وليس من اليسير كذلك أن نفترض، كما ذهب شارف، أن كل من حشدوا لبناء الهرم كانوا يهللون لما جمعوا له باسم الدين وتأليه الفرعون كما يقول، وأكثرهم من الفقراء الكادحين في سبيل لقمة العيش. وليس من اليسير أخيرًا أن نجعل القسوة أو السخرة علمًا على سلطان الفراعنة المصريين على الإطلاق ودون استثناء، كما ذهب أصحاب الرأي الثالث لمجرد ضخامة آثارهم. ونرى أنه من الأفضل أن نتصور للقضية كل أطرافها المحتملة على ضوء من الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والروحية التي عاش في ظلها صاحب الهرم والقائمون على تشييد الهرم.
فقد اعتمد مصر القديمة في أغلب حياتها الزراعية على دورة زراعية سنوية رئيسية واحدة كانت تؤدي إلى تعطل المزارعين عدة شهور من كل عام. وفي هذه الشهور، أو في البعض منها، اعتاد الحكام أن يعملوا على تجميع أعداد كبيرة من عمال الأرض وزراعها؛ ليقوموا بخدمة مشاريع الحكومة العامة ومنشآت الفرعون الخاصة أساسًا، ثم ليتكسبوا من العمل في هذه المشاريع والمنشآت مورد رزق مناسب لهم في مواسم تعطلهم عن العمل ضمنًا "وذلك إلى جانب الصناع الفنيين الدائمين". وأشار المؤرخون الإغريق الذين زاروا مصر في أواخر عصورها القديمة إلى مثل هذا الوضع. فذكروا أنهم سمعوا أن العمل في الهرم كان يجري "وعلى الأصح كان يشتد" في مواسم الفيضان بخاصة، وفي مواسم التعطل عن الزراعة كل عام. وترتب على ذلك فيما رووه أن بناء الهرم الأكبر وتوابعه قد استغرق نحو عشرين عامًا ولم يتم في وقت قصير.
واعترفنا من قبل بأنه توفر للفراعنة المصريين نظام من الحكم المطلق أتاح لهم إشرافًا واسعًا وهيمنة كبيرة على موارد البلاد وإمكانياتها المادية والبشرية، ونضيف إلى ذلك أن نفس هذا النظام من الحكم أتاح لحكوماتهم سلطانًا إداريًّا واسعًا، وجعل لها الحق في أن تكلف من تشاء من القادرين على العمل من السكان، بالعمل في مشروعاتها ومشروعات الفراعنة الدنيوية والدينية، حيثما أرادت وهو تكليف "أو تسخير" لم يكن يُعفى منه فيما يرجح غير طوائف المتعلمين من موظفي الدولة وكهنة المعابد الكبار وربما كبار أعيان المدن والقرى أيضًا.
وإلى جانب السيطرة السياسية والاقتصادية والإدارية الواسعة التي توافرت للفراعنة وحكوماتهم، استحب الفراعنة لأنفسهم، وأكد لهم أشياعهم، قدرًا كبيرًا من القداسة الروحية والسيادة الدينية على رعاياهم "وإن لم يصل هذا القدر إلى حد التأله الصريح". فالفرعون رأس الحكومة، كان يعتبر بالتالي رأس الديانة ووريث الأرباب. وكان فيما صورته مذاهب الدين يعتبر من المتحكمين في شئون الآخرة والمهيمنين على مصائر أهلها. وآزر رجال الحاشية والكهان فراعنتهم فيما ادعوه لأنفسهم من قداسة وسيادة، ورددوه في نصوصهم الدنيوية والدينية مرارًا وتكرارًا. فآمنت بهذا الذي ادعاه الفراعنة والكهان وأهل البلاط عهود، وكفرت به عهود أخرى. وسلمت بصحته طوائف وتجاهلته طوائف عداها. غير أن الفراعنة استطاعوا في أغلب أحوالهم أن يستغلوا سلطانهم الديني والروحي التقليدي أوسع استغلال واستطاعوا أن يوجهوه لتنفيذ رغائبهم وإقامة منشآتهم. وليس من المستبعد أن الكهان كانوا يتعمدون في مواعظهم أن ييسروا على الكادحين
стр. 142
في سبيل تحصيل الرزق شقاءهم. ويخففوا عن المكلفين بمشروعات الفرعون متاعبهم، بشيء من الأمل فيما ينتظرهم في الآخرة من الشفاعة والرضا وحسن الجزاء من فراعنتهم الذين أوهموهم أنهم سوف يتحكمون في شئون الحياة الثانية كما تحكموا في شئون الحياة الدنيا سواء بسواء.
ولكن ألم يكن أولى بفراعنة البلاد أن يعملوا على توجيه الجهود التي بذلها رعاياهم في تشييد أهرامهم ومعابدها إلى أنواع عمرانية أخرى يعم نفعها على جمهرة شعبهم؟ ليس من شك في أننا لو حكمنا منطق عصرنا الحالي، لأجبنا بالإيجاب، وأن ذلك كان أولى بهم وأنفع لشعبهم فعلًا. ولكن علينا أن نعترف من ناحية أخرى أنه كان للدولة مشاريعها لعمرانية العامة فعلًا وهي ما كلفت لها الثراء العريض، وأن نقدر من ناحية أخرى أن لكل عصر منطقه، وأن المبادئ التي يتبينها أو يعتنقها عصر معين ليس من الضروري أن يتبينها عصر آخر أو يسلم بها. ثم إنه ليس أيسر على أنصار الحاكم في كل مجتمع وكل زمان من أن يقنعوا أنفسهم أو يخدعوا أنفسهم ويخدعوا الناس معهم، بأن حاكمهم يعتبر دائمًا رمزًا لشعبه، وأنه ما من بأس في أن تبذل الدولة والشعب في سبيله كل مرتخص وغال، وأنه سوف يرفع من سمعة أهل عهده أن يشيدوا له آثارًا تفوق ما شيده أسلافهم لسلفه، ويرفع ذكرهم كذلك أن تتعجب الأجيال التالية لعهدهم مما أنفقوا جهودهم في تشييده والارتفاع ببنيانه. والواقع أنه إذا كان لكل طائفة من الحكام آفة، وكان من آفة حكام آشور والفرس القدماء مثلًا حب البطش والنهم إلى الجبروت، وكان من أمر الحكام الرومان الأقدمين مثل أمرهم من القسوة والفساد، وكان من آفة حكام العصور الوسطى الشرقيين بذل جانب كبير من موارد أممهم وبيوت أموالها في سبيل بناء القصور وحياة الاستمتاع ومدائح الشعراء، فقد كان من آفة الفراعنة المصريين أنهم وجهوا جانبًا كبيرًا من موارد أرضهم إلى صالح المعابد والتماثيل والأهرام فضلًا عن القصور، وابتغوا بذلك تكريم الأرباب، ونعيم الآخرة، واستمالة الكهان، وحسن الثواب، وأن يظهروا في سمات التقوى والصلاح، كما ابتغوا به الجري وراء التقليد وخلود الذكر والتفاخر فيما بينهم في أغلب الأحيان.
ومهما يكن من أمر، فقد اشترك آلاف العمال والصناع فعلًا في بناء هرم خوفو وبناء معبديه وملحقاته، سواء عن رغبة في تحصيل الرزق، أو بناء على تكليف "أو تسخير" من الحكومة، أو طاعة منهم للفرعون ذي القداسة التقليدية في الدنيا، أو تصديقًا لما أوهمهم الكهان به عما ينتظرهم منه في الآخرة من الشفاعة وحسن الجزاء، ولكن كيف كانوا يعاملون؟ وهل كانوا يؤجرون؟
ليس من آثار أو نصوص باقية لخوفو بالذات تكشف عن طريقة معاملة رجاله لعماله، ولكن يمكن أن نستشهد في سياق ذلك عن طريق غير مباشر بما عرفناه عن تخصيص شون للغلال في مجموعة زوسر بسقارة لتموين العمال وقت بناء الهرم ثم تموين الكهنة بعد بنائه، وما سوف نذكره عن تخصيص عدد من المساكن للعمال بجوار هرم خفرع لإيوائهم عوضًا عن تركهم يبيتون في العراء. وقد تخلفت نصوص لأثرياء من عصر الأسرة الرابعة نفسها وأثرياء عهود مختلفة أخرى بعدها من الدولة القديمة، تعمد أصحابها أن يصوروا بها الظروف التي شيدوا فيها مقابرهم، والأساليب التي عاملوا بها من استأجروهم فيها، فقال رجل
стр. 143
من عصر الأسرة الرابعة: "كل صانع عمل في مقبرتي أرضيته". وردد آخرون في نصوصهم قولهم: "أنفقت على قبري هذا من متاعي الحلال، ولم يحدث إطلاقًا أني اغتصبت متاع شخص ما". وقال غيرهم في نصوصهم: "أرضيت كل الصناع الذين أتموا لي عملًا في هذا القبر بالطعام والشراب وكل شيء طيب". وقال بعض من تولوا رياسة الأتباع والصناع: "لم أضرب إنسانًا وقع تحت يدي، ولم أستعبد أحدًا في العمل"١. وليس من شك في أن أمثال هذه الأقوال لا تخلو من مبالغات يستقبل الشخص بها حياته الأخرى، ولكن ليس من شك كذلك في أنها لا تخلو من إثارات صدق، وأنها تدل على وجود وازع ديني كان يدعو الأثرياء إلى حسن معاملة الأتباع والأجراء واكتساب الصيت الطيب من وراء ذلك.
فهل كان الفراعنة بدورهم ينفقون على دور أخراهم، أي أهرامهم ومعابدها بسخاء ومن متاع حلال؟ وهل كانوا يعملون عن طريق ممثليهم من رؤساء العمل على إرضاء من يعملون في أهرامهم ويحرصون على إحسان معاملتهم، مثل رعاياهم الأتقياء الأغنياء؟ ذلك أمر لا نستطيع أن نؤكد جوابًا معينًا بشأنه، في ضوء النصوص المعرفة حتى الآن، ولكن يمكن أن نشير من ناحية أخرى إلى أن النصوص الدينية التي سجلت في أهرام الفراعنة منذ نهاية عصر الأسرة الخامسة وعرفت باسم متون الأهرام قد ألمحت مرات إلى أن الفرعون إنما كان يندمج بين أرباب الآخرة وحكامها على أساس ما يثبت عن قيامه بالعدل في أرضه ودنياه وعمله على صوالح رعاياه٢.
كان هرم خوفو جزءًا من مجموعة معمارية واسعة، خدمت صاحبها وخدمت فن العمارة وخدمت عقائد الدين، وكان من الضروري أن يتناسق كل عنصر فيها مع بقية العناصر، ويكمل كل جزء منها بقية الأجزاء. وتألفت هذه المجموعة من نفس العناصر الرئيسية التي تألفت منها مجموعة أبيه في دهشور، أي من معبد الشعائر ومعبد الوادي والطريق الواصل بينهما، فضلًا عن عناصر أخرى فرعية، مثل هرم صغير إلى الجنوب الشرقي من الهرم الأكبر. لا يزال غرضه غير معروف حتى الآن، وسور كبير يحيط بالهرم وتوابعه القريبة، وعدة أهرام لزوجات الملك، وعدد من مقابر كبار رجال المملكة حرص أصحابها على أن يدفنوا حول هرم فرعونهم؛ تقربًا منه، وإرضاء لولي عهده، ودلالة على ولائهم والتفافهم حوله، ورغبة منهم في أن يبعثوا في معيته في الحياة الثانية على نحو ما كانوا في معيته في الحياة الأولى، ورغبة منهم في انتفاع موائد قرابينهم بخيرات المعبدين الملحقين بهرمه. ورغبة منهم كذلك في انتفاع مقابرهم بحالة الأمن والعمران التي كانت تكفلها كثرة الحراس والكهان والأتباع الذين يعيشون حول هرمه ويعملون في معبديه.
وخضعت مصاطب كبار رجال الدولة حول الهرم لتخطيط مرسوم، فخصص شرقي الهرم لمصاطب
стр. 144
الأمراء، وغريبه لمصاطب كبار الموظفين "فيما خلا استثناءات قليلة". وشيدت أغلب هذه المصاطب على نسق متشابه، ورتبت في صفوف تفصل بينها طرقات مستقيمة، وتجمعت على جانبي الهرم ومن تحته، فزادت من جلاله وأكدت ضخامته وجبروته، حتى بدا الهرم بينها وكأنه يشرف عليها من عل كما كان صاحبه يشرف على أصحابها في دنياه من عل. وشاد عظماء الأسرة الرابعة مصاطبهم من الحجر لأول مرة بعد أن كان أسلافهم يشيدونها من اللبن خلال عصور الأسرات الثلاث الأولى، وشادوها صماء لا فراغ فيها إلا فتحة من أعلاها تخترق وسطها وتخترق الأرض من تحتها حتى تصل إلى حجرة الدفن في باطن الصخر. وكان المعماريون يكسون جدران حجرة الدفن الصخرية أحيانًا بألواح من الحجر الجيري الأبيض ويلونونها بنقط حمراء ليقلدوا بها هيئة الجرانيت في مدافن ملوكهم. وألحقوا بالواجهة الشرقية لكل مصطبة مقصورة للقرابين ينتفع الزائرون بها في المواسم والأعياد ويقدمون القرابين فيها باسم المتوفى، ويدخلها الكاهن ليرتل دعواته وتعاويذه لمصلحة صاحبها. وكانوا يثبتون في صدر جدارها الداخلي لوحة صغيرة مستطيلة من الحجر الجيري تنقش عليها هيئة المتوفى جالسًا أمام مائدته، وينقش حوله اسمه وألقابه وأنواع القرابين التي يرجو أن تتوافر له في حياته الثانية. وتعتبر نقوش هذه اللوحات من أروع مظاهر الإنتاج الفني في عهد خوفو. وكانوا يضعون على سطح الأرض أسفل اللوحة مائدة للقرابين، يقوم على جانبيها قائمان من الفخار تعلو كلًّا منهما مبخرة لحرق البخور.
