← Фикх общий

Фикх общий · id 21113

الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف - ت حنيف

ابن المنذر

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وَيَعْقُوبُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ. غَيْرُ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَيْهَا مِنَ الطَّهَارَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الدَّمِ فَأَمَرَهَا بَعْضُهُمْ بِالِاغْتِسَالِ وَأَمَرَهَا بَعْضُهُمْ بِالْوُضُوءِ فَمِمَّنْ أَمَرَهَا بِالِاغْتِسَالِ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ يَقُولَانِ: هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَرُوِّينَا عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ لِتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي وَرُوِّينَا عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَا تُصَلِّي حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهَا. ٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، ثنا شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ: " فِي الْحُبْلَى تَرَى الدَّمَ قَالَ: قَالَتْ: إِنَّ الْحُبْلَى تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ". ٨٢١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أنبا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «إِذَا رَأَتِ الْحَامِلُ الصُّفْرَةَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ وَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَلَا تَدَعِ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ». ٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ

стр. 597

ﷺ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ أَتُصَلِّي؟ قَالَتْ: لَا تُصَلِّي حَتَّى يَذْهَبَ الدَّمُ ". قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ مِثْلَهُ. وَاخْتَلَفَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ، فَرُوِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْحَامِلُ تَحِيضُ فَتَدَعُ الصَّلَاةَ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ. هَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ: امْرَأَتِي تَحِيضُ وَهِيَ حَامِلٌ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِاسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ، وَلَوْ كَانَ يَكُونُ حِيضٌ وَحَمْلٌ مَا كَانَ لِلْاسْتِبْرَاءِ مَعْنًى. وَقَالَ آخَرُ فِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا حَاضَتْ حَلَّ وَطْؤُهَا مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَضَعَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ مُحَالٌ وُجُودُ الْحَيْضِ فِيهَا، إِذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَبَطَلَ

стр. 598

مَعْنَى مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَمَةُ مِنْ أَنَّ الْحَامِلَ لَا تُوطَأُ، وَلَوْ كَانَ يَكُونُ حَيْضًا، وَهِيَ حَامِلٌ لَمَا كَانَ الِاسْتِبْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا حَمْلَ بِهَا. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثٍ. ٨٢٣ - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُطَلِّقْهَا، وَهِيَ طَاهِرٌ أَوْ حَامِلٌ». قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَأَقَامَ الطُّهْرَ مَقَامَ الْحَمْلِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَاهُ وَكِيعٌ، قَالَ: وَقَدْ تَابَعَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَلَيْهِ أَيْضًا، قَالَ: طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا. وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ، فَقَالَ: أَقْرَبُ الْقَوْلَيْنِ إِلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَكُونُ حَائِضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ اللهَ جَلَّ ذِكْرُهُ جَعَلَ عِدَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَامِلٍ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فِي الطَّلَاقِ، وَجَعَلَ عِدَّةَ الْحَامِلِ أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، قَالَ اللهُ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] الْآيَةَ، أَوَ لَا تَرَاهُ جَعَلَ عِدَّتَهَا أَنْ تَضَعَ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا بِالْأَقْرَاءِ وَيَلْزَمُ مَنْ جَعَلَ الْحَامِلَ تَحِيضُ أَنْ يَجْعَلَهَا تَنْقَضِي بِالْأَقْرَاءِ، وَهَذَا عَلَى غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى أَبِي طَلْحَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَكَذَا أَقُولُ.

стр. 599

١٩ - ذِكْرُ الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ وَهِيَ تَطْلِقُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ وَهِيَ تَمْخَضُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ حِيَضٌ لَا تُصَلِّي، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنِ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا رَأَتِ الدَّمَ عَلَى الْوَلَدِ أَمْسَكَتْ عَنِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَاءِ الْأَبْيَضِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ حِينَ يَضْرِبُهَا الطَّلْقُ حَضْرَةَ الْوِلَادَةِ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي حَتَّى تَرَى دَمَ النِّفَاسِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ إِذَا ظَهَرَ الدَّمُ تَرَكَتِ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: تَصْنَعُ مَا تَصْنَعُ الْمُسْتَحَاضَةُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ حَتَّى تَلِدَ فَيَكُونَ حُكْمُهَا حِينَئِذٍ حُكْمَ النُّفَسَاءِ.

стр. 600

٢٠ - ذِكْرُ الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهَا إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَنْ تُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. وَرُوِّينَا هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. ٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ أَخْبَرَتْنِي جَدَّتِي، عَنْ مَوْلَاةٍ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَتْ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ». ٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ

стр. 601

يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْمَغْرِبِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ». وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ. وَكَانَ الْحَكَمُ وَالْأَوْزَاعِيُّ يَقُولَانِ: إِذَا طَهُرَتْ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَقْتًا لِلْعَصْرِ فِي حَالٍ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ وَقْتَ الظُّهْرِ فِي حَالٍ، فَطَهُرَتِ امْرَأَةٌ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ كَانَ عَلَيْهَا الصَّلَاتَانِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ وَقْتُ الظُّهْرِ فِي حَالٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْوَقْتُ الَّذِي جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِيهِ خِلَافَ الْوَقْتِ الَّذِي يَبْقَى مِنَ النَّهَارِ مِقْدَارُ مَا يُصَلِّي فِيهِ الْمَرْءُ رَكْعَةً؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أَبَاحَتِ السُّنَّةُ أَنْ تَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ هُمَا إِذَا صَلَّاهُمَا فِي وَقْتِهَا كَجُمُعَةٍ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبِالْمُزْدَلِفَةِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ أَسْفَارٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهِ، إِذْ فَاعِلُهُ مُتَّبِعٌ لِلسُّنَّةِ، وَالْوَقْتُ

стр. 602

الَّذِي طَهُرَتْ فِيهِ الْحَائِضُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِرَكْعَةٍ وَقْتٌ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ التَّارِكَ لِلصَّلَاتَيْنِ حَتَّى إِذَا كَانَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِرَكْعَةٍ ذَهَبَ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَصَلَّى رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَسَبْعَ رَكَعَاتٍ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَاصٍ لِلَّهِ ﵎ مَذْمُومٌ إِذَا كَانَ قَاصِدًا لِذَلِكَ فِي غَيْرِ حَالِ عُذْرِهِ، إِذَا كَانَ هَكَذَا فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَجْعَلَ حُكْمَ الْوَقْتِ الَّذِي أُبِيحَ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ حُكْمَ الْوَقْتِ الَّذِي حُظِرَ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا صَلَاةَ عَلَى الْحَائِضِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِذَا طَهُرَتْ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهَا بِاخْتِلَافٍ صَلَاةً لَا حُجَّةَ مَعَ مُوجِبِ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْعَصْرِ لَا لِلظُّهْرِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ صَلَّتِ الْعَصْرَ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ، هَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، إِنْ شَاءَتْ إِنْ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا الْعَصْرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَلَيْسَ الْمَغْرِبُ عَلَيْهَا بِوَاجِبٍ إِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. وَحُكِيَ عَنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا رَأَتِ الْحَائِضُ طُهْرَهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَاغْتَسَلَتْ

