من عابر سبيل أو اغتصب نعله، ولم يحدث أن نهب أحد جنوده خرقة من قرية، أو سلب عنزة من عشيرة، حتى جاوز بجيشه مناطق الحدود الشمالية الشرقية، أو جاوز على حد تعبيره الجزيرة الشمالية، وبوابة إيمحوتب، وساقة حورنب ماعت١. وترتب على المعارك التي خاضها وني ما يترتب على الحروب عادة في كل آن، من أسر وتقتيل، ونهب وتدمير. ولما تكللت مساعيه بالنصر، وعاد بعسكره إلى أرض مصر، رفع إلى فرعونه تقرير الحرب، وعقب عليه بسبعة أبيات من الشعر أكد خلالها سلامة جيشه سبع مرات، وبدأ كل شطر فيها بعبارة تقول: عاد الجيش سالمًا ... بعد أن فعل كذا وكذا ... ، فقال على سبيل المثال: "عاد الجيش سالمًا بعد أن دمر أرض أهل الرمال ... ، عاد سالمًا بعد أن أسقط حصونهم، عدا سالمًا بعد أن خرب مزارع التين واقتلع الكروم".
لم يبرأ تقرير وني من المبالغة في تصوير كثافة جيوشه، حين ادعى أنها بلغت عشرات الآلاف، ولم يبرأ من المبالغة حين ادعى أن جنوده لم يحيدوا عن جادة الصواب في أي كبيرة وصغيرة. غير أن روايته على الرغم مما تضمنته من مبالغات، لا تخلو من دلالات تنم عن التنظيمات العسكرية في عصره، ومنها أن الحكام تعودوا على أن يجندوا قطاعًا واسعًا من إمكانيات البلاد لأغراض الدفاع والهجوم كلما آن أوانها، وأنهم اطمأنوا على إخلاص بعض النوبيين وبدو الصحراء الغربية واستعانوا بهم في جيوشهم، وأن رجال الدين كان لهم نصيب من المشاركة حين الخروج إلى الحرب، ولعلهم كانوا يثيرون حماس الجنود ويذكرونهم بآلاء الأرباب وضرورة الولاء للفراعنة والرؤساء والحرص على تقاليد الدين. وأن التراجمة كانوا يعاونون القادة على التفاهم مع أهل المدن التي يفتحونها أو تفتح لهم أبوابها من تلقاء نفسها. ونم وصف وني لمسلك جنوده الحميد داخل مناطق الحدود، وافتخاره به، عن أن رؤساء عهده ممثلين في شخصه، كانوا يقدرون من تبعات القيادة أربعة واجبات، وهي: العمل على تغليب روح الطاعة في الجيش، وتقليل دواعي الشقاق بين الجنود، وتغليب روح التراحم بينهم وبين مواطنيهم المدنيين، والعمل على تزويد الحيش بمئونة مناسبة تصرف رجاله عن الدنية وعن محاولات النهب والعدوان. ونم وصفه لمنطقة حروبه، وذكره مزارع التين والكروم فيها، عن أنه توغل بجيشه في فلسطين، وقد ذكر منطقة منها باسم "أنف الغزال"، وهذا يراها الأستاذ جاردنر قريبة من جبل الكرمل. ويبدو أن سلامة الجيش التي رددها وني في نهاية تقريره المنظوم عددًا من المرات لم تكن من مستلزمات الشعر وحده، وإنما تضمنت خبرًا مرويًّا عما حدث للجنود فعلًا، أو هي على الأقل عبرت عن أمل كان المقيمون يرجونه لجيشهم فعلًا٢.
стр. 177
العمارة والفن والمجتمع:
تجمعت أهرام فراعنة الأسرة السادسة في منطقة سقارة، فيما عدا هرم ببي الثاني الذي شيد إلى الجنوب منها بقليل. وشاهبت هذه الأهرام أهرام الأسرة الخامسة في بساطة أحجامها وصغر أحجارها الخارجية،
стр. 178
وبالتالي قلة متانتها ومقاومتها نسبيًّا وإن تألفت بعض أجزائها الداخلية من كتل ضخمة. وجرت هذه الأهرام على سنة هرم ونيس في نقش متون الأهرام على جدران حجرات الدفن فيها وبعض الحجرات الملحقة بها، ثم ما لبثت هذه المتون أن وجدت سبيلها إلى أهرام الملكات أيضًا، فنقشت في هرم الملكة إبوة زوجة تتي مؤسس الأسرة، وهرمي نبت ووجبتن زوجتي ببي الثاني آخر الملوك الكبار في الأسرة١ مما قد يعني زيادة مكانتهن عما كانت عليه من قبل.
ولم يتبق من تماثيل فراعنة الأسرة السادسة غير القليل، ومن هذا القليل أربعة تماثيل معبرة للفرعون بني الأول، مثله أحدها وهو صغير عاريًا في سن الرضاعة، ومثله آخر جالسًا على حجر أمه في سن الطفولة، ومثله ثالث حاثيًا على ركبتيه في سن الرجولة يقدم قربانًا لربه، ومثله رابع كهلًا يدفع عصاه بيده وبجواره ولي عهده مرنرع عاريًا في سن الطفولة. ولم يجرأ فن النحت على تمثيل هذه الأوضاع للملوك قبل عهد ببي وإنما اعتاد على أن يمثلهم في سن الرجولة الناضجة دائمًا وفي سمات أبناء الأرباب، تكسوهم القداسة ويحف بهم الجلال والوقار حيت يعتلون عروشهم في تعال وأبهة، وحين يقفون في انتصابة وشموخ، وحين يظهرون مع أربابهم في زمالة حبيبة أو بنوة رفيقة. ولم يحرم فنان ببي تماثيله من مظاهر الأبهة حتى وهو يمثله صغيرًا رضيعًا، ولكنه بدأ في الوقت نفسه ينفعل بآراء جديدة عرفها عصره ونشرحها بعد قليل، وبدأ يحس معها بأنه يمثل إنسانًا قبل كل شيء، وإن يكن إنسانًا ملكًا، فمثله عاريًا، ومثله يحن إلى حجر أمه. وبدأ يشعر بأنه لا ضير عليه في التعبير عن العلاقة بين الإنسان الملك وبين ربه بتعبيرها الصحيح فصوره جاثيًا يبتغي من خالقه الرضا وقبول قربانه وإن يكن بطبيعة الحال إنسانًا مميزًا أو إنسانًا مقدسًا٢.
وانعكس ثراء كبار الأفراد وازدياد مكانتهم السياسية والاجتماعية على آثارهم، ففاقت مقابرهم مقابر أمثالهم في عصر الأسرة الخامسة من حيث السعة والفخامة وتعدد النقوش وموضوعات المناظر. وتفرقت هذه المقابر بين جبانة العاصمة منف في سقارة وما حولها وبين جبانات حواضر الأقاليم، وكانت أفخمها هي مقابر رجال البلاط قرب العاصمة أي في سقارة والجيزة. وأشهر ما يستشهد به منها مقبرتان، مقبرة مرروكا، مقبرة كايجمني. وتضمنت أولاهما ٣٣ حجرة فوق سطح الأرض، وامتلأت أغلب جدرانها بالمناظر المنقوشة الملونة. واستحب أثرياء العصر طابع الامتلاء في حياتهم وفي نقوشهم، وأسرف عظماؤهم في الاستمتاع برفاهية حياتهم، وتعمد الفنانون حشو مناظر المقابر بتفاصيل ما كان يتحلى الأثرياء به من الشعور المستعارة والقلائد، وزادوا من تصوير تفاصيل الغدران التي كانوا يرتادونها للتريض وتفاصيل نباتاتها وأسماكها وأفراسها وتماسيحها، بل ولم يجدوا بأسًا من تسجيل تفاصيل الجنازات أيضًا ومناظر العويل والبكاء والحزن فيها. واستمتع مجتمعهم بنصيب واسع من التحرر الفكري والتحرر المعيشي، فلم يتردد
стр. 179
فن التصوير في أن يعكس مظاهر هذا التحرر على مناظر الحياة اليومية التي صورها الفنانون على جدران القبور. ويتضح بعض هذا التحرر في ثلاث لوحات صورها الفنانون لراقصين وراقصات في مناظر الجيزة وسقارة. فقد صورت اللوحة الأولى فتياتها يرتدين ملابس نصفية ويرفعن سيقانهن في رشاقة واتزان يشبهان بعض أوضاع الباليه. وصورت الثانية جواريها بملابس نصفية شفافة هفهافة تكشف عما تحتها، وصورتهن ينثنين إلى الخلف في دلال لإظهار رشاقتهن. وأظهرت الثالثة جواريها عاريات في مجموعات ثلاثية ترفع الواحدة فيها ساقها العارية حتى تلامس بها كتف أختها١. ويتضح من المقارنة بين هذه اللوحات الثلاث، إلى أي حد تدرجت حرية الفنانين حينذاك في التعبير عن أوضاع الراقصات، وإلى أي حد تدرجت الراقصات في تأدية الحركات الجريئة وفي التخفف من الثياب، بعد أن كانت لوحات الرقص في مناظر النصف الأول من الدولة القديمة تتوخى الحشمة في تصوير الراقصات وتسجيل حركاتهن البطيئة الرتيبة.
стр. 180
رحلات الكشف في الجنوب:
عبر المصريون في الدولة القديمة عن أهل النوبة باسم عام وهو "نحسيو" "ومنه أتى اسم بانحسي أي النوبي وخرج به العبرانيون ونطقوه فنحاس". واعتادوا على أن يعبروا عن مناطقها بأسمائها المحلية مثل: واوات وإيام، وإرثة، ومعخز، ومجا، وكاو١. وازدادت علاقاتهم بها باستمرار نتيجة لاعتبارات كثيرة، أهمها: اعتبار المصريين منطقة النوبة السفلى الممتدة جنوب أسوان جزءًا متممًا لحدودهم الجنوبية، ورغبتهم في تأمين الحياة عندهم والحد من شغب قبائلها غير المستقرة التي كثيرًا ما دعاها الفقر إلى الاعتداء على مراكز الحدود وقوافل التجارة، وعملهم على استغلال محاجرها الممتازة، كمحاجر الديوريت التي بدأ استخدامها منذ عصر الأسرة الرابعة على أقل تقدير، وربما استغلال مناجم الذهب في مناطقها الشرقية "٢، ورغبتهم في فتح أسواق للتبادل التجاري في مناطقها المسكونة، ثم رغبتهم في اتخاذها سبيلًا ووسيطًا للاتصال بأراضي السودان الغنية بمنتجاتها الطبيعية ونباتاتها وحيواناتها. وكانوا يصدرون إليها فيما تذكر نصوصهم الدهون العطرة والعسل الأبيض والمنسوجات والزيوت ومصنوعات القاشاني، ويستوردون منها وعن طريقها الماشية والعاج والأبنوس وريش النعام وجلود الضباع والفهود وربما الذهب والغلال أيضًا، ووضحت هذه الصلات والرغبات خلال عصر الأسرة السادسة على هيئة بعثات كشفية ورحلات تجارية وحملات تأديبية. وتكفل بأعمال الكشف وترويج التجارة حينذاك، عدد من كبار حكام أسوان، جمعوا فيما يحتمل بين الدم المصري والدم النوبي وعرفوا اللهجات النوبية والسودانية وتفاهموا بها مع أهلها، وحملوا
стр. 181
لذلك لقب رؤساء المترجمين "إميراعو"، وسجلت النصوص من أسمائهم أسماء: إري، وحرخوف، ومخو، وسابني، وببي نخت. وكان أكثرهم أثرًا اثنان، هما: حرخوف، وببي نخت.
