وعامر بن فهيرة فذكر قصة قتلهم بإشارة عامر بن الطفيل لطائفة من بني سليم، قال: فأنزل الله تعالى في شهداء بئر معونة قرآنا: بلغوا عنا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زمانا وأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية.
وأخرج الطبري١ من طريق عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثني أنس في قصة أصحاب بئر معونة [قال] ٢: لا أدري أربعين أو سبعين وكان على الماء عامر بن الطفيل فخرج أولئك النفر حتى أتوا الماء فقالوا: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ فخرج "يعني حرام بن ملحان خال أنس٣" حتى أتى حواء٤ منهم فاحتبى٥ أمام البيوت ثم قال: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله ﷺ إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج رجل من كسر بيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه فقتلوهم قال أنس: إن الله أنزل فيهم قرآنا. فذكره وفيه: فرفعت بعد أن قرأناها٦ زمنا وأنزل٧ الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
وأصل هذا الحديث عند مسلم٨.
стр. 772
وفي "الصحيحين"١ من حديث أنس في قصة القنوت وفي آخره ما في آخر هذا الحديث٢.
٤- قول آخر: نقله الثعلبي٣ عن بعضهم ولم يسمه: أن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور، وأمواتنا في القبور، فأنزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا لهم، وإخبارا عن أحوال قتلاهم.
٢٥٥- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [الآية:١٧٢] ٤.
روى البخاري٥ من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ إلى آخرها قالت لعروة: يا ابن أختي٦، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﷺ يوم أحد ما أصاب، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم"؟ فانتدب منهم سبعون رجلا، كان فيهم أبو بكر والزبير.
стр. 773
هكذا أخرجه البخاري، وأخرجه الحاكم١ من طريق أبي سعيد المؤدب عن هشام به وهم في استدراكه٢. وأخرجه٣ من طريق البهي٤ عن عروة عن عائشة مختصرا وأخرجه سعيد بن منصور في "السنن"٥، والحميدي٦ في "المسند"٧ كلاهما عن سفيان بن عيينة عن هشام.
وأخرج الطبري٨ من طريق العوفي عن ابن عباس في قصة وقعة أحد وكانت في شوال قال: ألقى الله في قلب أبي سفيان الرعب، فسار بمن معه إلى مكة، وكان التجار يأتون بدرا الصغرى في ذي القعدة، فندب رسول الله ﷺ الناس لما شاع بين الناس أن الناس قد جمعوا لكم، فانتدب معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير و [سعد] ٩ وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وابن مسعود وحذيفة في سبعين حتى بلغوا الصفراء فلم يلقوا كيدًا فأنزل الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ الآية.
стр. 774
وقد ذكر ابن إسحاق١ أن أبا سفيان ومن معه ندموا على تركهم الإيقاع بالمسلمين وقالوا: أصبنا حدهم٢ وأشرافهم ثم نرجع ولم نستأصلهم، وهموا بالرجوع، وإن معبد بن أبي معبد الخزاعي لقي النبي ﷺ بحمراء الأسد [فعزاه] ٣ فيمن أصيب من أصحابه، وأمره أن يقصد أبا سفيان ويخذله٤ عن الرجوع، فرجع معبد إلى بلاده، فلقي أبا سفيان، فقال: ما وراءك؟ قال: محمد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع ما رأيت مثله يتحرقون عليكم، وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه، وندموا وأنشده في ذلك شعرًا٥ فانثنى رأي أبي سفيان ومن معه عما هموا به واستمر ذهابهم لمكة.
وقد ذكر ابن إسحاق القصة مطولة، وفي آخرها: أن أبا سفيان [مر به] ٦ ركب من عبد القيس فذكر القصة التي بعد هذه.
٢٥٦- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [الآية: ١٧٣] .