ولعل أقرب ما لفت الأنظار من آثار خوفو في السنوات الماضية، هي مراكبه. فقد عثر له حتى الآن على خمسة مواضع لمراكب، ثلاثة منها تقع إلى الشرق من هرمه، وقد نزعت منها مراكبها الخشبية أو بطانتها الخشبية في عصور سابقة، واقتصرت في حالتها الراهنة على مجرد حفر طويلة عميقة نحتت في الصخر على هيئة المراكب، وتتجه اثنتان منها اتجاهًا موازيًا للضلع الشرقي للهرم بين الشمال والجنوب، وتتعامد الثلاثة على هذا الضلع بين الشرق والغرب. ثم عثر له في عام ١٩٥٤ على موضعين جديدين لمركبين كبيرتين منحوتتين في الصخر على جنوب هرمه. وتم كشف أحد الموضوعين بالفعل ولا زال الآخر مغطى بسقفه الحجري المحكم حتى الآن. ووجدت في الموضع المكتشف ألواح كثيرة لمركب خشبية، لم يبلغ طولها ٤٣.٢٠ من الأمتار ويبلغ أكبر عرض لها نحو ستة أمتار، وقد فككت أجزاؤها ورتبت إلى حد ما مع بعضها البعض بحيث يسهل تجميعها، ووضعت معها مجاذيفها وحبالها وجوانب مقاصيرها "أو كبائنها" وأساطينها الخشبية التي شكلت تيجانها على هيئة سعف النخيل وزهور اللوتس. وذهب الرأي في حينها على تسمية مركب خوفو هذه وأخواتها، باسم مراكب الشمس، والربط بينها وبين رحلتين يقوم إله الشمس بهما كل يوم ويصحب الفرعون معه فيهما، رحلة يجوب بها سماء الدنيا بالنهار، وأخرى يجوب سماء العالم السفلي فيها بالليل. ولكن صعب تأكيد هذه التسمية لعدة أسباب، أهمها سببان وهما: أن أشكال الحفر التي نحتت لمراكب خوفو أشكال متباينة تختلف من واحدة إلى أخرى، وذلك مما يخالف القول بأن مراكبها كانت تخدم غرضًا واحدًا وهو رحلة الملك مع إله الشمس في سماء الدنيا أو سماء الآخرة. وأن المراكب التقليدية التي صورتها المناظر
стр. 145
المصرية لرحلة إله الشمس، تمتاز عادة برموز خاصة، لم يعثر على واحد منها في المركب التي كشف عنها، على الرغم من أن أجزاءها وجدت كاملة كلها. ولهذا افترضت عدة احتمالات لأغراض هذه المراكب، وهي: أن واحدة منها على الأقل استخدمت في نقل جثة خوفو بعد وفاته، من قصره إلى قرب هرمه، ثم وضعت في حفرتها وغطيت بأحجارها. ولعل المراكب الباقيات كان شأنها شأن غيرها من الأثاث الفاخر الذي اعتاد المصريون على أن ينتفعوا به في دنياهم ثم يضعوه في مقابرهم أو أهرامهم لينتفعوا به في العالم الآخر، لولا أن ضخامتها، أي ضخامة المراكب، حالت دون وضعها مع بقية الأثاث داخل الهرم نفسه، فوضعت حوله. ومن المحتمل كذلك أن خوفو استخدم بقية مراكبه في حياته في مناسبات دينية ورسمية، ومن هذه المناسبات مناسبة تتويجه "وكانت بعض مراسيم التتويج تجري على السفن فعلا"، ومناسبات تردده على معابد الأرباب الكبار في طول البلاد وعرضها، وزياراته لمدن الحج المقدسة القديمة، فضلًا عن جولاته الإدراية التي كان يقوم بها بين مراكز القطر من حين إلى حين على متن النيل، وذلك إلى جانب رحلاته الفردية والأسرية الخاصة.
كان الاسم الكامل لخوفو هو "خنوم خوفوي" كما ذكرنا، وهو اسم يعني "خنوم يحميني" "أو يرعاني" ويدل على الإيمان بحاجة الملك خوفو إلى معبود أكثر قدرة منه يرعاه ويحميه، وقد يكون هذا الإيمان إيمان أبويه اللذين سمياه باسمه، ولكن ليس من المستبعد أن يكون خوفو قد آمن كذلك بمثله. وصور أديب مصري الجانب الإنساني من خوفو في قصة شعبية نتخيله فيها يسامر أولادة ويستمع إلى قصصهم ويحترم العلماء ويجهل بعض ما يعرفه عالم من أهل عهده "راجع فصل الأدب".
هزات مؤقته – في عهد جد فرع:
رتب خوفو أمره على أن يخلفه ولده الأكبر "كاوعب" على عرشه، ويبدو أنه نشأه تنشئة طيبة شجعته على أن يظهر في بعض تماثيله على هيئة الكاتب العالم، وكانت هي المرة الأولى فيما نعلم، التي ظهر فيها أمير عظيم متربعًا على هيئة الكُتَّاب١. غير أن كاوعب هذا مات قبل وفاة أبيه بقليل بعد أن بلغ مبلغ الرجال، وكانت وفاته فاتحة لانقسام الأسرة الحاكمة إلى فروع، تربص كل فرع منها بفرع آخر وحاول أن يستأثر بالحكم دونه. وكانت هذه الفروع ثلاثة: فرع أبناء الزوجة الرئيسية أم كاوعب وبقي منه أميران صغيران لم يستطيعا الوصول إلى العرش أو المطالبة به، وهما جدف حور "أو ددف حور أو حور ددف" وباوفرع، وفرعًا من زوجة ثانية ترأسه جد فرع، ثم فرعًا من زوجة ثالثة ترأسه خفرع٢. واستطاع جد فرع أن يبلغ العرش بعد أبيه ووفى لذكراه فأشرف على شعائره حين دفنه ووجد اسمه مسجلًا على سقف مركبه. إلا أنه لم يكن كذلك بالنسبة لأغلب أمراء أسرته، فاكتفى بأن تزوج من أرملة أخيه
стр. 146
هزات مؤقتة في عهد جدف رع
...
هزات مؤقته في عهد جد فرع:
رتب خوفو أمره على أن يخلفه ولده الأكبر "كاوعب" على عرشه، ويبدو أنه نشأه تنشئة طيبة شجعته على أن يظهر في بعض تماثيله على هيئة الكاتب العالم، وكانت هي المرة الأولى فيما نعلم، التي ظهر فيها أمير عظيم متربعًا على هيئة الكُتَّاب١. غير أن كاوعب هذا مات قبل وفاة أبيه بقليل بعد أن بلغ مبلغ الرجال، وكانت وفاته فاتحة لانقسام الأسرة الحاكمة إلى فروع، تربص كل فرع منها بفرع آخر وحاول أن يستأثر بالحكم دونه. وكانت هذه الفروع ثلاثة: فرع أبناء الزوجة الرئيسية أم كاوعب وبقي منه أميران صغيران لم يستطيعا الوصول إلى العرش أو المطالبة به، وهما جدف حور "أو ددف حور أو حور ددف" وباوفرع، وفرعًا من زوجة ثانية ترأسه جد فرع، ثم فرعًا من زوجة ثالثة ترأسه خفرع٢. واستطاع جد فرع أن يبلغ العرش بعد أبيه ووفى لذكراه فأشرف على شعائره حين دفنه ووجد اسمه مسجلًا على سقف مركبه. إلا أنه لم يكن كذلك بالنسبة لأغلب أمراء أسرته، فاكتفى بأن تزوج من أرملة أخيه
стр. 147
ولي العهد القديم كاوعب ليزكي حقه في العرش عن طريقها ويضمها إلى صفه، واصطفى بعض أمراء أسرته دون بعض آخر، وتعمد أن يبتعد بهرمه عن منطقة الجيزة بما تتضمنه من مقابر الأمراء الكبار الذين لم يرض عنهم، وشاد هرمه ومعبديه إلى الشمال الغربي منها بنحو ثمانية كيلومترات في منطقة أبو رواش١ وتبعه في ذلك أنصاره وأفراد حاشيته، وشرعوا في تشييد مقابرهم حول هرمه. وسرى الإهمال في منطقة الجيزة بضع سنين، واضطر أمراؤها إلى وقف العمل في مقابرهم بعد أن شرعوا في توسيعها ونقش جدرانها في أواخر عهد أبيه، وأتموا بناء مقاصيرها على عجل باللبن والدبش وليس بالججر الكبير٢.
شغل هرم جد فرع مساحة تقل عن نصف المساحة التي قام عليه هرم أبيه م ولم يبق من جزئه العلوي غير القليل، وربما كان مكسوًّا كله بأحجار الجرانيت. وانصرف المهندس في حفر جزئه المنحوت في باطن الأرض عن أسلوب الأسرة الرابعة وعاد به إلى أسلوب الأسرة الثالثة فحفره على هيئة خندق مكشوف وبئر عمودية. وشاد معبد شعائره إلى شرقه كالعادة ولكنه بنى بعض أجزائه باللبن. وجعل الطريق الصاعد إلى شماله وليس إلى شرقه ومده نحو كيلو متر ونصف. ويغلب على الظن أن هذه التعديلات رجعت إلى طبيعة سطح الهضبة التي شيد الهرم وتوابعه عليها. وإن كان إدواردز قد أضاف احتمالًا آخر وهو رغبة جد فرع في الانصراف عن طراز الهرم الكامل إلى طراز الهرم المدرج مخاصمة منه للكهنة أنصار عقيدة الهرم الأول وإرضاء للكهنة أنصار عقيدة الهرم الثاني بعد أن ساعدوه على بلوغ العرش دون إخوته. ولكن ليس من أساس قوي لقبول هذا الرأي.
لم يطل حكم جد فرع أكثر من ثمان سنين، غير أنه يبدو أن عهده لم يكن خاملًا كل الخمول، وإنما استمر نشاط الفن خلاله ماضيًا قدمًا في طريقه. ونحت له الفنانون عدة تماثيل رائعة أظهروا فيها ملامح وجهه بأسلوب واقعي صارم حزين٣, وابتدعوا في عهده. فيما يظن، أول نموذج لتماثيل أبو الهول برأس إنسان وجسم أسد رابض. وظهر وجه هذا النموذج دقيق التقاطيع ملونًا بلون أصفر وبغير لحية، ولهذا افترض Vcn W. Federn أنه وجه أنثى. وافترض يواقيم شبيجل أنه يمثل العدالة ماعت ولا يمثل الملك بالذات ويبدو أن جد فرع تعهد أولاده بتربية طيبة سمحت لهم بأن يظهروا في تماثيلهم على هيئة الكُتَّاب والقراء في ساحة معبده٤، ولكنهم ظلوا بعيدين عن الحكم في عهود خلفائه حتى قدر لأمير من فرعهم أن يعتلي العرش في بداية عصر الأسرة الخامسة وأن يجمع شمل الفروع المتناحرة من بقية أسرته "راجع ص١٣٠".
стр. 148
آثار عهد خفرع:
تولى العرش بعد جد فرع أخوه خفرع "حرفيًّا: خعفرع"١، في ظروف غير معروفة، وأعاد للجيزة أهميتها، وأعاد لبقية أفراد الأسرة الحاكمة مكانتهم، وربما ضمن ولاء أسرة أخيه كاوعب ولي العهد القديم بأن تزوج ابنته. وطال عهده خمسة وعشرين عامًا أو تزيد، ولكننا لا ندري للأسف عما تم في عهده من مشاريع عمرانية أو جهود حربية غير النادر القليل، ولا ندري معها غير أمرين، وهما أن لقبًا ملكيًّا جديدًا تأكد ظهوره في عهده، وأن آثار العمارة والنحت التي تخلفت من أيامه تشهد بأن الفن خطا في ظل سلام عهده خطوات واسعة لا تقل عن الخطوات التي مر بها في عهد أبيه وعهد جده. فقد تلقب خفرع بلقب "سا رع" أي ابن رع، وكانت من المرات الأولى التي يصرح فرعون فيها ببنوته للإله رع إله الشمس، ثم أصبحت سنة ثابتة بعد عهده، واكتملت بها ديباجة الألقاب الملكية الخمسة. وكان للفرعون هدفان من لقبه الجديد أحدهما هو مسايرة مذهب الشمس في نشاطه الواضح السافر الممتد حتى عهده، وهي مسايرة بدأها الملوك منذ عصر الأسرة الثانية وفي أوائل عصر الأسرة الثالثة، وربنا سايرها كذلك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة حين شاد رجاله معبد شعائر أبيه إلى الشرق من هرميهما بدلًا من ناحية الشمال التي شاد ملوك الأسرة الثالثة معابدهم فيها. ثم استمر خوفو على هذه السياسة حين سمى ثلاثة من أبنائه على أقل تقدير بأسماء يتداخل فيها اسم رع، وهم: جد فرع، وباو فرع، وخفرع. أما الهدف الثاني من اللقب الجديد فهو رغبة الفرعون في التدليل على أنه يعتلي العرش بناء على بنوته للإله رع صاحب العرش المقدس القديم وبتفويض منه٢، كما تروي الأساطير الدينية، وربما عن رغبة منه كذلك في أن يتبرك باسمه وأن يكتب له دوام مثل دوامه ولو خلال حياته الثانية٣.
تألفت أهم آثار العمارة الباقية من عهد خفرع، من هرمه ومعبديه والطريق الواصل بينهما. ويقل هرم خفرع عن هرم أبيه من حيث الضخامة والارتفاع حيث بلغ ارتفاعه ١٣٦ مترًا وبلغ ارتفاع هرم أبيه ١٤٦ مترًا أو أقل قليلًا. وبلغ طول ضلعه ٢١٠ من الأمتار وبلغ طول ضلغ هرم أبيه ٢١٥ مترًا ونصف المتر، ولكن مهندس هرم خفرع شاده على جانب من هضبة الجيزة أكثر ارتفاعًا بقليل من الجانب الذي بنى عليه هرم أبيه فعوضه بعض الشيء عن قلة ارتفاعه عنه. وسماه صاحبه أو سماه كهنته "ور خفرع" بمعنى عظيم خفرع أو جلال خفرع. ويمتاز الهرم في حالته الراهنة باحتفاظ قاعدته بكساء من حجر الجرانيت، واحتفاظ قمته بأجزاء من ألواح الحجر الجيري الأبيض الصخمة التي كانت تكسوه.
