Полный текст (2 250 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قَالَ اللهُ ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾.
وَقَالَ: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾.
وَقَالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ: فَكَانَ بَيِّنًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ أَنَّ غُسْلَهُمْ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَاءِ، ثُمَّ أَبَانَ اللهُ فِي الْآيَةِ أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ، وَكَانَ مَعْقُولًا عِنْدَ مَنْ خُوطِبَ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمَاءَ مَا خَلَقَ اللهُ مِمَّا لَا صَنْعَةَ فِيهِ لِلْآدَمِيِّينَ، وَذَكَرَ الْمَاءَ عَامًّا فَكَانَ مَاءُ السَّمَاءِ، وَمَاءُ الْأَنْهَارِ، وَالْآبَارُ، وَالْقِلَاتِ، وَالْبِحَارِ الْعَذْبِ مِنْ جَمِيعِهِ، وَالْآجَاجِ سَوَاءً فِي أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَوِ اغْتَسَلَ بِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا حَمْلُ الْمِيَاهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ، فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ كُلِّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ وَلَقِيتُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُتَطَهَّرَ بِهِ يَجْزِي إِلَّا مَاءَ الْبَحْرِ، فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا وَأَخْبَارًا عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
стр. 142
١ - ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ
ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فِي مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
١٥٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ.
١٥٨ - وَأَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: أنا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أنا مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَاءُ الْبَحْرِ طَهُورٌ؛ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ.
стр. 143
١٥٩ - أَخْبَرَنَا حَاتِمُ بْنُ مَيْمُونٍ، أنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَأَبُو ضَمْرَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
١٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عُمَرَ، سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: «وَأَيُّ مَاءٍ أَطْهُرُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ».
١٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا حَجَّاجٌ، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، وَأَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «مَاءُ الْبَحْرِ طَهُورٌ».
١٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا أَبُو عُبَيْدٍ، ثنا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمَّاسَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ
стр. 144
أَنَسٍ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَبِهِ نَقُولُ لِظَاهِرِ نَصِّ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] وَمَاءُ الْبَحْرِ مِنَ الْمِيَاهِ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] وَلِلثَّابِتِ عَنْ نَبِيِّ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَلِلْرِوَايَةِ الَّتِي رُوِّينَاهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِ ذَلِكَ، رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ تَحْتَ بَحْرِكُمْ هَذَا نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرٌ، وَتَحْتَ الْبَحْرِ نَارٌ، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرٌ حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ وَسَبْعَةَ أَنْوُرٍ، لَا يَجْزِي مِنْهُ الْوُضُوءُ وَلَا الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَالتَّيَمُّمِ أَعْجَبُ إِلَيَّ.
١٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا الْحَجَبِيُّ، ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فِي الْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «التَّيَمُّمُ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ».
стр. 145
١٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثَنَا هُدْبَةُ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْهُ.
وَرُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَلْجَيْتَ إِلَى الْبَحْرِ فَتَوَضَّأْ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ مَاءِ الْبَحْرِ.
٢ - ذِكْرُ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ
قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الْآيَةَ. فَالْمَاءُ الْمُسَخَّنُ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْمِيَاهِ الَّتِي أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَتَطَهَّرُوا بِهَا.
وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ لِبَشْرَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ».
стр. 146
وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
١٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أنا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ، كَانَ يَتَوَضَّأُ وَيَغْتَسِلُ بِالْحَمِيمِ.
١٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ طَالُوتَ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، ثنا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ لِعُمَرَ قُمْقُمٌ يُسَخَّنُ فِيهِ الْمَاءُ فَيَتَوَضَّأُ.
١٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ.
١٦٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ وَيَتَوَضَّأُ».
١٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، ثنا أَبُو بَكْرٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى سَلَمَةَ أَنَّ سَلَمَةَ كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ الْمَاءُ فَيَتَوَضَّأُ بِهِ.
١٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ،
стр. 147
ثنا رَاشِدُ بْنُ مَعْبَدٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: «رَأَيْتُ الْمَاءَ يُسَخَّنُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي الشِّتَاءِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ».
وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَكَذَا قَالَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ جَمِيعًا.
وَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ السَّاخِنِ، وَالَّذِي رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ لَيْثٌ، وَلَيْسَ لِكَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ مَعْنًى.
стр. 148
وَقَدْ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ غَيْرُ جَائِزٍ بِمَاءِ الْوَرْدِ أَوْ مَاءِ الشَّجَرِ وَمَاءِ الْعُصْفُرِ، وَلَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ إِلَّا بِمَاءٍ مُطْلَقٍ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ
٣ - ذِكْرُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ جَائِزٌ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ وَالْوُضُوءَ لَا يَجُوزُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ سِوَى النَّبِيذِ.
فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الطَّهَارَةِ بِهِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ إِلَّا بِالْمَاءِ خَاصَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ لَا يَجْزِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ. هَذَا مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَالَ: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَعْقُوبُ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَا يُتَوَضَّأُ بِلَبَنٍ وَلَا بِنَبِيذٍ.
стр. 149
وَفِيهِ لِلْحَسَنِ قَوْلٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَرِهَ عَطَاءٌ الْوُضُوءَ بِاللَّبِنِ، وَكَرِهَ أَبُو الْعَالِيَةِ الِاغْتِسَالَ بِالنَّبِيذِ.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ بِاللَّبِنِ، فَقَالَ: لَا تَوَضَّئُوا بِاللَّبِنِ، إِذَا لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمُ الْمَاءَ فَلْيَتَيَمَّمْ بِالصَّعِيدِ.