ذكر ابن إسحاق متصلًا بالقصة التي قبل هذه قال: ومر به أي: بأبي
стр. 775
سفيان ركب من عبد القيس فقالوا: نريد المدينة نمتار منها. فقال: فجعل لهم جعلا على أن يبلغوا المسلمين رسالة عنه أنه يقول لهم: قد أجمعنا المسير إليكم لنستأصل بقيتكم، فمر الركب بالمسلمين وهم بحمراء الأسد، فأخبروه بما قال أبو سفيان فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وقال١ مقاتل بن سليمان٢: لما انصرف أبو سفيان ومن معه من أحد ولهم الظفر قال النبي ﷺ : "إني سائر في أثر القوم" وكان [النبي ﷺ يوم أحد على بغلة شهباء] ٣ فدب٤ ناس من المنافقين إلى بعض المؤمنين فقالوا: أتوكم في دياركم فوطؤكم قتلا، فكيف تطلبونهم وهم عليكم اليوم أجرا، وأنتم اليوم أرعب؟ " فوقع في نفوس المؤمنين فقال النبي ﷺ : "لأطلبنهم ولو بنفسي"، فانتدب معه سبعون رجلا حتى بلغوا صفراء بدر فبلغ أبا سفيان، فأمعن السير إلى مكة ولقي نعيم بن مسعود الأشجعي متوجها إلى المدينة فقال: يا نعيم بلغنا أن محمدًا في أثرنا فأخبره أن أهل مكة قد جمعوا جمعًا كبيرًا من قبائل العرب وأنهم لقوا أبا سفيان فلاموه على رجوعه حتى هموا به فردوه قالوا: يا نعيم فإن أنت رددت عنا محمدًا فلك عندنا عشرة ذود٥ من الإبل، تأخذها إذا رجعت إلى مكة، فلقي نعيم النبي ﷺ بالصفراء فذكر له ذلك
стр. 776
وقال: أتاكم الناس فقال النبي: حسبنا الله ونعم الوكيل فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ يعني نعيم بن مسعود: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الجموع، الآيات.
وأخرج الطبري١ من طريق السدي قال: لما تجهز رسول الله ﷺ وأصحابه للمسير إلى بدر الموعد لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون فقالوا: نحن إخوانكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم فعصيتمونا، وقد أتوكم في دياركم فقاتلوكم وظفروا فإن توجهتم إليهم لا يرجع منكم أحد فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وذكر الثعلبي عن أبي معشر أن وفدا من هذيل قدموا المدينة فسألوهم عن أبي سفيان فقالوا: قد جمعوا لكم جموعا كثيرة فاخشوهم فنزلت. واشتهر في كتب الأصول قصة نعيم بن مسعود، وذكر الثعلبي٢ أن عكرمة ومجاهدا وافقا مقاتلا.
قلت: أما عكرمة فأخرج سفيان بن عيينة في "تفسيره"٣ ومن طريق ابن أبي حاتم٤ فقال: عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: كانت بدر متجرا في الجاهلية فلما كان يوم أحد قال أبو سفيان للنبي ﷺ : موعدك عام قابل بدر فقال: "هو موعد لك". فلما خرج النبي ﷺ لموعدهم لقيهم رجل فقال: إن بها جموعا من المشركين فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة التجارة وأهبة القتال، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم خرجوا حتى جاؤوها فتسوقوا بها ولم يجدوا عندها أحدا فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية.
стр. 777
وأما رواية مجاهد فأخرجها الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح١ عن مجاهد ذكر الآية فقال: هذا أبو سفيان قال لمحمد: موعدك بدر حيث قتلتم أصحابنا فقال النبي ﷺ : "عسى أن ننطلق". قال: فذهب٢ لموعده حتى نزلوا بدرا فوافوا السوق فابتاعوا فذلك قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال:
جعل أبو سفيان للقوم جعلا على أن من لقي منهم أصحاب محمد يخبرهم أن أبا سفيان قد جمع لكم جموعا فإذا قالوا لهم ذلك قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل٣.
وأخرج أبو بكر بن مردويه٤ من طريق عبد الرحيم٥ بن محمد بن زياد٦ السكري عن أبي بكر بن عياش عن حميد عن أنس قال: قيل للنبي ﷺ يوم أحد إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 778
قلت: والمحفوظ عن أبي بكر بن عياش ما أخرجه البخاري١ عن شيخه أحمد بن يونس عن أبي بكر عن أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس قال:
حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية.
وكذا أخرجه النسائي٢ من رواية يحيى بن أبي بكير عن أبي بكر.