стр. 603

صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا مِنَ النَّهَارِ إِلَّا مَا يُصَلِّي فِيهِ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّتِ الْعَصْرَ، فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنَ النَّهَارِ مَا يُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ وَرَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِذَا رَأَتْ طُهْرَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَاغْتَسَلَتْ صَلَّتِ الْعِشَاءَ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ مَا يُصَلَّى مَا فِيهِ الْمَغْرِبُ وَرَكْعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ صَلَّتِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: فَإِنْ هِيَ رَأَتِ الطُّهْرَ وَفَرَغَتْ مِنْ غُسْلِهَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ قَدْرَ مَا تُصَلِّي صَلَاةً وَاحِدَةً اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتِ الْعَصْرَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا فِي الظُّهْرِ. ٢١ - ذِكْرُ الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَهَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَهَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهَا الْقَضَاءُ كَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي أَنْ تُعِيدَ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: تُعِيدُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، تَقْضِيهَا إِذَا كَانَ أَمْكَنَهَا أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا.

стр. 604

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ تُفَرِّطَ وَتَدَعَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَرُوِي ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا صَلَّتْ رَكْعَةً مِنَ الظُّهْرِ أَوْ بَعْضَ الظُّهْرِ، ثُمَّ حَاضَتْ لَا تَقْضِي هَذِهِ الصَّلَاةَ الَّتِي حَاضَتْ فِيهَا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِذَا حَاضَتْ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ، لَا إِعَادَةَ عَلَيْهَا إِذَا هِيَ طَهُرَتْ، فَإِنْ أَخَّرَتِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، ثُمَّ حَاضَتْ أَعَادَتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ، وَهِيَ طَاهِرٌ وَلَمْ تُصَلِّ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَهَا إِذَا طَهُرَتْ. ٢٢ - ذِكْرُ الْحَائِضِ تَطْهُرُ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهَا فِيهِ الِاغْتِسَالُ، وَالصَّلَاةُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهَا فِيهِ الِاغْتِسَالُ وَالصَّلَاةُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ إِذَا أَخَذَتْ فِي الْغُسْلِ فَلَمْ تَفْرُغْ مِنْهُ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، هَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنَ النَّهَارِ قَدْرُ رَكْعَةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ رَكْعَةٍ قَبْلَ اطِّلَاعِ الشَّمْسِ حِينَ رَأَتِ الطُّهْرَ فَلَمْ

стр. 605

تَفْرُغْ مِنْ غُسْلِهَا إِلَّا بَعْدَمَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ صَلَّتْ كَمَا وَصَفْتُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِنَّمَا وَقْتُهَا حِينَ تَرَى الطُّهْرَ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مِمَّنْ عَلَيْهَا فَرْضُ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ الْغُسْلُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَلَمْ تَغْتَسِلْ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا فَلْتُعِدْ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: تُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ تَفْرُغْ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ ٢٣ - ذِكْرُ النُّفَسَاءِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ عَلَى النُّفَسَاءِ الِاغْتِسَالَ عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنَ النِّفَاسِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَقْصَى حَدِّ النِّفَاسِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَدُّ ذَلِكَ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأُمِّ

стр. 606

سَلَمَةَ. ٨٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا يَحْيَى، ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: «النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي». ٨٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا الْحَجَبِيُّ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «النُّفَسَاءُ تَنْتَظِرُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ نَحْوَهُ». ٨٢٨ - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى، ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثنا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: «تَمْكُثُ النُّفَسَاءُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ». ٨٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو الرَّبِيعِ، ثنا حَمَّادٌ، ثنا الْجَلْدُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ: " أَنَّ امْرَأَةً لِعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو نُفِسَتْ، فَرَأَتِ الطُّهْرَ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَتَطَهَّرَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ فَدَخَلَتْ فِي لِحَافِهَا، فَضَرَبَهَا بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: لَا تُعْزِبِينِي مِنْ دِينِي حَتَّى تَمْضِيَ الْأَرْبَعُونَ ".

стр. 607

٨٣٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَنْبَأَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَ مَعْمَرٌ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «تَنْتَظِرُ الْبِكْرُ إِذَا وَلَدَتْ وَتَطَاوَلَ بِهَا الدَّمُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ تَغْتَسِلُ». ٨٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا زُهَيْرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ مُسَّةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «كَانَتِ النُّفَسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَكُنَّا نَطْلِي عَلَى وَجْهِهَا الْوَرْسَ مِنَ الْكَلَفِ». وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالنُّعْمَانُ، وَيَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَقْصَاهُ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْحَيْضِ. وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ، قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: النُّفَسَاءُ لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِنْ جَاوَزَتْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسِينَ، فَإِنْ جَاوَزَتِ الْخَمْسِينَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَقْصَى النِّفَاسِ شَهْرَانِ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ،

стр. 608

وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ آخِرَ مَا لَقِينَاهُ، فَقَالَ: يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ النِّسَاءُ، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ، فَتَجْلِسُ أَبْعَدَ ذَلِكَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَجْلِسُ كَامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا، وَرُوِّينَا هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ، وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ: تَرَبُّصُ شَهْرَيْنِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِوَى ذَلِكَ قَوْلَانِ شَاذَّانِ، أَحَدُهُمَا أَنْ تَنْتَظِرَ إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَ لَيَالٍ، أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. يُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنِ الضَّحَّاكِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي ذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَهْلِ دِمَشْقَ يَقُولُونَ: إِنَّ أَجَلَ النُّفَسَاءِ مِنَ الْغُلَامِ ثَلَاثُونَ لَيْلَةً، وَمِنَ الْجَارِيَةِ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً. وَقَالَ قَائِلٌ: إِذَا اسْتَمَرَّ بِالنُّفَسَاءِ الدَّمُ حَتَّى تَجَاوَزَ سِتِّينَ يَوْمًا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَغْتَسِلُ عِنْدَ السِّتِّينِ، وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتَقْضِي الصَّلَاةَ الَّتِي تَرَكَتْهَا فِي السِّتِّينَ يَوْمًا كُلَّهَا، إِذْ جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ النِّفَاسُ لَمْ يَأْتِ فِيهَا وَقْتُ صَلَاةٍ، وَسَائِرُ الدَّمِ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ، فَلَمَّا جَازَ وَصْفُنَا، كَانَ الِاحْتِيَاطُ لِلصَّلَاةِ لَا عَلَيْهَا، هَذَا إِذَا أَشْكَلَ دَمُ نِفَاسِهَا مِنْ دَمِ اسْتِحَاضَتِهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ يَلْزَمُ عِنْدِي مِنْ أَمْرِ الْبِكْرِ الْمُبْدَأَةِ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ إِذَا رَأَتِ

