لم تكن مجرد رموز عشوائية، وإنما كانت علامات كتابية تخطيطية بدأت شخصية ثم شاع بعضها وأصبح أداة خطية من أدوات التفاهم بين الناس. وظهرت٣٠ علامة من هذه العلامات فيما يرى بترى، خلال عهد نقادة الأول، ثم اختفت ست منها في عهد نقادة الثاني وحلت محلها ١٤ علامة جديدة. وعلى حين استخدم بعض أهل نقادة هذه العلامات التخطيطية في تفاهمهم الكتابي، اتجه بعضهم الآخر إلى التعبير عن أغراضه برسوم تصويرية مثل صورة الشمس وهيئة الذراعين المرفوعتين إلى أعلى وهيئة التلال الثلاثة المتجاورة، واستمرت صورهم الكتابية هذه في طريقها حتى طغت على العلامات التخطيطية وأصحبت أكثر قبولًا عنها وأكثر شيوعًا منها، ثم جدت عليها علامات هجائية قليلة منذ أواخر حضارة نقادة الثانية، وورثتهما العصور التاريخية فيما ورثته من تراث العصور السابقة لها. وأضاف بترى أن العلامات التخطيطية لم تختف تمامًا على الرغم من انزوائها، وإنما اقتصر استعمالها على بعض الطبقات العادية وبلغ عددها خلال عصر الأسرة الأولى ٥٣ علامة، واستمرت في هذه الطبقات فيما يعتقد حتى الدولة الوسطى على أقل تقدير، وظهرت معها في تخطيطات عصر الأسرة الثانية عشرة ثلاث علامات جديدة، وكتب بها رجال المناجم في شبه جزيرة سيناء ثم فارقت هذه العلامات موطنها المصري، واحتضنها الكنعانيون الذين تعلموها شيئًا فشيئًا من نصوص سيناء وتعلموا معها النظرية المصرية في استخدام شكل معين للتعبير عن أول حرف هجائي من اسمه، ثم خرجوا مما تعلموه باثنتين وعشرين علامة هجائية كتبوا بها نصوصهم وتعلمها عنهم أهل جنوب شبه الجزيرة العربية، كما اقتبس بعضها منهم قدماء الإغريق وزودوا بها كتابتهم المقطعية القديمة١.
وكشفت حفائر المحاسنة عن لوحة من الطين استخدمها صاحبها للعب الدامة "أو السيجة". وقسم سطحها إلى ثلاثة صفوف، وقسم كل صف إلى ستة مربعات، ووضعها فوق قوائم طينية منفصلة٢. وأضاف بترى إلى هذه الوسيلة المتواضعة للتسلية، قوائم مستطيلة صغيرة وجدها في المقابر وصنعها أصحابها من الكوارتز والألباستر والسماق والعقيق الأحمر والحجر الجيري، وعددًا من الكرات الحجرية الصغيرة "تشبه البلي" وقطعًا حجرية صغيرة شكلت على هيئة الأواني المصمتة "وتشبه قطع الشطرنج"، واعتبرها جميعها تؤلف لعبة راقية تنصب فيها ثلاثة قوائم على هيئة البوابة وترص القطع الصغيرة التي تشبه الأواني وراءها، ثم يرمي اللاعب بالكرات من أمام البوابة الصغيرة ليسقط عددًا من الأواني في المرة الواحدة٣. ولا تخلو هذه الصورة التي رسمها بترى لأذواق أهل نقادة ووسائل تسليتهم من شك كبير، لولا أن يبدو أنه ما من سبيل لتخمين الغرض منها على غير النحو الذي تخيله لها.
وتنوعت أساليب مقابر نقادة الثانية كما تنوعت أساليب بيوتها. فظلت المقابر العادية على حالها القديم لا تعدو حفرة العمق بيضية أو دائرية أو شبه مستطيلة. بينما سلك التطور سبيلًا آخر في المقابر الثرية.
стр. 72
نوعًا والمتأخرة في الزمن نوعًا، واتجه أكثر ما اتجه نحو تحديد جوانب حفرة المقبرة وتقويتها. واتبع أصحاب المقابر في سبيل تنفيذ هذا الغرض وسائل كثيرة كانت منها تكسية جدرانها الداخلية بطمي سميك ثم بالبوص أو الحصير، أو تكسيتها بألواح خشبية. وتتابعت الخطوات بعد ذلك لتدعيم جوانب الحفرة عن طريق تحديدها من الداخل بجواليص الطين أو قوالب اللبن ثم كساء الجدران نفسها بألواح خشبية أحيانًا١. وأفضت هذه الخطوات إلى تحويل الحفرة إلى حجرات. ثم عاد النقادون الأواخر فاستحبوا تقسيم الحجرة المبنية بقوالب اللبن تحت سطح الأرض إلى حجرات، وبدءوا تقسيمها قبيل بداية العصور التاريخية حجرتين: حجرة كبيرة للجثة وحاجياتها الثمينة، وأخرى صغيرة للأواني العادية٢. وانتقلوا من ذلك إلى تقسيم الحجرة الصغيرة نفسها إلى حجرتين، فأصبحت حجرات المقبرة ثلاثًا٣.
стр. 73
بين الصعيد وبين الدلتا:
تشعبت آراء المؤرخين عن أصحاب الحضارة النقادية الثانية وعن موطنهم الأصلي وعن الطريقة التي فرضوا بها حضارتهم على أصحاب الحضارة الأولى. ولن نطيل هنا في عرض هذه الآراء ومناقشتها وإنما يكفي أن نقول إنها اتجهت اتجاهين رئيسيين: اتجاهًا افترض أن أصحابها وفدوا على وادي النيل من منطقة قريبة منه مثل جبال البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء وشمال الحجاز١. واتجاهًا آخر افترض أن أصحابها كانوا من أهل الوجه البحري أي من أهل مصر نفسها٢. وقد أيدنا هذا الاتجاه الأخير في الجزء الأول من كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها، بأدلة من نماذج الرسوم وأشكال الأواني الحجرية والفخارية وصور المراكب ورموزها وطرز مقاطع القتال وغيرها٣، ويؤدي بنا هذا الرأي إلى حديث قصير عن الوجه البحري وظروفه القديمة.
فقد ظلت مناطق الوجه البحري أقل حظًّا من مناطق الوجه القبلي فيما بقي من آثارها الحضارية القديمة، يستوي في ذلك حظها من آثار فجر التاريخ وحظها من آثار العصور التاريخية نفسها. وترجع أسباب هذه
стр. 74
القلة إلى الظروف الطبيعية والبيئية التي أحاطت بالدلتا القديمة، من حيث انخفاض أرضها، وكثرة فروعها المائية، وشدة طغيان الفيضانات عليها، وكثرة ترسيب الطمي فيها، وانتشار المناقع في مناطقها الشمالية، وما ترتب على ذلك كله من ارتفاع نسبة الرطوبة في تربتها وسرعة تحلل الآثار فيها.
ولكن ظروف الدلتا القديمة كان ذات شقين ولم تكن شرًّا كلها، فليس من المستبعد أن كثرة تعرض أراضيها لأخطار الفيضان كانت حافزًا لأهلها على مداومة الكفاح والأخذ بأسباب التعاون والتقارب لدرء هذه الأخطار عن أراضي الزراعة وأراضي المساكن. وليس من المستبعد كذلك أن طمع بدو الصحراوين الشرقية والغربية في خصوبة الدلتا كان دافعًا آخر لأهلها على التعاون لدرء شرهم، وحافزًا لهم على التجمع في وحدات سياسية مبكرة متكاتفة. ويبدو أن قلة المواد الأولية في الدلتا كانت دافعًا ثالثًا شجع أهلها على التعاون لتيسير الحصول عليها من مصادرها، مثل الظران من جنوب الدلتا، والنحاس من شبه جزيرة سيناء والأحجار الملونة من جبال البحر الأحمر، والأصداف من سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط١. وأضاف بعض الباحثين عوامل أخرى نسوقها على شك فيها، ومنها أن اتساع رقعة أراضي الدلتا وانفساحها أديا إلى نوع من رحابة أفق التفكير عند أهلها، بعكس أراضي الصعيد الزراعية الضيقة التي تحدها التلال والجبال. وأن سهولة اتصال الدلتا ببقية حوض البحر المتوسط كانت من دوافع تقدمها على عكس الصعيد قليل الاتصالات٢، "وإن كنا نعلم من جهة أخرى أن حضارات الدلتا والصعيد ظلت في مجموعها أكثر رقيًّا من حضارات البحر المتوسط كله خلال فجر التاريخ، وذلك ما يعني ضعف احتمال استفادة الدلتا منها".
وإلى جانب منطقة مرمدة بني سلامة التي نشأت على الحافة الجنوبية الغربية للدلتا في أوائل العصر الحجري الحديث، أدى البحث الأثري إلى الكشف عن مناطق عمران أخرى عند رأس الدلتا القديمة، في عين شمس والمعادي وطرة، وكانت ثلاثتها نقطًا متصلة في سلسلة من مناطق العمران لا تزال أغلب آثارها دفينة في الأرض حتى الآن، وكانت المعادي أهمها٣.
ومضت كل من الحضارتين الصعيدية والبحيرية في سبيلها، وتطورت كل منهما بما يناسب بيئتها وثراء أرضها، ومدى الاتصال والترابط بين أقاليمها، ومدى توافر المواد الأولية فيها أو قرب أرضها، حتى انتظمت الأحوال السياسية لأهل الحضارة الشمالية وتجمعت سلطاتها أو سلطات أكبر أقاليمها في يد ملك
стр. 75
وتتوج بتاج أحمر ذي شكل خاص، وصور صناع مملكته تاجه على بعض أوانيهم الفخارية، ووصلت هذه الأواني إلى بعض مناطق الصعيد. ثم ازداد التفوق الحضاري والسياسي لأهل المملكة الشمالية، وشجعهم هذا التفوق على مد نفوذهم إلى الصعيد، وسنحت لهم الفرصة في ظروف نقدم احتمالاتها بعد قليل، فبسطوا نفوذهم على أهله وسودوا حضارتهم على حضارته، واتخذوا عاصمته نوبت مركزًا رئيسيًّا لنفوذهم الحضاري السياسي، وعندما استقرت أمورهم اشتركوا مع الصعايدة أصحاب الحضارة النقادية الأولى في تطوير حضارتيهما وشاركوهم بعض ميراثهم القديم وإن اختلفوا عنهم في بعض آخر.
стр. 76
التطور السياسي:
أسلفنا أن مواطن الاستقرار الزراعية الأولى لم تكن أكثر من قرى متواضعة متفرقة على مناطق الحواف لا ندري عن تصريف الأمور فيها إلا ما دلت عليه ظاهرة تنظيم بعض المساكن في مرمدة من انفعال أهلها بالوعي الجماعي واحتمال خضوعهم لسلطة في القرية استحبت التنظيم وأوصت بتنفيذه. وما دلت عليه مساكن حلوان القديمة من اشتراك أهلها في تمهيد منطقة مساكنهم فوق ربوة يأمنون فيها على أنفسهم من أخطار السيول ويأمنون فيها من غارات جيرانهم. وما دلت عليه مطامير الفيوم من اطمئنان أهلها إلى تجميع محاصيلهم في منطقة واحدة يتعاونون في حراستها أو يعهدون بحراستها إلى رئيسهم وأعوانه. ثم ما دلت عليه مخازن الغلال الجماعية في قرية المادي من احتمال وجود سلطة في القرية أشرفت على تموينها وحمت محاصيلها.
ولم يكن من شأن القرى المصرية الأولى أن تستمر متفرقة عهودًا طويلة، وإنما المرجح أنه شجعها على التقارب من بعضها البعض وانضمام بعضها إلى بعض عوامل المصالح المشتركة التي تفرضها البيئات الزراعية على أهلها، وعوامل الرغبة في تبادل المواد الأولية التي قد تتوفر في منطقة دون أخرى، فضلًا عن تبادل المصنوعات النامية التي قد تجود في قرية أكثر مما تجود في أخرى، ومناسبات الزواج والمصاهرة في بيئة قلت فيها موانع الاتصالات ولم يظهر فيها ما يدل على الطبقية المانعة أو العصبيات الغالية، وعوامل التحالف والتكاتف لدرء خطر عدو قريب أو بعيد، وعوامل الرغبة في بسط النفوذ التي تراود الجماعات القوية وتدفعها إلى ضم الجماعات القريبة منها تحت زعامتها ثم عامل الاشتراك في تقديس مظهر إلهي معين يتضح أثره في منطقة واسعة تشترك في سكناها أكثر من جماعة واحدة.