١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى شَرِيكٍ عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ، بِإِسْنَادٍ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: النَّبِيذُ وُضُوءٌ لِمَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ. رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عِكْرِمَةَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: إِنِ ابْتُلِيَ وَتَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ جَازَ. كَمَا
стр. 150
وَصَفَ أَبُو الْعَالِيَةِ تَمَرَاتٍ أُلْقِيَتْ فِي الْمَاءِ حَتَّى غَيَّرَ اللَّوْنِ، فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ التَّيَمُّمِ وَجَمْعُهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
١٧٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثنا أَبُو بَكْرٍ، ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ قَالَهُ النُّعْمَانُ: لَا يَجْزِي أَنْ يَتَوَضَّأَ حَتَّى مِنَ الْأَشْرِبَةِ إِلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِنَبِيذِ الزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَلَا لِسَائِرِ الْأَنْبِذَةِ. وَوَافَقَهُ زُفَرُ عَلَى مَقَالَتِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَتَوَضَّأُ بِهِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ. وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ هَذَا قَوْلٌ خَامِسٌ.
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضٌ مَنْ يُجِيزُ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي إِسْنَادِهِ
стр. 151
مَقَالٌ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ فَسَأَلَنِي، فَقَالَ: «أَمَعَكَ وَضُوءٌ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَعِي إِدَاوَةٌ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ نَبِيذٍ. فَقَالَ: «تَمْرَةٌ طَيْبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ». فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْفَجْرَ.
١٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ الْعَبْسِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَرَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالُوا: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ بِصُحْبَةِ عَبْدِ اللهِ، وَلَا بِالسَّمَاعِ مِنْهُ. وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَأَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِرِوَايَةِ رَجُلٍ مَجْهُولٍ مَعَ أَنَّ عَلْقَمَةَ قَدْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللهِ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ.
١٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ».
стр. 152
وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ لَا يُجِيزُ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] افْتَرَضَ اللهُ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ، وَفَرَضَ عَلَى مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ مِنَ الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ فَلَيْسَ يَجُوزُ طَهَارَةٌ إِلَّا بِالْمَاءِ أَوِ الصَّعِيدِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ.
١٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمْسِسْهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ».
١٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، ثنا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، ثنا عَوْفٌ، ثنا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، ثنا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَدَعَا بِوَضُوءٍ، ثُمَّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَانْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَوْ كَانَتِ الطَّهَارَةُ تَجْزِي بِغَيْرِ الْمَاءِ لَأَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ اطْلُب نَبِيذَ كَذَا، أَوْ شَرَابَ كَذَا، فَدَلَّ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجْزِي إِلَّا بِالْمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَالتَّيَمُّمُ
٤ - ذِكْرُ الْمَاءِ يُخَالِطُهُ الْحَلَالُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الَّذِي يُخَالِطُهُ الطَّعَامُ
стр. 153
وَالشَّرَابُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ لَمْ يُتَوَضَّأْ بِهِ. كَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَاءُ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقَعَ فِي الْمَاءِ أَلْبَانٌ أَوِ الْقَطْرَانُ. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنْ ظَهَرَ رِيحُ الْقَطْرَانِ فِي الْمَاءِ لَمْ يُتَوَضَّأْ بِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ الْمَمْزُوجِ بِالْعَسَلِ، وَلَا بِالْمَاءِ الَّذِي يُبَلُّ فِيهِ الْخُبْزُ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ فِي كِسَرٍ بُلَّتْ فِي مَاءٍ غَيَّرَتْ لَوْنَهُ، أَوْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، قَالَ: يُتَوَضَّأُ بِهِ.
وَذُكِرَ عَنْ يَعْقُوبَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَاءٍ غُلِيَ بِأُشْنَانٍ، أَوْ بَأْسٍ أَوْ
стр. 154
بِشَيْءٍ مِمَّا يَتَعَالَجُ بِهِ النَّاسُ فَيَغْتَسِلُونَ وَيَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْبَابُونَجِ وَشِبْهِهِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ يَجْزِي بِذَلِكَ مَا لَمْ يَغْلِبْ ذَلِكَ فَيَكُونُ ثَخِينًا، فَإِذَا ثَخُنَ فَإِنَّهُ لَا يَجْزِي، وَلَيْسَ يَجْزِي الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمِيَاهِ تُطْبَخُ حَتَّى تَتَحَوَّلَ عَنْ حَالِهَا إِلَى حَالٍ غَيْرِهَا وَيُسَمَّى بِغَيْرِ اسْمِ الْمَاءِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَرَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فَمَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَلَمْ يُغَيِّرِ الْمَاءَ لَوْنًا، وَلَا طَعْمًا، وَلَا رِيحًا، فَالطَّهَارَةُ بِهِ جَائِزَةٌ، وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَمَا غَيَّرَ الْمَاءَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ حَتَّى لَا يُقَالَ لَهُ مَاءٌ مُطْلَقٌ فَالْوُضُوءُ بِهِ غَيْرُ جَائِزٌ، وَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ فِي الْمَاءِ مَا اخْتَلَطَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى لَا يُسَمَّى مَاءًا مُطْلَقًا.
٥ - ذِكْرُ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْآجِنِ
أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْآجِنِ الَّذِي قَدْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الْمَوْضِعِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ جَائِزٌ إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ.
وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَرَى بِالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْآجِنِ بَأْسًا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمَعْنَى الْآجِنِ الَّذِي يَطُولُ مُكْثُهُ وَرُكُودُهُ بِالْمَكَانِ حَتَّى
стр. 155
يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ تُخَالِطُهُ.
وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ.
١٧٧ - قَالَ إِسْحَاقُ: أنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثنا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُصْعِدِينَ فِي أُحُدٍ، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَأَتَى الْمِهْرَاسَ، فَأَتَى بِمَاءٍ فِي دَرِقَتِهِ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ فَوَجَدَ لَهُ رِيحًا فَعَافَهُ فَغَسَلَ بِهِ الدِّمَاءَ الَّتِي فِي وَجْهِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». وَكَانَ الَّذِي دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ.
قَالَ إِسْحَاقُ: فَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ عَلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَغْسِلِ النَّبِيُّ ﷺ الدَّمَ بِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْآجِنِ.
٦ - ذِكْرُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ يُخَالِطُهُ النَّجَاسَةُ
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ أَوِ الْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتِ النَّجَاسَةُ الْمَاءَ طَعْمًا، أَوْ لَوْنًا، أَوْ رِيحًا أَنَّهُ نَجَسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ، وَلَا يَجْزِي الْوُضُوءُ وَالِاغْتِسَالُ بِهِ.