стр. 609

الدَّمَ مَا بَيْنَ أَوَّلِ مَا تَرَاهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ زَادَ الدَّمُ ذَلِكَ فَأَمْرُهَا أَنْ تُعِيدَ صَلَاةَ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ أَنْ يَقُولَ كَذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ تَنْفَسُ أَوَّلَ نِفَاسِهَا دَعِي الصَّلَاةَ إِلَى أَقْصَى نِفَاسِهَا، فَإِنْ زَادَ الدَّمُ عَلَى أَقْصَى النِّفَاسِ أَنْ يَأْمُرَهَا بِإِعَادَةِ صَلَاةِ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْوَقْتِ الْمَوْجُودِ مِنْ نِفَاسِ النِّسَاءِ، وَيَجِبُ كَذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَهَا إِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا قَدْ جَرَتْ فِيمَا مَضَى بِأَنْ تَقْعُدَ أَيَّامًا مَعْلُومَةً فِي النِّفَاسِ، فَزَادَ الدَّمُ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى عَادَتِهَا فِيمَا مَضَى كَمَا يَأْمُرُ مَنْ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ تَحِيضُهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ ذَلِكَ الْوَقْتَ، فَزَادَ عَلَى أَيَّامِهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى وَقْتِهَا الْمَعْلُومِ، فِيمَا مَضَى وَتَجْعَلُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ اسْتِحَاضَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. ٢٤ - ذِكْرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَقَلِّ النِّفَاسِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ النِّفَاسِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا وَضَعَتِ الْحَامِلُ حَمْلَهَا فَرَأَتْ دَمًا فَهِيَ نُفَسَاءُ، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَجَبَ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ وَالصَّلَاةُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَقَلُّ النِّفَاسِ سَاعَةٌ، أَبُو ثَوْرٍ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَقَلُّ النِّفَاسِ سَاعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ وَلَدًا فَلَمْ تَرَ عَلَيْهِ دَمًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، قَالَ: تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَقَالَ مَالِكٌ كَذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو

стр. 610

عُبَيْدٍ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ النُّعْمَانُ: أَقَلُّ النِّفَاسِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَقَالَ يَعْقُوبُ: أَدْنَى مَا تَقْعُدُ النُّفَسَاءُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ أَدْنَى النِّفَاسِ أَكْثَرَ مِنْ أَقْصَى الْحَيْضِ بِيَوْمٍ، وَإِنْ رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ تَحْدِيدَاتٌ وَاسْتِحْسَانَاتٌ لَا يَرْجِعُ قَائِلُهَا فِيمَا قَالَ إِلَى حُجَّةٍ. وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: إِذَا رَأَتِ النُّفَسَاءُ الطُّهْرَ بَعْدَ عِشْرِينَ يَوْمًا فَإِنَّهَا طَاهِرٌ فَلْتُصَلِّ. وَرُوِّينَا عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ اغْتَسَلَتْ يَوْمَ السَّابِعِ، وَصَلَّتْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقُولُ، وَذَلِكَ أَنَّ وُجُودَ دَمِ النِّفَاسِ هُوَ الْمُوجِبُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ الدَّمُ عَادَ الْفَرْضُ بِحَالَهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ وُجُودِ دَمِ النِّفَاسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 611

٢٥ - ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي النُّفَسَاءِ تَطْهُرُ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، ثُمَّ يُعَاوِدُهَا الدَّمُ قَبْلَ مُضِيِّ أَقْصَى أَيَّامِ النِّفَاسِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي النُّفَسَاءِ تَطْهُرُ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، ثُمَّ يُعَاوِدُهَا الدَّمُ قَبْلَ مُضِيِّ أَقْصَى أَيَّامِ النِّفَاسِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا طَهُرَتْ صَلَّتْ، وَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ أَمْسَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ شَهْرَيْنِ، رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَقْصَى النِّفَاسِ عِنْدَهُ. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مَتَى رَأَتِ الطُّهْرَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَإِنْ قَرُبَ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ رَأَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ دَمًا هُوَ قَرِيبُ مِنَ دَمِ النِّفَاسِ، كَانَ مُضَافًا إِلَى دَمِ النِّفَاسِ، وَأَلْغَتْ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الْأَيَّامِ مِمَّا لَمْ تَرَ فِيهِ دَمًا، وَإِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ كَانَ الدَّمُ الْمُسْتَقِلُّ حَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ رَأَتِ الدَّمَ قُرْبَ دَمِ النِّفَاسِ كَانَتْ نُفَسَاءَ، فَإِنْ تَمَادَى بِهَا أَقْصَى مَا تَقُولُ النِّسَاءُ أَنَّهُ نِفَاسٌ، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ كَانَتْ إِلَى ذَلِكَ نُفَسَاءَ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً. وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ: وَإِذَا رَأَتِ النُّفَسَاءُ لِلطُّهْرِ وَالنَّقَاءِ فَهُوَ طُهْرٌ، وَإِنْ عَاوَدَهَا بَعْدَ أَيَّامٍ فَذَلِكَ دَمُ فَسَادٍ، وَلَا يَكُونُ يَعُودُ دَمُ حِيَضٍ، وَلَا نِفَاسٌ بَعْدَ النَّقَاءِ إِلَى خَمْسَ

стр. 612

عَشْرَةَ لَيْلَةً، فَإِنْ رَأَتْ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ دَمًا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَأَكْثَرَ فَهُوَ حَيْضٌ، تَدَعُ الصَّلَاةَ، فَإِذَا رَأَتِ النَّقَاءَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَهِيَ بَعْدَ النَّقَاءِ الْأَوَّلِ مِنَ النِّفَاسِ حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْغَشَيَانِ حَتَّى تَرَى دَمَ الْحَيْضِ. ٢٦ - ذِكْرُ حَدِّ أَقَلِّ الطُّهْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ أَقَلِّ الطُّهْرِ يَكُونُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَقَلُّ ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، هَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزَعَمَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَا نَعْلَمُ أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَحَكَى ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ عَنِ النُّعْمَانِ وَصَاحِبَيْهِ. وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ هَذَا التَّحْدِيدَ، وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ ذَا بِشَيْءٍ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ عَلَى مَا يَكُونُ. قَالَ إِسْحَاقُ: لَيْسَ فِي الطُّهْرِ وَقْتٌ، وَتَوْقِيتُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ بَاطِلٌ.

стр. 613

٢٧ - ذِكْرُ سَنِّ الْمَرْأَةِ الَّذِي إِذَا بَلَغَتْهُ كَانَتْ مِنَ الْمُوئِسَاتِ رُوِّينَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ رَبَاحٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ بِتَرْكِهَا الْحَيْضَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ، فَأَمْرُهَا فِيهِ شَأْنُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَعَنِ الْحَسَنِ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي قَدْ قَعَدَتْ تَرَى الدَّمَ، قَالَ: بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي قَعَدَتْ بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً مِنَ الْحَيْضِ، ثُمَّ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ، قَالَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا حَيْضًا. مَسْأَلَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ وَتُصَلِّي، ثُمَّ يُعَاوِدُهَا الدَّمُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ وَتَفْعَلُ مَا تَفْعَلُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ، هَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ غَيْرَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهَا أَنَّهُ حَيْضٌ مُنْتَقِلٌ، وَلَا يَنْقُلُهَا إِلَّا أَنْ تَرَى الدَّمَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ أُخْرَى حَتَّى يُتِمَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَكُونُ حَيْضًا مُنْتَقِلًا.