قام حرخوف بأربع رحلات إلى الجنوب في عهدي الملكين مرنرع وببي الثاني، سلك خلالها طريقين: طريقًا يوازي النهر والدروب القريبة منه، وطريقًا يصل إلى الواحات عبر الصحراء الغربية. وبدا أولى رحلاته في صحبة أبيه إري، وبلغ معه منطقة إيام "أو يام أو إيما" وهي منطقة قريبة من مجرى النيل حول الشلال الثاني١، وذكر في نصوصه عن رحلته أنه أراد أن "يكتشف بها طريقًا إلى تلك الفيفاي"٢ وذلك مما يدل على وضوح نية الكشف عنده، وهو وإن كان كشفًا تجاريًّا وإداريًّا قبل كل شيء، إلا أن ذلك لا يعيبه في عصره البعيد إذا قدرنا أن الاكتشافات الأوروبية حتى في العصر الحديث، كانت على الرغم من نتائجها العلمية، تستهدف التجارة والاستغلال بل والاستعمار أساسًا. وقضى حرخوف في رحلته سبعة شهور. ثم قام برحلته الثانية، وبدأها من أبيدوس وسلك فيها طريقًا سمي طريق العاج، وقطع هو وقافلته فيما يظن إيدل وديكسون نحو ١٧٢٥ كيلومتر على ظهور الحمير بلغ فيها دنقلة الأرودي قرب الشلال الثالث، وعاد بعد ثمانية شهور قضاها في ذهابه وإيابه٣. وسلك في رحلته الثالثة "طريق الواحة" من أبيدوس٤، وهو طريق يحتمل أنه نفس طريق درب الأربعين الذي تسلكه القوافل حتى اليوم، ويصل بين منطقة دارفور والواحة الخارجة ثم يمتد منه إلى أسيوط. وقص حرخوف في أخباره عن رحلته هذه أنه صادف نزاعًا بين قبائل إيام وبين قبائل الثمحو، وكانت الأخيرة منهما قبائل تنتشر في طريق الواحات غرب النيل وتمتد حتى واحة سليمة على أقل تقدير. فعمل على إصلاح ما يبنهما؛ رغبة منه في إظهار مسعاه الحميد لدى الطرفين، وحرصًا منه على تأمين سبل التجارة التي انتدبه فرعونه إليها. وأتم حرخوف رحلته الرابعة في عهد بني الثاني الذي ولي العرش طفلًا. وكان قد اعتاد في عوداته من رحلاته السابقة أن يؤكد لملكه انتشار نفوذه على المناطق الجنوبية التي زراها أو اكتشف سبل الوصول إليها، واعتاد على أن يقدم لبلاطه خير متاجرها وخير هداياها وخير جزاها، كما اعتاد على أن يتلقى المكافآت العينية والتشريفية جزاء عمله في كل مرة، وكان يصف نفسه بأنه المشرف على الجنوب وعلى كل البراري في رأس الصعيد٥. ثم عاد من رحلته الرابعة بما اعتاد أن يعود به من غيرها، وزاد عليه قزمًا ربما حصل عليه من أسواق الجنوب
стр. 182
وكتب بخبره إلى بلاط مولاه، فاهتم الملك الطفل به أكثر من اهتمامه بنتائج الرحلة نفسها، ورد على كتاب حرخوف برسالة ساذجة تتبدى فيها روح الطفولة وانفعالاتها، وتتبدى فيها في الوقت نفسه مساوئ النظام الوراثي المطلق الذي لا يأبى أن يضع أزمة أمور دولة بأسرها في يد طفل صغير, وأوصى ببي حرخوف في رسالته بالعجلة في الحضور إليه والحرص على سلامة القزم، وشدد عليه في أن يخصص له حرسًا يحوطونه على جانبي المركب خشية أن يسقط في الماء، ويتفقدونه خلال نومه عشر مرات في كل ليلة، وصرح له بأنه أصبح يهتم بهذا القزم الذي أتى له به من عالم الأرواح "سكان الأفق" أكثر من اهتمامه بمنتجات أرض المناجم ومنتجات بلاد بوينة نفسها، ووعده إن وصل به سالمًا أن يكافئه مكافأة لا يحلم بها، مكافأة يعتز بها أولاده وأحفاده١.
وكان الأقزام يقومون بأدوار مختلفة في قصور الفراعنة والأثرياء وفي المعابد. فعمل بعضهم في مجالات الرقص والفكاهة، وأؤتمن بعضهم على المقتنيات الخاصة لمواليهم ورؤسائهم، وعمل بعضهم في الصناعات الدقيقة كصناعة الحلي، واشترك بعضهم في أداء طقوس المعابد ورقصاتها، وكان لهم دور معلوم يؤدونه في بعض مراسيم الجنازات الكبيرة٢. وكان بعضهم يجلبون من بلاد السودان أو مما وراءها كما حدث على يد حرخوف في عهد ببي، ومن بلاد بوينة كما حدث في أيام الفرعون إسسي من الأسرة الخامسة حيث أحضر رجل يدعى "باور جدي" قزمًا من أسواق إيام، وذكر أنه استورده من "أرض الأرواح"٣. على حين كان بعضهم الآخر يختارون من بين قصار القامة وناقصي التكوين من المصريين أنفسهم٤. ولم تكن أوضاع هؤلاء وهؤلاء مهينة دائمًا، لا سيما إذا كانوا من المصريين، فقد ولي القزم المصري سنب مناصب كبيرة في البلاط والكهنوت في نهاية عصر الأسرة الخامسة أو بداية عصر الأسرة السادسة، وتزوج من سيدة نبيلة، وأصبح يخرج في مواكبه يصحبه ما لا يقل عن أربعة أتباع يحملون محفته وعصاه ويرفعون له مظلته٥.
وأكمل والي أسوان ببي نخت مجهودات سلفه حرخوف في أعمال الكشف وتأمين سبل التجارة في الأقطار الجنوبية في أوائل عهد ببي الثاني، وكان يكنى "حقا إب" أي المتحكم "في" قلبه. واستعان على تنفيذ أغراضه بالشدة حينًا وبالسياسة حينًا آخر٦. وترتب على ذلك كله أن استمرت التجارة المصرية في التوغل في الجنوب، وربما وصلت حينذاك إلى أسواق كراما في أقصى مديرية دنقلة٧، وكانت من أكبر الأسواق التي توسطت بين النوبة وبين السودان.
стр. 183
واستمرت اتصالات مصر التجارية القديمة ببلاد بوينة "بونت" وسواحل فينيقيا، وتبقى من قرائن هذه الاتصالات أن سجل ملامح مصري يدعى خنوم حوتب، أنه تردد بمركبه مع رئيسيه ثثي وخوي على ميناء جبيل من ناحية، وعلى سواحل بوينة من ناحية أخرى، إحدى عشرة مرة، واستمتع بما شاهده هنا وهناك١.
ونود أن نشير قبل أن نختم هذه المرحلة من عصر الأسرة السادسة، إلى أن التطور الطبقي فيها لم يقتصر على كبار الموظفين وحدهم وإنما امتد إلى الطبقة الوسطى أيضًا، وبقيت من صوره الطريفة رسالة رد بها قائد صغير على وزير عصره، ويفهم منها أن الوزير كان قد طلب منه أن يوافيه إلى العاصمة بجانب من فرقته التي تعمل في طرة، حتى توزع الكساوي عليهم في حضرته. فرد القائد عليه بما يدل على أنه لم يهتم بأن يجاري كبرياء رئيسه في أن يظهر فضله على الجند وجهًا لوجه، وأبدى له أن تحقيق طلبه يقتضي التضحية بستة أيام كاملة، هو أحوج إليها لأداء ما أوكل إليه من المهام، أما توزيع الملابس على الجند، فيمكن أن يتم في يوم واحد على حد قوله، إن هو أرسلها إليها من رجال البريد٢.
стр. 184
الفصل السادس: عصر الانتقال الأول أو عصر اللامركزية الأولى
نهاية دورة
...
الفصل السادس: عصر الانتقال الأول أو عصر اللامركزية الأولى من أواخر القرن ٢٣ق. م إلى أواسط القرن ٢١ق. م"
نهاية دورة:
ورث ببي الثاني العرش طفلًا، فسانده اثنان، أمه وخاله، ويحتمل أن يكون قد حكم أكثر من تسعين عامًا وهي أطول مدة حكمها ملك مصري قديم. وقد سارت أمور البلاد في أوائلها على النهج العادي الذي سارت عليه في عهود أسلافه، وذلك من حيث النشاط الداخلي والخارجي ومن حيث الثراء الملكي من جهة، ثم من حيث ازدياد سلطات حكام الأقاليم واتساع ثرواتهم وثروات رجال البلاط من جهة أخرى، وميلهم جميعًا إلى التحرر في العادات وسبل الحياة، ويحتمل كما يعتقد شتوك أنه أصبح لمصر في عهد ببي وزيران، وزير للصعيد وآخر للوجه البحري.
ولم يخل ازدياد سلطان حكام الأقاليم وازدياد ثرائهم من الدلالة على مظاهر الضعف في الحكم المركزي، فهذا السلطان وإن أدى إلى إبراز شخصياتهم وفردياتهم إلى جانب شخصية فرعونهم وأدى على استفادة الأقاليم بمجهودات المصلحين منهم، وهو أمر محمود، إلى أنه لم يكن خيرًا كله، فقد كان من شأنه لو زاد عن حده أن يجرأهم على أن يختطوا لأنفسهم سياسة ضيقة ينشغلون فيها بأنفسهم وبتوطيد سلطانهم في أقاليمهم، ولو أدى ذلك إلى الانصراف قليلًا أو كثيرًا عن رعاية مصلحة الدولة في مجموعها والصالح العام ككل، وعن مراعاة حقوق الحكومة المركزية في العاصمة. ولم يكن من المنتظر أن يظل كل الحكام على سواء في عدالة الحكم ورعاية شئون الأقاليم، ما داموا بمأمن من رقابة الحكومة المركزية وعقابها، وكان من منطق الحوادث أن تستأثر بعض أسرهم بخيرات أقاليمها دون الغالبية العظمى من أهل هذه الأقاليم. ومعنى ذلك كله أنه كان لازدياد سلطان حكام الأقاليم وجهان، وجه طيب ووجه سيئ، ولم يكن هناك مجال للخوف من وجهه السيئ ما دامت الحكومة المركزية في العاصمة قوية تعمل لصالح الدولة ككل وترعى شئونها، وما دام الحكام يعرفون واجباتهم نحوها ويدينون بالطاعة لها، وقد استمر الحال كذلك خلال العهود الأولى من حكم الأسرة السادسة، ثم تبدل حال الحكومة المركزية وحال حكام أقاليمها في عهودها الأخيرة، وتضخمت العيوب بوجه خاص منذ أواخر عهد ببي الثاني حين طال حكمه واستبدت به شيخوخته فدب الضعف في حكومته وقلت هيبتها وبدأ الزمام ينفلت من يدها. وكان أغلب حكام الأقاليم قد مضوا في طريقهم، فزاد استمساكهم بتوريث مناصبهم لأبنائهم واعتبروه حقًّا مكتسبًا لهم وليس مجرد منحة من ملوكهم. وجعلوا منصب والي الجنوب الذي ابتدعته الحكومة المركزية للإشراف على مصالحها في الصعيد والإشراف على
стр. 185
سياسة حكامه منصبًا غير ذي موضوع بعد أن انتحله نفر منهم لأنفسهم في وقت واحد. ومنع بعض حكام الصعيد القصي عن حكومة الدولة نصيبها من موارد أقاليم، فأصبحت شبه عاجزة عن تنفيذ أوامرها وممارسة تبعاتها وحقوقها، وأخذت ظواهر السخط تتجمع ضدها، واستعدت بعض طوائف الشعب للثورة عليها وعلى أوضاع الحياة كلها، لا سيما بعد أن عاث الجنود المرتزقة الذين استعانت بهم في جيشها فسادًا في الأرض دون خشية منها. ولم يتأت الخطر على الدولة حينذاك من الظروف الداخلية وحدها، وإنما دهمها كذلك من خارج حدودها، فتجددت أخطار الهجرات الأمورية بعد أن كانت قد خفت حدتها وانكسرت شرتها مؤقتًا على يدي ونى وجيشه، وتجرأ بدو سيناء وبدو فلسطين على حدود الدولة وهددوا أمن سبل تجارتها مع بقية بلاد الشام، وحرموها بذلك كثيرًا من دخول التجارة وضرائبها، ثم تسرب بعضهم إلى أراضي الدلتا وقراها وحاولوا الاستقرار فيها، وعجزت الحكومة القائمة عن تأديبهم وإلزامهم حدود الطاعة لها.
стр. 186
الثورة الطبقية:
صور نتائج هذه الأوضاع التي انتهت إليها أمور الحكام والمحكومين في أواخر عصر الأسرة السادسة حكيم مصري يدعى إيبوور "أو إبو العجوز". ويغلب على الظن أنه عاش في أواخر عهد ببي الثاني أو في عهد أحد خلفائه الضعاف. ويغلب على الظن أيضًا أنه كان ذا صلة بمناصب الدلتا، وأنه نجح بعد لأي في أن يبلغ صوته إلى أهل البلاط، وربما نجح في مقابلة الفرعون نفسه، وحاول أن يحمله هو وحكومته تبعة ما انتهت إليه أحوال البلاد على أيامه من ضعف ودمار. وحفظ الوطنيون المصريون آراء إيبوور ووصفه لأحداث عصره١ مما سنعود إلى تفصيله وتحليل عناصره في فصل الأدب. ويكفي أن نذكر هنا أن الرجل صور ثورة عنيفة عارمة ضد الأوضاع السياسية والاجتماعية التي اشتد فسادها في أيامه. ويفهم من حديثه أنها بدأت بالعاصمة وأنه صحبها في بدايتها شيء من العنف ورغبة التنفيث والانتقام، فنزع الثوار عن ملكيتهم القائمة ما تبقى لها من قداسة شكلية، وأباحوا لأنفسهم أن يتقاسموا أملاكها ومواردها وأملاك أنصارها، وقلبوا أوضاع العاصمة رأسًا على عقب واقتحموا دواوينها ومزقوا وثائقها، "وانقلبت العاصمة في ساعة" على حد قوله، "وانكشفت أسرار ملكية الصعيد والدلتا"، وجرى بعض أهل الأقاليم مجرى أهل العاصمة فهاجموا المتسيطرين عليهم "وقالت كل مدينة دعونا نقصي العتاة من بيننا". ولم تقتصر حملات الناقمين على الأثرياء الأحياء وحدهم، وإنما امتدت كذلك إلى مقابر الأثرياء الموتى الذين نعموا في دنياهم لما لم ينعم به سواهم، ثم رصدوا على أهرامهم ومقابرهم ومعابدهم من الخيرات والأوقاف ما كان الأحياء من أفراد الشعب أولى بمثله.