وليس من نصوص ولا مناظر قديمة تصور نتائج العوامل السابقة في حياة أهلها واحدة فواحدة، وكل ما يمكن تقديمه بشأنها هي مجموعة احتمالات منطقية توائم البيئة المصرية ولا تنبو عن ذكريات العصور التاريخية عنها. فمن الاحتمالات المقبولة لتفسير تحول الجماعات المصرية القديمة من الحياة القروية إلى الحياة المدنية، أنه ترتب على انضمام بعض القرى إلى بعض أن نشأ عدد من الأقاليم ذات الحدود الاعتبارية والحدود الطبيعية، ثم تهيأ للفريق الأقوى في كل إقليم أن يجعل قريته الكبيرة حاضرة لإقليمه مادامت تتوفر لها الحصانة الطبيعية والمقومات المادية والكثرة العددية، كما تهيأ له أن يسود كلًّا من حاكمه ومعبوده على بقية الجماعات المشتركة معه في نطاق إقليمه، وبهذا أصبح لكل إقليم حاكمه وعاصمته، ومعبوده الأكبر، وأصبح له رمزه الذي
стр. 77
يقوم عند أهله مقام اللواء والعلم، وقد يكون هذا الرمز ذا صلة بهيئة المعبود الأكبر في عاصمته، أو ذا صلة بخصائص بيئة إقليمية، أو ذا صلة بالمهنة الغالبة في مجتمعه، أو ذا صلة بالصفات التي يعتقدها أهله في أنفسهم واستمرت ذكريات هذه الرموز باقية فيما احتفظت به العصور التاريخية من شعارات الأقاليم ومسمياتها القديمة.
ويغلب على الظن أنه تكرر بين الأقاليم ما حدث بين القرى، فنما بعضها نموًا حضاريًّا سلميًّا، أي باستصلاح أراضٍ زراعية جديدة، وبالتوسع في الإنتاج والتبادل، والتوسع في الاتصالات والمحالفات. بينما اتسع بعضها عن طريق القوة وبسط النفوذ على حساب جيرانه المستضعفين. ثم أدى هذا الطريق وذاك إلى نشأة بضعة أقاليم كبيرة قامت في زمنها مقام الممالك الصغيرة.
وحاول كل من العلماء كورت زيته وألكسندر موريه وإدوارد ماير وجيمس هنري برستد وغيرهم إكمال المراحل المحتملة لتطور الحياة الاجتماعية والسياسية في فجر التاريخ، بافتراض تسع مراحل أفضت في نهاية أمرها إلى توحيد مصر في مملكة مستقرة كبيرة١. واستعانوا في تصوير هذه المراحل بما دلت عليه نقوش الصلايات ومقاطع القتال، وما دلت عليه رموز الأقاليم المصرية وشعاراتها، وما تضمنته القصص والأساطير الدينية والأدبية في مصادر العصور التاريخية، وما تضمنته متون الأهرام من تلميحات عن أحداث بعيدة وعقائد عتيقة وأسماء قومية ودينية، ثم ما جاءت به قوائم الملوك التي سجل كتبة العصور التاريخية فيها تاريخ أوائل حكامهم القدماء بأسلوبهم الخاص، وما دلت عليه الألقاب التقليدية التي توارثها الملوك المصريون في بداية العصور التاريخية. ويمكن أن نرتب من ناحيتنا هذه المراحل المقترحة على النحو التالي:
باشرت أقاليم الوجه البحري نضجها السياسي منذ أن تجمع أغلبها في مملكتين محليتين خلال مرحلة قديمة من مراحل ما قبل الأسرات: مملكة لشرق الدلتا قامت في إقليم عنجة واتخذت عاصمتها في مدينة سميت بنفس اسم إقليمها، قرب سمنود الحالية على فرع دمياط. وجعلت لواءها على هيئة الحربة. وقدست معبودها الأكبر عنجتي الذي صورته متون الأهرام بصورة بشرية وميزته بريشتين فوق رأسه وبمذبة أصبحت تعبر عن الصولجان، وعصا معقوفة الطرف تشبه عصا الرعاة أصبحت بدورها رمزًا للحكم والسلطان٢، ويحتمل أن هذه المملكة امتدت جنوبًا حتى عين شمس الحالية. ثم مملكة أخرى في غرب الدلتا، اتخذت عاصمتها فيما يعتقد الأستاذ زيته في مدينة قامت على أطلالها مدينة دمنهور الحالية، وقدست ربها الأكبر حور ورمزت إليه بهيئة الصقر ورفعت صورته فوق ألويتها، ويحتمل أنها امتدت جنوبًا حتى أوسيم الحالية٣.
стр. 78
وتمت الخطوة السياسية الثانية فيما يرجح حتى الآن باتحاد مملكتي الدلتا في مملكة واحدة اتخذ حكامها عاصمتهم في مدينة ساو، أو سايس، التي قامت على أطلالها صا الحجر على فرع رشيد في غرب الدلتا. واعتبروا المعبودة نيت حامية لهم، وهي معبودة رمزوا إليها بسهمين متقاطعين حينًا، وقوسين متشابكين حينًا وجعبة سهام حينًا آخر، باعتبارها من رعاة الحرب، كما اتخذوا هيئة النحلة "بيت" شعارًا لدولتهم سواء للتشبه بما تتميز به من نشاط متصل وإنتاج مستحب بصورتها أو بلفظها، وتتوجوا بتاج أحمر.
وقامت خطوة ثالثة في الصعيد لعلها كانت معاصرة للخطوة الثانية في الدلتا، فاجتمع شمل أكبر أقاليم الصعيد تحت زعامة مدينة نوبت في منطقة قنا، واعترف الصعيد بزعامة ربها "ست" الذي رمز أصحابه إليه بصورة حيوان أسطوري١، واعتبروها من أرباب السماء والأمطار ووصفوه بأنه يهز الأرض هزًّا ويرسل العواصف وله صريخ في السماء كأنه الرعد٢. وازدهرت حضارة نقادة الأولى في ظل مملكة نوبت الناهضة ودل على عمرانها النسبي ورخائها النسبي كثرة مقابرها التي تدل بالتالي على كثرة أهلها، ورقي أذواق الأدوات التي وجدت فيها. واتصلت أسباب التبادل التجاري بين المملكتين، مملكة الصعيد ومملكة الدلتا، ودل عليها وجود أدوات تجمع بين خصائص حضارتيهما في نقادة.
وفي المرحلة الرابعة انتقلت عاصمة الوجه البحري من غرب الدلتا إلى شرقها أي من مدينة ساو إلى مدينة عنجة القديمة التي سميت بعد ذلك باسم جدو، واعترف حكامها بزعامة أوزير "أوزيريس" الذي خلعوا عليه ألقاب عنجتي وبعض صفاته، وقدسوه أكثر منه في مدينته. وترتب على ذاك أن نسبت المدينة إليه في العصور التاريخية وسميت برأوزير، وقامت على أطلالها واحتفظت باسمها بلدة أبو صير بنا الحالية. وحاول من أسلفناهم من الباحثين أن يفسروا خطوة انتقال عاصمة الوجه البحري من غرب الدلتا إلى شرقها فافترضوا قيام نوع من التنافس بين مملكتي الصعيد والدلتا، وأن هذا التنافس تطور إلى نزاع حربي، وأن الحرب انتهت بغلبة الوجه البحري على الصعيد، وأن حكام الدلتا نقلوا عاصمتهم بعد النصر إلى شرق الدلتا تحت زعامة أزير وسلطانه.
والواقع أنه ليس ما يزكي صحة هذه الخطوة الرابعة، غير قرائن نظرية وأسطورية، وهي: ما ذكرته القصة الأوزيرية في عصورها التاريخية من أن أوزير كان أول من ولي عرش مصر من البشر المؤلهين، وتصويره في صوره وتماثيله على هيئة ملك متوج بتاج مزدوج يجمع بين تاج الصعيد وبين الريشتين اللتين ورثهما عن عنجتي رب مدينة عنجة بالوجه البحري، ثم ما أكدته الأساطير ونصوص الدين من الربط بين
стр. 79
طائفة من أرباب الدلتا ورباتها بأوزير وقصته، لا سيما رابطة الأخوة والزواج بينه وبين المعبودة إيسة "إيزيس"، وهو ربط يدل على التقارب بين مواطن عبادتهم وبين جدو مدينته في عهد توفر لها فيه من السلطان السياسي ما دفع غيرها إلى التودد إليها والارتباط بها.
وذهب كورت زيته في تصوير ممهدات المرحلة الخامسة إلى أن دولة الوجه البحري لم تكتف بانتصارها على الصعيد وإنما بسطت سلطانها عليه لبعض الوقت. ولكن الصعيد ثار عليها وانسلخ عنها وقلب الآية عليها فانتصر عليها وأضعفها، وتعصب لمعبوده ست أكثر مما كان يتعصب له من قبل. وليس من دليل يؤكد هذه المرحلة الخامسة هي الأخرى غير ما ذكرته القصة الأوزيرية عن نقمة أخيه ست "رب نوبت" عليه وعمله على إقصائه عن ولاية البلاد والعباد، وقتله إياه.
وفي المرحلة السادسة سعت مملكة الشمال إلى توحيد مصر تحت لوائها مرة أخرى، ونجحت في مساعها، ولكن حكامها لم يتخذوا عاصمتهم هذه المرة في شرق الدلتا أو في غربها، وإنما اتخذوها في مدينة تتوسط بين نهاية الدلتا وبين نهاية الصعيد، وهي مدينة أونو "عين شمس وما يمتد منها إلى المطرية"، وظلوا أوفياء فيها لأوزير ربهم القديم، إلى جانب اعترافهم بربها المحلي أتوم ثم برب آخر أصبح أكثر شهرة منهما وهو رع رب الشمس.
ونسب إلى فلاسفة هذه المدينة الخروج بأقدم مذهب ديني لتفسير نشأة الوجود. وقد مر هذا المذهب بتطورات فكرية كثيرة، وبدا بصورة مادية ثم مال إلى المعنويات شيئًا فشيئًا، ولم يسجله المصريون كتابة إلى بعد تأليفه بقرون طويلة، وفي إحدى صوره رد أصحابه عناصر الكون وأسباب عمرانه إلى تسعة أرباب. وتخيلوا في بداية الأمر محيطًا مائيًّا أوليًّا لا حس فيه ولا حياة، وأطلقوا عليه اسم نون. ومن هذا المحيط ظهر الإله أتوم الذي أوجد نفسه بنفسه وعاش فريدًا أمدًا بعيدًا حتى ذرأ من نفسه عنصرين ذكرًا وأنثى، وهما شو روح الهواء والفضاء والنور، وتفنوت روح الرطوبة والندى. وتولد عن اجتماع هذين العنصرين القدسيين، ذكر وأنثى آخران، وهما: جب رب الأرض ونوت ربة السماء، وظل هذان متصلين حتى أذن ربهما بانفصالهما، فرفع شو السماء بربتها إلى أعلى عليين وملأ ما بينها وبين الأرض وربها بنوره وأنفاسه، ولكن بعد أن تولد عن روحي الأرض والسماء في فترة اتصالهما أربعة أبناء، ذكران وأنثيان: أوزيروست، وإيسة ونبت حت "أو على حد التعبير الشائع أوزيريس وست، وإيزيس ونفتيس". وأصبح هؤلاء الأربعة يمثلون الرعيل الأول الذي جمع بين الألوهية وبين البشرية وبدأ به عمران الكون، كما تم بهم كيان تاسوع عين شمس الأكبر.
ولم يجد أغلب المؤرخين بأسًا في أن يقربوا بين عهد هذه الوحدة الجديدة، وبين عهد نقادة الثاني الذي نشأت حضارته في الوجه البحري ثم زحف أصحابها بها إلى الصعيد وصبغوا حضارته بصبغتها وتطوروا بها في رحابه. ولكن يبدو أن أمور دولة عين شمس لم تسر هينة دائمًا، ولم تسلم من منازعات قامت في مدينة عين شمس نفسها. وروت الأساطير عن هذه المنازعات بأسلوبها الخاص، فزعمت أن قتالًا دار بين الإله رع
стр. 80
وبين أحد أعدائه قرب شجرة مقدسة فيها، وأن عدوه تنكر له في هيئة أفعوان فاتك، فتنكر له هو الآخر على هيئة قط نافر وفتك به. ويحتمل من هذا التصوير الرمزي أن أتباع الشمس كانت لهم موقعة فاصلة مع أعدائهم قرب شجرة مقدسة، فلما كتب النصر لهم وقتل زعيم أعدائهم تحت الشجرة، ردوا ذلك إلى تأييد ربهم واشتراكه معهم على صورة خفية لا تمت إلى صورة البشر في قليل أو كثير١. وصورت الأساطير وجوه نزاع أخرى حدثت بين أرباب عين شمس وبين أرباب منطقة الأشمويين في مصر الوسطى٢، وكان لا بد لأمثال هذه المنازعات أن تؤدي إلى نهاية، وقد أدت إلى غير ما أراده حكام الدولة المتحدة، فتفتتت وحدتهم وزال ملكهم.
ويفهم من متون الأهرام أن ضياع نفوذ زعماء الوجه البحري لم يكن بغير رد فعل في الدلتا، وترتب عليه أن اتحد حلفاء أوزير القدامى، أتباع الأرباب المتصلين به، وابتغوا القصاص لمقتله وتمزيقه على حد قول الأساطير، وبمعنى آخر ابتغوا القصاص لضياع نفوذهم القديم وتمزيق وحدة دولتهم. فجعلوا زعامتهم الدينية والرمزية للمعبود حور "حورس" الذي قامت عبادته قرب مدينة دسوق، وأعلنوه ولدًا روحيًّا لأوزير من زوجته إيسة، وأطلقوا عليه لقب المدافع عن أبيه أو المنتقم لأبيه. وبدءوا جهودهم لتنفيذ رغبة القصاص وتوحيد البلاد تحت زعامتهم، وطالت المواقع بينهم وبين أتباع ست رب الصعيد، وظل النصر دولة بين هؤلاء وهؤلاء، ويبدو أن كلًّا منهما أضر بالآخر ضررًا بليغًا٣. ولكن لم ينته النزاع بينهما إلى نتيجة حاسمة، وهنا تدخل بينهما زعماء الأشمونيين أتباع المعبود تحوتى، وكانوا قد اتخذوا موقفًا مائعًا في النزاع، فتوسطوا ونجحوا في عقد هدنة بينهما. وشجعت الهدنة أنصار حور على عرض الأمر كله على حكماء البلاد، أو أرباب البلاد كما روت الأساطير، فبرأ الأرباب الحكماء أوزير من تهمة العدوان، وتشجع أنصار ولده حور بهذا الحكم فعاودوا العمل على نشر نفوذهم. بيد أنهم اكتفوا في هذه المرة بنشر نفوذهم الديني ونجحوا إلى حد ما في مسعاهم فأصبحت هيئة الصقر رمز ربهم علمًا على أرباب مدن كثيرة في الدلتا وفي الصعيد أيضًا٤، ولكن هذا لم ينفعهم سياسيًّا، وظل زعماء الصعيد يصرون على استقلالهم فيه.