стр. 614

فَأَمَّا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ حَيْضًا مَا دَامَتْ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً عِنْدَهُمْ إِلَى أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ أَنْ تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ ثُمَّ تَرْتَفِعُ عَنْهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ تُصَلِّي، ثُمَّ تَرَاهُ يَوْمًا أَوِ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ عَنْهَا، ثُمَّ تَرَاهُ مَرَّةً، وَيَذْهَبُ أُخْرَى، قَالَ مَالِكٌ: إِذَا اخْتَلَطَتْ عَلَيْهَا كَمَا ذَكَرَتْ، فَإِنَّهَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ، فَإِذَا ذَهَبَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، فَإِذَا بَلَغَتِ الْأَيَّامَ الَّتِي تَرَى الدَّمَ فِيهَا قَدْرَ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَزِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اغْتَسَلَتْ، ثُمَّ صَلَّتْ وَصَنَعَتْ مَا تَصْنَعُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ، هَذِهِ حِكَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ. وَحَكَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قُرُوئِهَا، فَإِنَّهَا تُمْسِكُ أَيَّامَ الدَّمِ، وَإِنْ كَانَتْ ذَلِكَ فَرَجًا مِنْ طُهْرٍ، فَإِذَا أَكْمَلَتْ أَيَّامَ الدَّمِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فِيمَا أَعْلَمُ. ٢٨ - ذِكْرُ قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنْ تَسْتَطْهِرَ الْمُسْتَحَاضَةُ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ الْحَيْضِ ثَلَاثًا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ لَهَا أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ، ثُمَّ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَمْكُثُ الْمُسْتَحَاضَةُ بَعْدَ مُضِيِّ لَيَالِي حَيْضِهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي

стр. 615

هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ذَكَرَ مَعْنٌ أَنَّهُ آخِرُ قَوْلِهِ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ. وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْمُرُ الْمَرْأَةَ بِأَنْ تَسْتَطْهِرَ إِذَا كَانَ حَيْضُهَا اثْنَى عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا كَانَ حَيْضُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُ تَسْتَطْهِرُ بِيَوْمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ حَيْضُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ تَسْتَطْهِرُ بِيَوْمٍ وَالَّتِي أَيَّامُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَا تَسْتَطْهِرُ بِشَيْءٍ. وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ فِي امْرَأَةٍ قَامَتْ حَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَيَّامًا عَرَفَتْهَا وَعَرَفَتْ أَيَّامَ أَطْهَارِهَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ فَزَادَتْ عَلَى أَيَّامِهَا تِلْكَ قَالَ: فَلْتَسْتَطْهِرْ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ فِي الْحَائِضِ تَسْتَطْهِرُ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ فَلْتَقْعُدْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ ثُمَّ تَقْعُدُ بَعْدَهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ تُصَلِّي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ الِاسْتِطْهَارَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِنَّمَا تَسْتَطْهِرُ بِأَنْ تُصَلِّيَ، إِذَا شَكَّتْ لَا تَسْتَطْهِرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الِاسْتِطْهَارِ بَعْدَ الْحَيْضِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: تَدَعُ الصَّلَاةَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ، فَتَرَكَ مَالِكٌ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَأَسْقَطَ عَنْهَا صَلَاةَ أَيَّامٍ بِرَأْيِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَكْثَرَ أَصْحَابِنَا أَنْ تَدَعَ الْمُسْتَحَاضَةُ الَّتِي لَهَا أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ الصَّلَاةَ تِلْكَ الْأَيَّامَ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتُصَلِّي، وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 616

١٠ - كِتَابُ الدِّبَاغِ ١ - ذِكْرُ الْخَبَرِ الْمُخْتَصِّ الْمُبِيحِ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِأُهُبِ الْمَيْتَةِ ٨٣٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى شَاةٍ لِمَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ مَيْتَةٍ، قَالَ: «أَفَلَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟» قَالُوا: وَكَيْفَ، وَهِيَ مَيْتَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُهَا» قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُنْكِرُ الدِّبَاغَ، وَيَقُولُ: يُسْتَمْتَعُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. ٨٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: " كَانَتْ شَاةٌ أَوْ دَاجِنَةٌ لِإِحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَهَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا».

стр. 617

٢ - ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الْمُفَسِّرَةِ لِلْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ٨٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا الْحُمَيْدِيُّ، ثنا سُفْيَانُ، ثنا الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ لِمَوْلَاةٍ لَهَا قَدْ أُعْطِيتَهَا مِنَ الصَّدَقَةِ مَيْتَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا عَلَى أَهْلِ هَذِهِ لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ وَانْتَفِعُوا بِهِ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: إِنَّ مَعْمَرًا لَا يَقُولُ فِيهِ، فَدَبَغُوهُ، وَيَقُولُ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يُنْكِرُ الدِّبَاغَ، فَقَالَ سُفْيَانُ: لَكِنِّي قَدْ حَفِظْتُهُ أَنَا، وَإِنَّمَا أَرَدْنَا مِنْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَلَمْ يَقُلْهَا غَيْرُهُ إِنَّمَا حَرَّمَ أَكْلَهَا. ٨٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنبا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ: " أَنَّ شَاةً، مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلَّا دَبَغْتُمْ إِهَابَهَا». ٨٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، إِنَّمَا قَالَ اللهُ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الْآيَةَ، وَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ أَنْ تَدْبُغُوهُ فَتَنْتَفِعُونَ

стр. 618

بِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا فَسَلَخَتْ مَسْكَهَا فَدَبَغَتْهُ، وَاتَّخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَهَا ". ٨٣٧ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَنْبَأَ الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ». ٨٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَا: ثنا أَبُو غَسَّانَ، ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دِبَاغُ الْمَيْتَةِ ذَكَاتُهُ». ٣ - ذِكْرُ إِثْبَاتِ الطَّهَارَةِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ ٨٣٩ - حَدَّثَنَا عَلَّانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثنا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُذَافَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ سُبَيْعٍ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: " مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا» فَقَالُوا: يَا

стр. 619

رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ». ٨٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا شَرِيكٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا ". ٤ - ذِكْرُ خَبَرٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ دِبَاغَ الْأَدِيمِ طُهُورُهُ ٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا هِشَامٌ، ثنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَرَّ بِقِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ، فَاسْتَسْقَى فَقِيلَ: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «دِبَاغُ الْأَدِيمِ طُهُورُهُ». ٥ - ذِكْرُ خَبَرٍ مُجْمَلٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِثْبَاتِ الطَّهَارَةِ لِلْأُهُبِ بِالدِّبَاغِ ٨٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ. ٨٤٣ - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَعْلَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:

стр. 620

قُلْتُ لَهُ: إِنَّا نَغْزُو فَنُؤْتَى بِالْأَسْقِيَةِ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ: إِلَّا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ». ٨٤٤ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَنْبَأَ الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ». ٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا عَفَّانُ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثنا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: " إِنَّا نَغْزُو هَذَا الْغَرْبَ وَعَامَّةُ أَسْقِيَتِهِمُ الْمَيْتَةُ، وَرُبَّمَا قَالَ حَمَّادٌ: وَأَكْثَرُ أَسْقِيَتِهِمُ الْمَيْتَةُ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا». ٦ - ذِكْرُ الْخَبَرِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ مَنْ كَرِهَ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ ٨٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: " أُقْرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ: أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا أَوْ تَسْتَنْفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ ".

