الفصل الثاني: علم أسباب النزول .
المبحث الأول: المؤلفات في أسباب النزول .
أ- ما ألف في "أسباب النزول" رواية مرتبة حسب القدم:
١- تفصيل لأسباب التنزيل عن ميمون بن مهران "ت١١٧هـ" مخطوط١.
٢- أسباب النزول للإمام علي بن المديني "ت٢٣٤"٢.
٣- القصص والأسباب التي نزل من أجلها القرآن للمحدث القاضي عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فُطيس "ت٤٠٢هـ" في نحو مائة جزء ونيف٣.
٤- أسباب النزول للإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي "ت٤٦٨هـ" طبع مرات٤ وله نسخ خطية كثيرة له في "الفهرس الشامل" سبعًا وستين
стр. 72
نسخة١.
٥- أسباب النزول والقصص الفرقانية لأبي المظفر بن أسعد العراقي الحنفي الحكيمي "ت٥٦٧هـ" وهو كتاب يخلو من الأسانيد تماما! ٢
٦- "الأسباب والنزول على مذهب آل الرسول" لأبي جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب الطبري الشيعي "ت٥٨٨هـ"٣.
٧- "أسباب النزول" للإمام أبي الفرج بن الجوزي "ت٥٩٧"٤.
٨- "أسباب نزول الآي" للملك الصالح أبي الفتح محمود بن محمد بن قراسلان الأرتقي "ت٦١٩هـ" وهو مختصر كتاب الواحدي٥.
٩- "عجائب النقول في أسباب النزول" لأبي إسحاق إبراهيم بن عمر
стр. 73
الجعبري "ت٧٣٢هـ"١ ذكر السيوطي أنه اختصره من كتاب الواحدي فحذف أسانيده ولم يزد عليه شيئًا٢.
١٠- "سبب النزول في تبليغ الرسول" لابن الفصيح: فخر الدين أحمد بن علي بن أحمد الكوفي "ت٧٥٥هـ"٣.
١١- "رسالة في أسباب النزول" لعلي بن شهاب الدين حسن بن محمد الهمذاني "ت٧٨٦هـ"٤.
١٢- "العجاب في بيان الأسباب" للحافظ ابن حجر العسقلاني "ت٨٥٢هـ" وهو كتابنا هذا.
١٣- مدد الرحمن في "أسباب نزول القرآن" للقاضي زين الدين عبد الرحمن بن علاء الدين علي بن إسحاق التميمي الداري الخليلي المقدسي الشافعي "ت٨٧٦هـ"٥.
١٤- "لباب النقول في أسباب النزول" للحافظ جلال الدين السيوطي "ت٩١١هـ" ألفه بعد "الإتقان"٦ وقد ذكر فيه أسباب نزول لمائة سورة واثنتين. طبع مرات٧.
стр. 74
١٥- "إرشاد الرحمن لأسباب النزول والنسخ المتشابه وتجويد القرآن" لعطية الله بن عطية البرهاني الشافعي الأجهوري "ت١١٩٠هـ".
منه نسخ متعددة في الأزهرية بمصر وغيرها١.
١٦- "لب التفاسير في معرفة أسباب النزول والتفسير" لمحمد بن عبد الله القاضي الرومي الحنفي الشهير بلُبي الحافظ "ت١١٩٥هـ"٢.
١٧- "أسباب التنزيل" لأحمد بن علي بن أحمد بن محمود الحنفي "مجهول الوفاة" مخطوط في دار الكتب المصرية٣.
١٨- "أسباب النزول" لعبد الجليل النقشبندي "ت:" مخطوط في الأزهر٤.
وهناك كتب أخرى غيرها لكنها مجهولة المؤلف٥.
أما الكتب الحديثة فهي:
١٩- "الصحيح المسند في أسباب النزول" للشيخ مقبل الوداعي، والسور التي ذكرها هي "٥٦" سورة فقط. طبع قبل عام "١٩٨٣"٦.
٢٠- "جامع النقول في أسباب النزول وشرح آياتها" لعليوي خليفة عليوي، طبع الطبعة الأولى في سنة ١٤٠٤هـ الموافق سنة ١٩٨٤.
стр. 75
٢١- "أسباب النزول القرآني" للدكتور غازي عناية، طبع في الجزائر سنة "١٩٨٧"١.
٢٢- "أسباب النزول عن الصحابة والمفسرين" لعبد الفتاح القاضي طبع سنة "١٩٨٧" ٢.
ب- مَنْ كتب في أسباب النزول دراية:
١- ابن تيمية "ت٧٢٨هـ" في "مقدمة التفسير"٣.
تناول العموم والخصوص، وفائدة معرفة السبب، ومعنى قولهم: نزلت في كذا، ودرجة قول الصاحب: هذه الآية نزلت في كذا، وهو يرى تعدد الأسباب، ويرى تكرار النزول.
٢- الشاطبي "ت٧٩٠هـ" في "المؤلفات"٤.
стр. 76
تكلم على لزوم معرفة أسباب التنزيل.
٣- الزركشي "ت٧٩٤هـ" في "البرهان في علوم القرآن"١.
وقد جعله "النوع الأول" ذكر فيه كتابي المديني والواحدي ثم فوائده، وهي عنده ست فوائد، وهو يرى تكرر النزول، ثم تنازل درجة قول الصحابي، ثم خصوص السبب وعموم الصيغة، ثم تقدم نزول الآية على الحكم.
ثم ناقش مسألة البداءة بالسبب أو المناسبة أيهما أولى.
٤- السيوطي "ت٩١١هـ" في كتابه "التخبير في علم التفسير"٢ النوع الحادي عشر، وكلامه هنا مختصر ثم توسع في "الإتقان في علوم القرآن"٣.