وعادت مصر بهذا الوضع مملكتين: مملكة في الشمال استقر حكامها في مدينة "به" التي قامت على أنقاضها قرية إبطو أوتل الفراعين قرب دسوق، واحتفظ ملوكها بميراث مملكة غرب الدلتا القديمة التي قامت عاصمتها في مدينة ساو، فتتوجوا بتاجها الأحمر وانتسبوا إلى رمزها المصور على هيئة النحلة، وتلقب كل منهم بلقب
стр. 81
"بيتي"، وذلك إلى جانب اعتبارهم ورثة حور "حورس" على الأرض١. أما مملكتهم نفسها فاتخذت نبات البردي شعارًا لها. وجاورت مدينة به ضاحية دينية تسمى "دب" عبد أصحابها معبودة أطلقوا عليها اسم واجة ورمزوا إليها بهيئة الحية، فانتسب الملوك إليها واعتبروها حاميتهم واعتادوا على وضع رمزها على جباههم تبركًا به والتماسًا لحمايته.
ثم مملكة الصعيد وقد استقر زعماؤها في "نخن" وهي مدينة قامت على أطلالها قرية الكوم الأحمر الحالية شمالي إدفو، ويحتمل أنهم استمسكوا بها باعتبارها مسقط رأس كبارهم، واحتفظوا بزعامتها الدينية للمعبود حور الصعيدي ورمزوا إليه بالصقر أيضًا. وكشفت التنقيبات الأثرية في أطلال نخن عن بقايا سور أقامه أصحابه على هيئة بيضيَّة أو شبه مستديرة داخل المدينة ودعموه بأحجار غفل غير منتظمة من الدبش، وذهب الرأي حتى الآن إلى أنه كان يحيط بتل صناعي من الرمال شيد أهل المدينة فوقه معبد ربهم حور٢. وتتوج ملوك هذه المملكة بتاج أبيض طويل، واتخذوا نباتًا يسمى "سوت" رمزًا لهم، قد يكون من البوص أو الأسل أو الخيزران ربما للرمز إلى صلابتهم مثله، وانتسبوا إليه فأصبحوا يلقبون بين قومهم بلقب "سوتي" أو "نيسو"٣. أما مملكتهم نفسها فاتخذت زهور اللوتس أو الإبريس أو الزنبق شعارًا لها. وجاورت العاصمة نخن ضاحية دينية سميت نخاب قامت على أطلالها واحتفظت باسمها بلدة الكاب الحالية، وعبد أصحابها ربة نسبوها على بلدتهم فسموها نخابة ورمزوا إليها بأنثى العقاب، فاعتبره الملوك راعيتهم وحاميتهم.
ومن هذه المملكة الصعيدية خرج أوائل دعاة الوحدة التاريخية الذين سنذكر منهم كلًّا من الملكين العقرب "ص٧٣"؛ ونعرمر "ص٧٤ - ٧٦"، وإن كان يبدو أن عاصمتها كانت قد انتقلت حينذاك من نخن في أقصى الصعيد إلى ثني في أواسطه.
стр. 82
من تطورات الفنون وتعبيراتها:
اعتاد الرسامون المصريون على تصوير رسومهم بلون واحد على سطوح الفخار حتى أواسط حضارة نقادة الثانية، ثم خطوا خطوة جديدة عدلوا فيها وسائل الرسم ومسطحاته وموضوعاته، وعملوا فيها على الرسم بألوان متعددة على جدران واسعة شادوها من اللبن وكسوها بالملاط، وبدءوا يعبرون على سطوحها عن أساطيرهم وأخبارهم وأفكارهم تعبيرًا أكثر صراحة ووضوحًا من تعبيرات رسوم الفخار القديمة. واحتفظت بلدة نخن ببناية صغيرة من اللبن تحت سطح الأرض كُسي جداران منها بطبقة من الملاط وصورت عليهما مناظر قتال ومناظر صيد ومناظر أسطورية ومناظر ملاحية، بألوان بيضاء وخضراء وحمراء وسمراء١.
стр. 83
ونجح الرسامون في تصوير ملامح حيواناتها وحركاتها أكثر مما نجحوا في تصوير ملامح إنسانها وحركاته، وصورت مناظر الصيد فيها بيئة صحراوية وحيوانات سريعة من حيوانات الصحراء والحواف الزراعية، وأبدع فنانها تصوير خمسة ظباء علقت سيقانها بفخ كبير نصبه صائد، وخلع روح الفن على صورته، فرتب الظباء حول الفخ في دائرة كاملة وجعلها تبدو كما لو كانت قد استسلمت لمثيرها وتمددت على جنوبها، ولونها بألوان مختلفة، حتى لقد صور بعضها بثلاثة ألوان.
وتضمنت المناظر الأسطورية فيها مجموعتين: مجموعة لبطل يواجه أسدين بمقمعة حرب طويلة أو عصا ذات رأس كرية، ومجموعة أخرى لبطل يحاول أن يفصل بين أسدين أو يحاول أن يصرعهما بيديه المجردتين. وليس من المستبعد أن تكون كل من المجموعتين، والأخيرة منهما بخاصة، قد رمزت إلى فئتين قويتين حاول أحد الزعماء الأبطال أن يفصل بينهما أو يخضعهما لسلطانه.
وتألفت مناظر الملاحة من ست مراكب، تساوى ارتفاع المقدمة والمؤخرة في خمس منها، بينما ارتفعت مقدمة السادسة عن مؤخرتها ارتفاعًا كبيرًا. وأدى طراز هذه المركب السادسة إلى كثير من الجدل، وقد صور الرسام على سطحها مقصورة مقبية السقف. وذهب أغلب الباحثين إلى اعتبار طرازها طرازًا دخيلًا يشبه طراز المراكب السومرية ويتعلق بغزاة أو مهاجرين من بلاد النهرين.
ولسنا نجادل في غرابة هذا الطراز عن طراز مراكب الصعيد العادية في عصرها، ولكنا نود الإشارة إلى ثلاث حقائق تتعلق بها، وهي: أن قمرتها أو "مقصورتها" مقبية السقف تشبه مقاصير بعض ما عثر عليه من نماذج المراكب الصعيدية التي صنعها أصحابها من الصلصال. وأن تصويرها بمفردها بين خمس مراكب مصرية ينفي عن أصحابها صفة الغزاة الأغراب. وأن الحضارة السومرية لم تكن قد بدأت حينذاك في بلاد النهرين، وإنما كان العراق لا يزال يعيش في حضارة الوركاء التي لا ندري مدى صلاحية سفنها للإبحار من العراق إلى مصر عن طريق الخليج العربي والمحيط الهندي ثم البحر الأحمر١، وهو طريق صعب. وكل ذلك مما يحملنا على الاعتقاد بنسبتها إلى منطقة ما في مصر مثل شمال الدلتا كما سيتضح لنا من مثل آخر تالٍ.
стр. 84
سكين جبل العركى:
سابق فن النقش فن الرسم في خدمة أغراض قومه، وتعدت نقوش مقابض السكاكين والخناجر تصوير صفوف الحيوانات إلى تصوير موضوعات أسطورية وتاريخية. وأوضح ما يستشهد به منها نقوش مقبض سكين وجدت في منطقة جبل العركي تجاه نجع حمادي فسميت اصطلاحًا باسمه١. وصور فنانها على أحد وجهي
стр. 85
مقبضها معركة جرت على البر والماء بين فريقين اتخذ أحدهما هيئة المصريين واتخذ ثانيهما هيئة الليبيين، وكانت الغلبة للفريق الأول. وصور في معركة الماء ثلاث مراكب على الطراز المصري المعتاد، وتعاقبت هذه المراكب خلف بعضها ولكن أطرافها تداخلت مع بعضها. ثم صور مركبين في صف مستقل على طراز آخر مختلف ارتفعت فيه مقدمة المركب ومؤخرتها ارتفاعًا كبيرًا. وعبر عن نتيجة المعركة بصور رجال غرقى صورهم في أوضاع مختلفة بين صفي المراكب. ونقش الفنان على الوجه الثاني للمقبض موضوعات أخرى، بدأها في الصف العلوي بتصوير شيخ كبير ملتح يشبه هيئة الساميين القدماء ويرتدي رداء كثيفًا يمتد من وسطه حتى منتصف ساقيه، ويلبس عمامة فوق رأسه، ويفصل بيديه المجردتين بين أسدين ناهضين عظيمين أو يحاول إخضاعهما لسطوته، وصور تحته بيئة صيد كبيرة تضمنت حيوانات برية تميزت منها صورة لبؤة تهاجم ثورًا وحشيًّا من خلفه.
هذا عن موضوعات مقبض السكين، أما دلالتها، فيغلب الظن أن صاحبها أراد أن يعبر بها عن أحداث قديمة وأفكار معينة، وإن ظلت هذه الأحداث والأفكار موضعًا لتفسيرات شتى، فرأى أغلب الباحثين وضوح التأثير الآسيوي، والعراقي بخاصة، في موضوعاتها، واستدلوا على ذلك بتصوير الشيخ ذي العمامة والرداء السميك، وفكرة الفصل بين الأسدين، ومهاجمة اللبؤة لفريستها من خلفها، وتصوير المركبين الغريبتين عن الطراز المعتاد للمراكب المصرية، مع شيوع هذه العناصر كلها في الطراز العراقي خلال حضارات الوركاء وسومر١. بينما رأى باحثون آخرون تداخل عنصر الصحراء الغربية في موضوعات النقوش واستدلوا على ذلك بصور أحد الفريقين المتقاتلين وصور الحيوانات التي عاشت أمثالها في الصحراء الغربية سواء البرية منها أم الأليفة.
ولكننا نرى من ناحيتنا أن العنصر المصري هو العنصر الغالب على نقوش المقبض من حيث الأسلوب ومن حيث الموضوع. فأسلوب النقش فيها أسلوب مصري صريح، سواء في تصوير الإنسان أم في تصوير الحيوان. والفريق المنتصر في معركة البر ومعركة الماء هو الفريق المصري، ولم يكن من المنتظر أن يصور نصر المصريين فنان غير مصري. ورموز المركبين الغريبتين يمكن تقريبها إلى الرموز المصرية المقدسة المعروفة، ويمكن أن نعتبر المركبين الغريبتين من مراكب السواحل المصرية الشمالية الغريبة القريبة من الحدود الليبية، والتي لم تتبق من صورها باقية، لا سيما وقد لوحظ أن بعض آثار هذه السواحل لم تخل من تشابه مع آثار حضارة نقادة الثانية٢، وأن أحد الفريقين المتقاتلين على البر تغلب عليه الهيئة الليبية كما أسلفنا. وتتبقى صورة الشيخ ذي العمامة واللحية والثوب الكثيف، وهذه إذا صح أنها تشبه صور العراقيين الأوائل، فلا بأس من أن نفترض أن الفنان المصري استوحاها من أثر عراقي وصل إليه عن طريق التجارة وقلدها على مقبض
стр. 86
سكينة. هذا ويضاف من حيث الموضوع أن مقاتلة الأبطال المصريين للوحوش يدًا بيد لم تقتصر على الأسود، وإنما تعدتها إلى مصارعتهم لأفراس النهر أيضًا١. وكانت هذه الأفراس حيوانات مصرية محلية. وإذا ندر تصوير هذه الفكرة في عصور الأسرات التاريخية، فلعل ذلك لأن المصريين في عصورهم التاريخية صدفوا عامدين عن تصوير الأوضاع الفنية العنيفة بعد أن تبينوا أنها لا تتفق مع تحضرهم المستمر٢.
وأضاف R. Hamann تفسيرًا طريفًا لموضوعات الوجه الثاني من المقبض، فرآها تعبر عن سلسلة متصلة من عوالم الأرباب والحيوان والإنسان، واعتبر الشيخ الملتحي إلهًا للرعاة وحاميًا لقطعانهم استأنس الأسود الضارية وأخضعها لسلطانه، واعتبر الكلاب المصورة تحته كلابه الأمينة على قطعانه، واعتبر بقية المناظر تعبر عن بيئة الصحراء بما يعيش فيها من أكلة اللحوم وآكلات العشب، وبما يتداول فيها من خير وشر كما تعبر عن عالم الصيادين والرعاة بما يكتنفه من مكاسب ومتاعب في سبيل تحصيل الرزق والقوت٣.
