سورة النساء:
٢٧٢- قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ إلى قوله: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ [الآية: ٢] .
١- نقل الواحدي عن الكلبي١ قال: نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه، فترافعا إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية. فقال العم: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير. فدفع إليه ماله٢.
وذكر مقاتل٣ نحوه، وسمى العم: المنذر بن رفاعة٤.
وأخرجه ابن أبي حاتم٥ من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير فذكر نحوه، ولم يقل: من غطفان٦.
٢- قول آخر٧:
стр. 807
أخرج الطبري١ من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان [أهل] ٢ الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان، ويأخذ الأكبر وحده المال، فنزلت.
٢٧٣- قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [الآية: ٢] .
قال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة المسمنة من غنم اليتيم، ويجعل بدلها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح٣ الدرهم الزيف ويقول: بدرهم أخرجه ابن أبي حاتم٤ من طريق أسباط بن نصر عن السدي، [و] ٥ ذكر الطبري٦ وغيره عن الزهري والنخعي والضحاك وغيرهم نحوه٧.
٢٧٤- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ﴾ [الآية: ٣] .
١- أخرج عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد٨ واللفظ له، وعبد الرزاق٩ عن معمر كلاهما عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: بعث الله
стр. 808
محمدا ﷺ والناس على أمر جاهليتهم إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا١ عن شيء، وكانوا يسألون عن اليتامى فنزلت هذه الآية، فقصرهم على أربع فكما تخافون أن لا تعدلوا في اليتامى فكذلك خافوا٢ أن لا تعدلوا بين النساء.
ولفظ معمر خاف الناس أن لا يقسطوا في اليتامى فنزلت ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يقول: ما أحل لكم مثنى وثلاث ورباع، وخافوا٣ في النساء مثل الذي خفتم في اليتامى٤.
ووصله عبد بن حميد بذكر ابن عباس مختصرًا أخرجه من طريق عبد الكريم الجزري عن سعيد عن ابن عباس قال: كما خفتم في اليتامى فخافوا في النساء إذا اجتمعن عندكم.
وأخرج ابن المنذر٥ من طريق سماك بن حرب عن عكرمة: كان الرجل يتزوج الأربع والخمس والست والعشر فيقول٦ الآخر: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فيأخذ مال اليتيم فيتزوج به فنهوا أن يتزوج٧ الرجل فوق الأربع.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء فيتزوجون ما شاؤا فربما عدلوا وربما لم يعدلوا فلما سألوا عن اليتامى فنزلت ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ بدل ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ
стр. 809
أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىْ﴾ فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعولوهن فلا تزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن؛ لأن النساء كاليتامى في الصغر والعجز١.
وأخرج عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة٢ نحو الأول، وزاد في أوله: كان الرجل في الجاهلية يتزوج العشرة فما دون ذلك فأحل الله أربعًا فقصرهم على أربعة.
٢- قول آخر: أخرج البخاري٣ من طريق ابن جريج أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رجلًا٤ كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق فكان يمسكها عليه ولم يكن لها في نفسه شيء فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. هكذا٥ أورده مختصرا من هذا الوجه، وأورده هو٦ ومسلم٧ وغيرهما من طريق أبي أسامة٨ عن هشام بلفظ٩: أنزلت هذه
стр. 810
الآية في الرجل يكون له اليتيمة وهو وليها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها ولا ينكحها إلا لمالها فيضربها ويسيىء عشرتها فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي: حل ودعوا هذه.
وأورده١ أتم منه من طريق الزهري أخبرني عروة أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط لها في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن فيبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن٢.
قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال.
قالت: فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من٣ يتامى٤ النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذ كن قليلات المال والجمال٥.
٢٧٥- قوله٦ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةًً﴾ [الآية: ٤] .
стр. 811
١- أخرج عبد بن حميد والطبري١ وابن أبي حاتم من طريق هشيم عن سيار٢ عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ٣.
٢- قول آخر٤: نقل الثعلبي عن الكلبي وجماعة قالوا: هذا خطاب للأولياء وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا وإن كان زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولا يعطونها من مهرها غير ذلك، وكذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنتا هنيئا لك النافحة، أي: يأخذ في مهرها إبلا يضمها إلى إبله فيكثرها بها فنهاهم الله عن ذلك، وأمر بأن يعطى الحق لأهله.