стр. 621

قَالَ أَبُو بَكَرٍ: وَفِي حَدِيثِ. ٨٤٧ - الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، قَالَ ثنا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُكَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَشْيَخَةٌ، لَنَا مِنْ جُهَيْنَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ». ٧ - ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْحَيَوَانِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ، فَنَهَتْ طَائِفَةٌ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ: «كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ بِأَرْضٍ تَلْبَسُونَ ثِيَابًا، يُقَالُ لَهَا الْفِرَاءُ، فَانْظُرُوا مَا مِنْ مَيْتَةٍ». ٨٤٨ - مِنْ حَدِيثِ بُنْدَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ. ٨٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي مَوْلًى، لِابْنِ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ: " كَلَّمَ عَائِشَةَ فِي أَنْ يَتَّخِذَ، لَهَا لِحَافًا مِنَ الْفِرَاءِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ مَيْتَةٌ، وَلَسْتُ بِلَابِسَةِ

стр. 622

شَيْءٍ مِنَ الْمَيِّتِ، قَالَ: فَنَحْنُ نَصْنَعُ لَكِ لِحَافًا مِمَّا يُدْبَغُ، وَكَرِهَتْ أَنْ تَلْبَسَ مِنَ الْمَيْتَةِ. ٨٥٠ - كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، أَنْبَأَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ الْأَشْعَثِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: «كَانَ مِمَّنْ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِي الْجِلْدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَكِيًّا عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَابْنُ جَابِرٍ». ٨٥١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبُو النُّعْمَانِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ: " رَأَى عَلَى رَجُلٍ فَرْوًا، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا ذَكِيٌّ لَسَرَّنِي أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُهُ. قَالَ: وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ فِي كِتَابِهِ تَحْرِيمًا عَامًّا لَمْ يَخُصْ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءِ، فَقَالَ: جَلَّ وَعَزَّ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الْآيَةَ، وَكَانَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ يَقَعُ عَلَى اللَّحْمِ وَالْجَلْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَالْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ فِي أَسَانِيدِهَا وَمُتُونِهَا فَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى شَاةٍ لِمَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ، فَقَالَ: " أَلَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّبَاغَ فِي حَدِيثِهِ. وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: «هَلَّا اسْتَنْفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا» وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّبَاغَ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

стр. 623

عَنْ مَيْمُونَةَ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ: عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةَ. فَلَمَّا اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي مَتْنِهِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ حُجَّةٌ، ثُمَّ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفِ الْحَدِيثُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا لَكَانَ خَبَرُ ابْنِ عُكَيْمٍ نَاسِخًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: جَاءَنَا كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ. احْتَجَّ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحُجَّةٍ أُخْرَى مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، وَقَالَ: لَيْسَ يَخْلُو بِجَلْدٍ أَنْ يَكُونَ حَيًّا بِحَيَاةِ الشَّاةِ، أَوْ مَيِّتًا بِمَوْتِهَا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ اللَّحْمِ لَا سَبِيلَ أَوْ يَكُونُ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَلَا مَوْتَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَأَكْلُهُ مُبَاحٌ، وَلَا مَعْنَى لِرُخْصَةٍ، وَفِي امْتِنَاعِ الْجَمِيعِ أَنْ يُبِيحُوا أَكْلَ جِلْدِ الْمَيْتَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَيِّتٌ بِمَوْتِ الشَّاةِ، وَكَمَا أَبَاحُوا أَكْلَ جَلْدِ الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ إِذَا أَشْرَفَتْ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْجِلْدَ يَحْيَى بِحَيَاةِ الشَّاةِ، وَيَمُوتُ بِمَوْتِهَا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ تُبَاحَ الْمَيْتَةُ نَصْرًا لِمُضْطَرٍّ غَالٍّ وَإِنْ عُولِجَ بِكُلِّ عِلَاجٍ وَطِيبٍ وَكُلِّ حِيلَةٍ، فَإِنَّ الْجِلْدَ كَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إِلَى نَقْلِهِ عَنْ حَالِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَأَبَاحَتْ طَائِفَةٌ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَحَرَّمَتِ الِانْتِفَاعَ بِهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَذَلِكَ مِثْلَ جُلُودِ الْأَنْعَامِ، وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ وَهِيَ حَيَّةٌ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. ٨٥٢ - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عُمَرَ: " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُسْتُقَةٍ، فَقَالَ: طَهُورُهَا دِبَاغُهَا.

стр. 624

٨٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا الْحَجَبِيُّ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: " سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنِ الْمَسَاتِقِ، فَقَالَتْ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ دِبَاغَهَا طَهُورُهَا. ٨٥٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ، ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَا تَشْتَرُوا أَلْبَانَ الْغَنَمِ فِي ضُرُوعِهَا، وَلَا أَصْوَافَهَا عَلَى ظُهُورِهَا، وَإِذَا مَاتَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا تُعْطُوا الْأَجِيرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَاكْسُوا مِنْهَا عَبَاءً لَكُمْ، فَإِنَّ دِبَاغَهَا طَهُورُهَا، وَبِيعُوا إِنْ شِئْتُمْ». ٨٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، ثنا يَعْلَى، ثنا صَدَقَةُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ جَدِّهِ رِيَاحِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ " يَقْرِي نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ فَدَعَا لَهُمْ بِشَرَابٍ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا فِي سِقَاءٍ فِي مَنِيحَةٍ كَانَتْ لَنَا، فَمَاتَتْ، قَالُوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ أَتَسْقِينَا فِي الْمَيْتَةِ، فَقَالَ: ذَكَاتُهَا دِبَاغُهَا ". ٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، ثنا جَعْفَرٌ، أَنْبَأَ مُسْلِمٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «ذَكَاةُ الْجُلُودِ دِبَاغُهَا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمِمَّنْ رَأَى أَنَّ جُلُودَ، مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الذَّكَاةُ إِذَا مَاتَ مِنْهَا شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يُذَكَّى وَيُدْبَغُ أَنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ،

