← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثوب ممثل حور واستنصره، ولم يجد بأسًا في أن يعترف بالأمر الواقع في بداية حكمه، فظهر في تماثيله بتاج الصعيد وحده، وصور رجاله المعبود حور متوجًا بتاج الصعيد تارة وبلقب حور السماء مرة أخرى١. ثم هاجم أراضي الدلتا وقاتل قبائل البدو المسيطرين عليها قتالًا عنيفًا حتى انتصر عليهم في نهاية عهده، وعندما أراد رجاله أن يعبروا عن انتصاره عليهم أشاروا إلى الدلتا باعتبارها الأرض التي كان بدو الحدود الغربية يحتلونها وليس باعتبارها وطنهم الأصيل أو أرض الخصوم الفعليين. وأخيرًا أكد الفرعون خع سخموي آخر فراعنة الأسرة الثانية إتمام وحدة البلاد في عهده، بأكثر من وسيلة، فصور له رجاله المعبودين حور وست فوق أشكال واجهة القصر التي تضمنت اسمه؛ دلالة على تآلفهما وتأكيدًا لانتسابه إليهما. وتصرف الفنانون في تصويرها عنده بأوضاع مختلفة، فصوروهما متقابلين متقاربين يكاد كل منهما يقبل الآخر دلالة على المحبة بينهما، وصوروهما على هيئة صقرين إشارة إلى أن صورة كل منهما يمكن أن تدل على صورة الآخر، أو إشارة إلى اجتماع شمل حور الصعيد وحور الدلتا مرة أخرى. وقد سجل خع سخموي وحدة الربين والوجهين عن طريق اسمين من أسمائه، وهما: "خع سخموي" الذي يمكن ترجمته بمعنى شع القويان أو تجلي القويان، وقد يكون القويان هما الصعيد والدلتا أو معبوديهما، والاسم الآخر اسم مركب يمكن ترجمته بمعنى "اطمأن السيدان به". والسيدان هنا هما حور وست ربا الصعيد والدلتا٢. غير أنه على الرغم من منطقية القرائن السابقة عن أحداث النصف الثاني من عصر الأسرة الثانية، لا ننكر أن حقيقة الأوضاع فيه لا زالت مشوبة بشيء من الغموض، ولا زالت تتطلب قرائن أثرية جديدة تجلو غموضها. وعلى أية حال فإنما ننتهي من هذه المشكلات كلها إلى أن الفراعنة الأوائل الذين نسبتهم نصوصهم إلى الأرباب وصوبت لهم قداسة واسعة، لم تخل أيامهم مما يحدث عادة في مختلف الشعوب ومختلف العصور من تنازع أسري وشقاق داخلي ومتاعب قومية. لولا أن أيام ذلك التنازع وهذا الشقاق وتلك المتاعب كانت لحسن الحظ قصيرة وقليلة إذا قورنت بأمثالها في حياة الشعوب القديمة الأخرى. وظلت أيام الاستقرار والسلام والوحدة هي الغالبة، وبلغت البلاد في ظلها بحكامها ومحكوميها ما بلغته من الرقي النسبي في الفكر والمادة، والاتساع النسبي في النشاط الداخلي والخارجي معًا.

стр. 107

في العمران والفكر: تركزت وجوه النشاط السياسي والديني في عصر بداية الأسرات، في ثلاث مدن كبيرة، وهي نخن وثني وإنب حج١. وسوف نكتفي هنا بالحديث عن "إنب حج" التي اشتهرت فيما بعد باسم "منف"، وسوف نستخدم هذا الاسم الأخير للتعبير عنها فيما يلي نظرًا لشيوعه.

стр. 108

كانت إنب حج أو "منف" ثالثة المدن الكبرى في عصر بداية الأسرات من حيث الزمن، ولكنها ظلت أوفرها مجدًا وأبقاها شهرة. وتعددت الاحتمالات حول ترجمة اسمها الأول إنب حج، فهو قد يعني الجدار الأبيض، أو الحصن الأبيض، أو السور الأبيض، أو الأسوار البيضاء، ويمكن التعبير به عنها كمدينة بألفاظ شعرية، مثل الحوراء١، والحصن الأبلق، ... إلخ. أما اسم منف فكان تحريفًا لاسم "مننفر" الذي جد على المدينة بعد هذا العصر بعدة قرون خلال عصر الأسرة السادسة، وكان يخص هرم الملك ببي الأول القريب منها ويصفه بأنه الأثر الجميل أو الاستقرار الأخير، ثم أطلق فيما بعد على المدينة كلها. نشأت المدينة قرب منطقة ذات تاريخ حضاري قديم، قامت فيها في فجر التاريخ حضارات حلوان وطرة والمعادي إلى جنوب القاهرة الحالية. ووقعت غربي النيل وكانت تصلها مياه فيضانه، وقامت لها ميناء نهرية لعلها كانت قرب محطة البدرشين وإن بعدت عنها أطلالها المتأخرة في قرية ميت رهينة الحالية بنحو ثلاثة كيلومترات. ودل على تحول أغلب النشاط الإداري إلى منف منذ أوائل عصر بداية الأسرات، ثلاث قرائن، وهي: احتفال ملوك العصر ببعض أعيادهم الرسمية وأعياد أربابهم فيها، وتأكيد نصوص المذهب المنفي في خلق الوجود "انظر ص٨٨" أنها كانت مركزًا رئيسيًّا للفصل في منازعات العرش والفصل في قضايا الأرباب منذ الأزل القديم، ثم وجود عدد كبير من المقابر الضخمة لكبار موظفي عصر بداية الأسرات في جبانتها سقارة، وقد أنشئوها بطبيعة الحال قرب مقر أعمالهم، وامتازت عن هذه المقابر خمس أخرى تحتمل نسبتها إلى ثلاثة ملوك من الأسرة الأولى وملكين من الأسرة الثانية. وليس من شك في أن العامل الرئيسي في اختيار موقع منف مركزًا للنشاط الحكومي في عصر بداية الأسرات هو توسطها بين النهاية الشمالية للصعيد وبين النهاية الجنوبية للدلتا. وسهولة الإشراف منها على شئون الوجه البحري بخاصة. واستنتج الأستاذ كورت زيته مما ذكرته النصوص الدينية عنها، ومما رواه المؤرخان هيرودوت وديودور بشأنها وسمعاه من المصريين الذين عاصروهما٢، أن أحد فروع النيل كان يطغى على منطقتها فيجعلها كالمستنقع الكبير ويجعلها أرضها أشبه بالجزيرة الطافية أو الأرض الناهضة التي سميت "تاثنن" في النصوص المصرية القديمة. فعمد أول ملوك العصر، أو عمد مهندسوه وعماله بمعنى أصح، إلى تحويل فرع النيل عنها ناحية الغرب، ثم شقوا قناة أخرى عن قرب منها ناحية الشمال، وبذلك جفت منطقتها، وتوفرت لها حماية طبيعية مناسبة، فأصبح النيل يحميها من الشرق وفرعه يحميها من الغرب والقناة الجديدة تحميها من الشمال, ولم يكتف منشئ المدينة لها بالحماية الطبيعية وحدها، وإنما سورت بسور أو أسوار كبيرة أحاطتها من كل جانب فيما خلا ناحية الجنوب التي واجهت الصعيد، فقد ظلت مفتوحة. ويمكن تعليل تحصينها حينذاك بأحد غرضين، فهو قد يكون مجرد إجراء عادي لتعيين حدودها وتمييزها

стр. 109

عن المجتمع الريفي المحيط بها، شأنها في ذلك شأن غيرها من المدن الرئيسية في عصرها، أو يكون تحصينًا مقصودًا لذاته، جعله أوائل ملوك الأسرة الأولى ضمانًا لأمن العاصمة من الانتقاضات المحتملة من الوجه البحري الذي كان قد أدمج لتوه في الوحدة السياسية الجديدة تحت زعامة ملوك من الصعيد. ونسب المصريون الألوهية الكبرى في منف إلى بتاح، وكان من أوائل المعبودات التي صورت بصورة بشرية منذ ما قبل عصر بداية الأسرات، وظل محتفظًا بها حتى نهاية عصور التاريخ المصري القديم. وكان يشاركه شهرته في مدينته معبود آخر وهو "سكر" الذي اعتبره أتباعه من رعاة الحرث والزراعة وتوهموه يسكن تحت الأرض فأصبح من ثم راعيًا كذلك لمن يسكنون تحتها في منطقته وهم الموتى، وكان له مزاره في جبانة سقارة التي سميت باسمه. وضرب فقهاء المدينة بسهم وافر في رقي الفكر والعقيدة، وصور هذا الرقي نص لوحة حجرية عرفت اصطلاحًا باسم لوحة شاباكا، وهي لوحة نقش نصها خلال عصر الأسرة الخامسة والعشرين في نهاية القرن الثامن ق. م. وجدد كاتبها بإذن ملكه شاباكا نصًّا قديمًا كتبه أصحابه على الجلد أو البردي وأوشكت الأرضة أن تأتي عليه، وكان نصًّا تضمن مذهب مفكري منف في نشأة الوجود، وعرف اصطلاحًا تبعًا لذلك باسم المذهب المنفي. وربما تجدد كتابته عدة مرات منذ بداية الأسرات حتى ما قبل عهد شاباكا، وإن لم يعثر بعد للأسف على أي من نسخه القديمة. وود زعماء منف أن يكفلوا لمدينتهم زعامة الفكر والدين والأدب إلى جانب ما توافر لها من زعامة الإدارة والسياسة، وابتغوا أن يقنعوا الناس بأنه كان لإله مدينتهم الأثر الأصيل القديم في نشأة الوجود والموجودات، وهو الإله بتاح الذي قد يعني اسمه معنى الصانع أو الخلاق، ولقبوه بلقب "تاثنن" بمعنى "رب" الأرض العالية أو الناهضة. فأدلوا برأيهم في منافسة وتعديل مذهب الخلق القديم الذي نادت به مدينة أونو المجاورة لمدينتهم، والذي تحدث علماؤها فيه عن ماض بعيد لم تكن فيه أرض ولا سماء ولا بشر، وما من دودة أو علقة، وما من حس أو حسيس، وما من موت أو حياة، وما من نزاع أو خصام، وإنما خضم مائي أزلي واسع حوى بين طياته عنصر الحياة لكل شيء، وهو "نون" الذي خرج منه الإله الخالق أتوم ثم تعاقب بعده بقية التاسوع المقدس "راجع ص٦٥". وتدبر مفكرو منف عقائد أخرى تتصل بديانة عصرهم وسياسته، ثم خرجوا على الناس بمذهب جديد يصطبغ بالمعنوية أكثر مما يصطبغ بالمادية، وجعلوا صلبه الدين وأكسبوه إهاب التاريخ. وردوا فيه خلق الوجود وما احتواه إلى قدرة عاقلة مدبرة آمرة، وتمثلوا هذه القدرة العاقلة الآمرة في إلههم بتاح، وأكدوا أنه أوجد نفسه بنفسه، وأبدع الكون ومعبوداته وناسه وحيواناته وديدانه عن قصد منه ورغبة، وأن سبيله إلى الخلق كله كان هو سبيل القلب واللسان. أي الفكر والكلمة، فكرة تدبرها قلبه أو عقله وأصدرها لسانه فكان من أمر الخلق ما كان. وكان لفظ القلب يعني عندهم ما يشمله مثله في اللغة العربية من معاني العقل والفكر والإرادة والضمير، كما عنى لفظ اللسان معنى أداة النطق والأمر والكلام. وأكدوا أنه عن

стр. 110

سبيل القلب واللسان، أو الفكر والكلمة، بدأ سعي الأرجل وحركات الأذرع وخلجات الأعضاء، وصدرت الشرائع وتهيأت الموارد وتعينت العبادات، وحق الأمان لأهل السلام وحق العقاب على أهل الآثام١. وهكذا اتجهوا بفكرة الخالق والخلق في مذهبهم إلى التجريد والمعنوية وعدلوا بها عن مادية التجسيد في مذهب عين شمس، وأوشكوا أن يرهصوا ببعض ما أكدته الكتب السماوية، حين ردوا الخلق إلى القلب واللسان بمعنى الإرادة والأمر، واقتربوا بذلك من قول التنزيل الحكيم ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولم يعتبروا ربهم خالقًا فحسب وإنما اعتبروه مشرعًا وعادلًا أيضًا. ولم يفسد عليهم سمو تفكيرهم إلاأنهم اعترفوا بوجود أرباب كثيرين إلى جانبه وبرروا ذلك بأنه خلقهم من نفسه وتعهدهم وأمر بعبادتهم والاهتمام بمعابدهم باعتبارهم صورًا منه أو أقانيم له. وإن كان الحقيقة أنهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا مما ألفه أسلافهم وورثوه عنهم من عبادتهم. حفلت مدن عصر بداية الأسرات بعمرانها، وتمثلت قرائن هذا العمران فيما ذكرناه عن أطلال أسوارها وحصونها ومعابدها، كما تمثلت في رسول ونقوش مختصرة صورها أهل العصر على آثارهم الصغيرة، ورمزوا ببعضها إلى واجهات قصور ملوكهم وواجهات أسوارها. وكانت قصورًا كبيرة فخمة، شيدت من اللبن، واستخدم الحجر فيها على نطاق ضيق لإقامة أعتاب الأبواب وأكتافها وللأعمدة. وتعاقبت في أسوارها دخلات عميقة "تسمى اصطلاحًا باسم المشكاوات" تمتد رأسيًّا بارتفاع جدرانها وتتعاقب على جوانب الأبواب، وتبعد كل دخلة منها عن الدخلة التي تليها بمسافة متساوية. وكان الهدف منها أن تقلل حدة الاستقامة في واجهات الأسوار المتسعة، وإذا لونت جوانبها وسطوحها الداخلية وزخرفت برسوم النباتات والزهور احتفظت بألوانها أطول مدة ممكنة وخلعت على مبناها صورة بهيجة مستحبة. ومن المحتمل أن الحراس كانوا يستظلون فيها من الشمس ويحتمون فيها من برد الليل حين الضرورة. وتوسط واجهة كل قصر من هذه القصور مدخلان يرمز أحدهما إلى الصعيد ويرمز الآخر إلى الدلتا؛ أو ثلاثة مداخل: مدخل ملكي رئيسي واسع ومدخلان صغيران على جانبيه٢. ويغلب على الظن أن مباني قصور الأمراء وكبار الموظفين، كانت على شيء قريب من فخامة قصور الفراعنة، أو على الأقل لم تكن تقل فخامة وضخامة عن مباني قبور أصحابها التي لا تزال أطلالها باقية. ويبدو أن جدران حجراتها الرئيسية كانت تكسى من الداخل بالحصير الملون الفاخر الذي يقوم مقام الستائر أو