٣- قول آخر: نقل الثعلبي عن الحضرمي: كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته فنهوا عن ذلك، وأمروا بتسمية المهر عند العقد٥.
٤- قول آخر٦: قال الثعلبي: قال آخرون الخطاب للأزواج أمروا بإيفاء نسائهم مهورهن التي هي أثمان فروجهن. قال: وهذا أوضح وأصح وهو أشبه بظاهر الآية وقول الأكثر.
стр. 812
٢٧٦- "قوله تعالى"١: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [الآية: ٤] .
قال الثعلبي: قيل إن ناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ٢.
٢٧٧- قوله٣ تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [الآية: ٥] .
١- قال الثعلبي عن الحضرمي٤: عمد رجل إلى امرأته فدفع إليها ماله فوضعته في غير الحق فأنزل الله هذه الآية.
٢- قول آخر٥: أخرج الطبري٦ من طريق العوفي عن ابن عباس: هو الأولاد٧. وقاله طوائف٨.
стр. 813
٣- قول آخر١: عن سعيد بن جبير: هو مال اليتيم يكون عندك لا تعطه إياه وأنفق عليه حتى يبلغ٢.
قال الطبري: أضيفت الأموال إلى أولياء الأيتام؛ لأنهم هم الذين يقومون عليها وهي بأيديهم٣.
٢٧٨- قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ .
قال الثعلبي: نزلت في ثابت بين رفاعة فذكر قوله: متى أدفع إليه ماله فنزلت ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الآية. وسيذكر في الذي يليه.
٢٧٩- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
١- قال الثعلبي٤: نزلت في ثابت بن رفاعة وعمه وذلك أن رفاعة مات وترك
стр. 814
ابنه ثابتًا وهو صغير فأتى عم ثابت النبي ﷺ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىْ﴾ انتهى.
وقال مقاتل بن سليمان١: نزلت في ثابت بن رفاعة فذكر نحوه وقال فيه: فنزلت فيه الآية كلها إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ .
قلت: أخرجه عبد بن حميد عن يونس بن محمد عن شيبان٢ عن قتادة قال: ذكر لنا أن عم ثابت بن وديعة لأبيه٣ صار إلى النبي ﷺ : فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فماذا يحل لي من ماله قال: "أن تأكل من ماله بالمعروف من غير أن تقي مالك بماله ولا تتخذ من ماله وفرا".
ومن ثلاثة طرق إلى الحسن العرني٤ قال: سأل رجل النبي ﷺ فقال: إن في حجري يتيما فآكل من ماله؟ قال: "بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله " ٥.
стр. 815
وقال البخاري١: حدثنا إسحاق أنا ابن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنزلت في والي٢ اليتيم.
وأخرج أحمد٣ وأصحاب السنن إلا الترمذي٤ من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: "كل من مال يتيمك، غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي أو تفتدي مالك بماله". ورجاله إلى عمرو رجال الصحيح٥.
٢- قول آخر٦: أخرج الطبري٧ من طريق ابن وهب عن نافع٨ بن أبي نعيم
стр. 816
قال: سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالا: ذلك في اليتيم إن كان فقيرا أنفق عليه -يعني الولي- بقدر فقره ولم يكن للولي منه شيء.
٢٨٠- قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [الآية: ٧] .
قال الثعلبي١: نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة٢ وثلاث بنات له منها، فقام ابنا عمه وهما وصياه -قال ابن الكلبي: هما قتادة وعرفطة، وقال غيره٣: سويد وعرفجة- فلم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغيرة ولو كان ذكرا، ويقولون: لا يعطى إلا من يقاتل على ظهور الخيل ويحوز الغنيمة فجاءت أم كجة فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك علي ثلاث بنات وترك أبوهن مالا حسنا فأخذ أخواه المال ولم يعطياني شيئا وهن في حجري ولا يطعماني ولا يسقياني ولا يرفعان لهن رأسا٤ فدعاهما، فقالا: يا رسول الله ولدها لا تركب فرسا ولا تحمل كلا ولا تنكأ عدوا، فقال: "انصرفوا حتى أنظر". فأنزل الله ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية فأثبت لهن في الميراث حقا ولم يبين كم هو فأرسل إليهما فقال: "لا تفرقا من مال أوس شيئا حتى
стр. 817
أنظر". فأنزل الله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية١. فأرسل إليهما رسول الله ﷺ : "ادفعا إلى أم كجة الثمن مما ترك وإلى بناته الثلثين ولكما باقي المال".