стр. 625

وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ. وَقَدْ رُوِّينَا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَقَاوِيلَ غَيْرَهَا خِلَافَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «يُنْتَفَعُ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ، وَلَا تُبَاعُ» وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ النَّخَعِيَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ يُصَلَّى فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، قَالَ: لَا، وَقَالَ: إِنَّمَا أَذِنَ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهِ، وَلَا أَرَى أَنْ يُصَلَّى فِيهِ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالصَّلَاةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ دُبِغَ بَأْسًا». ٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ يَلْزَمُ أَنْ يُصَلِّي فِي جُلُودِ الْخَنَازِيرِ وَالْكِلَابِ إِذَا دُبِغَتْ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ فِي جُلُودِ الْخَنَازِيرِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِّينَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الدِّبَاغَ، وَيَقُولُ: يُسْتَمْتَعُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَعَ أَنَّا قَدْ رُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيِّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ دِبَاغَهَا طَهُورُهَا. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّخَعِيِّ رِوَايَةً غَيْرَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: " أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَمُوتُ

стр. 626

لَهُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَيَدْبِغُ جُلُودَهَا، قَالَ: يَبِيعُهَا وَيَلْبَسُهَا إِذَا دَبَغَهَا. ٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ يَقُولُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جُمْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ فِي كِتَابِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا عَلَى اللَّحْمِ، وَالْجِلْدِ جَمِيعًا إِلَّا أَنْ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرٌ يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّةِ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَمَّا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي جِلْدِ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَجَبَ اسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ الْجِلْدُ قَبْلَ الدِّبَاغِ عَلَى جُمْلَةِ التَّحْرِيمِ. وَذَكَرَ هَذَا الْقَائِلُ الْأَخْبَارَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ حَدِيثَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثَ الشَّعْبِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، وَقَالَ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ ثَابِتَةٌ فَإِنْ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ: لَيْسَ الِاخْتِلَافُ مِمَّا يُوهِنُ الْخَبَرَ، وَلَيْسَ يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ مَيْمُونَةَ وَسَوْدَةَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَوْ سَوْدَةَ ثِقَةٌ يَجِبُ قَبُولُ حَدِيثِهِ، فَيُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَهُوَ ثَابِتٌ لَا يُدْفَعُ، لَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ثَابِتًا عَنْ أَحَدِهِمَا، فَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ مَقْبُولٌ لَا مَعْنَى لِرَدِّهِ، وَأَيُّهُمَا كَانَ غَيْرَهُ يَجِبُ قَبُولُهُ. وَقَالَ: فَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ وَعْلَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَيْسَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُقَابِلَ بِهِ خَبَرَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَلَا عَطَاءٍ، وَلَا عِكْرِمَةَ إِذَا خَالَفُوهُ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ حُفَّاظُ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ وَعْلَةَ لَيْسَتْ بِخِلَافٍ لِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ، قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» مُخْتَصَرًا، وَيَكُونُ قَدْ سَمِعَ مِنَ مَيْمُونَةَ وَسَوْدَةَ أَوْ إِحْدَاهُمَا قِصَّةَ الشَّاةِ، وَلَيْسَ فِي

стр. 627

رِوَايَةِ ابْنِ وَعْلَةَ قِصَّةُ الشَّاةِ، وَلَا فِي حَدِيثِ هَؤُلَاءِ اللَّفْظُ الَّذِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَعْلَةَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا حَدِيثَيْنِ مَحْفُوظَيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَاحِبِهِ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ذِكْرُ الدِّبَاغِ، قِيلَ لَهُ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعُقَيْلٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ ذَكَرُوا الدِّبَاغَ فِي حَدِيثِهِمْ، وَالْحَافِظُ إِذَا زَادَ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا فَزِيَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدِّبَاغُ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ يُرَخِّصُ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ، قِيلَ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَالْكَرَاهِيَةُ ثَبَتَتْ عِنْدَنَا عَنْهُ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَتَانِ مُتَكَافِئَتَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا سَقَطَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الِانْتِفَاعِ بِجَلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذْ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَرْخَصَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا جَاءَكَ عَنْ رَجُلٍ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ لَا تَدْرِي النَّاسِخُ مِنْهُمَا مِنَ الْمَنْسُوخِ، وَلَا الْأَوَّلَ مِنَ الْآخِرِ فَلَمْ يَجِئْكَ عَنْهُ شَيْءٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَوْ لَمْ يُرْوَ عَنِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ وَحَدِيثِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كِفَايَةٌ، وَمَقْنَعٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَحَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ نَاسِخٌ لَهُ، قِيلَ إِنَّ ابْنَ عُكَيْمٍ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ إِنَّمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَشْيَخَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ لَمْ يُسَمِّهِمْ وَلَمْ يَدْرِ مَنْ هُمْ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ خَبَرِ وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَشْيَخَةٍ لَا يُعْرَفُونَ. وَذَكَرَ حَدِيثَ صَدَقَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى قَالَ: وَمَعَ هَذَا فَلَوْ كَانَ خَبَرُ ابْنِ عُكَيْمٍ ثَابِتًا لَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا،

стр. 628

لِأَنَّ تِلْكَ الْأَخْبَارِ فِيهَا إِذْنُ النَّبِيِّ ﷺ بِالِانْتِفَاعِ بِجَلْدِ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَإِذَا أَمْكَنَ لَنَا أَنْ تَكُونَ الْأَخْبَارُ مُخْتَلِفَةً، وَأَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهَا فَاسْتِعْمَالُهَا أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْ نَجْعَلَهَا مُتَضَادَّةً، فَيُسْتَعْمَلُ خَبَرُ ابْنِ عُكَيْمٍ فِي النَّهْيِ عَنِ اسْتِعْمَالِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَيُسْتَعْمَلُ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ. وَقَالَ آخَرُ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ دِبَاغَ الْمَيْتَةِ طَهُورَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، وَلَا يَكُونُ خَبَرُ ابْنِ عُكَيْمٍ لَوْ ثَبَتَ نَاسِخًا لَهُ عَلَى أَنَّ خَبَرَ ابْنِ عُكَيْمٍ غَيْرُ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ مِنْ حَامِلِ الْكِتَابِ إِلَيْهِمْ، وَلَا مَنْ قَرَأَ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ، وَالْحَدِيثُ مِنْ مَشْيَخَةٍ لَا يُعْرَفُونَ. وَاعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ مَنِ احْتَجُّوا بِهَا، فَزَعَمَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ جَائِزٌ، بِافْتِرَاشٍ، وَجُلُوسٍ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعْمَلُ مِنْ ذَلِكَ يَابِسًا، لَا يَكُونُ رَطْبًا يَنْجُسُ الطَّاهِرُ بِمَمَاسَّةِ الرَّطْبِ مِنْهُ، وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ خَبَرِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ مَا لَمْ يُحَرَّمْ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَفَا اللهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١] الْآيَةَ، قَالَ: فَمَنْ حَظَرَ وَمَنَعَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ فِي غَيْرِ بَابِ الْأَكْلِ فَقَدْ حَظَرَ مَا هُوَ مُبَاحٌ، قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالثَّوْبِ النَّجِسِ بِأَنْ يُلْبَسَ أَشَدُّ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَفِي إِجَازَتِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْأُهُبِ النَّجِسَةِ، وَأَنَّ الَّذِي حُرِّمَ مِنْهُ الْأَكْلُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ عَارَضَ هَذَا الْقَائِلَ: لَوْ وَجَبَ اسْتِعْمَالُ ظَاهِرِ خَبَرِ الزُّهْرِيِّ، إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا لَجَازَ بَيْعُ جِلْدِ الشَّاةِ قَبْلَ أَنْ يُدْبَغَ، أَوْ جَازَتْ هِبَتُهُ، فَلَمَّا مُنِعَ الْجَمِيعُ مِنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الزُّهْرِيِّ إِنَّمَا رُوِيَ عَلَى الِاخْتِصَارِ، وَالْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ وَمُبَيِّنَةٌ مَعْنَاهُ.

