نذهب يا رسول الله لعل الله يصلح تلك الحرب، ففعل٤ فأصلح الله تلك الحرب وكانوا يرون أنها لا تصلح أبدا، يعني بعد يوم بعاث٥، فلقي رسول الله ﷺ منهم [سبعين] ٦ رجلًا فذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ قال٧ فهداهم الله إلى الإسلام من الضلال ووسع عليهم في الرزق ومكن لهم في البلاد.
وقال الثعلبي: يشير بذلك إلى قصة إسلام الأوس والخزرج ومبايعتهم
стр. 711
النبي ﷺ بالعقبة، ثم ساقها بطولها من السيرة النبوية.
وقد ذكر قبله الطبري١ وأخرج القصة من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق٢ حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه، فذكرها، وفي أولها: إن إبتداء ذلك أن سويد بن الصامت أحد٣ بني عمرو بن عوف من الأوس قدم مكة حاجا أو معتمرا فتصدى لرسول الله ﷺ فسمع منه٤ فدعاه إلى الإسلام فقال: لعل الذي معك مثل الذي معي؟ فقال: "وما الذي معك"؟ قال: حكمة لقمان فعرضها عليه فقال: "إن هذا لكلام حسن ولكن معي أفضل من هذا: قرآن أنزله الله علي نورا وهدى" وتلا عليه فقال: إن هذا القول [حسن] ٥ ولم يبعد من الإسلام، فانصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بعاث٦ وكان قومه يقولون: إنه أسلم ثم قدم٧ أبو الحيسر أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل من الأوس أيضا فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على الخزرج، فأتاهم النبي ﷺ فجلس إليهم، وقال لهم: "هل لكم إلى خير مما جئتم فيه؟ " فذكر لهم أن الله أرسله وأنزل عليه الكتاب، ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن فقال: إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: أي: قوم هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر كفا من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا عنك فلعمري لقد جئنا لغير هذا
стр. 712
فسكت عنه، وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث فحج١ نفر من الأوس والخزرج فلقيهم رسول الله ﷺ كعادته في الموسم يعرض نفسه على القبائل، فلقي ستة نفر منهم أسعد بن زرارة فجلس معهم وكلمهم ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن، وكان مما صنع الله أنهم كانوا أصحاب أوثان ومعهم ببلادهم طوائف من اليهود أهل كتاب وعلم فإذا كان بينهم منازعة قالوا لهم: إن نبيا يبعث قد أظل زمانه فإذا بعث تبعناه ونقتلكم معه قتل عاد. فلما كلمهم النبي ﷺ قالوا: وهذا والله النبي ﷺ الذي توعدنا به يهود، فاستبقوهم إليه ففعلوا، فسمعوا منه القرآن، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا وأذعنوا وأراد أن يتوجه معهم إلى بلادهم٢ وقالوا له: إنا تركنا وراءنا قوما لا قوم بينهم من العداوة والبغضاء والشر ما بينهم، فعسى الله أن يجمعهم بك وسندعوهم إليك، فإن أجابوا فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا مسلمين فدعوا قومهم إلى الإسلام فلم يبق دار٣ من دور الأوس والخزرج إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم اثنا عشر رجلا فيهم عبادة بن الصامت وغيره من الخزرج وعويم بن ساعدة وغيره٤ من الأوس، وفيهم من الستة الأول أسعد بن زرارة
стр. 713
وغيره١، فاجتمعوا بالنبي ﷺ بالعقبة فبايعوه وهذه هي العقبة الأولى ثم رجعوا ففشا الإسلام في المدينة.
ثم٢ وافى الموسم أهل العقبة الثانية ليدعوا من استطاعوا من عشائرهم إلى الإسلام فدعوهم وهم اثنان وسبعون رجلا فبايعوه وأرسل معهم مصعب بن عمير٣ يفقههم فنزل على أسعد بن زرارة ثم دخل في الإسلام أكابر الأوس ثم الخزرج٤ وأذن الله لنبيه في الهجرة فهاجر المسلمون أولا فأولا إلى أن هاجر النبي ﷺ في شهر ربيع الأول فجمع الله على دينه الأوس والخزرج وأزال الشر الذي بينهم وارتفعت الحرب والشر والبغضاء عنهم، و٥صاروا إخوانا متآلفين بعد الفرقة فوقعت الإشارة في الآية إلى ذلك.