قلت: هذا السياق الذي أورده لم أره فيحتمل أن يكون لابن الكلبي٢، وأما قوله وقال غيره: سويد وعرفجة فوقع في "تفسير مقاتل"٣: ترك ابني عمه عرفطة وسويد ابني الحارث وامرأته أم كجة وابنتين إحداهما صفية. فذكر معنى القصة ونزول الآية الأولى.
وأخرج سنيد والطبري٤ من طريقه عن حجاج عن ابن جريج عن عكرمة في هذه الآية: نزلت في أم كجة وبنت كجة وثعلبة وأوس بن ثابت٥ وهما من الأنصار أحدهما زوجها والآخر عم ولدها فذكرها باختصار.
وأخرجه ابن أبي حاتم٦ وابن المنذر من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: نزلت في أم كلثوم وبنت أم كجة وثعلبة بن أوس وسويد كان أحدهما زوجها والآخر عم ولدها. فذكره باختصار، زاد ابن المنذر: وقال ابن جريج:
стр. 818
قال: آخرون أم كجة١.
ومن طريق أسباط بن نصر٢ عن السدي: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الصغار، إنما يرث من الولد من أطاق القتال فمات عبد الرحمن بن ثابت أخو حسان وترك امرأة يقال لها: أم كجة وترك خمس٣ جواري فجاء الورثة فأخذوا ماله، فشكت أمهم ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت آية الميراث ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ كما قال.
ومن طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير نحوه إلى قوله: ولا الصغار فقال بعدها: يجعلون الميراث لذوي الأسنان من الرجال فنزلت ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية ولم يسم أحدا منهم.
وأخرج عبد الرزاق٤ عن معمر عن قتادة. كانوا لا يورثون النساء فنزلت ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ .
وكذا أخرجه عبد بن حميد عن عبد الرزاق مختصرًا.
وأخرج ابن مردويه من طريق إبراهيم بن هراسة٥ عن الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر: جاءت أم كجة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي ابنتين قد مات أبوهما وليس لهما شيء، فأنزل الله ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيب﴾ الآية.
стр. 819
وإبراهيم ضعيف.
وقد أخرج أحمد١ الحديث من رواية عبيد الله بن عمرو الرقي عن ابن عقيل عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت: يا رسول الله قتل سعد بن الربيع معك وترك اثنتين فأخذ عمهما المال، الحديث، فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية.
وسيأتي بيان ذلك قريبًا٢، وهذا أثبت من رواية ابن هراسة٣.
٢٨١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الآية: ٨] ٤.
أخرج ابن أبي حاتم من طريق همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: كان الرجل ينفق على جاره وعلى قريبه، فإذا مات فحضروا قال لهم وليه: ما أملك منه شيئًا. فأمرهم الله أن يقولوا لهم قولا معروفًا يرزقكم الله يغنيكم الله ويرضخ لهم من الثمار.
وقال الفريابي: نا قيس هو ابن الربيع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير: كانت أموالهم الثمار فكان الوالي إذا أراد القسمة أتى أولو القربى واليتامى والمساكين فيقول لهم: مالي من هذا من [....] ٥ وما أملك [....] لهم أن يطعموا وأمرهم إذا حضروا أن يطعموا [....] معروفا يقول لهم
стр. 820
الولي حين يطعمهم: خذ [....] بارك الله فيك، قيس بن الربيع وهو سيىء الحفظ، والمحفوظ عن سعيد بن جبير تفصيل [....] أخرجه [البخاري] ١ وابن المنذر من طريق أبي عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون بها الناس، وهما واليان، فوال يرث، فذلك الذي يرزق ويكسو، ووال ليس بوارث، فذاك الذي يقول قولا معروفا، يقول: إنه مال يتيم، ومالي فيه شيء.
- وأخرج البخاري٢ [.....] والنسائي٣ عن عكرمة عن ابن عباس قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة.