وقد جعله "النوع التاسع" وأفاد من ابن تيمية والزركشي، وطوى ذكر الثاني كثيرًا! وأضاف تحقيقات مهمة.
ثم ألف "لباب النقول" وأعاد في مقدماته ما قاله في "الإتقان" ولكن باختصار٤.
٥- طاش كبري زاده "ت٩٦٨هـ" في كتابه "مفتاح السعادة ومفتاح السيادة"٥. وكل ما قاله أخذه من السيوطي ولم يصرح!
٦- الحاج خليفة "ت١٠٦٧هـ" في "كشف الظنون عن أسامي الكتب
стр. 77
والفنون"١. أفاد من طاش كبري والسيوطي.
٧- حجة الله الدهلوي "ت١١٧٦هـ" في "الفوز الكبير في أصول التفسير"٢.
٨- محسن المساوي "ت١٣٥٤هـ" في "نهج التيسير شرح منظومة التفسير"٣ والمنظومة لعبد العزيز الزمزمي "ت٩٧٦هـ" أخذها من كتاب "النقاية" للسيوطي٤.
وأفاد الشارح معظم شرحه من الإتقان وشرح النقاية لليسوطي، صرح بذلك في الخاتمة٥.
٩- محمد عبد العظيم الزرقاني في "مناهل العرفان في علوم القرآن"٦. وأكثر ما أورده مستفاد من السيوطي ولم يشر إلا أنه قال في تصدير الطبعة الثالثة٧: "لا أدعي أنني أنشأت وابتكرت، ولا أحدثت وابتدعت، بل قصاراي أنني فهمت وأحسنت العرض إذا كنت وُفقت، أما المادة نفسها فالفضل فيها لعلماء هذه الأمة.." وهذا كلام عام أيضًا.
وقد أضاف العموم والخصوص بين لفظ الشارع وسببه، وعموم اللفظ وخصوص السبب بتوسع فقط٨.
стр. 78
١٠- قاسم القيسي "ت١٣٧٥هـ" في "تاريخ التفسير"١ الذي انتهى منه سنة ١٣٦٣هـ وكل ما كتبه مستفاد من كشف الظنون ولم يشر!
١١- محمد عزة دروزة "ت١٤٠٤هـ" في كتابه "القرآن المجيد"٢ وهو مقدمة تفسيره "التفسير الحديث".
قال فيه٣: "إن هناك روايات كثيرة في أسباب النزول ومناسباته، وقد حشرت في كثير من كتب التفسير التي كتبت في مختلف الأدوار، لا تثبت على النقد والتحميص طويلًا، سواء بسبب ما فيها من تعدد وتناقض ومغايرة، أو من عدم الاتساق مع روح الآيات التي وردت فيها وسياقها بل ونصوصها أحيانًا، ومع آيات أخرى متصلة بموضوعها أو موضحة لها أو عاطفة عليها، حتى إن الناقد البصير ليرى في كثير من هذه الروايات أثر ما كان من القرون الإسلامية الثلاثة من خلافات سياسية ومذهبية وعنصرية وفقهية وكلامية قوي البروز، وحتى ليقع في نفسه إن كثيرًا منها منحول أو مدسوس أو محرف عن سوء نية وقصد تشويش وتشويه ودعاية ونكاية وحجاج وتشهير، أو قصد تأييد رأي أو شيعة على شيعة ... إلخ"٤.
١٢- محمد الطاهر بن عاشور "ت١٣٩٣هـ" في مقدمات تفسيره "التحرير والتنوير"٥. انتقد إكثار المفسرين من تطلب أسباب النزول.
ثم قال: "وقد تصفحت أسباب النزول التي صحت أسانيدها فوجدتها خمسة
стр. 79
أقسام" وأورد هذه الأقسام ومثل لها ثم كتب كلمة عن فائدة الأسباب١ ومادته مستقاة من الإتقان وقد أحال عليه أكثر من مرة٢.
١٣- الدكتور محمد محمد أبو شهبة: في كتابه "المدخل لدراسة القرآن الكريم"٣ وما كتبه مطابق لما جاء في "مناهل العرفان" تماما لم يشر "إلى شيء من ذلك٤!!
١٤- الدكتور صبحي الصالح "ت١٤٠٧هـ" في كتابه "مباحث في علوم القرآن"٥ مادته من البرهان للزركشي والإتقان للسيوطي، وجديدة في حسن العرض الأدبي والتنسيق والترتيب٦.
١٥- الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه "روائع القرآن"٧.
اعتمد على "الواحدي وفتح الباري والإتقان" والظاهر أنه أفاد من الدكتور صبحي الصالح ولا جديد لديه٨.
١٦- الأستاذان فاضل شاكر وفرج توفيق الوليد في كتابهما "المنتقى في علوم القرآن"٩ وما يتعلق بأسباب النزول كتبه الأستاذ الوليد.
стр. 80
وصرح بمصادره في الهامش١.
١٧- الدكتور حماد عبد الخالق حلوة في كتابه "أسباب نزول القرآن: مصادرها ومناهجها" وهو في الأصل رسالة نال بها درجة الدكتوراه قبل عام ١٩٨٠ وقد طبع في جزأين خصص الأول لبحث مصادر روايات أسباب التنزيل من كتب الحديث وعلوم القرآن، والكتب المخصصة لذلك. والثاني لبحث مناهج العلماء في دراسة أسباب التنزيل، فتحدث عن مناهج المحدثين والمفسرين والمؤرخين والمصنفين في أسباب التنزيل، كما بحث أثر الوضع والنزعات المذهبية في الأسباب وأثرها على بناء المجتمع الإسلامي٢.