стр. 111

الطنافس الحالية، وأنها كانت ذات حدائق وأحواض ماء داخلية، وتطل على شوارع متقاطعة ممهدة عبرت عن تناسقها رموز المدن المصورة على آثار عصرها. ولم تبق من أمثال هذه المساكن باقية، ولا تقتصر هذه الظاهرة على مساكن عصر بداية الأسرات وحده، وإنما تنطبق كذلك على أغلب المباني الدنيوية في عصور مصر القديمة، وفيما يعاصرها من مباني الحضارات الأخرى أيضًا؛ نتيجة لعدة أسباب، كان من أهمها: بناء غالبية هذه المباني من اللبن سريع التهدم، وكثرة استعمالها مما كان يؤدي إلى استهلاكها، ثم بناء مساكن العصور المتتالية على أنقاض مساكن العصور السابقة لها. وهكذا لم يتبق شيء منها إلا حيث أدت الظروف على هجران بلدة ما لأسباب قاهرة ثم تغطية الرمال والرديم عليها بعد هجرها أو نسيانها. وكان لاستخدام اللبن في بناء المساكن ما يبرره في دنيا الفقراء ودنيا الأغنياء على السواء، فيبرره للفقراء توافره وقلة الكلفة في البناء به، ويبرره للأغنياء ملاءمته لبيئة الشرق الحارة قليلة الأمطار، واللبن عازل جيد لا تتسرب الحرارة الداخلية منه بسهولة ولا يمتص الحرارة الخارجية بسهولة. ثم هي العادة أخيرًا اعتادها الناس في بناء مساكنهم أغنياء وفقراء. غير أنه لم يكن من الطبيعي بناء المسكن كله من اللبن، وإنما كانت أعتابه وأكتافه أبوابه وأعتاب نوافذه تصنع من الحجر كما أسلفنا، وأعمدته الداخلية كانت تنحت من الحجر كذلك إذا حملت فوقها ثقلًا كبيرًا. أو تصنع من الخشب إذا حملت ثقلًا خفيفًا، أو تبنى من اللبن المكسو بالملاط إذا كان الثقل فوقها بين بين. أما عن بيوت الآخرة وهي المقابر التي كانت تستخدم للدفن لمرة واحدة أو لمرات معدودات، وتشيد في مناطق الحواف الصحراوية الجافة وتنحت أجزاؤها السفلى على أقل تقدير في باطن الصخر، ثم تكتسب بعد ذلك شيئًا من الحرمة أو القداسة، فلا زال الباقي منها أكثر من غيرها. وانتشرت بقاياها الحالية من عصر بداية الأسرات في مناطق كثيرة من الصعيد وأطراف الوجه البحري١. واختلف طرازها بعض الشيء في كل من الوجهين عن الآخر. وظلت أكثرها احتفاظًا بأجزائها العلوية هي مقابر سقارة التي سوق نكتفي فيما يلي بعرض خصائصها العامة. امتازت مقابر سقارة بضخامتها واتساعها وبقاء أغلب أجزائها العلوية المبنية باللبن، وتضمنت حجرات قليلة منحوتة في الصخر حول حجرة الدفن تحت سطح الأرض وحجرات أخرى كثيرة داخل بناء المصطبة فوق سطح الأرض. وتعاقبت في واجهاتها الأربع دخلات "أو مشكاوات" رأسية تفاوتت في اتساعها وفي مدى إتقان بنائها وزخارفها من مصطبة إلى أخرى. ويستنتج من أطلال المصاطب الكبيرة منها أنه كان يحيط بكل واحدة منها سوران، وأن ما بين السورين كان يستخدم لأداء الشعائر الدينية للموتى وتقديم القرابين واجتماع الأهل في المواسم الدينية والتقليدية. وأن بعض هذه المصاطب كانت تحفر بجانبه حفرة على هيئة مركب تليس بالطين أو تكسى بقوالب اللبن. وربما وضعت فيها مركب خشبية حقيقية، وفي هذه الحالة

стр. 112

قد تكون المركب الخشبية هي المركب التي نقل أهل المتوفى جثته فيها على النيل ثم آثروه بها وحرموا ركوبها على غيره، أو تكون مركبًا صنعت ليوم وفاته ليستخدمها في عالمه الآخر استخدامًا يناسبه، كأن يتنقل بها في أنهار الجنة أو يحج بها إلى مدن الحج العتيقة. ومن الاستثناءات اللطيفة في هذه المصاطب أن البعض منها غرست في الأرض أمام واجهاتها رءوس ثيران ضخمة شكلت من الطمي وزودت بقرون حقيقية، فبدت كما لو كانت تخرج من عالم آخر بعيد أو من محيط مائي عميق. ويبدو أن أمثال هذه الرءوس كانت تعلو أسوار بعض المصاطب أيضًا، وأنها كانت ترمز إلى المعبود حاب أحد أرباب منف وسقارة. وثمة استثناء آخر نفذه أحد المعماريين في مصطبة ثرى يدعى "نبت كا" حيث بنى جزأها العلوي على هيئة مسطح أفقي متسع تؤدي إليه درجات متعاقبة ضيقة من جهاته الأربع بحيث جعلت المقبرة على هيئة المصطبة المدرجة. ثم اهتدى غيره من المعماريين في عهده أو بعده بقليل إلى مرحلتين أخريين من التطور في بناء المصطبة، وتعمدوا في المرحلتين أن يدعموا جوانبها ويعملوا على حماية المدخل المؤدي إلى جزئها الأسفل. ونفذوا المرحلة الأولى ببناء إضافة من اللبن أحاطت بالمصطبة من كل جهاتها ولكنها قلت ارتفاعًا عنها وازادت سمك أسافل جدرانها. ثم أتموا المرحلة الثانية ببناء إضافة جديدة تشبه الإضافة الأولى وتعتمد عليها وتقل ارتفاعًا عنها. ولما أدت الإضافتان غرضهما العملي، وهو تقوية جوانب المصطبة وحماية مدخلها، ظهر لهما في مخيلة المعماريين غرض آخر فني، وهو إظهار المصطبة ذات السطح الواحد بمظهر المصطبة المدرجة ذات السطوح الثلاثة أو ذات الدرجات الثلاث، وذلك مما سيصبح أساسًا فيما بعد لفكرة الهرم المدرج. "راجع ص". ونسب الأثري ولتر إمري خمس مقابر من مقابر سقارة، إلى خمسة ملوك من ملوك بداية الأسرات، كما أسلفنا، على الرغم من أن منهم من شادوا لأنفسهم مقابر أخرى في جبانة أبيدوس المجاورة لمدينة ثني بالصعيد. وبرر إمري ذلك بأنه كان لكل ملك مصري قبران، قبر باعتباره ملكًا للوجه البحري وقبر باعتباره ملكًا للوجه القبلي، وأن كل قبر منهما كان يبنى بأسلوب العمارة وتقاليد الدفن الشائعة في أحد الوجهين. ولما لم يكن من المعقول دفن الملك في قبرين، كان لا بد أن يكون أحدهم قبرًا فعليًّا والآخر ضريحًا رمزيًّا. ودهب عدد من الباحثين، في شيء من التردد، إلى أن مقابر سقارة كانت هي المقابر الفعلية؛ لاتصالها بمدينة منف عاصمة الحكم الرئيسية، وأن مقابر أبيدوس كانت مقابر رمزية تشبه المزارات والأضرحة، أقامها ملوك عصر بداية الأسرات قرب مدينة ثني عاصمة الحكم القديمة وفاء لها وتأكيدًا لاعتزازهم بالانتساب إليها١. وللرأي السابق منطقيته؛ نظرًا لضخامة مقابر سقارة وفخامتها عن مقابر أبيدوس، ولكثرة الأتباع المدفونين حولها عن مقابر أبيدوس، وإن أمكن أن يعترض عليه في الوقت نفسه بعدة قرائن ومنها: أ- أن مقابر سقارة نفذت بطراز معماري متشابه في مجموعها، فيما خلا تعديلات فردية قليلة، ولو صح

стр. 113

أن بعضها كانت مقابر ملكية فعلًا لتميزت هذه المقابر الملكية عما سواها باتساعها وبأسلوب بنائها. ب- أن المقابر الأبيدية تضمنت نصبًا حجرية نقشت عليها أسماء أصحابها، وامتازت الملكية منها بضخامتها وصلابة أحجارها ووضوح نقوشها، ودل بعضها على ذروة عالية في براعة النقش ومهارة الصناعة١، ولم تتضمن مقابر سقارة أمثالها. ج- ما سنذكره بعد قليل من أنه عثر داخل المقبرة المنسوبة إلى الملك جر ثاني ملوك الأسرة الأولى في أبيدوس، على ذراع آدمية كفنت بالكتان وتحلت بأربع أساور، ومن المرجح أنها كانت ذراع زوجة جر وأنها هي كل ما تبقى من جسدها، كما أن بعض أختام المقبرة حملت اسمها وألقابها٢. وإذا صح هذا الترجيح، كان معناه أن المقبرة الأبيدية خصصت للدفن فعلًا، ولم تكن مجرد ضريح رمزي، وربما دفن جر نفسه فيها أو بقربها، حيث لم يكن من المقبول أن تدفن زوجته في أقاصي الصعيد، ويدفن هو قرب رأس الدلتا. واحتفظت بعض المقابر السابقة بما عبرت به عن الشوط الواسع الذي قطعته المهارات الفنية في عصرها. فاحتفظت مقبرة حماكا في سقارة بعدد من أقراص كبيرة وصغيرة من الألباستر والشست تعتبر بصناعتها ورقتها وزخارفها آية لرقي الصناعة في عصرها، وصناديق صغيرة مطعمة، وسهام وحراب، وأوان للمشروبات والزيوت التي اعتقد صاحبها أنه سوف ينتفع بها في أخراه. واحتفظت مقابر أخرى في حلوان من نهاية العصر نفسه بكئوس وطاسات من الصخر البللوري تكاد تكشف سطوحها الخارجية عن دواخلها، وانثنت أطرافها إلى الداخل والخارج كما تنثني أوراق الرسم المقواة الحالية، وبلغت حدًّا من الرقة والروعة قل أن فاقته صناعة أمثالها في العصور الأخرى، واحتفظت أيضًا بكأس صغيرة مصمتة قلدت هيئة زهرة اللوتس الملونة، وصحاف من الشست قلدت هيئة أوراق التين، وأخرى قلدت هيئة صحاف الخوص المحدولة، وكل ذلك مما ينم عن حذف صناعتها وسلامة أذواقها كما ينم عن ترف أصحابها. وقطعت صناعة الحلي نفس الشوط، وأمتع ما يستشهد به من روائعها هي الأربع الأساور التي وجدت في أبيدوس ونسبت إلى زوجة الملك جر، وقد صيغت حباتها ووحداتها من الذهب والفيروزج والجمشت على هيئة زهيرات رقيقة وحبيبات كرية وحبيبات قلدت قطرات الماء، ووحدات قلدت هيئة واجهات القصور الملكية. ثم حليات أخرى ذهبية رقيقة وجدت في نجع الدير وقدت هيئات وعول وعجول مدللة أحاط أصحابها أعناقها بتمائم لطيفة. والخلاصة أن وسائل أهل عصر بداية الأسرات في النشاط الداخلي كانت وسائل عدة، اتجهوا فيها إلى استغلال موارد البلاد الطبيعية استغلالًا يفوق ما كانت تستغل به قبلهم, وحولوا توحيد طابع الحضارة الفنية والمعمارية لمصر كلها وصبغها بصبغة واحدة متجانسة، وعملوا على تجميع الكفايات الإدارية والفنية

стр. 114

في عاصمتهم، والارتقاء بالكتابة وتوسيع استخدامها في شئون الإدارة والعقائد، وإرساء أسس مشاريع الري والزراعة وتنظيمات الضرائب وحكم الأقاليم. وكان من صور استغلال الموارد الطبيعية في عصرهم استغلال المحاجر والمناجم، فاستخدموا الديوريت والجرانيت والأحجار الجيرية لرصف أرضيت المقابر الملكية وتسقيفها وعمل نصبها، واستخدموها في بناء بوابات بعض المعابد الكبيرة، وربما واجهاتها أيضًا، وإذا استشهدنا باستخدام الحجر في المقابر والمعابد دون غيرها، فمرجع ذلك إلى ما أسلفناه من أن المقابر والمعابد هي التي بقيت حتى الآن دون المساكن ومن المحتمل أن أنواع الأحجار نفسها استخدمت في بناء أكتاف أبواب القصور وأساطينها وأرضياتها كما أشرنا من قبل. ونجح أهل العصر فيما أرادوه من صبغ الحضارة المادية المصرية بصبغة متجانسة، فتشابهت آثارهم التي تركوها عند رأس الدلتا، مع آثارهم التي تركوها في مصر الوسطى، وآثارهم التي تركوها في الصعيد، في خصائصها الرئيسية وإن تنوعت في أذواقها وتفاصيلها المحلية. وكان فنانو البلاط الملكي وتلاميذهم هم أدوات التجانس في هذه الآثار، فعملوا بأسماء ملوكهم في أنحاء الوادي كله، وعملوا بإذن ملوكهم في خدمة رجال بلاطهم حيثما استقر مقامهم وأقيمت مقابرهم.

стр. 115

النشاط الحدودي والخارجي: لم تقتصر مصادر عصر بداية الأسرات على تصوير وجود النشاط الداخلي وحده، وإنما صورت نقوش العصر وآثاره وجوه نشاط أخرى حدودية وخارجية، سلمية وحربية. فمن أدلة الامتدادات الجنوبية أنه عثر على اسم الملك جر ثاني ملوك الأسرة الأولى مسجلًا على صخور جبل الشيخ سليمان قرب وادي حلفا، وذلك ما يحتمل تفسيره باتساع التبادل التجاري لدولته مع منطقة النوبة التي لم تكن قد اكتمل تمصرها حضاريًّا بعد، أو ببلاد السودان التي تقع وراءها، واتساع نشاط حكومته في استغلال مناجم الذهب في وادي حلفا، وقيام جيشه بحماية هذا الاستغلال أو ذلك التبادل. وقد استمرت جهود العهود التالية له على نفس السبيل١. وتعين على حكام العصر أن يتيقظوا للحدود الصحراوية الشرقية والغربية، وأن يكفلوا حماية المتاجر والقوافل وبعثات المناجم والمحاجر التي تجوس خلالها، عن طريق تعويد بدوها الرحل على الطاعة والتعاون والسلام. وأثرت لأغلب فترات العصر جهود في هذا السبيل منذ عهد الملك عحا الذي رمزت مناظر صلايته إلى كثرة من واردات الواحات الغربية دلت على أنها كانت حينذاك وفيرة المراعي والشجيرات والأنعام: ونقش اسم الملك "واجي" على صخرة قريبة من البحر الأحمر في نهاية واد يصل بينه وبين إدفو٢، وذلك مما يعني استغلال أحجار ومعادن الوادي في عهده واستغلاله كطريق تجاري بين النيل والبحر الأحمر٣.

стр. 116

وسجلت بطاقة من عهد "دن" أخبار نصره على أهل الشرق لأول مرة، كما قال كاتبها١، كما سجلت بطاقات من عهد ولده عنجاب نشاطًا مماثلًا ضد قوم أطلقت عليهم اسم "الإنتيو"١ ربما بمعنى "أصحاب العمد". ويغلب على الظن أنهم كانوا من الأقوام الشرقيين الذين أشارت إليهم بطاقة أبيه، أي من بدو الصحراء الشرقية وبدو سيناء وربما ما وراءها أيضًا. وتأكدت اتصالات مصر بأطراف غرب آسيا، فاستورد المصريون أخشاب الأرز والصنوبر من فينيقيا واستخدموها في تسقيف مقابر ملوكهم لا سيما في منطقة أبيدوس، وربما استخدموها كذلك في صناعة السفن الكبيرة منذ عهد عحا. واستوردوا الزيوت والخمور في أوانٍ فخارية فاخرة من جنوب سوريا، واعتبرت H. Kantoi هذه الواردات بمثابة جزى وردت إلى مصر من المناطق الخاضعة لها حينذاك في سوريا وفلسطين٣. وذهب الباحثون De Rouge', R. Weill, And Y. Yadin إلى أن مصر كانت لها حصون وعمليات دفاعية في المناطق الآسيوية منذ عهد نعرمر وخلال عهود خلفائه جر، ودن، وقاي عا. واستدلوا على نشاطها هناك من صورة حصن نقشت على صلاية نعرمر، ومن ذكر اسم حصن يدعى "باب عن" وآخر يدعى "ونة" في جنوب الشام، على آثار العصر نفسه، ووجود اسم نعرمر على أثر صغير في فلسطين. ويصعب تأكيد هذه الاستنتاجات بأدلة قاطعة، وإن وجدت قرائن لها في نقوش الملوك وفي حوليات حجر بالرمو٤. وعثر في مقابل هذه الواردات على صادرات مصرية في ميناء جبيل بلبنان الحالية٥، وكانت أكبر مركز للتبادل التجاري مع مصر في غرب آسيا، وأصبحت بعض السفن المصرية المتعاملة معها أو المصنوعة بأخشابها تُسمى أحيانًا "الكبنية" أي "الجبيلية". ويرى الأستاذان بترى وشارف٦ أن هذه الميناء ظلت واسطة لاتصال التجار المصريين ببحر إيجه وبالتجار الكريتيين في نفس العصر. وعثر بترى في أبيدوس على أوانٍ تشبه زخارفها زخارف الأواني الإيجية. وإن كان يبدو أن تأكيد التبادل مع الكريتيين في ذلك العصر البعيد لا يخلو من الشك، لا سيما بالنسبة لأهل كريت الذي لم تكن حضارتهم ذات شأن حينذاك. "وقد زاد شارف فذكر أن المصريين قد وصلوا إلى كريت رأسًا بوسائلهم البحرية الخاصة". ورتب عدد من الباحثين نشاط التأثير بين بلاد النهرين وبين مصر في أوائل هذا العصر على أساس وجود شيء من التشابه بين بعض الأساليب المعمارية والزخرفية والأسطورية في إنتاج كل من البلدين. مثل أسلوب