بيد أنه على الرغم من السوءات التي صاحبت تلك الثورة في بدايتها، ترتبت عليها نتائج أخرى طيبة صور إيبوور بعضها، وكانت أوضحها ثلاثة، وهي:
стр. 187
أنها استثارت نوعًا من الوعي القومي لدى المفكرين الذين عز عليهم عجزهم عن دفع البلاء عن وطنهم قبل وقوعه، وعز عليهم أنهم لم ينشطوا للتصرف عند ظهور بوادر الخطر ولم يتلافوها، وصعب عليهم أن تنتهك حرمات البلاد وتبتذل مقدساتها الدينية والتقليدية تحت أبصارهم وأسماعهم، سواء بأيدي المهاجرين أم بأيدي المواطنين الموتورين. وعبر إيبوور عن هذا الوعي في صحوة ضميره فقال: "وما أشق ذلك على نفسي، بل وعلى كلي، وليتني رفعت صوتي في ذلك الحين، وإذن لأنقذني ذلك من عذاب لا زلت أعانيه". وحين قابل إيبوور ملكه صور له جهله وحيرة شعبه قائلًا له: "كان من الممكن أن يرتاح قلب الملك لو بلغته الحقيقة، فهذه كل بدل أجنبية "تجرأت علينا"، وهذا ماؤنا "أمامنا"، وهذه سعادتنا "في أرضنا"، ولكن ما الذي نستطيع أن نفعله من أجلها والكل آيل إلى الدمار؟ "، بل وقال له: " ... إن ما يروي لك هو الباطل، فالبلاد تشتعل والناس قد أهلكوا ... " ثم تجرأ الرجل عن الملك وحاسبه قائلًا: "لديك الوحي والبصيرة و"أسباب" العدالة، ولكنك بعثت الفوضى في البلاد مع أهل الفتن". وقص عليه بلاء الناس ثانية، ثم عنف عليه قائلًا له: "وليتك تذوقت بعض هذه المصائب وإذن لرويت "خبرها بنفسك".
ونتيجة أخرى ترتبت على الثورة، وهي أنها دفعت المفكرين إلى تخيل صورة واضحة للحاكم الصالح الذي يتمناه وطنهم بعد أن جرب الحكم المطلق طوال العصور السابقة، وجرب بعدها سيطرة العوام. وعبر إيبوور عن هذه الصرة المرجوة وهو يخاطب أهل الحاشية، فوصف لهم الحاكم المنتظر بأنه: من يعمل للبناء، ولا يفرق بين جريء وهياب، وصوره "رجلًا يستطيع أن يحيل اللهب بردًا وسلامًا، ويمكن أن يعتبره قومه راعيًا للناس أجمعين، ليس في قلبه ضغينة، وإذا تفرقت رعيته قضى يومه يجمعها"١.
أما النتيجة الثالثة التي ترتبت على الثورة بعد أن هدأت وقر قرارها، فهي نشأة طبقات جديدة لم تعد تعتز بالحسب والنسب بقدر ما تمجد العصامية، ويعتز الفرد منها في نصوصه بأنه مواطن قادر يتكلم بفمه "أي يتكلم بوحي نفسه وليس بايعاز من غيره"، ويفخر بأنه يعمل بساعده ويحرث بمواشيه ويتنقل بقاربه "أي يعتمد في عمله وحله وترحاله على ما تمتلكه يداه وليس على ما يمتلكه سواه"٢.
стр. 188
الغموض:
طال تطلع المصريين في أواخر الدولة القديمة إلى ملك صالح يرعى البلاد جميعها ويسوس الحكام والمحكومين ويلزمهم جادة الصواب. وتوالى على عرش الأسرة السادسة في خواتيم أيامها فراعنة ضعاف، ظهر من أسمائهم في بردية اسم لشخصية تدعى "نيت إقرتي"، اختلف المؤرخون في شأنها اختلافًا كبيرًا، فاعتبرها بعضهم أم ببي الثاني أو زوجته أو أخته، واعتبرها بعضهم رجلًا أتى بعده، واعتبرها
стр. 189
بعضهم امرأة انتهت إليها وراثة العرش في آخر أيام الأسرة السادسة١. ويعتقد أصحاب هذا الرأي الأخير أن هذه السيدة هي التي اشتهرت لدى المؤرخين المتأخرين باسم نيو كريس، وأنها استطاعت أن تنفرد بالحكم عامين، غير أن أيامها انتهت أثر يذكر لها إلا انهيار العرش الفرعوني بعدها. ثم دخلت ذمة الأساطير. ويبدو أنها تلقبت بلقب منكارع، فخلط المؤرخون المتأخرون بينها وبين منكاروع ونسبوا إليها إكمال هرمه. وعرفت أميرة أخرى بنفس اسم نيت إقرت في الأسرة السادسة والعشرين، وكانت ابنة بسماتيك الأول. ويحتمل أن سمعتها اختلطت في أذهان الناس والمؤرخين الأواخر بسمعة نيت إقرتي القديمة. وروى مانيتون أنها كانت أنبل وأجمل أهل زمانها. وروى هيرودوت أنه سمع من المصريين عنها أنها كانت ذات جمال طاغ، وأنها وليت العرش بعد مقتل زوجها، فاتجهت بكليتها إلى محاولة التعرف على قاتليه والفتك بهم، وكادت لهم طويلًا ولجأت في خطتها الأخيرة إلى أن أعدت بهوًا فخمًا ضخمًا في باطن قصرها، وأمرت بحفر سراديب خفية حوله تصله بنهر النيل، واستبقت أمر هذه السراديب سرًّا لا يعلمه إلا خاصة المقربين إليها، ثم دعت من حامت الشبهات حولهم في مقتل زوجها إلى افتتاح البهو الجديد، فلما اكتملت أعدادهم فيه وانصرفوا إلى اللهو والشراب، أمرت بفتح السراديب عليهم وأغرقتهم أجمعين. وحين ثابت الملكة إلى رشدها وهدأت الحمية فيها، تخوفت نقمة شعبها وثورته على فعلتها، فرمت نفسها في أتون متأجج من النار وقضت على نفسها بنفسها.
قد تكون قصة "نيت إقرتي" هذه، أو نيتوكريس، أسطورة مختلفة في معظمها، ولكنها على الرغم من ذلك لا تخلو من مغزى، فترديد الرواة المصريين لها أمام الإغريق ينم في أغلب الظن عن اعتزازهم بعصر قديم كان الملوك يخشون فيه انتقام رعاياهم ويفضلون أن يلاقوا حتفهم بأيديهم عن ملاقاة ثورتهم وبطشهم.
لم يكتنف الغموض أواخر الأسرة السادسة وحدها، وإنما اكتنف عصرًا طويلًا تلاها استمر نحو قرن ونصف قرن وامتد من أعقاب الأسرة السادسة حتى نهاية الأسرة العاشرة وهو ما يعرف اصطلاحًا باسم عصر الانتقال الأول أو عصر اللامركزية الأولى، وبدا فيما يظن في أواخر القرن الثالث والعشرين ق. م٢. وظل النزاع على العرش بين أدعياء الحكم والطامعين فيه مستمرًا في أوائله وذلك بحيث روى مانيتون أنه تولى الحكم في عصر الأسرة السابعة سبعون ملكًا لمدة سبعين يومًا. ومع وضوح الغرابة في هذه الرواية، حاول بعض الباحثين المحدثين أن يستشفوا شيئًا منها" فافترضوا أن السبعين ملكًا كانوا مجموعة من كبار الموظفين كونوا من أنفسهم حكومة بيروقراطية ترأسها كل منهم يومًا واحدًا، أو جماعة من الأشراف وكبار حكام الأقاليم كونوا فيما بينهم حكومة أرستقراطية وأرادوا إقامة حكم مشترك يتعاقبون في رئاسته على التناوب ولكنهم فشلوا. ولكن ليس ما يمنع من أن نفترض من ناحيتنا أن السبعين يومًا
стр. 190
كانت فترة اضطراب شامل خلا العرش فيها من صاحبه فانتحل كل حاكم من حكام الأقاليم الكبار السلطان المطلق لنفسه، مع اعتبار عدد السبعين ملكًا مجرد مبالغة عديدة لتصوير كثرتهم وحيرة الناس بينهم.
وبدأت أيام الأسرة الثامنة واستمرت على نفس الضعف الذي انتهت إليه أيام الأسرة السادسة وقامت عليه الأسرة السابعة, ولا يكاد يعرف من آثارها المكتوبة غير عدة نصب عثر عليها في منطقة قفط لأسرة حاكمة سيطرت فيها على سبعة أقاليم من جنوب الصعيد لمدى أربعين عامًا فيما يعتقد الأستاذ كورت وزيته١. ثم ما لبثت أن تسربت زعامة الصعيد منها إلى أيدي حكام إقليم طيبة في نفس الوقت تقريبًا الذي انتقلت فيه زعامة مصر الوسطى من أيدي من بقي من ملوك منف الضعاف إلى أيدي حكام أهناسيا غربي بني سويف الحالية.
وهكذا استمر تطلع أهل العواصم المصرية إلى حاكم أعلى يجمع شمل البلاد ويحقق الأمل الذي نادى بمثله إيبوور، عهودًا طويلة، وإن ظهر عدد من حكام الأقاليم حاول كل منهم أن يقوم بدور الحاكم الصالح في إقليمه، في إقليمه، واعتبر نفسه شبه ملك في حدود منطقته، وأرخ بعضهم نصوصه باسمه وبفترة ولايته. وافتخر أغلبهم في نصوصهم بمحاولة حل ثلاث مشكلات كانت تقلق بال الناس في عهودهم، وهي: مشكلة اضطراب الأمن، ومشكلة تطهير الترع القديمة وحفر ترع جديدة وإصلاح الأراضي البور التي هجرها أصحابها، ثم مشكلة المجاعات التي تسببت فيها المشكلتان الأوليتان. وافتخر أغلبهم في نقوش مقابرهم بأنه اعتبر نفسه زوجًا للأرمل وأبًا لليتيم، وأنه آوى من لا عائل له ودفن من لا أهل له. وقد لا تخلو هذه العبارات من مبالغات، ولكنها لا تخلو في الوقت ذاته من دلالة على محاولة الحكام اكتساب السمعة الطيبة لأنفسهم واكتساب محبة الرعية لحكمهم عن طريق الظهور بمظهر الآخذين بتعاليم الدين والعاملين بدعوات المصلحين.
وحين استأثر أولئك الحكام الكبار بالسلطة الواسعة في أقاليمهم، من النواحي الإدارية والقضائية والدينية، جعل بعضهم وراثة الحكم في أعقابهم قضية مسلمًا بها، وترتب على ذلك ما يترتب على نظام الحكم الوراثي عادة من احتمال ولاية وريث الحاكم منصبه في سن الطفولة، فكان من رواية تفيبي حاكم أسيوط عن إيكاله الحكم إلى ولده قوله: " ... خلفني ولدي، وخضع له الموظفون، وحكم منذ أن كان طفلًا في طول الذراع ورحبت به المدينة التي تحفظ الجميل ... "٢. وكون كل حاكم من أولئك الحكام جيشًا محليًّا وأسطولًا محليًّا بما يناسب إمكانيات إقليمه، وصورت مناظر مقابرهم كثيرًا من مناظر الحرب والاستعداد لها٣، وعثر على مجموعتين من تماثيل صغيرة أو نماذج خشبية تمثل بعض الجيش الإقليمي لحاكم من أسيوط يدعى مسحتى. وتألفتا من مجموعة تسلح أفرادها بالحراب والتروس الكبيرة، ومجموعة أخرى تسلح أفرادها بالأقواس والسهام. وكان أفراد هذه الحاميات يلقون معاملة طيبة من حكامهم، ويدربون تدريبًا مناسبًا، ويضمون أحيانًا مرتزقة من النوبيين لحراسة الحواف الصحراوية غير أن وجودهم تحت إمرة حكام الإقليم مباشرة كان يشجع هؤلاء الحكام على التنافس المسلح فيما بينهم ويدفع أقوياءهم إلى محاولة السيطرة على أصحاب الإمكانيات المحدودة من جيرانهم.