وتابعه سعيد عن ابن عباس، وهذه المتابعة٤ [....] .
стр. 821
وأخرج عبد الرزاق١ من طريق القاسم بن محمد [بن أبي بكر عن] ٢ ابن عباس أن المراد بذلك أن يوصي الميت لذوي قرابته واليتامى والمساكين٣.
وجاء عن ابن عباس أنها منسوخة نسختها آية المواريث [.....] ٤ فإنها من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه، وقد عرف [....] السند.
ومن طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وعطية [....] يسمع من ابن عباس.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن [.....] ، ابن جريج وعثمان بن عطاء كلاهما عن عطاء وهو الخراساني [....] وإسماعيل وعطاء الخراساني ضعيفان مع الانقطاع بين عطاء هذا وابن عباس.
٢٨٢- قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [الآية: ٩] ٥.
стр. 822
قال الفريابي١: حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أنا والحكم سعيد بن جبير فسألته عن هذه الآية. فقال: هذا القول يقوله من حضر عند الميت إذا أوصى فيذكره بذوي قرابته يقول: أعطهم، صلهم، برهم قال: فأتينا مقسما٢ فذكرنا له ذلك، فقال: ليس هكذا، ولكن يقول من حضره: اتق الله أمسك عليك مالك، فليس أحد أحق بمالك من ولدك، ولو كان من أوصى لهم من أقاربهم لأحبوا أن يوصى لهم٣.
وأخرج عبد بن حميد عن قبيصة عن سفيان نحوه٤ انتهى.
ويمكن الحمل على الصنفين معا ويجمعهما أن كلا من الفريقين يحب إيثار قرابته وحرمان الأجانب.
وقال علي بن أبي طلحة٥ عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته فيرشده ويوفقه ويذكره٦ للصواب، وأن ينظر لورثته كما لو كان هو الذي يوصي ويخشى على ورثته الضيعة.
стр. 823
قلت: وهذا منزع آخر، وهو يشبه ما ثبت في "الصحيحين" من قصة إشارة النبي ﷺ على سعد بن أبي وقاص أن يبقي لورثته١.
وأخرج الطبري٢ من طريق العوفي عن ابن عباس: أنها نزلت تنبيها للأوصياء على حفظ أموال اليتامى. وهو حسن لكن يحتاج إلى حمل القول في قوله: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ على جميع الأعمال البدنية واللفظية والقلبية٣.
٢٨٣- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [الآية: ١٠] .
نقل٤ الثعلبي٥ عن مقاتل بن حيان: أنها نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير [فأكله] ٦ فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية.
٢٨٤- قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الآية: ١١] .
стр. 824
١- قال البخاري في أول باب الفرائض١: باب قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيم﴾ ٢:
حدثني إبراهيم بن موسى نا هشام بن يوسف أن ابن جريج٣ أخبرهم أخبرني محمد بن المنكدر عن جابر قال: عادني النبي ﷺ وأبو بكر ماشيين ووجدني لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش علي، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ .
وأخرجه مسلم٤ من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج وقد اختلف الرواة عن ابن المنكدر فالأكثر أبهموا الآية وكشفها ابن جريج وابن عيينة فممن أبهمها سفيان الثوري ولفظه: نزلت آية الميراث، وكذا قال شعبة، وقال مرة: آية الفرائض، فأما ابن عيينة فقال: حتى نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية٥ وكلها في الصحيح٦.
ورواية أحمد بن حنبل٧ عن ابن عيينة تشير إلى أن تعيين الآية من جهة ابن عيينة وأن آخر الحديث عنده كما عند الثوري وشعبة.
стр. 825
قال أحمد "عن ابن عيينة حتى نزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وكان له أخوات، ولم يكن له ولد".
والذي يظهر أن من قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ إلى آخره من كلام ابن عيينة أدرج في الخبر لخلو رواية الباقين عن قوله وكان له أخوات إلى آخره فرأى البخاري أن تعيين ابن جريج أولى بالقبول من تعيين ابن عيينة لقوله١: إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَلِيم﴾ ٢ [....] ٣ ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ وقد فسرت الكلالة بمن لا ولد له ولا والد، وهي منطبقة على حال جابر.