تبدأ ملحقات الهرم بمعبد الوادي، وهو معبد ضخم يعتبر أكمل معبد من عصره وجد حتى الآن، ولهذا نتخذ وصفه نموذجًا لأمثاله. وقد شيد من أحجار هضبة الجيزة، وارتفعت واجهته نحو ثلاثة عشر مترًا
стр. 149
وكسيت بألواح صخمة سميكة من الجرانيت، وهي ظاهرة لا تقتصر أهميتها على الدلالة على ما كان يكسو المعبد من جلال وروعة في عهد صاحبه، وإنما تمتد كذلك إلى تمجيد من قطعوا ونقلوا كل هذه الألواح الضخمة من محاجرها من أسوان حتى الجيزة على الرغم من بساطة إمكانياتهم في عصرهم البعيد. وتستقبل واجهة المعبد ناحية الشرق بمدخلين، يرمزان إلى الوجهين. الوجه القبلي والوجه البحري، ويرمزان إلى اجتماع شمل أهلهما في طاعة الفرعون وفي ساحة معبده. وكانت مواكب الحاشية في حياة الفرعون، ومواكب الزائرين بعد وفاته، تصل إلى المعبد عن طريق قناة تربط بينه وبين النيل، وتنتهي هذه القناة بمرساة يصعدها الزائرون والكهان ليقفوا قليلًا خاشعين في مواجهة المعبد ومواجهة تمثال للفرعون كان يستقر داخل ناووس حجري كبير لم يتبق مما يدل عليه حتى الآن غير موضع القاعدة التي كان مثبتًا فيها. ثم يعبرون مدخلي المعبد، وكان يحرس كل مدخل من هذين المدخلين، تمثالان متقابلان "من الجرانيت" يمثلان الملك على هيئة أبو الهول، بوجه إنسان وجسم أسد، حراسة رمزية بطبيعة الحال١. ويفضي كل من المدخلين إلى ردهة مستطيلة تتصدرها مشكاة ضخمة عالية، كان يستقر فيها تمثال خفرع بتاج الصعيد، أو بتاج الدلتا، مع ربة من الربات الأثيرات لديه مثل حتحور أو باستة التي وصفته نقوش معبده بأنه كان حبيبها وأظهره أحد تماثيله الباقية يجلس بجانبها٢.
وتجتمع الوفود في البهو الداخلي للمعبد، وهو بهو رحب كسيت أرضيته بالألباستر الأبيض وكسيت جدرانه بالجرانيت الوردي، ورفع سقفه ستة عشر عمودًا ضخمًا من الجرانيت. وكان يستقر على جوانبه ثلاثة وعشرون تمثالًا للفرعون مثلته جالسًا في مهابة يضم يمناه إلى صدره ويرسل يسراه على فخذه، وقد نحت بعضها من الألباستر الأبيض، ونحت بعضها من الديوريت الأزرق، ونحت بعضها الشست الأخضر. وكان في اجتماع ألوانها مع ألوان الجدران والأرضية والأعمدة تحت أشعة الشمس الذهبية التي تندفع إليها من فتحات السقف الحجري وتنعكس عليها من الأرضية البيضاء الناصعة، ما يضفي على بهو المعبد جلالًا وبهاء. وتهشم أغلب هذه التماثيل وبقي أقلها سليمًا، ومن هذا القليل تمثال من الديوريت "نقل إلى المتحف المصري" خلع الفنان على ملامح وجهه مهابة وقداسة تليقان بصاحبه، وظلل مؤخرة رأسه بصقر شامخ يرمز إلى المعبود حور ويفرد جناحيه حول رأس الفرعون كأنه يظله ويحميه. واستطاع الفنان أن يذلل صخر الديوريت بسهولة في تمثاله، وهو من أشد الصخور قساوة، فأظهر تقاطيع خفرع فيه دقيقة ناطقة وأظهر فيه عضلات بدنه مشدودة قوية واضحة.
نشأت بشأن أغراض معبد الوادي آراء عدة، منها ثلاثة محتملة، وهي: أن جانبًا منه كان يعتبر استراحة مؤقتة للفرعون في حياته كلما زار منطقة الجيزة ليشرف على بناء هرمه فيها. وأن جانبًا منه جرت فيه طقوس تحنيط جثة الملك وبعض مراسيم جنازته. وأنه أصبح يستخدم بعد ذلك لاجتماع وفود كبار
стр. 150
الزائرين خلال المواسم والأعياد، يقصدونه من كل حدب وصوب، حتى إذا اكتملت أعدادهم فيه. وحيوا تماثيل الفرعون الموجودة به، وتلوا دعواتهم عند بعض آثاره الشخصية الباقية. خرجوا بين تراتيل الكهان وأنغام الموسيقى الدينية من بابه الخلفي، وبدءوا مسيرتهم على الطريق الصاعد، وهو طريق يمتد نحو نصف كيلومتر "٤٩٤.٦٠ من الأمتار" وخمسة أمتار عرضًا، وكان يحف به جداران سميكان مرتفعان يميلان في الخارج ويستقيمان في الداخل، وتكسوهما من الداخل بلاطات جيرية بيضاء ومن الخارج بلاطات جرانيتية حمراء. وليس ما يمكن تأكيده حتى الآن عما إذا كان هذا الممر مسقوفًا أم غير مسقوف، ولكن يتجه الظن إلى أنه كان مسقوفًا بإحكام بحيث لا ينفذ الضوء إليه إلا من فتحات ضيقة في أعلاه؛ رغبة في توفير الرهبة وطابع السرية والغموض فيه وبما جعله ممثلًا للصراط المستقيم المؤدي إلى الآخرة.
وتنتهي الوفود من الطريق إلى مدخل معبد الشعائر، وهو معبد يجاور الهرم من ناحيته الشرقية كما علمنا، ولا يقل في ضخامته عن ضخامة معبد الوادي، لولا أن التهدم أصاب جانبًا كبيرًا منه، وكان يتألف في صورته القديمة من عناصر كثيرة، يمكن إجمالها في قسمين متصلين: قسم أكبر يغلب عليه طابع العمومية. وقسم أصغر تغلب عليه صفة الخصوصية وطابع السرية. ويتلو القسم الأكبر باب الدخول، وإليه تنتهي الوفود بعد خروجها من الطريق الصاعد، ويتألف من ثلاثة أجزاء: فيبدأ بصالة أعمدة تتدرج من الاتساع إلى الضيق نحو الداخل، بحيث يتسع عرضها في بدايتها لثمانية أعمدة جرانيتية كبيرة متجاورة، ويتسع عرضها في منتصفها لأربعة أعمدة، ويقتصر عرضها في نهايتها على عمودين فحسب. ويتلو الصالة بهو أعمدة مستطيل كان يتضمن تماثيل لخفرع تصوره في ملابسه الدنيوية الرسمية. وحده تارة ومع زوجته تارة أخرى. وينتهي البهو إلى فناء رحب متسع تتعدد الممرات حوله وتوجد عدة أبواب على جانبيه. وتتعاقب بين الأبواب تماثيل لخفرع تصوره بردائه الأخروي "وهو عباءة محبوكة" متوجًا بتاج الصعيد على الجانب الأيسر ومتوجًا بتاج الدلتا على الجانب الأيمن. وتتوسط الفناء مائدة قربان ضخمة تضع الوفود هداياها عليها باسم صاحب المعبد. ويتألف القسم الأصغر للمعبد من ثلاثة أجزاء أيضًا، تُؤدى فيها الشعائر اليومية والموسمية لصالح صاحبها، وهي خمس حجرات مستطيلة، يذهب الظن إلى أنها كانت تتضمن خمسة تماثيل ملكية يتقدم الكهنة أمام كل تمثال منها بالدعوات والقرابين باسم من أسماء الملك الخمسة أو ألقابه الخمسة. ثم حجرات أخرى تضمنت كنوز المعبد وذخائره وأدوات طقوسه. وأخيرًا قدس الأقداس أو الحرم المقدس الذي لم يكن يقربه غير الفرعون الحاكم وكبار الكهان. وهو عبارة عن مقصورة بسيطة مستطيلة يتصدرها باب وهمي عظيم من الجرانيت ومائدة كبيرة للقرابين.
وبقيت مجموعات متصلة من المساكن الصغيرة إلى الغرب من هرم خفرع، بلغ عددها ٩١ مسكنًا، وبنيت من الدبش ثم كسيت بملاط من الطين والطفل أو الجير، وكانت مقببة السقف ودكت أرضها بالطير وقامت كل مجموعة منها في صف متصل يستند على جدار ساند واحد. وكانت في مجملها مساكن متواضعة لا يزيد كل مسكن منها عن حجرة واحدة يبلغ عرضها نحو ثلاثة أمتار وارتفاعها مترين أو أكثر قليلًا.
ويفترض الأستاذ بترى أنها كانت تتسع لنحو أربعة آلاف عامل من العمال في منطقة الهرم١، وقد نرى بمنطق عصرنا الحالي أن تكديس مثل هذا العدد في مساكن قليلة لا يخلو من امتهان لكرامة الإنسان، وهذا حق، ولكنه كان بالنسبة لأهل عصره خيرًا من المبيت في العراء.
стр. 151
أبو الهول:
امتاز فن النحت في عهد خفرع بأثر كبير آخر، طغت شهرته على شهرة هرمه ومعبديه، وهو أبو الهول. ولأبي الهول جسم أسد رابض ورأس إنسان ناهض كما هو معروف، جمع الفنان بينهما في انسجام عجيب لا يكاد الرائي يشعر معه أنه أمام كائن مفتعل غريب. ونحت الفنان الرأس فيما يرجح حتى الآن على هيئة رأس فرعونه خفرع تزينه شارات الملك، وهي عصابة رأس مخططه عريضة تصنع من قماش مقوى لتغطي الرأس ومؤخرته، وحية حارسة تنهض على الجبين، ولحية دقيقة طويلة مستعارة ترمز إلى إلتحاء أوائل الملوك الأقدمين "وقد سقطت الحية واللحية من موضعيهما لتطرفهما". وعبر الفنان في تمثاله عن رأي أهل عصره في مثالية فراعنتهم، أو على الأقل عن رأي أهل الحاشية في مثالية فراعنتهم، وهي مثالية جمعوا إليهم فيها سمو التفكير البشري وبأس الأسد، واستمروا يرددونها لهم طوال عصورهم القديمة، على نحو ما استمروا يلقبونهم بالأسود والفحول.
ينهض تمثال أبو الهول فوق قاعدة مرتفعة نحت معها في الصخر الطبيعي للهضبة، ولكنها كسيت بأحجار جيرية ملساء، وبلغ ارتفاعه معها نحو اثنين وعشرين مترًا. وقام في مواجهته معبد كبير، لا زالت الآراء مختلفة في تحديد أغراضه، ومن هذه الآراء رأي يعتقد أصحابه أنه أعد لتقديم القرابين والدعوات باسم صاحب التمثال نصفه، وأن التمثال بعد أن كان يرمز إلى خفرع أصبح في نفس عهده أو بعده بقليل، يعتبر حارسًا لمدينة الموتى في منطقته أي منطقة الجيزة ويستحق التمجيد والتقديس تبعًا لذلك. وقرنًا فقرنًا نسي المصريون أصل تمثال أبو الهول٢ أكثر فأكثر، واعتبره أهل الدولة الحديثة صورة من صور إله الشمس، وظلوا يتعبدونه على هذا الاعتبار، وأقاموا النصب باسمه بين يديه وفي معبده، واستوى في ذلك الفراعنة ورعاياهم وأضاف شبيجل رأيًا عن تمثال أبو الهول، مؤداه أنه رمز منذ بدايته إلى "ماعت" بمعنى العدالة المستقرة أو النظام المستقر، وذلك في مقابل دلالة الهرم على النظام الهرمي الدنيوي الذي كان الفرعون يحتل أرفع مكانة فيه.
أما عن اسمه فمن الآراء في تعليله أنه سكن منطقة الجيزة قوم من الكنعانيين خلال الدولة الحديثة، فتعبدوا التمثال باعتباره صورة أصلية من معبود كنعاني قدسوه في وطنهم باسم "حورون"، وأطلقوا اسمه على
стр. 152
التمثال١. ولعل المصريين قد أجازوا ما أتى الكنعانيون به، ثم حرف الاسم الكنعاني إلى حورنا، وأخيرًا إلى "حول". ورأى أخر قرب بين اسم التمثال وبين أسم ورد له في النصوص المصرية المتأخرة بمعنى الأسد "با حو"٢. وانتهت أسماء التمثال إلى اسمه الحالي أبو الهول، وهو اسم يعبر في اللغة العربية عن طابع الرهبة أو طابع الهول الذي اكتسى التمثال به وظنه الناس فيه، ولكنه لا يخلو في الوقت نفسه من صلة تربطه بأحد الأسماء القديمة "جو أو حورون أو حول" بعد إحلال الهاء محل الحاء؛ وبعد إضافة كلمة أبو وهي كلمة تطورت فيما يبدو عن أحد لفظين مصريين قديمين، لفظ "بو" بمعنى مكان، أو أداة التعريف المذكرة المفردة "با".
وظل تمثال أبو الهول طوال عصوره مثارًا للإعجاب حينًا، ومثارًا للرهبة حينًا آخر، وظن فيه مؤرخو العصور الوسطى قدرة سحرية، وسموه بأسماء غربية، فذكره المقريزي باسم بالهيب، وحكى أن شيخًا يدعى صايم الدهر أراد أن يمسخ وجهه باعتباره أثرًا من آثار الوثنية الأولى، فهبت على زروع الجيزة ريح عاتية أتلفتها، فظن صايم الدهر أنها كرامة من صاحب التمثال واضطر إلى العدول عن محاولته.