ومضت نقوش الصلايات في تطورها وانتقلت من تصوير الرموز والأفكار الصغيرة إلى تصوير الأساطير والحوادث التاريخية بنقوش بارزة وغائرة تشغل وجهها كله أو وجهيها كليهما. ومن أهم ما يستشهد به منها، صلايتان ترجعان إلى أواخر حضارة نقادة الثانية، ويطلق على إحداهما اصطلاحًا اسم صلاية صيد الأسود وعلى الأخرى اسم صلاية الأسد والعقبان.
صلاية صيد الأسود٤: هذه نقشها فنانها من وجه واحد، وصور عليها مجموعتين من الرجال انتظموا في صفين على حافتيها العريضتين، وحملوا أسلحة متنوعة مثل الأقواس الشديدة من قرون التياتل والحراب ومقامع القتال والعصى المعقوفة وحبال الصيد والبلط ذات الحدين والحراب ذات الرأسين والتروس البيضاوية التي تشبه ظهور السلاحف المائية. وأظهر الفنان بين صفيهما ساحة صيد واسعة تفرقت فيها الوعول والنعام والأرانب البرية والأسود والثعالب وحيوانات أخرى صورها له خياله. ورصع عيون الرجال والحيوانات الكبيرة بمواد أخرى ضاعت معالمها. وفاقت الأهمية التاريخية والأسطورية لمناظر الصلاية أهميتها الفنية بكثير، فقد ظهر من الفريقين ثلاثة رجال أو أربعة يحملون ألوية خاصة، فرفع اثنان منهم لواءين تعلو كلًّا منهما هيئة الصقر رمز المعبود حور، وكان رمز أكبر أقاليم غرب الدلتا في فجر التاريخ كما مر بنا، ورفع واحد أو اثنان آخران رمزًا يمثل حربة يتدلى منها شريط ويعترض جزأها العلوي عارض
стр. 87
أفقي، وكان رمزًا لأكبر أقاليم شرق الدلتا في العهد نفسه، ويستدل من اجتماع الرمزين الكبيرين في صعيد واحد على اتحاد شرق الدلتا وغربها في مملكة واسعة خلال العهد الذي نقشت الصلاية فيه أو فيما قبله بقليل. ولعله كان يحدث من حين إلى آخر أن يخرج عظماء الإقليمين الكبيرين في هذه المملكة في رحلة صيد يحيون بها ذكرى كفاح أسلافهم الأوائل في إبادة الوحوش التي كانت تهدد أرضهم.
صلاية الأسد والعقبان: نقشت هذه الصلاية على وجهها وظهرها١. وتوسط وجهها، أو بمعنى أصح توسط ساحة القتال المصورة على وجهها أسد ضخم غضوب يمزق صدر عدو عار يتلوى جسده على الأرض في قسوة بالغة، وتوزعت حول الأسد وفريسته بقية مفردات المعركة. فترامى بجانبه ومن تحته أفراد من الأعداء، عراة بلحى طويلة وشعور مفلفة، وظهر منهم من تلوى جسده على الأرض وكأنه لا يزال يعاني سكرات الموت، وظهر منهم من أسلم الروح وتمدد على الأرض جثة هامدة. وانقضت على جثثهم جميعًا أسراب من كبار الجوارح وصغارها، عبر الفنان عنها بعدد من العقبان وعدد من الغربان، فأخذت تنهش أيديهم وأرجلهم وتفقأ عيونهم وتنقر رءوسهم .. ثم جمع مفردات مناظره في وحدة تصويرية واحدة توسطها الأسد وفريسته، دون أن يفصل بين جزء منها وآخر بفواصل أو خطوط، على الرغم من أنه احتفظ لكل شكل فيها بفرديته واضحة، واحتفظ لكل مجموعة صغيرة فيها بدلالتها واضحة، ونجح في التعبير عن قسوة الأسد في ملامح وجهه، وعن ألم المنهزمين في تلوي أجسادهم، وعبر عن فكرته في زعيم قومه أو ملك قومه أروع تعبير، وجعل صوره رسومًا مقروءة تفهم العين مدلولها بأقل مجهود، ثم خصص ظهر الصلاية لوحدة زخرفية ألف فيها بين نخلة باسقة وزرافتين وطائرين في توفيق لطيف٢.
تركت التطورات السياسية أثرها في حياة ممالك ما قبل الأسرات، ووجدت الفنون مجالات طيبة في رحاب ملوكها الصغار، فارتقت رقيًّا نسبيًّا من حيث الصناعة والذوق والمهارة وحسن اختيار المادة، كما وجدت في أخبار حروبهم ومشروعاتهم مادة دسمة لموضوعاتها.
فواصل فن التماثيل طريقة في حدود إمكانيات مجتمعه، وتجرأ أصحابه على نحت بعض تماثيلهم الصغيرة من الحجر، اللين منه والصلب، وكان الحجر أصلح المواد من غير شك لضمان خلودها؛ فذللوا صخر البازلت لصناعة تماثيل إنسانية صغيرة، عثر على تمثال منها بلغ طوله نحو ٤٠سم، مثل رجلًا وافقًا ذا لحية مستعارة طويلة، يرتدي حزامًا يتدلى منه قراب سميك لستر العورة. ولم يستطع صانع التمثال أن يحقق التناسب بين أجزاء تمثاله، ولكنه حاول أن يعبر عن تفاصيلها، فمثل عظام الركبتين وأظافر اليدين واستدارة
стр. 88
الكتفين وبروز العجز بقدر ما سمحت له صلابة الحجر١. وتطلع بعض المثالين إلى الأحجار الكريمة، فنحتوا من اللازورد تماثيل نسوية صغيرة رقيقة، بقي منها تمثالان لأنثيين صور أحدهما أنثى عقدت ذراعيها أسفل صدرها، ونبض ثدياها وبدت ملامح وجهها واضحة على الرغم من صغر حجم تمثالها, وكانت عيناها مطعمتين بالعاج٢. ثم استغلوا صلابة الظران ووفرته وشكلوا قطعه العريضة الرقيقة على هيئات الطيور والأسماك والحيوانات، واستخدموا الإرذواز للغرض نفسه٣. ونجحوا في تشكيل الهيئات الحيوانية أكثر مما نجحوا في تمثيل هيئة الإنسان. وبلغوا مستوى راقيًا من دقة التعبير في نحت تماثيل صغيرة من الحجر الجيري لكلاب وأسود وقرود عثر عليها في منطقة أبو صير الملق٤، وكانت تستخدم لألعاب التسلية وتؤدي غرض التمائم فضلًا عن اعتبارها من المقتنيات الفنية.
وختم فنانو ما قبل الأسرت محاولاتهم في نحت التماثيل بأن نحتوا ثلاثة تماثيل كبيرة من الحجر الجيري للمعبود مين رب السيول والإخصاب وحامي القوافل، وعبروا فيها عن عظمة معبودهم تعبيًرا بدائيًّا بأن نحتوها بأحجام ضخمة، بحيث بلغ أطولها نحو ثلاثة أمتار، ولكنهم شكلوها بخطوط عامة، وحاولوا إظهار التفاصيل في مثل عظام الركبتين وزخارف حزام الوسط فلم ينجحوا غير نجاح ضئيل. ولم يستطيعوا التعبير عن كفايتهم إلى في نقش صور معبرة على بدن معبودهم وحزامه لأصداف وفيلة وثيران برية كانت تعيش على الطريق الذي يحميه والذي يمتد بين قفط وبين البحر الأحمر، فضلًا عن بضعة رموز دقيقة تخص المعبود نفسه٥. وتعتبر هذه التماثيل أقدم تماثيل مصرية معروفة أظهرت المعبودات في هيئات بشرية.
استفادت نقوش العصر من خبراتها القديمة، وتطورت بأشكالها ومواضيعها على مقابض الخناجر والسكاكين الفاخرة وعلى سطو الصلايات ورءوس المقامع. وكانت مقابض خناجر الزعماء وأهل اليسار تنقش وتغشى بالذهب وكان لا يزال عزيزًا حينذاك. ومن نماذجها الممتعة الباقية مقبضان مذهبان منقوشان في متحف القاهرة٦.
стр. 89
من آثار العقرب:
بدأت النقوش تسجل أحداثًا بعينها وتنقش بأسماء أشخاص بعينهم، وأقدم المعروف منها في هذا السبيل، نقوش رأس مقمعة حجرية لملك صعيدي لقبه أتباعه بلقب العقرب١. وقد صورته نقوشه ملكًا يولي مشروعات الزراعة والري حقها، ويولي مشروعات الحرب والفتح حقها. فصورته في هيئة كبيرة فارعة يتوسط مناظر المقمعة بتاج الصعيد ورداء قصير يغطي كتفًا واحدة ويمتد حتى الركبة ويتدلى منه ذنب طويل، ويقبض بيديه على فأس كبيرة يهم أن يشق الأرض بها في حفل افتتاح مشروع للري أو للزراعة. وظهر أمامه مجموعة من حامل الألوية كانوا يتقدمون موكبه، وكاهن برداء قصير ذي حملات من جلد الفهد، يتقدم إليه بمجموعة من سنابل الغلال، وتابع ينحني أمامه بمكتل من الخوص يحتمل أنه كان يتضمن كمية من البذور أو كمية من تراب الأرض. وظهر خلفه تابعان آخران يرفعان مروحتين عاليتين لتخفيف حدة الحر أو حرارة الشمس عنه. ثم مجموعة إناث، جلست بعضهن في محفات، ووقفت الأخريات يصفقن ويرقصن؛ مشاركة منهن في مراسيم الحفل، وظهرت إلى جانبهن مجموعة من سيقان البردي. وحاول الفنان أن يصور معالم البيئة الزراعية التي جرى الحفل فيها، وفصور شبه جزيرة يحيطها النهر بذراعيه ويعمل بها نفر من المزارعين وأظهر فيها نخلة وكوخًا من البوص، رمزًا بطبيعة الحال على عدد أكبر من النخيل والأكواخ. وصور معبدين صغيرين متباعدين على ضفة النهر "أو فوق جزيرتين أخريتين"، يعتبر تصويرهما من أقدم صور المعابد المصرية العتيقة المعروفة. وعلى نحو ما رمز بنقوشه إلى النشاط المدني لمولاه، رمز بها على جهوده الحربية، فصور في أعلاها مجموعة من رموز الأرباب تدل على تأييدهم له في حروبه وعلى تحالف أنصارهم تحت رايته، كما صور رموزًا لبعض الجماعات التي أخضعها، وفي ذلك ما يوحي بدوره في الكفاح لتحقيق الوحدة التاريخية المرتقبة.
وخدم فنان المقمعة فنه كما خدم ملكه، فصوره في هيئة فارعة متكاملة تعتبر السلف الصادق لصور الملوك المصريين في عصورهم التاريخية. وأظهر أتباعه حوله في حيوية لطيفة، وصورهم وهم يؤدون أعمالهم تصويرًا جانبيًّا سليمًا فيما خلا العين التي صورها كاملة. ولم ينس أن يعبر عن بيئة الحفل بما يدل عليها من ماء وزرع ورقص ومساكن ومعابد، على الرغم من صغر المساحة التي صورها عليها، وعلى الرغم من قدم العهد الذي صورها فيه٢.
стр. 90
صلاية الفحل:
امتازت من صلايات الكفاح للوحدة صلاية تعرف اصطلاحًا باسم صلاية الفحل١، بقي جزء منها، تصدر نقوشه فحل عنيف نفرت عروقه وهجم بقرنيه العظيمين على عدوه فألقاه على وجهه وضغط بحافره
стр. 91
على فخذه ليشل حركته ويجبره على الاستسلام. وأبدع فنان الصلاية تمثيل القوة البدنية للفحل وإظهار تفاصيل جسده وعضلات سيقانه، ولكنه تصرف في تشكيل رأسه وعينيه، فكسا جبهته ومقدمة رأسه بشعر مموج مرتب وأظهر خطوطًا حول عينيه وأنفه توحي بأن وجهه قد كُسي بغطاء مزخرف. ولم يرمز به إلى ثور حقيقي أو معبود، وإنما رمز به إلى ملكه الذي تخيله ذا بطش شديد. والفحول فيما هو معروف أكثر الحيوانات الأليفة في البيئات الزراعية نفعًا حين هدوئها وأكثرها احتمالًا حين عملها ثم أكثرها بطشًا حين غضبها، ولهذا ظل تشبيه الملوك المصريين بالفحول قرينًا لتشبيههم بالأسود١.
وأدت نقوش الأختام الأسطوانية المهمة نفسها، وكانت الأختام عبارة عن قطع أسطوانية صغيرة من العاج أو الحجر أو الخشب تنقش عليها صور وعلامات يختم صاحبها بها على الطين فتؤدي غرض الختم ذي التوقيع٢. واستغل الفنانون أهمها سجلوا عليها بعض أحداث عصرهم تسجيلًا يناسبها. وبقيت منها ثلاثة أختام نقشت على سطوحها صورة حاكم يأخذ بناصية أسير مقيد ويهم بضربه بمقمعته على أم رأسه. وكررت الصورة على سطح كل ختم أحيانًا بحيث إذا ختم به ودار دورة كاملة طبع تسع صور أو اثنتي عشرة صورة من صوره.