стр. 156
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ مِثْلُ الرَّجُلِ مِنَ الْبَحْرِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَلَمْ تُغَيِّرْ لَهُ لَوْنًا، وَلَا طَعْمًا، وَلَا رِيحًا أَنَّهُ بِحَالِهِ فِي الطَّهَارَةِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِيهِ النَّجَاسَةُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحِلُّ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْ لِلْمَاءِ طَعْمًا، وَلَا لَوْنًا، وَلَا رِيحًا؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
١٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ».
وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْقُلَّتَيْنِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ، فَإِذَا الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ تَكُونَ الْقُلَّةَ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا، فَإِذَا كَانَ الْمَاءُ خَمْسَ قِرَبٍ لَمْ يَحْمِلْ نَجِسًا فِي جَرٍّ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ،
стр. 157
وَقِرَبُ الْحِجَازِ كِبَارٌ، وَلَا يَكُونُ الْمَاءُ الَّذِي لَا يَحْمِلُ النَّجَاسَةَ إِلَّا بِقِرَبٍ كِبَارٍ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُلَّةَ قِرْبَتَانِ، وَالْآخَرُ: أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ خَمْسُ قِرَبٍ، وَلَمْ يَقُلْ بِأَيِّ قِرَبٍ.
وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ، قَالَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، قَالَ: أَمَّا الَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ وَهُمَا نَحْوُ سِتِّ قِرَبٍ؛ لِأَنَّ الْقُلَّةَ نَحْوُ الْخَابِيَةِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ خَمْسُ قِرَبٍ لَيْسَ بِأَكْبَرِ الْقِرَبِ وَلَا بِأَصْغَرِهَا. هَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ.
وَفِيهِ قَوْلٌ سَادِسٌ: وَهُوَ أَنَّهَا الْحُبَابُ، وَهِيَ قِلَالُ هَجَرَ مَعْرُوفَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ، وَسَمِعْنَا ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِذَلِكَ حَدًّا. هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَفِيهِ قَوْلٌ سَابِعٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقُلَّةَ الْجَرَّةَ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَوَكِيعٌ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ حَدًّا
стр. 158
يُوقَفُ عَلَيْهِ. وَفِيهِ قَوْلٌ ثَامِنٌ: وَهُوَ أَنَّ الْقُلَّةَ قَدْ يُقَالُ لِلْكُوزِ حَكَى قَبِيصَةُ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ صَلَّى خَلْفَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَخَذَ نَعْلَهُ وَقُلَّةً مَعَهُ ثُمَّ خَرَجَ بِهَا.
وَفِيهِ قَوْلٌ تَاسِعٌ، قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ: وَالْقُلَّةُ الَّتِي جُعِلَتْ مِقْدَارًا بَيْنَ مَا يَنْجُسُ مِنَ الْمَاءِ، وَمَا لَا يَنْجُسُ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ اسْتَقَلَّ فُلَانٌ بِحَمْلِهِ وَأَقَلَّهُ إِذَا أَطَاقَهُ وَحَمَلَهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْكِيزَانُ قِلَالًا؛ لِأَنَّهَا تُقَلُّ بِالْأَيْدِي وَتُحْمَلُ فَيُشْرَبُ فِيهَا.
قَالَ: وَالْقُلَّةُ تَقَعُ عَلَى الْكُوزِ الصَّغِيرِ، وَالْجَرَّةِ اللَّطِيفَةِ وَالْعَظِيمَةِ، وَالْجَرُّ اللَّطِيفُ إِذَا كَانَ الْقَوِيُّ مِنَ الرِّجَالِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقِلُّهُ قَالَ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ: [البحر الخفيف]
فَظَلِلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَأْنَا … وَشَرِبْنَا الْحَلَالَ مِنْ قُلَلِهِ
стр. 159
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْأَوَائِلِ مِمَّنْ قَالَ: بِالتَّحْدِيدِ فِي الْمَاءِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
أَحَدُهَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ
١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ قُلَّةً فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ. رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ كُرٍّ، فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ.
стр. 160
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ حَدِيثَ ابْنِ سِيرِينَ هَذَا، قَالَ: وَبِهِ يَأْخُذُ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ ذَنُوبَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ.
١٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، ثنا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ زَمْعَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ ذَنُوبَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا».
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلٌ رَابِعٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ.
١٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا أَبُو الْوَلِيدِ، ثنا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَرْبَعِينَ دَلْوًا لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ».
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ خِلَافَ كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَالَتْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ: إِذَا كَانَ فِي الْمَوْضِعِ إِذَا حُرِّكَ مِنْهُ جَانِبٌ اضْطَرَبَ الْمَاءُ، وَخَلَصَ اضْطَرَابُهُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ نَجَاسَةٍ نُجِّسَ لِوُقُوعِهَا فِيهِ وَإِنْ لَمْ تَتَبَيَّنِ النَّجَاسَةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ فِي غَدِيرٍ وَاسِعٍ أَوْ مَصْنَعَةٍ وَاسِعَةٍ وَعَظِيمَةٍ إِذَا حُرِّكَ طَرْفُهُ لَمْ يَتَحَرَّكِ الطَّرْفُ الْآخَرُ، وَلَمْ يَخْلُصْ بَعْضُ الْمَاءِ إِلَى بَعْضٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ. حُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
стр. 161
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: قَلِيلُ الْمَاءِ وَكَثِيرُهُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ بِطَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ، هَذَا قَوْلُ يَحْيَى الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ.
وَقَدْ رُوِّينَا أَخْبَارًا عَنِ الْأَوَائِلِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمَاءُ لَا يَنْجَسُ. وَرُوِّينَا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
стр. 162
وَرُوِّينَا عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّورَةَ فِي الْحَوْضِ يَصْدُرُ عَنْهَا الْإِبِلُ، وَيَرِدُهَا السِّبَاعُ وَيَلِغُ فِيهَا الْكِلَابُ وَيَشْرَبُ مِنْهَا الْحِمَارُ هَلْ نَتَطَهَّرُ مِنْهُ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ الْمَاءَ شَيْءٌ.
١٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا حَجَّاجٌ، ثنا حَمَّادٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَطَهَّرُ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ، فَإِنَّهُ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْجُنُبُ وَغَيْرُ الطَّاهِرِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجَسُ».
١٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثنا أَبُو غَسَّانَ، ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنِ الزِّبْرِقَانِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجْنَا أَوْ كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَانْتَهَيْنَا إِلَى غَدِيرٍ تُطْرَحُ فِيهِ الْمَيْتَةُ وَتَغْتَسِلُ فِيهِ الْحَائِضُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: «تَوَضَّئُوا مِنْهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ لَا يَخْبُثُ».
١٨٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثنا أَبُو عُبَيْدٍ، ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ شِهَابٍ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: السُّورَةُ فِي الْحَوْضِ تَصْدُرَ عَنْهَا الْإِبِلُ، وَتَرِدُهَا السِّبَاعُ وَتَلِغُ فِيهَا الْكِلَابُ، وَيَشْرَبُ مِنْهَا الْحِمَارُ، قَالَ: «لَا يُحَرِّمُ الْمَاءَ
стр. 163
شَيْءٌ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضٌ مَنْ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ بِحُجَجٍ سِتٍّ.
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ: فَالطَّهَارَةُ عَلَى ظَاهِرِ كِتَابِ اللهِ بِكُلِّ مَاءٍ إِلَّا مَاءً مَنَعَ مِنْهُ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَالْمَاءُ الَّذِي مَنَعَ الْإِجْمَاعَ مِنَ الطَّهَارَةِ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يَغْلُبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ بِلَوْنٍ، أَوْ طَعْمٍ، أَوْ رِيحٍ.
وَمِنْهَا الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ.
١٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، ثنا يَحْيَى.
١٨٦ - وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثنا يَحْيَى يَعْنِي الْأَنْصَارِيَّ، أَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَبَالَ فِيهِ فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ، فَكَفَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى فَرَغَ الْأَعْرَابِيُّ، ثُمَّ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ
١٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَحَمَّتْ مِنْ جَنَابَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِمُّ مِنْ فَضْلِهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ
стр. 164
١٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا أَبُو أُسَامَةَ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ تُطْرَحُ فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَالْحُيَّضِ؟ فَقَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».
فَهَذَا جَوَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَاءِ جَوَابٌ عَامٌّ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَاءٍ، وَإِنْ قَلَّ. وَمِنْهَا أَنَّهُمْ مَجْمُوعُونَ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ طَاهِرٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ فِيهِ النَّجَاسَةُ، وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ وَلَمْ تُغَيِّرِ الْمَاءَ لَوْنًا، وَلَا طَعْمًا، وَلَا رِيحًا أَنَّهُ نَجَسٌ، فَالْمَاءُ الْمَحْكُومُ لَهُ بِالطَّهَارَةِ طَاهِرٌ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ بِخَبَرٍ أَوْ إِجْمَاعٍ.
وَمِنْهَا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ إِذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ إِذَا اخْتَلَطَ بِالنَّجَاسَةِ وَهُوَ غَالِبٌ عَلَيْهَا نَجَسًا مَا طَهُرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ثَوْبٌ أَبَدًا، إِلَّا أَنْ يُغْسَلَ فِي قَصْعَةٍ عَظِيمَةٍ أَوْ مَاءٍ جَارٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الثَّوْبَ إِذَا طُرِحَ فِي إِنَاءٍ وَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ اخْتَلَفَتِ النَّجَاسَةُ الَّتِي فِي الثَّوْبِ بِالْمَاءِ الْمَصْبُوبُ فِي الْإِنَاءِ، فَإِذَا عُصِرَ بَقِيَ الثَّوْبُ نَجِسًا عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ إِنْ طُرِحَ الثَّوْبُ النَّجَسُ الَّذِي هَذَا سَبِيلُهُ فِي الْإِنَاءِ ثَانِيًا اخْتَلَطَ الْمَاءُ الْمَصْبُوبُ فِي الْإِنَاءِ بِالنَّجَاسَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ ثَالِثًا أَوْ رَابِعًا، وَلَا يَطْهُرُ ثَوْبٌ فِي قَوْلِ مَنْ نَجَّسَ الْمَاءَ الْقَلِيلَ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ
стр. 165
أَبَدًا، وَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الثَّوْبَ يَطْهُرُ بِالْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ، إِذًا لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَثَرٌ لَمْ يُذْهِبْهُ الْمَاءُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا غَلَبَ عَلَى النَّجَاسَةِ كَانَ طَاهِرًا بِكُلِّ حَالٍ.
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْقَائِلِينَ بِالْقُلَّتَيْنِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ
١٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، ثنا عَفَّانُ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أنا عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: كُنَّا فِي بُسْتَانٍ لَهُ أَوْ لِعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ إِلَى نَهَرِ الْبُسْتَانِ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَفِيهِ جِلْدُ بَعِيرٍ، فَقُلْتُ: أَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَفِيهِ جِلْدُ هَذَا الْبَعِيرِ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالْقُلَّتَيْنِ.
وَقَدْ دَفَعَ بَعضُ أَصْحَابِنَا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ وَاقِعًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» يَأْتِي عَلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَعَلَى مَا فَوْقَهُمَا، وَخُصُوصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ الْقُلَّتَيْنِ يَنْفِي النَّجَاسَةَ عَنْهُمَا، وَإِثْبَاتُ الطَّهَارَةِ لَهُمَا زِيَادَةٌ زَادَهَا، الْقُلَّتَيْنِ، وَمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَمَا فَوْقَ الْقُلَّتَيْنِ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» قَالَ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأَمَرَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوَاتُ دَاخِلَةٌ فِي جُمْلَةِ قَوْلِهِ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ثُمَّ خَصَّ الْوُسْطَى بِالْأَمْرِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَلَمْ تَكُنْ خُصُوصِيَّةُ الْوُسْطَى بِالْأَمْرِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مُخْرِجًا سَائِرَ الصَّلَوَاتِ مِنَ الْأَمْرِ الْعَامِّ الَّذِي أَمَرَ فِيهِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَقَعَ عَلَى جَمِيعِ الْمِيَاهِ، كَمَا كَانَ قَوْلُهُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَاقِعًا عَلَى جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ. ثُمَّ قَالَ: إِذَا
стр. 166
كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا، فَكَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ زِيَادَةً زَادَهَا الْقُلَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُخْرِجًا لِمَا دُونَهَا مَعَ أَنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ يَدْفَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَقُولُ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِعُمُومِ الْأَخْبَارِ عَلَى كُلِّ قُلَّةٍ صَغُرَتْ أَوْ كَبِرَتْ.
فَأَمَّا تَحْدِيدُ مَنْ حَدَّدَ الْقُلَّتَيْنِ بِخَمْسِ قِرَبٍ، أَوْ بِأَرْبَعِ قِرَبٍ وَشَيْءٍ، أَوْ بِكِبَارِ الْقِرَبِ أَوْ بِأَوْسَاطِهَا، أَوْ سِتِّ قِرَبٍ، أَوْ قَوْلِ مَنْ قَالَهَا: أَنَّهَا الْحِبَابُ، أَوْ أَنَّهَا الْجَرَّةُ، أَوْ مَا يُقِلُّهُ الْمَرْءُ مِنَ الْأَرْضِ، فَتِلْكَ تَحْدِيدَاتٌ، وَاسْتِحْسَانَاتٌ مِنْ قَائِلِهَا، لَا يَرْجِعُ الْقَائِلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى حُجَّةٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ مُرْسَلٌ لَا يَثْبُتُ.
١٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا، وَلَا بَأْسًا». قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: زَعَمُوا أَنَّهَا قِلَالُ هَجَرَ.
فَالْحَدِيثُ فِي نَفْسِهِ مُرْسَلٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَقَدْ فَصَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ بَيْنَ
стр. 167
الْحَدِيثَيْنِ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ بِرَأْيِهِ حَيْثُ قَالَ: زَعَمُوا، وَقَوْلُهُ: زَعَمُوا حِكَايَةً عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ، وَلَوْ سَمَّاهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ عَصِرَهِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ ثِقَةً. وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّهَا قِلَالُ هَجَرَ، قَالَ الَّذِي أَخْبَرَنِي عَنِ الْقِلَالِ: فَرَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ بَعْدُ فَأَظُنُّ كُلَّ قُلَّةٍ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ. فَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ الَّذِيَ أَخْبَرَهُ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ قُلَّةٍ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ فَالظَّنُّ غَيْرُ وَاجِبٍ قَبُولُهُ، وَقَوْلُهُ: قِرْبَتَيْنِ لَيْسَ بِلَازِمٍ الْأَخْذُ بِهِ، وَنَقْلُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُجْعَلَ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفٍ كُلٌّ قُلَّةٍ غَيْرُ جَائِزٍ، وَحُكِيَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ بِكِبَارِ الْقِرَبِ أَوْ بِصِغَارِهَا أَوْ بِأَوْسَاطِهَا أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِثْبَاتُ أَنْ تُجْعَلَ الْقُلَّةُ قَرْبَتَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالشَّيْءُ الَّذِي شَكَّ فِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلَوْ ثَبَتَ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُحْتَاطَ، فَيُجْعَلُ نِصْفًا، ثُمَّ يُفْرَضُ عَلَى النَّاسِ مَا سُمِّيَ احْتِيَاطًا، وَالْقُلَلُ مُحِيطَةٌ بِهَذَا التَّحْدِيدِ،. وَلُزُومُ ظَاهِرِ كِتَابِ اللهِ وَالْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَجِبُ، وَتَرْكُ الِانْتِقَالِ إِلَى الْقَوْلِ بِالْمَرَاسِيلِ، وَدَفْعُ الْقَوْمِ بِعُمُومِ الْأَخْبَارِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي هَذَا الْبَابِ كَلَامًا كَثِيرًا، وَمُعَارَضَاتٍ وَحُجَجًا، وَهُوَ مُثْبَتٌ فِي الْكِتَابِ الَّذِي اخْتَصَرْتُ مِنْهُ هَذَا الْكِتَابَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ مَا حَضَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي الْمَاءِ بِالتَّحْدِيدِ. وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، حَكَى عَبْدُ الْمَلِكِ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي الْمَاءِ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ مِنْ مَالِكٍ كَأَنَّمَا هُوَ أَمْرٌ يُتَبَيَّنُ، وَيَفْتِي بِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَا يَقَعُ فَيَجِدُهُ
стр. 168
مَعْرُوفًا بِعَيْنِهِ، فَأَمَّا أَنْ يُوضَعَ فِيهِ أَصْلٌ وَيُفْتِي بِهِ النَّاسُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ لِيُكْتَفَى بِهِ فِيمَا يَحْدُثُ وَيَكُونُ، فَلَمْ أَرَ مَالِكًا يُرِيدُهُ، وَلَا يُرَخِّصُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ.
وَحَكَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يَغْتَسِلُ بِالْمَاءِ قَدْ وَقَعَتْ فِيهِ الْمَيْتَةُ، قَالَ: أَرَى أَنْ يَغْتَسِلَ، وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ، فَلَا يُعِيدُ صَلَاةً صَلَّاهَا إِلَّا فِي الْوَقْتِ.
وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ فِي رَجُلٍ تَوَضَّأَ مِنْ قُلَّةٍ فِيهَا فَارَةٌ مَيْتَةٌ، لَا يَعْلَمُ بِهَا، ثُمَّ عَلِمَ، وَلَمْ يَجِدْ رَائِحَةً، وَلَا طَعْمًا، قَالَ: مَضَتْ صَلَاتُهُ.
وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ فِي الْجِيفَةِ تَقَعُ فِي الْمَاءِ، قَالَ: مَا لَمْ يُغَيِّرْ رِيحًا، وَلَا طَعْمًا يَتَوَضَّأُ بِهِ.
وَحَكَى أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ نَجِدْ فِي الْمَاءِ أَوْ لَمْ نَرَ فِي الْمَاءِ إِلَّا الرُّخْصَةَ
٧ - ذِكْرُ الْبِئْرِ تَقَعُ فِيهَا النَّجَاسَةُ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْبِئْرِ تَحِلُّ فِيهَا النَّجَاسَةُ فَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِنَزْحِهَا حَتَّى يَغْلِبَهُمْ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
стр. 169
١٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا حَجَّاجٌ، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ فِي بِئْرٍ وَقَعَتْ فِيهِ فَارَةٌ فَمَاتَتْ: «يِنْزَحُ مَاءَهَا».
١٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مَيْسَرَةَ وَأَصْحَابِ عَلِيٍّ، قَالُوا: قَالَ عَلِيٌّ: «إِذَا وَقَعَتِ الْفَارَةُ فِي الْبِئْرِ فَمَاتَتْ، فَانْتَزِحُوهَا حَتَّى تَغْلِبَكُمْ».
١٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثنا أَبُو عُبَيْدٍ، ثنا هُشَيْمٌ، ثنا مَنْصُورٌ بن زَاذَانُ عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ زِنْجِيًّا مَاتَ فِي زَمْزَمَ فَأَمَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يُنْزَحَ مِنْهَا حَتَّى يَغْلِبَهُمُ الْمَاءُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي الْإِنْسَانِ يَمُوتُ فِي الْبِئْرِ: يُنْزَحُ كُلُّهَا. وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ هَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ، وَعَلَيْهِ أَهْلُ الرَّأْيِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَرَوْنَ نَزْحَهَا، وَإِنْ أُخْرِجَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ، رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ فِي الْجِرْوِ قَالَ: يَنْزِحُونَ مِنْهَا
стр. 170
عِشْرِينَ دَلْوًا، وَإِنْ تَفَسَّخَتْ نَزَحُوا مِنْهَا أَرْبَعِينَ دَلْوًا.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يُسْتَقَى مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا أَوْ نَحْوُهُ، هَكَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ فِي الْفَارَةِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ.
وَرُوِّينَا عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَاجَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ: يُسْتَقَى مِنْهَا سَبْعُونَ دَلْوًا.
وَقَدْ رُوِّينَا عَمَّنْ بَعْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً، سُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ مَاءٍ مَعِينٍ وُجِدَ فِيهِ مَيْتَةٌ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ، قَالَ: يُنْزَحُ مِنْهَا دِلَاءِ وَلَا يُوَقِّتُ مَا يُنْزَحُ مِنْهُ وَإِنْ غَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ، أَوْ طَعْمُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَزْحِهِ حَتَّى يَصْفُوَ، وَلَا يُوَقِّتُ أَبُو عَمْرٍو مَا يُنْزَحُ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: فِيهَا إِذَا غُيِّرَ رِيحُ الْمَاءِ، أَوْ طَعْمُهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي بَغْلٍ رَاثَ فِي بِئْرٍ، قَالَ: يُنْزَحُ مِنْهَا دِلَاءٌ حَتَّى يَطِيبَ قِيلَ لَهُ فَمَا صَلُّوا؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَجْزِيَهُمْ.
وَقَالَ النُّعْمَانُ فِي الْعُصْفُورِ وَالْفَارَةِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ فَتَخْرُجُ حِينَ مَاتَتْ، قَالَ: يُسْتَقَى مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا أَوْ ثَلَاثُونَ دَلْوًا، فَإِنْ كَانَتْ دَجَاجَةً أَوْ سِنَّوْرًا فَاسْتُخْرِجَتْ حِينَ مَاتَتْ فَأَرْبَعُونَ دَلْوًا، أَوْ خَمْسُونَ دَلْوًا، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً فَانْزَحْهَا
стр. 171
حَتَّى يَغْلِبَكَ الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَدِ انْتَفَخَ أَوْ تَفَسَّخَ فَانْزَحْهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي الْوَزَغِ يَقَعُ فِي الْبِئْرِ قَالَ: يُسْتَقَى مِنْهَا أَدْلَاءٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَمَّا فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ قَالَ بِالْقُلَّتَيْنِ، فَالْمَاءُ السَّاقِطَةُ فِيهِ الْفَارَةُ الْمَيْتَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي بِئْرٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ غَيْرُهُ، إِذْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَلَيْسَ يُنَجِّسُ ذَلِكَ الْمَاءَ إِلَّا أَنْ تُغَيِّرَ النَّجَاسَةُ طَعْمَ الْمَاءِ، أَوْ لَوْنَهُ، أَوْ رِيحَهُ.
إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يَسْتَثْنِي الْبَوْلَ وَالْعَذِرَةَ الرَّطْبَةَ، قِيلَ: لِأَحْمَدَ فِي الدَّابَّةِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ، قَالَ: كُلُّ شَيْءِ لَا يُغَيِّرُ رِيحَهُ، وَلَا طَعْمَهُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ إِلَّا الْبَوْلَ وَالْعَذِرَةَ الرَّطْبَةَ.
قَالَ إِسْحَاقُ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ: وَالْبَوْلُ وَالْعَذِرَةُ لَا يَنْجَسَانِ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْمَاءِ أَقَلَّ مِنَ الْقُلَّتَيْنِ.
فَأَمَّا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى أَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ وَكَثِيرَهُ لَا يَنْجُسُ بِحُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ، أَوْ رِيحُهُ، أَوْ لَوْنُهُ، فَالْبِئْرُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَاءِ أَنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ وَكَثِيرَهُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ فِي نَهَرٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ سَقَطَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ إِلَّا أَنْ يُغَيِّرَ لِلْمَاءِ طَعْمًا، أَوْ لَوْنًا، أَوْ رِيحًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ الْحُجَّةَ فِيهِ فِي بَابِ ذِكْرِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ يُخَالِطُهُ النَّجَاسَةُ.