стр. 117

المشكاوات "أي الدخلات الرأسية العميقة المتعاقبة على مسافات متساوية" في واجهات المباني اللبنية، وفكرة تصوير أبطال أسطوريين يفصلون بين حيوانات مفترسة ويخضعونها، وفكرة استخدام أختام أسطوانية صغيرة منقوشة للختم بها على سدادات الأواني الفاخرة وربما على الوثائق أيضًا، وفكرة نقش وتصوير حيوانات خرافية ذات أعناق طويلة مقوسة لغرض الزخرف أو للتعبير عن الأساطير. واستنتج بعض أولئك الباحثين من صور هذا التشابه استنتاجات شتى لا يخلو بعضها من إسراف، وقد ناقشناها بتفصيل في كتابنا الأول عن حضارة مصر القديمة وآثارها "ص٢٦٢ - ٢٦٧"، وانتهينا من مناقشتها إلى أن الأساليب والأفكار السابقة وإن تشابهت من حيث دواعي نشأتها في كل من البلدين، إلا أنها تمايزت في كل منهما في طريقة تنفيذها وفي أغراضها وفي مجالات استعمالها، مما يوحي بأن كلًّا منهما قد نمت وتطورت في أحضان حضارة أهلها المحلية وسايرت تقاليدهم الخاصة في الصناعة والزخرف والتعبير، بغير ضرورة إلى الظن بتأثير لازم من أحد البلدين فيها على البلد الآخر، وإن لم يحل هذا إطلاقًا دون افتراض استمرار الصلات الحضارية العادية بين الطرفين بطرق مباشرة أو عن طريق وسطاء، أو افتراض تقليد بعض الصناع والفنانين في كل من البلدين زخارف البعض الآخر تقليدًا شخصيًّا حرًّا. وانقضى عصر بداية الأسرات بمظاهره الحضارية حوالي عام ٢٧٨٠ق. م. بعد انتقال أزمة الحكم من أسرته الثانية إلى فرع حاكم جديد يتصل بها برابطة الدم والنسب، وانقضت بعده قرون طويلة ظل المصريون خلالها يردون إليه بعض معارفهم وعلومهم القديمة، فتضمنت بردية طبية من الدولة الحديثة فصلًا طبيًّا فيها لردته إلى عهد الملك دن "الذي ذكرته باسم سمتى"١. وذكرت كتب الموتى أن فصلًا منها وجد في زمن قديم في البهو الكبير لقصر الملك نفسه٢. وذكر المؤرخ المصري مانيتون أن الملك جر "الذي ذكره باسم أثوثيس" ألف كتابًا في التشريح وكان بارعًا في الطب٣. وذكر المؤرخ ديودور الصقلي أن الكهان أخبروه بأن منى كان أول من علم الناس أسلوب الحياة المهذبة وطقوس العبادة وأرشدهم إلى فوائد البشنين وكيف يصنعون الخبز منه٤. وليس من ضرورة بطبيعة الحال إلى الأخذ بحرفية هذه الأخبار، فقد يكون الغرض منها هو رغبة أصحابها المصريين في صبغ معارفهم بصبغة القداسة عن طريق ردها إلى أصول قديمة عريقة. ولكن حسبنا منها أن ذكريات عصر بداية الأسرات ظلت ماثلة في أذهان المصريين، يعتزون بها وينسجون القصص والأساطير حولها.

стр. 118

الفصل الخامس: عصور الأهرام في الدولة القديمة أولا: الرشاقة والابتكار في عصر الأسرة الثالثة مدخل ... الفصل الخامس: عصور الأهرام في الدولة القديمة تعرف عصور الدولة القديمة أحيانًا بتعريفين اصطلاحيين وهما: "العصور المنفية" إشارة إلى استمرار استقرار فراعنتها وحكوماتهم المركزية في مدينة منف؛ ثم "عصور بناة الأهرام العظام" كناية عن فخامة ما شيد فيها من أهرام لا تزال مفخرة لعصورها وشاهدًا على كفاية من تكفلوا بإنشائها. أولًا: الرشاقة والابتكار في عصر الأسرة الثالثة ٢٧٨٠ - ٢٦٨٠ق. م. بدأت عصور الدولة القديمة بعصر الأسرة الثالثة، وبدأ الحكم فيها بولاية فرعون ذكرته نصوص عهده باسم "نثررخت" وهو اسم يقرأ بتمرادفات ومعانٍ كثيرة١، ثم اشتهر باسم جسر أو زوسر، ربما بمعنى المقدس، واعتادت الكتب التاريخية على ترديد هذا الاسم الأخير نظرًا لشيوعه وسهولة نطقه، وسوف نجري على طريقتها في ذلك. ويغلب على الظن أن زوسر كان ولدًا للفرعون خع سخموي آخر فراعنة الأسرة الثانية من زوجة تدعى "ني ماعت حاب" ولا بأس هنا من أن نبدأ بهذه البنوة، بنوة زوسر لآخر فراعنة الأسرة الثانية؛ لنعقب عليها بما يصور بعض الأسباب التي كانت تفرق بين كل أسرة وأخرى من الأسر الفرعونية المتعاقبة، ولنجيب على تساؤل يسهل تبادره إلى الذهن، وهو: إذا صح أن زوسر كان ولدًا للفرعون خع سخموي، فما الذي دعا إلى اعتبار عهده بداية لأسرة حاكمة جديدة ولِمَ لَمْ يسلك ضمن فرعنة الأسرة الثانية التي انتسب أبوه إليها؟ سجلت بردية تورين اسم زوسر بالمداد الأحمر بين أسماء ملوك الدولة القديمة؛ تأكيدًا لتميزه وأهمية عهده. وصوره كاتب مصري من القرن الثاني عشر ق. م، مع كل من مؤسس الأسرة الخامسة ومؤسس الأسرة السادسة، باعتباره رأس أسرة حاكمة جديدة مثلهما. ثم سجل المؤرخ المصري مانيتون رأيه في الملك نفسه فاعتبره بداية لملوك منف كلهم٢. ويبدو أن المصادر التي أخذ منها هؤلاء الثلاثة، تأثرت باحتمالات أربعة وهي: أولًا- أنه تدخل بين عهد خع سخموى وبين عهد ولده زوسر بعض المغتصبين للعرش من أبنائه الآخرين أو من بقية فروع أسرته. فإذا استرد زوسر العرش منهم أصبح في نظر قومه بداية لفرع جديد

стр. 119

تميز به عن فروع إخوته وعن فروع أقاربه. ويزكي هذا الاحتمال أن القوائم التاريخية للملوك أضافت أسماء ملوك يتراوح عددهم بين الاثنين وبين الأربعة، بين اسم خع سخموي واسم والده، على الرغم من أنه لم يعثر لهؤلاء الملوك على آثار تدل على أهمية عهودهم أو استقرارها أو طول أمدها. ثانيًا- كان زوسر أكثر اهتمامًا بمدينة منف، وأكثر استقرارًا فيها من الملوك الذين سبقوه، وشيد هرمه المدرج في جبانتها ففسر خلفاؤه المصريون ذلك برغبته في اختيار أرضها مقرًا لدنياه وآخرته، واعتبروه رأسًا لملوكها، ثم عبر مانيتون عن رأيهم باحتسابه رأس الملوك المنفيين. ثالثًا- أن نجاح زوسر في تشييد هرمه المدرج، وهو أول هرم في الوجود، أظهره بين مواطنيه بمظهر المبشر ببداية عصر حضاري جديد يتميز بمظاهره عن عصر الأسرة الثانية الذي عاش أبوه فيه. رابعًا- تضمن اسم الملكة "ني ماعت حاب" أم زوسر، اسم "حاب" وهو معبود قديم من معبودات منف، وذلك مما يحتمل معه أنها كانت من مواليد مدينته التي يقدس فيها، وأن ابنها اهتم بمسقط رأسها، وتشيع له فنسبه مواطنوه هو وفرعه إليه. ارتبطت بعهد زوسر معالم وذكريات حضارية كثيرة، نكتفي بأن نذكر منها فيما يلي مجموعته المعمارية بسقارة، وفكرة ابتداع التقويم السنوي المدني المرتبط بدورة الشعرى والتقويم الشمسي في عهده، ثم قصة المجاعة التي تنسب أحداثها إلى أيامه.

стр. 120

إيمحوتب وشواهد العمارة والفن: كان لحسن الحظ أن احتفظت الأيام باسم مهندس مجموعة زوسر المعمارية في سقارة وصاحب الفصل في تصميمها وهو إيمحوتب الذي سجل من ألقابه في عهد ملكه ألقابًا تدل على أنه كان أمينًا لأختام الوجه البحري، وتاليًا للملك أو الأول لدى الملك، وناظرًا على القصر العالي، ومهندسًا، ومسجلًا للحوليات، وكبيرًا للرائين. وكان اللقب الأخير لقبًا مميزًا لكبار كهنة مدينة عين شمس ذات الشهرة الفكرية القديمة١. واحتفظت أجيال المصريين بذكرى إيمحوتب قرونًا طويلة، وجعله المتعلمون في الدولة الحديثة على رأس أهل الحكمة والتعاليم، واعتبروه من رعاة المثقفين، واستحبوا أن يسكبوا قطرات من الماء من الأواني الصغيرة المتصلة بمحابرهم مع التمتمة باسمه؛ تبركًا به كلما هموا بكتابة أمر خطير. ثم زادوا فقدسوه في عصورهم المتأخرة واعتبروه ولدًا للإله بتاح رب الفن والصناعة, وأخيرًا ذكره الإغريق المتمصرون باسم إيموتس واعتبروه ربًّا للشفاء. وشاد له مريدوه على هذا الاعتبار مقصورة فوق المسطح العلوي لمعبد حاتشبسوت في الدير البحري. وشبهوه كما روى مانيتون بالمعبود الإغريقي أسخليبيوس راعي الطب والحكمة عندهم. ومجدوه لمهارته الطبية، ولمهارته في الأدب والكتابة، ولأنه كان أول من استخدم الحجر المنحوت

стр. 121

في البناء كما قالوا. وقدسوه على هذه الاعتبارات في "أسكلبيون المجاور لمنف" وهو معبد أقاموه فوق ما ظنوه قبره القديم جنوبي السيرابيوم١. وفي كل هذا ما يعني أن مجد الشهرة في مصر القديمة لم يقتصر على الفراعنة وحدهم، وإنما كان لبعض الأفراد الأفذاذ نصيب منه قد يزيد عن نصيب الفراعنة أحيانًا. أشرف إيمحوتب على بناء مقبرة ملكه زوسر وتوابعها في منطقة سقارة، وأجرى فيها ثلاث محاولات كبيرة، وهي: استخدام الحجر على نطاق واسع لأول مرة في بناء الجزء العلوي من المقبرة وتوابعها، والانتقال بهيئة جزئها العلوي من شكل المصطبة المستطيلة على هيئة الهرم المدرج. ثم تقليد وتخليد خصائص العمارة النباتية واللبنية التي عرفها أسلافه، في عمارته الحجرية الجديدة٢. وبدأ بمراحل البناء الثلاث التي انتهى إليها بعض أسلافه في بناء المقابر: مصطبة وإضافتين. ولكنه بناها جميعها بالحجر وليس من اللبن كما كانت تبنى قبل عهده، ولعله تبين حينذاك أنه يستطيع أن يستعين بالحجر الذي استخدمه على نطاق واسع لأول مرة، على تنفيذ مشروع كبير يتفق مع جلال فرعونه ورخاء عهده، فعمل على زيادة إضافات حجرية جديدة جانبية مائلة، تعتمد كل إضافة منها على الأخرى، وتعتمد كلها على المبنى الأصيل للمصطبة الذي كان يزيد ارتفاعه قبل كل إضافة. وأتم ذلك في ثلاث مراحل أخرى، حتى تحولت المصطبة المدرجة القديمة إلى شكل هرمي مدرج ظهر في هيئته الأخيرة كما لو كان ذا ست درجات، بلغ ارتفاعه معها نحو ستين مترًا، وبلغ طولها من أسفل نحو ١٣٠ مترًا، وعرضها نحو مائة متر وعشرة. احتل هرم سقارة مركزًا متوسطًا في مجموعة معمارية كبيرة أحاطت به وشغلت معه مساحة تزيد على ٢٥١ ألف متر مربع. وأحاط به وبها سور ضخم كبير بلغ ارتفاعه نحو عشرة أمتار، وبلغ سمكه في بعض مواضعه نحو ستة أمتار، وكساه المعماريون بالحجر الجيري الأبيض الأملس، وشادوا فيه نفس الدخلات الرأسية المتعاقبة التي ظهرت قبل عهده في عمارة اللبن، بعد أن زادوها في العمق والسعة بما يتناسب مع ضخامة بنائها ومادة بنائها حتى حققت لعمارتها الجديدة طابع الزخرف والفخامة كاملًا، فقللت حدة الاستقامة المطلقة في الواجهة الضخمة للسور، وسمحت تضاعيفها الداخلية بتعاقب الأضواء والظلال فيها بين الجوانب والسطوح، وقللت شدة انعكاس أشعة الشمس على واجهة السور ذي الكساء الحجري الأبيض المصقول. وتضمنت مجموعة زوسر ست عمائر دنيوية ودينية خلاف الهرم والسور. فأطلق إيمحوتب ورجاله أيديهم في هندسة هذه العمائر وقلدوا فيها ما أرادوا تقليده وتخليد هيئته من مظاهر العمارة النباتية واللبنية القديمة. فأقاموا فيها أساطين ذات أضلاع محدبة متجاورة تقلد هيئة سيقان الغاب المحزومة ذات العقل التي استخدمها أسلافهم لرفع سقوف المباني الخفيفة القديمة. وشكلوا أساطين ذات أضلاع مقعرة متجاورة تقلد أساطين شجرية تناولها إزميل النجار القديم بالتشذيب والتجويف الخفيف. كما نحتوا أساطين ثلاثية المقطع تقلد هيئة سيقان البردي بتيجانها وأوراقها. ونحتوا أساطين أخرى نصف دائرية المقطع تقلد نباتًا اتخذه أهل الصعيد