١٨- الدكتور غانم قدوري حمد في كتابه "محاضرات في علوم القرآن"٣، وقد اعتمد على مصادر جيدة صرح بها في هوامشه٤.
١٩- الدكتور عدنان محمد زرزور في كتابه "علوم القرآن: مدخل إلى تفسير القرآن وبيان إعجازه"٥.
لا جديد لديه، وقد أفاد من ابن تيمية والزركشي والسيوطي بدون استقصاء في العزو٦.
٢٠- مقبل الوداعي في مقدمة كتابه "الصحيح المسند في أسباب النزول"، وقد أوجز الكلام عنها تحت عنوان "قواعد أصولية" وأفاد من "مباحث في علوم القرآن" لمناع القطان٧.
стр. 81
٢١- الدكتور جمعة عبد الله سهل "من السودان" وقد كتب في أسباب النزول رسالة نال بها شهادة الدكتوراه في جامعة أم القرى بمكة في حدود عام ١٤٠٥هـ١.
٢٢- الأستاذ بهاء الدين الزهوري في مقاله: "القرآن الكريم ومعرفة أسباب النزول" ولا جديد فيه٢.
٢٣- الدكتور غازي عناية في أول كتابه "أسباب النزول القرآني" وقد خصص أول تسعين صفحة لقواعد الأسباب وهي مأخوذة من كتابي "البرهان والإتقان"٢.
٢٤- عبد الفتاح القاضي في مقدمة كتابه "أسباب النزول عن الصحابة والمفسرين". وما كتبه مستفاد من الإتقان ولم يشر٤.
٢٥- عصام عبد المحسن الحميدان في "أسباب النزول وأثرها في التفسير"، وهي رسالة ماجستير في كلية أصول الدين بجامعة محمد بن سعود٥.
٢٦- عبد الرحيم فارس أبو علبة في كتابه "أسباب نزول القرآن: دراسة وتحليل" وهو في الأصل رسالة نال بها الباحث شهادة الماجستير في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية عام ١٤١٠-١٩٩٠ ٦.
وعلى هذا الكتاب مؤاخذات كثيرة سأعرض لبعض منها في مناسباتها، ولكن
стр. 82
يتأكد عليَّ هنا أن أذكر أمرًا خطيرًا جدًّا وقع فيه المؤلف وهو تكذيب الإمام شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري، وهو شيء لا يسكت عليه -وإن لم تكن له مناسبة ظاهرة:
ذلك أن الطبري يروي في تفسيره عن محمد بن سعد ونصه:
"حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس" وهذا السند كثير الدوران في التفسير، والمقصود بالأب الأعلى: عطية العوفي، وقد صرح ابن حجر باسمه في جميع المواضع التي نقل فيها روايته، وعلى هذا فمحمد بن سعد شيخ الطبري من ذريته وقد ذكره الذهبي في "ميزان الاعتدال"١ فقال: "محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي ... قال الخطيب: كان لينًا في الحديث، وروى الحاكم عن الدارقطني أنه لا بأس به توفي سنة ٢٧٦" ولكن الباحث أبا علبة جعل محمد بن سعد هذا: صاحب الطبقات كاتب الواقدي، وقال عنه٢ وهو يناقش روايته: "توفي سنة ٢٣٠ وولد الطبري سنة ٢٢٤ أي: أن عمره كان ست سنوات ولم يكن قد وعي وخرج من بلده وآمل بطبرستان حتى يتم لقاء بينهما فيحدثه، ولذلك ترد هذه الرواية" وأعاد هذا في موضع آخر٣ وقال: إن الطبري لم يأخذ عن محمد بن سعد وهو صاحب كتاب الطبقات ... إلخ".
وهذا أمر في غاية الاستغراب ولا أدري كيف فات اللجنة التي ناقشته! وكان على الباحث أن يتأنى كثيرًا قبل أن يصدر حكمه القاضي بتكذيب هذا الإمام الذي ينص على السماع من محمد بن سعد هذا بصيغة خاصة وهي "حدثني" وهو بهذا.
стр. 83
يهدم الثقة بالتفسير كله، لاحتمال أن يكون الطبري قد استعمل هذه الصيغة في شيوخ آخرين لم يدركهم ولم يحدثوه!!!
أكتفي الآن بهذه الإشارة ولي إلى الكتاب عودة أخرى في مكان آخر إن شاء الله.
стр. 84
المبحث الثاني: قواعد علم أسباب النزول
أ- تعريفه:
قال السيوطي١: "والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره٢ في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة٣ فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية ... ".
وعلى هذا فنزول القرآن -كما يقول الجعبري- على قسمين:
- قسم نزل ابتداء.
- وقسم عقب واقعة أو سؤال٤.
فكل رواية لا تذكر واقعة عينية او سؤالًا محددًا في أيام تنزل الوحي فلا تقبل على أنها سبب نزول، وإنما تؤخذ باعتبارها تفسير لتلك الآية أو الآيات، وبهذا التحديد يحصل التمايز بين القسمين. على أننا يجب أن لا يغيب عن بالنا ما قاله الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور: "أسباب النزول ما هي إلا مناسبات، لا أسباب
стр. 85
حقيقية، وإن سميت أسبابًا على طريقة التسامح والتجاوز"١.
ب- فوائده وأهميته:
تواردت كلمات العلماء والباحثين على فائدة هذا العلم وأهميته، وقد عد له الزركشي٢ ست فوائد هي باختصار:
١- "معرفة"٣ وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
٢- تخصيص الحكم به عند مَنْ يرى أن العبرة بخصوص السبب.
٣- الوقوف على المعنى قال الشيخ أبو الفتح القشيري٤: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز هو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا.