стр. 191
انتفاضة اليقظة في العهود الأهناسية:
قامت أعنف أدوار التنافس التي سجلتها أخبار هذا العصر بين حكام طيبة وبين حكام أهناسيا. وكان حكام طيبة الذين يبدو أنهم انتقلوا إليها من مسقط رأسهم أرمنت، قد حاولوا أن يرثوا زعامة الصعيد بعد أن ولت عنه زعامة فقط، واشتهر أوائلهم باسم الأناتفة، نظرًا لتسمي أغلبهم باسم إنتف، أو إينتوف "راجع ص١٦٣". وكانوا على جانب من الحذر، فلم يدعوا لأنفسهم في بداية أمرهم ملكًا صريحًا ولم يتلقبوا بألقاب الملوك واكتفوا لأنفسهم بألقاب الإمارة. وبلغ من حيطتهم أن هادنوا تلك الأسرة القوية التي أسلفنا أنها ظهرت وحكمت في مدينة أهناسيا بمصر الوسطى، وربما اعترفوا اعترافًا ضمنيًّا بسيادتها أو على الأقل لم ينازعوها سيادتها بعد أن تبينوا أنها فاقتهم سلطانًا وقوة وأنها استطاعت أن تمد نفوذها إلى منطقة منف ذاتها.
وشجع هذا الوضع حكام أهناسيا على أن يتخذوا صفة الفراعنة، واعتبروا أنفسهم خلفاء لملوك منف، واستحبوا تعظيم الإله رع والإله أوزير. وتعاقبت فيهم على هذا الوضع أسرتان حاكمتان، تعرفان اصطلاحًا باسم الأسرتين التاسعة والعاشرة. وأسس أولاهما الفرعون خيتي "الأول"، ويبدو أنه بدأ حكمه بنوع من الشدة، قصد به تأييد ملكه والذود عنه، شأنه في ذلك شأن أغلب مؤسسي البيوت الحاكمة. وروى عنه أحد أحفاده أنه كان يبرر شدته بقوله: "إن الرب نفسه ينتقم ممن يعادي معبده"١. ورددت أجيال المناهضين له من المصريين أخبار قسوته وضخمت فيها، إلى حد أن وصفه المؤرخ المصري مانيتون بأنه كان أكثر الملوك المصريين ظلمًا وأنه كان متجبرًا، وأنه لقي جزاءه بأن جن في نهاية عمره وافترسه تمساح. ومهما يكن في هذه الرواية الأخيرة من خيال، فهي لا تخلو من دلالة على إيمان راويها بأن عواقب القسوة أو الظلم لا بد وأن تعود بالشر على رءوس أصحابها.
وظل حكام مصر الوسطى وما حولها على حالهم من الاستقلال الداخلي، في ظل ملوك أهناسيا، وظلوا على تفاخرهم بأعمالهم في الوقت نفسه، وأشبع فيهم أهل أقاليمهم حبهم للشهرة، فمدح أحد كتبة أسيوط خيتي بن تفيبي الذي كان يتفاخر بأنه سليل حاكم وابن بنت حاكم، وبقوله: "ما أجمل ما تم في عهدك، لقد رضيت المدينة بك، وما كان مستغلقًا على الناس جعلته مكشوفًا مباحًا من تلقاء نفسك، عن رغبة منك في إسعاد أسيوط، لقد جعلت كل موظف يستقر في منصبه، وما عاد أحد يقتتل أو يطلق سهمه، ولم يعد
стр. 192
الطفل يلقى حتفه بجوار أمه ولا مواطن بجوار زوجته، بعد أن هداك رب مدينتك الذي أحبك١. وقد حدث ذلك في أغلب الظن بعد فترة ما من الفوضى تكررت فيها المشكلات التي أعلن نجاحه في وقفها.
وربط ملوك أهناسيا حكام الأقاليم بهم عن طريق مرونة السياسة، واتبعوا في ذلك وسيلة بعض ملوك الدولة القديمة في تربية أبناء الحكام الكبار في قصورهم بغية أن يشربوهم ولاءهم وأن يشبوا أوفياء لهم. وكانوا يجاملون أولئك الحكام في الملمات ويشاركونهم المسرات؛ بغية أن يردوا الجميل مضاعفًا. فأشار أحد نصوص أسيوط إلى أنه عندما توفي حاكمها "بكى الملك "في أهناسيا"، وبكى أهل مصر الوسطى والدلتا، واجتمع الملك والنبلاء حين دفنه". بل وسمح الملك لابنة المتوفى بأن تتولى شئون أسيوط في طفولة ولدها وحفيده، ثم ربى هذا الحفيد في قصره. وقال الحفيد وكان يدعى خيتي٢: "سمح الملك لي بأن أتولى الحكم ولم أكن قد تعديت الذراع طولًا، ورفع منزلتي في شبابي، وسمح بأن أتعلم السباحة مع الأمراء، ولهذا أصبحت رجلًا صادق الرأي براء مما يسيء إلى مولاه الذي رباه طفلًا. ونعمت أسيوط بحكمي وأثنت على أهناسيا "نفسها"، وقال عني أهل مصر الوسطى والدلتا: تربية ملك ... "، ثم وصف نتيجة تربية الملوك هذه بنشاطه الاقتصادي في حفر الترع وزيادة أنصبة المزارع من المياه مع إشرافه على تنظيمها، وتعيين سقاءين لتوزيع المياه على البيوت في المدينة، وتموين أهلها في أوقات العسر وتخفيف الضرائب عنهم.
أعقب خيتي الأول ملك أهناسيا، عدة ملوك يصعب تعيين عددهم عن يقين. ثم أعقبهم فرع آخر من أسرتهم عرف اصطلاحًا باسم الأسرة العاشرة، وعندما تبلورت آمال هذه الأسرة ومضت تبغي الاتساع وازدادت أطماعها، كان حكام طيبة بدورهم قد أحسوا البأس والقوة من أنفسهم، فتخلوا عن حذرهم القديم وتطلعوا إلى اتخاذ ألقاب الملوك عوضًا عن ألقاب الإمارة القديمة. وهنا انتقل التنافس بين طيبة وبين أهناسيا من طوره السلبي إلى طوره الإيجابي، واستمر نحو ثمانين عامًا. وكانت سياسة أهناسيا إزاء حكام الأقاليم الموالين لها قد آتت ثمارها، فنفعوها في تنافسها، واعتادوا على أن يؤكدوا في نصوصهم ولاءهم للقصر الملكي وإن لم يذكروا اسم الملك غير مرات نادرة. وكان من أكبر أولئك الحكام: حكام أسيوط، وبني حسن، وأخميم، والأشمونين، وحتنوب، وحاول هؤلاء الحكام بدورهم أن يحببوا فيهم أهل أقاليمهم بغية اتخاذهم عونًا حين الشدائد، فقال حاكم أسيوط تفيبي في نصوص مقبرته: "استمعوا إلى أهل الغد، لقد كنت سخيًّا مع الناس جميعهم ... سديد الرأي، نافعًا لبلده، سمحًا مع الشاكي، إذا جن الليل "اطمأن" النائم في الطريق ودعا لي وأصبح شأنه شأن من نام في داره تحرسه هيبة عسكري ... " وأعلن الرجل مبدأ أهم من هذا، فأعلن إيمانه بأن الشخص النبيل هو الذي يستطيع أن يتفوق بمآثره على مآثر أبيه،
стр. 193
وأن جزاءه على ذلك سوف يكون الرحمة في الآخرة، وتمكين الحكم في أسرته بحيث يرثه ولده في قصره، فضلًا عن حسن سمعته في بلده، وتعظيم الناس لتمثاله بعد موته "حين يحمل في المواكب العامة"١.
وعملت طيبة من ناحيتها على أن تجمع الأحلاف حولها، وربما نجحت في ذلك بعض الشيء، ولكنها اعتمدت أكثر ما عتمدت على حصانتها الطبيعية وعلى صلابة رجالها الصعايدة وعلى إذكاء روح الأمل والطمع فيهم، إلى جانب وفائهم لإله الحرب مونتو وعملهم على إعلاء شأن الإله أمون.
وبدأ النزاع بين البيتين الطيبي والأهناسي على صورة مستترة، ثم اتخذ صورة عدائية مكشوفة، وتخللته معارك متقطعة على البر وعلى متن النيل. وظلت الحدود بين الطرفين خلافه بين مد وجذر. ولا زالت خطوات هذه المعارك غامضة إلى حد كبير٢. ولكن يبدو أن مراحلها الأولى انتهت بانتصار خيتي الثالثة "أو الرابع" ملك أهناسيا على معاصره ملك طيبة مونتوحوتب "الأول" بعد أن دارت بين جيشيهما معارك عدة في منطقة ثني أدت إلى تخريب جبانتها القديمة أبيدوس وبعض أماكنها المقدسة وانتهت بسيطرة أهناسيا عليها حوالي عام ٢٠٦٥ق. م.
وشجع هذا النصر خيتي على نشاط حربي آخر أوسع أثرًا وأكثر أهمية، حاول أن يطهر به أراضي الدلتا من البدو والأموريين الذين تسربوا إليها منذ أواخر الدولة القديمة وحاولوا أن يتخذوا مصر دار إقامة، وتطبعوا بالعادات المصرية، وجمعوا بين أسمائهم وبين الأسماء المحلية، وربما انتحل كبارهم لأنفسهم ألقاب الفراعنة وقد عبر عن هذه الوضع اسمان لحاكمين لا يخلوان من لكنة أمورية، وهما "خندي" الذي تلقب باللقب المصري نفر كارع و"ترورو" أو تلولو الذي تلقب باللقب نفسه٣. واستخدم أولئك المهاجرون المتمصرون أختامًا خشنة الصناعة والنقش هرمية الشك تشبه الأزرار، وجد لها ما يماثلها في الشام والحوض الشرقي للبحر المتوسط٤. ولكن ظل المصريون خارج الدلتا وربما في الدلتا نفسها، ينكرون على البدو المتمصرين سيادتهم، فاستغل خيتي هذه الروح، ونجح مع جيشه في إبعاد الأموريين وكسر شوكة بعضهم الآخر.
ولما أحس الرجل دنو أجله استجمع تجاربه في الحرب مع الطيبيين وتجاربه في الحرب مع البدو الأموريين وتجاربه في الحكم والسياسة، وآراءه في الدين، وجعلها على هيئة التعاليم ونصح ولده وولي عهده مريكارع بأن يأخذ بأفصلها ويتجنب مواطن الزلل فيها٥.
стр. 194
روى خيتي لولده مريكارع قصة حربه مع الطيبيين في منطقة ثني وجبانتها أبيدوس. وندم على ما أتاه فيها وما ترتب عليه من تهديم أماكنها المقدسة، واعترف بخطئه، وكان أسلافه ينزهون أنفسهم دائمًا عن الخطإ. ودعا ولده ألا يفعل مثل فعلته، وأوصاه بأن يهادن الصعيد حرصًا على الهدوء الداخلي في مملكته، ورغبة في تأمين سبل التبادل وسبل المواصلات وسبل التجارة مع أهل الجنوب، وحتى لا يستغل الآسيويون فرصة انشغاله بالحرب الداخلية ويثورون ضده أو يهاجمونه في عقر داره، على حد قوله١.
وصور خيتي الطريقة التي اتبعها لإضعاف البدو المهاجرين وإجلائهم عن الدلتا، ودعا ولده إلى أن يترسمها، وجعل لهذه الطريقة شقين، أولهما الاهتمام ببث الروح الحربية في البلاد والعناية بمجنديها الشبان، وقال له في ذلك: "انهض بجماعة الشبان تحبك العاصمة، وزد أتباعك من الرعية، ولاحظ أن بلدك عامر بنشء غض في سن العشرين، وأن الجيل الناشئ ليسعد بمن يستوحي ضميره، "فإن فعلت ذلك وحكمت ضميرك" قلدك العامة وأتاك رب كل أسرة بأبنائه راضيًا، فبهذه السياسة حارب القدماء من أجلنا منذ أن رفعت أنا شأنهم، فارفع إذن شأن نبلائك، وعظم محاربيك، واسبغ الخير على جيل الشباب من أتباعك، واحرص على أن يتزودوا بالعطايا ويطمئنوا بامتلاك الأرض، ويكافئوا بالأنعام"٢.
ولا ندري هل كانت سن العشرين التي أشار خيتي إليها هي سن التجنيد أم لا، ولكننا نتبين في سياسة تزويد الجنود الشبان بالأراضي والنعم سياسة حكيمة تجعلهم يدافعون عن أرض لهم نصيب فيها وتطمئنهم على مستقبل أهلهم إن استشهدوا من أجلها.