стр. 122

رمزًا لأرضهم في فجر تاريخهم القديم. ثم امتد التقليد إلى الأبواب والسقوف، فنحت المعماريون بإرشاد إيمحوتب أبوابًا من الحجر على هيئة الدلف الخشبية المفتوحة. وشكلوا السطوح الداخلية لبعض السقوف على هيئة فلوق النخيل ذات المقطع نصف المستدير، وجعلوا هذه الفلوق الحجرية متعاقبة الواحد منها بجانب الآخر، حتى بدت كأنما حملت سقفًا من بوص وخشب وليس من حجر. ولم يقتصر المجهود المعماري في الهرم المدرج على جزئه العلوي وحده، وإنما امتد إلى جزئه الأسفل. فشاد المعماريون حجرة دفنه من أحجار جرانيتية ضخمة على عمق ثمانية وعشرين مترًا. ولا شك في أن نقل هذه الأحجار الجرانيتية الضخمة من محاجر أسوان أو جبال البحر الأحمر يدل على مجهود كبير بالنسبة لعصره وقطع الصناع فيما يجاور سطح حجرة الدفن سراديب وغرفًا كثيرة، كسوا بعض جدرانها بقراميد صغيرة، محدبة من القاشاني الأزرق ثبتوا كلًّا منها في ملاط جدارها بثقبين صغيرين يمر فيهما خيط من الكتان أو الجلد، ورصوا كلًّا منها إلى جوار الأخرى؛ لكي يقلدوا بها هيئة الحصير الفاخر المجدول الذي كانوا يتخذونه في البيوت ستارًا وزينة. وتضمنت سراديب الهرم وحجراته ما يزيد عن ٤٠ ألفًا من أواني الفخار والألباستر والشست والبرشيا، حقق صناعها في تشكيلها مهارتهم التي اكتسبوها وورثوها عن أسلافهم أهل عصر بداية الأسرات، ثم زادوها دقة حتى بلغوا بصناعة بعضها حدًّا من الرقة جعل سطوحها الخارجية تكاد تكشف عن سطوحها الداخلية كأنها البللور الشفاف. وكان بعضها متاعًا وميراثًا لصاحب الهرم وأسرته، وبعضها الآخر هدايا من أقاليم دولته تقرب إليه بها كبار موظفيها. وعثر في مقابر أسرة زوسر التي غطى هرمه عليها على بقايا توابيت فاخرة من الحجر الجيري والمرمر المصري، كانت تثبت فوق قواعد حجرية تناسبها، وتعلوها أغطية مقبية. ووجدت معها قطع خشبية صغيرة تخلفت عن تابوت طفل، صنعت من ست طبقات متلاصقة من الخشب المضغوط ولم يزد سمكها في مجملها عن ملليمترات قليل، ثم غشيت سطوحها برقائق ذهبية ثبتت فيها بوصلات ذهبية قامت مقام المسامير. يبدأ المدخل الرئيسي في سور مجموعة زوسر بباب مفتوح على مصراعيه كأنما يرحب بالوافدين، لولا أنه باب من حجر قلد فيه بناؤه تفاصيل الأبواب الخشبية العادية. ويفضي الباب إلى البهو الكبير وهو بهو طويل تحف به الأساطين الحجرية التي تقلد حزم الغاب، وهي أساطين دقيقة في بنائها وفي مظهرها تستند على حواجز خلفية وتتخذ هيئة انسيابية يقل قطرها من أسفل إلى أعلى، وتزينها في أعلاها حليات شكلت على هيئة أوراق الشجر العريضة المقلوبة. ويعلوها السقف ذو الجذوع الحجرية. وكانت تحلي أبواب البهو زخارف هندسية على هيئة أقواس كبيرة رشيقة دلت على يد متمكنة في رسمها ونحتها، وعلى هيئة رموز دينية تُسمى رموز "جد" وتعني معنى الدوام والاستقرار وتعتبر من رموز المعبود أوزير. وينتهي البهو بقاعة تطل على فناء الهرم الكبير وترفع سقفها ثمانية أساطين يصل بين كل أسطونين منها جدار خفيض. وكان للفرعون وحاشيته سبيل آخر حين احتفاله بعيد السد بالقرب من هرمه، فكان يسلك طريقًا قصيرة جانبية تبدأ من أول البهو وتمتد حتى فناء العيد، وهو فناء رحب واسع حفت بجانبيه مقاصير فخمة، بنيت الغربية منها بأسماء أرباب الصعيد، وشيدت الشرقية منها بأسماء أرباب الوجه البحري، أولئك الأرباب

стр. 123

الذين تخيل أتباعهم أنه لا بد لهم من أن يشاركوا الفرعون في عيده ويباركوه فيه ويتقبلوا صلواته. وتصدرت الفناء منصة حجرية متسعة ترتفع عن الأرض بنحو المتر، ويؤدي إلى سطحها درجان في واجهتها الشرقية. وكانت تعلوها مظلتان تضم إحداهما عرش الصعيد وتضم الأخرى عرش الدلتا. وكان الفرعون يتجه في بعض مراسيم الحفل من عرشه إلى المقاصير واحدة فوحدة ويقدم في كل منها دعاء أو قربانًا يناسب إلهها، وربما اصطحب معه في كل مرة شارة تتفق مع رموز بها. ولم يتبق من مقاصير العيد غير أطلال تنم على الرغم من قلتها عن مهارة صانعيها وعن فخامة مظهرها القديم. وكانت تتصدر واجهاتها أساطين محدبة المقطع تحليها في أعلاها دلايات مشكلة في الحجر على هيئة أوراق الشجر. وتبقت فيا ثقوب كانت تثبت فيها قوائم خشبية تحمل رموز أرباب مقاصيرها. ولما كان العيد عيد الفرعون قبل كل شيء، أقيم له تمثالان كبيران على منصتين مرتفعتين في مقدمة المقاصير، وربما أن له كذلك تمثال صغير في كل مقصورة مع تمثال ربها تدليلًا على اتصال الروابط بينهما. وتبقت أجزاء متناثرة من تماثيل أخرى كان بعضها يمثل الفرعون بحجم ضخم يفوق حجمه الطبيعي بكثير، واستند بعضها إلى صفات مبينة في فناء العيد وشارك في حمل سقفها، واستند بعض آخر إلى أساطينها واعتمد عليها. ثم مثل الفرعون مع زوجته وابنتيه في مجموعة أسرية مترابطة لم يتبق من تماثيلها غير أربعة أزواج من الأقدام في المقصورة الأخيرة الغربية لفناء العيد. وجاور مباني العيد بناء صغير رشيق ذهب الاحتمال على أنه كان مخصصًا للفرعون ليستبدل فيه ملابسه وشاراته خلال أداء الطقوس وكانت للعيد مرحلة أخيرة تجري في ساحة جنوبي الهرم حددت بنصب حجرية كبيرة، ولسنا ندري تفاصيل ما كان يتم فيها، ولكن ليس من المستبعد أنها ارتبطت بصورة ما بما سمي باسم عيد الطواف وجرى الفحل. وتعامد معبد الشعائر على واجهة الهرم الشمالية، وكان ضخمًا كثير الحجرات قلد بناؤه به هيئة قصر الفرعون في دنياه. قامت لدى مدخله حجرة مغلقة سميت اصطلاحًا باسم السرداب، واتخذت جوانبها نفس الميل الانسيابي الذي اتخذته جوانب قاعدة الهرم لتنسجم خطوطها مع خطوطه. وتضمنت في داخلها التمثال الكامل الوحيد الباقي للفرعون زوسر، وتقدمها جناحان حجريان قلدا هيئة باب مفتوح بدلفتين يستقبل ناحية الشمال، وهي نفس الناحية التي استقبلها التمثال الموجود فيها بوجهه، ونفس الناحية التي قام فيها معبد الشعائر وانفتح عليها باب الهرم. وربط أحد الآراء بين هذه المظاهر كلها وبين عقيدة مصرية آمن أصحابها بأن أرواح ملوكهم وأرواح أبرارهم تستقر في الناحية الشمالية من السماء بين النجوم الخالدة، وخرج من هذا الربط بأن تمثال الملك في سردابه لم يكن أكثر من هادٍ لروح صاحبه عندما تهبط من شمال السماء فتستهدي به ثم تتجه على معبد الشعائر لتنعم بالقرابين والدعوات المقدمة فيه نعيمًا يناسبه ويناسب العالم غير المنظور الذي تعيش فيه، وتقصد بعد ذلك حجرة دفن صاحبها. ويختلف هذا الغرض الذي خدمه تمثال زوسر عن أغراض أخرى خدمتها التماثيل في عهود تالية لعهده، حين اعتبرها أصحابها مقرًا للروح تتلبسها إذا شاءت وحين تفنى الجثة، واعتادوا على تقديم القرابين أمامها باسم صاحبها، وليس من المستبعد أيضًا تفسير اتجاه المداخل ناحية الشمال بتقليد البنائين لما جروا عليه من تفضيل الواجهة الشمالية للبيوت الدنيوية. هذه مجرد صورة عامة لمجموعة زوسر في سقارة، يفهم منها أنها لم تكن مجرد جبانة، وإنما كانت

стр. 124

أشبه بمدينة عامرة يطرقها أهلها في مناسبات كثيرة تتعلق بدنياهم ودينهم وموتاهم. ويسكن فيها القائمون على شعائرهم وإدارتها والمتكفلون بحراستها، ويتردد عليها الزائرون المعجبون بفخامتها وفن بنائها. وألحقت بها مخازن غلال كبيرة لعلها استخدمت في تموين العمال والصناع أثناء بناء الهرم وتوابعه، ثم استخدمت لتموين كهنة المنطقة وموظفيها بعد ذلك. وإذا كنا قد قدمنا لمجموعة زوسر ببعض التجديدات الفنية في أسلوب بناء أساطينها وأبوابها وسقوفها فما من بأس في أن نعقب بخصائص أخرى مبسطة تعمدها المعماريون في بنائها ونترك بقيتها لكتاب آخر عن العمارة والفنون بمعناها الصريح. ومن هذه الخصائص استخدامهم أحجارًا صغيرة الحجم والاتساع. وتشييدهم مداميك الحجر في الهرم مقوسة إلى أسفل جريًا على عادة بنائي اللبن الذين يخشون انزلاق صفوفه وتشقق الجدران لو بنوا مداميك اللبن أفقية مسطحة. وعدم إقامتهم أسطونًا بقطره كاملًا. واكتفاؤهم بإقامة الأساطين نصف أسطوانية تعتمد على واجهات مبانيها أو تعتمد على جدران نصفية ساندة. وقد يرجع هذا وذاك على ذوق فني استحبوه أو يرجع إلى أنهم وهم لا يزالون في بداية عهدهم ببناء العمائر الحجرية لم يكونوا مطمئنين تمامًا إلى استخدام الأحجار الكبيرة أو ترك الأساطين منفردة بذاتها. ومن الخصائص كذلك استمرارهم على تقليد عمارة الخشب واللبن القديمة ولو لم تكن لها ضرورة إلا إظهار البراعية واستخدامها في الزينة. فقد زخرفوا الأجزاء العليا من واجهة السور الضخم بمربعات صغيرة محفورة قليلة العمق تصل بين كل حجر والحجر الذي يعلوه، ونحتوها لغرض الزخرف أولًا وليقلدوا بها وصلات وتعاشيق العمارة الخشبية القديمة ثانيًا. وبنوا سقوفًا حجرية مقبية قلدت أقبية اللبن والنبات القديمة. وجعلوا الأطراف العليا لواجهات بعض المقاصير مائلة في جانبيها لكي يقلدوا بها هيئة أطراف أعواد الغاب وجريد النخيل التي كانت تتداخل في بناء أكواخ العبادة القديمة وأسوارها، وبدءوا بها عنصرًا معماريًّا مميزًا يطلق عليه اصطلاحًا اسم الكورنيش المصري. وزخرفوا واجهات أخرى بما يمثل عقودًا معمارية مقوسة مفتوحة. وأقاموا جدرانًا منخفضة تقلد ستائر البوص والحصير الفاخرة التي كانوا يقيمونها مقام الحواجز بين مقاصير العبادة الإقليمية ويعقدون أطرافها العليا في هيئات زخرفية لطيفة. واستعاضوا عن بعض الأركان الرأسية في واجهات مبانيهم بأركان ملفوفة تكفل التنوع المعماري وتقلل الاحتكاك والتآكل من ناحية، وتوفر المساحة إلى جانبها من ناحية أخرى، وتظهر براعة النحت من ناحية ثالثة. وشكلوا أركانًا أخرى على هيئة سيقان الغاب التي كان أجدادهم الأقدمون يدعمون بها جوانب أكواخهم النباتية ويشدون جدرانها إليها بالحبال. وإلى هذا الحد يتضح كيف كان معماريو عصر الأسرة الثالثة فنانين ولم يكونوا مجرد بنائين، وكيف كانت مشاعرهم ذواقه وأذهانهم مشحونة بحب التنويع، ولم تكن مجرد أذهان ومشاعر آلية عملية تسير على وتيرة جامدة. وكيف كانت أيديهم تهتم بكل تفصيل كما لو كان وحدة قائمة بذاتها دون أن تكتفي بالمظهر العام بسيط التنفيذ. لم يكن المجد الفني قاصرا على المعماريين وحدهم وإنما شاركهم فيه فنانو النقش والنحت أيضًا. ونقش الفنانون ست لوحات أسفل الهرم وأسفل مقبرة تجاوره تسمى المقبرة الجنوبية. صوروا فيها فرعونهم يؤدي

стр. 125

طقوسًا أمام مقاصير أربابه، مشدود العضلات وافقًا متزنًا حينًا، ومسرعًا تكاد أطراف أصابعه لا تلمس الأرض حينًا آخر. وجعلوا لسطوح صوره تموجات خفيفة تعبر عن تكوين عظامه وشدة عضلاته ونحافة خصره وامتلاء شفتيه. وقد عبرت الصور عن كل ذلك بوضوح على الرغم من أنها لا تبرز عن مسطح لوحاتها بأكثر من ملليمترات قليلة. ونقشوا على قواعد بعض تماثيله عبارات وأشكالًا هيروغليفية بلغت حد الروعة في رقتها ونعومة مظهرها. وأظهر تمثال زوسر الكامل صاحبه في وقار وجدية، واكتفى المثال في نحته بالخطوط العامة، ولكنه تجاوز هذه الخطوط في تماثيله الأخرى التي أقامها في فناء العيد، فأظهر فيها إلى جانب البساطة في هيئتها العامة نصيبًا بارعًا من العناية بالتفاصيل في تمثيل جدائل العشر المستعار وتفاصيل نسيج الثياب وزخارف أهدابها، وتفاصيل الحلي ذات الوجوه الحتحورية التي تتوسطها، وتفاصيل الخرز المنظوم في شرائط الأحزمة التي كان الملك يتمنطق بها. وسايرت فنون الأفراد في عصر الأسرة الثالثة آثار الملوك في حدود إمكانياتها. وأبرع ما بقي من نقوشها هي نقوش الكاتب العالم "حسي رع" وقد نفذها فنانوها على إحدى عشرة لوحة خشبية كست مشكاوات واجهة مقبرته. وأظهروا فيها صوره وعلامات الكتابة التي سجلوا بها ألقابه بنفس الرقة وقلة البروز وخاصية النحافة التي أظهروا بها صور الملك زوسر ونقوشه. واستعانوا بتموجات السطوح على إظهار رشاقة صاحبها وعظام خديه وترقوتيه بل أو شفافية جلد وجهه. وأنفقوا الجهد والصبر وأظهروا البراعة في تمثيل شعوره المستعارة بتفاصيل دقيقة تختلف من لوحة إلى أخرى. وشاركهم رسام بارع سجل رسومه على جدار دهليز داخلي بُني من اللبن بنفس المقبرة وكسيت واجهته بالملاط، واستخدم فيها ستة ألوان زاهية صور بها ستائر الحصير الفاخرة، ورسم أسرة ومقاعد بمساقط أفقية ورأسية وجانبية سليمة. وجمع في الشكل الواحد منها بين أكثر من مسقط واحد رغبة في إظهار خصائصها على أوضح ما تكون. وعلى أساس هذه الرغبة رسم أواني ومرايا ومغارف داخل صناديق. ولكنه رسمها بتفاصيلها واضحة ظاهرة كأنما صنعت صناديقها من مادة شفافة أو كأنما نزعت عنها جوانب صناديقها وأغطيتها١. وبقي من تماثيل كبار الأفراد في عصر الأسرة الثالثة نحو ثمانية تماثيل يرجع أغلبها إلى ما بعد عهد زوسر بقليل. ويمتاز الجالس منها بجلوس صاحبه على مقعد حجري بسيط يقلد مقعدًا خشبيًّا بمسند منخفض أو بغير مسند وله قوائم ملتوية من الخيزران قلدت في الحجر بالنقش البارز، وتفاوتت قيم هذه التماثيل من حيث إتقانها ونجاح النحت فيها. وأفضلها ثلاثة: اثنان لرجل يدعى سبا، والثالث لزوجته. وقد صنعها مثالها من الحجر الجيري وأظهر نسبها سليمة وأظهر تفاصيل شعورها وثيابها، ولون بعض أجزائها بألوان لا يزال باقيًا منها لون الكحل الأخضر حول العيون. ومثل عصا سبا في جسم تمثاله بما يشبه النقش البارز أو النقش المجسم٢.