وأخرج سنيد٣ عن حجاج عن ابن جريج قال: عمد٤ رسول الله ﷺ لموعد أبي سفيان فجعلوا يلقون المشركين، و٥يسألونهم عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم! يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم، فيقول الرسول٦: "حسبنا الله ونعم الوكيل" حتى قدموا بدرا فوجدوا أسواقها عافية "أي: خالية من التجار"٧ فلم ينازعهم فيها أحد، وقدم رجل من المشركين، فسألوه عن المسلمين٨، فقال٩:
стр. 779
قد نفرت من رفقتي محمد ... وعجوة من يثرب كالعنجد١
تهوي على دين أبيها الأتلد٢ ... قد جعلت ماء قديد موعدي
وماء ضجنان٣ لها٤ ضحى٥ الغد٦
٢٥٧- قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ .
تقدم قبل [هذه] ٧ عن مجاهد وغيره.
٢٥٨- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ [الآية: ١٧٥] .
بقية القصة التي تقدمت.
стр. 780
٢٥٩- قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ .
تأتي في تفسير سورة المائدة١.
٢٦٠- قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ .
قال الثعلبي: في هذه الآية إشارة إلى أن الذي وقع للمسلمين من الهزيمة يوم أحد كان لتمييز من اندس فيهم من المنافقين فأظهر القتال نفاقهم و ﴿يَمِيزَ الْخَبِيثَ﴾ وهو المنافق ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وهو المؤمن ورجح أن الخطاب للمؤمنين، وأن المراد بما كانوا٢ عليه اندساس المنافقين واختلاطهم بهم وتوقعهم٣ بهم الجوائح فميزهم الله بالوقعة المذكورة٤.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي٥ قال: حدث رسول الله ﷺ أصحابه أن أمته عرضت عليه كما عرضت على آدم قال: فأعلمت بمن يؤمن بي ومن يكفر بي فبلغ ذلك المنافقين فقالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن
стр. 781
يكفر به ونحن معه ولا يعلم بنا! فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، ومن اتبع على دينك فهو في الجنة، والله عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك فنزلت.
وقال مقاتل بن سليمان١: قال الكفار إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن منا ومن يكفر فنزلت.
ونقل الثعلبي٢ عن أبي العالية أنه قال: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.
٢٦١- قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [الآية: ١٨٠] .
١- قال الواحدي٣: أجمع جمهور المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة٤.
стр. 782
قال: وروى عطية العوفي١ عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ونبوته، والبخل على هذا كتمان العلم٢.
وأخرج البخاري٣ من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار [عن أبيه] ٤ عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: "من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا ٥ أقرع له زبيبتان يطوقه ٦ يوم القيامة فأخذه بلهزمتيه -يعني شدقيه- يقول: أنا مالك أنا كنزك" ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية".
وأخرجه النسائي٧ من طريق عبد العزيز٨ بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر نحوه. قال النسائي: هذا أثبت من رواية عبد الرحمن٩.
стр. 783
قلت: بل له أصل من رواية أبي صالح فقد أخرجه ابن حبان١ من رواية الليث عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم٢ عن أبي صالح٣. وله طريق أخرى عن أبي صالح٤.
وابن أبي سلمة سلك الجادة. وهذا من دقيق نظر البخاري ويحتمل أن يكون
стр. 784
عند عبد الله بن دينار بالوجهين ويؤيده أن رواية ابن عمر ليس فيها للآية ذكر.
طريق أخرى عن أبي هريرة: أخرجها ابن مردويه والثعلبي من طريق محمد بن أبي حميد عن زياد مولى١ الخطميين عن أبي هريرة رفعه: "ما من عبد له مال فيمنعه من حقه ويضعه في غير حقه إلا مثل له". فذكره وفيه: "فيقول: أعوذ بالله منك فيقول: لم تستعيذ مني وأنا مالك الذي كنت تبخل به؟ فيطوقه في عنقه حتى يدخله جهنم ويصدق ذلك في القرآن" فذكر الآية".
ومحمد بن أبي حميد ضعيف٢.
- وفي الباب عن ابن مسعود له رفعه: "ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه وهو يفر منه يقول: أنا كنزك" ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية".
أخرجه أحمد٣ والترمذي٤ والنسائي٥ والحاكم٦.
стр. 785
وعن ثوبان أخرجه أبو يعلى١ وصححه ابن خزيمة٢ وابن حبان٣ والحاكم٤، وعن " ... "٥ عند الطبراني، وعن معاوية بن حيدة عند الطبري٦.