أما الشق الآخر من سياسة خيتي في مكافحة البدو، فهو التضييق عليهم والحد من أخطارهم عن طريق إنشاء مدن محصنة على حواف الصحراء وعلى الحدود وتعميرها بخير الرجال يسكنونها ويزرعون ما حولها ويتحصنون بها حين الشدة ويصدون منها غارات أهل البادية، وقال له في ذلك: "لا تتهيب العدو فهو لا يغير إلا على الموطن المنعزل ولا يجرأ على مهاجمة مدينة عامرة بالسكان". ثم شجعه على اتباع سياسته وقال له: "أقم الحصون في كل المناطق الشمالية. ولاحظ أن سمعة الرجل فيما يفعله ليست بالشيء الهين، والبلد العامر بالسكان لن يمسه سوء، فابن مدنًا". ثم هون عليه شأن أعدائه البدو وضعف حيلتهم في عبارات أخرى تدل على معرفته بعاداتهم وأحوال المناطق التي يعتصمون بها وتتوافد هجراتهم منها، قائلًا له: "هذا هو شأن البرابرة، فالعدو اللعين موطنه وعر، وماؤه آسن، حزون بكثرة غاباته، سيئة طرقاته بما يكتنفها من المرتفعات، ولذلك لم يستقر في مكان واحد، واستمر دائم الترحال، وظل يشاغب منذ عهد "الإله" حور، فلا هو يغلب ولا هو يغلب"٣.
стр. 195
ازدهار الفردية:
ليس من شك في أن المنازعات بين البيت الأهناسي والبيت الطيبي لم تكن في مصلحة البلاد دائمًا بعد أن أصبح بأس أهلها شديدًا بينهم، ولكن نتائجها تعنينا على الرغم من ذلك من ثلاث وجهات، وهي:
стр. 196
أولًا- أنها زكت الروح الحربية وروح النضال المنظم في حياة خاصة المصريين وعامتهم، على الرغم من أنها كانت على حساب بعضهم بعضًا، فأصبح الرجل منهم يفخر في نصوص مقبرته بأنه رب للسيف، وأنه جريء يوم الصدام، وأنه كان شديدًا بقوسه جريئًا بسيفه عظيم الهيبة بين جيرانه. ويرى أن ذلك يزكي سمعته وسمعة أسرته إلى أبد الآبدين. وتلك روح وثابة أضيفت إلى روح العصامية التي تمخضت عنها الثورة الطبقية في نهاية الدولة القديمة.
ثانيًا- أنها زادت من شعور الملوك الطيبيين والأهناسيين، بحاجتهم إلى رعاياهم والتماس تأييدهم، وزادت ما بينهم وبينهم قربًا. وعبر خيتي عن هذا الإحساس وهو يوصي ولده ويزوده بخلاصة تجاربه في الحكم والسياسة، فأوصاه بمبدإ يعتبر من أنبل المبادئ التي تمخضت عنها الثورة الاجتماعية في نهاية الدولة القديمة واحتفظ بها الانتقال، وحضه فيه على أن يقدر الفردية لذاتها قائلًا له: "لا تفرق بين ابن النبيل وابن فقير الأصل، وتخير الفرد بكفايته". وأوصاه بأن يلتزم القدوة الطيبة قائلًا له: "قل الحق في قصرك يخشاك عظماء الأرض، فاستقامة الخلق أليق بالحاكم". ثم أوصاه بالعدالة، وقال له: "إلزم العدل تخلد على الأرض، واحذر أن تعاقب خطأ، فالقتل لن يفيدك، ولكن عاقب بالضرب والحبس، وبذلك تزدهر "أحوال" البلاد، فيما عدا المتآمر، فالإله يقدر خبثه ويطلب دمه جزاء جرمه".
وأراد أن يبين له أن الناس سواسية أمام خالقهم، وأن على الملكية واجبات توازي حقوقها، وأن كل راعٍ مسئول عن رعيته، فقال له: "البشر رعايا الإله، خلق السماء والأرض بما يشتهون، وأجرى المياه دافقة، "من أجلهم". وأرسل لهم النسمات كي يحيوا بها. هم أشباه له، صدروا عن بدنه، وهو يتجلى في السماء ليلبي ما يرغبون فيه. ويخلق العشب والأنعام والطير والأسماك حتى يقتاتوا بها. ويبشر بالفجر لنفعهم، ويعبر السماء ليراهم، وإذا بكوا سمع ولباهم. وهو الذي تعهد الحكام منذ الصغر من أجلهم ورفعهم "درجات" ليكونوا سندًا لظهور ضعفائهم"١. وما نظن أن شعبًا آخر بلغ هذا المبلغ في تكريم الإنسان والاعتراف بحقوق المحكومين في مثل ذلك العصر البعيد الذي سبق عصرنا بأكثر من أربعة آلاف عام.
ثالثًا- أنها كانت من عوامل تشجيع المصريين على إعلان عقائدهم الخاصة وآرائهم في مذهب أسلافهم، بالنقد تارة، والمدح تارة، ورغبة التعديل تارة أخرى. فقد ترتب على اهتزاز الأوضاع القديمة في سبيل البحث عن وضع جديد، كما ترتب على اعتداء بعض الثوار في أواخر الدولة القديمة على الأهرام والمقابر وتخريبهم لها ونهبهم محتوياتها وتعطيلهم شعائرها، بل وجرأتهم على معابد أربابهم أحيانًا٢، أن ظهرت بين المصريين أربعة اتجاهات عقائدية متمايزة: اتجاه متشكك متطرف شك أصحابه في مقومات الخلود التي آمن أسلافهم بها وشادوا الأهرام والمقابر من أجلها، ورتبوا الشعائر والقرابين لصالحها، بل وشكوا في عقيدة الخلود نفسها، واتجاه متطرف آخر يقابله أخذ به المتزمتون الذين برموا بأصحاب الاتجاه الأول ورموهم
стр. 197
بالكفر، وغلب التشاؤم على نظرتهم إلى الحياة الدنيا وأحوالها، ثم اتجاه ثالث محافظ أصر أصحابه على عقائد أسلافهم في الخلود ومقوماته وقرابينه ودعواته وإن لم يأبوا أن يضيفوا إليه جديدًا يزكيه. وأخيرًا اتجاه رابع متطور آمن أصحابه بأن الخلود حق لا شك فيه ولكنهم آمنوا في الوقت نفسه بأن سعادة الفرد في أخراه ليس من الضروري أن ترتبط ببناء المقابر الفخمة أو مواصلة تقديم القرابين وترتيل الدعوات وإقامة الطقوس التقليدية، بقدر ما ترتبط بصلاح أعمال الإنسان في دنياه وإيمانه بعدل أربابه في أخراه مع أدائه واجباته إزاءهم في الوقت نفسه.
وبدأ تيار التشكيك منذ أيام الثورة الطبقية، وعرب عنه إيبوور حينذاك بقوله: "يقول المنفعل: لو علمت أين الرب لعملت له"١. ثم استمرت موجة الشك في طريقها، وخلف بعض المتشككين والناطقين بلسانهم مواويل سائرة كانوا يرددونها في تنغيم، ويدعون المترفين فيها إلى التمتع بمباهج الحياة الدنيا ما وسعهم إلى ذلك من سبيل، دون قلق على الآخرة وما يصيبهم فيها. ويمكن ترجمة بعض فقرات هذه المواويل بأسلوب عادي يتفق مع أسلوب أصحاب الموال المعاصر، مع تصرف يسير٢. فقد ردد أحد رواتها مواله على أنغام الجنك في حفل أقيم لذكرى أمير عزيز، قائلًا بعد أن مدح صاحب الذكرى " ... أجساد تروح وأجساد جاية من زمن الأوائل. ياما سمعنا الكثير من كلام الحكما أمثال إيمحوتب وددف حور. لكن فين الحكما، وفين ديارهم؟ انهدت جدرانهم وطاحت مساكنهم، وما عاد منها كيان، راحوا وما عاد منهم حد، راحوا وما حكى لنا عن حالهم حد، ولا حكى لنا عن مطالبهم حد، ولا طمنا عليهم حد. افرح، وخل قلبك ينسى يوم نعيك، وارض نفسك طول العمر، ادهن رأسك والبس الكتان وتعطر، تمتع بيوم الهنا ولا تمله، ما حد راح وخد معاه حاجة، وما حد راح وعاد تاني. اللي مات قلبه ما سمع صراخ حد، والنعي ما خلص من الآخرة حد"٣.
وبدأت الموجة المناقضة للأولى، أي موجة التزمت والتشاؤم واليأس من الدنيا، منذ أيام الثورة أيضًا، وعبر إيبوور عن ظهورها بانتحار بعض الناس غرقًا، وسخط الأطفال على ولادتهم، ورغبة الجميع في فناء العالم كله حتى تستريح الأرض من الضجيج على حد قوله. واستمرت هذه الموجة في طريقها، وعبر عنها بعد ذلك حوار سجله أديب مصري على بردية بين رجل سئم عيوب الحياة في عصره، وبين روحه، جاعلًا الروح تتحدث في هذا الحوار كأنها شخص مستقل. وبدأت المناقشة بين الرجل وروحه
стр. 198
بأن أعلن لها ضيقه بمساوئ عصره، بينما أعلنت هي رضاها بدنياها ونصحته بأن يترك ما بعد الموت لما بعد الموت "وكأنها تناصر الاتجاه الأول الذي صورناه". ولما احتدم الجدل بينهما تحدته أن يحرق نفسه وينتحر إذا كان جادًّا في ضيقه بالحياة، ولكنه تردد وظل كل منهما يحاور الآخر ويداوره، حتى اضطر إلى أن يهادنها قليلًا، وهنا قصت عليه مثلين من مصائب الناس في فقد أولادهم وفقد ثرواتهم، لعلها تخفف عنه بلواه. كما قص هو عليها ما دعاه إلى الضيق بالحياة، ويبدو أنه كان قد تكفل بدعوة بين الناس ولكنه لم يجد بينهم سمعيًا ولا مجيبًا، بقدر ما وجد منهم من أساءوا إليه وشوهوا سمعته، ثم قص شكواه في ثلاث قصائد، بدأ كل قصيدة منها ببدايات متشابهة، وأخيرًا عاوده اطمئنانه فراح يؤكد لها في قصيدة رابعة إيمانه بالحياة بعد الموت وإيمانه بالثواب فيها وحسن المآب وعدل الأرباب، مما سنعود إلى تفصيله في حديث الأدب.
واستمر أصحاب الاتجاه الثالث المحافظ على عقائد أسلافهم، وكانوا أكثر عددًا ممن سواهم، وقد اعتبروا حوادث التخريب والشك حوادث عارضة، فظلوا يعنون بمقابرهم وموتاهم وقرابينهم، وسجلوا على توابيتهم دعوات كثيرة اقتبسوا بعضها من دعوات كهان الدولة القديمة، واقتبسوا بعضها من متون الأهرام، ثم ألفوا بعضها الآخر بما يناسب عصرهم ويناسب الأماني التي أصبحوا يرجونها لأنفسهم ولأهلهم في دار الآخرة. وتعرف هذه الدعوات اصطلاحًا باسم "متون التوابيت". ولعل أهم تجديداتها هو تلقيب كل متوفى بلقب أوزير؛ أملًا في أن ينعم في عالم الآخرة بما نعم به ربه أوزير، وأن يخلد فيها مثل خلوده. وكان في هذا التجديد تطور ضخم المدلول، فقد كان التلقب بلقب أوزير قاصرًا في الدولة القديمة على الفرعون المتوفى وامتيازًا دينيًّا له وحده، فلما زلزلت أركان الملكية في أواخر الدولة القديمة واقتسم سلطانها كبار حكام الأقاليم، تجرأ هؤلاء الحكام على اقتسام امتيازاتها الدينية أيضًا، فأصبحوا يرجون لأنفسهم في الآخرة ما كان الفراعنة يرجونه لأنفسهم، وتلقبوا مثلهم بلقب أوزير، وقلدهم في ذلك كبار الموظفين وكبار الكهان، ثم أصبح المصير الأوزيري شيئًا فشيئًا أملًا مشاعًا لكل إنسان.
وبشر هذا الاتجاه الأخير بالاتجاه الرابع المتطور وقد عبر عنه خيتي فرعون أهناسيا بنفسه قائلًا لولده وهو ينصحه بمذهبه في الدين وتقديم القرابين: "أصلح مكانك في العالم الآخر بالاستقامة وأداء العدالة ... فإن قلوب "الأرباب" ترتاح إليهما. وإن طباع رجل قويم السريرة أكثر قبولًا عند الرب من فحل "يقدمه إليه" رجل اعتاد الشرور ... واعمل لربك يعمل لك بالمثل" "اذكروا الله يذكركم". ثم نصحه بمذهبه في البعث والحساب، قائلًا له: "لا تثق في امتداد السنين، فإن "قضاة الآخرة" يرون العمر كأنه ساعة، واذكر أن الإنسان يبعث ثانية بعد وفاته وتوضع أعماله على هيئة الكوم بجانبه. وأن الحياة هناك معناها الخلود. وأن الغبي هو من يستخف بها، وأن من بلغها دون أن يرتكب إثمًا سوف يعتبر فيها كأنه معبود ويسير "فيها" كأرباب الخلود١. وكان من الطبيعي أن يظل هذا الاتجاه الرابع الواعي هو
стр. 199
اتجاه القلة المستنيرة من المصريين دون كثرة المتشككين والمتزمتين والمحافظين. وعلى أية حال فثمة حقيقة واضحة يمكن أن تستنتج من كثرة هذه الاتجاهات، وهي دلالتها على مرونة العقائد المصرية القديمة وعدم التزامها صفة الجمود التي اعتادت أغلب المؤلفات الحديثة على أن تلصقها بها.