وأخرج عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة٦ في هذه الآية ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ الآية قال: كان هذا شأن العرب أبين الناس ضلالة وأشقاه عيشا وأعراه جلدا، وأجوعه بطنا فزال ذلك عنهم كله بالإسلام.
٢٢٠- قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ﴾ [الآية: ١٠٥] ٧.
стр. 714
قال الثعلبي: قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأمة.
قلت: أخرج الطبري الأول عن الربيع بن أنس والحسن والبصري وغيرهما١. وأخرج الثاني عن السدي بمعناه٢.
ومن طريق أبي غالب٣ عن أبي أمامة قال: هم الخوارج.
٢٢١- قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٤ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [الآية: ١٠٦] .
قال يونس بن أبي مسلم سألت عكرمة عنها فقال: لو فسرتها لم أخرج من تفسيرها ثلاثة أيام، ولكن سأجمل لك: هؤلاء قوم أهل من الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم وبمحمد قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به ذكروا الثعلبي.
وأخرجه الفريابي عن قيس بن الربيع عن يونس عن أبي سلمة قال: قدم علينا عكرمة فأمرني رجل أن أسأله عن هذه الآية فقال: لو فسرتها لم أتفرغ من تفسيرها ثلاثة أيام ولكني سأجمل لك: هؤلاء قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم مصدقين لهم٥ وبمحمد فلما بعث كفروا به فذلك قوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ .
стр. 715
قال أبو سلمة: فأخبرت الذي أرسلني بذلك فقال: صدق١.
٢٢٢- قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [الآية ١١٠] .
قال الثعلبي٢: قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعونا إليه ونحن خير وأفضل منكم فأنزل الله هذه الآية.
قلت: أما عكرمة فأخرجه سنيد في "تفسيره"٣ عن حجاج عن ابن جريج قال: قال عكرمة: نزلت، فذكره ولم يذكر: وذلك أن مالك بن الصيف إلى آخره.
أما مقاتل فإن لفظه٤ بعد أن ذكر الآية: وذلك أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا قالا لعبد الله بن مسعود إلى آخره فعلى هذا فنسبة الكلام إلى عكرمة ومقاتل المراد بها التوزيع فإن كلا منهما ذكر النصف، وهو خلاف ما يتبادر والله المستعان٥.
وأخرج أحمد٦ والترمذي وحسنه٧ وابن ماجه٨ وصححه الحاكم٩
стр. 716
والطبري١ كلهم من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمع النبي ﷺ يقول في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ٢ ".
وأخرج الطبري٣ من طريق قتادة قال: بلغنا أن عمر حج فرأى من الناس رعة٤ [سيئة] ٥، وقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: قال من سره أن يكون منهم فليؤد شرط الله فيها.
٢٢٣- قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الآية: ١١١] .
قال مقاتل بن سليمان٦: عمد رؤساء اليهود كعب -يعني ابن الأشرف٧ وعدي٨ وبحري والنعمان وأبو رافع٩ وأبو ياسر وكنانة١٠ وابن صوريا- إلى عبد الله بن سلام ومن أسلم من اليهود فآذوهم بالقول، لكونهم أسلموا، فأنزل الله هذه الآية.
стр. 717
والمراد بالأذى: الطعن باللسان أو الدعاء إلى الضلال فإن المسلم يتأذى بسماع ذلك، وأما لو اتفق بينهم قتال فإنهم يخذلون.
٢٢٤- قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءَ﴾ [الآية: ١١٣] .
قال الثعلبي١ عن ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية٢ وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود قالت اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا وقالوا لابن سلام وأصحابه: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم وقد عاهدتم الله أن لا تتركوا دينكم، فنزلت.
قلت: أما مقاتل فهو موجود في "تفسيره"٣.
وأما ابن عباس فأخرجه الطبري٤ من طريق العوفي عنه بنحوه.
وأخرج الطبري أيضًا٥ من طريق محمد بن إسحاق٦ عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة وأسيد ابنا سعية٧ وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود، قال أهل الكفر من
стр. 718
أحبارهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله ﴿لَيْسُوا سَوَاءَ﴾ الآية.
ونقل الثعلبي عن عطاء قال: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران من العرب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم، كانوا على دين عيسى، فلما بعث محمد صدقوا به: وكان في الأنصار منهم عدة قبل الهجرة، منهم أسعد بن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن مسلمة، وصرمة بن قيس، كانوا موحدين ويغتسلون من الجنابة ويقومون بما عرفوا من الحنيفية.
