٢٣٣- قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الآية: ١٣٣] ١.
قال إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد في "تفسيريهما"٢: أنا روح بن عبادة نا محمد بن عبد الملك بن جريج عن أبيه عن عطاء: إن المسلمين قالوا للنبي ﷺ : بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا كانوا إذا أذنب أحدهم٣ أصبحت كفارة ذنبه٤ في عتبة بابه مكتوبة: أجدع أذنك، افعل كذا! فسكت النبي ﷺ ، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم﴾ الآية. فقال النبي ﷺ : "ألا أدلكم ألا أخبركم بخير من ذلكم"؟ فقرأ هذه الآيات".
وهذا سند قوي إلى عطاء٥.
وقد ذكره٦ الثعلبي عن عطاء بغير إسناد ولكن قال: فسكت النبي ﷺ ونزلت: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة﴾ أي: سابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة.
стр. 737
وجدته في "تفسير سنيد"١ عن حجاج عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح فذكره إلى قوله: [فنزلت: ﴿وَسَارِعُوا] ٢ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم﴾ فقال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بخير من ذلك؟ " فقرأ هؤلاء الآيات".
وأخرج سنيد أيضا٣ عن عمر بن [أبي] ٤ خليفة عن علي بن زيد بن جدعان قال: قال ابن مسعود: كانت بنو إسرائيل إذا أذنبوا أصبح مكتوبا على بابه٥ الذنب وكفارته، فأعطينا خيرا من ذلك هذه الآية.
٢٣٤- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [الآية: ١٣٥] .
١- نقل الثعلبي عن عطاء٦ قال: نزلت هذه الآية في نبهان التمار، وكنيته أبو مقبل، أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟
قالت: نعم فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك فأتى النبي ﷺ ، وذكر له ذلك، فنزلت هذه الآية.
قلت: وهو من رواية موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو كذاب٧.
стр. 738
والمشهور في هذه القصة نزول ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وسيأتي في تفسير هود١.
٢- وذكره٢ مقاتل بن سليمان فقال٣: خرج رجل غازيا٤ وخلف في أهله رجلا، فتعرض له الشيطان فهوي المرأة فكان منه ما ندم عليه فأتى أبا بكر فذكر ذلك له فقال: أما علمت أن الله يغار للغازي! فأتى عمر فذكر له، فقال له مثل ذلك، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية، فقال له النبي ﷺ : "إنك ظلمت نفسك فاستغفر الله" ففعل.
ثم قال: وقيل٥ نزلت في عمر بن٦ قيس ويكنى أبا مقبل قصة تأتي في سورة هود.
٣- سبب آخر عن الثعلبي قال: آخى رسول الله ﷺ بين رجلين أحدهما من الأنصار، والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على نفسه، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها، فدخلت
стр. 739
المرأة بيتا، فتبعها فاتقته بيدها، فقبل يدها، ثم ندم وانصرف فقال له١: والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري، ووضع التراب على رأسه، وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري، فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله، ووصفت له الحال والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا فطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا فقال له الأنصاري: هلكت! قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة فقال له أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله يغار للغازي ما لا يغار للمقيم؟ ثم لقيا عمر فقال مثل ذلك، فأتيا النبي ﷺ فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية.
وذكره الكلبي٢ عن أبي صالح عن ابن عباس أن رجلين أنصاريا وثقفيا آخى بينهما رسول الله ﷺ ، فكانا لا يفترقان، فخرج النبي ﷺ في بعض مغازيه، وخرج معه الثقفي، وخلف الأنصاري في أهله وحاجته، فكان يتعاهد أهل الثقفي، فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه، فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليقبلها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم، واستحيا فأدبر راجعا فقالت: سبحان الله خنت أمانتك، وعصيت ربك، ولم تصب حاجتك! فندم على صنيعه فخرج يسيح في الجبال ويتقرب إلى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي، فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوفقه٣ ساجدا وهو يقول: رب ذنبي قد خنت أخي. فقال له يا فلان قم فانطلق إلى رسول الله ﷺ فسله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجا وتوبة فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة فكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل بتوبته، فتلا على رسول الله ﷺ
стр. 740
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة﴾ إلى قوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين﴾ فقال عمر: يا رسول الله ﷺ أخاص هذا به١ أم للناس عامة؟ قال: "بل للناس عامة في التوبة".
٢٣٥- قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [الآية: ١٣٩] .
أخرج الطبري٢ من طريق ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد القتل والجراح حتى خلص إلى كل امرىء منهم اليأس، فأنزل الله تعالى القرآن فآسى فيه المؤمنين٣ بأحسن ما أسى به قوما من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية فقال ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٤.
٢٣٦- قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [الآية: ١٣٩] .