أسهبنا في الاستشهاد ببعض المثل العليا التي تضمنتها تعاليم خيتي في العصر الأهناسي، أو على الأصح بعض المثل العليا التي كان المصلحون ينادون بها في عهده. غير أنه لم يكن من المتوقع أن تطبق أمثالها في الحياة العامة بحذافيرها أو يلتزم الحكام بها التزامًا تامًّا فيما بينهم وبين المحكومين، وإنما كان شأنها شأن المثل العليا في كل مجتمع وزمان، بل وشأن المثل العليا في كل الأديان، ينادي المصلحون بها ثم يتفاوت الناس في مقدار تطبيقهم لها. وقد صورت هذه الأوضاع بشقيها، أي المثل العليا ومدى تطبيق الحكام لها، قصة تسمى اصطلاحًا باسم قصة "القروي الفصيح" ألفها أديب في العصر الأهناسي أو فيما بعده بقليل؛ ليصور بها ما هو كائن فعلًا في عصره من أوضاع الحكم والإدارة، ويعقب عليها بما يرجو المصلحون أن يسود عصره من أوضاع مستحبة بين الحكام والمحكومين، مما سوف نعرضه في تفصيل في حديث الأدب.
стр. 200
عصر الانتقال الأول بين دورتين تاريخيتين
...
عصر الانتقال بين دورتين تاريخيتين:
لم يطل الأمد بالمجد الأهناسي، وبدأت أهناسيا تفقد استقرارها واضطرت إلى أن تقنع بالقليل من سلطانها منذ عهد ملكها خيتي الخامس١ "؟ "، بعد أن طغى عليها نفوذ منافستها طيبة التي تعاقب على عرشها فرعونان طموحان، وهما مونتوحوتب سعنخ إب تاوي، ومونتوحوتب نب حبة رع، وحاول كل منهما أن يخضع أهناسيا لنفوذه المباشر وتطلع إلى إعادة وحدة البلاد تحت رايته، وذلك ما سوف نبدأ به الفصل التالي، ونسبقه الآن بأن ثانيهما حقق أمله حوالي عام ٢٠٥٢ق. م وترتب على نجاحه في توحيد مصر تحت سلطانه أن انتهى عصر اللامركزية بعد أن استمر نحو قرن ونصف قرن، وبعد أن مثل فترة انتقال اضطرارية بين عصور الدولة القديمة وبين عصور الدولة الوسطى، وبمعنى أوضح مثل فترة انتقال من وحدة سياسية قديمة غالبة، إلى تفرق ولا مركزية، ثم إلى وحدة سياسية أخرى جديدة، ومثل فترة انتقال من المنعة القومية القديمة، إلى التفكك والتنازع الداخلي، ثم إلى منعة أخرى وقوة جديدة، ومثل فترة انتقال من أوضاع وتقاليد اجتماعية وسياسية ودينية معينة، إلى أوضاع جديدة سواها اختلفت عنها في بعض أمورها واتفقت معها في بعض آخر. ومثل فترة انتقال من إمكانيات مادية واسعة توفرت للدولة بمجموعها وللقائمين على أمرها، إلى إمكانيات إقليمية محدودة بالحدود التي امتد إليها سلطان حكامها، ثم إلى إمكانيات أخرى واسعة
стр. 201
جديدة. كما مثل فترة انتقال من حياة فنية نشطة خصبة شملت مصر كلها، إلى حياة فنية محدودة الوسائل، ثم إلى حياة فنية نشطة أخرى خصبة جديدة.
غير أن ذلك كله لا يعني بطبيعة الحال أن عصر الانتقال كان عصرًا عقيمًا كله أو عصرًا خامدًا كله كما اعتاد بعض الباحثين الحديثين على تصويره في تسميتهم له بعصر "الاضمحلال الأول". فالعصر وإن غابت عنه وحدة الحكم في البلاد وقلت إمكانياته المادية واتصالاته الخارجية وضعف شأن ملوكه، إلا أنه كان في حقيقة أمره أشبه بفترة من التراخي المؤقت اضطرت مصر إليها اضطرارًا بعد أن قطعت ممن عمرها السياسي دورة تاريخية طويلة استمرت نحو تسعة قرون متصلة، وبعد أن شاخ جهازها السياسي والحربي ولم تخل فترة التراخي هذه من انتفاضات سياسية كما رأينا، صدرت عن أهناسيا حينًا وعن طيبة حينًا آخر، ولم تخل كذلك من انتفاضات فكرية تطلع أصحابها إلى نظام من الحكم يفضل كل ما تقدمه من نظم، وتطلعوا إلى حقوق للفرد تفضل كل ما حصل الأفراد عليه قبل ذلك من حقوق، كما تطلعوا على مصير كريم للفرد في الآخرة يفضل كل ما كان الأفراد يتطلعون إليه من قبل عن مصائرهم بعد الموت. وكان لحرية الكلمة بينهم في إثراء الأدب القديم بخواطر وأبواب جديدة آتت ثمارها بعدهم خلال الدولة الوسطى، ولم يكن ذلك كله بالشيء القليل.
стр. 202
معالم الفن الإقليمي:
ذكرنا أن إمكانيات ومجالات العمارة والنحت والتصوير والنقش اختلفت في عهود اللامركزية عما كانت عليه في الدولة القديمة، بعد أن تفرقت موارد البلاد وإمكانيات الحكام، فضعفت وحدة الفن القديمة وأصبح الفن يخدم الأقاليم أكثر مما يخدم العاصمة، وظل رجاله تنقصهم المهارة وروح الإبداع فترات طويلة، واستمر أغلب إنتاجهم يتصف بالطابع الإقليمي تارة والطابع الريفي تارة أخرى، وتعتبر توابيت عصر الانتقال أول من خير ما يستشهد به من آثاره سواء من حيث النواحي الفنية التي تمثلت فيها وعبرت بها عن روح عصرها، أم من حيث النصوص التي تضمنتها وعبرت بها عن عقائد أصحابها. وكان فنانو العواصم وصناعها المهرة قد فضلوا صناعة توابيت كبار الأفراد من الخشب الفاخر منذ عصر الأسرة السادسة. وأصبحوا ينقشون عليها دعوات بأسماء أصحابها وألقابهم، ويصورون عينين كبيرتين على الجانب الأيمن الخارجي للتابوت في مقابل رأس المتوفى أملًا في أن يتطلع منهما على العالم الخارجي أو إلى مقدمي القرابين وإلى نور الشمس الذي كان يرجو ألا يحرم منه حتى بعد موته. وصوروا عليها بعض القرابين وبعض المتاع الذي كان المتوفى يتمناه لنفسه في أخراه. وزادت هذه الخصائص في توابيت عصر الانتقال الأول، وكانت صناعتها من الخشب تجعلها أصلح للرسم والنقش الغائر البسيط، وتجعلها أقرب إلى أن تتناسب مع إمكانيات أهل الطبقة الوسطى. وكان من الطبيعي أن تختلف أذواقها وبراعة نقوشها ووضوح نصوصها من إقليم إلى إقليم، وكان أفضلها ما تم خلال العصر الأهناسي، لا سيما منذ تطلع حكامه إلى العاصمة القديمة منف واتجه فنانوهم إليها وحاولوا أن يستوحوا فنها القديم ويقلدوه في حدود إمكانياتهم ومعتقداتهم
стр. 203
وظلت مسطحات الرسم والنقش الأخرى في عصر الانتقال مسطحات محدودة سواء على جدران المقابر الصغيرة أم على سطوح النصب واللوحات الصغيرة التي أقام أصحابها بعضها في مقابرهم وتركوا بعضها الآخر في أبيدوس حول ضريح معبودهم رب الآخرة "أوزير" تبركًا به وأملًا في أن يبعثوا من حوله ويطعموا من خيره. واتصفت صورهم المنقوشة على هذه اللوحات والنصب بنوع من خشونة التنفيذ، ولكنها تميزت بتحررها بعض الشيء من أوضاع التصوير التقليدية القديمة، وبتعبيرها عن الحياة العادية والأسرية في عصرها، بحيث لم يكن على الفنان من بأس في أن يصور المتوفى صاحب النصب واقفًا يمسك قوسه، أو يصوره جالسًا يضع ولده على حجره وقلما ظهر ذلك على اللوحات الدينية من قبل.
واقتصر جهل المثالين في العصر نفسه على نحت أغلب التماثيل من الخشب لرخصة وسهولة نحته. وبقي حتى الآن عدد من تماثيل أثرياء الأقاليم، وهي تماثيل صغيرة في مجملها تتصف بالخشونة في صناعتها وتميل إلى الاستطالة والنحافة، شأنها في ذلك شأن أسلوب النقش والتصوير في عصرها، ولكن ميزها أن فنانيها حاولوا أن يترسموا فيها مذهبًا واقعيًّا فأظهروا الملامح الشخصية لوجوه أصحابها في غير تجميل مقصود، واستطاعوا بذلك أن يعوضوا خشونتها بنوع من صدق التعبير في إظهار الملامح الريفية الطيبة على حالها الذي تحتفظ به حتى الآن.
وظهرت إلى جانب تماثيل الخاصة مجموعات خشبية لتماثيل الأتباع والخدم، ظهرت فيها خشونة الصناعة بشكل واضح، ولم يميزها هي الأخرى غير شيء واحد، وهو أن صناعها صنعوا منها مجموعات مترابطة، وعبروا بأوضاعها عن الأعمال الجماعية التي قوم بها أصحابها في مصانع النجارة والنسيج وفي الصوامع والمخابز والمطابخ، فأسبغوا عليها بذلك شيئًا غير قليل من الحيوية وطرافة التعبير، وجعلوها مصدرًا رئيسيًّا من مصادر الحياة العادية في البيوت وفي مجالات العمل في الأوساط الشعبية بخاصة.
стр. 204
الفصل السابع: الدورة التاريخية الثانية في الدولة الوسطى
أولا: عودة الوحدة في عصر الأسرة الحادية عشرة
مدخل
...
الفصل السابع: الدورة التاريخية الثانية – في الدولة الوسطى
أولًا: عودة الوحدة في عصر الأسرة الحادية عشرة ٢١٣٤ - ٢٠٥٢ ثم من ٢٠٢٥ - ١٩٩١ق. م ١
عندما أصرت طيبة على استرجاع ما تفرق من وحدة البلاد وما تفرق من عزماتها وأفكارها ومعتقداتها، كان ذلك بشيرًا لمصر بأنها تستطيع أن تبدأ دورة تاريخية جديدة ومرحلة شباب فتية جديدة. وبدأ البيت الطيبي بأولئك الحكام الذين تسمى كل منهم باسم إنتف "أو إينتوف" وهم من أسلفنا أنهم بدءوا سياستهم بمهادنة أهناسيا حتى أحسوا البأس من أنفسهم، وحينذاك ابتغوا الزعامة وعملوا لها ويبدو أنه تعاقب منهم ثلاثة أو أربعة. وجعل الأناتفة من طيبة "الأقصر" دار حكم وعاصمة بعد أن كانت مجرد مدينة عادية في إقليم "واسة"، فبدأت شهرتها تطغى على شهرة أرمنت حاضرة الإقليم القديمة ومسقط رأسهم، وبدءوا يرفعون من شأن آمون رب طيبة وشأن معبده البسيط القديم٢. وشادوا مقابرهم الملكية في غربها، وتخير لها مهندسوهم منطقة صخرية، مهدوا فيها مسطحات متسعة تشبه الشرفات، ثم نحتوا المقابر بمقاصيرها متجاورة جنبًا إلى جنب في جدرانها الصخري، فظهرت في مجملها على هيئة أبهاء طبيعية ذات عمد من صخر الجبل نفسه.