стр. 126

قصة المجاعة: أشادت بعهد زوسر وحكمة إيمحوتب نقوش صخرة كبيرة باقية في جزيرة سهيل جنوبي مدينة أسوان، ويطلق عليها اصطلاحًا اسم لوحة المجاعة. وتقص نقوشها أنه حدث في العام الثامن عشر من حكم زوسر وفي أيام الحاكم "مادير" رئيس معابد الجنوب وأمير النوبيين في آبو، أن زاد ضيق البلاد بعد أن عز الفيضان عليها سبع سنين، فقلت الحبوب وتضاءلت المحاصيل، واستشعر شيوخ البلاد وشبابها وأطفالها بآلام المجاعة. حتى الفرعون نفسه لحقه الهم وأراد أن يتحرى الأصول والأسباب لما لحق ببلده من بلاء، فاستدعى رئيس الكهنة المرتلين إيمحوتب وطلب إليه أن يتعرف على منبع النهر والإله الذي يجمع ماءه. فاختلى إيمحوتب بمخطوطاته، وعاد إلى الفرعون يخبره بأن ثمة قرية تسيطر على النهر والنبع تسمى آبو، تعتبر بداية البداية وحاضرة الإقليم الأول، وعندها يوجد المنبعان اللذان يصدر عنهما كل خير، وهي المهد الذي ينشأ الفيضان عنده ويتجمع. ولما سمع زوسر هذه الفتوى سارع بتقديم الأضاحي والقرابين لأرباب وربات آبو "أسوان الحالية وإن اقتصر اسمها بعد ذل على جزيرة أسوان". غير أنه لما جن الليل عليه رأى فيما يرى النائم الإله خنوم مشكل البشر من صلصال يحدثه جهرة ويقول له: "أنا خنوم خالقك، أنا من يرسل يديه من ورائك لأكفل لك التأييد وأهب بدنك العافية، أنا الذي أوجدت اليابسة، ووهبتك أحجار الجرانيت منذ القدم فشاد الناس بها المعابد وجددوا بها المتهدم، أنا نون العظيم الموجود منذ الأزل. أنا الفيضان الذي يرتفع حينما يشاء". ولما أفاق الفرعون آمن بأن صاحب السيطرة في منطقة آبو هو "خنوم" دون غيره، وأمر بأن توقف بعض خيرات المنطقة لصالحه وحده، وأن يجعل لمعبده الحق في الحصول على ضريبة العشر من صيد السمك والطيور وأعمال المحاجر والمتاجر بمنطقته. وأصدر مرسومًا خاصًّا يحدد دائرة نفوذ الإله وخاطب فيه خنوم قائلًا: "جعلت حدك الغربي جبال مانون، وحدك الشرقي جبال بخت، من آبو إلى المحرقة اثني عشر فرسخًا، لما في ذلك الضفة الغربية، من أراضي الزراعة ودروب الصحراء ومجرى النهر وكل مكان يقع في دائرة الفراسخ المذكورة آنفًا ... ". نقشت نقوش لوحة المجاعة أو صخرة سهيل هذه في صورتها الحالية في عصر البطالمة وقد تعمد كاتبها أن يحدد عام اشتداد المجاعة وفترتها ليوحي بالثقة في روايته. ولعل في تحديد فترة السبع سنوات العجاف فيها ما يماثل فترة المجاعة في مصر أيام يوسف ﵇، كما أن في ذكر الرؤيا والاهتمام بتفسيرها ما يشبه رؤيا الملك، وإن فيما روته القصة عن نشأة الفيضان عند أسوان ما يشير إلى غموض أسبابه عند معاصريها، كما أن في تحديد نصيب معبد خنوم بعشر الدخل ما قد يوحي بأن نسبة العشر كانت نسبة مقبولة في تحصيل الضرائب. وقد اتجه الباحثون في شأن القصة وجهتين: وجهة ارتأى أصحابها ومنهم ماسبروا أنها قصة مختلفة ابتدعها كهنة خنوم في المنطقة لاستدرار عطف البطالمة بعد أن طغت عليهم شهرة معبد للمعبودة إيسة أقيم عن قرب منهم في جزيرة فيلاي وانصرفت إليه هدايا الملوك وقرابينهم. ثم وجهة أخرى ارتأى أصحابها ومنهم كورت زيته أن للقصة أصلًا قديمًا. وأن الأسلوب الذي كتبت به في عصر البطالمة لا يخلو من تعبيرات ترجع إلى الدولة القديمة ذاتها. وأنه يحتمل لذلك أنه كان لها متن قديم مكتوب على الحجر أو غيره ولكنه

стр. 127

تعرض للتلف بمرور الزمن، فلما زار أحد الملوك البطالمة المنطقة، وهو بطلميوس الخامس أو بطلميوس العاشر، قص الكهان عليه القصة كاملة، فأمر بنقشها من جديد وتجديد معبد خنوم في جزيرة سهيل، مع تنفيذ ما جاء في القصة لصالح معبده. ولا يزال هذا التفسير هو المقبول حتى الآن١.

стр. 128

التقويم: زاد الاهتمام في عهد زوسر بمدينة أونو "أو عين شمس" مقر عبادة الشمس، وحمل كبير مهندسيه إيمحوتب لقبًا قد يقرأ "كبير المتطلعين "إلى السماء" لرصد حركات الكواكب والنجوم فيها، باعتباره رئيس الفلكين في مدينته، أو يقرأ بما يعني أنه "المتطلع إلى "رب الشمس" الكبير" باعتباره رئيس كهنته. وارتبطت رعاية زوسر للمدينة بخطوة حضارية جديدة اهتدى علماؤها فيها إلى ابتداع تقويم سنوي مدني يجمع بين خصائص التقويم الشمسي والتقويم النجمي ونفذوه منذ عام ٢٧٧٣ق. م. على وجه التقريب، واحتسبوا أيام السنة على أساسه ٣٦٥ يومًا وقسموها اثني عشر شهرًا، ضمنوا كل شهر منها ثلاثين يومًا، ثم اعتبروا الأيام الخمسة الأخيرة أيام أعياد تحتفل الدولة فيها بموالد الأرباب: أوزير، وإيسة، وست، ونبت حت، وحور "أي أوزيريس وإيزيس وست ونفتيس وحورس". وهي أيام النسيء الخمسة التي تحتفظ السنة الزراعية بها حتى الآن. وكان كل من الباحثين العلماء كورت زيته، ولودفيج بورخارت، وإدوارد ماير، قد ردوا هذه الخطوة الحضارية إلى أيام مجد عين شمس السياسي خلال فجر التاريخ وبدءوا التقويم السنوي على هذا الأساس في فترة تقع بين عامي ٤٢٤١ - ٤٢٣٦ق. م. ثم قام جدل طويل اعترض اعتقادهم، وهو جدل لا يخلو من منطقية ووجاهة١، ومؤداه أن ابتداع المصريين لهذا التقويم لم يكن بالأمر الهين، وأنه كان يتطلب ملاحظة طويلة ويعتمد على نضج عقلي واسع لم يكن من السهل أن يتوفر في دنياهم قبل عهد زوسر. وأنه إذا كان المصريون قد اهتدوا إلى تقويم سنوي قبل عهده، فهو التقويم النيلي، أو التقويم الذي يبدأ ببداية وصول فيضان النيل إلى منطقة معينة ذات أهمية سياسية أو قيمة حيوية، وهي منطقة برحعبي التي توسطت إقليمي عين شمس ومنف وتقرب من جزيرة الروضة أو مصر العتيقة الحالية. وإذا كان المصريون قد اهتدوا على التأريخ بالشهور قبل عهد زوسر، وهذا مؤكد، فهو تأريخ اعتمد على الدورة القمرية الشهرية التي يمكن ترسم بدايتها ونهايتها في يسر وسهولة. ولكن شيئًا فشيئًا لحظ المصريون المحتفلون بوفاء نيلهم أن فجر وصول فيضانه إلى ما يجاور عين شمس ومنف يقترن بظاهرة سماوية معينة، وهي أنه بعد اختفاء نجم الشعرى

стр. 129

ذي الضوء الساطع، الذي اعتبروه أنثى وسموه سوبدة، عن مجال الرؤية نحو سبعين يومًا، يعود فيتألق في أفق السماء ويبقى حتى مطلع الشمس المبكر كأنما ليبشر ببداية الفيضان. ولما استقرت هذه الظاهرة في أذهانهم، ولحظوها زمنًا، أصبحوا يترقبون اجتماع هذه الظواهر الطبيعية عن قصد، وأطلقوا على الشعرى لقب جالبة الفيضان، واعتبروا بداية ظهورها في الأفق الشرقي عند الفجر "حوالي ١٧ يوليو من التقويم اليولياني" أول يوم في أول شهر في أول فصل، وهو فصل الفيضان. ثم حسبوا ما بين كل ظهور صادق وظهور صادق آخر للشعرى مع مطلع الشمس، فوجدوه ٣٦٥ يومًا، ووجوده يتضمن اثني عشر شهرًا قمريًّا وكسورًا لا تصل إلى نصف شهر، فأكملوا عدة كل شهر ثلاثين يومًا وتبقت خمسة أيام احتسبوها نسيئًا وأعيادًا. ثم اعتبروا السنة ثلاثة فصول: فصل الفيضان "آخة"، وفصل خروج النبت "من الأرض" "برة" وهو يوازي فصل الشتاء، ثم فصل التحاريق "شمو". وكان من المتوقع أن تتم هذه الخطوة البارعة في عهد نشاط ينزع أهله إلى التجديد ويسعون إليه، وكان فيما يرجحه المعترضون على رأي زيته وزملائه عهد زوسر. ولم يسجل المصريون شيئًا عن مراحل هذه الخطوة في حينها أو في عهد آخر من عهود الدولة القديمة، ولكنهم أرخوا بالفصول والشهور الاثني عشر بالفعل بعد عهد زوسر١. ثم أشار خلفاؤهم إلى دورة الشعرى في وثائقهم ثلاث مرات على أقل تقدير على فترات متباعدة٢. غير أن هذه الخطوة التي ربط المصريون بينها وبين دورة الشعرى، كما ربطوا بينها وبين الانقلاب الشمسي قصدًا أو اتفاقًا، وقسموا الشهور على أساسها اثني عشر شهرًا، وسبقوا بها كل شعوب العالم القديم التي ظلت تؤرخ بالتقويم القمري وحده لم تكن بغير نقيصة تؤخذ عليها، فهم قد احتسبوا سنتهم ٣٦٥ يومًا وليس ٣٦٥ يومًا وربع يوم، وكان من شأن ربع اليوم أن يصبح يومًا كل أربع سنوات، ويصبح شهرًا كل ١٢١ عامًا وربع عام تقريبًا، وبمعنى آخر كان من شأن بداية السنة المدنية الفلكية "الشمسية الشعرية" أن تتأخر عن بداية الفيضان الفعلية شهرًا بعد كل ١٢١ عامًا وربع عام، ثم لا تعود لتتفق معها إلا بعد أن يبلغ الفارق بينهما حولًا كاملًا، بعد كل ١٤٥٦ عامًا. ولم تتكرر ظاهرة الاتفاق بين البدايتين، بداية السنة المدنية أو الفلكية وبداية الفيضان، غير ثلاث مرات منذ أن بدأ المصريون توقيتهم: عام ٢٧٧٣ق. م وهو عام البداية٣، وعام ١٣١٧ق. م وهو عام تو سيتي الأول، ثم عام ١٣٩م – وقد سجل هذه المرة الأخيرة الروماني المتوطن كنسورينوس وأثبت أن نجم سوبدة ظهر في موعده٤.

стр. 130

وأدرك المصريون هذا الفارق وتندر أدباؤهم به، ولكنهم لم يعملوا على تلافيه، في حدود ما تدل عليه وثائقهم المعروفة حتى الآن، إلى أن أشار قرار كانوب "أبو قير" الذي أصدره مجمع الكهنة المصريين عام ٢٣٧ق. م إلى اتجاه النية حينذاك إلى إضافة يوم على أيام النسيء الخمسة "حتى لا تأتي أعياد الشتاء في الصيف نتيجة لتغير الشمس يومًا كل أربع سنوات، وحتى تصبح أعياد الصيف الحالية أعيادًا شتوية في المستقبل كما كان عليه حالها في الماضي". غير أن التجديد لم يستمر، ولم يتعدل التقويم بصورة دائمة إلا في عهد أوجسطوس عام ٣٠ق. م. حين ظهر التقويم اليولياني وثبت العام بمقتضاه ٣٦٥ يومًا وربع يوم. والطريف أن كلًّا من إسترابون وديودور الصقلي قد ردا الفضل الأصيل في هذا التعديل الأخير إلى المصريين أنفسهم واعتبراه اختراعًا ذكيًّا قديمًا١. وعلى أية حال فلا زال التقويم المصري القديم مأخوذًا به في أساسه حتى الآن في السنة الزراعية، أو ما يعرف خطأ باسم السنة القبطية. ويفضله المزارعون عادة على التقويم الميلادي وشهوره الإفرنجية، ويرونه أنسب لتعيين مواقيت الحرث والبذر والري والحصاد على الرغم من نقص ربع اليوم الفلكي فيه. ولا زال بعض الفلاحين يحتفظون بذكريات أجدادهم في تسمية ليلة الفيضان "ليلة النقطة" أو "ليلة سقوط الدمعة" في ١٢ بوونة، أي الليلة التي دمعت فيها الربة إيسة "إيزيس" المرموز إليها بنجم الشعرى على زوجها أوزير فجرى الفيضان من دمعتها. وظل المصريون القدماء يميزون الشهور بأرقامها، إلى أن ربطوا بينها وبين أسماء ومناسبات مقدسة خلال الدول الحديثة، ثم استقرت هذه الأسماء، منذ القرن السادس ق. م. وبقيت حتى الآن مع قليل من التحريف اللفظي مثل: توت وكان يوافق عيد الإله تحوتي، وهاتور وكان يوافق عيد الربة حتحور، وهلم جرًّا. تعاقب بعد زوسر عدد من الفراعنة، جعلتهم القوائم الملكية بين الأربعة والستة، وجعلهم مانيتون ثمانية، واحتفظت الآثار القائمة بأسماء ما بين الثلاثة والخمسة منهم. ثم انتهت أيام الأسرة بالملك حوني، وهو ملك ذكرت بردية تورين أنه حكم أربعة وعشرين عامًا. وقد شاد له مهندسوه هرمًا ضخمًا في منطقة ميدوم غيروا تصميمه أكثر من مرة وجعلوه في نهاية أمره على هيئة هرم مدرج ذي ثمان درجات كاملة. وبدءوا في كساء درجاته بأحجار جيرية بيضاء، ولكن ملكهم مات قبل أن يتموه، فأتموه في عهد ولده سنفرو أول ملوك الأسرة الرابعة، واستفادوا من تجارب عهده لإنشاء هرم كامل حاد الزوايا مستوي الخطوط، وعملوا بإذنه، أي بإذن سنفرو، على تنفيذ هذا التجديد في هرم أبيه، فملئوا الفراغات بين درجاته بالأحجار وكسوه ببلاطات جيرية كبيرة ليكون مستوى الجوانب أو ليتخذ هيئة الهرم الكامل، ولسنا ندري مدى نجاحهم في تحقيق هذه الغاية؛ إذ تهدمت أغلب أجزاء الهرم ولم يتبق منه غير نحو ثلث ارتفاعه الأصلي.