٤- أنه قد يكون اللفظ عامًّا, ويقوم الدليل على التخصيص، فإن محل السبب لا يجوز إخراجه بالاجتهاد والإجماع٥، كما حكاه القاضي أبو بكر٦ في "مختصر التقريب" لأن دخول السبب قطعي٧.
стр. 86
٥- دفع توهم الحصر ولا يتضح هذا إلا بإيراد المثال الذي ذكره الزركشي١ ونقله مَنْ بعده حتى اليوم وهو:
"قال الشافعي ما معناه في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية ٢: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه نازلًا منزلة مَنْ يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول: لا آكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة؛ فكأنه قال: لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد به حل ما وراءه؛ إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل".
٦- إزالة الإشكال. ومثل له بسؤال مروان بن الحكم٣ عن قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ وجواب ابن عباس له.
وقد أخذ السيوطي كل هذه الفوائد وذكرها في "الإتقان" ولم يعزها للزركشي، وتصرف بأن جمع بين الثالثة والسادسة في فائدة واحدة، وزاد أخرى وهي٤:
٧- "معرفة اسم النازل فيه الآية وتعيين المبهم فيها، ولقد قال مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر: إنه الذي أنزل فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَاْ﴾ ٥ حتى ردت عليه
стр. 87
عائشة وبينت له سبب نزولها".
وقد أخذ الزرقاني نص السيوطي وزاد فائدة هي١:
٨- "تيسير الحفظ، وتسهيل الفهم، وتثبيت الوحي، في ذهن كل مَنْ يسمع الآية إذا عرف سببها، وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة. كل أولئك من دواعي تقرر الأشياء وانتقاشها في الذهن، وسهول استذكارها عند استذكار مقارناتها في الفكر وذلك هو قانون تداعي المعاني، المقرر في علم النفس".
وقد ناقش الباحث أبو علبة الفائدة الأولى والخامسة والثانية والرابعة فرد الأوليين وذهب إلى أن موضع الآخريين في علم أصول الفقه لا هنا٢.
هذا وقد اعتاد المؤلفون أن يوردوا في هذا السياق قول الواحدي: "لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها"٣ وقول ابن تيمية٤: "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب"٥.
ومن المهم إيراد بعض كلام الإمام الشاطبي في هذا الموضوع لأهميته فإنه يقول: "معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:
стр. 88
أحدهما: إن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره عن معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام لفظه واحد ويدخله معانٍ أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها. ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال: وليس كل حال يُنقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط فهي من المهمات في فهم الكتاب ولا بد، ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال، وينشأ عن هذا الوجه.
الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد١ عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد [فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد] ٢ وقبلتها واحدة؟
فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن
стр. 89
عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه، فأرسل إليه، فقال: أعد علي ما قلت. فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه. وما قاله صحيح في الاعتبار، يتبين بما هو أقرب فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعًا: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله، إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن".
ثم ذهب يمثل على كلامه.
وقد اشترط العلماء للمفسر معرفته بأسباب النزول: يقول مؤلف١ "مقدمة كتاب المباني لنظم المعاني"٢:
"ووجه آخر من التفسير أن يبين الناسخ والمنسوخ من أحكام القرآن وما هو حتم من أوامر، أو ترغيب أو تأديب، وما هو عام من الأخبار أو خاص، ويقطع على مراد الله تعالى من كل شيء من ذلك. وما كان من هذا الوجه فإن أولئك الذين شاهدوا وعرفوا سبب نزول الآيات من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم الذين بعدهم ممن كانوا مِنْ علم تلك الأحوال بمنزلة مَنْ شاهدها لقرب عهدهم بها، واستفاضة أخبارها لديهم وهم التابعون، مَنْ٣ كان يجوز لهم تفسير آيات القرآن على مقتضى ما
стр. 90
شاهدوه وعرفوا من أسباب نزولها وأحوال من نزلت فيهم، وليس لمن بعدهم ممن لم يتحققوا تلك الأحوال إلا بأخبار تنقل إليهم على ألسنة الرواة مما لا ينقطع على مغيبه باليقين، أن يتعاطوا هذا الوجه من التفسير، وإنما عليهم أن يتبعوا أولئك السابقين ويتطلبوا مذاهبهم وأقوالهم في ذلك فيأخذوا بما أجمعوا عليه أخذًا لا معدل عنه، وينظروا فيما اختلفوا فيه فيتخيروا ما هو أهنأ وأهدى ... ".
وعلى هذا درج الزركشي١ والسيوطي٢ والمتأخرون٣ ولم أقف على مخالف إلا حجة الله الدهلوي فقد قال٤:
"إن أكثر أسباب النزول لا مدخل لها في فهم معاني الآيات اللهم إلا شيء قليل من القصص يذكر في هذه التفاسير الثلاثة٥ التي هي أصح التفاسير عند المحدثين، وأما إفراد محمد بن إسحاق والواقدي والكلبي وما ذكروا تحت كل آية من قصة فأكثره غير صحيح عند المحدثين وفي إسناده نظر، ومن الخطأ البين أن يعد ذلك من شروط التفسير" قلت: لم يعد أحد هذا من شروط التفسير وقد اشترطوا الصحة
стр. 91
في الأسباب وصرخوا بذلك كما سيأتي.
ج- طريق معرفة سبب النزول:
لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح يقول الإمام السيوطي في "المقامة السندسية في النسبة المصطفوية": "قد تقرر في علوم الحديث أن سبب النزول حكمه حكم الحديث المرفوع، لا يقبل منه إلا الصحيح المتصل الإسناده، لا ضعيف ولا مقطوع"١.