وقد توبع ابن جريج على هذا التعيين قال عبد بن حميد: نا عبد الرحمن بن سعد نا عمرو بن أبي قيس عن ابن المنكدر إلى آخره فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ ٤.
وهذا من المواضع التي تواردوا بها على استغراب ما وقع عند البخاري، ولم يقفوا على دقة نظره في ذلك.
فإن قيل: قد وقع في رواية بهز٥ عن شعبة.
"قلت لابن المنكدر لما وقف عند قوله: آية الميراث قلت له:
стр. 826
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ ؟ قال: هكذا أنزلت" فإن ظاهره يساعد ابن عيينة؟ قلت: نعم، ولعل هذا هو الذي غر ابن عيينة حتى جزم بذلك، وليس صريحا في المراد فإنه يحتمل أنه أراد بقوله: هكذا أنزلت أي كما حدثتك بغير تعيين ويحتمل أنه أشار إلى الآية بعينها، ولكن لا يمتنع نزولها في عدة أسباب١ فقد تقدم في قوله: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ذكر قصة بنتي سعد بن الربيع٢.
٢- وقد جاء عن جابر من وجه آخر في نزول آية الفرائض سبب آخر:
قال أبو داود٣: حدثنا مسدد نا بشر بن المفضل نا عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواق، فجاءت المرأة بابنتين فقالت: يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما كله ولم يدع لهما مالا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟ فوالله لا تنكحان أبدا إلا ولهما مال. فقال رسول الله ﷺ : "يقضي الله في ذلك"، قال: ونزلت سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية".
فقال رسول الله ﷺ : "ادعوا لي المرأة وصاحبها؛ فقال لعمهما: أعطهما ٤ الثلثين، وأعط أمهما الثمن ٥ وما بقي فلك" ٦.
стр. 827
قال أبو داود: أخطأ فيه، هما ابنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة [....] ١ النبي ﷺ ، ثم ساق الحديث من طريق ابن وهب عن داود ابن قيس وغير واحد من أهل العلم عن ابن عقيل، وقال فيه٢: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيهما من سعد إلى رسول الله ﷺ .
وكذا رواه شريك النخعي وعبيد الله بن عمرو الرقي كلاهما عن ابن عقيل.
أخرجه الترمذي٣ وابن ماجه٤ وغيرهما٥ وقالوا: امرأة سعد بن الربيع.
ونقل الثعلبي القصة عن عطاء مرسلا وزاد فيها إنها لما شكت قال لها النبي ﷺ : "ارجعي فلعل الله أن يقضي في ذلك". فأقامت حينا ثم عادت وشكت وبكت فنزل ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ الحديث٦".
٣- سبب آخر لأول الآية المذكورة قال البخاري٧: حدثنا محمد بن يوسف عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: كان المال للولد، وكانت
стр. 828
الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس أو الثلث، وجعل للزوجة الثمن أو الربع وللزوج الشطر أو الربع"١.
٤- سبب آخر لبعضها: فأخرج الطبري٢ وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس: لما نزلت آية الفرائض قال بعضهم: يا رسول الله أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم وكذلك الصبي؟ وكانوا في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل ويعطونه الأكبر فالأكبر فنزلت ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
٢٨٥- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الآية: ١٩] .
١- أخرج ابن أبي حاتم٣ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان الرجل إذا مات وترك زوجة ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها٤. فإن كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
وأخرج البخاري٥ من طريق أبي إسحاق الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس
стр. 829
قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، هم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك.
وأخرجه أبو داود١ من طريق يزيد النحوي لعن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها "يعني الذي كان الميت أعطاها"٢ فأحكم الله ذلك٣.
وأخرج ابن أبي حاتم٤ من طريق الليث عن سعيد بن أبي هلال٥ قال زيد بن أسلم في هذه الآية: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يرثها أو يزوجها ممن أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ويشترط عليها أن لا تتزوج إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض.
ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق إسرائيل عن السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبا فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها حتى تشيب أو تموت فيرثها، وإن هي انفلتت فأتت أهلها من
стр. 830
قبل أن يلقى عليها ثوبا نجت فنزلت١.
وأخرج الطبري٢ وابن مردويه٣ من طريق محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته وكان لهم ذلك في الجاهلية فنزلت٤.
وأخرج الطبري٥ من طريق ابن جريج أخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة حبسها أهلها على الصبي يكون فيهم فنزلت.