стр. 629

٨ - ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الِانْتِفَاعِ بِشُعُورِ الْمَيْتَةِ وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الِانْتِفَاعِ بِشُعُورِ الْمَيْتَةِ وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا فَأَبَاحَتْ طَائِفَةٌ الِانْتِفَاعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَمِمَّنْ أَبَاحَ ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَبِهِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: إِذَا غُسِلَ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ يَرَوْنَ أَنَّ غَسْلَ صُوفِ الْمَيْتَةِ طَهُورُهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالُوا: يُغْسَلُ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الرِّيشِ، وَالْعَصَبُ، وَالصُّوفُ ذَكِيٌّ كُلُّهُ.

стр. 630

وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ صُوفِ الْمَيْتَةِ فَكَرِهَهُ، وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ يُرَخَّصُ إِلَّا فِي إِهَابِهَا إِذَا دُبِغَ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ فِي إِهَابِ الْمَيْتَةِ: إِذَا دُبِغَ وَلُدِكَ عَلَيْهِ شَعْرُهُ، فَمَاسَّ الْمَاءَ شَعْرُهُ نَجِسَ الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ فِي بَاطِنِهِ، وَكَانَ شَعْرُهُ طَاهِرًا لَمْ يَنْجَسِ الْمَاءُ إِذَا لَمْ يَمَاسَّ شَعْرَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَوِ الْبَعِيرَ أَوِ الْبَقَرَةَ إِذَا قُطِعَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ عُضْوٌ وَهُوَ حَيٌّ، أَنَّ الْمَقْطُوعَ مِنْهُ نَجِسٌ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِأَشْعَارِهَا، وَأَوْبَارِهَا، وَأَصْوَافِهَا جَائِزٌ، إِذَا أُخِذَ مِنْهَا ذَلِكَ، وَهِيَ أَحْيَاءٌ، فَفِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ وَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ بَيَانٌ عَلَى افْتِرَاقِ أَحْوَالِهَا، وَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الذَّكَاةِ هُوَ الَّذِي إِذَا فَاتَ أَنْ يُذَكَّى حَرَامٌ، وَأَنَّ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى الذَّكَاةِ وَلَا حَيَاةَ فِيهِ طَاهِرٌ أُخِذَ مِنْهَا ذَلِكَ وَهِيَ أَحْيَاءٌ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا، إِذْ لَا حَيَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِيهَا حَيَاةٌ كَانَتْ كَالْأَعْضَاءِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى الذَّكَاةِ، فَلَا بَأْسَ بِشَعْرِ الْمَيْتَةِ وَصُوفِهَا وَوَبَرِهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا عَطَاءٌ، فَإِنَّمَا كَرِهَهُ، وَقَدْ يُكْرَهُ الشَّيْءُ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى التَّحْرِيمِ لَمْ يُحَرِّمْهُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ حَرَّمَهُ، وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ لَكَانَ خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ قَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ. ٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا أَبُو النَّصْرِ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: «قَدِمَ

стр. 631

النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ، وَيَقْطَعُونَ أَلْيَةَ الْغَنَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الشَّعْرَ، وَلَا الصُّوفَ، وَلَا الْوَبَرَ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يُوَافِقِ مَذْهَبَنَا: يُقَالُ لِمَنْ يُخَالِفُ مَا قُلْنَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ» وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فَلِمَ أَبَحْتَ الِانْتِفَاعَ بِشَعْرِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إِذَا جُزَّ وَهُوَ حَيٌّ؟، فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ الشَّعْرَ لَا يَمُوتُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الذَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ قِيلَ: وَكَذَلِكَ هُوَ بَعْدَ مَوْتِ الشَّاةِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ بِمَوْتِ الشَّاةِ مَا يَمُوتُ بِمَوْتِهَا، وَمَا كَانَ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ وَمُوَافَقَتِكَ إِيَّانَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَيَاةِ الشَّاةِ تُوجِبُ عَلَيْكَ الْقَوْلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ. ٩ - ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى طَهَارَةِ شُعُورِ بَنِي آدَمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَاوَلَ الْحَلَّاقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ. ٨٦٠ - أَخْبَرَنَا حَاتِمٌ، أَنَّ الْحُمَيْدِيَّ، حَدَّثَهُمْ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ الْقُرْدُوسِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ

стр. 632

مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَذَبَحَ نُسُكَهُ نَاوَلَ الْحَلَّاقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الْحَلَّاقَ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ». ٨٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنبا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ، وَقَدْ أَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَقَعَ شَعْرُهُ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ». ٨٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَبُو سَلَمَةَ، ثنا أَبَانُ، ثنا يَحْيَى، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَهُ: " أَنَّ أَبَاهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ عِيدَ النَّحْرِ هُوَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَحَايَا فَلَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، وَلَا صَاحِبَهُ فَحَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَوْبِهِ، وَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَقَسَمَ مِنْهُ عَلَى رِجَالٍ وَقَلَّمَ أَظْافَرَهُ، وَأَعْطَى صَاحِبَهُ، قَالَ: فَإِنَّهُ مَخْضُوبٌ عِنْدَنَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شُعُورِ بَنِي آدَمَ، فَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُنْتَفَعَ بِشُعُورِ النَّاسِ الَّتِي تَحْلِقُ بِمِنًى، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: كُلُّ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَالِ حَيَاتِهِ يَجُوزُ مِلْكُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ لَا يَمُوتُ، وَذَلِكَ كَالْإِنْسَانِ، وَهُوَ طَاهِرٌ وَشَعْرُهُ طَاهِرٌ، فَإِذَا جُزَّ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهِ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ لَا ذَكَاةَ عَلَيْهِ، وَلَا حَيَاةَ فِيهِ، وَهُوَ بَعْدَ الْجَزِّ وَقَبْلَهُ وَبَعْدَ مَوْتِ الْإِنْسَانِ وَقَبْلَهُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ لَا يَتَغَيَّرُ، وَكَذَلِكَ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَالسِّنَّوْرُ، وَكُلُّ مَا مَلِكَهُ وَكَانَ طَاهِرًا فِي حَالِ حَيَاتِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَجُزْ مِلْكُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ فِي حَالِ