стр. 92
آثار نعرمر:
صورت آثار الملك نعرمر مرحلتين متمايزتين في عهده، مرحلة واصل خلالها كفاح أسلافه لضم الدلتا إلى سيطرة الصعيد، وأخرى استمتع فيها بنتائج جهوده وجهود أسلافه بعد أن حقق وحدة البلاد كاملة تحت حكمه. وبقي نقش من نقوش مرحلته الأولى، حل اسمه فيه محل صورته، وهو أول اسم معروف كتب بمقطعين صوتيين، على هيئة صورة سمكة وصورة إزميل. وصورت السمكة "نعر وهي المقطع الأول من اسمه" بيدين بشريتين تمسك عصا ضخمة وتهبط بها على رءوس مجموعة من الأسرى الموثقين بالحبال، وسجل الفنان فوق اسم ملكه رمز المعبود ست رب الصعيد القديم، ورمز المعبود حور رب الدولة القائمة، ورمز المعبودة نخابة ربة الكاب١؛ ليؤكد التقارب بين المعبودات الثلاثة ويؤكد مؤازرتهم للملك في كفاحه.
وسجلت صلاية نعرمر آخر مراحل كفاحه ونتائجها، وهي من الصلايات الكاملة النادرة، وقد وجدت في معبد نخن٢. واشتركت نقوش وجهها وظهرها في مناظر معينة واختلفت في مناظر أخرى. فظهر
стр. 93
على الجزء العلوي لكل منهما اسم نعرمر داخل إطار مستطيل يرمز إلى واجهة قصره ويسمى عادة باسمه المصري القديم "سرخ" ويظهر على جانبي الاسم "على الوجهين" رأسان للمعبودة حتحور مثلاها بوجه سيدة مليحة وقرني البقرة وأذنيها، وكان من المرات الأولى التي صور المصريون فيها رباتهم بصورة تجمع بين البشرية والحيوانية.
واختلف وجه الصلاية وظهرها في بقية المناظر، ولكن مهدت مناظر أولهما لمناظر الآخر. فتصدرت نقوش الوجه صورة نعرمر في قوام فارع وحجم كبير يزيد عن أحجام المصورين حوله، تأكيدًا لجلاله وعظم قدره. وأظهرته بتاج الصعيد يأخذ بناصية زعيم خصومه، ويهم بضربه مقمعته. وواجه الملك صقر عظيم يرمز إلى المعبود حور آخذًا في كفه البشرية اليمنى بخطام رأس كبيرة تخرج من أرض تنمو فيها سيقان البردي وترمز فيما هو مأخوذ به حتى الآن إلى أرض الوجه البحري، كأنه يقدمها إليه ويسلس قيادها من أجله ويتم بها وحدة ملكه. وظهر أسفل الملك قتيلان سجل الفنان مع كل منهما اسم مدينته، وظهر خلف الملك رجل من رجال حاشيته يتقلد بقلادة عريضة، ويحمل له نعليه وقدرًا تحوي ماء الغسيل أو التطهير.
ووفق الفنان توفيقًا كبيرًا في إظهار تفاصيل صوره، لا سيما وجه حتحور اللطيف وشفتيها الممتلئتين البضتين وأذنيها ذواتي التفاصيل الدقيقة، وريش الصقر المهيب، وعضلات ساعدي الملك وساقيه، وعظام ركبتيه، وتفاصيل ردائه وهو رداء قصير يغطي كتفًا واحدة ويصل إلى ما قبل الركبة، مشدودًا إلى وسطه بحزام عريض مرقش تتدلى منه حليات على هيئة رءوس حتحور -بأهداب كتانية طويلة- ويتدلى من خلفه ذيل طويل. وتمتاز كفاية الفنان في هذه الصور عن الكفايات المحدودة التي سبقت عهده.
وأكملت نقوش ظهر الصلاية قصة الملك مع الوجه البحري، فصورته متوجًا بتاج الدلتا، يسير في موكبه بمقمعته ومذبته إشارة إلى اجتماع روح الحرب وروح السلام فيه، ويتقدمه أحد عظماء بلاطه. وسار أمامه أربعة من حملة الألوية في جيشه. وسار في معيته ومن خلفه حامل نعليه بقدره. وقد خرج الملك حافيًا على الرغم من تاجه وصولجانه إشارة إلى قداسة الحفل الذي يقصده. وعبر الفنان قبالة الموكب عن غايته التي كان يقصدها بصور صغيرة قد ترمز إلى رحلة الملك بقاربه إلى مدينة "به"، وسجل صورًا أخرى غريبة تمثل عشرة أشخاص موثقين بالجبال قطعت رءوسهم، ووضعت رأس كل منهم بين رجليه، ويبدو أنه رمز بها إلى مناسبة الزيارة، وهي الاحتفال بذكرى نصر قديم انتصر الملك أو أحد أسلافه فيه على عشرة زعماء أو أحلاف من مناهضيه.
واستغل الفنان وسط الصلاية لتنفيذ تصميم استحبه أسلافه، وهو تصوير حيوانين خرافيين تتعانق عنقاهما حول بؤرة الصلاية المستديرة وتتلاقى رأساهما فوقها. ونفذ تصميمه بيد متمكنة مجربة وأظهر كل حيوان بجسم أسد "؟ " وعنق تشبه عنق الثعبان ورأس فهد، وأظهرهما ممتلئتين قويين يرفعان ذيليهما في غضبة هائلة، ولكنه أضاف شيئًا جديدًا، فصور رجلين على جانبي الحيوانين، يجذب كل منهما عنق حيوانه بحبل
стр. 94
غليظ ليبعده من مقاتلة الآخر، وذلك مما يرمز في الغالب إلى ما كان من مصادمة جماعتين قويتين ومحاولة كبح جماحهما على أيدي رجال العهد الجديد.
وفي أسفل الصلاية، نقش الفنان هيئة فحل شديد يهدم بقرنيه سور مدينة محصنة، ويطأ بحافره ذراع زعيمها الذي تمدد مستسلمًا على الأرض. وقد رمز الفحل إلى الملك، ولم يكن في تصويره على هيئة الفحل شيء جديد، ولكن الجديد هنا هو تقليل وحشيته في الفتك بعدوه وتصويره على شيء من الهدوء، وكأنه يبتغي السيطرة على أهل المدينة التي فتحها دون الفتك بهم، وكان ذلك فيما يبدو رمزًا لآخر أدوار الكفاح المسلح من أجل تحقيق الوحدة السياسية الكاملة المستقرة التي بدأت العصور التاريخية بها.
стр. 95
الفصل الرابع: بداية العصور التاريخية
مدخل
...
الفصل الرابع: بداية العصور التاريخية
"أو عصر بداية الأسرات – منذ أواخر الألف الرابع ق. م."
تبدأ العصور التاريخية لكل شعب قديم ببداية اهتداء أهله إلى علامات واصطلاحات محددة يتفاهمون بها عن طريق الكتابة ويستخدمونها في تسجيل أخبار حوادثهم الرئيسية وتدوين بعض معارفهم الدنيوية وعقائدهم الدينية ولو بطريق الإيجاز، عوضًا عن الاكتفاء بتداولها عن طريق الرواية أو الاكتفاء بالتلميح إليها عن طريق الرسم والرمز إليها عن طريق الأساطير. أو هي تبدأ بمعنى آخر ببداية العصر الذي يحاول أهله أن يكتبوا فيه تاريخهم بأنفسهم ويصفوا فيه أعمالهم للأجيال التي تليهم. وتقترن هذه البداية عادة بأحد اعتبارين آخرين أو بكليهما، وهما: بداية اصطباغ حضارة شعبها بصبغة قومية متجانسة، ثم بداية ائتلاف بلدها في وحدة سياسية مستقرة تهتم بالكتابة وتسجل بها شئونها وتنظم أمور الحكم والإدارة وترسيها على أسس مستقرة صريحة، وبناء على هذه الاعتبارات الثلاثة، وبناء على الاعتبار الأول منها بخاصة، أصبحت بداية العصور التاريخية لكل شعب قديم بداية اعتبارية محضة، تخصه وحده، ويختلف زمنها فيه عن زمنها عند غيره من الشعوب. وعن طريقها تميزت مصر من غيرها من الشعوب في قدم تاريخها المكتوب ووفرته١.
стр. 96
الكتابة وتوابعها:
توافرت الاعتبارات الثلاثة السابقة لدى المصريين منذ أواخر الألف الرابع ق. م، وكانوا قد بشروا بمقدمات الكتابة منذ أواخر فجر تاريخهم القديم، وبدءوها فيما يحتمل بطريقتين: طريقة تخطيطية لم يقدر لها الشيوع "راجع ص٥٩"، وأخرى تصويرية استمروا عليها، وكانت طريقة تعبر عن الشيء بصورته التقريبية، وتصلح للتعبير عن الماديات دون المعنويات "فيما خلا حالات معنوية قليلة عبرت فيها صورة الذراع
стр. 97
عن القوة، وصورة الساقين عن الحركة، وصورة الأذن عن السمع، والعين عن الرؤية، وهلم جرًّا". ثم جمعوا إليها علامات تصورية اصطلاحية تؤدي غرض المقاطع الصوتية، أي تعبر كل علامة منها عن مقطع صوتي ذي حرفين أو ثلاثة حروف، يمكن استخدامه في التعبير عن الأوصاف والمعنويات حين يشترك لفظه مع كلمة معنوية تماثله في النطق، مع إضافة رمز أو مخصص يحدد معناها في سياق الكتابة. واستمروا يزيدون أعداد هذه وتلك وأنواعها لتفي بمطالب كتابتهم. ثم أصافوا إليهما حروفًا هجائية يدل كل شكل منها على حرف واحد، وقد بلغت عدتها عند اكتمالها أربعة وعشرين حرفًا، وكان ابتداعهم لها هو الخطوة الحاسمة في اكتمال كتابتهم وامتيازها عن غيرها، وتصادف أن بدأت معها عصورها التاريخية. وقد اصطلحوا على الكتابة منذ ذلك الحين بخطين دفعتهم روح المحافظة على أن يجمعوا فيهما صور الأشياء والمقاطع الصوتية التصورية والحروف الهجائية والرموز التخصيصية في آن واحد. وظل أول الخطين يغلب عليه طابع التصوير المتقن وروح الزخرف، وقد نقشوا به نصوصهم على سطوح اللوحات الحجرية وما يقوم مقامها مما يصلح للنقش عليه كالخشب والأبنوس والعاج، وعلى جدران المعابد والمقابر والتوابيت، كما دونوا به بعض النصوص الدينية على صفحات البردي. ونشأ الخط الثاني سريع الأداء يعتمد على الصور المختصرة التي تطور بعضها مع الزمن إلى أشكال خطية، وقد سجلوا به الشئون الحكومية ودونوا به الرسائل والآداب والعقود الشخصية وبقية شئون الحياة اليومية. ولم يزد الفارق بين الخطين كثيرًا عن الفارق الحالي بين خطوط اللافتات والعناوين وبين خط الرقعة اليدوي السريع. وقد عبر المصريين عن الخطين بكلمة "سش" بمعنى الكتابة، وإن ميزوا أولهما فأدمجوه فيما أطلقوا عليه تعبير "مدونثر" بمعنى أقوال الرب أو الأقوال المقدسة؛ إشارة إلى قداسة أصله وإكبارًا لأصحاب الفضل الأول في اختراعه. وعندما وفد الإغريق إلى مصر أطلقوا على الخط الأول اسم الخط الهيروغليفي بمعنى الخط المقدس، وأطلقوا على الخط الثاني اسم الخط الهيراطي١ بمعنى الخط الكهنوتي، "فضلًا عن خط ثالث استحدثه المصريون في أواخر عصورهم القديمة خلال القرن الثامن أو السابع ق. م وجعلوه أكثر إيحازًا في تخطيطاته وصوره من خطهم الثاني، وأطلق الإغريق عليه اسم الخط الديموطي بمعنى الخط العام أو كتابة الجمهور". وأصبحت المسميات الإغريقية لخطوط الكتابة المصرية هي الشائعة بين الباحثين، ثم خط رابع استخدمه المصريون بعد اعتناقهم المسيحية، واستعاروا أشكال أغلب حروفه من صور الحروف اليونانية، وهو الخط القبطي.
والواقع أنه مهما يبدو للعين المعاصرة من غرابة صور الكتابة المصرية القديمة التي بدأها أصحابها منذ نيف وخمسة آلاف عام، وسبقوا بها أمم العالم المتحضر القديم، فإن هذه الغرابة يمكن أن تقل إذا قدرنا أن الحروف التي نكتبها اليوم، عربية كانت أم لاتينية، ليست غير تطورات أخيرة لصور قديمة عرف علماء اللغات بعضها وعزت عليهم معرفة أصول بعضها الآخر، وحسبنا منها حرف F وحرف G في الكتابة الإفرنجية السريعة، والحرف الأول من الأبجدية العربية الذي هو عبارة عن كلمة من ثلاثة حروف أو أربعة وهي
стр. 98
"ألف" أو "أليف"، وكان يرمز بصورته الأولى إلى رأس ثور، والباء حرفها الثاني الذي رمزت صورته الأولى إلى هيئة بيت، وحرف الجيم حرفها الثالث الذي لم يكن غير اختصار لكلمة جمل واختصار لهيئة رأس الجمل ... وهلم جرًّا.