وأخرج الطبري٧ والثعلبي من طريق داود بن أبي هند عن أبي قزعة سويد بن حجير عن رجل من قيس٨ رفعه: "ما من كبير ٩ رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله فيبخل عنه إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه" ثم تلا: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
ثم أخرجه الطبري١٠ من وجه آخر عن أبي قزعة عن أبي مالك العبدي، ولم
стр. 786
يرفعه.
٢- قول آخر أخرج الطبري١ من طريق العوفي عن ابن عباس قال: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها.
وذكره الثعلبي٢ عنه بلفظ: نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ونبوته. قال: وأراد بالبخل: كتمان العلم٣.
٢٦٢- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [الآية: ١٨١] .
قال الثعلبي: ذكر الحسن قائل ذلك حيي بن أخطب.
قلت: أقوى من ذلك ما أخرج ابن أبي حاتم من طريق الدشتكي عن أشعث ابن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
أتت اليهود محمدا -صلى الله علية وسلم- حين أنزل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ٤، فقالوا: يا محمد افتقر ربك يسأل عباده القرض فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآية.
стр. 787
طريق آخر أتم منه: أخرج ابن أبي حاتم١ أيضا من طريق ابن إسحاق٢ حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أنه حدثه عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر بيت المدراس فوجد من اليهود أناسا كثيرا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له أشيع. فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله ﷺ جاء من عند الله بالحق تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما لنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه الأغنياء، ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيا عنا ما أعطانا الربا! فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله فاكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين.
فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك! فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "ما حملك على ما صنعت؟ " فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فغضبت لله مما قال، فضربت وجهه. فقال فنحاص: ما قلت ذلك فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص ردا عليه وتصديقا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية". وأخرجه ابن المنذر من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق بطوله بغير سند لابن إسحاق وزاد في آخره: ونزل في أبي بكر وغضبه من ذلك: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ٣.
стр. 788
وذكر الثعلبي١ عن عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق قالوا: كتب النبي ﷺ مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويقرضوا الله قرضا حسنا. فدخل أبو بكر ذات يوم بيت مدارسهم فذكر نحو ما تقدم بطوله.
و [هذا] ٢ الصدر ذكره مقاتل بن سليمان٣ بلفظه واقتصر من القصة كلها على قول فنحاص: إن الله فقير حين يسألنا القرض.
وأما عكرمة فهو الذي أخرجه ابن إسحاق من طريقه لكن الثعلبي إنما أشار إلى ما أخرجه ابن المنذر من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج قال مولى ابن عباس: أن النبي ﷺ بعث أبا بكر إلى فنحاص اليهودي [يستمده و] ٤ نهى أبا بكر أن يفتات بشيء حتى يرجع فلما قرأ فنحاص الكتاب قد احتاج ربكم فسنفعل٥ سنمده، قال أبو بكر: فهممت أن أمده بالسيف وهو متوحشه ثم ذكرت قول النبي ﷺ فنزلت: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَذىً كَثِيرًا﴾ في يهود بني قينقاع.
وأما السدي فساق القصة كسياق محمد بن إسحاق وقال: فنحاص بن عازورا، وزاد بعد قوله: والإنجيل: فآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب والباقي سواء إلا أنه قال: وما يستقرض إلا الفقير من الغني فإن كان ما تقول حقا إن الله إذا لفقير ونحن أغنياء ولم يتعرض لذكر الوفاق٦.
стр. 789
وأخرج عبد بن حميد وغيره١ من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: نزلت في اليهود صك أبو بكر وجه رجل منهم وهو الذي قال أن الله فقير ونحن أغنياء، وهو الذي قال يد الله مغلولة. قال شبل: بلغني أنه فنحاص اليهودي.
وعند عبد الرزاق٢ عن معمر عن قتادة [لما نزلت: من ذا الذي يقرض الله] ٣ قرضا حسنا قال اليهودي: إنما يقترض الفقير من الغني. زاد ابن المنذر٤ من طريق سعيد عن قتادة: ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب.
٢٦٣- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [الآية: ١٨٣] .
قال الثعلبي: قال المفسرون: كانت الغنائم والقرابين لا تحل لبني إسرائيل فكانوا إذا قربوا [قربانا أو قربوا] ٥ غنيمة فتقبل منهم ذلك جاءت نار بيضاء من السماء [.....] ٦ وحفيف فتأكل ذلك القربان وتلك الغنم [فيكون ذلك علامة القبول] ٧ فإن لم تقبل تبقى على حالها.