وأخرج سنيد١ عن حجاج عن ابن جريج قال: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ هم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية ومبشر وأسد وأسيد ابنا كعب.
٢٢٥- قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَة﴾ [الآية: ١١٣] .
١- قال ابن جرير٢: مقتضى كلام ابن عباس وقتادة وابن جريج إن الكلام فيما يتعلق بأهل الكتاب تم عند قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ وإن قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ خبر مبتدأ عن مدح من آمن منهم بمحمد ﷺ .
٢- وأخرج أحمد٣ والنسائي٤ وصححه ابن خزيمة٥ من طريق عاصم٦ عن
стр. 719
زر١ بن حبيش عن ابن مسعود قال: أخر النبي ﷺ ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: "أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم". قال: ونزلت هذه الآيات٢ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمُتَّقِينَ﴾ .
وأخرجه الفريابي عن قيس بن الربيع عن عاصم وقال فيه: لا أعلم أحدا من أهل الأديان. إلى آخره.
وأخرجه ابن جرير٣ من طريق ابن وهب عن يحيى٤ بن أيوب عن عبيد الله بن زحر٥ عن سليمان عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: احتبس عنا رسول الله
стр. 720
ذات ليلة عند بعض أهله ونسائه فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ثلث الليل، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع فبشرنا فقال: إنه لا يصلي أحد هذه الصلاة من أهل الكتاب فأنزلت ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ إلى قوله ﴿يَسْجُدُونَ﴾ ١.
سياق آخر: أخرج الطبري٢ من طريق منصور بن المعتمر٣: بلغني أنها نزلت في قوم يصلون فيما بين المغرب والعشاء. رجاله ثقات وهو مقطوع أو موقوف.
٢٢٦- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الآيتان: ١١٦-١١٧] .
قال مقاتل بن سليمان٤: وهي نفقة سفلة اليهود على علمائهم ورؤسائهم كعب بن الأشرف وأصحابه.
стр. 721
وقال ابن ظفر: لما تضمن قوله تعالى فيما قبله وصف المؤمنين، ذكر بعدها ما اعتمده الكفار وأهل الكتاب من إنفاق أموالهم في الصد عن سبيل الله وإن ذلك لا يغني عنهم شيئا.
وعن مجاهد: المراد نفقات الكفار وصدقاتهم، أخرجه الطبري١.
وعن يمان بن المغيرة: نفقة أبي سفيان وأصحابه ببدر وأحد على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم٢.
٢٢٧- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [الآية: ١١٨] .
قال محمد بن إسحاق٣: عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: نزلت في قوم مؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواصلون رجالًا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاعة، فنزلت هذه الآية،
стр. 722
فنهوا عن مباطنتهم خوف الفتنة١ عليهم.
وأخرج عبد بن حميد٢ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت في المنافقين من أهل المدينة، ينهى المؤمنين أن يتولوهم.
وأخرج الطبري٣ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت هذه الآيات في المنافقين.
وأخرج سنيد٤ عن حجاج عن ابن جريج قال: كانوا إذا رأوا من المؤمنين جماعة وائتلافا ساءهم ذلك، وإذا رأوا منهم افتراقا واختلافا فرحوا. وقال مقاتل بن سليمان٥: دعا اليهود منهم أصبغ ورافع ابنا حرملة وهما من رؤوسهم عبد الله بن أبي ومالك بن دخشم٦ إلى اليهودية وزينا لهم ترك الإسلام، حتى أرادوا أن يظهروا الكفر فأنزل الله تعالى هذه الآية يحذر من اتباع اليهود، ويبين عداوتهم لهم.
٢٢٨- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [الآية: ١٢١] .
قال يحيى بن عبد الحميد الحماني٧ في "مسنده": نا عبد الله بن جعفر
стр. 723
المخرمي عن ابن عون عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أي خال أخبرني عن قصتكم يوم أحد قال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ ١.
أخرجه ابن أبي حاتم٢ والواحدي٣ من طريقه وليس في هذا سبب نزول، وإنما كتبته تبعا له٤.
٢٢٩- قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [الآية: ١٢٢] .
أخرج البخاري٥ ومسلم٦ وغيرهما٧ من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو
стр. 724
ابن دينار سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة١، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ .
وأخرج عبد بن حميد٢ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال: هم بنو حارثة، وكانوا من٣ نحو أحد، وبنو سلمة، وكانوا من٣ نحو سلع، وذلك يوم الخندق، كذا قال.
ومن طريق قتادة: كان ذلك يوم أحد٤.
وقال الطبري٥: اختلف في [يوم] التبوئة الذي عني بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ .
ثم أسند٦ من طريق العوفي عن ابن عباس قال: كان ذلك يوم أحد.
ومن طريق ابن أبي نجيح٧ عن مجاهد قال: مشى النبي ﷺ ذلك اليوم على رجليه٨.
стр. 725
ومن طريق قتادة١ ومن طريق الربيع بن أنس٢: غدا النبي ﷺ من أهله إلى أحد. ومن طريق أسباط عن السدي نحوه٣.
ومن طريق عباد بن راشد٤ عن الحسن البصري: كان ذلك يوم الأحزاب، ويوافقه قول مجاهد الآتي بعد.
وبذلك جزم مقاتل بن سليمان فقال٥:
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: على راحتلك يوم الأحزاب توطن٦ للمؤمنين مقاعد في الخندق قبل أن يسبق إليه الكفار ثم قال: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ قال: هما حيان من الأنصار من بني حارثة ومنهم أوس بن قيظي وأبو عمير٧ بن أوس و٨ ابن يامين، ومن بني سلمة بن جشم هما بترك المركز من الخندق.
كذا قال! ورجح الطبري الأول، فإنه لا خلاف بين أهل المغازي أن الطائفتين اللتين همتا٩ أن تفشلا كان ذلك يوم أحد١٠.
стр. 726
وقال ابن إسحاق في "المغازي"١: حدثني محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين٢ بن عبد الرحمن بن عمرو وغيرهم من علمائنا أن رسول الله ﷺ راح حين صلى الجمعة إلى أحد وقد لبس لأمته٣، وكان المشركون نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فأقاموا به إلى أن خرج النبي ﷺ فوصل إلى الشعب يوم السبت النصف من شوال، وكان استشار أصحابه في الخروج إليهم فقال أكثر الأنصار: اقعد يا رسول الله ﷺ فإن دخلوا علينا قاتلناهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وقال من كان غاب عن بدر وهو يرغب في الشهادة: اخرج بنا إليهم. فخرجوا فندموا وسألوا أن يقيم، فقال: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل".
وأخرج الطبري٤ من طريق أسباط عن السدي نحو ذلك، وعندهما٥: إن الذين خرجوا معه كانوا ألفا فرجع عبد الله بن أبي بن سلول بثلاثمائة٦ فناداهم عبد الله بن عمرو بن حرام ليرجعوا وناشدهم فأبوا وقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وقالوا: لترجعن معنا، وكان كل من عبد الله بن أبي، وعبد الله بن عمرو من الخزرج، فهمت بنو سلمة وهم من الخزرج، وبنو حارثة وهم من الأوس أن يرجعوا أيضا، ثم قوى الله
стр. 727
عزمهم فمضوا إلى أحد.
٢٣٠- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [الآية: ١٢٣] .
أخرج الطبري١ وابن أبي حاتم٢ من طريق داود بن أبي هند عن عامر وهو الشعبي قال: حدث المسلمون يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي٣ يمد المشركين، فشق ذلك على المسلمين فقيل لهم ﴿أَلَنْ ٤ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ الآيات: قال: فبلغت كرزا الهزيمة فرجع فلم يمدوا بالخمسة٥ ولا بالثلاثة٦.
ومن طريق عبيد الله بن موسى٧ عن أبي إدام٨ سليمان عن عبد الله بن أبي أوفى قال: حاصرنا قريظة٩ ما شاء الله فلم تفتح لنا فرجعنا فدعا رسول الله ﷺ بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضعها الملائكة! فلف رسول الله ﷺ رأسه ثم نادى فينا فقمنا كالين حتى أتينا قريظة فيومئذ أمدنا الله بثلاثة آلاف من الملائكة، وفتح الله لنا: [فَتْحًا] ١٠ يسيرا فانقلبنا بنعمة من الله
стр. 728
وفضل١.
وأخرج سنيد٢ عن حجاج عن ابن جريج عن عكرمة قال: لم يصبروا يوم أحد، فلم يمدوا بالملائكة ولو مدوا بالملائكة لما انهزموا.
قال٣ وحدثنا ابن بشار نا عبد الرحمن هو ابن مهدي انا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمعت عكرمة يقول: لم يمدوا بملك واحد.