أخرج سنيد٥ عن حجاج بن محمد عن ابن جريج في قوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ قال: انهزم الصحابة في الشعب، فنعى بعضهم بعضا وتحدثوا أن النبي صلى الله عليه وسلم٦ [قد قتل] فكانوا في هم وحزن، فبينا هم كذلك إذ علا خالد بن الوليد الجبل بخيل المشركين فوقهم وهو أسفل [في الشعب. فلما رأوا النبي ﷺ فرحوا، وقال: النبي ﷺ : "اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر] " ٧.
стр. 741
وثاب نفر [فلقوا النبي ﷺ ] ١ فصعدوا الجبل وفيهم رماة فرموا خيل المشركين حتى أزاحوهم٢ وعلا المسلمون الجبل ونزلت ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ .
وعند الطبري٣ من طريق العوفي عن ابن عباس: أقبل خالد بن الوليد لما [انهزم الصحابة] ٤ يريد أن يعلو عليهم الجبل فقال النبي ﷺ : "اللهم لا يعلون علينا [اللهم لا قوة لنا إلا بك وثاب نفر من المسلمين"] ٤ فأنزل الله تعالى ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ٥.
٢٣٧- قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [الآية: ١٤٠] .
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم٦ من رواية الحكم بن أبان عن عكرمة قال: ندم المسلمون كيف خلوا بينه٧ وبين رسول الله ﷺ وصعد رسول الله ﷺ [الجبل] ٨ فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد الحرب سجال، الحديث، قال: ونام
стр. 742
المسلمون وبهم كلوم ففيهم نزلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ .
وذكر الثعلبي عن راشد بن سعد١: لما انصرف رسول الله ﷺ من أحد كئيبا حزينا جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها٢ وهي تلتدم٣ [فقال رسول الله ﷺ : "أهكذا يفعل برسولك"] ٤ فنزلت.
٢٣٨- قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [الآية: ١٤٠] .
قال ابن أبي حاتم٥ عن أبيه عن موسى بن إسماعيل عن وهيب٦ عن أيوب عن عكرمة: لما أبطأ الخبر على النساء بالمدينة خرجن يستقبلن فإذا رجلان مقتولان على بعير فقالت امرأة [من الأنصار] : من هذان؟ قالوا: فلان [وفلان] أخوها وزوجها أو [زوجها و] ابنها فقالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: حي، قالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء قال: فنزل القرآن على وفق ما قالت: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ .
هذا مرسل رجاله من رجال البخاري.
٢٣٩- قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [الآية: ١٤٢] .
стр. 743
قال مقاتل بن سليمان١: سببها أن المنافقين قالوا للمؤمنين يوم أحد بعد الهزيمة: لم تقتلون أنفسكم وتهلكون أموالكم فإن محمدا لو كان نبيا لم يسلطوا عليه! فنزلت.
٢٤٠- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [الآية: ١٤٣] .
أخرج ابن أبي حاتم٢ من طريق العوفي عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد، أو ليت لنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبلي فيه خيرا ونلتمس الشهادة والجنة والحياة٣ والحياة والرزق فأشهدهم الله أحدا فلم يثبتوا٤ إلا من شاء الله منهم يقول الله : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد من طريق فضيل بن مرزوق٥ عن عطية نحوه، ليس فيه ابن عباس.
وعند الفريابي٦ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد٧: غاب رجال عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم [بدر] ٨ ليصيبوا من الأجر والخير، فلما كان يوم أحد ولى من
стр. 744
ولى منهم، فعاتبهم الله بذلك.
وأخرجه عبد بن حميد أيضا، ومن طريق سعيد١ عن قتادة: كان ناس من المسلمين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الشرف والفضل فذكر نحوه.
وأخرجه الطبري من هذه٢ الطرق كلها٣ ومنها طريق ابن جريج٤ قال ابن عباس: كانوا يسألون الشهادة فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ منهم شهداء.
ومن طريق الربيع بن أنس نحو رواية قتادة٥.
ومن طريق هوذة٦ عن عوف عن الحسن البصري قال: بلغني أن رجالا٧ من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي ﷺ -يعني عدوا٨- لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك، فوالله ما كلهم صدق، فأنزل الله هذه الآية.
ومن طريق أسباط٩ عن السدي: كان ناس من الصحابة لم يشهدوا بدرا قالوا: اللهم إنا نسألك أن ترينا يوما كيوم بدر. نحوه.
стр. 745
وقال مقاتل بن سليمان١: نزلت في الذين قالوا: يا نبي الله أرنا يوما مثل يوم بدر، فأراهم الله يوم أحد فانهزموا فعاتبهم الله.
٢٤١- قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [الآية: ١٤٤] .
أخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة٢ ومن طريق الربيع بن أنس٣، قالا: لما فقدوا النبي ﷺ يوم أحد وتناعوه٤ قال: ناس لو٥ كان نبيا ما قتل! وقال ناس: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم [حتى] ٦ يفتح الله عليكم أو تلحقوا به فنزلت٧.
زاد الربيع: ذكر أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط٨ في دمه فقال: أشعرت أن محمدًا قتل! فقال الأنصاري: إن كان محمد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزلت.
ومن طريق أسباط٩ عن السدي: لما كان يوم أحد، فذكر القصة، وفيه: وفشا في الناس أن محمدا قد قتل فقال بعضهم: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي يأخذ
стр. 746
لنا أمانا من أبي سفيان! يا قوم ارجعوا إلى قومكم قبل أن تقتلوا، فقال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على دينكم وانطلق رسول الله ﷺ حتى أتى الصخرة فاجتمع عليه ناس فنزل في الذين قالوا: إن محمدا قد قتل ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ .
ومن طريق ابن إسحاق١ حدثني القاسم٢ بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري من بني عدي بن النجار أن أنس بن النضر مال إلى نفر من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله! فما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل.
ومن طريق جويبر٣ عن الضحاك: لما انهزم الصحابة نادى مناد إن محمدا قتل فأنزل الله الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم٤ من طريق الربيع بن أنس نحوه.
وذكر مقاتل بن سليمان٥ نحوه ووقع في النسخة التي نقلت منها من رواية الهذيل أبي صالح عنه: "بشر بن النضر عم أنس" وهو تحريف وإنما هو أنس٦.
стр. 747
٢٤٢- قوله تعالى: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ .
قال ابن ظفر: روى سفيان بن عيينة عن الزهري قال: لما نزلت ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١ قالوا: يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزيد فهل ينقص؟ قال: "أي والذي بعثني بالحق". فقيل: هل لذلك دلالة؟ قال: فتلا هذه الآية ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [فالانقلاب نقصان، ولا كفر] ٢.
٢٤٣- قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ .
أخرج الطبري من طريق أسباط٣ عن السدي قال: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم أنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم فقذف الله في قلوبهم الرعب، فلقوا أعرابيا فجعلوا له جعلا وقالوا٤ له: إن لقيت محمدا فأخبره٥ ما قد جمعنا لهم، فأخبر الله رسوله فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد فأنزل الله في ذلك يذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع وما قذف في قلبه من الرعب ﴿سَنُلْقِي ٦ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ ٧.
стр. 748
وذكر مقاتل بن سليمان نحوه١ فقال: ألقى الله في قلوب المشركين الرعب بعد هزيمة المسلمين فرجعوا إلى مكة من غير شيء٢.
٢٤٤- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [الآية: ١٥٢] .
أخرج الطبري٣ من طريق الربيع بن أنس قال: لما كان يوم أحد قال لهم النبي ﷺ : "إنكم ستظهرون فلا أعرفن ما أصبتم من غنائمهم شيئا حتى تفرغوا".
فتركوا أمره الذي عهد إليهم، وتنازعوا فوقعوا في الغنائم، وتركوا العهد الذي عهد إليهم، فانصرف٤ عليهم عدوهم من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون.
ومن طريق العوفي٥ عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث ناسا فكانوا من ورائهم فقال: "كونوا ههنا فردوا وجه من نفر ٦، وكونوا حرسا لنا من قبل ظهورنا". ولما هزم المشركون رأوا النساء مصعدات في الجبل، ورأوا الغنائم فقالوا: انطلقوا ندرك الغنيمة قبل أن نسبق إليها، وقالت طائفة: بل نطيع رسول الله ﷺ ونثبت مكاننا فذلك قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ فلما تنازعوا وخالفوا الأمر جدلوا٧، قال: فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا.
стр. 749
والذين قالوا لا نخالف الأمر أرادوا الآخرة، فنزلت الآيات في ذلك.
ومن طريق عبيد بن سليمان١ عن الضحاك نحوه وزاد: فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد، ومن طريق السدي٢ عن عبد خير عن ابن مسعود نحوه. ومن طريق العوفي٣ عن ابن عباس قال: كان ابن مسعود يقول فذكره.
وأخرج البخاري٤ من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: أجلس النبي ﷺ يوم أحد جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: "لا تبرحوا و٥ إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا ٦ تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا". فلما لقيناهم هزموا حتى رأينا النساء يسندن٧ في الجبل٨ يرفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال لهم عبد الله بن جبير: عهد النبي ﷺ إلينا ألا نبرح فأبوا فصرف الله وجوههم، فأصيب منهم سبعون قتيلا وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: إن هؤلاء قتلوا ولو كانوا أحياء
стр. 750
لأجابوا فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله فقد أبقى الله لك ما يخزيك، فقال: أعل هبل الحديث.