وبه عن ابن جريج قال: وقال مجاهد: كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء، لم يكن ابنها، أو يزوجها من شاء أخاه أو ابن أخيه.
وبه قال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم من الأوس توفي عنها أبو قيس بن الأسلت فجنح عليها ابنه، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأتزوج فنزلت.
وأخرج ابن المنذر من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج قال: قال عكرمة، فذكره إلا أنه قال: مات الأسلت فجنح عليها ابنه أبو قيس وهذا منكر، والمحفوظ:
стр. 831
مات أبو قيس بن الأسلت فألقى عليها ابنه ثوبا.
وقد جمع الثعلبي ما تقدم فنظمه في سياق واحد بزيادة ونقص فقال.
قال المفسرون١. كان من أهل المدينة في الجاهلية في أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها، أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه عليها، أو على خبائها فصار أحق بها من نفسها، ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها فلم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج وطول عليها وضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى منزل أهلها قبل أن يلقي عليها ابن زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا كذلك حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك زوجته٢ كبيشة بن معن الأنصارية فقام ابن له من غيرها يقال له حصن فطرح ثوبه عليها فولي نكاحها ثم تركها فلم يقربها، ولم ينفق عليها يضارها بذلك لتفتدي منه بمالها، وكذلك٣ كانوا يفعلون إذا كانت جميلة موسرة دخل بها وإلا طول عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وولي ابنه نكاحي وقد أضر بي٤ وطول علي، فلا هو ينفق علي ولا هو يدخل بي ولا هو يخلي سبيلي. فقال لها: "اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك
стр. 832
أمر الله"، قال: فانصرفت وسمع النساء بذلك فأتين رسول الله ﷺ وهو في مسجد الفضيخ١ فقلن: يا رسول الله ما نحن إلا كهيئة كبيشة غير أنه لم ينكحنا الأبناء٢ وإنما نكحنا بنو العم! فأنزل الله هذه الآية.
قلت: وفي قوله إن المرأة كانت ترث زوجها مخالفة لما تقدم في قوله: إنهم كانوا لا يورثون النساء.
٢- سبب٣ آخر: أخرج ابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن سالم هو الأفطس عن مجاهد في قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها فيحبسها رجاء أن يتزوجها أو يزوجها ابنه إلى أن تموت فيرثها.
٢٨٦- قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [الآية: ١٩] ٤.
تقدم في الذي قبله.
وأخرج الطبري٥ من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة فقد لا توافقه فيشارطها على أن يطلقها ولا تتزوج إلا بإذنه، فإذا خطبها الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها.
وأخرج عبد الرزاق٦ عن معمر عن سماك بن الفضل عن ابن البيلماني٧:
стр. 833
نزلت هاتان الآيتان١ إحداهما في أمر الجاهلية والأخرى في أمر الإسلام.
وأخرجه الطبري٢ من طريق ابن المبارك عن معمر، وزاد: يعني في الأولى لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها في الجاهلية، والثاني: ولا تعضلوهن في الإسلام.
٢٨٧- قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفْ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث٣ بن سوار عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: توفي أبو قيس بن الأسلت وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إني أعدك ولدا ولكن أتي رسول الله ﷺ أستأمره فأتته، فأخبرته فأنزلت هذه الآية.
وأخرجه الفريابي٤ والحسن بن سفيان والطبراني٥ من طريق قيس بن الربيع
стр. 834
عن أشعث بسنده قال: توفي أبو قيس فذكره، فقالت: إن أبا قيس توفي -فقال لها خيرًا- وإن ابنه قيسا خطبني وهو من صالحي قومه وإنما كنت أعده ولدا؟ فقال لها:
ارجعي إلى بيتك فنزلت ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ .
وأخرج سنيد١ في "تفسيره" والطبري٢ من طريقه عن حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عكرمة في هذه الآية قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلف على أم عبيد الله٣ بنت٤ ضمرة٥ وكانت تحت أبيه الأسلت، وفي الأسود بن خلف، خلف على امرأة أبيه بنت أبي طلحة بن عبد العزى وفي صفوان بن أمية خلف على فاختة بنت الأسود بن المطلب تحت أبيه "فقتل عنها"٦.