وهذا أدق من قول الواحدي٢:
"لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلاب".
فإن اشتراط الرواية والسماع لا يكفي ولا بد من التصريح باشتراط الصحة ولهذا انتقد ابن حجر المواحدي كما سيأتي٣.
وقد رويت أسباب النزول عن صحابة وتابعين:
١- فما كان من صحابي فهو مقبول، وله حكم الرفع -في هذا الباب- والإمام الحاكم، وإن قال في "المستدرك٤ على الشيخين": "وتفسير الصحابي عندهما مسند" فإنه قيد هذا في "معرفة علوم الحديث" فقال٥: "فأما ما نقول في تفسير الصحابي
стр. 92
فإنه قيد هذا في "معرفة علوم الحديث" فقال١: "فأما ما نقول في تفسير الصحابي: مسند، فإنما نقوله في غير هذا النوع٢ فإنه كما أخبرناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار حدثنا إسماعيل٣ بن إسحاق القاضي ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: كانت اليهود تقول: مَنْ أتى امرأته من دبرها. في قبلها، جاء الولد أحول، فأنزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم﴾ .
"ف"٤ هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها، وليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي٥ شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند".
وقد تبعه الخطيب البغدادي٦ وابن الصلاح٧ والعراقي فقال في ألفيته:
وعد ما فسره الصحابي ... رفعًا فمحمول على الأسباب٨
стр. 93
وليس كل تفسير له حكم الرفع يقول الحافظ ابن حجر في كتابه "النكت على ابن الصلاح"١: والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع، وإلا فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء، وعن الأمور الآتية: كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار، والإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها فيحكم لها بالرفع.
قال أبو عمرو الداني: قد يحكي الصحابي ﵁ قولًا يوقفه، فيخرجه أهل الحديث في المسند، لامتناع أن يكون الصحابي قاله إلا بتوقيف ...
وأما إذا فسر آية تتعلق بحكم شرعي فيحتمل أن يكون مستفادًا عن النبي ﷺ وعن القواعد، فلا يجزم برفعه، وكذا إذا فسّر مفردًا فهذا نقل عن اللسان خاصة، فلا يجزم برفعه٢.
وهذا التحرير الذي حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة كصاحبي الصحيحين والإمام الشافعي وأبي جعفر الطبري وأبي جعفر الطحاوي وأبي بكر بن مردوية في تفسيره المسند والبيهقي وابن عبد البر في آخرين٣.
وكلام ابن تيمية يشير إلى أن قول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا أي: غير الصريح في السببية فيه نزاع يقول٤:
стр. 94
"وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله في المسند، وأكثر المساند على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقبه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند".
ويفهم من هذا أن البخاري ﵀ لا يفرق بين التصريح بالسبب وعدمه ويكتفي بظاهر العبارة والله أعلم.
ومن متعلقات الموضوع ما قاله السيوطي في "تدريب الراوي"١ في هذا المبحث:
"ما ذكروه من أن سبب النزول مرفوع، قال شيخ الإسلام: يعكر على إطلاقه ما إذا أسقط الراوي السبب: كما في حديث زيد بن ثابت أن الوسطى الظهر، نقلته من خطه".
هذا وقد كان الصحابة يطلبون علم ذلك ويبحثون عنه:
روى الإمام البخاري عن ابن عباس قال: "مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجًّا فخرجت معه، فلما رجعت وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت له: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ من أزواجه؟
فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبرتك به ... "٢. وإضافة إلى ذلك كانوا يفخرون بهذا
стр. 95
تحدثًا نبعمة الله عليهم:
أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء" من طريق أبي بكر بن عياش عن نصير بن سليمان الأحمسي عن أبيه عن علي "بن أبي طالب" قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيمَ أنزلت وأين نزلت، إن ربي وهب لي قلبًا عقولًا ولسانًا سئولًا"١.
وروى الإمام البخاري في كتاب فضائل القرآن من "صحيحه" عن مسروق قال: "قال عبد الله "بن مسعود" ﵁: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه"٢.
ب- وإن كانت الرواية عن تابعي:
فقال قال السيوطي٣: "ما تقدم أنه من قبيل المسند من الصحابي إذا وقع من
стр. 96
تابعي فهو مرفوع أيضًا لكنه مرسل١، فقد يقبل:
١- إذا صح السند إليه.
٢- وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير.
٣- أو٢ اعتضد بمرسل آخر ونحو ذلك"٣.
وقد جاء عن التابعين ما يدل على اهتمامهم بالأسباب:
روى أبو عبيد٤ في "فضائل القرآن"٥ عن الحسن البصري أنه قال: "ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت، وما أراد بها"٦.
وقال القرطبي٧:
"قال عكرمة في قوله : ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ
стр. 97
وَرَسُولِه﴾ "
طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته. وقال ابن عبد البر: هو ضمرة بن حبيب".
وروى الواحدي١ بسنده عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة "بن عمرو" عن آية من القرآن فقال: اتق الله وقل سدادًا، ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن٢.
وفي ختام هذه الفقرة لا بد من ذكر كلام لابن تيمية في شرح هذا الاستعمال:
"نزلت في كذا" يقول رحمه الله٣:
"وقولهم: تزلت هذه الآية في كذا":
١- يراد به تارة أنه سبب النزول".
٢- ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول: عُني بهذه الآية كذا.
والظاهر أن الزركشي أفاد هذا المعنى من ابن تيمية ولكنه ضيقه حين قال٤:
"قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: إذا نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها، وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند كما في قول ابن عمر في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم﴾ وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند وكذلك مسلم
стр. 98
وغيره، وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال وبالتأويل فهو من جنس الاستدلال بالآية على الحكم بالآية، لا من جنس لنقل لما وقع".