ومن طريق عبيد بن سليمان٤ عن الضحاك قال: وعد رسول الله ﷺ يوم أحد إن المؤمنون صبروا أمددتهم بخمسة آلاف من الملائكة ففروا فلم يمدوا.
ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم٥: شرط عليهم إن صبروا أن يمدهم فلم يصبروا.
ورجح الطبري هذه المقالة، ثم قال٦:
إن في القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف بخلاف أحد فإن الظاهر أنهم وعدوا بالمدد بشرط فلما تخلف الشرط لم يوجد المدد.
٢٣١- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [الآية: ١٢٨] .
١- الجمهور على أنها نزلت في الدعاء على المشركين.
стр. 729
أخرج البخاري١ والنسائي٢ من طريق معمر عن الزهري حدثني سالم -هو ابن عبد الله- ابن عمر عن أبيه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد"، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
زاد البخاري٣: وعن حنظلة بن أبي سفيان عن [سالم] ٤ بن عبد الله: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام. فنزلت.
هكذا ذكره مرسلاً٥ ووصله أحمد٦ من طريق عمر بن حمزة عن عمه٧ سالم عن أبيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم العن صفوان بن أمية"، فنزلت، قال: فتيب عليهم كلهم.
ومن طريق محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر نحوه، وقال: فهداهم الله
стр. 730
للإسلام١.
وفي رواية: كان يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم حتى نزلت٢.
سياق آخر: قال أحمد٣: حدثنا هشيم نا حميد عن أنس: أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في جبهته٤ حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ " فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
وأخرجه الفريابي عن أبي بكر بن عياش٥ عن حميد عن أنس: لما كان يوم أحد، فذكره، وفيه: فقال وهو يمسح الدم عن وجهه: كيف، فذكره.
وأخرج مسلم٦ من رواية حماد عن ثابت عن أنس نحوه.
وأخرج الطبري٧ من طريق مطر الوراق عن قتادة قال: كسرت رباعيته
стр. 731
وفرق١حاجبه، وعليه درعان والدم يسيل فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح الدم فأفاق وهو يقول: "كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم؟ " فنزلت".
وأخرج عبد بن حميد عن روح عن عوف عن الحسن: بلغني أن رسول الله ﷺ لما انكشف عنه أصحابه يوم أحد وكسرت رباعيته وجرح وجهه قال وهو يصعد على أحد: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم ٢ ".
وأخرج الطبري٣ من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ يوم أحد، وقد شج في وجهه وكسرت رباعيته فهم أن يدعو عليهم وقال: كيف يفلح إلى آخره وهم أن يدعو عليهم فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فكف عن الدعاء عليهم.
ونقل الثعلبي نحوه عن ابن الكلبي، وزاد: لعلمه أن كثيرا منهم سيؤمن.
قلت: هذا مردود لما ثبت في الصحيح أنه دعا عليهم.
وقد أخرج الطبري٤ من طريق مقسم: أن النبي ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسرت رباعيته: "اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا. فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا".
وأخرج سنيد٥ عن حجاج عن ابن جريج قال عكرمة: أدمى عبد الله بن قمئة
стр. 732
وجه رسول الله ﷺ فدعى عليه فكان حتفه أن سلط الله عليه تيسا فنطحه فقتله.
ويمكن الجمع بأن المنفي الدعاء على الجميع بهلاك يعمهم١. والثابت دعاء على قوم منهم بغير الهلاك وذلك بين في الذي بعده.
سياق آخر: أخرج الشيخان٢ من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: لما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة الثانية قال: "اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة ابن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة. اللهم اشدد وطأتك على مضر". الحديث.
وفي رواية يونس بن يزيد٣ عن الزهري عن سعد وأبي سلمة عن أبي هريرة: وكان يقول حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه ويقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد: اللهم انج الوليد.."، فذكره، وزاد: " اللهم العن فلانا وفلانا" ٤ لأحياء من العرب. وفي لفظ: "اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله" قال: ثم بلغنا٥ أنه ترك ذلك لما نزل الله عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.