وجرى خلفاء الأناتفة على سنتهم، فارتضوا مدينة طيبة عاصمة لملكهم المتحد وشادوا مقابرهم إلى الغرب منها أيضًا، وشادوا معبدًا ربها آمون، وقد حلت محله بعض أجزاء مجموعة الكرنك الحالية، وربما شادوا له معبدًا صغيرًا آخر شغل مكانه جزء من معبد الأقصر الحالي٣، وإن ظلوا في الوقت نفسه أوفياء لرب أرمنت مسقط رأس أسرتهم، وهو "مونتو" راعي الحرب الذي كان له مكانه وهيكله في منطقة الكرنك كذلك، فنسبوا أسماءهم إليه وتوارثوا فيما بينهم اسم "مونتو حوتب"، بمعنى "مونتو راض" أو "مونتو المنعم" ولهذا عرفوا باسم "المناتحة" تعبيرًا عن وفائهم لربهم، واعتزازًا منهم بطابع الحرب والكفاح الذي يتمثل فيه والذي أسسوا به دولتهم وأعادوا به إلى مصر وحدتها، تلك الوحدة التي تمت على يدي مونتو حوتب "نب حبة رع". وهو ملك طال حكمه واحدًا وخمسين عامًا، استمتع فيها بنتائج جهوده وعزائم أهل عصره، وأقيم باسمه خلالها معابد كثيرة لأرباب أسوان والجبلين والطود ودندرة وأبيدوس وغيرها، وتبعه في ذلك خلفاؤه.
стр. 205
استرجاع المركزية:
استمتع مونتو حوتب "نب حبة رع" بشيء من التقديس والإكبار عند معاصريه وخلفائه، حتى لقد رددوا شهرته بعد وفاته بقرون طويلة، سواء لشهرة معبده الفخم في غرب طيبة، أو تقديرًا لجهوده في إعادة وحدة البلاد. وسلكوا اسمه بناء على هذا الاعتبار الأخير في صف واحد بين اسم الفرعون "منى" وبين اسم الفرعون "أحمس"، الأول باعتباره رأس العصور التاريخية، وهو باعتباره رأس الدولة الوسطى، ثم أحمس باعتباره رأس الدولة الحديثة١.
ونهج الرجل في سياسة حكمه الداخلية منهاجًا مرسومًا، اتبعه بعض خلفائه من بعده، وحاول في هذا المنهاج أن يركز سلطان الحكم في عاصمته وأن يحد من سلطات حكام الأقاليم كلما تيسر الحد منها. ونجح هو وبعض خلفائه فيما أرادوه إلى حد كبير، فاختفى لقب "حاكم الإقليم العظيم" وغيره من النعوت الضخمة التي انتحلها حكام الأقاليم لأنفسهم خلال عصر اللامركزية الأولى٢، وندرت إقامة مقابرهم في أقاليمهم ونحتوا أغلبها حول مقابر فراعنتهم في غرب العاصمة طيبة تأكيدًا لتبعيتهم لهم والتفافهم حولهم.
وعبر عن سلطان الفراعنة وحكومتهم المركزية حينذاك قائد خرج لكسر شوكة جماعات من البدو، وانتصر عليهم، ثم سجل أخبار نصره على الصخر، ولكنه لم يرده إلى نفسه، ورده إلى فرعونه، قائلًا: "كان الخوف منه "أي من الفرعون" هو الذي جعلهم يخشونني، وكان سطوته هي التي جعلتهم يرهبونني، كما أن حب "الأرباب" له هو الذي جعل الأرضين تعشقانه"٣. وينم مثل هذا النص عن أن القادة والحكام ومن ساووهم عادوا يعتبرون أنفسهم مجرد موظفين ينفذون أوامر فرعونهم ويردون الأمر والفضل إليه، على نحو ما اعتاد أسلافهم في عصور المركزية القديمة. غير أنه يبدو أن ولاءهم للفراعنة لم يمنع أصحاب الشخصيات القوية منهم من أن يرددوا لأنفسهم آيات نجاحهم في مناصبهم ويفخروا بجهودهم في إصلاح أحوال أقاليمهم تحت طاعة فراعنتهم، ومن هذا الفريق رجل يدعى "إتي"، لم يكن أكثر من مساعد لأحد رؤساء بيت المال، ولكنه وصف نفسه بأنه مواطن كفء، يعمل بساعده، وأضاف أنه كان يعتبر سندًا في إقليم طيبة، وأنه أحيا منطقة الجبلين في سنوات قل الخير فيها وتعطل فيها أربعمائة رجل. وأكد أن نفسه أبت عليه أن يستغل ابنة فقير أو يغتصب أرضه، وأنه استطاع أن يجهز عشرة قطعان من الماعز وقطيعين من الماشية وقطيعًا من الحمير، ثم خصص عددًا من الرجال لكل قطيع .. ، وجهز ثلاثين مركبًا، وثلاثين أخرى، وسد كفاية الجبلين بالغلال، وأفاض ما بقي من غلاله على منطقة إسنا ومنطقة الحية .. ، ثم أشار على أنه تبع مولاه الكبير ومولاه الصغير. ولم ينس بعد ذلك دنياه، فأضاف أنه ابتنى لنفسه دارًا فاخرة زودها بكل شيء ثمين، وأنه على الرغم من ثرائه ظل الناس يؤكدون أنه بريء من الرشا والاغتصاب، وكان بذلك مثلًا طيبًا لمثل طبقته في عصره٤.
стр. 206
وتعاقب على عرش البلاد في نهاية عصر الأسرة الحادية عشرة بضعة ملوك، لا يقل الخلاف حول أوائل ملوك الأسرة وألقابهم١. ومن أسمائهم المؤكدة، مونتوحوتب "نب تاوي رع"، ومونتوحوتب "سعنخ كارع". ويذكر لسياسة الحكم خلال عهودهم احتمال اشتراك أولياء عهودهم معهم في الحكم رغبة في أن يكتسبوا الخبرة فيه ويضمنوا ولاء الأنصار قبل أن ينفردوا به. وكان ظاهرة إشراك أولياء العهود في الحكم تقليدًا رد دريوتون أصوله إلى عصر الأسرة السادسة٢.
стр. 207
الاستثمار الحدودي والنشاط الخارجي:
لعل أوضح ما يذكر للنشاط الاقتصادي خلال النصف الثاني من هذه العصر هو استعادة الاستثمار الواسع لموارد الصحراوين الشرقية والغربية واستعادة الاتصال الواسع ببلاد النوبة وبلاد بوينة. وبدأ هذا الاتجاه بمحاولة توطيد الأمن في السبل المؤدية إلى البحر الأحمر عبر الصحراء الشرقية، ومحاولة تعميرها، وإعادة استغلال محاجرها "الجرانيتية" ومناجمها لصالح الدولة وصالح مشروعات الفرعون. ويبدو أن ذلك لم يكن بالأمر الهين، إذ تحدثت نصوص العصر عن بعثتين كبيرتين، لا زال الباحثون على خلاف في أيهما سبقت الأخرى. وقد خرجت إحداهما في عهد مونتوحوتب "نب تاوي رع" في عشرة آلاف رجل بين مدنيين وعسكريين، وترأسها وزير يدعى "أمنمحات" فوطدت الأمن في وادي الحمامات وعمرت بعض مواطنه القديمة المهجورة، ويحتمل أنه كان من هذه المواطن ميناء وادي جواسيس قرب القصير الحالية، ثم أعادت استغلال محاجره. وقد يكون عدد العشرة الآلاف هذا عددًا مبالغًا فيه ولكنه ينم على أية حال عن أن أصحابه كانوا في خلق كثير. وقص الوزير أمنمحات رئيس البعثة في النقوش التي سجلها باسم فرعونه نب تاوي رع أن معجزتين حدثتا خلال قيام رجاله بقطع تابوت الفرعون وغطائه من محاجر وادي الحمامات، وروى في المعجزة الأولى أن غزالة حبلى قصدت معسكر رجاله واتجهت إليه وهي تتلفت خلفها دون اضطراب أو استغراب، ثم استقرت في مكانه بعينه ووضعت وليدها فيه، فاعتبرها الرجال معجزة تنبههم إلى الموضع المناسب الذي ينبغي أن يقطعوا حجر تابوت فرعونهم منه، توهموا فيما بينهم أن حيوانات البراري نفسها لم تكن تأبى أن تسعى إلى فرعونهم ومن أجل صالحه.
وروى أمنمحات أن المعجزة الثانية حدثت بعد المعجزة الأولى بثمانية أيام، وكان قد عز على رجاله أن يعثروا على موارد الماء في مسالك الصحراء والجبال، وأوشكوا أن ييأسوا من مسعاهم، ولكن حدث فجأة أن تجلت كرامة الإله مين رب الصحراء الشرقية، وتجلت مكانة الفرعون عنده، فهطل المطر مدرارًا، واستحال حضن الجبل إلى بحيرة، وانكشفت فوهة بئر بلغ عمقه في قاع الوادي عشرة أذرع
стр. 208
وبلغ عرضه عشرة أذرع، امتلأ بالماء الصافي حتى حافته، على الرغم من أن جيوشًا عدة وبدو كثيرين مروا على مكانه أعوامًا طوالًا دون أن تراه عين أو يلحظه إنسان، على حد قول الوزير أمنمحات١.
وقال رجل آخر من عهد الملك نفسه في نص نقشه بوادي الحمامات: "خرجت إلى هذه البرية كما لو كنت ابن ستين "وعندي" سبعون ولدًا ولدوا من امرأة واحدة، وأديت كل ما هو صواب من أجل نب تاوي رع، عاش أبدا"، ويبدو أنه أوكلت إلى هذا الرجل مهمة الإشراف على منطقة واسعة في الصحراء الشرقية، بحيث ذكر أنه أصبح المدير الفعلي لأرض الصحراء كلها". وأضاف من صور نجاحه وإخلاصه في أداء مهمته أنه أحال وديان الصحراء ومرتفعاتها إلى غدران وعمرها بالذراري، وروى أنه تكفل بعمل تحصينات حدودية امتدت شمالًا حتى "منعة خوفو" في مديرية المنيا، وربما امتدت جنوبًا إلى بلدة لقيطة في وادي الحمامات٢. وخرجت بعثتان إلى النوبة في عهد الملك نفسه لاستغلال الجمشت في وادي الهودي إلى الجنوب الشرقي من أسوان بنحو سبعة عشر ميلًا٣.
أما البعثة الكبيرة الأخرى التي تقرن ببعثة أمنمحات فقدت خرجت في العام الثامن من عهد مونتوحوتب "سمنخ كارع" برياسة موظف كبير يدعى حنو "أو حننو"، وبلغ تعداد رجالها نحو ثلاثة آلاف رجل، مدنيين وعسكريين. وكانت تستهدف تأكيد الأمن في مسالك القوافل وتعميرها وتحصيل الهدايا باسم القصر الملكي وقطع أحجار لتماثيل ملكية ضخمة، ثم الإشراف على إنزال سفن "جبيلية" إلى البحر الأحمر لاستعادة الاتصال ببلاد بوينة عن طريقه واستيراد "بخور طازج" منها. واعترف حنو بأنه انتفع من حالة الأمن التي حققتها بعثة عسكرية سبقته إلى تأمين الطريق، وقد تكون تلك البعثة هي بعثة أمنمحات، أو بعثة استطلاعية من رجال حنو نفسه، وذكر أنه بدأ طريقه من قفط وسلك دربًا قصيرًا من دروب الصحراء، وروى أنه سار على الدرب الذي وجهه إليه مولاه، وأكد أنه أكرم رجاله فسمح لكل منهم بسقاء "أو قربة ماء صغيرة" وحامل "أي عصا مثل عصا الراعي يعلق فيه سرة الخبز وسقاء الماء" وقدرين، وصرف لكل منهم عشرين رغيفًا "صغيرًا" يوميًّا، وسمح لهم بأن يحملوا نعالهم على ظهور الحمير، وأضاف أنه ود لو جعل الطريق نهرًا وجعل الصحراء طريقًا زراعيًّا، وأنه عمل على تطهير آبار قديمة وحفر آبار أخرى جديدة، وقد بلغت في مجملها خمسة عشرة بئرًا "لا زالت بعض معالمها باقية". ثم استمر حنو في طريقه حتى بلغ ساحل البحر الأحمر، وأنزل سفينة أو سفنًا إلى البحر ودشها بذبح القرابين أمامها ثم عهد بها على رجالها، وحملها ببضائع يستبدلون بها ما توده الخزائن الملكية ومعابد الدولة من بلاد بوينة، ثم استغل طريق عودته لقطع أحجار تماثيل مولاه، وروى أنه فعل ذلك نظرًا لحب مولاه الشديد له٤.