٨ - ذِكْرُ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ لَا يَعْلَمُ بِهِ الْمُصَلِّي إِلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يَتَطَهَّرُ بِمَاءٍ نَجَسٍ
стр. 172
لَا يَعْلَمُ بِهِ وَيُصَلِّي، ثُمَّ يَعْلَمُ بِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُعِيدُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ إِذَا مَضَى الْوَقْتُ. هَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ.
وَحَكَى عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا تَغَيَّرَتْ فِي الْبِئْرِ، وَتَفَسَّخَتْ يَعْنِي الدَّابَّةَ الَّتِي تُنَجِّسُ الْبِئْرَ، فَإِنَّهُمْ يُعِيدُونَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلُّوهَا بِذَلِكَ الْمَاءِ، وَيَغْسِلُونَ الثِّيَابَ الَّتِي أَصَابَهَا.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ، وَبَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَايُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَوَضَّأَ بِمَاءٍ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ أَوْ نَجَاسَةٌ مَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ وَصَلَّى، وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَوَاتِ كُلَّهَا إِذَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِذَلِكَ الْمَاءِ مِنْ بَعْدِ أَنْ حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ، فَإِنْ هُوَ تَوَضَّأَ مِنْ مَاءِ بِئْرٍ وَصَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا فَارَةً أَوْ دَجَاجَةً مَيْتَةً، قَدِ انْتَفَخَتْ أَوْ تَفَسَّخَتْ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى وَقَعَتْ فِيهَا، فَإِنَّ النُّعْمَانَ قَالَ: عَلَى مَنْ تَوَضَّأَ مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ وَصَلَّى أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، وَإِذَا كَانَ قَدْ غَسَلَ بِذَلِكَ الْمَاءِ ثَوْبًا أُعِيدَ يُغْسَلُ بِمَاءٍ نَظِيفٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ الثَّوْبُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ، وَصَلَّى فِيهِ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ مَا صَلَّى، فَإِنْ وَجَدَ الدَّجَاجَةَ أَوِ الْفَارَةَ لَمْ تَتَفَسَّخْ أَوْ لَمْ تَنْتَفِخْ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَتَى وَقَعَتْ فِيهَا، فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَيُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ النُّعْمَانِ وَزُفَرَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٌ: وُضُوءُهُ وَصَلَاتُهُ جَائِزٌ ثَابِتٌ عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ شَيْئًا مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَلَا بَأْسَ بِالْعَجِينِ الَّذِي خُبِزَ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَنْ تَأْكُلَهُ، وَلَا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ بَعْدَ وُقُوعِ الْفَارَةِ
стр. 173
الْمَيْتَةِ فِي الْبِئْرِ؛ لِأَنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ صَبِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ أَلْقَاهَا فِي الْبِئْرِ مِنْ بَعْدِ أَنْ تَوَضَّأَ مِنْهَا هَذَا الرَّجُلُ، وَهِيَ مُتَغَيِّرَةٌ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَصَابَهُ دَمٌ فَلَمْ يَدْرِ مَتَى أَصَابَهُ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ سُفْيَانَ يَتَحَرَّى، وَالتَّحَرِّي أَنْ يَشُكَّ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَيَأْخُذُ بِيَوْمَيْنِ.
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ: الْحَدُّ عِنْدَنَا إِذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَزِيدُ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ غَلَبَتْ نَجَاسَةٌ بِطَعْمٍ أَوْ رِيحٍ، فَعَلَيْهِمْ إِعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلُّوهَا مُنْذُ يَوْمَئِذٍ، وَكَذَلِكَ يَغْسِلُونَ كُلَّ ثَوْبٍ أَصَابَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ أَنَّنَا نَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ الْمُتَوَضِّئُ وَصَلَّى فَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ غَيَّرَتْ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، وَبَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَغَسْلُ كُلِّ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ النَّجَاسَةُ غَيَّرَتْ لِلْمَاءِ طَعْمًا، وَلَا لَوْنًا، وَلَا رِيحًا، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَكَّ، فَلَمْ يَدْرِ هَلْ غَيَّرَتِ الْمَاءَ أَمْ لَا؟ فَالْمَاءُ عَلَى أَصْلِ طَهَارَتِهِ.
٩ - ذِكْرُ الْعَجِينِ الَّذِي عُجِنَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَاءِ النَّجِسِ يُعْجَنُ بِهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُطْعِمُهُ
стр. 174
الدَّجَاجَ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَفِي قَوْلٍ ثَانٍ، وَهُوَ أَنْ يُطْعِمَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. هَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُطْعِمهُ شَيْئًا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَيُشْرَبُ لَبَنُهُ. وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُطْعِمُهُ الْبَهَائِمَ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا أَيْقَنَ أَنَّهُ عُجِنَ بِمَاءٍ مُتَغَيِّرٍ مِنْ نَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ، وَلَا يُطْعِمُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ أَيُدْهَنُ بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ، قَالَ: «لَا، هِيَ حَرَامٌ».
١٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ
стр. 175
وَالْأَصْنَامِ». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ قَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهَ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِذَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الِانْتِفَاعَ بِالشَّيْءِ النَّجَسَ حُرِّمَ الِانْتِفَاعُ بِكُلِّ نَجَسٍ، وَذَلِكَ مَعْنَى السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا، وَلَا الْعُدُولُ عَنْهَا
١٠ - ذِكْرُ الْإِنَاءَيْنِ يَسْقُطُ فِي أَحَدِهِمَا نَجَاسَةٌ ثُمَّ يُشْكِلُ ذَلِكَ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْإِنَاءَيْنِ يَسْقُطُ فِي أَحَدِهِمَا نَجَاسَةٌ، ثُمَّ يُشْكِلُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَتَوَضَّأُ بِالْأَغْلَبِ مِنْهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ فِي الْبَوْلِ يَقَعُ فِي إِحْدَى جَرَّتَيْنِ: لَا يَتَوَضَّأُ بِوَاحِدَةٍ. هَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ يَتَيَمَّمُ: وَكَانَ الْمُزَنِيُّ يَقُولُ:
стр. 176
لَا يَتَوَضَّأُ بِأَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ. قَالَ: وَلَوْ جَازَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِأَحَدِهِمَا لَجَازَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ وَلَجَازَ أَنْ يَأْكُلَ بِالتَّحَرِّي أَحَدُ بَضْعَتَيْنِ طُبِخَتْ إِحْدَاهُمَا بِنَجَسٍ، وَالْأُخْرَى بِمَاءٍ طَاهِرٍ، وَيَطَأُ إِحْدَى امْرَأَتَيْنِ مُطْلَقَةً وَغَيْرَ مُطْلَقَةٍ، وَيَبِيعُ أَحَدَ غُلَامَيْنِ مُعْتَقٌ وَعَبْدٌ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْمَاجِشُونُ قَالَ: يَتَوَضَّأُ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِالْآخَرِ ثُمَّ يُصَلِّي، وَهَكَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: يَغْسِلُ بِالَّذِي يَلِي الْأَوَّلَ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْأَوَّلِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ وَاحِدٌ مِنَ الْإِنَاءَيْنِ تَطَهَّرَ بِهِمَا، وَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ هَذَا مَذْهَبُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ فِي النَّظَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
١١ - ذِكْرُ مَا لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ مِنَ الْهَوَامِّ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ
ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ».
١٩٥ - حَدَّثَنَا عَلَّانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أنا مُحَمَّدٌ، وَسُلَيْمَانُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُتْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي
стр. 177
إِحْدَى جَنَاحَيْهِ سُمًّا وَبِالْآخَرِ شِفَاءٌ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ عَنِ الْأَوَائِلِ مُوَافِقَةٌ لِهَذِهِ السُّنَّةِ. وَقَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْمَاءَ لَا يَفْسُدُ بِمَوْتِ الذُّبَابِ وَالْخُنْفِسَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فِيهِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَرُوِي مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَنِ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا أَعْلَمُ الْعُلَمَاءَ تَوَسَّعَتْ فِي هَذِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا وَأَنَّ هَذِهِ لَا تَرَوَّحُ فِي مَوْتِهَا وَلَا تُنْتِنَ كَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهَا فَاسْتَوَتْ حَيَاتُهَا وَمَوْتُهَا وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ نَحْوِهَا كَالْجَنَادِبِ وَالصَّرَاصِرِ وَالْعَنَاكِبِ
стр. 178
وَالْعَقَارِبِ وَجَمِيعِ هَوَامِّ الْأَرْضِ عِنْدِي مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ غَيْرَ مَا ذَكَرْتُ إِلَّا الشَّافِعِيَّ فَإِنَّ الرَّبِيعَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَالَ فِيهَا قَوْلَانِ، هَذَا الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنْ جُمَلِ النَّاسِ أَحَدُهُمَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَنْجُسُ الْمَاءُ بِمَوْتِهِ فِيهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْقَوْلُ الَّذِي يُوَافِقُ السُّنَّةَ وَقَوْلُ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِهِ
١٢ - ذِكْرُ مَوْتِ الدَّوَابِّ الَّتِي مَسَاكِنُهَا الْمَاءُ فِيهِ مِثْلُ السَّمَكِ وَالسَّرَطَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي السَّمَكِ وَالضِّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يَمُوتُ فِي الْمَاءِ، فَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى ذَلِكَ يُفْسِدُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْحُوتِ وَالْجَرَادِ يَمُوتُ فِي الْمَاءِ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَجِّسُهُ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الضِّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ يَمُوتُ فِي الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ قَالَ النُّعْمَانُ فِيهِمَا وَفِي السَّمَكِ يَمُوتُ فِي الْمَاءِ،
стр. 179
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ فِي الضِّفْدَعِ يَمُوتُ فِي مَاءِ الْبِئْرِ: يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ فِي الضِّفْدَعِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا مَاتَ فِي الْبِئْرِ نَجَّسَهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى كُلِّ مَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ مِنْ دَوَابٍّ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الدَّابَّةِ الَّتِي وُجِدَتْ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مَيْتَةً فَأَكَلَهَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهَا شَيْءٌ؟» قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَوَابَّ الْبَحْرِ كُلَّهَا حِلٌّ مِنَ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ.
١٣ - ذِكْرُ الْبِئْرِ يَكُونُ إِلَى جَنْبِهَا بَالُوعَةٌ
ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، فَإِذَا كَانَ الْبِئْرُ بِجَنْبِهَا الْبَالُوعَةُ قَرِيبَةٌ كَانَتْ مِنْهَا أَوْ بَعِيدَةً لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْبِئْرَ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ الْمَاءُ بِطَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ مِنْ نَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهَا فَإِنْ تَغَيَّرَ مَاءُ الْبِئْرِ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَسَدَ وَإِلَّا فَالْمَاءُ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَرُوِي ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ النُّعْمَانِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فَلَا
стр. 180
بَأْسَ بِمَائِهَا إِذْ لَا حُجَّةَ مَعَهُ تَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ، قِيلَ لِلنُّعْمَانِ: فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَهِيَ تُؤْذِي فَتَرَكَ الذَّرْعَ وَقَالَ: إِذَا كَانَتْ تُؤْذِي فَإِنِّي أَكْرَهُهُ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: الْأَرْضُونَ تَخْتَلِفُ، تَكُونُ الْأَرْضُ غِلَاظًا وَالْأُخْرَى رِقَاقًا، فَإِنْ تَخَوَّفَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَتَوَضَّأُ مِنْهَا، فَقِيلَ: فَإِنْ كَانَتْ لَهَا رَائِحَةٌ وَالْمَاءُ تَغَيَّرَ قَالَ: لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهَا.
١٤ - ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ كَانَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَرَوْنَ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الَّذِي تُوُضِّئَ بِهِ
следующие страницы →