стр. 131

ثانيا: الروعة والبنيان الراسخ في عصر الأسرة الرابعة تجديدات عهد سنفرو ... ثانيًا: الروعة والبنيان الراسخ في عصر الأسرة الرابعة ٢٦٨٠ - ٢٥٦٠ق. م تجديدات عهد سنفرو: بدأ عصر الأسرة الرابعة بعهد "سنفرو" أو "بتاح سنفروي" كما سماه أبواه، بمعنى الإله "بتاح جملني"، وكان العهد منذ بدايته بشيرًا بنهضة جديدة اتسع خلالها نشاط مصر التجاري مع جيرانها، وامتد نشاطها العسكري إلى نهايات حدودها، وتطورت فيها عمائرها وفنونها تطورًا واسعًا. فاتسع نطاق تبادلها التجاري مع فينيقيا بحيث سجلت حوليات سنفرو في قائمة بالرمو ورود أربعين سفينة منها محملة بأخشاب "عش" خلال عام واحد من أعوام حكمه١، وهي أخشاب من فصيلة الأرز أو الصنوبر استخدمها رجال في تشييد سفن كبيرة بلغ طول بعضها مائة ذراع، أي نحو اثنين وخمسين مترًا، كما استخدموها في صناعة أبواب قصوره وفي بعض الأجزاء الداخلية من هرمه. ويبدو أن عهده كان ذا اهتمام خاص بالملاحة؛ إذ ذكرت حولياته مشروعًا لصناعة ستين سفينة لكل سفينة منها ستة عشر مجذافًا، دفعة واحدة٢. وقد زكت ضخامة المركب النيلية التي عثر عليها بجوار هرم ولده خوفو "ص١١٨" صدق ما روته حوليات حجر بالرمو عن ضخامة السفن البحرية في عهده. وسجلت الحوليات نفسها نشاطًا عسكريًّا واسعًا في سبيل تأمين الحدود الجنوبية والغربية وتعويد أهلها على النظام والطاعة واشتدت عليهم بعض الشيء في هذا السبيل. وتوفر للعهد نشاط مماثل على الحدود الشرقية وفي شبه جزيرة سيناء، وكانت لسيناء كجزء من مصر أهمية في اقتصاديات البلاد وصناعتها؛ إذ ظلت المورد الرئيسي للفيروز والدهنج والنحاس، وسمي جزء منها باسم مدرجات الفيروز، ثم هي بموقعها تحف بطرق التجارة البرية بين مصر وبين جنوب الشام، غير أنها لتطرفها واتساعها وصحراويتها وجدبها كثيرًا ما دفع الفقر قبائلها البدوية من حين إلى حين إلى تهديد بعثات الاستثمار وقوافل التجارة والاعتداء عليها ونهب مؤنها وبضائعها،. وتعين لذلك على الحكومات القائمة في مصر القديمة أن تباشر حماية بعثاتها وقوافلها بقوات عسكرية تصحبها وتكفل لها الأمان والهيبة. ولم يكن الأمر يخلو من اشتباكات بين قوات الحكومة وبين البدو.

стр. 132

وحرص قادة هذه القوات على أن يسجلوا أخبار نشاطهم على صخور سيناء ولا سيما صخور "وادي" مغارة، وينسبوها إلى فرعونهم ويصوروه على وجه الصخر وهو يؤدب كبير شيوخ البدو ويكاد يهوي على رأسه بمقمعته. واحتفظت صخور "وادي" مغارة بصورة من هذا القبيل للملك سنفرو، تعتبر آية من آيات الفن في عهده، على الرغم من أنها نقشت على صخر رديء١. وظلت ذكرى سنفرو ماثلة في شبه جزيرة سيناء أجيالًا طويلة، حتى اعتبره خلفاؤه من حماتها، وقدسوه فيها، وضموه إلى رعاتها من الأرباب٢. وظلت بعض نقط الحراسة على الحدود الشمالية الشرقية تعرف باسمه حتى الدولة الوسطى على أقل تقدير. تطور بناء الهرم: وضحت نتائج النشاط التجاري والسياسي في عهد سنفرو، في آثاره وآثر أسرته، وفي نصوص رعاياه٣. وسمح رخاء عهده لرجاله بأن يشيدوا له هرمين عظيمين بمعابدهما في منطقة دهشور، وأن يكملوا هرم أبيه حوني في ميدوم. ومثلت هذه الأهرام وملحقاتها مرحلة جديدة من مراحل العمارة المصرية. فقد شاد له مهندسه هرمه في دهشور ليكون هرمًا كامل الشكل منذ بدايته، وبدأ بناءه بزاوية ميل مقدارها ٥٤.١٤ درجة، ولكنه بعد أن بلغ بهذا الميل ما يزيد ارتفاعه عن تسعة وأربعين مترًا، أدرك أنه لو واصل البناء على أساسه فلسوف يرتفع الهرم إلى أكثر مما قدره له أو أكثر مما تحتمل قاعدته، ولحظ أن بعض الجدران الداخلية للهرم بدأت تتشقق بالفعل، فغير زاوية الميل إلى ٥٣.٢١٠، وأكمل بناء الهرم حتى بلغ ارتفاعه ١٠١.١٥ من الأمتار، ولكنه ظهر في هيئته الأخيرة منكسر الزاوية في منتصفه على غير ما أراده صاحبه ومهندسه. ولهذا استغل المهندس سعة إمكانيات عهده في تشييد هرم آخر شمالي الهرم الأول بما يقل عن الكيلومترين واستفاد في تصميمه من تجاربه في الهرم السابق، فبدأ بزاوية ميل مناسبة تبلغ ٤٣.٤٠ درجة. وعندما أتمه أصبح أول هرم كامل صحيح النسب حاد الزوايا مستوي الجوانب، بلغ ارتفاعه نحو ٩٩ مترًا. وقد كُسي هو والهرم الأول بأحجار جيرية بيضاء ملساء٤. وأطلق الكهنة برضاء الملك أو بوحيه، على كل هرم من الهرمين اسم "خع سنفرو" ربما بمعنى شع سنفرو، أو تجلي سنفرو٥. وليس من المستبعد أنهم جعلوا بين هذا الاسم وبين كساء الهرمين وصاحب الهرمين نوعًا من الارتباط المقصود، فقد كان من شأن الكساء الأبيض الناصع لكل هرم أن يستقبل أشعة الشمس القوية ويعكس نورها على ما حوله، فيبدو النور في أسفل الوادي وكأنما يصدر عن الهرم نفسه، أو بمعنى آخر كأنما يشع عن صاحبه الثاوي فيه.

стр. 133

كان الشكل الهرمي ثمرة أخيرة للتطور المعماري الطويل الذي بدأ في عصر بداية الأسرات بالمصطبة ماثلة الجوانب ذات المسطح الواحد وانتقل منها إلى المصطبة ذات المسطحين أي ذات الإضافة الواحدة المحيطة بها، والمصطبة ذات المسطحات الثلاثة أي ذات الإضافتين المحيطتين بها. ثم تطور في عصر الأسرة الثالثة على هرم زوسر المدرج، وبعده إلى هرم ميدوم الذي حاول مهندسوه أن يجعلوه كاملًا مستويًا في مظهره مدرجًا في مخبره. وارتقى في بداية عصر الأسرة الرابعة إلى هرم دهشور الجنوبي الذي أظهر نواحي الخطإ والصواب في التجارب المعمارية لمنشئيه، وانتهى أخيرًا إلى هرم دهشور الشمالي نجح مهندسه في تنفيذ هيئته الهرمية كاملة. وليس ما يمنع من أن نفترض أن أصحاب هذا التطور الهرمي قد استرشدوا في بعض مراحله بنموذج طبيعي مائل في بيئتهم وهو مظهر التلال الهرمية أو المخروطية التي تحف بالوادي من شرقه وغربه والتي كان المعماريون يرونها رأي العين كلما جالوا في الصحراء التي تحيط بمناطق الجبانات نفسها. ألحق رجال سنفرو بهرمه الجنوبي معبدين، معبدًا صغيرًا يلاصق الواجهة الشرقية للهرم، وينفتح ناحية الشرق، ويسمى اصطلاحًا باسم معبد الشعائر، ومعبدًا آخر عند اتصال الهضبة التي شادوا الهرم فوقها بالوادي المنزرع، ويسمى اصطلاحًا باسم معبد الوادي. ويصل بين المعبدين طريق ممهد صاعد. وجرت العادة على تخصيص المعبد الأول لأداء الدعوات والشعائر اليومية والموسمية لصالح الملك المتوفى وتقديم القرابين باسم روحه لتنعم بها وتستفيد منها فائدة معنوية تناسبها وتناسب عالمها الذي تعيش فيه "ولهذا أسميناه معبد الشعائر وليس المعبد الجنازي كما تسميه أكثر المؤلفات، حيث تقل صلته بالجنازة". وقد أسلفنا في حديثنا عن عصر الأسرة الثالثة ما يحتمل من ارتباط وجود معبد الشعائر ناحية الشمال من هرم زوسر بعقائد أهل عصره عن انتقال أرواح ملوكهم وأخيارهم بعد الموت إلى السماء وحياتها بين النجوم النيرة الشمالية الخالدة وهي مجموعة النجم القطبي. أما اتجاه معبد سنفرو إلى الشرق فيمكن تعليله بأحد تعليلين وهما: أن تشييد معابد الأهرام في الصحراء الغربية في أغلب الأحوال أثار رغبة أصحابها في أن تستقبل واجهاتها ومداخلها دنيا الأحياء في الشرق أي في الوادي المنزرع، وتستقبل مواكب الكهنة ومواكب القرابين الآتية منه. وكانت هذه هي نفس الرغبة التي حدث بكبار أصحاب المصاطب القديمة على بناء مقاصير قربان مقابرهم ناحية الشرق منذ عصر الأسرة الأولى. أما التعليل الثاني فهو رغبة منشئ المعبد أو صاحبه في أن يتجه بمدخله ناحية الشمس عند شروقها، إما تعبدًا لرب الشمس، أو بناء على اعتقاد جديد بأن روح الملك سوف تصحب رب الشمس في تجواله في سماء الدنيا نهارًا وسماء الآخرة ليلًا. ولما كان من المفروض أن تظهر معه في الشرق كل صباح وجب أن ينفتح باب معبدها إلى ناحية الشرق أيضًا ليستقبلها كلما رنت إلى زيارة هذا المعبد حين تقدم القرابين فيه باسمها كل صباح، وبعد أن تكون قد أتمت رحلتها الليلية مع ربها. وأصبح تشييد معبد الشعائر شرقي الهرم سنة متبعة منذ عهد سنفرو، بينما اقتصر الاتجاه ناحية الشمال على مداخل الأهرام دون مداخل معابدها. "وإن كان هرم سنفرو الجنوبي قد تضمن مدخلين، مدخلًا شماليًّا وآخر غربيًّا". ويبدو في هذا الازدواج بين الشمال وبين الشرق ما يتصل بخاصية لازمت الحضارة المصرية في كل أطوارها، وهي خاصية المحافظة ومسايرة الجديد للقديم دون أن يقضي عليه.

стр. 134

معالم أخرى: وضعت مظاهر الرفاهة والغنى والحياة الرغدة في مقابر أسرة سنفرو في ميدوم ودهشور والجيزة، ومنها مقبرة زوجته حوتب حرس التي يعتقد الأثري ريزنر أن أغلب محتوياتها قد نهبت في دهشور في عهد ولدها العظيم خوفو، وإذا صح هذا كان معناه أن التقديس الرسمي للملوك لم يكن يمنع بعض رعاياهم من الاعتداء على آثارهم إذا سنحت لهم الفرصة ودفعهم دافع الطمع. ولا زال القليل الباقي من آثار حوتب حرس التي نقلت إلى مقبرة أخرى في الجيزة، ينم عن ذوق رفيع في صناعة وزخرفة سريرها ومقعدها ومحفتها، وتطعيم أخشابها بالأبنوس وتصفيحها برقائق الذهب، وصناعة حليها الفضية وملاعقها الذهبية وأوانيها المرمرية وأباريقها وقناني دهونها الأنيقة، ثم في تنفيذ نقوشها الصغيرة التي صورت الملكة وسجلت ألقابها، وصورت زوجها على عرشه، وصورت عدة زخارف على هيئة الفراشات والحيات في روعة وإتقان بالغين. ثم نقوش الأميرين نفرماعت ورع حوتب في ميدوم وقد صورت بعض وجوه العمل اليومي في الزراعة وتربية الحيوان والملاحة والصيد فضلًا عن بعض وسائد المرح الخفيف. ورسوم مقبرة الأميرة إتت زوجة الأمير نفرماعت التي تعتبر من أفضل رسوم الدولة القديمة، وأهم ما بقي منها هي اللوحة المشهورة بلوحة الأوز، وتتميز بدقة تفاصيلها وألوانها ووضوح نسيج ريش طيورها، مع طرافة توزيع ظلالها، وتصوير الحشائش وحبات الحصى الصغيرة تحت أقدام هذه الطيور. وأخيرًا تمثالًا الأمير رع حوتب وزوجته نفرة، وكل منهما غني عن التعريف بما اكتمل فيه من سلامة النسب والحيوية المتدفقة التي زاد منها احتفاظ كل منهما بألوانه الأصيلة وتطعيم عينيه، مع الاهتمام البالغ بتصوير ملامح الوجهين والنجاح في التعبير عن مشاعر صاحبيهما١، ولا زال المتحف المصري بالقاهرة يفخر باحتوائهما. ولم تقتصر مظاهر الرخاء في عهد سنفرو على آثاره وآثار أسرته، وإنما دلت نصوص فردية من عهده على أن مجال الثراء ومجال الترقي في المناصب الحكومية كانا متاحين للنابهين من أفراد شعبه. ومن هذه النصوص نص رجل يدعى مثن، ذكر فيه أنه لم يرث عن أبيه غلالًا ولا أثاثًا، وإنما قليلًا من المدخرات والأتباع، وأنه بدأ حياته الوظيفية باشكاتبًا لإدارة التموين وأمينًا على محتوياتها، ثم ترقى في الوظائف حتى ولي إدارة بعض أقاليم الوجهين، القبلي والبحري، فضلًا عن رئاسة عدد من مدنهما الكبيرة. وذكر أنه كوفئ بإقطاعية واسعة من الأرض، واستغل اثنتي عشرة ضيعة لحسابه، وشاد لنفسه دوارًا أحاطت به حدائق غناء، وبلغت مساحته معها نحو عشرة آلاف متر مربع. وذلك فضلًا عن خمسين فدانًا "سثاة" كان قد ورثها عن أمه. ولم تقتصر إنعامات الدولة عليه على شئون دنياه وحدها، وإنما كفلت له رزق آخرته، فخصصت لمقبرته مائة رغيف يوميًّا قربانًا من معبد شعائر أم ولد الملك "ني ماعت حاب" "وهي أم زوسر"٢.

стр. 135

تلقب سنفرو بلقب معبر، وهو "نب ماعت"، أي رب العدالة. وامتازت الأوضاع السياسية في عهده بإنشاء منصب الوزارة رسميًّا لأول مرة، وقد أسنده إلى أمير كبير من أولاده أو من أسرته وهو نفرماعت. وظلت الوزارة في الأمراء الكبار وحدهم حتى نهاية عصر الأسرة الرابعة. ويعتقد الأستاذ ريزنر أن الملوك. جعلوها في البداية في أكبر أبناء الملكات الثانويات تعويضًا لهم عن وراثة العرش وإرضاء لأمهاتهم١. ذكرت بردية تورين أن سنفرو حكم أربعة وعشرين عامًا. وقد توفر له بين قومه نصيب وافٍ من مدلول لقبه "نب ماعت". فاحتفظ له الأدب الشعبي بذكرى عطرة قلما احتفظ بها لملك سواه، وتضمنت هذه الذكرى ثلاث روايات صورته جميعها على وتيرة واحدة، فوصفته بأنه "ملك فاضل"، وصورته متواضعًا يميل إلى المعرفة ويكرم العلماء ويحسن الاستماع ويكتب بنفسه ولا يأبى أن يسأل عما لا يعرفه، كما صورته يميل إلى المرح والاستمتاع. وسوف نستشهد بروايتين منها في فصل الأدب المصري القديم.