وأخرج عبد بن حميد١ من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن عبد الرحمن بن أبزى٢ قال: وضع رسول الله ﷺ خمسين من الرماة يوم أحد وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات٣ وأقعدهم إزاء خالد بن الوليد، وكان على خيل المشركين، فلما انهزم المشركون قال طائفة منهم: نلحق بالناس لا يسبقونا بالغنائم، وقالت طائفة: عهد إلينا النبي ﷺ أن لا نزيغ٤ من مكاننا حتى يأتينا أمره، فمضى أولئك فرأى خالد رقتهم٥ فحمل عليه فقتلهم ونزلت ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهَ﴾ الآية، وكانت معصيتهم توجههم عن مكانهم وقوله: ﴿مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ ، أي: الغنيمة ﴿وَالْآخِرَة﴾ الشهادة.
ومن طريق عطية العوفي نحوه٦.
وأخرج أحمد٧ والطبري٨ والحاكم٩ من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه عن
стр. 751
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: ما نصر الله في موطن كما نصر في يوم أحد.
قال: فأنكرنا ذلك، فقال: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ والحس القتل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع ثم قال: احموا ظهرنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا، فلما انهزموا أكب١ الرماة في العسكر ينهبون، وانتشب العسكران -وشبك بين أصابعه- فدخلت خيل المشركين من ذلك الموضع، فضرب بعضهم بعضا وقتل من المسلمين ناس كثير، وصاح الشيطان: قتل محمد، وشكوا أنه حق فذكر قصة أبي سفيان. وأخرج أحمد٢ من طريق حماد عن عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال: كان٣ النساء يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرأ أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى نزلت الآية، فلما خالف الرماة٤ ما أمروا به "يعني
стр. 752
وانهزم الناس"١ أفرد رسول الله ﷺ في تسعة، سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وهو عاشرهم [الحديث] ٢.
وفي حديث عمارة بن غزية عن أبي الزبير عن جابر عند٣ [النسائي] ٤ والبيهقي في "الدلائل"٥: انهزم الناس عن النبي ﷺ يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة.
٢٤٥- قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَم﴾ .
قال مقاتل بن سليمان٦: لما تراجع المسلمون من الهزيمة حصل لهم غم عظيم لما أصابهم من الهزيمة، ولما فاتهم من الفتح٧ والغنيمة، فأشرف عليهم خالد بن الوليد من الشعب في الجبل٨ فلما عاينوه أنساهم ما كانوا فيه من الغم الأول، فأنزل الله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ﴾ قال: وغشى النعاس سبعة منهم أبو بكر وعمر وعلي والحارث بن الصمة وسهل٩ بن
стр. 753
حنيف١ ورجلين من الأنصار أيضا.
قلت: ثبت في الصحيح ذكر أبي طلحة فيمن غشيه النعاس وهو أنصاري٢.
٢٤٦- قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الآية: ١٥٤] .
قال الزبير بن بكار: قائل ذلك هو معتب بن قشير٣ شهد عليه بذلك الزبير بن العوام. هكذا أخرجه الطبراني٤ عن علي بن عبد العزيز عن الزبير بن بكار.
قلت: وأخرج ابن إسحاق٥ عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أنه حدثه عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره! قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا٦!
وأخرجه إسحاق بن راهويه وابن أبي حاتم٧ من هذا الوجه.
стр. 754
٢٤٧- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الآية: ١٥٥] .
قال عبد بن حميد١:
حدثنا يوسف بن بهلول٢ عن عبد الله بن إدريس٣ عن محمد بن إسحاق قال: قال عكرمة مولى ابن عباس: جاءت [فاختة] ٤ بنت غزوان امرأة عثمان بن عفان، ورسول الله ﷺ وعلي يغسلان السلاح من الدماء، فقالت: ما فعل ابن عفان؟ أما والله لا تجدونه ألأم٥ القوم. فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار٦ اليوم. فقال: له رسول الله ﷺ : [مه] ٧ وكان ممن ولى دبره يومئذ عثمان بن عفان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان -إخوان من الأنصار من بني زريق٨- حتى
стр. 755
بلغوا١ الجلعب٢، فرجعوا بعد، فقالت: فقال لهم رسول الله ﷺ : "لقد ذهبتم بها عريضة" ٣، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ٤.
وأخرجه الطبري٥ من رواية سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق٦ وقال في روايته: الجلعب٧ جبل٨ بناحية المدينة مما يلي الأحوص أقاموا به ثلاثا ثم رجعوا٩.
وأخرج سنيد١٠ عن حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: قال عكرمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ نزلت في رافع بن المعلى وغيره من
стр. 756
الأنصار وفي أبي حذيفة بن عتبة وآخر ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [إذ لم يعاقبهم] ١.