стр. 835
وقال مقاتل بن سليمان١ في قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ .
نزلت في محصن بن أبي قيس بن الأسلت وفي امرأته هند بنت صبيرة٢، وفي الأسود بن خلف وفي امرأته حبيبة بنت أبي طلحة [بن عبد العزى] ٣، وفي منظور بن سيار٤ الفزاري وفي امرأته كندة٥ بنت خارجة بن شيبان٦ المري، تزوجوا نساء آبائكم٧ بعد الموت.
ثم قال٨ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية:
نزلت في محصن بن أبي قيس بن الأسلت، وفي امرأته كبيشة٩ بنت معن بن سعيد١٠ بن عدي بن ناصر١١ من الأوس انتهى وهذا هو الصواب في تسمية١٢ ابن أبي الأسلت.
стр. 836
زاد الثعلبي: وفي أبي مقبل العدوي، تزوج امرأة أبيه [....] ١.
٢٨٨- قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [الآية: ٢٣] .
أخرج ابن أبي حاتم٢ من طريق داود بن عبد الرحمن، وابن المنذر من طريق عبد الرزاق كلاهما عن ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ قال: كنا نتحدث -والله أعلم أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد بن حارثة قال المشركون في ذلك، فأنزل الله تعالى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ .
وقال يحيى بن سلام في "تفسيره": إنما قال: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ لأن الرجل كان يتبنى الرجل في الجاهلية فأحل الله نكاح نساء الذين تبنوا، وقد تزوج النبي ﷺ امرأة زيد بن حارثة بعدما طلقها وكان النبي ﷺ قبل ذلك قد تبنى زيدا.
وأخرج ابن المنذر من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج: لما نكح النبي ﷺ امرأة زيد بن حارثة قالت قريش: نكح امرأة ابنه٣، فنزلت: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ .
٢٨٩- قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [الآية: ٢٤] .
ذكر سبب الاستثناء٤:
стр. 837
١- أخرج مسلم١ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكان ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن] ٢.
وقال عبد الرزاق٣ عن معمر عن قتادة عن أبي الخليل أبو غيره عن أبي سعيد قال: نزلت [في يوم أوطاس] ٤ فذكر نحوه وزاد قال: فاستحللناهن بملك اليمين.
وعن الثوري عن [عثمان] ٥ ولم يذكر أبا علقمة٦.
стр. 838
وقال الفريابي: [....] ١ عن سعيد بن جبير ومجاهد قالا: كان المسلمون يصيبون نساء المشركين٢ فيذكروا٣ أن لهن أزواجا فيقول المسلم:
قد نهى الله في ذلك -قبل نزول ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ - فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت.
٢- وأخرج عبد بن حميد وابن أبي خيثمة وأبو مسلم الكجي بسنده٤ من طريق العباس بن أنس٥ عن عكرمة: إن هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٦ نزلت في امرأة يقال لها معاذة، كانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له شجاع بن الحارث وكان معها [ضرة لها] ٧ قد ولدت٨ من شجاع أولادا رجالا، فانطلق شجاع -يمير أهله من هجر فمر بمعاذة ابن عم لها فقالت له: احملني إلى أهلي ليس عند هذا الشيخ خير. فحملها فوافق ذلك مجيء الشيخ، فلم يجدها فانطلق إلى النبي ﷺ فقال:
стр. 839
يا رسول الله أفضل العرب١ ... خرجت٢ أبغيها الطعام في رجب
فقد تولت وألطت بالذنب٣ ... وهن٤ شر غالب لمن غلب
رأت غلاما واركا على القتب٥ ... لها به٦، وله بها٦ أرب٧
فقال رسول الله ﷺ : "عل عل ٨، فإن كان الرجل كشف لها ثوبا فارجموها، وإلا ردوا على الشيخ امرأته".
فانطلق مالك بن شجاع -ابن ضرتها- فطلبها، فجاء بها، فقالت له أمه٩: يا ضار أمه، ونزلت١٠ معاذة بيتها، وولدت لشجاع، وجعل شجاع يشبب بها في أبيات١١.
стр. 840
قلت: وقصتها شبيهة بقصة معاذة زوج الأعشى المازني١ وهي عند أحمد في "المسند"٢، وما أدري أهما واحدة أو اتفق الاسم والقصة٣؟
٢٩٠- قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [الآية: ٢٤] .