قلت: وفي هذا نظر٦ لأن ظاهر الآثار الماضية أن الآية نزلت أيام أحد وقصة بئر
стр. 733
معونة متراخية عن ذلك بمدة، لكن يمكن الجمع بأن نزولها تأخر حتى وقعت بئر معونة فكان يجمع في الدعاء بين من شج وجهه بأحد ومن قتل أصحاب بئر معونة، فنزلت الآية في الفريقين جميعا فترك الدعاء على الجميع، وبقي بعد ذلك الدعاء للمستضعفين، إلى أن خلصوا وهاجروا، وهذه أولى من دعوى النزول مرتين١.
٢- وقد جزم مقاتل بن سليمان٢ بأن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إنما نزلت في القراء أصحاب بئر معونة ولفظه: "نزلت هذه الآية في أهل بئر معونة"٣ وكانت في صفر سنة أربع بعثهم رسول الله ﷺ ليعلموا الناس فقتلوا، وهذا سبب آخر.
وقال الزبير بن بكار٤ في ترجمة بني نوفل بن عبد مناف من كتاب "النسب"٥ ومطعم وأم طعيمة بن عدي بن نوفل فاختة بنت عباس بن عامر من بني
стр. 734
رعل بن عوف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم، وكان بنو رعل وأخوتهم بنو ذكوان أنجدوا عامر بن الطفيل على أصحاب رسول الله ﷺ الذين قتلوا ببئر معونة من أجل قتل طعيمة يوم بدر.
قال الزبير: ولقتل أصحاب بئر معونة دعا رسول الله أربعين ليلة على رعل وذكوان وعصية حتى نزلت عليه ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فأمسك عنهم.
٣- سبب آخر نقل الثعلبي عن عبد الله بن مسعود: أراد رسول الله ﷺ أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد فنهاه الله عن ذلك وتاب عليهم وأنزل هذه الآية١.
٤- سبب آخر: ذكر ابن إسحاق وغير واحد: إن المسلمين لما رأوا ما صنع المشركون بمن قتل من المسلمين من جدع أنوفهم وغير ذلك حزنوا وقالوا: لئن أدالنا الله عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها واحد من العرب بأحد فأنزل الله هذه الآية٢.
وحكاه الثعلبي أيضا عن الشعبي وغيره.
٥- سبب آخر: ذكر الثعلبي عن عطاء٣ قال: أقام رسول الله ﷺ بعد أحد أربعين يوما يدعو على أربعة من ملوك كندة: حمد ومشرح ونحى٤ والمعمودة -وهي أختهم- وعلى بطن من هذيل، يقال لها: لحيان، وعلى بطون من سليم هم رعل وذكوان وعصية والقارة، فأجاب الله دعاءه وقحطوا فلما انقضت الأربعون، نزلت هذه
стр. 735
الآية١.
٢٣٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [الآية: ١٣٠] .
أخرج أبو داود٢ من طريق حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن عمرو بن أقيش٣ كان له ربا في الجاهلية فكره أن يسلم حتى يأخذه فجاء يوم أحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد. قال: فأين فلان؟ قالوا بأحد قال: فلبس لأمته وركب فرسه وتوجه قبلهم فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو، قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح فحمل إلى أهله جريحا، فجاء سعد بن معاذ فقال لأخته: سليه٤ حمية لقومك وغضبا لهم أو٥ غضبا لله فقال: بل غضبا لله ورسوله قال: فمات، فدخل الجنة وما صلى لله صلاة.
قلت: ما زلت أبحث عن مناسبة ذكر آية الربا في وسط ذكر قصة أحد حتى وقفت على هذا الحديث، فكأنها نزلت فيه فترك الربا وخرج إلى الجهاد فاستشهد، أو أن ورثته طالبوا بما كان له من الربا فنهوا عنه بالآية المذكورة٦.
стр. 736
٢٣٣- قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الآية: ١٣٣] ١.
قال إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد في "تفسيريهما"٢: أنا روح بن عبادة نا محمد بن عبد الملك بن جريج عن أبيه عن عطاء: إن المسلمين قالوا للنبي ﷺ : بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا كانوا إذا أذنب أحدهم٣ أصبحت كفارة ذنبه٤ في عتبة بابه مكتوبة: أجدع أذنك، افعل كذا! فسكت النبي ﷺ ، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم﴾ الآية. فقال النبي ﷺ : "ألا أدلكم ألا أخبركم بخير من ذلكم"؟ فقرأ هذه الآيات".
وهذا سند قوي إلى عطاء٥.
وقد ذكره٦ الثعلبي عن عطاء بغير إسناد ولكن قال: فسكت النبي ﷺ ونزلت: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة﴾ أي: سابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة.