٢٤٨- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الآية: ١٥٦] .
أخرج الطبري٢ من طريق أسباط عن السدي قال: هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي.
ومن طريق ابن أبي نجيح٣ عن مجاهد نحوه.
وجزم مقاتل بن سليمان٤ بأن الذي قال ذلك عبد الله بن أبي.
٢٤٩- قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم﴾ ٥.
اتفقوا٦ على أنها نزلت في حق الذين انهزموا يوم أحد، فإنه ﷺ لم يغلظ على الذين خالفوا أمره، حتى كانوا سببا لقتل من قتل من المسلمين.
٢٥٠- قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ .
قال مقاتل بن سليمان٧:
стр. 757
"كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، فأمر الله نبيه أن يشاور أصحابه إكراما لهم، فيكون أطيب لأنفسهم".
٢٥١- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [الآية: ١٦١] .
١- أخرج عبد بن حميد والترمذي١ والطبري٢ وأبو يعلى٣ وابن أبي حاتم٤ من طريق خصيف عن مقسم: حدثني ابن عباس٥ إن هذه الآية نزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها محمد وأكثروا في ذلك، فأنزل الله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
لفظ الطبري٦ وفي رواية أبي يعلى٧: فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين، فقال ناس: لعل رسول الله أخذها! فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قال خصيف: فقلت لسعيد بن جبير: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ
стр. 758
يَغْلُلَّ﴾ ١ يعني بفتح الغين٢ فقال: بل يغل ويقتل٣.
وفي رواية الطبري٤: قلت٥ لسعيد بن جبير: كيف تقرأ أن يغل أو يغل؟ قال: أن يغل -يعني بضم الغين- قد كان والله يغل ويقتل.
قال الترمذي: "حسن غريب وقد رواه عبد السلام بن حرب عن خصيف".
قلت: هي رواية الطبري٦ من طريقه.
قال٧: "ورواه بعضهم عن خصيف [عن مقسم] فأرسله".
قلت: هي رواية شريك عنه عند عبد بن حميد.
وأخرج الطبراني٨ من طريق أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان ينكر على من يقرأ أن يغل "يعني بفتح الغين"٩ ويقول: كيف لا
стр. 759
يكون له أن يغل وقد كان يقتل! قال الله : ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ ١﴾ لكن المنافقين اتهموا رسول الله ﷺ في شيء من الغنيمة، فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ .
وأخرجه الطبراني٢ من وجه آخر عن خصيف فقال: عن عكرمة، بدل مقسم.
وفي رواية٣ عن عكرمة وسعيد بن جبير، والرواية المفصلة أثبت.
وأخرجه٤ من طريق حميد الأعرج عن سعيد بن جبير قال: نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، لم يذكر ابن عباس.
قال الطبري٥: في ذكر وعيد أهل الغلول في بقية الآية دليل واضح على صحة قراءة الجمهور:
قلت: أخرج عبد الرزاق٦ عن معمر عن قتادة: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قال: يغله أصحابه.
وأخرجه الطبري٧ من طريق سعيد عن قتادة قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ "بضم أوله"٨.
стр. 760
أن١ يغله أصحابه الذين معه، ذكر لنا٢ أن هذه الآية أنزلت يوم بدر، وقد غل طوائف من المسلمين٣.
وكذا٤ أخرجه الطبري٥ من طريق الربيع بن أنس، ثم شرع الطبري في رد هذه القراءة٦ واستشهد للمشهورة بحديث أبي هريرة المخرج في الصحيح: ألا هل عسى٧ رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة الحديث٨.
٢- قول آخر: أخرج ابن أبي حاتم٩ من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة فيجور في القسمة، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، فإذا فعل ذلك استنوا به.
٣- قول آخر: أخرج الطبري١٠ من طريق سلمة بن نبيط عن
стр. 761
الضحاك بن مزاحم قال: بعث رسول الله ﷺ طليعة، وغنم النبي ﷺ فقسمها بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئا، وقدمت الطلائع فقالوا: لم يقسم لنا فنزلت ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قرأها١ بضم الغين -أي: يعطي غير من قاتل-٢.
٤- قول آخر: ذكر جويبر عن الضحاك٣ عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لما وقعت في يده غنائم هوازن يوم حنين غله رجل في مخيط، فنزلت.
قلت: وهذا من تخليط جويبر، فإن هذه الآية نزلت في يوم أحد اتفاقا٤.