قلت:
стр. 790
أخرج ابن١ المنذر٢ من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج قال: كان من كان قبلنا من الأمم يقرب أحدهم القربان [فإن] تقبل منهم جاءت [نار من] السماء بيضاء فأكلته، فإن لم يتقبل [لم تأت تلك النار] فيعرف أنه [لم يقبل منهم] [......] ٣.
[وأخرج] ٤ ابن أبي حاتم من طريق أبي يزيد النعمان بن قيس المرادي٥ عن العلاء بن بدر٦ قال: كانت رسل تجيء بالبينات، ورسل علامة نبوتهم أن يضع أحدهم لحم البقر على يده فتجيء نار من السماء فتأكله فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ الآية.
قال: قلت للعلاء: كيف قال لهم ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ وهم لم يدركوا ذلك؟ قال: لموالاتهم قتلة الأنبياء.
ولابن أبي حاتم٧ من طريق العوفي عن ابن عباس: كان الرجل يتصدق فإذا تقبل منه نزعت عليه نار من السماء فأكلته.
ومن طريق جويبر عن الضحاك قالوا: يا محمد إن أتيتنا بقربان تأكله النار
стр. 791
صدقناك وإلا فلست بنبي فنزلت، وقوله: ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ ، أي: القربان الذي تأكله النار.
وذكر الثعلبي١ عن ابن الكلبي قال: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازورا وحيي بن أخطب. قالوا: يا محمد إنك تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك كتابا. وإن الله أنزل علينا في الترواة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.
وذكر [الثعلبي] ٢ عن السدي قال٣: أمر الله بني إسرائيل في التوراة من جاءكم من أحد يزعم [أنه] ٤ رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح٥ ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان. قال الله قل يا [محمد] ٦ إقامة للحجة عليهم قد جاءكم أيها اليهود رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم [......] ٧ فلم قتلتموهم وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك أنهم رضوا فعل أسلافهم.
قال الثعلبي: فمعنى الآية تكذيبهم إياك يا محمد مع علمهم بصدقك كقتل أسلافهم الأنبياء مع إتيانهم بالقربان والمعجزات.
стр. 792
قلت: إن ثبت هذا الذي نقله السدي من أنهم حذفوا من التوراة استثناء المسيح ومحمد أزال أشكالًا كبيرًا.
٢٦٤- قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ [الآية: ١٨٦] .
تقدم قريبا في قصة أبي بكر مع فنحاص.
وروينا في "حديث الزهري" جمع الذهلي١ من طريق الزهري٢ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالكعن أبيه أن كعب بن الأشرف كان شاعرا وكان يؤذي٣ النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره وكان النبي ﷺ قدم المدينة وبها المشركون واليهود فأراد أن يستصلحهم وكانوا يؤذونه وأصحابه أشد الأذى فأمره الله بالصبر على ذلك منهم وأنزل: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ .
وأخرجه عبد الرزاق٤ في "تفسيره" عن معمر عن الزهري ولم يذكر أحدا قوله٥.
وشاهده في "صحيح البخاري"٦ من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ ركب على حمار، وتحته قطيفة، فذكر القصة، وفيها: وكان رسول الله ﷺ وأصحابه
стр. 793
يعفون١ عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ إلى آخر الآية.
٢٦٥- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [الآية:١٨٧] .
يأتي في الذي بعده.
٢٦٦- قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [الآية: ١٨٨] .
١- أخرج البخاري٢ من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا له وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت.
وأخرجه أيضا مسلم٣ وابن حبان٤ من هذا الوجه.
ورواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فقصر به، لم يذكر عطاء بن يسار
стр. 794
أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" من طريق الليث عنه١ عن زيد بن أسلم قال: كان أبو سعيد وزيد بن ثابت عند مروان فقال: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ونحن نفرح بما أوتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذلك إنما ذلك أن ناسا من المنافقين فذكر الحديث وفيه: فإن كان فيهم نكبة فرحوا بتخلفهم، وإن كان لهم نصر حلفوا لهم ليرضوهم، ويحمدونهم على سرورهم بالنصر.
فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم ذلك فقال مروان: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم صدق أبو سعيد. ثم قال أبو سعيد: وهذا يعلم ذلك -يعني رافع بن خديج- ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة. فلما خرجوا قال زيد بن ثابت لأبي سعيد: ألا تحمدني على ما شهدت لك؟ فقال: شهدت بالحق فقال: أولا تحمدني إذا شهدت بالحق.
وأخرجه ابن مردويه٢ والثعلبي من طريق عبد العزيز بن يحيى المدني عن مالك عن زيد بن أسلم عن رافع بن خديج أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان وهو أمير المدينة يومئذ. فقال مروان لرافع: في أي شيء أنزلت هذه الآية ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ ؟ فقال رافع: أنزلت في أناس من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ وأصحابه في سفر تخلفوا عنه فأنكر مروان ذلك وقال: ما هذا فجزع رافع وقال لزيد بن ثابت: أنشدك بالله هل تعلم ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال زيد: نعم. فخرجا من عند مروان فقال زيد لرافع -وهو يمزح معه-: أما تحمدني لما شهدت لك؟ فقال رافع: وأي شيء هذا أحمدك على أن تشهد بالحق! قال زيد: نعم قد حمد الله
стр. 795
على الحق أهله.
قلت: عبد العزيز بن يحيى ضعيف جدًّا١. ورواية هشام أصح؛ لأنها موافقة لرواية محمد بن جعفر بن أبي كثير المخرجة في الصحيح.
ودلت هذه الرواية على أن مروان كان يكرر السؤال على هذه الآية؛ لأن في الصحيح٢ من طريق ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرىء يفرح بما أتى وأجب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعين٣! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه؟ إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب ثم تلا ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بالذي سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه.
وكذا أخرجه أحمد٤ ومسلم٥ والترمذي٦ والنسائي٧ وغيرهم.
стр. 796
ويمكن الجمع بين الحديثين بنزول الآية في حق المنافقين وفي أهل الكتاب١.
٣- قول آخر: ذكر ابن إسحاق٢ عن محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة قال في قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية قال: يعني فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلال ويحبون أن يحمدوا أن يقول٣ لهم الناس علماء وليسوا بأهل علم.
٤- قول آخر: قال عبد الرزاق٤ عن الثوري عن أبي الجحاف٥ عن مسلم البطين٦: سأل الحجاج جلساءه عن هذه الآية والتي بعدها ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ و ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ فقالوا: الأولى كتمانهم محمدا، والثانية: قولهم أنهم على دين إبراهيم.
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق شريك عن أبي الجحاف لفظه: يقولون نحن على دين إبراهيم وليسوا كذلك.
стр. 797
٥- قول آخر: أخرج عبد الرزاق١ عن معمر عن قتادة إن أهل خيبر أتوا النبي ﷺ فقالوا: إنا على رأيك ودينك وإنا لكم ود٢ فأكذبهم الله وقال: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية.
وأخرجه عبد بن حميد من رواية شيبان عنه٣ نحوه٤.
٦- قول آخر٥: أخرج عبد بن حميد من طريق جويبر عن الضحاك٦: كتب يهود المدينة إلى يهود العراق ويهود اليمن ويهود الشام ومن بلغهم كتابهم من أهل الأرض: أن محمدا ليس بنبي واثبتوا على دينكم٧ وأجمعوا كلمتكم على ذلك، فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن وفرحوا٧ بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا [وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة ونحن أولياء الله. وذلك قول الله تعالى] ٨ ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ من العبادة كالصوم والصلاة وغير ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عباد بن منصور سألت الحسن عن قوله ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قال: هم يهود خيبر قدموا على النبي ﷺ قالوا للناس حين خرجوا إليهم: إنا قد قبلنا الدين ورضينا به. فأحبوا أن يحمدوا بما لم
стр. 798
يفعلوا١.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق مغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي في هذه الآية: قال ناس من اليهود، جهزوا جيشا لرسول الله ﷺ .
وأخرج ابن أبي حاتم٢ من طريق أفلح بن سعيد٣ عن محمد بن كعب قال: كان في بني إسرائيل رجال عباد فقهاء فأدخلتهم الملوك عليهم فرخصوا لهم فأعطوهم، فخرجوا وهم فرحون٤ بما أخذوه٥.