قلت: وفي هذا التضييق نظر، وقولهم: "نزل في" ليس مقصورًا على هذا.
د- قضية تعدد الأسباب والنازل واحد:
ممن تكلم في تحقيق هذه القضية الإمام السيوطي، وسأورد هنا كلامه وأطوي ذكر الأمثلة اعتمادًا على ورودها في "الإتقان"١ قال ﵀:
كثيرًا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسبابًا متعددة، وطريق الاعتماد في ذلك أن ينظر في العبارة الواقعة:
١- فإن عبر أحدهم بقوله: "نزلت في كذا" والآخر: "نزلت في كذا" وذكر أمرًا آخر، فقد تقدم أن هذا يراد به التفسير لا ذكر سبب النزول فلا منافاة بين قولها إذا كان اللفظ يتناولهما وزاد في "لباب النقول"٢ هنا قوله:
"وحينئذ فحق مثل هذا أن لا يورد في تصانيف أسباب النزول، وإنما يذكر في تصانيف أحكام القرآن".
٢- وإن عبر واحد بقوله: "نزلت في كذا" وصرح الآخر بذكر سبب خلافه فهو المعتمد، وذاك استنباط.
٣- وإن ذكر واحد سببًا وآخر سببًا غيره، فإن كان إسناد أحدهما صحيحًا دون الآخر، فالصحيح: المعتمد.
٤- أن يستوي الإسنادان في الصحة فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر
стр. 99
القصة زاد في "اللباب"١: "أو من علماء التفسير كابن عباس وابن مسعود" أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات.
٥- أن يمكن نزولها عقيب السببين أو الأسباب المذكورة بأن لا تكون معلومة التباعد، فيحمل على ذلك ... قال ابن حجر٢: لا مانع من تعدد الأسباب٣.
٦- أن لا يمكن ذلك فيحمل على تعدد النزول وتكرره.
ثم ختم السيوطي كلامه بثلاثة تنبيهات:
- قال في الأول: "قد يكون في إحدى القصتين: "فتلا" فيهم الراوي فيقول: "فنزل".
- وفي الثاني: "عكس ما تقدم أن يذكر سبب واحد في نزول الآيات المتفرقة ولا إشكال في ذلك، فقد ينزل في الواقعة الواحدة آيات عديدة في سورٍ شتى".
стр. 100
- وفي الثالث: "تأمل ما ذكرته لك في هذه المسألة، واشدد به يديك، فإني حررته واستخرجته بفكري من استقراء صنيع الأئمة ومتفرقات كلامهم، ولم أسبق إليه".
قلت: والفقرات الأولى والثانية والرابعة والخامسة من كلام ابن تيمية١، والتنبيه الأول مستنبط من كلام ابن حجر٢، والباقي والأمثلة له٣.
هذا وقد اعتاد الكاتبون في أسباب النزول التعرض إلى قضية عموم اللفظ وخصوص السبب وهي مسألة أصولية وموضعها في كتب الأصول٤.
وكذلك يتناولون مسألة السبب والتناسب والعلاقة بينهما، ولم أر داعيًا لذكر هذا هنا٥.
стр. 101
الفصل الثالث: دراسة الكتاب .
المبحث الأول: التعريف بالكتاب .
١- محتواه وصفًا وكمًّا ونوعًا:
يحتوي الكتاب على أسباب نزول الآيات القرآنية التي ذكر لها سبب في الروايات عن الصحابة والتابعين، وفي كتب التفسير مستقرأة من مصادر كثيرة.
وطريقته أن يورد الآية بل بعضها ثم يسوق الروايات كما هي طريقة الواحدي من قبل، وإذا أراد أن يورد قولًا آخر عنون لذلك بقوله: "قول آخر" أو "سبب آخر" ولم أجد فرقًا بين التعبيرين، وأما الواحدي فلم يستعمل إضافة "قول آخر" حين تتعدد الأقوال إلا مرة واحدة في كتابه كله١.
وفي الآية التي تشتمل على مضامين متعددة نراه يذكر الآية جزءًا جزءًا، ليورد تحت كل جزء ما ورد فيه من أسباب، وإن نظرة سريعة على الأرقام بعد الآيات تظهر لك هذا سريعًا، وقد استعمل هذا من قبله الواحدي٢، ومن بعده السيوطي٣.
وهو أوسع الكتب المؤلفة في هذا المجال وإليك هذا الجدول الموضح لعدد العناوين عند الأئمة الثلاثة: الواحدي وابن حجر والسيوطي:
стр. 102
وقد درج على إيراد الآيات متسلسلة وكذلك المقاطع في ضمن الآية إلا في سبعة مواضع هي: "١٤٣ و١٧٩ و١٩٧ من البقرة و١٥ و١٥٩ من آل عمران و٧٤ من النساء" وأذنت لنفسي بترتيبها حسب التسلسل رعاية لنظم القرآن وأشرت في الهوامش إلى ذلك.
ووقع شيء من هذا عند الوحدي: "كما في الآية ٧٥ من البقرة و٤٣ من الأحزاب" والسيوطي: "كما في الآية ٢٦ من سورة الإسراء".
وهو يورد الآيات العناوين على قراءة حفص عن عاصم إلا في موضعين في الآية "١٠٦" من البقرة و"٣٣" من النساء.
٢- عنوانه:
صرح المؤلف في نهاية مقدمته أنه سماه: "العجاب في بيان الأسباب"١، وقد ذكره في كتابه الإصابة أربع مرات: مرتين باسم "أسباب النزول"٢، ومرة باسم "سبب النزول"٣ ومرة أخرى باسم "الأسباب"٤.