٥- قول آخر: قال مقاتل بن سليمان٥: نزلت في الذين طلبوا الغنيمة يوم أحد -يعني الرماة- فتركوا المركز وقالوا: نخشى أن يقول النبي ﷺ من أخذ شيئا فهو له ونحن ها هنا وقوف فلما رآهم النبي ﷺ قال: "ألم أعهد إليكم أن لا تبرحوا من المركز حتى يأتيكم أمري؟ " قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا قال: "أو ظننتم أنا نغل؟ " فنزلت ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ ".
وكذا ذكره الكلبي٦ في "تفسيره" بنحوه لكن قال: فقالوا: نخشى أن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر وزاد بعد قوله: إنا نغل: ولا نقسم لكم.
стр. 762
٢٥٢- قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الآية: ١٦٥] .
١- قال الثعلبي: روى عبيدة بن عمرو السلماني١ عن علي قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسرى وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم فذكر ذلك رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله ﷺ عشائرنا وإخواننا! لا بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على عدونا، ويستشهد منا عدتهم، وليس في ذلك شيء نكره، فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا، عدة أسارى أهل بدر".
قال الثعالبي: فمعنى قوله على هذا التأويل ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: بأخذكم الفداء واختياركم القتل.
قلت: حديث علي هذا أخرجه الحسين بن داود المعروف بسنيد في "تفسيره" عن إسماعيل بن علية عن ابن عون وعن حجاج بن محمد عن جرير بن حازم كلاهما٢ عن محمد بن سيرين عنه.
وأخرجه الطبري٣ من طريق سنيد. وأصله عند الترمذي٤ والنسائي٥ من رواية يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الثوري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين٦ ولفظه: أن جبريل هبط عليه فقال له: خيرهم في أسارى بدر، القتل أو الفداء
стр. 763
على أن يقتل منهم قابل مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا.
قال الترمذي: "حسن غريب من حديث الثوري، ورواه أبو أسامة عن هشام نحوه، وروى ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة بن عمرو١ مرسلًا".
قلت: أخرجه الطبري٢ عن الدورقي٣ عن ابن علية عنه مرسلا، ومن طريق أشعث٤ بن سوار عن ابن سيرين كذلك.
وقد وصل سنيد رواية ابن عون كما ترى، وزاد رواية جرير، وخالف في سياق المتن٥ وقد تكلموا فيه.
حديث آخر: قال الإمام أحمد٦ وأبو بكر بن أبي شيبة٧ في "مسنديهما"
стр. 764
جميعا: حدثنا قراد١ أبو نوح واسمه عبد الرحمن بن غزوان ثنا عكرمة بن عمار نا سماك الحنفي حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوضوا بما صنعوه يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفر القوم عن النبي ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على [رأسه] ٢ وسال الدم على وجهه، فأنزل الله ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بأخذكم الفداء.
لفظ أبي بكر، وسياق أحمد أتم، وأصل الحديث في "صحيح مسلم" من هذا الوجه٣، وأوله٤: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين! الحديث بطوله، وفيه: فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين وفيه: أن النبي ﷺ استشار أبا بكر وعمر في الأسرى، وفيه: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ ٥ وسيأتي في سورة الأنفال.
حديث آخر مرسل: أخرج ابن أبي حاتم٦ من طريق عباد بن منصور سألت
стр. 765
الحسن عن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ قال: لما رأوا من قتل منهم يوم أحد قالوا: من أين هذا؟ ١ ما كان للكفار أن يقتلوا منا، فأخبرهم الله تعالى إن ذلك بالأسرى الذين أخذوا منهم الفداء يوم بدر فردهم الله بذلك وعجل لهم عقوبة ذلك في الدنيا ليسلموا منها في الآخرة.
٢- قول آخر٢: قال الطبري٣ في المراد بقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال بعضهم: تأويله ما وقع من خلافكم على نبيكم حين أشار عليكم فأبيتم إلا أن يخرج ويصحر لهم، ويقاتلهم.
ثم أسند عن قتادة قال٤: ذكر لنا أن النبي ﷺ قال: "إنا في جنة حصينة". فقال أناس من الأنصار، فذكر القصة، وقوله ﷺ : "ما كان لنبي أن يلبس لأمته ثم يضعها حتى يقاتل".
٢٥٣- قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [الآية:١٦٧] .
اتفقوا على أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأتباعه الذين رجعوا قبل القتال.
٢٥٤- قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [الآية: ١٦٩] .
стр. 766
١- قال إسحاق بن راهويه١ أنا وكيع عن سفيان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ قال: لما أصيب حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وغيرهما يوم أحد، ورأوا ما رزقوا من الخير، قالوا: ليت إخواننا علموا ما أصبنا من الخير كي يزدادوا رغبة في الجهاد فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أخرجه الطبراني٢ من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم عن سالم الأفطس به.
وأخرج أبو داود٣ وعبد بن حميد والطبري٤ وأبو يعلى٥ والحاكم٦ من طريق ابن إسحاق٧ عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب؟ قال الله: أنا أبلغهم عنكم قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية ".