وأخرجا٦ من طريق أبي المعلى٧ سمعت سعيد بن جبير قال: أولئك اليهود فرحوا بما أعطى الله تعالى آل إبراهيم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق٨ ابن أبي نجيح عن مجاهد هم يهود فرحوا بإعجاب [الناس] بتبديلهم الكتاب وجحودهم إياه.
٢٦٧- قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الآية:١٩٠] .
أخرج عبد بن حميد عن الحسن بن موسي عن يعقوب القمي عن جعفر بن
стр. 799
أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال: انطلقت قريش إلى اليهود فسألوهم ما أتى به موسى من الآيات؟ فذكروا عصاه ويده، وأتوا النصارى "فقالوا"١: كيف كان عيسى؟ فقالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فأنزل الله تعالى هذه الآية٢.
وأخرجه ابن أبي حاتم والطبراني٣ من رواية يحيى بن عبد الحميد عن يعقوب موصولا يذكر ابن عباس فيه، والمرسل أصح٤.
٢٦٨- قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [الآية: ١٩٥] .
أخرج الترمذي٥ والحاكم٦ من طريق عمرو بن دينار٧ عن أبي عمر بن أبي سلمة -رجل من ولد أم سلمة- قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ
стр. 800
عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ في رواية الحاكم سلمة بن عمر١ بن سلمة.
وقال عبد الرزاق٢ في "تفسيره" أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمعت رجلا من ولد أظنه قال أم سلمة فذكره.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: لا نستشهد ولا نقاتل ولا نقطع الميراث فنزلت ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ﴾ ٣.
٢٦٩- قوله تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [الآية ١٩٦] .
قال الثعلبي: نزلت٤ في مشركي العرب، وذلك؛ لأنهم كانوا في رخاء من العيش فقال بعض المؤمنين: أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع! فنزلت.
٢٧٠- قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الآية: ١٩٩] .
стр. 801
نزلت في النجاشي وذلك أنه لما مات نعاه جبريل لرسول الله ﷺ في اليوم الذي مات فيه، فقال لأصحابه: "اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم"، فقالوا: ومن هو؟ قال: "النجاشي". فخرج إلى البقيع فكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي، وصلى عليه، فكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: "استغفروا له". فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على حبشي نصراني لم يره قط، ولم يكن على دينه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وينظر في تفسير البقرة من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ١".
وأخرج الدارقطني٢ في "الأفراد"٣ من رواية معتمر عن حميد عن أنس قال:
стр. 802
قال النبي ﷺ : "قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي". فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلي على علج١ من الحبشة! فأنزل الله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية".
قال الدارقطني٢: "تفرد به معتمر ولا نعلم رواه عنه غير٣ أبي هاني أحمد بن بكار٤" كذا قال! وقد أخرجه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش عن حميد، وله طريق أخرى عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: لما مات النجاشي قال النبي ﷺ : "استغفروا لأخيكم". فقال بعض القوم: يأمرنا أن نستغفر لهذا العلج يموت بأرض الحبشة! فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية".
وهو من رواية مؤمل٥ بن إسماعيل عن حماد وفيه لين.
وأخرجه٦ عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن٧، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن عائشة٨ عن حماد.
стр. 803
وقال عبد الرزاق١: أنا معمر عن قتادة: نزلت في النجاشي وأصحابه٢.
وأخرج عبد بن حميد من رواية شيبان٣ عن قتادة نحوه، وزاد: وكانوا على شريعة من الحق يقولون في عيسى ما قال الله ويؤمنون برسول الله ويصدقون بما أنزل الله فيه، وذكر لنا أن رسول الله ﷺ صلى على النجاشي حين بلغه موته.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب٤.
وأخرج الطبراني في "الأوسط" من طريق عبد الرحمن٥ بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال: لما قدم على النبي ﷺ موت النجاشي قال: "اخرجوا فصلوا على أخ لكم" فخرجنا وتقدم فصلى وصلينا فلما انصرف قال المنافقون: انظروا إلى هذا خرج فصلى على علج نصراني لم يره قط! فأنزل الله فيه الآية".
وأخرجه أيضا من رواية قطن٦ بن خليفة عن عطية عن أبي سعيد نحوه.
وأخرج الطبراني في "الكبير"٧ من حديث وحشي بن حرب نحوه لكن قال: فقال رجل: يا رسول الله كيف نصلي عليه وقد مات في كفره فقال: "ألا تسمعون إلى
стр. 804
قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية" ١.