واهتدى المصريون المبدعون من أهل الفترات الأخيرة للألف الرابع ق. م إلى جانب علامات الكتابة وحروفها إلى تصوير رموز مفردة مبسطة عبروا بها عن العشرات الحسابية ومضاعفاتها أي المائة والألف وعشرة الآلاف ومائة الألف وألف الألف "أو المليون"١. وأفضى استخدامهم لها إلى سهولة ضرب وقسمة العشرات ومضاعفاتها، وسهولة تسجيل المجاميع العددية الكبيرة في وحدة مرتبة متصلة تستطيع العين أن تلم بها في نظرة واحدة. واقترن التطور الفكري لابتداع الكتابة والعلامات الحسابية، بتطور صناعي لصناعة صفحات البردي البيضاء من لحاء نبات البردي، واستخدام المداد وفرش البوص الرفيع للكتابة عليها وعلى لحاف الأحجار وكسر الفخار، فضلًا عن استمرار نقش النصوص التقليدية على اللوحات والجدران الحجرية وعلى بطاقات ولوحات الخشب والأبنوس والعاج. وأفضى ذلك كله إلى تيسير تناقل معارفهم من جيل إلى جيل، وإلى تنظيم أعمالهم الحكومية وحفظ معاملاتهم الشخصية، وتيسير تصميم مشروعاتهم المعمارية.
стр. 99
الحكام والإدارة
مدخل
...
الحكام والإدارة:
توفرت لمصر معرفة الكتابة، في نفس الوقت الذي توفر لها فيه الاعتباران الآخران اللذان أسلفناهما، وهما تجانس الحضارة ووحدة الحكم والسياسة في الدولة، خلال القرن الثاني والثلاثين ق. م أو نحوه، وبدأ فيها منذ ذلك الحين عصر جديد سمي بعدة أسماء اصطلاحية، وهي اسم عصر "بداية العصور التاريخية"، على أساس وجود المصادر التاريخية الخطية بين آثاره نتيجة لبداية شيوع الكتابة فيه، وبداية استقرار الوحدة السياسية والنظم الإدارية في أيامه كأساس لما أتى بعدها. واسم "عصر بداية الأسرات" على اعتبار أنه أول عصر يمكن تأكيد استقرار وراثة عرش مصر منذ أيامه بين أسرات حاكمة ارتبط ملوكها بعضهم ببعض بروابط القرابة وصلة الدم. ثم اسم "العصر العتيق" إشارة إلى قدمه البعيد وسبقه لعصور الدولة القديمة. واسم "العصر الثني" نسبة إلى مدينة ثني التي يبدو أنها كانت مسقط رأس أوائل ملوكه وأكبر عواصم ملكهم المتحد في الصعيد بعد مدينة نخن.
وتضمن العصر عهود الأسرتين الحاكمتين الأوليين من أسرات مصر الفرعونية. وارتبط تأسيس حكم الأسرة الأولى منهما بثلاثة أسماء ملكية، وهي أسماء: نعرمر وعحا ومنى. وقد دارت حولها مناقشات تاريخية حديثة نتجاوز عن تفاصيلها ونكتفي هنا عنها بما انتهينا إليه بشأنها في كتابنا عن حضارة مصر القديمة
стр. 100
وآثارها، وهو احتمال دلالة الأسماء الثلاثة على ملك واحد بدأ حكمه باسم نعرمر "وقام بما صورته له مناظره المنوه عنها في ص٧٤ - ٧٦"، ثم تلقب بلقب عحا أي المحارب اعتزازًا بجهوده الحربية في توطيد ملكه، كما تقلب أخيرًا بلقب منى، ربما بمعنى المثبت أو الراعي أو الخالد؛ تنويهًا بنجاحه في تثبيت ملكه ورعايته له وخلود اسمه فيه. ثم تتابع بعده ستة ملوك من أسرته عرفوا بأسماء: جر، وواجى، ودن، وعنجاب، وسمرخت، وقاي عا، مع مترادفات كثيرة لألقابهم لا تزال هي الأخرى موضعًا للجدل اللغوي والجدل التاريخي حتى الآن.
وتتابع بعد هؤلاء ملوك الأسرة الحاكمة الثانية، وكانوا ثمانية ملوك على أقل تقدير إن لم يكن أكثر اشتهروا على الترتيب بأسماء: حوتب سخموي، ونبي رع، وني نثر، وبر إبسن، وونج، وسنج، وخع سخم، وخع سخموي، وكان لكل اسم تعبيره الذي يدل به على شخصية صاحبه وعلى روح عصره١.
وسلك أوائل أولئك الفراعنة سياسة حكيمة في الربط بين الصعيد وبين الدلتا بعد اتحادهما، عن طريق المصاهرة وحسن السياسة وازدواج الألقاب والاشتراك في عبادة الأرباب. فتزوج أولهم "نعرمر" بإحدى سليلات البيت الحاكم القديم في الدلتا، وهي نيت حوتب، وتزوج رابعهم دن باميرة أخرى من الدلتا تدعى مربت نيت. وتمتعت كل من الملكتين بمكانة طيبة دلت عليها الآثار الباقية باسميهما من عهديهما، وربما تكرر الأمر نفسه بالنسبة لملوك آخرين وزوجاتهم. وسمح الفراعنة للوجه البحري بشخصية متميزة في إدارته تحت ظل التاجين، فخصصوا له بيت مال وحامل أختام وأهراء غلال ودار وثائق ... ، وانتسبوا إلى ربته الحامية "واجة" وإلى شعاره شاعر النحلة "بيت" جنبًا إلى جنب مع انتسابهم إلى ربة الصعيد "نخابة" وشعاره "سو". وشغف أغلبهم بإقامة الأعياد الدينية الملكية والتقليدية، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من مؤسسي الدول الجديدة؛ رغبة في اتخاذ مناسباتها سبيلًا لاكتساب الشهرة وتجميع الخواص حولهم وتذكير الناس بهم، مع إظهار تقواهم وكرمهم خلال احتفالهم بها. فرددت حولياتهم احتفاءهم بأعياد آلهة كثيرة مثلت أغلب مناطق دولتهم ورمزت إلى أغلب وجوه النشاط في عصرهم. وكان أهم أعيادهم الخاصة أعياد ارتقاء العرش وأعياد التجلي كل عامين٢. وأعياد ذكرى توحيد الوجهين. ثم عيد السد أو "حب سد" على حد تعبير المصريين، ربما بمعنى عيد النهاية، وكان من المفروض أن يحتفل الفرعونية بعد ثلاثين عامًا من بداية حكمه أو من بداية اختياره لولاية العهد٣، ويقيم فيه مراسيم وطقوسًا يشكر أربابه بها على ما وهبوه من طول العمر وطول الحكم، ويعتقد هو أو يعتقد رعاياه أنه يستطيع عن طريق هذه الطقوس والمراسيم أن يجدد بأسه ويستزيد من القدرة على مواصلة الحكم. وجرت العادة على أن يتحين الفرعون مناسبة هذا العيد ويقيم لأربابه معابد وهياكل جديدة ويقدم لهم تماثيل جديدة عساهم يحققوا أمله ويؤيدوا حكمه. ولم يكن الفراعنة يلتزمون بفترة الثلاثين عامًا دائمًا، وإنما كانوا يتحينون لإقامة هذا العيد فرصة كل نصر عظيم، أو خلاص من شدة خطيرة. وربما أعادوه أكثر من مرة طالما توافر لهم امتداد الحكم وسعة الإمكانيات.
стр. 101
أوضاع الحكم:
يعتبر عصر بداية الأسرات عصر تكوين لنظم الإدارة المصرية. ويعني التكوين هنا معنيين: أحدهما أن العصر كان محدود المطالب والوسائل بالنسبة إلى العصور التي تلته، ولهذا اكتفى بما ناسب دنياه الخاصة من النظم والمناصب والإدارات. وثانيهما أن تنظيمات العصر على الرغم من بساطتها أصبحت أساسًا لأغلب التنظيمات التي قامت بعدها وتطورت عنها في عصور الدولة القديمة.
الفرعون:
كان الفرعون هو رأس الدولة قولًا وعملًا، يرأس الإدارة والجيش وأمور الدين، وتنسب السلطات العليا إلى قصره المسمى "برعو" أو "برنيسو". وصورت النصوص سلطانه مطلقًا بما يزيد عما عبر به بعد آلاف السنين لويس الرابع عشر ملك فرنسا في عهد "الملكية المقدسة" بمثل قوله "أنا الدولة والدولة أنا". على أنه ليس من الضروري أن تؤدي هذه السلطة المطلقة للفرعون المصري إلى الإسراف في الربط بينها وبين ربوبية لازمة أو سلطة غاشمة كما يتردد أحيانًا. فلفظ "فرعون" لم يكن في بدايته أكثر من تعريف اصطلاحي إداري، كتب في صيغته المصرية "برعو" بمعنى البيت العالي أو القصر العظيم، قصر الحكم الأعلى الذي يتجه شعبه إليه بمشاعر الأمل والرهبة والولاء. ثم امتد مدلول لفظ "برعو" على القصر وساكنه. ويمكن فهم هذا بمقارنته بما شاع في العصر العثماني، بعد عشرات القرون، من التعبير بلفظ "الباب العالي" عن قصر السلطنة، وبالتالي عن السلطان نفسه "مع تقدير معنى "باب" في اللغتين الفارسية والتركية"، بل ومقارنته لما تذكره لغة الصحافة الحديثة عن سياسة "البيت الأبيض" في الولايات المتحدة وتعني بها سياسة رئيس الدولة فيها وجهازه الأعلى. وأخيرًا شاع لفظ "فرعون" مع الاسم الشخصي لكل ملك مصري "كما شاع فيما بعد لقب "قيصر" على كل حاكم أعلى للرومان والبيزنطيين، وشاع لقلب "نجاشي" لكل ملك حبشي". وحرفت النصوص العبرية لفظ برعو إلى "فرعو" "نظرًا لاختلاط نطق الباء مع الفاء في بعض اللغات القديمة"، ثم أضافت اللغة العربية إليه نونًا أخيرة. وهكذا لم يكن لفظ فرعون "وجمعه فراعنة" يدل على جنس أو على طغيان الحكم، كما يشيع خطأ أحيانًا. وإذا وصف القرآن الكريم والتوراة الفرعون الذي عاصر موسى ﵇ بالتجبر والطغيان وادعاء الربوبية، فعلينا أن نصدق ونؤمن بكل ما وصف به، ولكن ليس علينا أن نعمم صفاته هذه على كل الفراعنة، لا سيما وأن القرآن الكريم لم يأب أن يصف عزيز مصر وملكها اللذين آويا يوسف ﵇ بأوصاف طيبة. وما من شك في أن الحكام في كل مجتمع وكل زمان، وأيًّا ما كانت ألقابهم، يتعاقب منهم العادل والظالم، الصالح والطالح. وأخيرًا وعلى الرغم من أن تسمية "الفراعنة" بهذا المفهوم العلمي لا ضير فيها، وأن الفراعنة قد مثلوا جزءًا من صميم الشعب المصري فعلًا إلا أنه لم يكن من المنطق تعميم هذه التسمية على المصريين القدامى جميعهم. فمن المسلم به أن تسمية "القياصرة" لم تطلق على الرومان والروم كلهم، كما لم تطلق تسمية "الأكاسرة" على الفرس كلهم، وإنما على ملوكهم.
وتلقب كل فرعون بعدة ألقاب وتسميات عقد الصلة بها بين شخصه وبين مقدسات وطنه؛ لتأكيد شرعية سلطانه الديني والدنيوي. واستقر من هذه الألقاب والتسميات خلال عصر بداية الأسرات،
стр. 102
ثلاثة قد يختارها الفرعون على صورة واحدة أو يجعل كل واحد منها مختلفًا عن الآخر١، وهي: الاسم الحوري: وكان يؤكد صلة الفرعون بالمعبود حور ويجعله وريثًا له، يحكم باسمه ويتجسد شخصيته. والاسم النبتي: وكان يؤكد صلة الفرعون بالربتين الحاميتين القديمتين، نخابة حامية الصعيد التي رمزوا إليها بأنثى العقاب، وواجه حامية الوجه البحري التي رمزوا إليها بحية ناهضة. ثم الاسم النسوبيتي: وكان يؤكد صلة الفرعون بالشعارين المقدسين القديمين، "سو" شعار مملكة الصعيد القديمة، و"بيت" شعار مملكة الدلتا القديمة، ويؤكد بالتالي اعتباره الوارث الشرعي لكل من المملكتين القديمتين صاحبتي الشعارين. وأدى تعدد أسماء الملوك وألقابهم إلى صعوبة تعيين تتابعهم وصعوبة التثبت من شخصياتهم عن يقين، فقد تحتفظ قائمة من قوائم الملوك باسمائهم الحورية وحدها، وتذكرهم قائمة أخرى بأسمائهم النبتية وحدها، بينما تهتم الآثار القائمة بذكر أسمائهم النسوبيتية أكثر من غيرها٢. وتشتد هذه الصعوبة في عصر بداية الأسرات بالذات، نظرًا لقدمه البعيد وقلة الآثار المتبقية من أيامه، فضلًا عن إيجاز نصوصه.
واعتمد الإشراف الإداري خلال هذا العصر على بعض طوائف من كبار الموظفين تداخلت اختصاصاتهم بعضها مع بعض، واعتاد أفرادها على أن يجمعوا بين أكثر من لقب واحد من ألقابها، وكان منهم تبعًا لأهم ألقابهم التي سجلوها على بطاقاتهم الصغيرة وعلى أختامهم ومختومات مقابرهم: حملة الأختام ورجال بيت المال، وحكام الأقاليم، وكبار رجال البلاط، ورؤساء الكتاب٣.