стр. 737
وجدته في "تفسير سنيد"١ عن حجاج عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح فذكره إلى قوله: [فنزلت: ﴿وَسَارِعُوا] ٢ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم﴾ فقال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بخير من ذلك؟ " فقرأ هؤلاء الآيات".
وأخرج سنيد أيضا٣ عن عمر بن [أبي] ٤ خليفة عن علي بن زيد بن جدعان قال: قال ابن مسعود: كانت بنو إسرائيل إذا أذنبوا أصبح مكتوبا على بابه٥ الذنب وكفارته، فأعطينا خيرا من ذلك هذه الآية.
٢٣٤- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [الآية: ١٣٥] .
١- نقل الثعلبي عن عطاء٦ قال: نزلت هذه الآية في نبهان التمار، وكنيته أبو مقبل، أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟
قالت: نعم فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك فأتى النبي ﷺ ، وذكر له ذلك، فنزلت هذه الآية.
قلت: وهو من رواية موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو كذاب٧.
стр. 738
والمشهور في هذه القصة نزول ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وسيأتي في تفسير هود١.
٢- وذكره٢ مقاتل بن سليمان فقال٣: خرج رجل غازيا٤ وخلف في أهله رجلا، فتعرض له الشيطان فهوي المرأة فكان منه ما ندم عليه فأتى أبا بكر فذكر ذلك له فقال: أما علمت أن الله يغار للغازي! فأتى عمر فذكر له، فقال له مثل ذلك، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية، فقال له النبي ﷺ : "إنك ظلمت نفسك فاستغفر الله" ففعل.
ثم قال: وقيل٥ نزلت في عمر بن٦ قيس ويكنى أبا مقبل قصة تأتي في سورة هود.
٣- سبب آخر عن الثعلبي قال: آخى رسول الله ﷺ بين رجلين أحدهما من الأنصار، والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على نفسه، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها، فدخلت
стр. 739
المرأة بيتا، فتبعها فاتقته بيدها، فقبل يدها، ثم ندم وانصرف فقال له١: والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري، ووضع التراب على رأسه، وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري، فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله، ووصفت له الحال والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا فطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا فقال له الأنصاري: هلكت! قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة فقال له أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم؟ ثم لقيا عمر فقال مثل ذلك، فأتيا النبي ﷺ فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية.
وذكره الكلبي٢ عن أبي صالح عن ابن عباس أن رجلين أنصاريا وثقفيا آخى بينهما رسول الله ﷺ ، فكانا لا يفترقان، فخرج النبي ﷺ في بعض مغازيه، وخرج معه الثقفي، وخلف الأنصاري في أهله وحاجته، فكان يتعاهد أهل الثقفي، فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه، فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليقبلها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم، واستحيا فأدبر راجعا فقالت: سبحان الله خنت أمانتك، وعصيت ربك، ولم تصب حاجتك! فندم على صنيعه فخرج يسيح في الجبال ويتقرب إلى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي، فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوفقه٣ ساجدا وهو يقول: رب ذنبي قد خنت أخي. فقال له يا فلان قم فانطلق إلى رسول الله ﷺ فسله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجا وتوبة فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة فكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل بتوبته، فتلا على رسول الله ﷺ
стр. 740
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة﴾ إلى قوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين﴾ فقال عمر: يا رسول الله ﷺ أخاص هذا به١ أم للناس عامة؟ قال: "بل للناس عامة في التوبة".
٢٣٥- قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [الآية: ١٣٩] .
أخرج الطبري٢ من طريق ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد القتل والجراح حتى خلص إلى كل امرىء منهم اليأس، فأنزل الله تعالى القرآن فآسى فيه المؤمنين٣ بأحسن ما أسى به قوما من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية فقال ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٤.
٢٣٦- قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [الآية: ١٣٩] .
أخرج سنيد٥ عن حجاج بن محمد عن ابن جريج في قوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ قال: انهزم الصحابة في الشعب، فنعى بعضهم بعضا وتحدثوا أن النبي صلى الله عليه وسلم٦ [قد قتل] فكانوا في هم وحزن، فبينا هم كذلك إذ علا خالد بن الوليد الجبل بخيل المشركين فوقهم وهو أسفل [في الشعب. فلما رأوا النبي ﷺ فرحوا، وقال: النبي ﷺ : "اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر] " ٧.