وظهر من المؤرخين المسلمين من تجاوز هذا التصوير الساذج لأبو الهول، ومنهم عبد اللطيف البغدادي في القرن الثالث عشر الميلادي حيث قال عنه: " ... وسألني بعض الفضلاء ما أعجب ما رأيت، فقلت تناسب وجه أبو الهول، فإن أعضاء وجهه كالأنف والعين والأذن متناسبة كما تصنع الطبيعة الصورة متناسبة، والعجب من مصوره كيف قدر أن يحفظ نظام التناسب في الأعضاء مع عظمها وأنه ليس في أعمال الطبيعة ما يحاكيه ... ".
стр. 153
عواقب الإسراف:
أعقب خفرع على عرشه ولده منكاورع، وبدأت بعد سنوات قليلة من حكمه فترة جديدة في تاريخ أسرته، اختلفت في إمكانياتها وأحجام عمائرها وعلاقات حكامها بمحكوميها عن الفترة التي سبقتها والتي انتهت بحكم خفرع وامتدت سنوات قليلة في عهد منكاورع.
ويتجلى اختلاف الإمكانيات واختلاف الأوضاع بين الفترتين بمقارنة عمائر منكاورع وخلفائه بعمائر أسلافهم. فأهم الآثار الباقية من عهده هو هرمه ومعبد شعائره. ويبلغ الارتفاع الحالي لهرمه نحو ٦٢ مترًا ولم يزد ارتفاعه الأصلي عن ٦٦ مترًا، أي أقل من نصف ارتفاع هرم أبيه خفرع وأقل من نصف هرم جده خوفو١. وإن امتاز في حالته الراهنة بأن ستة عشر مدماكًا من مداميكه السفلى كسيت بأحجار
стр. 154
جرانيتية ضخمة، وذلك مما دعا المقريزي إلى أن يصفه في أيامه باسم الهرم الملون. وللهرم معبدان وطريق صاعد شأنه شأن بقية أهرام الأسرة الرابعة: معبد شعائر كبير ضخم معقد التركيب، بدأ المهندسون بناءه بأحجار ضخمة هائلة وأنفقوا فيه جهدًا كبيرًا١، ولكنهم لم يتموه في عهد صاحبه، على الرغم من أنه حكم أكثر من واحد وعشرين عامًا، فبقي ناقصًا إلى عهد الفرعون شبسكاف حيث أتموا بعض أجزائه من اللبن دون الحجر. وطريق صاعد كان شأنه شأن معبد الشعائر، وصف رجال منكاورع جزءًا من أرضيته بالحجر ثم أتمه رجال شبسكاف فبنوا بقية أرضيته وجدران من اللبن. ثم معبد الودي ولم يكن منكاورع قد أنشأ منه شيئًا ذا بال حتى وفاته، فأمر شبسكاف بتشييده باللبن أيضًا فيما خلا أعمدته وأعتاب أبوابه التي كان لا بد من أن تُبنى بالحجر٢. وفي ذلك كله ما يباعد بين حال آثار منكاورع وإمكانيات خليفته، وبين فخامة آثار سنفرو وخوفو وخفرع وضخامة عمارتها وضخامة الجهود التي بذلت فيها.
غير أن آثار منكاورع لم تخل على الرغم من ذلك مما يشهد لأهل العمارة والفن في عهده بالبراعة والقدرة على التجديد. وكان من صور تصرف المعماريين في بناء هرمه أنهم شقوا ثلاث قنوات رأسية كبيرة على جانبي أحد دهاليزه الداخلية لتنزلق فيها ثلاثة متاريس حجرية ضخمة ظلت مرفوعة على مساند حجرية أو خشبية حتى تم الدفن ثم أسقطت في قنواتها وسدت الدهليز سدًّا محكمًا "ولو أن إحكام سده لم يحل دون سرقة كنوزه". وشكلوا تابوت منكاورع من البازلت وزخرفوا جوانبه بما يشبه هيئة المشكاوات الرأسية التي كانت تتعاقب في واجهات القصور وواجهات أسوارها، وذلك على عكس توابيت أسلافه التي كانت عاطلة من الحلية٣. ونحتوا له بضعة تماثيل، مثله بعضها وحده، ومثله أحدها مع زوجه. ومثلته عدة مجموعات منها يقف مشدود القامة مع معبودين، المعبودة حتحور على جانب ومعبود آخر يرمز إلى إقليم من الأقاليم المصرية على جانب آخر٤، وكانت لحتحور منزلة خاصة في عهده تشبه منزلة باستة في عهد أبيه، فوصفته بعض أختامه بأنه حبيبها، وأظهرت في بعض تماثيلها معه تحيط خصره بذراعها وتلمس ذراعه بكفها. وبلغ الفنانون في نحتها جميعها مبلغًا طيبًا من دقة النحت ودقة التعبير وسلامة التنفيذ.
وتهيأ لكبار الأفراد في عهد منكاورع من الثراء وحرية التصرف في طرز مقابرهم وعناصرها أكثر مما تهيأ لهم ولأسلافهم في عهد أبيه وعهد جده. فكثرت تماثيلهم في مقابرهم، وزادت نقوشهم ومناظرهم على جدرانها، ونحتوا بعض هذه المقابر داخل الجدار الصخري لهضبة الجيزة عوضًا عن تشييدها من الحجر فوق سطح الأرض. ومارسوا شعائرهم فيها بحرية أوسع مما سمح لهم به أبوه وجده. واستن منكاروع سنة سياسية جديدة، فسمح بفتح قصره لأبناء المقربين إليه من كبار موظفيه، وعهد بتربيتهم إلى كبار رجال القصر مع أبنائه؛ ليشبوا أوفياء له مخلصين لبلاطه، وكان منهم شاب يدعى شبسبتاج. وصور صلات
стр. 155
منكاورع بكبار أهل العاصمة وعمله لاكتساب ولائهم عن العطايا وطريق السماحة، نص سجله رجل يدعى دبحن، وقص فيه أن منكاورع كان في طريقه ذات مرة ليتفقد أعمال البناء في هرمه، فاعترض موكبه ولفت نظرة إليه، وحادثة ورجاه أن يأذن له بتشييد مقبرته قرب هرمه، فقبل منكاورع رجاءه، وأذن له بتشييد مصطبة كبيرة طولها مائة ذراع وعرضها خمسين، وعهد لصالحه بخمسين عاملًا من عمال الخاصة الملكية وأذن بإعفائهم من كافة الأعباء فيما خلا أعباء بناء المصطبة وتمهيد الأرض حولها، وأمر بأن يشرف على تشييدها مهندسه الخاص واثنان من كبار أهل الفن في عهده. وسمح له بأن يستورد من أحجار طرة والمقطم ما يكفي لكسائها وبناء مقصورتها وصناعة بابين وهميين فيها ونحت تمثال يمثله بحجم كبر من حجمه الطبيعي بكثير، فضلًا عن نحت تمثالين لمساعديه١. وكانت أمثال هذه اللفتات من منكاورع لكبار رجال رعيته وتساهله في الإذن لهم بإقامة التماثيل في مقابرهم وممارسة الشعائر فيها في حرية مطلقة، أصلًا فيما يبدو لما سمعه هيرودوت في العصور المتأخرة من أن المصريين أحبوا منكاورع أكثر مما أحبو أباه وجده، وفي قصة دبحن ما يعني كذلك أن الدفن في الجبانة الملكية كان لا يزال يعتبر امتيازًا خاصًّا يمنح من قبل القصر الملكي، وان المحاجر الممتازة كانت احتكارًا حكوميًّا أو ملكيًّا، وأن التماثيل الكبيرة التي تفوق الحجم الطبيعي أصبحت متاحة لكبار الشخصيات.
أشادت نصوص ما بعد منكاورع باسم شبسكاف، وشاد له مهندسوه قبرًا في جنوب سقارة، يعرف الآن باسم مصطبة فرعون. وقد انصرفوا ببنيانه عن طراز الهرم، وشيدوه على هيئة تابوت ضخم مستطيل مائل الجوانب "١٠٠ متر طولًا، و٧٢ متر عرضًا، ١٨متر ارتفاعًا" ترتفع جوانبه فوق مستوى سقفه، وأقاموه فوق قاعدة منخفضة، ثم كسوه بأحجار بيضاء وأحاطوا قاعدته بإزار من الجرانيت، وشادوا له معبدين صغيرين وطريقًا صاعدًا بنوا جداريه الجانبيين من اللبن.
واتبع شبسكاف سياسة منكاورع في اكتساب ود عظماء قومه عن طريق رعاية أبنائهم في قصره. ويذكر له من ذلك أنه زوج ابنته من الشاب شبسبتاح الذي رباه منكاورع في قصره وواصل رعايته٢، ولعل زواج الأمراء بغير الأميرات كان قد أصبح حينذاك أمرًا مألوفًا، ولكن كانت هذه هي المرة الأولى فيما نعلم التي زوج فيها فرعون ابنته من أحد كبار أفراد رعيته، ولعلها كانت الأولى في العالم القديم كله. وسلك شبسكاف سياسة مماثلة في سبيل اكتساب ود كبار كهنة المعابد في عهده عن طريق إعفائهم وإعفاء معابدهم من بعض التكاليف التي كانت مفروضة عليهم لحساب خزائنه، وبدأ في ذلك بمجموعة هرم منكاورع وكهنتها ومواردها.
وبعد نحو أربع سنوات، انتهت وراثة عرش الأسرة الرابعة إلى الأميرة خنتكاوس. وطال نقاش الباحثين في نسبها، وفي مدى استغلالها لحقها الوراثي في العرش، وفيما إذا كانت أختًا لشبسكاف وزوجة له
стр. 156
أم لم تكن، وفيما إذا كانت شهدت ملكًا آخر يحكم بعد شبسكاف أم لم تشهد، وفي مدى تأثيرها في توجيه أمور الدولة في عهد زوجها "وسركاف" الذي سوف يكون رأسًا لأسرة حاكمة جديدة، وعهد ولدها ساحورع الذي اعتلى العرش بعده.
ويتجه الترجيح حتى الآن إلى اعتبار ختنكاوس ابنة لمنكاورع، وأختًا لشبسكاف. ويعتقد يونكر أنها ابنة منكاورع من زوجته مرس عنخ الثالثة، وأن هذه الزوجة كانت من سلالة جد فرع. وأضاف أن شبسكاف كان أخاها غير الشقيق وكان من فرع ثانوي١. وقد شاد المهندسون مقبرتها على هيئة تابوت ضخم فوق قاعدة صخرية مربعة عالية، أي بما يشبه مقبرة أخيها إلى حد كبير، وجوفوا معبد شعائرها في صلب قاعدة المقبرة، وبنو معبد واديها قريبًا من معبد وادي أبيها منكاورع. ووصلوا بين معبديها بطريق يمتد من معبد شعائرها ناحية الشرق ثم ينحرف ناحية الجنوب في زاوية قائمة. وتلقبت خنتكارس في نصوص مقبرتها بلقب قرأه يونكر: " ... ملكة الصعيد والدلتا أم ملك الصعيد والدلتا، بنت الرب". واستنتج منه أن انحصار شرعية وراثة العرش في خنتكاوس سمح لها بأن تتلقب بلقب الملكة، وأنه من المحتمل أن تكون قد حظيت بتأثير واسع على ولدها حين تولى العرش في صغره٢، وأن تلقبها بلقب بنت الرب يشير إلى اعتبارها الابنة البكر لأبيها أو إلى دورها في نقل شرعية الحكم إلى زوجها.
انتهت شجرة نسب الأسرة الرابعة بختنكاوس، كما أسلفنا، وتمايزت لهذا الأسرة فيما رأينا فترتان: فترة انتهت بعد حكم خفرع، وفترة بدأت بعد سنوات قليلة من حكم منكاورع. ونمت آثار الفترة الثانية ونصوصها عن ظروف تختلف عن ظروف الفترة الأولى إلى حد كبير، ظروف اتصفت بضعف الموارد الحكومية إلى حد ما، وقلة الضخامة والفخامة في آثار الفراعنة بالنسبة إلى آثار أسلافهم الأقربين، وإن اتصفت في الوقت نفسه بظاهرة مستحبة، وهي حرص فراعنتها على اكتساب ود كبار موظفيهم وكبار كهنتهم.
ويمكن إيجاز أسباب الاختلاف بين ظروف الفترتين في ثلاثة عوامل، وهي:
أولًا- أن الأسرة بدأت عصرها برخاء عظيم واستقرار مكين وجهد كبير في تنمية موارد البلاد عن طريق تنشيط الاستثمار الداخلي وتوسيع التجارة الخارجية، ونمت عن رخائها حينذاك مصادر وآثار عهد سنفرو وعهد خوفو على وجه الخصوص، لولا أن الأهرام الضخمة ومعابدها وتماثيلها التي أسرف سنفرو وخوفو وعهد خوفو وخفرع في إنشائها لأنفسهم، وألحقوا بخدمتها الأعداد الكبيرة من الكهنة والأتباع ووقفوا عليها الأوقاف الواسعة من الأراضي والأنعام، وزادوا إلى جانبها إنشاء الأهرام الصغيرة لزوجاتهم، والمقابر الضخمة لأبنائهم، مع متطلباتها من النفقات، قد أدت كلها إلى استنفاذ أنصبة كبيرة من إمكانيات البلاد
стр. 157
ومواردها، واستنزفت جانبًا كبيرًا من موارد الخزائن الملكية ومدخراتها، وجعلت الملكية أقرب إلى أن تفقد إحدى وسائلها الرئيسة للتعبر عن مجدها وسلطانها وممارسة السيطرة الكاملة على البلاد وأهلها، وهي الوسيلة المادية "أو المالية".