стр. 633

حَيَاتِهِ، فَكَذَلِكَ شَعْرُهُ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَذَلِكَ كَالْخِنْزِيرِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا ذَاكِرٌ اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْخِنْزِيرِ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَقَالَ آخَرُ: مِمَّا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يُصَلِّي وَعَلَى ثَوْبَهُ بَعْضُ الشَّعْرِ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَفِيمَا يَجِدُونَهُ فِي أَطْعِمَتِهِمْ وَأَشْرِبَتِهِمْ مِنَ الشَّعْرِ، لَا يَتَعَافُونَ ذَلِكَ بَيَانٌ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ طَاهِرٌ، وَلَيْسَ مَعَ مَنِ ادَّعَى أَنَّ شُعُورَ بَنِي آدَمَ نَجِسَةٌ حُجَّةٌ تَلْزَمُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَفِي قَسْمٍ مِنْ قَسْمِ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ النَّاسِ بَيَانٌ عَلَى طَهَارَةِ الشَّعْرِ، وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: شَعْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ مَنْ يَقْصُرُ فَهْمُهُ يَقُولُهُ: وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ شُعُورُ سَائِرِ النَّاسِ كَشَعْرِهِ نَبَيِّنُ لَهُ لَيْسَ يَدْخُلُ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّعْرَ طَاهِرٌ شَيْئًا إِلَّا دَخَلَ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَنِيَّ طَاهِرٌ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَجُّ فِي طَهَارَتِهِ بِفَرْكِ عَائِشَةَ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَنْ يَدْخُلَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْءٌ إِلَّا دَخَلَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ، وَالتَّحَكُّمُ لَا يَجُوزُ، وَعَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْقَوْلِ لَا يُفَارِقُ بَعْضَ مَنْ خَالَفَ مَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: مَنْ مَسَّ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ زَوْجَتِهِ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ، وَإِنْ مَسَّ شَعْرَهَا لَمْ تُنْتَقَضْ طَهَارَتُهُ، وَقَوْلُهُ: لَهَا شَعْرُكِ طَالِقٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: لَهَا رِجْلُكِ طَالِقٌ، فَقَدْ جَعَلَ الشَّعْرَ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا فِي بَابِ الطَّهَارَةِ، قَالَ: شُعُورُ بَنِي آدَمَ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَكْلُ لَحْمِهِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ مَا قُطِعَ مِنَ الْحَيِّ هُوَ مَيِّتٌ فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي شُعُورِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَيْسَ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يُصَلِّي الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَاصِلَيْنِ شَعْرَ إِنْسَانٍ بِشُعُورِهِمَا، وَلَا شُعُورَهُمَا بِشَيْءٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَا شَعْرُ شَيْءٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إِلَّا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ شَعْرُهُ، وَهُوَ حَيٌّ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الذَّكِيِّ كَمَا يَكُونُ اللَّبَنُ فِي مَعْنَى الذَّكِيِّ أَوْ يُؤْخَذُ بَعْدَمَا يُذَكَّى مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَتَقَعُ الزَّكَاةُ عَلَى كُلِّ حَيٍّ مِنْهُ وَمَيْتٍ،

стр. 634

وَإِنْ سَقَطَ مِنْ شُعُورِهِمَا شَيْءٌ فَوَصَلَا بِشَعْرِ إِنْسَانٍ أَوْ شُعُورِهِمَا لَمْ يُصَلِّيَا فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَا أَعَادَا إِنْ شَاءَ اللهُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ مِثْلَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمَا وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِخَبَرِ أَسْمَاءَ: ٨٦٣ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَنْبَأَ الشَّافِعِيُّ، ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: " أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَةً لِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ فَتَمَزَّقَ شَعْرُهَا أَفَأَصِلُ بِهِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لُعِنَتِ الْوَاصِلَةُ وَالْمَوْصُولَةُ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ أَجَابَ عَنْ هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الشَّعْرَ طَاهِرٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ لَعْنِ الْوَاصِلَةِ وَالْمَوْصُولَةِ لَمْ يَخُصَّ شَعْرَ مَيِّتٍ دُونَ شَعْرِ حَيٍّ وَلَا شَعْرَ حَيٍّ دُونَ شَعْرِ مَيِّتٍ وَلَا شَعْرَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ دُونَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بَلْ أَجَابَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، جَوَابًا عَامًّا مُطْلَقًا لَمْ يَخُصَّ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» فَذَلِكَ عَامٌّ مُطْلَقٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُوصِلَ شَعْرَهَا بِشَعْرِ شَيْءٍ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ حَيًّا، وَلَا مَيِّتًا عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ إِلَّا بِخَبَرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِنَجَاسَةٍ فِي الشَّعْرِ الْمَوْصُولِ، وَلَكِنَّهُ تَعْبُدٌ تَعَبَّدُ بِهِ النِّسَاءُ، وَذَلِكَ كَلَعْنَةِ النَّامِصَةِ، وَالْمُتَنَمِّصَةِ، وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ، وَالْمُتَفَلِّجَةِ لِلْحُسْنِ. ٨٦٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْوَاصِلَةَ

стр. 635

وَالْمُسْتَوْصِلَةَ». ٨٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: " لَعَنَ عَبْدُ اللهِ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمَوْشُومَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ: إِنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، قَالَ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ ، قَالَتْ قَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَتَيْنِ فَمَا وَجَدْتُهُ، فَقَالَ لَهَا: أَقْرَأَتِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] الْآيَةَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْهُ، فَقَالَتْ: إِنْ أَهْلَكَ أَظُنُّهُ مُفَصَّلَةً، قَالَ: فَاذْهَبِي وَانْظُرِي، فَذَهَبَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا مِنْ حَاجَتِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا جَامَعْتُهَا ". ٨٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: «زَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ فِي شَعْرِهَا شَيْئًا». قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ الْفَرَّاءُ: النَّامِصَةُ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنَ الْوَجْهِ وَالْمُتَنَمِّصَةُ الَّتِي تَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا. وَقَالَ غَيْرُ الْفَرَّاءُ: الْوَاشِرَةُ الَّتِي تَشِرُ أَسْنَانِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا تُفْلِجُهَا وَتُحَدِّدُهَا حَتَّى يَكُونَ لَهَا أَشَرٌ، وَالْأَشَرُ مُحَدَّدٌ وَرِقَّةٌ فِي أَطْرَافِ الْأَسْنَانِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي أَسْنَانِ الْأَحْدَاثِ تَفْعَلُهُ الْكَبِيرَةُ لِتَتَشَبَّهَ بِأُولَئِكَ.
следующие страницы →