стр. 136

عهد خوفو: ورث عرش سنفرو ولده "خنوم خوفوي"، أو خوفو كما اختصر اسمه قديمًا ولا زال يعرف به، واستفاد خوفو من خبرات رجال أبيه وجهود عهده، وتوفر له من سعة السلطان أكثر مما توفر لأبيه كما توفر لمصر في عهده من الإمكانيات المادية والكفايات الفنية أكثر مما توفر لها في عهد أبيه. وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من شهرته كصاحب الهرم الأكبر، فليس ما يعرف عن أخبار عهده غير القليل. ومن هذا القليل أنه عثر على اسمه منقوشًا على محاجر منطقة جنوبية بعيدة تقع في الصحراء الغربية شمال شرق أبي سنبل وشمال غرب توشكا. وقد استغل رجاله منجم الجمشت فيها، كما قطعوا أحجار الديوريت منها ونقلوا عددًا من كتلها الضخمة نحو ٧٥٠ ميلًا إلى عاصمتهم ليصنعوا منها تماثيل مولاهم، وليرصفوا بها وأرضية معبده أيضًا فوق هضبة الجيزة، وخلدوا بذلك آيات جلدهم مثلما استطاع مولاهم أن يخلد سلطانه بضخامة هرمه. وظهر اسم خوفو على بعض آثار معبد قديم في ميناء جبيل بلبنان، ووجدت معه أسماء ملوك مصريين آخرين سبقوه ولحقوا به من العصر العتيق ومن الدولة القديمة١. وليس ما يعرف حتى الآن عن الصورة

стр. 137

الأولى التي نشأ هذا المعبد عليها، فهو قد يكون معبدًا أموري الأصل، أراد الملوك المصريون أن يجاملوا أصحابه فأهدوهم هدايا ثمينة تحمل أسماءهم، وبهذا لم يمنعهم تمسكهم بدينهم المصري من أن يتسامحوا مع أرباب جيرانهم ويعملوا على إثراء معابدهم. وقد يكون معبدًا مصري الأصل شادته جالية مصرية تجارية أقامت في جبيل وعكفت فيه على عبادة أربابه المصريين وسجلت أسماء ملوكها على مقتنياته، أو يكون أخيرًا معبدًا مصريًّا كذلك أقامه أمراء جبيل مجاملة للمصريين المقيمين في مدينتهم، وتقبلوا له الهدايا من الفراعنة المصريين.

стр. 138

تعبيرات الهرم الأكبر: ليس من شك في أن الهرم الأكبر الذي أقيم باسم خوفو فوق هضبة الجيزة شمال العاصمة القديمة منف، هو الشاهد الصريح على عظمة عهد صاحبه، وليس من شك كذلك في أن مهندس هذا الهرم قد استفاد من المحاولات والتجارب التي سبقت عهده والتي حاول أصحابها أن يتموا بها هيئة الهرم الكامل لمقابر ملوكهم لولا أن أنه بز محاولاتهم جميعها بضخامة هرمه الهائلة والدقة البالغة التي أتم بها بنيانه. فهرم خوفو قد شغل مساحة تقرب من ١٣ فدانًا، وبلغ ارتفاعه الأصلي نحو ١٤٦ مترًا١ "أنقصتها العوامل الجوية إلى ١٣٩ مترًا"، واستخدم البناءون في بنائه نحو مليونين وثلاثمائة ألف كتلة حجرية تراوحت زنة الواحدة منها بين الطنين والنصف والثلاثة أطنان وما هو أكثر٢، وقد قطعوها جميعها من محاجر هضبة الجيزة التي شيدوا الهرم فوقها، فيما عدا الكساء الخارجي للهرم فقد قطعوا لوحاته السميكة الضخمة من محاجر طرة والمعصرة التي امتازت بأحجارها الجيرية الناصعة البياض، قرب ضفة النيل الشرقية المقابلة للضفة التي أقاموا الهرم على مقربة منها، وذلك فضلًا عما ذكرناه عن احتمال استخدامهم أحجار الديوريت في رصف أرضية معبد شعائره. بُني الهرم أساسًا ليصبح ملجأ أمينًا لجثة الفرعون ومقتنياته الخاصة، وشاهدًا على ثرائه وسعة سلطانه، ووسيلة لخلود ذكره وذيوع شهرته، ودليلًا على رفعة شأنه في الدنيا وفي الآخرة، وصورة من صور رقي العمارة والفن في عهده. أي أنه لم يكن مجرد مقبرة في جبانة، ولم يكن مجرد جبل من الأحجار يشهد بجبروت صاحبه، وإنما كان ولا يزال عملًا فنيًّا في داخله وخارجه. وقد أطلق عليه صاحبه، أو أطلق عليه كهنته، اسم "آخت خوفو" بمعنى مشرق خوفو أو أفق خوفو، بناء على نفس الدافع الذي دعاهم إلى تسمية هرم أبيه "خع سنفرو" أي شع سنفرو "ص١٠٨". وقد تصمن الهرم ثلاث حجرات كبيرة للدفن، حجرة أسفله نحتت في باطن الصخر وهجرت قبل أن ينتهي العمل فيها، وأخرى في باطنه تسمى خطأ باسم غرفة الملكة وهجرت هي الأخرى بعد أن أوشك العمل فيها على الانتهاء، وثالثة في نصفه العلوي دفن الفرعون فيها. وأدى تعدد هذه الحجرات إلى رأي مقبول، مؤداه أن الهرم بُني على ثلاث مراحل انتقل المهندس من

стр. 139

مرحلة منها إلى أخرى نتيجة لازدياد خبراته وازدياد إمكانيات عهده ونتيجة لامتداد أجل فرعونه. فبنى الهرم في مرحلته الأولى ليكون هرمًا متوسط الحجم مائل الجوانب حاد الزوايا متساوي الخطوط يشبه هرم دهشور ولكن تقع حجرة دفنه في أسفله. ثم أزاد حجمه بعد فترة ما وقبل أن يتم بناءه وشاد حجرة دفن جديدة في باطنه، ثم أزاده للمرة الأخيرة وشاد حجرة الدفن الثالثة في نصفه العلي من أحجار جرانيتية هائلة وكان بارعًا حين أقام فوقها خمسة سقوف يتعاقب كل منها فوق الآخر بعد ارتفاع قليل، رغبة منه في تخفيف الضغط عن سقفها الأول الذي تألف من تسعة ألواح تزن في مجموعها نحو ٤٠٠ طن. وجعل أربعة من هذه السقوف مسطحة، وبنى خامسها "وهو العلوي" مثلثًا على هيئة الجمالون لتوزيع ضغط البنيان العلوي من الهرم على جوانب الحجرة وسقوفها دون وسطها. ويصل بين غرفة الدفن الوسطى وغرفة الدفن العليا في باطن الهرم دهليز صاعد يعتبر آية من آيات الفن المعماري لعصره. ويبلغ طوله ١٥٣ قدمًا وارتفاعه ٢٨ قدمًا، وقد كسيت الأجزاء السفلى من جانبيه بأحجار مصقولة ضخمة، وبرز كل مدماك من مداميكه العليا، وعددها سبعة في الجانبين، عن المدماك الذي يرتكز عليه بمقادير ثلاث بوصات، والتصق كل مدماك منها بالآخر وكل حجر منها بالآخر في إتقان شديد دفع بعض العلماء إلى المبالغة في تقديره بقولهم إن ما بين كل حجر وآخر لا يكاد يسمح للشفرة بالنفاذ منه. ومن الأوصاف الممتعة في تصوير مدى الدقة في بناء الهرم، ما يقال من أن متوسط الخطإ في طول جوانبه لا يعدو ١: ٤٠٠٠، وأن الخطأ في عمليات التربيع التي استخدمت فيه لا يعدو كسرًا عشريًّا يساوي دقيقة واثنتي عشرة ثانية، وأن معدل الخطإ في ضبط ضلعيه الشرقي والغربي لا يزيد عن ٣: ١٠٠، أن الفواصل بين بعض أحجاره لا تزيد عن نصف ملليمتر. ويتضح لخاصية الصخامة الفريدة مع البراعة الفائقة التي امتاز الهرم الأكبر بها أكثر من معنى ومدلول، فهي من الناحية السياسية تنم عن نظام من الحكم كان يسمح للفرعون صاحب الهرم بتصرف واسع في إمكانيات البلاد المادية والبشرية. وهي من الناحية المعمارية تشهد لمهندس الهرم أو مهندسيه١ بدراية واسعة بمبادئ الهندسة وفن العمارة، وذلك بحيث لا يكاد العلم الحديث يجد خطأ واضحًا فيما أتموه. وهي من الناحية العملية تشهد للصناع الفنيين بمهارة أصلية في نحت الأحجار الضخمة وتسويتها وتثبيتها فيما يلائمها من جسم الهرم، ومهارة أصلية مماثلة في تنفيذ ما خططه المهندسون بنجاح كبير. وهي من الناحية البشرية تشهد لآلاف العمال العاديين الذين اشتركوا في بناء الهرم بجلد شديد وقوة احتمال كبيرة في قطع أحجاره الضخمة من محاجرها ونقلها ثم رفعها إلى مواضعها من بنائه. ثم هي من الناحية الإدارية تشهد لرجال الإدارة المشرفين على نظام العمل في الهرم بحظ كبير من الكفاية في رسم الخطط لتجميع آلاف العمال وتموينهم وحسن

стр. 140

الاستفادة بهم وضمان استمرار قوتهم البدينة على مواصلة العمل، مع تنظيمهم وتقسيمهم فرقًا لا زالت بعض أسمائها مسجلة على أحجار متفرقة من جوانب الهرم١. ومن أمتع تعليقات المؤرخين القدامى عن الأهرام المصرية قول المؤرخ ديودور الصقلي في القرن الأول ق. م: "واتفقت الآراء على أن الأهرام لم تحظ في مصر بذلك المركز الممتاز لضخامة بنائها وباهظ تكاليفها فحسب، بل ولدقة بنائها أيضًا، ومهندسو المشروع أولى بالإعجاب فيما يقال من الملوك الذين دبروا المال لإنجازه؛ لأن المهندسين استنفذوا في إنجاز المشروع أرواحهم وهممهم، بينما استغل الملوك الأموال التي ورثوها ومجهودات الآخرين "الكتاب الأول: ٦٤". ولم يكن المؤرخ الرحالة المسلم عبد اللطيف البغدادي أقل توفيقًا في القرن الثالث عشر الميلادي عن ديودور الصقلي في تعليقه على الأهرام المصرية بقوله: "فإنك إذا تبحرتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها، والعقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها، والأنفس النيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها لها، والملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثلًا هي غاية إمكانها، حتى إنها تكاد تحدث عن قومها وتخبر بحالهم، وتنطق عن علومهم وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم". والواقع أن الهرم الأكبر لا يكاد يذكر إلا ويظهر معه التساؤل عما إذا كان المصريون قد شادوه وشادوا أمثاله، راضين أم مجبرين، مأجورين أم مسخرين. وإذا تركنا آراء الأقدمين إلى آراء الباحثين المحدثين، وجدنا كل عدد منهم قد ذهب مذهبه وتحمس له. فأكد هرمان يونكر أن روح الرضا والرغبة في الإبداع وإشباع المزاج الفني كانت غلابة على من تكفلوا ببنائه، وربما استطاعت عوامل التسخير والإجبار أن تبني الهرم الأكبر، وما هو أعظم من الهرم الأكبر، ولكنها لم تكن لتستطيع أن تبلغ به إلى ما بلغه بنيانه من الإتقان بحال ممن الأحوال. وأخذ برأي يونكر كثيرون وحوروا فيه. وأكد أكلسندر شارف من ناحيته أن تأليه المصريين لملوكهم وعبادتهم بعد موتهم هي التي دفعتهم إلى التفاني في بناء أهرامهم ومعابده، وأن حرص أفراد الطبقات الكادحة على أن يدفنوا حول هرم خوفوا حتى بعد أربعة قرون من وفاته يؤكد بقاء ذكراه الطيبة بينهم وتبركهم بمنطقته ويبعد عنه سمة العتاة المستبدين. وأخذ برأيه هو الآخر كثيرون وحوروا فيه. بينما ظهرت آراء أخرى ذهبت إلى النقيض، فلم تر في هرم خوفو وأمثاله سوى أثرة الفراعنة المصريين واستبدادهم وسوء استغلالهم للقوة البشرية والإمكانيات المادية في أرضهم، ولم تر غير عوامل التسخير وحدها هي القادرة على إقامة الأهرام وتوابعها. ونعتقد من جانبنا أنه من الإسراف أن يقتصر القول على عامل واحد يسر لخوفو بناء هرمه أيًّا ما كان هذا العامل، أو افتراض وسيلة واحدة أو عقيدة واحدة خضع لها كل القائمين على بناء هرمه. فليس من. اليسير أن نفترض، كما ذهب يونكر، أن كل من كدحوا في سبيل بناء الهرم كانوا يشبعون مزاجهم الخاص، وإن أمكن أن نفترض مثل هذا المزاج الخالص لكبار المهندسين ورؤساء الصناع ذوي الأجور العالية.

стр. 141

وليس من اليسير كذلك أن نفترض، كما ذهب شارف، أن كل من حشدوا لبناء الهرم كانوا يهللون لما جمعوا له باسم الدين وتأليه الفرعون كما يقول، وأكثرهم من الفقراء الكادحين في سبيل لقمة العيش. وليس من اليسير أخيرًا أن نجعل القسوة أو السخرة علمًا على سلطان الفراعنة المصريين على الإطلاق ودون استثناء، كما ذهب أصحاب الرأي الثالث لمجرد ضخامة آثارهم. ونرى أنه من الأفضل أن نتصور للقضية كل أطرافها المحتملة على ضوء من الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والروحية التي عاش في ظلها صاحب الهرم والقائمون على تشييد الهرم. فقد اعتمد مصر القديمة في أغلب حياتها الزراعية على دورة زراعية سنوية رئيسية واحدة كانت تؤدي إلى تعطل المزارعين عدة شهور من كل عام. وفي هذه الشهور، أو في البعض منها، اعتاد الحكام أن يعملوا على تجميع أعداد كبيرة من عمال الأرض وزراعها؛ ليقوموا بخدمة مشاريع الحكومة العامة ومنشآت الفرعون الخاصة أساسًا، ثم ليتكسبوا من العمل في هذه المشاريع والمنشآت مورد رزق مناسب لهم في مواسم تعطلهم عن العمل ضمنًا "وذلك إلى جانب الصناع الفنيين الدائمين". وأشار المؤرخون الإغريق الذين زاروا مصر في أواخر عصورها القديمة إلى مثل هذا الوضع. فذكروا أنهم سمعوا أن العمل في الهرم كان يجري "وعلى الأصح كان يشتد" في مواسم الفيضان بخاصة، وفي مواسم التعطل عن الزراعة كل عام. وترتب على ذلك فيما رووه أن بناء الهرم الأكبر وتوابعه قد استغرق نحو عشرين عامًا ولم يتم في وقت قصير. واعترفنا من قبل بأنه توفر للفراعنة المصريين نظام من الحكم المطلق أتاح لهم إشرافًا واسعًا وهيمنة كبيرة على موارد البلاد وإمكانياتها المادية والبشرية، ونضيف إلى ذلك أن نفس هذا النظام من الحكم أتاح لحكوماتهم سلطانًا إداريًّا واسعًا، وجعل لها الحق في أن تكلف من تشاء من القادرين على العمل من السكان، بالعمل في مشروعاتها ومشروعات الفراعنة الدنيوية والدينية، حيثما أرادت وهو تكليف "أو تسخير" لم يكن يُعفى منه فيما يرجح غير طوائف المتعلمين من موظفي الدولة وكهنة المعابد الكبار وربما كبار أعيان المدن والقرى أيضًا. وإلى جانب السيطرة السياسية والاقتصادية والإدارية الواسعة التي توافرت للفراعنة وحكوماتهم، استحب الفراعنة لأنفسهم، وأكد لهم أشياعهم، قدرًا كبيرًا من القداسة الروحية والسيادة الدينية على رعاياهم "وإن لم يصل هذا القدر إلى حد التأله الصريح". فالفرعون رأس الحكومة، كان يعتبر بالتالي رأس الديانة ووريث الأرباب. وكان فيما صورته مذاهب الدين يعتبر من المتحكمين في شئون الآخرة والمهيمنين على مصائر أهلها. وآزر رجال الحاشية والكهان فراعنتهم فيما ادعوه لأنفسهم من قداسة وسيادة، ورددوه في نصوصهم الدنيوية والدينية مرارًا وتكرارًا. فآمنت بهذا الذي ادعاه الفراعنة والكهان وأهل البلاط عهود، وكفرت به عهود أخرى. وسلمت بصحته طوائف وتجاهلته طوائف عداها. غير أن الفراعنة استطاعوا في أغلب أحوالهم أن يستغلوا سلطانهم الديني والروحي التقليدي أوسع استغلال واستطاعوا أن يوجهوه لتنفيذ رغائبهم وإقامة منشآتهم. وليس من المستبعد أن الكهان كانوا يتعمدون في مواعظهم أن ييسروا على الكادحين