стр. 767
طريق آخر: أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن دينار عن سعيد بن جبير قال:
لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة قالوا: يا ليت إخواننا في الدنيا يعلمون ما نحن فيه فإذا شاهدوا القتال باشروه بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبهم ما أصبنا من الخير، فأخبر الله تعالى نبيه بأمرهم، وما هم فيه من الكرامة، فاستبشروا بذلك.
طريق أخرى: قال الفريابي: نا قيس بن الربيع أنا١ سعيد بن مسروق عن أبي الضحى في هذه الآية قال: نزلت في قتلى أحد: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان، وهؤلاء الأربعة من المهاجرين، ومن الأنصار ستة وستون رجلًا نزل فيهم ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
وعن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: لما أصيبوا فرأوا الرزق والخير تمنوا أن أصحابهم يعلمون بما هم فيه ليزدادوا رغبة في الجهاد فقال الله: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله هذه الآية٢.
وأخرجه عبد بن حميد عن أبي الوليد عن أبي الأحوص وابن أبي حاتم من طريق إسرائيل كلاهما عن سعيد بن مسروق.
حديث آخر: أخرج الترمذي٣ وابن ماجه٤ وابن خزيمة٥ وابن حبان٦
стр. 768
والحاكم١ والطبراني٢ من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري: سمعت طلحة بن حراش يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لقيني رسول الله ﷺ فقال: "ما لي أراك منكسرا؟ " قلت: يا رسول الله توفي أبي، استشهد بأحد، وترك علي دينا وعيالا! قال: "أفلا يسرك بما لقي الله به أباك؟ " قال: بلى يا رسول الله قال: "يا عبدي تمن علي قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون" قال: فأنزلت هذه الآية".
قال الترمذي٣: "حسن غريب، وقد رواه علي بن عبد الله وغيره من الكبار عن موسى وروى عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر شيئا من هذا".
قلت: رواية علي في الطبراني٤، ورواية ابن عقيل عن أحمد٥ وأبي يعلى٦
стр. 769
والطبري١ وغيرهما٢ ولفظه: قال لي رسول الله ﷺ : "أعلمت أن الله أحيا أباك فقال: ما تحب يا عبد الله؟ قال يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى".
وأخرج سنيد٣ عن حجاج بن محمد بن ابن جريج عن محمد٤ بن قيس بن مخرمة قال: قالوا "يعني شهداء أحد٥": يا رب لا٦ رسول لنا يخبر النبي ﷺ بما أعطيتنا؟ قال٧ الله: "أنا رسولكم". فأمر جبريل أن يأتي بهذه الآية ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية٨.
وأخرج مسلم٩ وغيره١٠ أصل الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: "أرواح الشهداء عند الله ١١ كطير خضر ١٢ لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث
стр. 770
شاءت فاطلع ربك طلاعة فقال: ما تشتهون؟ قالوا: تعيد أرواحنا في أجسادنا فنقاتل في سبيلك مرة أخرى".
وفي رواية عند عبد الرزاق: تقرئ عنا نبينا السلام وتخبره أن قد رضيت عنا ورضينا. وليس في شيء من طرقه ذكر نزول الآية.
٢- قول آخر أخرج الطبري١ من طريق الربيع بن أنس: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد.
ومن طريق قتادة نحوه٢.
٣- قول آخر٣ ذكر ابن إسحاق في "المغازي"٤ قصة قتلى بئر معونة مطولا، وأصلها أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة٥ قدم على النبي ﷺ فعرض عليه الإسلام فقال: إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل، فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك فقال: "إني أخشى عليهم". فقال أبو براء: أنا لهم جار فبعث المنذر بن عمرو الساعدي في سبعين رجلا من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة٦ وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء ونافع بن بديل
стр. 771
وعامر بن فهيرة فذكر قصة قتلهم بإشارة عامر بن الطفيل لطائفة من بني سليم، قال: فأنزل الله تعالى في شهداء بئر معونة قرآنا: بلغوا عنا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زمانا وأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية.
وأخرج الطبري١ من طريق عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثني أنس في قصة أصحاب بئر معونة [قال] ٢: لا أدري أربعين أو سبعين وكان على الماء عامر بن الطفيل فخرج أولئك النفر حتى أتوا الماء فقالوا: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ فخرج "يعني حرام بن ملحان خال أنس٣" حتى أتى حواء٤ منهم فاحتبى٥ أمام البيوت ثم قال: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله ﷺ إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج رجل من كسر بيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه فقتلوهم قال أنس: إن الله أنزل فيهم قرآنا. فذكره وفيه: فرفعت بعد أن قرأناها٦ زمنا وأنزل٧ الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
وأصل هذا الحديث عند مسلم٨.