٢- وأخرج سنيد٢ من طريق ابن جريج: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.
وأخرج الطبري٣ من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوه٤.
٢٧١- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الآية:٢٠٠] .
أخرج الحاكم٥ من طريق مصعب بن ثابت حدثني داود بن صالح قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآية؟ قلت: لا قال يا ابن أخي:
стр. 805
[إني سمعت أبا هريرة يقول] ١: لم يكن في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة.
قلت: أورده الواحدي٢ وليس من شرطه.
"آخر ما في سورة آل عمران"٣
стр. 806
سورة النساء:
٢٧٢- قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ إلى قوله: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ [الآية: ٢] .
١- نقل الواحدي عن الكلبي١ قال: نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه، فترافعا إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية. فقال العم: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير. فدفع إليه ماله٢.
وذكر مقاتل٣ نحوه، وسمى العم: المنذر بن رفاعة٤.
وأخرجه ابن أبي حاتم٥ من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير فذكر نحوه، ولم يقل: من غطفان٦.
٢- قول آخر٧:
стр. 807
أخرج الطبري١ من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان [أهل] ٢ الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان، ويأخذ الأكبر وحده المال، فنزلت.
٢٧٣- قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [الآية: ٢] .
قال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة المسمنة من غنم اليتيم، ويجعل بدلها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح٣ الدرهم الزيف ويقول: بدرهم أخرجه ابن أبي حاتم٤ من طريق أسباط بن نصر عن السدي، [و] ٥ ذكر الطبري٦ وغيره عن الزهري والنخعي والضحاك وغيرهم نحوه٧.
٢٧٤- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ﴾ [الآية: ٣] .
١- أخرج عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد٨ واللفظ له، وعبد الرزاق٩ عن معمر كلاهما عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: بعث الله
стр. 808
محمدا ﷺ والناس على أمر جاهليتهم إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا١ عن شيء، وكانوا يسألون عن اليتامى فنزلت هذه الآية، فقصرهم على أربع فكما تخافون أن لا تعدلوا في اليتامى فكذلك خافوا٢ أن لا تعدلوا بين النساء.
ولفظ معمر خاف الناس أن لا يقسطوا في اليتامى فنزلت ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يقول: ما أحل لكم مثنى وثلاث ورباع، وخافوا٣ في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى٤.
ووصله عبد بن حميد بذكر ابن عباس مختصرًا أخرجه من طريق عبد الكريم الجزري عن سعيد عن ابن عباس قال: كما خفتم في اليتامى فخافوا في النساء إذا اجتمعن عندكم.
وأخرج ابن المنذر٥ من طريق سماك بن حرب عن عكرمة: كان الرجل يتزوج الأربع والخمس والست والعشر فيقول٦ الآخر: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فيأخذ مال اليتيم فيتزوج به فنهوا أن يتزوج٧ الرجل فوق الأربع.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء فيتزوجون ما شاؤا فربما عدلوا وربما لم يعدلوا فلما سألوا عن اليتامى فنزلت ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ بدل ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ
стр. 809
أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىْ﴾ فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعولوهن فلا تزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن؛ لأن النساء كاليتامى في الصغر والعجز١.
وأخرج عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة٢ نحو الأول، وزاد في أوله: كان الرجل في الجاهلية يتزوج العشرة فما دون ذلك فأحل الله أربعًا فقصرهم على أربعة.
٢- قول آخر: أخرج البخاري٣ من طريق ابن جريج أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رجلًا٤ كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق فكان يمسكها عليه ولم يكن لها في نفسه شيء فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. هكذا٥ أورده مختصرا من هذا الوجه، وأورده هو٦ ومسلم٧ وغيرهما من طريق أبي أسامة٨ عن هشام بلفظ٩: أنزلت هذه
стр. 810
الآية في الرجل يكون له اليتيمة وهو وليها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها ولا ينكحها إلا لمالها فيضربها ويسيىء عشرتها فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي: حل ودعوا هذه.
وأورده١ أتم منه من طريق الزهري أخبرني عروة أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط لها في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن فيبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن٢.
قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال.
قالت: فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من٣ يتامى٤ النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذ كن قليلات المال والجمال٥.
٢٧٥- قوله٦ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةًً﴾ [الآية: ٤] .