وعرف العصر بيتين للمال سمي أحدهما برحج بمعنى بيت الفضة أو البيت الأبيض أو بيت المال الأبيض "مع تقدير أن المال بمعنى النقود لم يكن معروفًا"، واختص بضرائب الصعيد ودخله وخرجه. وسمي الآخر بردشر أي البيت الأحمر، واختص بضرائب الوجه البحري ودخله وخرجه. ووجود بيتين للمال في ذلك العصر يمكن أن يفسر بأحد فروض ثلاثة وهي: الرغبة في تيسير الإشراف على موارد البلاد الواسعة بتوزيع مسئولية هذا الإشراف على إدارتين كبيرتين تختص إحداهما بموارد الصعيد وتختص الأخرى بموارد الوجه البحري، أو ما يحتمل من أن ملوك العصر الأوائل حرصوا على أن يحتفظوا للوجه البحري بشخصية اسمية ترضي أهله وتنسيهم أنهم ذابوا في وحدة البلاد الكبيرة، ولهذا أفردوا لهم بيت مال خاص نسبوه إلى اللون الأحمر "رمزًا فيما يحتمل إلى لون تاجهم القديم". أو أن البيتين كان لهما وجودهما المستقل فعلًا قبل توحيد البلاد في بداية عصر الأسرة الأولى، فأبقى الملوك عليهما مراعاة للتقاليد التي حتمت عليهم الاحتفاظ بالتاجين
стр. 103
والانتساب إلى الربتين والشعارين. واعتمدت موارد بيتي المال على تحصيل الضرائب العينية من محاصيل الأرض وإنتاج المصانع وتاج الماشية وجلودها ومحصول المصايد، فضلًا عما كانت الحكومة تستثمره بواسطة رجالها من المحاجر ومناجم النحاس والذهب، وما تتولى أمره من المتاجر الخارجية أو تعود به جيوشها من الأسلاب والمغانم. ثم يتولى البيتان الإنفاق من هذه الموارد على مشروعات الدولة ومشروعات الفرعون ومرتبات الموظفين العينية بناء على توجيهات القصر الملكي لكبار موظفيه بطبيعة الحال.
وقام حكام الأقاليم بدورهم في تنفيذ سياسة حكومتهم المركزية ومشروعاتها، وحمل كل منهم لقب "عج مر" بما يعني معنى القائم على حفر الترع ليؤكد أن إشراف الحاكم على شئون الري والزراعة من أهم ما يتكفلون به ويسألون عنه من أعمال. ولم يكن الإشراف على شئون الري والزراعة من واجبات حكام الأقاليم وحدهم، وإنما حرص الملوك أنفسهم على أن يجعلوه من أولى مهام حكومتهم المركزية "وانظر ص٧٣".
وأشرف رجال البلاط الملكي على إحصاء عام كانوا يجرونه كل عامين، ويخرجون في السفن حين إجرائه ويتنقلون في النيل من إقليم إلى إقليم في موكب عبرت الحوليات عنه باسم موكب حور أو موكب مراكب حور١. كان إحصاء لا زلنا على غير بينة من أمره، فقد يكون إحصاء لمساحات الأراضي المنزرعة وموارد المناجم كما يفهم من نصر في حوليات حجر بالرمو، أو إحصاء للسكان "وممتلكاتهم" كما يظن الأستاذ برستد، أو إحصاء للماشية لتقدير نصيب الدولة منها ومن جلودها، كما نصت على ذلك نصوص الدولة القديمة فيما بعد٢.
وعنيت الحكومة المركزية برصد ارتفاع فيضان النيل عامًا فعامًا، حتى تتخذ الإجراءات المناسبة لمواجهة ارتفاعاته، وتنظيم الانتفاع بمياهه، وحتى تقدر الضرائب الزراعية العينينة على أساس مدى انتفاع الأراضي الزراعية به. ويحتمل أن عملية الرصد الرئيسية كانت تتم على أساس مقياس للنيل يجاور العاصمة منف "وربما في حي الروضة أو في حي مصر العتيقة حاليًا، أي حيث تعاقبت فيما بعد مقاييس النيل في العصور الإسلامية".
وعرف الكاتب المصري القديم بلقب "سش" وكان لقبًا يحمل في طياته معنى المثقف ومعنى من يحسن الكتابة فضلًا عن معنى الموظف، وكان للكتبة دورهم الرئيسي في بيوت المال بما تستدعيه أعمالها من جباية وتسجيل وحساب وتوزيع، وفي القصور الملكية لكتابة الأوامر والرسائل وتسجيل الدخل والخرج فيها، وفي المعابد الكبرى.
ولم يرد النشاط الداخلي إلى جهود الموظفين الإداريين وحدهم، وإنما كان للفنيين والمعماريين أثرهم
стр. 104
في أعمال الإنشاء والتعمير. وقد اتخذ المعماريون ربة راعية سميت "سشات"، وكانت في الوقت نفسه راعية للكتاب والحاسبين، وقيل عنها إنها كانت "أول من خط وحسب". وتدل رعايتها للمعماريين والكتبة والحاسبين على حاجة المنشآت إلى مجهودات هذه الطوائف جميعها.
وتضمنت نصوص العصر ألقابًا مدنية كثيرة أخرى حملها نظار القصور الملكية والسكرتاريون أو المطلعون على الأسرار على حد التعبير المصري القديم، والمشرفون على المزارع والحدائق الحكومية. وذلك إلى جانب ألقاب ومراتب دينية كثيرة جعلت للكهنوت أهمية كبيرة تحت إشراف الدولة ورعاية الفرعون.
واستمتع كبار الموظفين في عصر بداية الأسرات بمكانة لا بأس بها إلى جانب فراعنتهم. وكان أكبر لقب ظهر لهم في نهاية هذا العصر هو لقب "نبي خرنيسو" أي الأول لدى الملك أو الأول بعد الملك. ونم عن ثرائهم ما تركوه من مقابر ضخمة لا زالت أطلاها باقية في سقارة وغيرها. فاحتوت مقبرة "حماكا" أمين أختام الوجه البحري في عهد "دن" رابع ملوك الأسرة الأولى، بسقارة، على اثنتين وأربعين حجرة فوق سطح الأرض وتحتها، وتضمنت من المحتويات ما دلت به على ثراء صاحبها ورفاهية أيامه١ "راجع ص٩٢".
رأينا كيف تمتع ملوك عصر بداية الأسرات بقداسة نظرية واسعة وسلطان سياسي عريض، نمت عنهما ألقابهم وتمجيد كبار موظفيهم لهم. بيد أنه على الرغم من ذلك كله لم تخل عهودهم من خصومات خفية ومنازعات صريحة بين المستحقين للعرش والطامعين فيه، وربما لم تخل من اضطرابات حدودية أيضًا.
فقد شهدت أواخر أيام الأسرة الأولى خصومة أو أكثر من خصومة أسرية في عهود فراعنتها الثلاثة الأواخر: عنجاب وسمرخت وقاي عا. وكانت خصومة نم عنها أن رجال سمرخت أزالوا بإذنه أسماء سلفه عنجاب مما وصلت أيديهم إليه من آثاره وآثار أمه مريت نيت. ثم تعمد رجال قاي عا بدورهم أن يمحوا أسماء سلفه سمرخت من أغلب آثاره٢. وليس من المستبعد أن الملوك الثالثة كانوا إخوة من أمهات مختلفات، أو كانوا ينتمون إلى فروع مختلفة من الأسرة الحاكمة ادعى كل فرع منها أحقيته في العرش دون غيره من الفروع.
ولم تهدأ المطامع على الحكم إلا ببداية عصر الأسرة الثانية التي تسمى أول فراعنتها باسم يؤكد عودة الاستقرار والهدوء في عهده، وهو "حوتب سخموي" الذي يعني "رضي القويان" أو "استقر القويان"، ويرمز إلى رضا الربين القويين حور وست بما انتهت إليه أحوال البلاد في عهد صاحبه.
وافترض الباحثون فيي وإدوارد ماير ونيوبري٣ أن خصومة من نوع آخر حدثت في النصف الأخير من عصر الأسرة الثانية، وكانت فيما رأوا خصومة سياسية دينية تعصبية في آن واحد، شذ فيها الملك بر إبسن عن سنة أسلافه الذين اعتادوا على أن يصوروا الصقر رمز المعبود حور فوق أشكال واجهات القصور التي
стр. 105
تضمنت أسماءهم، وتخلى عن الانتساب إليه، وتعصب للإله ست رب الصعيد القديم، وسمح لرجاله بأن يصوروا ست هذا بتاج الصعيد وصولجانه وبيئة شبه بشرية على أختامه. ويصوروا رمزه فوق صورة قصره عوضًا عن رمز حور، وذلك مما يعني في اعتقاد أولئك الباحثين أنه أراد أن يؤكد للناس أنه وريث ست دون غيره وأنه لا يعترف بالفضل لمن سواه، وأنه تخلى عن الانتساب إلى حور نتيجة لخصومة عنيفة بينه وبين مناطق الدلتا التي تعصب أهلها لربهم القديم حور.
ولا تخلو هذه التخريجات من وجاهة، ولكن نضيف إلى جانبها أننا استشهدنا في كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها، بآثار أخرى متفرقة يمكن إرجاعها إلى عهد بر إبسن نفسه قد توحي بأنه لم يكتف بأن ينتسب في صوره إلى المعبود ست وحده، وإنما انتسب كذلك في أحد أسمائه إلى المعبود حور، ولو لفترة ما من حكمه، ومجد إلى جانبهما إله الشمس أيضًا١ باعتباره أحد من تولوا رعاية عرش البلاد المقدس القديم، ولو أننا لا نستطيع أن نقف بقضية بر إبسن عند هذا الحد، فقد ظلت شبهاتها باقية بعد وفاته، وأرخ رجال خليفته "خع سخم" لأحد أعوام حكمه باسم عام الحرب وإخضاع الدلتا، وصوروا الربة نخابة حامية الصعيد تستقر بساقها اليسرى فوق دائرة تشبه الختم، وتقبض بمخلبها الأيمن على نباتي الصعيد والدلتا متعانقين، وتتقدم بهما إلى اسم الملك الذي حل في المنظر محل صورته ونقش داخل سرخ وقف فوقه صقر يرمز إلى المعبود حور متوجًا بتاج الصعيد؛ دلالة على سيطرته على الوجهين واجتماعهما تحت طاعته وطاعة ربته الحامية٢. وصور أحد فناني هذا الملك على قاعدتي تمثالين صغيرين له أعدادًا من أسراه وقتلاه، وصور معهم نبات البردي الذي يرمز عادة إلى أراضي الدلتا.
وبالجمع بين أطراف هذه المشكلة في عهدي كل من بر إبسن وخع سخم ظهر رأي جديد٣ يمكن أن نرتب من ناحيتنا الجوانب المقبولة منه بأنه حدث في عهد الملك في نثر السابق لعهد بر إبسن والذي حكم ما بين عشرين وثلاثين عامًا وكان مصلحًا، أن هاجمت بعض قبائل سكان الصحراء الغربية أرض الدلتا واحتلوها عنوة، وانفصلوا بها عن الصعيد. فلما أعقبه بر إبسن لم يحكم غير الصعيد، ولكنه اعتزم الكفاح وتسمى باسم "سخم إب" أي الجسور، وتلقب بلقب يعني معنى "الذي خرج للحق" أو معنى "انبعث النظام"، واستمسك في أغلب أحواله برب الصعيد ست باعتباره من أرباب الحرب "وربما استنصر معه من أرباب مصر الكبار الإلهين رع وحور"، واحتفظ لنفسه بلقب نيسو بيتي ولقب نبتي، أي ظل يحتفظ بانتسابه إلى شعار الدلتا وربتها إلى جانب شعار الصعيد وربته٤. ولكنه لم ينته في كفاحه إلى شيء، فخلفه خع سخم واتخذ
стр. 106
ثوب ممثل حور واستنصره، ولم يجد بأسًا في أن يعترف بالأمر الواقع في بداية حكمه، فظهر في تماثيله بتاج الصعيد وحده، وصور رجاله المعبود حور متوجًا بتاج الصعيد تارة وبلقب حور السماء مرة أخرى١. ثم هاجم أراضي الدلتا وقاتل قبائل البدو المسيطرين عليها قتالًا عنيفًا حتى انتصر عليهم في نهاية عهده، وعندما أراد رجاله أن يعبروا عن انتصاره عليهم أشاروا إلى الدلتا باعتبارها الأرض التي كان بدو الحدود الغربية يحتلونها وليس باعتبارها وطنهم الأصيل أو أرض الخصوم الفعليين.