١- قال مقاتل٤ نزلت٥ في المتعة ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ ثم قال ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي: إذا زدتم في الأجر وازددتم في الأجل ثم نسخ ذلك.
ويؤيده ما أخرجه الشيخان في "الصحيحين"٦ عن ابن مسعود كنا نغزو وليس
стр. 841
لنا نساء١ فرخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. الحديث.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج نا إسحاق بن سليمان عن موسى بن عبيدة٢ عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: كانت متعة النساء في أول الإسلام كان الرجل إذا قدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ له متاعه فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته لذلك وكان يقرأ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ﴾ الآية.
وأخرج أبو عبيد في كتاب "النكاح" وابن المنذر من طريقه عن حجاج بن محمد عن ابن جريج أخبرني عطاء سمعت ابن عباس يقول: يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنى إلا شقي قال: وقال: كأني أسمع قوله الآن إلا شقي. عطاء القائل٣.
قال٤ وقال عطاء: وهي التي في سورة النساء ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ إلى كذا وكذا من الأجل على كذا وكذا، قال: وليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم وإن تفرقا فنعم ليس بينهما نكاح. قال: وأخبرني أنه سمع ابن عباس يراها الآن حلالًا٥ وقال عبد الأعلى عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى قال: فما تقرأ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قلت: لا، قال فقال ابن عباس: والله
стр. 842
لهكذا أنزلها الله أخرجه "....."١.
وقال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي بن كعب فرأيت منه ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أخرجه [الطبري] ٢.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي عمر عن ابن عيينة: هي المتعة أمروا بها قبل أن ينهوا عنها.
٢- سبب آخر في قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ .
أخرج الطبري٣ من طريق سليمان التيمي عن حضرمي بن لاحق٤ أن رجالا كانوا يفترضون٥ المهر ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة فنزلت٦.
стр. 843
٢٩١- قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [الآية: ٢٧] .
أخرج ابن أبي حاتم١ من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: كانت اليهود تزعم أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله فأنزل الله هذه الآية.
ومن طريق السدي٢ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ : هم اليهود والنصارى.
٢٩٢- قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ [الآية: ٣٢] .
١- قال الترمذي٣ حدثنا ابن أبي عمر نا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث!
فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ .
قال مجاهد: وأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ٤.
стр. 844
وكذا أخرجه عبد الرزاق١ عن ابن عيينة.
قال الترمذي: هذا مرسل "يعني: قول مجاهد"٢ وقد رواه بعضهم عن الثوري٣ عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن أم سلمة قالت [كذا وكذا] ٤.
قلت: أخرجه الفريابي عن الثوري كذلك قال قالت أم سلمة فذكره٥ وسيأتي في سورة الأحزاب.
وأخرج ابن أبي حاتم٦ من طريق أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين بشهادة رجل. أفنحن في العمل كذا إن عملت امرأة حسنة كتب لها نصف حسنة فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ . فإنه عدل مني وأنا٧ صنعته.
وقال مقاتل٨: لما نزلت للذكر مثل حظ الأنثيين قالت٩ النساء: نحن
стр. 845
كنا١ أحق أن يكون لنا سهمان، ولهم سهم؛ لأنا ضعاف الكسب والرجال أقوى على التجارة والطلب منا، فإذ٢ لم يفعل الله ذلك بنا فإنا نرجو أن يكون الوزر٣ على نحو ذلك عنا وعنهم٤ فنزلت.
وأخرج إسحاق بن راهويه٥ في "تفسيره"٦ من طريق خصيف عن عكرمة أن النساء سألت الجهاد فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال فنزلت.
وقال عبد الرزاق٧ عن معمر عن شيخ من أهل مكة: كان النساء يقلن: ليتنا كنا رجالا فنجاهد كما يجاهد الرجال ونغزو في سبيل الله! فقال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ .
وأخرج عبد بن حميد من رواية شيبان عن قتادة٨: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء إلا الصبيان يجعلون الميراث لذوي الأسنان، وقال النساء: لو جعل نصيبنا من الميراث كنصيب الرجال، وقال الرجال: إنا لنرجوا أن نفضل بحسناتنا كما