стр. 142

في سبيل تحصيل الرزق شقاءهم. ويخففوا عن المكلفين بمشروعات الفرعون متاعبهم، بشيء من الأمل فيما ينتظرهم في الآخرة من الشفاعة والرضا وحسن الجزاء من فراعنتهم الذين أوهموهم أنهم سوف يتحكمون في شئون الحياة الثانية كما تحكموا في شئون الحياة الدنيا سواء بسواء. ولكن ألم يكن أولى بفراعنة البلاد أن يعملوا على توجيه الجهود التي بذلها رعاياهم في تشييد أهرامهم ومعابدها إلى أنواع عمرانية أخرى يعم نفعها على جمهرة شعبهم؟ ليس من شك في أننا لو حكمنا منطق عصرنا الحالي، لأجبنا بالإيجاب، وأن ذلك كان أولى بهم وأنفع لشعبهم فعلًا. ولكن علينا أن نعترف من ناحية أخرى أنه كان للدولة مشاريعها لعمرانية العامة فعلًا وهي ما كلفت لها الثراء العريض، وأن نقدر من ناحية أخرى أن لكل عصر منطقه، وأن المبادئ التي يتبينها أو يعتنقها عصر معين ليس من الضروري أن يتبينها عصر آخر أو يسلم بها. ثم إنه ليس أيسر على أنصار الحاكم في كل مجتمع وكل زمان من أن يقنعوا أنفسهم أو يخدعوا أنفسهم ويخدعوا الناس معهم، بأن حاكمهم يعتبر دائمًا رمزًا لشعبه، وأنه ما من بأس في أن تبذل الدولة والشعب في سبيله كل مرتخص وغال، وأنه سوف يرفع من سمعة أهل عهده أن يشيدوا له آثارًا تفوق ما شيده أسلافهم لسلفه، ويرفع ذكرهم كذلك أن تتعجب الأجيال التالية لعهدهم مما أنفقوا جهودهم في تشييده والارتفاع ببنيانه. والواقع أنه إذا كان لكل طائفة من الحكام آفة، وكان من آفة حكام آشور والفرس القدماء مثلًا حب البطش والنهم إلى الجبروت، وكان من أمر الحكام الرومان الأقدمين مثل أمرهم من القسوة والفساد، وكان من آفة حكام العصور الوسطى الشرقيين بذل جانب كبير من موارد أممهم وبيوت أموالها في سبيل بناء القصور وحياة الاستمتاع ومدائح الشعراء، فقد كان من آفة الفراعنة المصريين أنهم وجهوا جانبًا كبيرًا من موارد أرضهم إلى صالح المعابد والتماثيل والأهرام فضلًا عن القصور، وابتغوا بذلك تكريم الأرباب، ونعيم الآخرة، واستمالة الكهان، وحسن الثواب، وأن يظهروا في سمات التقوى والصلاح، كما ابتغوا به الجري وراء التقليد وخلود الذكر والتفاخر فيما بينهم في أغلب الأحيان. ومهما يكن من أمر، فقد اشترك آلاف العمال والصناع فعلًا في بناء هرم خوفو وبناء معبديه وملحقاته، سواء عن رغبة في تحصيل الرزق، أو بناء على تكليف "أو تسخير" من الحكومة، أو طاعة منهم للفرعون ذي القداسة التقليدية في الدنيا، أو تصديقًا لما أوهمهم الكهان به عما ينتظرهم منه في الآخرة من الشفاعة وحسن الجزاء، ولكن كيف كانوا يعاملون؟ وهل كانوا يؤجرون؟ ليس من آثار أو نصوص باقية لخوفو بالذات تكشف عن طريقة معاملة رجاله لعماله، ولكن يمكن أن نستشهد في سياق ذلك عن طريق غير مباشر بما عرفناه عن تخصيص شون للغلال في مجموعة زوسر بسقارة لتموين العمال وقت بناء الهرم ثم تموين الكهنة بعد بنائه، وما سوف نذكره عن تخصيص عدد من المساكن للعمال بجوار هرم خفرع لإيوائهم عوضًا عن تركهم يبيتون في العراء. وقد تخلفت نصوص لأثرياء من عصر الأسرة الرابعة نفسها وأثرياء عهود مختلفة أخرى بعدها من الدولة القديمة، تعمد أصحابها أن يصوروا بها الظروف التي شيدوا فيها مقابرهم، والأساليب التي عاملوا بها من استأجروهم فيها، فقال رجل

стр. 143

من عصر الأسرة الرابعة: "كل صانع عمل في مقبرتي أرضيته". وردد آخرون في نصوصهم قولهم: "أنفقت على قبري هذا من متاعي الحلال، ولم يحدث إطلاقًا أني اغتصبت متاع شخص ما". وقال غيرهم في نصوصهم: "أرضيت كل الصناع الذين أتموا لي عملًا في هذا القبر بالطعام والشراب وكل شيء طيب". وقال بعض من تولوا رياسة الأتباع والصناع: "لم أضرب إنسانًا وقع تحت يدي، ولم أستعبد أحدًا في العمل"١. وليس من شك في أن أمثال هذه الأقوال لا تخلو من مبالغات يستقبل الشخص بها حياته الأخرى، ولكن ليس من شك كذلك في أنها لا تخلو من إثارات صدق، وأنها تدل على وجود وازع ديني كان يدعو الأثرياء إلى حسن معاملة الأتباع والأجراء واكتساب الصيت الطيب من وراء ذلك. فهل كان الفراعنة بدورهم ينفقون على دور أخراهم، أي أهرامهم ومعابدها بسخاء ومن متاع حلال؟ وهل كانوا يعملون عن طريق ممثليهم من رؤساء العمل على إرضاء من يعملون في أهرامهم ويحرصون على إحسان معاملتهم، مثل رعاياهم الأتقياء الأغنياء؟ ذلك أمر لا نستطيع أن نؤكد جوابًا معينًا بشأنه، في ضوء النصوص المعرفة حتى الآن، ولكن يمكن أن نشير من ناحية أخرى إلى أن النصوص الدينية التي سجلت في أهرام الفراعنة منذ نهاية عصر الأسرة الخامسة وعرفت باسم متون الأهرام قد ألمحت مرات إلى أن الفرعون إنما كان يندمج بين أرباب الآخرة وحكامها على أساس ما يثبت عن قيامه بالعدل في أرضه ودنياه وعمله على صوالح رعاياه٢. كان هرم خوفو جزءًا من مجموعة معمارية واسعة، خدمت صاحبها وخدمت فن العمارة وخدمت عقائد الدين، وكان من الضروري أن يتناسق كل عنصر فيها مع بقية العناصر، ويكمل كل جزء منها بقية الأجزاء. وتألفت هذه المجموعة من نفس العناصر الرئيسية التي تألفت منها مجموعة أبيه في دهشور، أي من معبد الشعائر ومعبد الوادي والطريق الواصل بينهما، فضلًا عن عناصر أخرى فرعية، مثل هرم صغير إلى الجنوب الشرقي من الهرم الأكبر. لا يزال غرضه غير معروف حتى الآن، وسور كبير يحيط بالهرم وتوابعه القريبة، وعدة أهرام لزوجات الملك، وعدد من مقابر كبار رجال المملكة حرص أصحابها على أن يدفنوا حول هرم فرعونهم؛ تقربًا منه، وإرضاء لولي عهده، ودلالة على ولائهم والتفافهم حوله، ورغبة منهم في أن يبعثوا في معيته في الحياة الثانية على نحو ما كانوا في معيته في الحياة الأولى، ورغبة منهم في انتفاع موائد قرابينهم بخيرات المعبدين الملحقين بهرمه. ورغبة منهم كذلك في انتفاع مقابرهم بحالة الأمن والعمران التي كانت تكفلها كثرة الحراس والكهان والأتباع الذين يعيشون حول هرمه ويعملون في معبديه. وخضعت مصاطب كبار رجال الدولة حول الهرم لتخطيط مرسوم، فخصص شرقي الهرم لمصاطب

стр. 144

الأمراء، وغريبه لمصاطب كبار الموظفين "فيما خلا استثناءات قليلة". وشيدت أغلب هذه المصاطب على نسق متشابه، ورتبت في صفوف تفصل بينها طرقات مستقيمة، وتجمعت على جانبي الهرم ومن تحته، فزادت من جلاله وأكدت ضخامته وجبروته، حتى بدا الهرم بينها وكأنه يشرف عليها من عل كما كان صاحبه يشرف على أصحابها في دنياه من عل. وشاد عظماء الأسرة الرابعة مصاطبهم من الحجر لأول مرة بعد أن كان أسلافهم يشيدونها من اللبن خلال عصور الأسرات الثلاث الأولى، وشادوها صماء لا فراغ فيها إلا فتحة من أعلاها تخترق وسطها وتخترق الأرض من تحتها حتى تصل إلى حجرة الدفن في باطن الصخر. وكان المعماريون يكسون جدران حجرة الدفن الصخرية أحيانًا بألواح من الحجر الجيري الأبيض ويلونونها بنقط حمراء ليقلدوا بها هيئة الجرانيت في مدافن ملوكهم. وألحقوا بالواجهة الشرقية لكل مصطبة مقصورة للقرابين ينتفع الزائرون بها في المواسم والأعياد ويقدمون القرابين فيها باسم المتوفى، ويدخلها الكاهن ليرتل دعواته وتعاويذه لمصلحة صاحبها. وكانوا يثبتون في صدر جدارها الداخلي لوحة صغيرة مستطيلة من الحجر الجيري تنقش عليها هيئة المتوفى جالسًا أمام مائدته، وينقش حوله اسمه وألقابه وأنواع القرابين التي يرجو أن تتوافر له في حياته الثانية. وتعتبر نقوش هذه اللوحات من أروع مظاهر الإنتاج الفني في عهد خوفو. وكانوا يضعون على سطح الأرض أسفل اللوحة مائدة للقرابين، يقوم على جانبيها قائمان من الفخار تعلو كلًّا منهما مبخرة لحرق البخور. ولعل أقرب ما لفت الأنظار من آثار خوفو في السنوات الماضية، هي مراكبه. فقد عثر له حتى الآن على خمسة مواضع لمراكب، ثلاثة منها تقع إلى الشرق من هرمه، وقد نزعت منها مراكبها الخشبية أو بطانتها الخشبية في عصور سابقة، واقتصرت في حالتها الراهنة على مجرد حفر طويلة عميقة نحتت في الصخر على هيئة المراكب، وتتجه اثنتان منها اتجاهًا موازيًا للضلع الشرقي للهرم بين الشمال والجنوب، وتتعامد الثلاثة على هذا الضلع بين الشرق والغرب. ثم عثر له في عام ١٩٥٤ على موضعين جديدين لمركبين كبيرتين منحوتتين في الصخر على جنوب هرمه. وتم كشف أحد الموضوعين بالفعل ولا زال الآخر مغطى بسقفه الحجري المحكم حتى الآن. ووجدت في الموضع المكتشف ألواح كثيرة لمركب خشبية، لم يبلغ طولها ٤٣.٢٠ من الأمتار ويبلغ أكبر عرض لها نحو ستة أمتار، وقد فككت أجزاؤها ورتبت إلى حد ما مع بعضها البعض بحيث يسهل تجميعها، ووضعت معها مجاذيفها وحبالها وجوانب مقاصيرها "أو كبائنها" وأساطينها الخشبية التي شكلت تيجانها على هيئة سعف النخيل وزهور اللوتس. وذهب الرأي في حينها على تسمية مركب خوفو هذه وأخواتها، باسم مراكب الشمس، والربط بينها وبين رحلتين يقوم إله الشمس بهما كل يوم ويصحب الفرعون معه فيهما، رحلة يجوب بها سماء الدنيا بالنهار، وأخرى يجوب سماء العالم السفلي فيها بالليل. ولكن صعب تأكيد هذه التسمية لعدة أسباب، أهمها سببان وهما: أن أشكال الحفر التي نحتت لمراكب خوفو أشكال متباينة تختلف من واحدة إلى أخرى، وذلك مما يخالف القول بأن مراكبها كانت تخدم غرضًا واحدًا وهو رحلة الملك مع إله الشمس في سماء الدنيا أو سماء الآخرة. وأن المراكب التقليدية التي صورتها المناظر

стр. 145

المصرية لرحلة إله الشمس، تمتاز عادة برموز خاصة، لم يعثر على واحد منها في المركب التي كشف عنها، على الرغم من أن أجزاءها وجدت كاملة كلها. ولهذا افترضت عدة احتمالات لأغراض هذه المراكب، وهي: أن واحدة منها على الأقل استخدمت في نقل جثة خوفو بعد وفاته، من قصره إلى قرب هرمه، ثم وضعت في حفرتها وغطيت بأحجارها. ولعل المراكب الباقيات كان شأنها شأن غيرها من الأثاث الفاخر الذي اعتاد المصريون على أن ينتفعوا به في دنياهم ثم يضعوه في مقابرهم أو أهرامهم لينتفعوا به في العالم الآخر، لولا أن ضخامتها، أي ضخامة المراكب، حالت دون وضعها مع بقية الأثاث داخل الهرم نفسه، فوضعت حوله. ومن المحتمل كذلك أن خوفو استخدم بقية مراكبه في حياته في مناسبات دينية ورسمية، ومن هذه المناسبات مناسبة تتويجه "وكانت بعض مراسيم التتويج تجري على السفن فعلا"، ومناسبات تردده على معابد الأرباب الكبار في طول البلاد وعرضها، وزياراته لمدن الحج المقدسة القديمة، فضلًا عن جولاته الإدراية التي كان يقوم بها بين مراكز القطر من حين إلى حين على متن النيل، وذلك إلى جانب رحلاته الفردية والأسرية الخاصة. كان الاسم الكامل لخوفو هو "خنوم خوفوي" كما ذكرنا، وهو اسم يعني "خنوم يحميني" "أو يرعاني" ويدل على الإيمان بحاجة الملك خوفو إلى معبود أكثر قدرة منه يرعاه ويحميه، وقد يكون هذا الإيمان إيمان أبويه اللذين سمياه باسمه، ولكن ليس من المستبعد أن يكون خوفو قد آمن كذلك بمثله. وصور أديب مصري الجانب الإنساني من خوفو في قصة شعبية نتخيله فيها يسامر أولادة ويستمع إلى قصصهم ويحترم العلماء ويجهل بعض ما يعرفه عالم من أهل عهده "راجع فصل الأدب". هزات مؤقته – في عهد جد فرع: رتب خوفو أمره على أن يخلفه ولده الأكبر "كاوعب" على عرشه، ويبدو أنه نشأه تنشئة طيبة شجعته على أن يظهر في بعض تماثيله على هيئة الكاتب العالم، وكانت هي المرة الأولى فيما نعلم، التي ظهر فيها أمير عظيم متربعًا على هيئة الكُتَّاب١. غير أن كاوعب هذا مات قبل وفاة أبيه بقليل بعد أن بلغ مبلغ الرجال، وكانت وفاته فاتحة لانقسام الأسرة الحاكمة إلى فروع، تربص كل فرع منها بفرع آخر وحاول أن يستأثر بالحكم دونه. وكانت هذه الفروع ثلاثة: فرع أبناء الزوجة الرئيسية أم كاوعب وبقي منه أميران صغيران لم يستطيعا الوصول إلى العرش أو المطالبة به، وهما جدف حور "أو ددف حور أو حور ددف" وباوفرع، وفرعًا من زوجة ثانية ترأسه جد فرع، ثم فرعًا من زوجة ثالثة ترأسه خفرع٢. واستطاع جد فرع أن يبلغ العرش بعد أبيه ووفى لذكراه فأشرف على شعائره حين دفنه ووجد اسمه مسجلًا على سقف مركبه. إلا أنه لم يكن كذلك بالنسبة لأغلب أمراء أسرته، فاكتفى بأن تزوج من أرملة أخيه
следующие страницы →