وأخيرًا أكد الفرعون خع سخموي آخر فراعنة الأسرة الثانية إتمام وحدة البلاد في عهده، بأكثر من وسيلة، فصور له رجاله المعبودين حور وست فوق أشكال واجهة القصر التي تضمنت اسمه؛ دلالة على تآلفهما وتأكيدًا لانتسابه إليهما. وتصرف الفنانون في تصويرها عنده بأوضاع مختلفة، فصوروهما متقابلين متقاربين يكاد كل منهما يقبل الآخر دلالة على المحبة بينهما، وصوروهما على هيئة صقرين إشارة إلى أن صورة كل منهما يمكن أن تدل على صورة الآخر، أو إشارة إلى اجتماع شمل حور الصعيد وحور الدلتا مرة أخرى. وقد سجل خع سخموي وحدة الربين والوجهين عن طريق اسمين من أسمائه، وهما: "خع سخموي" الذي يمكن ترجمته بمعنى شع القويان أو تجلي القويان، وقد يكون القويان هما الصعيد والدلتا أو معبوديهما، والاسم الآخر اسم مركب يمكن ترجمته بمعنى "اطمأن السيدان به". والسيدان هنا هما حور وست ربا الصعيد والدلتا٢. غير أنه على الرغم من منطقية القرائن السابقة عن أحداث النصف الثاني من عصر الأسرة الثانية، لا ننكر أن حقيقة الأوضاع فيه لا زالت مشوبة بشيء من الغموض، ولا زالت تتطلب قرائن أثرية جديدة تجلو غموضها.
وعلى أية حال فإنما ننتهي من هذه المشكلات كلها إلى أن الفراعنة الأوائل الذين نسبتهم نصوصهم إلى الأرباب وصوبت لهم قداسة واسعة، لم تخل أيامهم مما يحدث عادة في مختلف الشعوب ومختلف العصور من تنازع أسري وشقاق داخلي ومتاعب قومية. لولا أن أيام ذلك التنازع وهذا الشقاق وتلك المتاعب كانت لحسن الحظ قصيرة وقليلة إذا قورنت بأمثالها في حياة الشعوب القديمة الأخرى. وظلت أيام الاستقرار والسلام والوحدة هي الغالبة، وبلغت البلاد في ظلها بحكامها ومحكوميها ما بلغته من الرقي النسبي في الفكر والمادة، والاتساع النسبي في النشاط الداخلي والخارجي معًا.
стр. 107
في العمران والفكر:
تركزت وجوه النشاط السياسي والديني في عصر بداية الأسرات، في ثلاث مدن كبيرة، وهي نخن وثني وإنب حج١. وسوف نكتفي هنا بالحديث عن "إنب حج" التي اشتهرت فيما بعد باسم "منف"، وسوف نستخدم هذا الاسم الأخير للتعبير عنها فيما يلي نظرًا لشيوعه.
стр. 108
كانت إنب حج أو "منف" ثالثة المدن الكبرى في عصر بداية الأسرات من حيث الزمن، ولكنها ظلت أوفرها مجدًا وأبقاها شهرة. وتعددت الاحتمالات حول ترجمة اسمها الأول إنب حج، فهو قد يعني الجدار الأبيض، أو الحصن الأبيض، أو السور الأبيض، أو الأسوار البيضاء، ويمكن التعبير به عنها كمدينة بألفاظ شعرية، مثل الحوراء١، والحصن الأبلق، ... إلخ. أما اسم منف فكان تحريفًا لاسم "مننفر" الذي جد على المدينة بعد هذا العصر بعدة قرون خلال عصر الأسرة السادسة، وكان يخص هرم الملك ببي الأول القريب منها ويصفه بأنه الأثر الجميل أو الاستقرار الأخير، ثم أطلق فيما بعد على المدينة كلها.
نشأت المدينة قرب منطقة ذات تاريخ حضاري قديم، قامت فيها في فجر التاريخ حضارات حلوان وطرة والمعادي إلى جنوب القاهرة الحالية. ووقعت غربي النيل وكانت تصلها مياه فيضانه، وقامت لها ميناء نهرية لعلها كانت قرب محطة البدرشين وإن بعدت عنها أطلالها المتأخرة في قرية ميت رهينة الحالية بنحو ثلاثة كيلومترات. ودل على تحول أغلب النشاط الإداري إلى منف منذ أوائل عصر بداية الأسرات، ثلاث قرائن، وهي: احتفال ملوك العصر ببعض أعيادهم الرسمية وأعياد أربابهم فيها، وتأكيد نصوص المذهب المنفي في خلق الوجود "انظر ص٨٨" أنها كانت مركزًا رئيسيًّا للفصل في منازعات العرش والفصل في قضايا الأرباب منذ الأزل القديم، ثم وجود عدد كبير من المقابر الضخمة لكبار موظفي عصر بداية الأسرات في جبانتها سقارة، وقد أنشئوها بطبيعة الحال قرب مقر أعمالهم، وامتازت عن هذه المقابر خمس أخرى تحتمل نسبتها إلى ثلاثة ملوك من الأسرة الأولى وملكين من الأسرة الثانية.
وليس من شك في أن العامل الرئيسي في اختيار موقع منف مركزًا للنشاط الحكومي في عصر بداية الأسرات هو توسطها بين النهاية الشمالية للصعيد وبين النهاية الجنوبية للدلتا. وسهولة الإشراف منها على شئون الوجه البحري بخاصة. واستنتج الأستاذ كورت زيته مما ذكرته النصوص الدينية عنها، ومما رواه المؤرخان هيرودوت وديودور بشأنها وسمعاه من المصريين الذين عاصروهما٢، أن أحد فروع النيل كان يطغى على منطقتها فيجعلها كالمستنقع الكبير ويجعلها أرضها أشبه بالجزيرة الطافية أو الأرض الناهضة التي سميت "تاثنن" في النصوص المصرية القديمة. فعمد أول ملوك العصر، أو عمد مهندسوه وعماله بمعنى أصح، إلى تحويل فرع النيل عنها ناحية الغرب، ثم شقوا قناة أخرى عن قرب منها ناحية الشمال، وبذلك جفت منطقتها، وتوفرت لها حماية طبيعية مناسبة، فأصبح النيل يحميها من الشرق وفرعه يحميها من الغرب والقناة الجديدة تحميها من الشمال, ولم يكتف منشئ المدينة لها بالحماية الطبيعية وحدها، وإنما سورت بسور أو أسوار كبيرة أحاطتها من كل جانب فيما خلا ناحية الجنوب التي واجهت الصعيد، فقد ظلت مفتوحة. ويمكن تعليل تحصينها حينذاك بأحد غرضين، فهو قد يكون مجرد إجراء عادي لتعيين حدودها وتمييزها
стр. 109
عن المجتمع الريفي المحيط بها، شأنها في ذلك شأن غيرها من المدن الرئيسية في عصرها، أو يكون تحصينًا مقصودًا لذاته، جعله أوائل ملوك الأسرة الأولى ضمانًا لأمن العاصمة من الانتقاضات المحتملة من الوجه البحري الذي كان قد أدمج لتوه في الوحدة السياسية الجديدة تحت زعامة ملوك من الصعيد.
ونسب المصريون الألوهية الكبرى في منف إلى بتاح، وكان من أوائل المعبودات التي صورت بصورة بشرية منذ ما قبل عصر بداية الأسرات، وظل محتفظًا بها حتى نهاية عصور التاريخ المصري القديم. وكان يشاركه شهرته في مدينته معبود آخر وهو "سكر" الذي اعتبره أتباعه من رعاة الحرث والزراعة وتوهموه يسكن تحت الأرض فأصبح من ثم راعيًا كذلك لمن يسكنون تحتها في منطقته وهم الموتى، وكان له مزاره في جبانة سقارة التي سميت باسمه.
وضرب فقهاء المدينة بسهم وافر في رقي الفكر والعقيدة، وصور هذا الرقي نص لوحة حجرية عرفت اصطلاحًا باسم لوحة شاباكا، وهي لوحة نقش نصها خلال عصر الأسرة الخامسة والعشرين في نهاية القرن الثامن ق. م. وجدد كاتبها بإذن ملكه شاباكا نصًّا قديمًا كتبه أصحابه على الجلد أو البردي وأوشكت الأرضة أن تأتي عليه، وكان نصًّا تضمن مذهب مفكري منف في نشأة الوجود، وعرف اصطلاحًا تبعًا لذلك باسم المذهب المنفي. وربما تجدد كتابته عدة مرات منذ بداية الأسرات حتى ما قبل عهد شاباكا، وإن لم يعثر بعد للأسف على أي من نسخه القديمة.
وود زعماء منف أن يكفلوا لمدينتهم زعامة الفكر والدين والأدب إلى جانب ما توافر لها من زعامة الإدارة والسياسة، وابتغوا أن يقنعوا الناس بأنه كان لإله مدينتهم الأثر الأصيل القديم في نشأة الوجود والموجودات، وهو الإله بتاح الذي قد يعني اسمه معنى الصانع أو الخلاق، ولقبوه بلقب "تاثنن" بمعنى "رب" الأرض العالية أو الناهضة. فأدلوا برأيهم في منافسة وتعديل مذهب الخلق القديم الذي نادت به مدينة أونو المجاورة لمدينتهم، والذي تحدث علماؤها فيه عن ماض بعيد لم تكن فيه أرض ولا سماء ولا بشر، وما من دودة أو علقة، وما من حس أو حسيس، وما من موت أو حياة، وما من نزاع أو خصام، وإنما خضم مائي أزلي واسع حوى بين طياته عنصر الحياة لكل شيء، وهو "نون" الذي خرج منه الإله الخالق أتوم ثم تعاقب بعده بقية التاسوع المقدس "راجع ص٦٥".
وتدبر مفكرو منف عقائد أخرى تتصل بديانة عصرهم وسياسته، ثم خرجوا على الناس بمذهب جديد يصطبغ بالمعنوية أكثر مما يصطبغ بالمادية، وجعلوا صلبه الدين وأكسبوه إهاب التاريخ. وردوا فيه خلق الوجود وما احتواه إلى قدرة عاقلة مدبرة آمرة، وتمثلوا هذه القدرة العاقلة الآمرة في إلههم بتاح، وأكدوا أنه أوجد نفسه بنفسه، وأبدع الكون ومعبوداته وناسه وحيواناته وديدانه عن قصد منه ورغبة، وأن سبيله إلى الخلق كله كان هو سبيل القلب واللسان. أي الفكر والكلمة، فكرة تدبرها قلبه أو عقله وأصدرها لسانه فكان من أمر الخلق ما كان. وكان لفظ القلب يعني عندهم ما يشمله مثله في اللغة العربية من معاني العقل والفكر والإرادة والضمير، كما عنى لفظ اللسان معنى أداة النطق والأمر والكلام. وأكدوا أنه عن
стр. 110
سبيل القلب واللسان، أو الفكر والكلمة، بدأ سعي الأرجل وحركات الأذرع وخلجات الأعضاء، وصدرت الشرائع وتهيأت الموارد وتعينت العبادات، وحق الأمان لأهل السلام وحق العقاب على أهل الآثام١. وهكذا اتجهوا بفكرة الخالق والخلق في مذهبهم إلى التجريد والمعنوية وعدلوا بها عن مادية التجسيد في مذهب عين شمس، وأوشكوا أن يرهصوا ببعض ما أكدته الكتب السماوية، حين ردوا الخلق إلى القلب واللسان بمعنى الإرادة والأمر، واقتربوا بذلك من قول التنزيل الحكيم ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولم يعتبروا ربهم خالقًا فحسب وإنما اعتبروه مشرعًا وعادلًا أيضًا. ولم يفسد عليهم سمو تفكيرهم إلاأنهم اعترفوا بوجود أرباب كثيرين إلى جانبه وبرروا ذلك بأنه خلقهم من نفسه وتعهدهم وأمر بعبادتهم والاهتمام بمعابدهم باعتبارهم صورًا منه أو أقانيم له. وإن كان الحقيقة أنهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا مما ألفه أسلافهم وورثوه عنهم من عبادتهم.
حفلت مدن عصر بداية الأسرات بعمرانها، وتمثلت قرائن هذا العمران فيما ذكرناه عن أطلال أسوارها وحصونها ومعابدها، كما تمثلت في رسول ونقوش مختصرة صورها أهل العصر على آثارهم الصغيرة، ورمزوا ببعضها إلى واجهات قصور ملوكهم وواجهات أسوارها. وكانت قصورًا كبيرة فخمة، شيدت من اللبن، واستخدم الحجر فيها على نطاق ضيق لإقامة أعتاب الأبواب وأكتافها وللأعمدة. وتعاقبت في أسوارها دخلات عميقة "تسمى اصطلاحًا باسم المشكاوات" تمتد رأسيًّا بارتفاع جدرانها وتتعاقب على جوانب الأبواب، وتبعد كل دخلة منها عن الدخلة التي تليها بمسافة متساوية. وكان الهدف منها أن تقلل حدة الاستقامة في واجهات الأسوار المتسعة، وإذا لونت جوانبها وسطوحها الداخلية وزخرفت برسوم النباتات والزهور احتفظت بألوانها أطول مدة ممكنة وخلعت على مبناها صورة بهيجة مستحبة. ومن المحتمل أن الحراس كانوا يستظلون فيها من الشمس ويحتمون فيها من برد الليل حين الضرورة. وتوسط واجهة كل قصر من هذه القصور مدخلان يرمز أحدهما إلى الصعيد ويرمز الآخر إلى الدلتا؛ أو ثلاثة مداخل: مدخل ملكي رئيسي واسع ومدخلان صغيران على جانبيه٢.
ويغلب على الظن أن مباني قصور الأمراء وكبار الموظفين، كانت على شيء قريب من فخامة قصور الفراعنة، أو على الأقل لم تكن تقل فخامة وضخامة عن مباني قبور أصحابها التي لا تزال أطلالها باقية. ويبدو أن جدران حجراتها الرئيسية كانت تكسى من الداخل بالحصير الملون الفاخر الذي يقوم مقام الستائر أو