стр. 103
ونقل الدكتور شاكر محمود عن السخاوي -تلميذ المؤلف- أنه ذكر له في كتابه "الجواهر والدرر" في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" عنوانين: "الإعجاب بتبيان الأسباب" و"العباب في بيان الأسباب"١.
وذكره البقاعي بعنوان "الإعجاب ببيان الأسباب"٢ ورأى الدكتور شاكر أن "الأنساب" محرفة عن "الأسباب"٣. وهو كما رأى.
أما السيوطي فقد ذكر في كتابه "نظم العقيان": "الإعجاب ببيان الأنساب" ثم في صفحة ثانية ذكر "أسباب النزول"٤ ولم يسمه في "التحبير" و"الإتقان"٥.
ولكنه في آخر "الدرر المنثور" نقل عنه نصًّا طويلًا وقال: "قال الحافظ ابن حجر ﵁ في أول كتابه أسباب النزول وسماه "العجاب في بيان الأسباب"٦".
وسماه المناوي: "أسباب النزول"٧.
وذكره الحاج خليفة مرتين الأولى سماه فيها "أسباب النزول" والثانية: "الإعجاب ببيان أو تبيان الأسباب" وزاد قوله هنا موضحًا: "في مجلد ضخم في
стр. 104
أسباب النزول"١، وكذلك ذكره إسماعيل باشا البغدادي وبهذين العنوانين٢.
والراجح هو الاسم الأول: "العجاب في بيان الأسباب".
أما العنوان الآخر: "الإعجاب ببيان أو تبيان الأسباب" فلعله سماه به أولا ثم غيره إلى هذا العنوان المثبت في المخطوط، وقد ذكر بالعنوان الأول في كتاب تقليد المؤلف منصب القضاء في السابع من محرم سنة "٨٢٧" الذي أنشأه العلامة الأديب ابن حجة الحموي٣ وضمنه أسماء مؤلفاته بطريق الإشارة وفيه:
" ... فإنه الشهاب الذي نجوم تصانيفه مشرقة في ظلمة كل إشكال، ولما خشينا من الجهل برجال الحديث بادر إلى "الاحتفال بأسماء الرجال" وهو بحمد الله "نخبة" هذا العصر، وصاحب "المقدمة" وبه حصل "التغليق"٤ وفزنا بـ"التوفيق"، وهمنا إليه بـ"التشويق" فأكرم بها مكرمة.
ولقد تميز عندنا بـ"تقريب الغريب"، وقلنا: لا يُنكر ذلك لمن جبل على "تهذيب التهذيب" وتالله إن "ثقاه الرجال" تشهد له بـ"التمييز"٥ و"الإعجاب" فإنه المقرر "للإصابة" وعنده "شفاء الغلل" وخاص "اللباب" ... إلخ"٦.
стр. 105
وأما "العباب" اللفظ المنقول عن "الجواهر والدرر" فهو محرف عن "العجاب"١.
٣- نسبته إلى مؤلفه:
لا شك في نسبة هذا الكتاب إلى ابن حجر عزاه هو إلى نفسه في الإصابة كما مر، وعزاه إليه تلميذاه السخاوي والبقاعي، ثم السيوطي وطاش كبري زاده٢ والمناوي والحاج خليفة والبغدادي٣.
ويؤكد هذا أن ابن حجر ذكر فيه كتابين مشهورين له هما:
كتابه في "الصحابة"٤، و"تغليق التعليق"٥. ولا شك في نسبة هذه النسخة منه إليه لتطابق ما نقل عنها مع ما وجد فيها، ولأن ناسخها من كبار العلماء الأثبات وستأتي ترجمته.
٤- تاريخ تأليفه:
لا بد لمعرفة تاريخ تأليفه من الرجوع إلى الكتاب نفسه، وقد أحصيت المواضع التي تفيد في اكتشاف التاريخ بعد بحث دقيق فكان لدي ما يأتي:
- في الصحفة الثانية من المخطوط قال عن حديث: "وقرأته على أم الحسن بنت العز محمد بن أحمد بن المنجا بدمشق" وكانت رحلته إلى دمشق سنة "٨٠٢".
стр. 106
قال البقاعي في ترجمته١: "وكان له وصوله إليها في مستهل رمضان سنة اثنتين وثمانمائة، وانفصل عنها إلى القاهرة في أول المحرم سنة ثلاثة وثمانمائة".
وتأليف "العجاب" كان بعد هذه الرحلة.
- وفي الصفحة "١٢٠" قال عن "الصُلب بن حكيم": "وهو أخو بهز بن حكيم" وكذلك قال في كتابه "لسان الميزان"٢ الذي انتهى من تأليفه سنة ٨٠٥هـ٣.
ولكنه قال في كتابه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه"٤: "وقيل: إن الصلب بن حكيم، المتقدم ذكره، أخو بهز من حكيم، ولا يصح" وقد انتهى من تأليف التبصير سنة "٨١٦"٥.
ولولا أنه زاد على "لسان الميزان" كثيرًا بعد عام ٨٠٥ لأمكن لنا أن نجزم بهذا الدليل: إن تأليف "العجاب" كان قبل ٨١٦، ولكن الأدلة الأخرى تدل على هذا فهذا يؤيد.
- وفي الصفحة "١٢٧" قال عن الصحابي: "وذكرت في كتابي في الصحابة أن بعضهم قال أنس بن صرمة، وأن بعضهم صحفة فقال: ضمرة" وقد ابتدأ بكتابه الإصابة عام "٨٠٩"٦ وعندي أن قوله هذا ملحق على كتاب بعد زمن من تأليفه".