ثانيًا- ما يحتمل من أن فترات التنافس الداخلي بين كبار الأمراء على العرش، التي بدأت عقب وفاة خوفو، وربما كذلك عقب وفاة منكاورع وعقب وفاة شبسكاف، قللت بعض الشيء من هيلمان الفراعنة وأسرتهم، وأشعرتهم وأشعرت الناس بحاجتهم إلى تأييد كبار رعاياهم وضرورة كسب ودهم ولو على حساب خزائن حكومتهم التي كان تعتبر خزائنهم.
ثالثًا- أن فراعنة الأسرة عملوا على مسايرة دين الشمس وزيادة تشجيعه في مراحل عدة. ولم يكن دين الشمس في حد ذاته جديدًا في حياة شعبهم، وإنما كان الجديد هو اعتراف دولتهم به رسميًّا على نطاق واسع. بل إن اعتراف دولتهم به لم يكن في حد ذاته أمرًا ذا خطر، ولكن الخطر كان من أن يعقبه أمران، وهما: أن ينصرف جانب من ولاء الرعايا على الإله رع رب الشمس، وهو المعبود الظاهر لكل الناس والقريب من كل الناس، على حساب ولائهم القديم شبه المطلق للفراعنة وربهم الملكي الخفي حور، وأن ينصرف بالتالي جانب كبير من الموارد المادية إلى الديانة الجديدة، ديانة الشمس، على هيئة أوقاف وهبات وإعفاءات لمعابدها ومرتبات لكهنتها الذين أخذت أعدادهم تتزايد باستمرار، على حساب بقية موارد الحكومة وخزئنها وبمعنى آخر على حساب موارد الملكية وخزائنها.
وشهدت أواخر عصر الأسرة الرابعة عواقب هذه الظروف كلها بخيرها وشرها، فشهدت تسرب جزء من الموارد الملكية إلى مصارف جديدة، واضطرار الملوك إلى بناء أهرام صغيرة ومقابر على هيئة التوابيت، وشهدت اتجاه الملوك إلى كسب ود كبار رعاياهم، وشهدت انصراف جانب من ولاء الرعية وجانب من الموارد الملكية إلى المعابد وكهنتها. ويبدو أن أكثر المستفيدين من هذه الظروف كانوا من أنصار كهنة ديانة الشمس بالذات، وأنهم أخذوا يتطلعون إلى مزيد من الدالة على حكومتهم، ومزيد من التأثير على العرش وصاحبه. وتهيأت لهم فرص هذه الدالة وهذا التأثير منذ أن انتهت وراثة عرش الأسرة الرابعة إلى الأميرة خنتكاوس بعد وفاة أخيها، فشجعوا أحد خاصة قومهم المؤيدين لهم على الزواج منها، وهو "وسركاف"، وكان فيما يعتقد جردسلوف أميرًا حفيدًا للملك جد فرع، ورث الإمارة عن أمه نفر حوتبس بنت جد فرع١، ولم يرثها عن أبيه الذي يحتمل أنه كان من أنصار الشمس أو كبار كهنتها. وعندما تزوجها اكتسب عن طريقها شرعية الحكم التي ورثها عن أبيها وأخيها، واشتركت معه في تأسيس أسرة حاكمة جديدة وهي الأسرة الخامسة. ويبدو رأي جردسلوف مقبولًا إلى حد كبير، وإن لم يصل بعد إلى مرتبة اليقين.
стр. 158
ثالثا: التقوى والرفاهية في عصر الأسرة الخامسة
مدخل
...
ثالثًا: التقوى والرفاهة في عصر الأسرة الخامسة ٢٥٦٠ - ٢٤٢٠ق. م
يعتبر عصر الأسرة الخامسة فاتحة زمن زاهر جديد، اتسعت فيه آفاق دين الشمس وشملت أمور الدنيا والآخر، وازداد التقارب خلاله بين الملوك وبين كبار أفراد الشعب، ومضى التطور الطبقي يسير فيه بخطى صرحية، وبلغت فنون العمارة والنحت والتصوير والنقش فيه ذرى عالية، استأنفت مصر خلاله صلاتها التجارية الخارجية على نطاق واسع، مع فينيقيا في شمالها الشرقي وبلاد بوينة في جنوبها الشرقي. وإن لم يمنع هذا من وجود عيوب ونقائص في أيامه وحكامه.
جمعت الأسرة الجديدة بين فرعي الأسرة الرابعة الكبيرين المتنافسين كما أسلفنا، فرع خفرع الذي مثلته خنتكاوس ورفع جد فرع الذي مثله وسركاف، وحققت الوئام بينهما. غير أن أنصار الملوك الأوائل لهذه الأسرة لم يقنعوا لفراعنتهم بحق الحكم عن طريق زواج أبيهم بسليلة الفرع الحاكم من الأسرة الرابعة، وابتغوا أن يردوا شرعية حكمهم إلى إرادة ربانية قديمة وأصل مقدس، فخرجوا على الناس بداعاية ناسبت الأفكار الدينية في عصرها، واعتمدت على القول بأسطورة نسبتهم على "روح" الإله رع رب الشمس وإن أنجبتهم أمهم من رجل مبارك من كهنته. وبقيت من صورها المكتوبة نسخة من الدولة الوسطى، سجلت على بردية عرفت اصطلاحًا باسم بردية فستكار. ولسنا ندري مدى قبول الناس لما روته هذه الدعاية أو هذه الأسطورة، إن كانوا قد تقبلوه عن إيمان وتصديق، أم اعتبروه مجرد مبالغة من الكهان وأهل البلاط لصالح ملوكهم١، ولكننا ندري أن ملوك الأسرة ظلوا أوفياء للإله رع الذي اعتبروه صاحب الفضل في ارتقائهم العرش، وظلوا كرماء مع كهنته الكبار الذين آزروهم في حكمهم٢.
تلقب وسركاف أول ملوك الأسرة بلقب معبر يناسب وضعه كمؤسس لأسرة جديدة وهو "إرماعت" أي واضع النظام أو محق الحق. وتعاقب بعده ثمانية ملوك تداخل اسم رع في الأسماء الشخصية لستة منهم على أقل تقدير، وهم: ساحورع، ونفراركارع، وشبسكارع، ونفرفرع، وني وسرع، ومن كلوجور وجد كارع، وونيس. وقد اهتم أغلبهم بمعبد إله الشمس في مدينته المختارة: "عين شمس"، ثم أقاموا له ستة معابد على مثاله. وبدأ هذه المعابد رأس الأسرة، وسركاف، وبنى معبده متواضعًا من اللبن، ولأمر غير معروف شيده في منطقة أبي غراب جنوبي الجيزة، وليس في عين شمس نفسها. كما بنى هرمه ومعبداه إلى الجنوب منه في سقارة. وقد تهدم جزء كبير من الهرم ومعبديه، وإن تبقى من صور الطيور والزهور التي
стр. 159
تزين جدران معبد شعائره ما ينم عن أيد فنية متثبتة وإحساس مرهف بجمال الطبيعة الطلقة وكائناتها. كما بقيت رأس ضخمة رائعة من الجرانيت لوسركاف، يذهب الظن إلى أنها كانت رأسًا لتمثال كامل، وإذا صح هذا الظن وكان التمثال جالسًا، لم يكن ارتفاعه ليقل عن خمسة أمتار١. ويبدو أن ضخامة التماثيل كانت تستهدف عن قصد لمؤسسي الأسر الحاكمة؛ إذ أثرت نفس الضخامة لبعض تماثيل زوسر مؤسس الأسرة الثالثة، وأمنمحات مؤسس الأسرة الثانية عشرة، كنوع من الدعاية لعظم شأنهم. وقد بنى خلفاء وسركاف أهرامهم ومعابدها في منطقة أبو صير٢ التي لا تبعد عن أبي غراب بأكثر من ميل واحد.
стр. 160
خصائص معابد الشمس:
لعل أكثر معابد الشمس بقاء حتى الآن هو معبد ني وسررع سادس ملوك الأسرة. وهو معبد ضخم شيد هو وملحقاته من الحجر١. وتكونت عمارته معها من ثلاثة عناصر متمايزة: مبنى ضخم ينهض على حافة الهضبة ويطل على الوادي، ويعتبر مدخلًا إلى منطقة المعبد، ويشبه معبد الوادي بالنسبة لمناطق الأهرام. ويليه طريق صاعد مكشوف لأشعة الشمس تعبره الوفود وهي تهلل لربها نور السماء والأرض. ثم معبد الشمس الرئيسي ذاته، وهو بناء ضخم ولكنه بسيط التكوين، يتألف من فناء رحب مرصوف عظيم الاتساع ينكشف لنور إله الشمس ويتضمن رموزه التي رأى الناس آياته فيها ورمزوا بها إليه. وأهم هذه الرموز مسلة حجرية ضخمة بلغ ارتفاعها الأصلي في عهد ني وسررع فيما يعتقد بورخارت، نحو ستة وثلاثين مترًا، واتخذت قمتها هيئة الشكل الهرمي الصغير، وكانت فيما يرجح مكسوة بصفائح النحاس أو مموهة بالذهب ليتألف نورها ويتوهج حين تنعكس عليها أشعة ربها كل صباح، ولعلها لهذا سميت "بنين" ربما بمعنى المشعة٢. ويرى شبيجل أن قمة المسلة كانت ترمز على ما رمزت إليه قمم الأهرام من حيث اعتبارها رمزًا للنظام العالمي الذي يحتل الرب أو الفرعون قمته وأعلى وأرفع مكان فيه. وكان يتقدم المسلة من ناحيتها الشرقية مائدة متسعة من المرمر، تقدم القرابين عليها ويحرق بعضها ليتصاعد عبيرها إلى إله الشمس في سمائه. ويتضمن المعبد موضعين آخرين لنحر الضحايا، تجري الدماء منهما في مجار مكشوفة إلى أحواض حجرية مستديرة واسعة. وجاورت المعبد من الخارج قرب جداره الجنوبي هيئة مركب مشيدة من اللبن، كانت تتضمن مركبًا خشبية يبلغ طولها نحو ثلاثين مترًا، ترمز إلى مركب إله الشمس. ويحتمل أنه كانت تقابلها مركب أخرى، بحيث ترمز إحداهما إلى مركب النهار "معنجة" التي اعتقد المصريون أن رب الشمس يعبر بها سماء الدنيا لينيرها للأحياء، وترمز الأخرى إلى مركب الليل "مسكتة" التي يعبر بها سماء العالم السفلي لينيرها للموتى، موزعًا
стр. 161
فضله على هؤلاء وهؤلاء، وكأنهم اعتبروا زرقة السماء بحرًا وسيلة العبور فيه هي المراكب أهم وسائل الانتقال في دنياهم.
ومن خصائص معابد الشمس أنه لم تجر عادة المصريين على أن يضمنوها تماثيل لربها أو محاريب مغلقة يعبد فيها. واتجهوا بدعائهم إلى كوكبه في سمائه، وقدموا قرابينهم إلى الشرق من مسلته، ونزهوه عن أن يختفي في أرضهم داخل تمثال أو خلف جدران وأستار. واستمرت هذه المظاهر تميز معابد الشمس المصرية عن معابد بقية الأرباب في أغلب العصور القديمة. وحرص أتباع الشمس على أن يسجلوا في معابد ربهم مظاهر فضله على ملوكهم، فصوروهم يحتفلون بأعياد السد في ظله. ثم سجلوا فيها نعمته على عبادة بعامة، فزينوا بعض قاعاتها وممراتها الجانبية بمناظر ذات ألوان زاهية ورمزوا فيها إلى مظاهر الحيوية في الدنيا ووجوه النشاط التي تتعاقب خلال فصول السنة بفضل الشمس وربها، من حرث وبذر وجني وحصاد، وتناسل الحيوانات وتكاثرها، وحياة الطيور في الطبيعة الطلقة حين تغرد وحين تمرح وحين تفزع وحين يعتدي كبارها على صغارها، وحين تعطف الأم على أفراخها، ثم تعبئة عسل النحل وتخمير العنب ... ، وهلم جرًّا. وبلغ فنانو عصر الأسرة الخامسة في ذلك النجاح كله، من حيث حيوية التصوير ووضوح الألوان ودقة التفاصيل١.
стр. 162
أهرام العصر ومعابدها:
اهتم فراعنة الأسرة الخامسة ببيوت خلودهم، أي أهرامهم ومعابدها، شأن أسلافهم وعلى نحو ما اهتموا بمعابد ربهم. وتوزعت أهرامهم في سقارة وأبو صير، ولكن ظلت الفوارق واضحة بين أهرامهم وبين أهرام الأسرة الرابعة في الجيزة، وأهم هذه الفوارق ثلاثة، وهي:
أولًا- أنها قلت كثيرًا عن أهرام الأسرة الرابعة من حيث الضخامة وأحجام الأحجار، وبالتالي من حيث مغالبة عوادي الزمن، كما قلت عنها في فخامة مظهرها. ويمكن أن ترد قلة الضخامة فيها إلى ذوق معماري خاص ساد عصرها، ولكن قلة المتانة فيها وبساطة البناء وقلة الفخامة الظاهرية أقرب إلى أن تعلل بأن سيطرة ملوك العصر على موارد البلاد أصبحت أقل نوعًا من سيطرة الأسرة الرابعة عليها، وأن نصيبًا من موارد الخزانة الحكومية تسرب على معابد رع وأنصاره، فضلًا عن معابد بقية الأرباب الأخر الذين احتفظ المصريون بالولاء لهم جنبًا إلى جنب مع معبودهم الأكبر رع.