стр. 772
وفي "الصحيحين"١ من حديث أنس في قصة القنوت وفي آخره ما في آخر هذا الحديث٢.
٤- قول آخر: نقله الثعلبي٣ عن بعضهم ولم يسمه: أن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور، وأمواتنا في القبور، فأنزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا لهم، وإخبارا عن أحوال قتلاهم.
٢٥٥- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [الآية:١٧٢] ٤.
روى البخاري٥ من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ إلى آخرها قالت لعروة: يا ابن أختي٦، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ يوم أحد ما أصاب، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم"؟ فانتدب منهم سبعون رجلا، كان فيهم أبو بكر والزبير.
стр. 773
هكذا أخرجه البخاري، وأخرجه الحاكم١ من طريق أبي سعيد المؤدب عن هشام به وهم في استدراكه٢. وأخرجه٣ من طريق البهي٤ عن عروة عن عائشة مختصرا وأخرجه سعيد بن منصور في "السنن"٥، والحميدي٦ في "المسند"٧ كلاهما عن سفيان بن عيينة عن هشام.
وأخرج الطبري٨ من طريق العوفي عن ابن عباس في قصة وقعة أحد وكانت في شوال قال: ألقى الله في قلب أبي سفيان الرعب، فسار بمن معه إلى مكة، وكان التجار يأتون بدرا الصغرى في ذي القعدة، فندب رسول الله ﷺ الناس لما شاع بين الناس أن الناس قد جمعوا لكم، فانتدب معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير و [سعد] ٩ وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وابن مسعود وحذيفة في سبعين حتى بلغوا الصفراء فلم يلقوا كيدًا فأنزل الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ الآية.
стр. 774
وقد ذكر ابن إسحاق١ أن أبا سفيان ومن معه ندموا على تركهم الإيقاع بالمسلمين وقالوا: أصبنا حدهم٢ وأشرافهم ثم نرجع ولم نستأصلهم، وهموا بالرجوع، وإن معبد بن أبي معبد الخزاعي لقي النبي ﷺ بحمراء الأسد [فعزاه] ٣ فيمن أصيب من أصحابه، وأمره أن يقصد أبا سفيان ويخذله٤ عن الرجوع، فرجع معبد إلى بلاده، فلقي أبا سفيان، فقال: ما وراءك؟ قال: محمد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع ما رأيت مثله يتحرقون عليكم، وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه، وندموا وأنشده في ذلك شعرًا٥ فانثنى رأي أبي سفيان ومن معه عما هموا به واستمر ذهابهم لمكة.
وقد ذكر ابن إسحاق القصة مطولة، وفي آخرها: أن أبا سفيان [مر به] ٦ ركب من عبد القيس فذكر القصة التي بعد هذه.
٢٥٦- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [الآية: ١٧٣] .
ذكر ابن إسحاق متصلًا بالقصة التي قبل هذه قال: ومر به أي: بأبي
стр. 775
سفيان ركب من عبد القيس فقالوا: نريد المدينة نمتار منها. فقال: فجعل لهم جعلا على أن يبلغوا المسلمين رسالة عنه أنه يقول لهم: قد أجمعنا المسير إليكم لنستأصل بقيتكم، فمر الركب بالمسلمين وهم بحمراء الأسد، فأخبروه بما قال أبو سفيان فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وقال١ مقاتل بن سليمان٢: لما انصرف أبو سفيان ومن معه من أحد ولهم الظفر قال النبي ﷺ : "إني سائر في أثر القوم" وكان [النبي ﷺ يوم أحد على بغلة شهباء] ٣ فدب٤ ناس من المنافقين إلى بعض المؤمنين فقالوا: أتوكم في دياركم فوطؤكم قتلا، فكيف تطلبونهم وهم عليكم اليوم أجرا، وأنتم اليوم أرعب؟ " فوقع في نفوس المؤمنين فقال النبي ﷺ : "لأطلبنهم ولو بنفسي"، فانتدب معه سبعون رجلا حتى بلغوا صفراء بدر فبلغ أبا سفيان، فأمعن السير إلى مكة ولقي نعيم بن مسعود الأشجعي متوجها إلى المدينة فقال: يا نعيم بلغنا أن محمدًا في أثرنا فأخبره أن أهل مكة قد جمعوا جمعًا كبيرًا من قبائل العرب وأنهم لقوا أبا سفيان فلاموه على رجوعه حتى هموا به فردوه قالوا: يا نعيم فإن أنت رددت عنا محمدًا فلك عندنا عشرة ذود٥ من الإبل، تأخذها إذا رجعت إلى مكة، فلقي نعيم النبي ﷺ بالصفراء فذكر له ذلك