стр. 107
- وفي الصفحة "١٧٣" قال عن "حضرمي" شيخ سليمان التميمي: إنه ابن لاحق وأنه ثقة، والظاهر أنه تابع المزي في تهذيب الكمال وقال هذا، وإلا فإنه في تهذيب التهذيب١ الذي انتهى منه سنة ٨٠٨هـ٢ بين أن ابن المديني قال عنه:
مجهول وأن ابن حبان قال: لا أدري من هو ولا ابن من هو.
ولم يوثقه أحد٣ وهذا يعني أن "العجاب" سابق على "تهذيب التهذيب".
هذا وقد سمى أباه وأنه "لاحق" في الصفحة "٣٦٣" أيضًا.
- وفي الصحفة "١٨٣" ذكر رواية عن الكلبي ولم ينتقدها ولكنه في "الكافي الشاف"٤ الذي انتهى منه سنة "٨٢١"٥ انتقدها وبَيَّن الصواب.
وهذا يعني أن "العجاب" سابق على "الكافي الشاف".
- وفي الصحفة "١٩١" ذكر كتابه "تغليق التعليق" وكان قد كمل سنة "٨٠٤"٦. فلا بد أن "العجاب" بعده.
- وفي الصفحة "٢٥٢" ذكر راويًا هو "أبو الحسن الأسدي" وتردد فيه: أهو المذكور في رواية أوردها عن الطبري وابن أبي حاتم والثعلبي أو غيره.
ولكنه في "لسان الميزان"٧ جزم بأنه هو.
стр. 108
ولولا زياداته على "لسان الميزان" بعد عام ٨٠٥ لقلنا أن "العجاب" كان قبل هذا التاريخ.
- وفي الصفحة "٢٩٩" قال عن نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ في بئر معونة: "في هذا نظر" ثم قال بإمكان الجمع بين أحد وبئر معونة ولكنه في "فتح الباري" جزم بأن الصواب نزولها في أحد، وبين أن بلاغ الزهري في ذلك لا يصح، ثم ذكر احتمالًا بنزول الآية في الأمرين وقد ابتدأ بالفتح في أوائل سنة "٨١٧هـ"١ مما يدل سبق "العجاب" "للفتح".
- وفي الصفحة "٣٢٨" قال عن الآية ١٨٠ من سورة آل عمران: "قال الواحدي: أجمع جمهور المفسرين على أنها نزلت في معاني الزكاة" ولكنه في الجزء الثامن من "فتح الباري"٢ رد عليه فقال: "وفي صحة هذا النقل نظر".
وهذا يفيد تقدم "العجاب" على "الفتح" أيضًا.
- وفي الصفحة "٣٦١" قال عن معاذة زوج شجاع بن الحارث السدوسي: "وقصتها شبيهة بقصة معاذة زوج الأعشى المازني وهي عند أحمد في المسند وما أدري أهما واحدة أو اتفق الاسم والقصة" ولكنه في "الإصابة"٣ جزم بالتعدد.
"فالعجاب" إذن متقدم على "الإصابة" وإذا أضفنا هذا الدليل الآخر وهو أن المؤلف أحال على كتاب "أسباب النزول" في "الإصابة" أربع مرات تأكد لنا ما ذهبت إليه أن ذكره لكتابه "الإصابة" "ص١٢٧" أضيف لاحقًا كما قلت وبذلك ينحل الإشكال في ذكره "للإصابة" هنا وذكره "لأسباب النزول" هناك.
стр. 109
- وننتهي من هذه الجولة إلى أن تأليفه "العجاب" كان ما بين سنتي "٨٠٤" و"٨٠٨" ولا يبعد أنه أضاف عليه أشياء أخرى على التراخي١ والله تعالى أعلم٢.
وعلى أية حال فقد كان موجودًا قبل محرم سنة ٨٢٧، لورود اسمه في "مرسوم توليه القضاء" ومما يلفت النظر عدم ذكره في "فتح الباري".
٥- إكمال المؤلفغ لتأليف الكتاب:
جاء في آخر المخطوط: "إلى هنا انتهى ما وجد من أسباب النزول لشيخ الإسلام العالم العلامة الحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد "ابن حجر" بخطه ... ".
والكلام ينقطع فجأة وهو ينقل نصًّا يراه سببًا في نزول قوله تعالى:
стр. 110
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ من سورة النساء الآية "٧٨" ... دون أن ينتهي النص.
والظاهر أنه أكمله ويستأنس لذلك بما يأتي:
١- أنه في تسعة عشر موضعًا أحال في استيفاء الموضوع إلى مواضع آتية، وإليك بيان هذه المواضع بنصها:
- في الصفحة "٣٩" من المخطوط: سيأتي في تفسير سورة الجمعة.
- في الصفحة "٥٢" من المخطوط: كما سيأتي في سورة ص.
- في "٥٣" سأذكره بتمامه في سورة سبأ إن شاء الله.
- في "٥٩": وسيأتي ذكره في تفسير حم.
- في "٧٣": وسيأتي في تفسير سورة سبحان.
- في "١٣٨": سيأتي في سورة الحج.
- في "١٧٩": ستأتي بقية طرقه في تفسير سورة النساء، وتفسير سورة المائدة إن شاء الله.
- في "٢٣٠": كما سيأتي بيانه في تفسير سورة الممتحنة.
- في "٢٥٣": فذكر القصة الآتية في سورة المائدة.
- في "٢٥٤": ونورده في تفسير سورة الأحزاب.
- في "٣٠٣": سيأتي في تفسير هود.
- في "٣٠٣": أيضًا: تأتي في سورة هود.
- في "٣١٨": وسيأتي في سورة الأنفال.