ثانيًا- اهتم الأسلوب الفني للمعابد الملحقة بها، أي معابد الشعائر ومعابد الوادي فضلًا عن الطرق الواصلة بينها، بعنصر الزخرف أكثر مما اهتم به الأسلوب الفني لمعابد الأسرة الرابعة. ووضح هذا الاهتمام في تشكيل أساطينها على هيئة النخيل والبردي، أو على الأصح تشكيل تيجانها أي أجزائها العلوية على هيئة سعف النخيل وزهور البردي، ووضح كذلك في كثرة المناظر المنقوشة على جدرانها الداخلية، كثرة
стр. 163
جعلت بورخارت يقدر أن مساحات الجدران التي أعدت للنقش في مجموعة ساحورع ثاني ملوك الأسرة بلغت نحو عشرة آلاف متر مربع "لم يبق منها حتى الآن للأسف عبر مائة وخمسين مترًا مربعًا"، وصورت هذه المناظر انتصارات الفراعنة، علاقاتهم بأربابهم، وبعض أعيادهم الرئيسية، وصورت جوانب من حياتهم الخاصة، وجوانب من أعمال شعبهم، كما صورت السفن النيلية الكبيرة تفد من أسوان إلى منطقة المعابد محملة بالكتل الجرانيتية الضخمة، والسفن البحرية الكبيرة التي ترددت في عصرهم بين مصر وبين وفينيقيا تحمل الرسل والمتاجر والمصنوعات والحيوانات الغريبة كالدببة.
ولم تخل التفاصيل المعمارية الصغيرة في معابد الأسرة الخامسة من تجديدات. واهتمت بعض هذه التفاصيل بتنظيم وسائل تصريف المياه من سطوح المعابد وأرضياتها فضلًا عن أرضيات الطرق الواصلة بينها. وكانت وسائل تصريف المياه قد بدأت في مباني عصر الأسرة الرابعة على أقل تقدير، ولكنها بلغت درجة واضحة من الذوق المعماري في مباني عصر الأسرة الخامسة، فأصبحت مياه السطوح تنساب إلى ميازيب شكلت نهاياتها على هيئة رءوس أسود ضخمة تتناسب هيئاتها مع ضخامة المباني وفخامتها، ويمر المجرى عادة من تحت ذقن الأسد. أما مجاري الأرضية فكانت تنحت ضيقة في الأرضية الحجرية أحيانًا، وتجري في مواسير من النحاس أحيانًا أخرى، ثم تنتهي إلى حوض كبير من الحجر.
ثالثًا- متون الأهرام: حفلت جدران حجرة الدفن والقاعة المؤدية إليها في آخر أهرام ملوك الأسرة الخامسة زمنًا وهو هرم ونيس "وليس أوناس كما تذكره بعض المؤلفات عادة"، بمتون دينية وأسطورية كشف عنها في أواخر القرن الماضي. وقد نقشها الفنانون بالكتابة التصويرية الهيروغليفية، فخرجت معجزة في إتقان نقشها ورقة حروفها ودقة التفاصيل الصغيرة في صورها البشرية والحيوانية والطبيعية التي تداخلت في تكوين مقاطع جملها ومخصصاتها. ثم لونوها بألوان ممتعة لا زالت تحتفظ بجانب كبير من رونقها وبريقها وجمالها حتى اليوم على الرغم من مرور ما يقرب من أربعة وأربعين قرنًا عليها. وزخرفوا معها سقف حجرة الدفن بأشكال النجوم حتى بدا كأنه سماء تظل جثة الفرعون وتحتويها١.
نقشت متون الأهرام لأول مرة في هرم ونيس كما ذكرنا، في أواخر القرن الخامس والعشرين ق. م. على وجه التقريب. غير أن ذلك لا يعني أنها ألفت في عهده لأول مرة، أو أنها كانت من وضع فرد بعينه، أو أنها اقتصرت على عقائد عصر بعينه. وإنما هي على الأرجح من حصيلة عصور وقرون طويلة، وإنتاج كفايات فكرية متباينة، ومذاهب دينية متعددة، ظلت نصوصها وأفكارها متفرقة قبل عهد ونيس في صدور الكهان وعلى أفواه الرواة والمحدثين وعلى صفحات البردي ولخاف الفخار والأحجار عهودًا طويلة، حتى
стр. 164
صحت الرغبة في عهد ونيس في تسجيلها في باطن هرمه، تأكيدًا لاستفادته الأخروية من تراتيل الدين التي تضمنها، وربما تعويضًا لفخامة هرمه عن صغر حجمه. وحينذاك توافد على المشرفين على بناء هرمه كل من ظن أنه يعرف من التعاويذ والتراتيل ما ينفع الفرعون في أخراه، وكل من ظن أنه يعرف عن عقائد الأقدمين وأساطيرهم ما لا يعرفه سواه، توافدوا جميعهم على المشرفين على إعداد الهرم؛ رغبة منهم في إظهار علمهم حينًا، وتقربًا منهم إلى صاحب الأهرام حينًا، وطمعًا في خيراته في أغلب الأحيان. فتقبلوا منهم كل ما تتسع له المسطحات المعدة للنقش في باطن الهرم فيما خلا الجدار الغربي لحجرة الدفن حيث يوضع التابوت عادة، وحيث يصبح بوسع الفرعون الثاوي فيه على جانبه أن يرى ويقرأ ما يمتد إليه بصره مما حوله من التراتيل والدعاوت والأقاصيص. وترتب على تنوع مصادر متون الأهرام وتعدد مؤلفيها أن خرجت في نهاية أمرها تحمل أكثر من دلالة على أصحابها وتحمل أكثر من دلالة للباحثين فيها. فظهرت فيها أخيلة عدة صورت بعث الفرعون وخلوده وأشادت بتمجيده. وظهرت فيها صيغ كثيرة كانت تتلى عند تقديم القرابين باسم الفرعون لتحويل نفعها إلى روحه. وظهر فيها كثير من أسماء الأرباب وصفاتهم. وكثير كذلك من الصفات القدسية المسرفة التي اعتاد الكهان والساسة وأهل البلاد أن يخلعوها على ملوكهم تقربًا منهم. وكثير من تصورات المفكرين عن الخلق الأول ونشأة الوجود. وكثير من قصص الرواة عن الحوادث القومية القديمة، وكثير من تصورات رجال الدين عن العلاقات بين أرباب التاسوع الأكبر لا سيما أتوم ورع وأوزيروست وإيسة وحور. وكثير من أماني المؤمنين في الآخرة وجناته، وكثير من مخاوفهم من أخطارها وعقباتها. وكثير من تصوراتهم عن سلطان الفراعنة فيها.
стр. 165
الاتصالات الخارجية:
وضحت علاقات مصر ببلاد بوينة "أو بونت" خلال عصر الأسرة الخامسة أكثر مما وضحت من قبله. وبلاد بوينة بلاد قصد المصريون بها منطقة الصومال وإريتريا وربما صموا إليها ما يقابلها من الجنوب الغربي لبلاد اليمن في بعض عصورهم١. وكانت بعثاتهم تتجه إليها في الدولة الوسطى على الأقل عن طريق وادي الحمامات ثم تنزل البحر الأحمر عند القصير أو مرسى جواسيس، أو تسلك طريق وادي الطميلات ثم خليج السويس والبحر الأحمر٢، لتستورد منها البخور واللبان والمر والصموغ لطقوس المعابد وضرورات التحنيط، والمعادن شبه الكريمة والعاج وبعض الأخشاب الثمينة لصناعة الحلي وأدوات الترف، وربما استوردت عن طريقها أقزامًا وجلود الفهود والنمور وحيوانات نادرة مما يليها جنوبًا، وذلك في مقابل مبادلة أهلها بالمصنوعات المصرية التي تروج بينهم وترضي أدواقهم. وسجلت حوليات الفرعون ساحورع
стр. 166
ثاني فراعنة الأسرة الخامسة من صور هذه الاتصالات أنه وردت في عهده كميات هائلة من منتجات بوينة، وصور فنانوه أفرادًا من هذه البلاد في مناظر معبده بأبو صير على هيئة الخاضعين لسطوته١، وإن كانوا في الأغلب ممن يتاجرون مع دولته.
واتسعت اتصالات مصر التجارية بفلسطين عن طريق البر، وبفينيقيا عن طريق البحر. وظهر من قرائنها أن صور الفنانون في معبد الفرعون ساحورع بضع مراكب بحرية كبيرة استقبلها الفرعون وحاشيته حين عودتها من فينيقيا محملة بالرسل والخيرات والحيوانات، وكان من الشخصيات البارزة فيها شخصية المترجم الذي كان يقوم مقام السفير. ومن الباحثين من يظن أنها حملت عروسًا فينيقية أي سامية كذلك على الملك، ولهذا استقبلها بنفسه وأكرم مرافقيها، وإذا صح هذا الظن كان أقدم دليل على اتخاذ المصاهرات، سبيلًا إلى تدعيم العلاقات بين الدول المتجاورة وحكامها٢.
واستمرت الجهود الاقتصادية المألوفة، والجهود العسكرية المعتادة، لاستغلال مناطق الحدود في الجنوب والغرب والشرق وشبه جزيرة سيناء، وتأمينها من شغب البدو. ووصلت المتاجر المصرية جنوبًا حتى منطقة بوهن على أقل تقدير، وصحبها في الأغلب نوع من النفوذ السياسي٣. وتوفر لعهد سا حورع نشاط عسكري خاص ضد فريق من عصاة القبائل في الصحراء الغربية. وشجعت انتصارات جيوشه فنانيه على تصوير أمراء هذه القبائل وزوجاتهم وأولادهم على جدران معبده على هيئة المستسلمين لسطوته، وتصوير مصادرة جيوشه لآلاف كثيرة من مواشيهم وأنعامهم تدل على أن واحاتهم ومناطقهم الساحلية كانت وفيرة العشب والمرعى٤.
стр. 167
التطور السياسي والاجتماعي:
سارت الأوضاع السياسية والاجتماعية بخطى واسعة في سبيل التطور المحمود خلال عصر الأسرة الخامسة، ورأى الملوك أنهم يعملون في ظروف تختلف بعض الشيء عن الظروف التي حكم فيه أسلافهم، فأزادوا التزاماتهم المادية والأدبية لكبار كهنة الشمس ومعابدهم رغبة في أن يضمنوا ولاءهم ويضمنوا استمرارهم على التسبيح بفضلهم والدعاية لهم بين الناس، وأعفوا بعض معابد الأرباب الآخرين من جانب من التكاليف المفروضة عليه١. وأزادوا التزاماتهم المادية والأدبية كذلك لغير الكهنة من أهل الطبقة العليا. وسمحوا لكبار أفرادها أن يبلغوا منصب الوزارة، أكبر مناصب الدولة، بعد أن كان قاصرًا منذ إنشائه في عهد
стр. 168
سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة على كبار الأمراء وحدهم١. وتصاهروا معهم وزوجوا كثيرًا منهم بأميرات أسرتهم الحاكمة٢. ومصوا على تربية أبناء الكبراء في قصورهم٣، وسمحوا لعدد من هؤلاء الأبناء بأن يرثوا مناصب آبائهم ما داموا أهلًا لها، وما دامت تتوفر لديهم الكفاية لشغلها. وظهر من فراعنة الأسرة ملوك متعلمون، كانوا يتفقدون دور الكتب ودور المحفوظات بأنفسهم، ويراسلون وزراءهم بعبارات المودة ويردون بخطهم على رسائلهم إليهم٤. ومن أمتع ما بقي من رسائلهم رسالة كتبها الفرعون إسسي إلى وزيره شبسرع يقول له فيها ردًّا على رسالة منه إليه في أحد أعياده وكان قد وصفه فيها بما يحب أن يوصف به: "اطلع جلالتي على الحديث الممتع الذي أرسلته إلى القصر في هذا اليوم الجميل، ... وسررت به لأنك تعرف كيف تتحدث بما يستحبه جلالتي، وأن كل ما تقوله ليروق لي إلى أقصى حد .. وهأنذا أقول الآن وأردد باستمرار، يا حبيب مولاه، يا من أنعم عليه مولاه، يا مسشار مولاه، الحق أن رع أكرمني بأن وهبني إياك، وبحق حياتي الخالدة لئن أبديت لي أية رغبة بكتاب اليوم لقضيتها لك في التو"٥.
وظهر من فراعنة الأسرة من لم يكن يأبى أن يترضى رجاله عما أصابهم منه أو من جرائه عن قصد أو عن غير قصد. وحكى رجلان من عهد نفر إركارع ثالث فراعنة الأسرة شيئًا من ذلك. فقص "رع رو" أحد من عملوا في خدمة القصر وفي سلك الكهنوت أن ملكه وكز ساقه بمنسأته "عن غير قصد" خلال حفل كبير، ثم لم يأب أن يطمئنه على سلامة العقبى ويخصه بوداده ويسمح له بأن ينقش طمأنته له في مقبربته٦. وقص آخر أن أباه الوزير واشتباح "أو بتاح واش" دهمه الموت فجأة وهو يمشي بجوار الفرعون في حفل افتتاح إحدى المنشآت الملكية، وأن الفرعون حاول إسعافه واستعان في ذلك بمخطوطاته الطبية الخاصة أو عقاقيره الخاصة، ولكنه فشل وعاد إلى مقصورته ودعا الأرباب من أجله أي ترحم عليه، وسمح لولده بأن يسجل ذلك كله نقشًا في مقبرته٧. وكان في ذلك ما فيه من الدلالة على معرفة الملك ببعض مبادئ الطب أو التطبيب، إلى جانب إظهاره التعاطف مع من حوله.
واعتق الأستاذ فيكنتيف أن حدوث الحادثتين في عهد ملك واحد يدل على أنه كانت له مصلحة فيهما وأنه كان يود أن يتخلص من الرجلين فنخس أحدهما بعصاه التي يحتمل أنها كانت مسمومة وسم الآخر بطريقة ما ثم أظهر حزنه عليه، ولو صح ذلك لدل على ضعف سلطان الملك واضطراره إلى سلوك طرق
стр. 169
ملتوية للتخلص ممن لا يطمئن إليهم. ولكن الأستاذ شارف فسر الحادثة الأولى بتفسير آخر واعتقد أن الملك وكز رع ور عن غير قصد فعلًا ولكن إيمان رع ور بأن عصا الملك كانت عصا مقدسة شأنها شأن بقية شاراته جعله يتخوف العاقبة ويتوقع حلول غضب الأرباب عليه، فطمأنه الملك وأفرخ روعه.
واتسعت تنظيمات الإدارة خلال عصر الأسرة الخامسة بما ينسجم مع ما بلغه أهلها من رقي الفكر والمادة في نواحي حياتهم١. وترأس الوزير جهاز الحكومة المركزية بعد الفرعون، وكان قد بدأ عمله خلال عصر الأسرة الرابعة، بمثل ما بدأ به فيما بعد أوائل الوزراء في العصور الإسلامية القديمة، أي باعتباره حامل الوزر ومسئولًا عن شئون الدولة أمام مولاه. وظلت النصوص الرسمية تثبت له هذه الصفة باستمرار. ولكن الوزراء ما لبثوا حتى أصبحوا في نظر جمهرة الناس شيئًا آخر بعد أن ولي الوزارة رجال من كبار الشعب في عصر الأسرة الخامسة، وبعد أن اضطر الفراعنة إزاء اتساع شئون دولتهم أو إزاء التطور الطبقي في دولتهم، إلى أن ينقلوا بض سلطاتهم الفعلية إلى وزرائهم ويركزوها في أيديهم. وترتب على ذلك أن انتقل إليهم نصيب من قداستهم أو مهابتهم. ونسب الناس إلى وزيرين منهم الحكمة وتأليف تعالم تهذيبية. وعندما اكتملت للوزير اختصاصاته أصبحت تعرض عليه أمور الدولة الهامة، ثم يتولى هو عرضها على الفرعون، وأصبح يعتبر محافظًا للعاصمة ورئيسًا لبلاط وللديوان الملكي، ويتولى الإشراف الأعلى على الخزائن وشون الغلال والمنشآت العامة والأشغال المعمارية الكبيرة، لا سيما الملكية منها. ويتولى الإشراف الأعلى على دور القضاء ودور المحفوظات ودور السلاح. وكان يتلقب منذ عصر الأسرة الرابعة بلقب قضائي يجعله كبير خمسة دار تحوتي٢، ربما بمعنى كبير الرؤساء القضائيين الذين ينسبون عدالتهم على المعبود تحوتي رب العدالة والكتابة والحساب. ثم تلقب خلال عصر الأسرة الخامسة بلقب "حم ماعت" أي "خادم العدالة"، ولقب رئيس الدواوين الست الكبيرة٣. ولسنا على بينة من الاختصاصات الفعلية لهذه الدواوين، أو المناطق التي كانت توجد فيها، وإن يكن من المحتمل أنها كانت تمثل دور القضاء العليا في العواصم الكبيرة، أو مجالس القضاء العليا في الدولة. وسرى شيء من ارتفاع شأن الوزارة إلى بعض الوظائف المندرجة تحتها. وترتب على كل ما أسلفنا أن توافر لأهل الطبقة العليا وربما كبار أهل الطبقة الوسطى أيضا منذ عصر الأسرة الخامسة، من الإمكانيات المادية والقيم الاعتبارية أكثر مما توفر لأسلافهم، ولم يعودوا يتقيدون كثيرًا بتشييد مقابرهم حول أهرام ملوكهم كما كان شأن أمثالهم في عصر الأسرة الرابعة، فتوزعت مقابرهم في سقارة والجيزة. ولم يتردد بعض حكام الأقاليم في أن يعملوا
стр. 170
على نحت مقابرهم في سفوح التلال في مناطق حكمهم بعيدًا عن جبانة العاصمة. وشيد بعض هؤلاء وهؤلاء لأنفسهم مقابر واسعة ذات حجرات عدة وأبهاء ذات عمد، وضمنوها عددًا من تماثيلهم الكبيرة والصغيرة ووضعوا في جزئها الأسفل عددًا كبيرًا آخر من التماثيل الصغيرة لأتباعهم وخدمهم الذين تمنوا أن يقوموا بخدمتهم في دنياهم الثانية، وعنوا بزخرفة جدران مقابرهم بنصوص ومناظر كثيرة اتسمت في مجملها بطابع الزخرف والألوان البهيجة، وشاعت فيه النقوش الهادئة متوسطة البروز، وغلبت الحيوية والنضارة على صور ناسها وطيورها وحيواناتها، وتنوعت موضوعاتها ورمزت إلى ما كانوا يملكونه من ضياع وأنعام ومراكب للصيد والنزهة والانتقال، وأشارت إلى من كانوا يتبعونهم من جماعات الكتبة وجماعات الصناع "وهي جماعات محدودة العدد بطبيعة الحال"، ورمزت إلى ما كانوا ينعمون به من حياة رغدة ومن رعاية الخدم والأتباع. ومن أمتع ما يستشهد به من مقابرهم من حيث أسلوبها المعماري وأسلوبها الفني، ومن حيث تنوع مناظرها التي تصور الحياة اليومية داخل البيوت وخارجها، مقبرة "تي" أحد رؤساء دواوين الكتاب في عصره، وأخرى للوزير "بتاح حوتب" الذي عاصر الفرعون إسسي. وقد توفر لهذا الوزير "بتاح حوتب" نصيب واسع من الشهرة، وقدر لاسمه أن يخلد في عالم الأدب المصري القديم قرونًا طويلة، حيث سجلت له نصائح في آداب المعاملة والسلوك نصح ولده بها، وابتغى أن يتأدب بها بقية الشبان في مثل سنه، وحاول خلالها أن ينظم علاقة ولده بقرارة نفسه وأسرته وعمله ومجتمعه، وأن يجعله على تقى من ربه. فدعاه فيما دعاه إلى أن يراعي التوسط في اختيار مناسبات صمته ومناسبات كلامه، ويراعي التوسط في معاملته لنفسه ومطالب بدنه، ويراعي التوسط في معاملته لرئيسه ومرءوسه، مما سنعالجه بتفصيل في حديث الأدب.
стр. 171
رابعا: البيروقراطية والتحرر في عصر الأسرة السادسة
مدخل
...
رابعًا: البيروقراطية والتحرر في عصر الأسرة السادسة ٢٤٢٠ - ٢٢٣٠ق. م.
كان رأس الأسرة السادسة فرعونًا يدعى تتي أقيم هرمه في سقارة وتضمن نصوصًا لا تختلف عن نصوص هرم ونيس إلا في زيادة اهتمامها بذكر المعبود أوزير وتأكيدها تشبيه الملك المتوفى به. وأقيمت بعض مقابر أتباعه حوله في طرقات يمكن ترسمها. وشاءت المصادفات أن تحتفظ بردية طبية مصرية كبيرة بتفاصيل عقاقير لتقوية بصيلات الشعر صنعت أحدها أمه شيشي "أو صنع من أجلها"، وألف بقيتها كبير أطبائه خوي١. ويبدو أن التخصص في العلاج الطبي خلال عصر الأسرة السادسة كان قائمًا فعلًا؛ إذ ظهر من أطباء العصر من اشتهر بطب العيون، وكان لأطباء القصر الملكي رئيس مما يدل على تعددهم.
وشهدت مصر بعد عهد تتي تطورات متصلة في حياتها السياسية والاجتماعية، وفي علاقاتها بالنوبة وبجيرانها في فلسطين. واشتهر خلال العصر من الشخصيات ذات الأثر في مجالات السياسة والحرب والاقتصاد، ثلاثة من الفراعنة، وهم ببي الأول، وولداه مرنرع، وببي الثاني، ثم ثلاثة من خاصة أفراد الشعب، وهم وني، وحرخوف، وببي نخت.
стр. 172
نمو البيروقراطية:
أسلفنا في عرضنا للأوضاع السياسية خلال عصر الأسرة الخامسة أنه توافر لكبار الأفراد حينذاك، أي كبار الموظفين والكهنة بخاصة، نصيب واسع من القيم الاعتبارية والإمكانيات المادية، وأن أسباب التقارب بينهم وبين فراعنتهم ازدادت شيئًا فشيئًا، دون أن يؤثر هذا التقارب في هيبة الفراعنة تأثيرًا ذا بال، ودون أن يؤثر في ولاء كبار الموظفين والكهان الفراعنة تأثيرًا ذا بال، وأن الفراعنة لم يجدوا بأسًا في أن يعهدوا إلى أبناء كبار موظفيهم المقربين بمناصب آبائهم من حين إلى حين. وقد ازدادت سياسة التقارب هذه بين الفريقين في عصر الأسرة السادسة، فازداد سماح بعض فراعنتها بتزويج بناتهم من كبار موظفيهم١، بل وتزوج أحدهم من ابنتي أحد كبار ولاته "راجع ص١٤١"، وتوسعوا في تربية أبناء كبار موظفيهم في قصورهم٢. وأزادوا مراسيم الإعفاء التي كانوا يحررون المعابد بها من بعض التكاليف المفروضة عليها٣، ويكتسبون ولاء الكهنة وحسن السمعة عن طريقها، وإن خسروا بها جانبًا غير قليل من موارد خزائنهم، وكان منهم من يبدأ مرسومه بإعفاء أوقاف تماثيله وقرابينه في معبد معين من التكاليف المفروضة عليها، أي أنه يبدأ بمراعاة صالحه أولًا، ثم يعمم الإعفاء على أوقاف المعبد كله.
стр. 173
وتضخمت مكانة كبار الموظفين في هذا العصر خلال توليهم منصب الوزارة، ومناصب حكام الأقاليم الكبيرة، ومنصب والي الصعيد، فضلًا عن مناصب أخرى كثيرة كانت تندرج تحت اختصاصات هذه المناصب الثلاثة ويحتفظون بالإشراف الأعلى عليها. وظهر أكثر التطوير في سلطات حكام الأقاليم، وقد اختلف نفوذهم تبعًا لشخصياتهم وشخصيات الفراعنة الذين عملوا في عهودهم أو عملوا في خدمتهم. فاستمر أغلبهم يرد وجوه نشاطه في إقليمه إلى أمر الفرعون وتوجيهه وفضله، بينما امتاز منهم عدد قليل آخر حرص أفراده على أن يصفوا مجهوداتهم الشخصية ومآثرهم الفردية في نقوش مقابرهم، فشرحوا كيف عملوا على تعمير أقاليمهم ووطدوا الأمن فيها، وكيف ساروا بالعدل بين أهلها وأسعدوهم، وإن لم يأبوا في الوقت نفسه أن يوفوا التقاليد الشكلية حقها، فسجلوا على جانب مآثرهم صورًا من طاعتهم لفرعونهم وحرصهم على التقرب منه وإرضائه. ومن هؤلاء الحكام المتميزين هنقو، وقد عاش خلال عصر الأسرة السادسة وحكم منطقة في إقليم أسيوط تدعى جوفية، وافتخر في نقوش مقبرته بأنه أغدق الطعام والشراب والكساء على فقراء إقليمه، وأنه بلغ من كرمه أنه أشبع ذئاب الصحاري وعقبان السماء بلحوم الماعز التي كان يضحي بها. وافتخر برعايته لاقتصاديات إقليمه، وذكر من وسائله إلى هذه الرعاية ما يعتبر مفخرة لعهده حيث شجع هجرة أهل الأقاليم الأخرى إلى إقليمه لتعمير القرى المهجورة فيه، ثم جعل مزارعيه ملاكًا، وزاد أعداد الماشية على شواطئه وأعداد الماعز على مراعيه١ بما ينحو منحى الإصلاح الزراعي وتنمية الثروة الحيوانية على نطاق ضيق. وبلغ من طيب سمعة بعض حكام الأقاليم حينذاك أن رفعهم رعاياهم إلى مصاف الأولياء وقدسوهم٢.
ورضى الفراعنة بنشاط أصحاب الشخصيات القوية من ولاة الأقاليم، أو هم اضطروا إلى مسايرته، ولكنهم تخوفوا أن يؤدي ازدياده إلى انفلات السلطان من أيديهم، أو يؤدي إلى تهاون الولاة في أداء التبعات والضرائب المفروضة عليهم، أو يشجع بعضه على الاستقلال بحكم أقاليمهم، وتفادوا هذه التوقعات عن طريق التوسع في استخدام وسيلتين قديمتين, وهما: التوسع في تربية أبناء كبار الولاة في قصورهم ليتشربوا حبهم وأملًا في أن يشبوا أوفياء لهم ولأولادهم، ويخلصوا لطاعتهم إذا تولوا حكم أقاليمهم٣. ثم إعادة منصب والي الصعيد الذي استحدثته الأسرة الخامسة وعهدت إلى أصحابه بالرقابة باسم الفرعون على ضرائب الصعيد وشئون حكامه، وكان قد ألغي فيما يبدو في عهد تتي أول ملوك الأسرة السادسة، ثم أعيد في عهد مرنوع رابع ملوكها وزاد نفوذه٤.
صور بعض مشاكل قصور الأسرة السادسة، ومكانة بعض كبار الموظفين فيها، مواطن كبير يدعى "وني" دونت قصة حياته في نقوش مقبرته بأبيدوس، ثم نقلت الجدران التي دونت عليها هذه النقوش
стр. 174
لمتحف القاهرة منذ القرن الماضي. وقص فيها أنه بدأ حياته الوظيفية في عهد تتي وأنه ارتقى في مناصب البلاط حتى اشتغل محققًا فيه خلال عهد ببي الأول، وأنه شارك الوزير في كل قضاياه الخاصة، أو على الأصح ساعد الوزير في القضايا الخاصة. وعمل في دور القضاء الستة. ثم حدث أن اتهم الملك ببي زوجته الملكة إمتس في أمر أتته، وربما اشتركت فيه مع وزير عهدها، وهو أمر لا ندري شيئًا مؤكدًا عن حقيقته، وقد يكون خيانة زوجية، أو تآمرًا على إحدى ضرائرها المحبوبات عند زوجها، أو تآمرًا على أحد أبناء ضرائرها لمنع بلوغه العرش بعد زوجها، أو تآمرًا على زوجها الفرعون نفسه. ويبدو أن ببي لم يشأ أن يأخذ زوجته بالظن أو ينفرد بإدانتها، فعهد إلى وني بأن يتولى التحقيق معها، فقام به منفردا ورفع نتيجته إلى فرعونه١. ولم يسجل التاريخ شيئًا عن هذه النتيجة ولا عن قرار ببي فيها، ولكنه سجل من ناحية أخرى أنه تزوج غيرها، ولم يجد بأسًا في أن يصهر إلى أحد عظماء مدينة جربها في عهده، وكان يدعى "خوي" فتزوج ابنته، وأنجب منها ولي عهده مرنرع، ثم تزوج أختها "بعد وفاتها" وأنجب منها ولدًا آخر ولي العرش بعد أخيه باسم ببي "الثاني"٢. وكانت هي المرة الأولى، فيما نعلم حتى الآن، التي تزوج فرعون فيها واحدة من غير الأميرات خلال توليه الحكم ثم رفعها إلى مكانة الزوجة الرئيسية واعترف بولدها وليًّا شرعيًّا لعهده.
стр. 175
أحداث الشمال الشرقي والتنظيمات العسكرية:
أدت الظروف الخارجية إلى أن يعمل وني باسم فرعونه واسم بلده خارج الحدود فيما هو أهم من عمل الحاشية وتحقيقات البلاط. فقد توافدت على أراضي فلسطين خلال عهد ببي أو قبله، هجرات بدوية متقطعة سماها المصريون باسم "عامو حريوسع" بمعنى بدو الرمال، أو القبائل التي تعيش على الرمال، ويحتمل أنها كانت فرعًا من الهجرات الأمورية التي انتشرت آنذاك على حدود الهلال الخصيب، فهددت سبل التجارة بين مصر وجيرانها، وحاولت أن تثير الاضطرابات وتعبر حدود مصر الشمالية الشرقية. فعهد ببي إلى وني بحماية تجارة مصر وحماية حدودها، فخرج في خمس حملات على أقل تقدير، أربع عن طريق البر وخامسة عن طريق البر والبحر، حصر العدو بها بين فكي كماشة، وتكللت حملاته كلها بالنجاح على حد قوله. ويكفينا من النصوص التي سجلها عنها، بضع عبارات تكشف عن سياسة الحرب وتجييش الجيوش في أيامه. فقد قص وني أن ملكه جند تحت إمرته عشرات الآلاف الكثيرة من حاميات المدن وأهل الأقاليم الجنوبية والشمالية ومن جانبي الدلتا فضلًا عن بعض أهل النوبة الموالين لمصر من قبائل إرثة ومجا وإيام وواوات وكاو، وبعض سكان الصحراوات الغربية من قبائل ثمحو، وأوفد معه طائفة من المترجمين والموظفين ورجال الدين. وعقب وني على ذلك بأنه نظم مسيرة الجنود على خير وجه، وأنه ترتب على حكمته في رسم خطته أنه لم يحدث أن تنازع جندي مع زميله، أو اغتصب جندي كسرة خبز
стр. 176
من عابر سبيل أو اغتصب نعله، ولم يحدث أن نهب أحد جنوده خرقة من قرية، أو سلب عنزة من عشيرة، حتى جاوز بجيشه مناطق الحدود الشمالية الشرقية، أو جاوز على حد تعبيره الجزيرة الشمالية، وبوابة إيمحوتب، وساقة حورنب ماعت١. وترتب على المعارك التي خاضها وني ما يترتب على الحروب عادة في كل آن، من أسر وتقتيل، ونهب وتدمير. ولما تكللت مساعيه بالنصر، وعاد بعسكره إلى أرض مصر، رفع إلى فرعونه تقرير الحرب، وعقب عليه بسبعة أبيات من الشعر أكد خلالها سلامة جيشه سبع مرات، وبدأ كل شطر فيها بعبارة تقول: عاد الجيش سالمًا ... بعد أن فعل كذا وكذا ... ، فقال على سبيل المثال: "عاد الجيش سالمًا بعد أن دمر أرض أهل الرمال ... ، عاد سالمًا بعد أن أسقط حصونهم، عدا سالمًا بعد أن خرب مزارع التين واقتلع الكروم".
لم يبرأ تقرير وني من المبالغة في تصوير كثافة جيوشه، حين ادعى أنها بلغت عشرات الآلاف، ولم يبرأ من المبالغة حين ادعى أن جنوده لم يحيدوا عن جادة الصواب في أي كبيرة وصغيرة. غير أن روايته على الرغم مما تضمنته من مبالغات، لا تخلو من دلالات تنم عن التنظيمات العسكرية في عصره، ومنها أن الحكام تعودوا على أن يجندوا قطاعًا واسعًا من إمكانيات البلاد لأغراض الدفاع والهجوم كلما آن أوانها، وأنهم اطمأنوا على إخلاص بعض النوبيين وبدو الصحراء الغربية واستعانوا بهم في جيوشهم، وأن رجال الدين كان لهم نصيب من المشاركة حين الخروج إلى الحرب، ولعلهم كانوا يثيرون حماس الجنود ويذكرونهم بآلاء الأرباب وضرورة الولاء للفراعنة والرؤساء والحرص على تقاليد الدين. وأن التراجمة كانوا يعاونون القادة على التفاهم مع أهل المدن التي يفتحونها أو تفتح لهم أبوابها من تلقاء نفسها. ونم وصف وني لمسلك جنوده الحميد داخل مناطق الحدود، وافتخاره به، عن أن رؤساء عهده ممثلين في شخصه، كانوا يقدرون من تبعات القيادة أربعة واجبات، وهي: العمل على تغليب روح الطاعة في الجيش، وتقليل دواعي الشقاق بين الجنود، وتغليب روح التراحم بينهم وبين مواطنيهم المدنيين، والعمل على تزويد الحيش بمئونة مناسبة تصرف رجاله عن الدنية وعن محاولات النهب والعدوان. ونم وصفه لمنطقة حروبه، وذكره مزارع التين والكروم فيها، عن أنه توغل بجيشه في فلسطين، وقد ذكر منطقة منها باسم "أنف الغزال"، وهذا يراها الأستاذ جاردنر قريبة من جبل الكرمل. ويبدو أن سلامة الجيش التي رددها وني في نهاية تقريره المنظوم عددًا من المرات لم تكن من مستلزمات الشعر وحده، وإنما تضمنت خبرًا مرويًّا عما حدث للجنود فعلًا، أو هي على الأقل عبرت عن أمل كان المقيمون يرجونه لجيشهم فعلًا٢.
стр. 177
العمارة والفن والمجتمع:
تجمعت أهرام فراعنة الأسرة السادسة في منطقة سقارة، فيما عدا هرم ببي الثاني الذي شيد إلى الجنوب منها بقليل. وشاهبت هذه الأهرام أهرام الأسرة الخامسة في بساطة أحجامها وصغر أحجارها الخارجية،
стр. 178
وبالتالي قلة متانتها ومقاومتها نسبيًّا وإن تألفت بعض أجزائها الداخلية من كتل ضخمة. وجرت هذه الأهرام على سنة هرم ونيس في نقش متون الأهرام على جدران حجرات الدفن فيها وبعض الحجرات الملحقة بها، ثم ما لبثت هذه المتون أن وجدت سبيلها إلى أهرام الملكات أيضًا، فنقشت في هرم الملكة إبوة زوجة تتي مؤسس الأسرة، وهرمي نبت ووجبتن زوجتي ببي الثاني آخر الملوك الكبار في الأسرة١ مما قد يعني زيادة مكانتهن عما كانت عليه من قبل.
ولم يتبق من تماثيل فراعنة الأسرة السادسة غير القليل، ومن هذا القليل أربعة تماثيل معبرة للفرعون بني الأول، مثله أحدها وهو صغير عاريًا في سن الرضاعة، ومثله آخر جالسًا على حجر أمه في سن الطفولة، ومثله ثالث حاثيًا على ركبتيه في سن الرجولة يقدم قربانًا لربه، ومثله رابع كهلًا يدفع عصاه بيده وبجواره ولي عهده مرنرع عاريًا في سن الطفولة. ولم يجرأ فن النحت على تمثيل هذه الأوضاع للملوك قبل عهد ببي وإنما اعتاد على أن يمثلهم في سن الرجولة الناضجة دائمًا وفي سمات أبناء الأرباب، تكسوهم القداسة ويحف بهم الجلال والوقار حيت يعتلون عروشهم في تعال وأبهة، وحين يقفون في انتصابة وشموخ، وحين يظهرون مع أربابهم في زمالة حبيبة أو بنوة رفيقة. ولم يحرم فنان ببي تماثيله من مظاهر الأبهة حتى وهو يمثله صغيرًا رضيعًا، ولكنه بدأ في الوقت نفسه ينفعل بآراء جديدة عرفها عصره ونشرحها بعد قليل، وبدأ يحس معها بأنه يمثل إنسانًا قبل كل شيء، وإن يكن إنسانًا ملكًا، فمثله عاريًا، ومثله يحن إلى حجر أمه. وبدأ يشعر بأنه لا ضير عليه في التعبير عن العلاقة بين الإنسان الملك وبين ربه بتعبيرها الصحيح فصوره جاثيًا يبتغي من خالقه الرضا وقبول قربانه وإن يكن بطبيعة الحال إنسانًا مميزًا أو إنسانًا مقدسًا٢.
وانعكس ثراء كبار الأفراد وازدياد مكانتهم السياسية والاجتماعية على آثارهم، ففاقت مقابرهم مقابر أمثالهم في عصر الأسرة الخامسة من حيث السعة والفخامة وتعدد النقوش وموضوعات المناظر. وتفرقت هذه المقابر بين جبانة العاصمة منف في سقارة وما حولها وبين جبانات حواضر الأقاليم، وكانت أفخمها هي مقابر رجال البلاط قرب العاصمة أي في سقارة والجيزة. وأشهر ما يستشهد به منها مقبرتان، مقبرة مرروكا، مقبرة كايجمني. وتضمنت أولاهما ٣٣ حجرة فوق سطح الأرض، وامتلأت أغلب جدرانها بالمناظر المنقوشة الملونة. واستحب أثرياء العصر طابع الامتلاء في حياتهم وفي نقوشهم، وأسرف عظماؤهم في الاستمتاع برفاهية حياتهم، وتعمد الفنانون حشو مناظر المقابر بتفاصيل ما كان يتحلى الأثرياء به من الشعور المستعارة والقلائد، وزادوا من تصوير تفاصيل الغدران التي كانوا يرتادونها للتريض وتفاصيل نباتاتها وأسماكها وأفراسها وتماسيحها، بل ولم يجدوا بأسًا من تسجيل تفاصيل الجنازات أيضًا ومناظر العويل والبكاء والحزن فيها. واستمتع مجتمعهم بنصيب واسع من التحرر الفكري والتحرر المعيشي، فلم يتردد
стр. 179
فن التصوير في أن يعكس مظاهر هذا التحرر على مناظر الحياة اليومية التي صورها الفنانون على جدران القبور. ويتضح بعض هذا التحرر في ثلاث لوحات صورها الفنانون لراقصين وراقصات في مناظر الجيزة وسقارة. فقد صورت اللوحة الأولى فتياتها يرتدين ملابس نصفية ويرفعن سيقانهن في رشاقة واتزان يشبهان بعض أوضاع الباليه. وصورت الثانية جواريها بملابس نصفية شفافة هفهافة تكشف عما تحتها، وصورتهن ينثنين إلى الخلف في دلال لإظهار رشاقتهن. وأظهرت الثالثة جواريها عاريات في مجموعات ثلاثية ترفع الواحدة فيها ساقها العارية حتى تلامس بها كتف أختها١. ويتضح من المقارنة بين هذه اللوحات الثلاث، إلى أي حد تدرجت حرية الفنانين حينذاك في التعبير عن أوضاع الراقصات، وإلى أي حد تدرجت الراقصات في تأدية الحركات الجريئة وفي التخفف من الثياب، بعد أن كانت لوحات الرقص في مناظر النصف الأول من الدولة القديمة تتوخى الحشمة في تصوير الراقصات وتسجيل حركاتهن البطيئة الرتيبة.
стр. 180
رحلات الكشف في الجنوب:
عبر المصريون في الدولة القديمة عن أهل النوبة باسم عام وهو "نحسيو" "ومنه أتى اسم بانحسي أي النوبي وخرج به العبرانيون ونطقوه فنحاس". واعتادوا على أن يعبروا عن مناطقها بأسمائها المحلية مثل: واوات وإيام، وإرثة، ومعخز، ومجا، وكاو١. وازدادت علاقاتهم بها باستمرار نتيجة لاعتبارات كثيرة، أهمها: اعتبار المصريين منطقة النوبة السفلى الممتدة جنوب أسوان جزءًا متممًا لحدودهم الجنوبية، ورغبتهم في تأمين الحياة عندهم والحد من شغب قبائلها غير المستقرة التي كثيرًا ما دعاها الفقر إلى الاعتداء على مراكز الحدود وقوافل التجارة، وعملهم على استغلال محاجرها الممتازة، كمحاجر الديوريت التي بدأ استخدامها منذ عصر الأسرة الرابعة على أقل تقدير، وربما استغلال مناجم الذهب في مناطقها الشرقية "٢، ورغبتهم في فتح أسواق للتبادل التجاري في مناطقها المسكونة، ثم رغبتهم في اتخاذها سبيلًا ووسيطًا للاتصال بأراضي السودان الغنية بمنتجاتها الطبيعية ونباتاتها وحيواناتها. وكانوا يصدرون إليها فيما تذكر نصوصهم الدهون العطرة والعسل الأبيض والمنسوجات والزيوت ومصنوعات القاشاني، ويستوردون منها وعن طريقها الماشية والعاج والأبنوس وريش النعام وجلود الضباع والفهود وربما الذهب والغلال أيضًا، ووضحت هذه الصلات والرغبات خلال عصر الأسرة السادسة على هيئة بعثات كشفية ورحلات تجارية وحملات تأديبية. وتكفل بأعمال الكشف وترويج التجارة حينذاك، عدد من كبار حكام أسوان، جمعوا فيما يحتمل بين الدم المصري والدم النوبي وعرفوا اللهجات النوبية والسودانية وتفاهموا بها مع أهلها، وحملوا