стр. 209
ويبدو أن انقطاع الاستغلال الواسع لمناطق المناجم والمحاجر، وانقطاع الاتصال ببلاد بوينة خلال عصر الانتقال الأول، جعل استعادة النشاط في هذه النواحي ضربًا من المخاطرة والبسالة وجعل أصحاب هذا النشاط يتلمسون طريقهم من جديد كما فعل كل من الوزير أمنمحات وزميله حنو. وصورت مخاطرات هذا العصر قصة جمع فيها مؤلفها بين الواقع وبين الخيال، وعرفت في الكتب العربية باسم قصة الملاح الغريق، وإن كان عكس هذه التسمية أي "نجاة الملاح" أولى بها. وروت القصة أن أحد رجالات البلاد كان في سبيل عودته على متن النيل من مهمة كلفه فرعونه بها فيما وراء أرض واوات بأقاصي النوبة، ولكن لم يقدر له النجاح فيها، ولما اقتربت سفينته من العاصمة أتاه أحد خاصته من الملاحين يهنئه بسلامة العودة دون نقص في ملاحيه، ويصف له فرح رجاله ومعانقة بعضهم لبعض. ولكن الرجل كان في واد آخر، وظل مهمومًا يتخوف عاقبة فشله، فانبرى الملاح يسري عنه ويهون عليه ويبعث الأمل في نفسه، وقص عليه قصة تداولت عليه فيها شدائد ظن أن لا نجاة له منها، ولكنه نجا وسلم وعاد إلى وطنه واستمتع باجتماع شمله بأهل بيته، مما سنعود إلى تفصيله في حديث الأدب.
وفي البعثات المسلحة سجل أحد قادة مونتوحوتب "نب حبة رع" على صخور أبيسكو قرب الشلال الأول أنه صاحب مولاه في حملة جنوبية، وأضاف حديثًا يفهم منه أن استقرار أمور فرعونه في مصر سمح له بأن يلتفت إلى ما وراء حدودها، وأن نشاطه العسكري هيأ له أن يبعث هيبته في نفوس أهل "جاتي"، أي أهل جنوب الشام١. وأضاف رئيس المال خيتي أنه خرج بسفن على واوات في النوبة، وأنه عاد من إحدى بعثاته الخارجية بمعادن وأحجار كريمة٢. ثم ذكر ملك من الأسرة نفسها في نص له أنه قاوم الآسيويين في بواديهم. وزاد حنو أمرًا آخر في عهد مونتوحوتب "سعنخ كارع"، فذكر لنفسه دورًا في معاملة الحاونبو، أي أهل جزر البحر المتوسط لا سيما الكريتيين، وقد تكون هذه المعاملة ودية أو عدائية، وإن كان الاحتمال الأول هو الأرجح.
стр. 210
صور من المجتمع:
تميز من رجالات النصف الأخير من عصر الأسرة الحادية عشرة الذين عرفنا تاريخهم ثالث رجال: فنان مجتهد يدعى إرتيسن، وكاهن مزارع من أواسط الناس يدعى حقانخت، وموظف كبير يدعى مكت رع. وصورت مخلفات الرجال الثلاثة ثلاثة جوانب من جوانب الحياة الاجتماعية في العصر الذي عاشوا فيه.
كان إرتيسن أقدم الثلاثة وقد عاصر نب حبة رع، وترك نقوشًا يفهم منها أنه قسم معرفته ثلاثة أقسام: معرفة باللغة، ومعرفة بمراسيم الدين وطرق السحر وتنظيم المواكب الدينية، ثم معرفة فنية وآلية، وكان مما اعتز به أنه ابتدع موادَّ للتغشية لا تحرقها النار ولا يزيلها الماء، وأنه كان يتقن تصوير الجسم البشري
стр. 211
في كل أوضاعه، لا سيما حركات التقدم والتأخر، وحركة الشخص الجاري، وكيفية رفع الذراع عند صيد فرس النهر. وكان ينحت تماثيله من كل المواد الثمينة ابتداء من الفضة والذهب على حد قوله وانتهاء بالعاج والأبنوس، واعتز بأن ما وصل إليه لم يبلغه أحد سواه هو وولده سنوسرت١.
وكان مخالفات حقاخنت، عبارة عن بضع رسائل كتبها إلى ولده الأكبر مرسو٢، يمكن أن تستنتج منها مجريات الأمور في الأسر المصرية الوسطى في عهده، ثم مدى السلطة التي افترضها الآباء لأنفسهم على أولادهم وإن بلغوا سن العمل، ومدى الفوارق الطبيعية في معاملة الوالد لأبنائه وفق أعمارهم.
كان حقانخت مشرفًا على شئون مقبرة أحد الوزراء وأوقافها الموزعة في الصعيد والدلتا، كما كانت له أملاكه الخاصة. وقد ترك أولاده الخمسة في طيبة وارتحل عنهم إلى نواحي منف ليباشر أعماله فيها لفترة أوفت على العام. وعهد إلى ولده الأكبر مرسو بأرضه ومخازن غلاله ومدخرات داره، كما عهد إلى ولد آخر يصغره بخمسة وثلاثين رأسًا من الماشية شارك جاره فيها. وكتب حقانخت إلى ولده الأكبر بضع رسائل من منف تتبدى شدته فيها عليه وتحميله مسئولية الأسرة كاملة. فكتب إليه في بعض أموره يقول: "إذا طغى الفيضان على أرض فالويل لرجالي ولك، ولن ألق المسئولية إلا عليك". ويقول: "عليك أن تبذل الجهد في أرضي واجتهد بأقصى ما تستطيع، اعزق الأرض، وتدخل في كل عمل". وكان لا يفتأ يردد عليه قوله: أنت سعيد لأني أعولك، ولماذا أعولك؟. وإذا اجتهدت دعا الناس لك، وإذا لزمت الهدوء فإنه نعم العمل. ولكنه تخلى تمامًا عن هذه الشدة بالنسبة لولده الأصغر سنفرو، فكتب عنه إلى أخيه يقول: "إذا لم يكن لسنفرو ما يكفيه معك في البيت فلا تتوان عن إخباري، فقد بلغني أنه غير راضٍ. اعتن به كثيرًا وأعطه مئونته، وبلغه سلامي ألف سلام، بل مليون مرة. اعتن به وأرسله إليَّ بعد أن تحرث الأرض مباشرة"، ثم كتب عنه ثانية قائلًا: "إذا كان سنفرو يريد أن يعتني بالماشية فدعه يفعل؛ إذ يبدو أنه لا يحب أن يجري معك هنا وهناك في حرث الأرض، كما أنه لا يريد أن يأتي إلى هنا، وعليك أن تمتعه بكل ما يحب".
وكان للرجل ولد صغيرة شقي يدعى ساحتحور اشترك في مشاكسة جارية أبيه مع خادمة تدعى سنن، فلم يزد حقانخت على أن صب جام غضبه على الابن الأكبر والخادمة معًا، وتغاضى عن شقاوة الولد الصغير، وقال لمرسو: "اطرد الخادمة سنن من داري على التو، ولكن احرص على أن يتردد ساحتحور عليك يوميًّا، وإذا بقيت سنن في الدر يومًا واحدًا وأساءت إلى جاريتي فأنت الملوم. وإلا فما الذي تستطيع أن تفعله جاريتي إزاءكم وأنتم خمسة أولاد؟ سلم لي على أمي إيبي ألف سلام، بل مليون مرة". وعاود الحديث عن الجارية في خطاب آخر فقال: "لاحظ أنها جاريتي، وأنه ينبغي إحسان معاملة جارية الإنسان ... ، وإلا فكيف أعيش معكم في دار واحدة، إن لم تحترموا جارية من أجل خاطري؟ ".
стр. 212
وعثر في مقبرة مكت رع بمنطقة الدير البحري في طيبة١ على نماذج كثيرة لأدوات زينته وأناقته، ونماذج أخرى طريفة لداره أو دواره وما كان يلحق بها من مكاتب ومصانع وحظائر ومخازن، فضلًا عمن كانوا يعملون فيها من موظفين وأتباع وصناع. وتبقى من نموذج لمسكنه الخاص جانب أمامي من طابق أول لا يختلف كثيرًا عن الطوابق الأولى في الفيلات الحديثة، يتألف من فناء متسع يتوسطه حوض ماء مستطيل كبير، تشرف الأشجار على جانبيه، وتلا الفناء صفة مرتفعة أو فراندة متسعة يعتمد سقفها على ثمانية أساطين خشبية دقيقة ملونة، شكلت سيقانها وتيجانها على هيئة اللوتس والبردي.
وتخلف من ملحقات الدار أو الدوار نموذج لمصنع غزل ونسيج تعمل فيه طائفة من النساء، وكان صاحبه يؤدي ضرائبه العينية إلى الدولة، وربما اشتغل لحسابها أيضًا، ونموذج مصنع للنجارة يعمل فيه صناعة ويستخدمون أدوات يدوية لا تزال تستعمل حتى الآن، وأخصها المناشير والأزاميل والدقاميق. ونموذج كرار لتخمير الجعة وتصفيتها، وآخر لمعجن ومخبز يعمل فيه رجال ونساء، وغيره لحظيرة متسعة جاورتها ظلة مرتفعة فسيحة جلس فيها رب الدار ومن حوله حراسه حاملو الحراب، وكتبته الذين جلس كل منهم أما منضدة حجرية صغيرة وضع فوقها أدوات كتابته. وهكذا احتفظت نماذج مكت رع بصورة لثراء المترفين في عصره، عصر الأسرة الحادية عشرة، ونمت عن أنه كان من أصحاب الأملاك من حققت لهم أملاكهم الواسعة حظًّا من الكفاية الذاتية في إنتاج مطالبهم ومطالب أسرهم وأتباعهم المحيطين بهم.
ولم تتضمن مقبرة مكت رع صورة من حياة النعيم وحدها، وإنما تضمنت في الوقت نفسه مئات من أسلحة الحرب ونماذجها، لا سيما الحراب والأقواس وجعاب السهام، وذلك مما يعني أحد فروض ثلاثة، وهي: أن الرجل كان من هواة جمع الأسلحة وكان يحتفظ بها في قاعة بداره، أو أن تقاليد عصره كانت تفرض على الأثرياء أن يحتفظوا بأسلحة كثيرة ليزودوا بها رجال أقاليمهم حين تطلب الدولة منهم تسليحهم. أو أن أيام مكت رع بالذات كانت أيامًا مضطربة وكان عليه أن يترقب مفاجآتها بأسلحته. وكل فرض من هذه الفروض الثلاثة محتمل.
لم تقتصر مخلفات عصر الأسرة الحادية عشرة على نماذج المساكن الثرية وحدها، وإنما احتفظت معها بنماذج صغيرة من الطين قلدت التخطيط العام لبيوت أهل الطبقات الفقيرة والطبقات الوسطى، وظهرت هذه النماذج منذ نهاية الدولة القديمة، واستمرت خلال عصر الانتقال الأول، ثم اكتملت عناصرها لي بداية الدولة الوسطى، واقترح فلندرز بترى تسميتها باسم بيوت "الكا"، إيماء إلى تخصيصها لنفع النفس "أو الروح" في أخراها٢.
وظلت نماذج البيوت الفقيرة منها لا تعدو فناء مسورًا بسور طيني خفيض، يقوم في مؤخرته من الداخل كوخ "خص" مقبى السقف مبني بجواليص الطين، أو تحل محله صفة "تسقيفة" متواضعة مسطحة أو
стр. 213
مائلة السقف يرفع سقفها عمودان أو ثلاثة من جواليص الطين أيضًا. وتميزت عن هذه النماذج نماذج أخرى تفضلها بعض الشيء قلدت البيوت الريفية اللبنية الشائعة، واحتوت في نهاية فنائها ثلاث حجرات متصلة أو منفصلة، يتقدمها رواق مستطيل مسقوف، ويعلوها سطح مسور بحواجز بسيطة "درابزين" تنفذ منه منافذ مائلة للتهوية والضوء "تشبه ملاقف الهواء التي كانت تتضمنها بيوت الجيل الماضي ودوارات الريف". وقد يتصرف أصحاب المسكن في حجراته فيرتبونها على جانبي الرواق أو على جوانبه الثلاثة، ويستفيدون من السطح المتسع فيقيمون بين منفذي الهواء "الملقفين" حجرة عليا صغيرة. وقد يشيدون الدرج المؤدي إلى السطح من ركن الفناء أو يجعلونه يعتمد على الجدار الخارجي للمسكن إذا كان بعيدًا عن جدار السور. وغالبًا ما يبنون حجرة ضيقة في ركن الفناء لاستخدامها مخزنًا أو حظيرة للطيور ويتركون بقية الفناء لمبيت الماشية. وامتازت عن النماذج السابقة من حيث الثراء ومن حيث التطور نماذج بيوت أهل الطبقة الوسطى الريفية، وكانت ذات طابقين وسطح، يؤدي إلى طابقه العلوي وسطحها درج يعتمد على عقد مقبى، ويكون لحجراتها العليا نوافذ حيث لا خوف من تلصص المارة في الطريق على أهلها. وظل للأروقة الأمامية المسقوفة مكانها في الطابقين لجلوس أهلها في أمسيات الصيف ولاستقبال الضيوف. وقد يحتوي فناؤها الواسع على حوض رباعي تحيط به ظلة "تسقيفة" ذات أعمدة. وكثيرًا ما وجدت في حجرات هذه النماذج نماذج أخرى صغيرة لأسرة ومقاعد، وذلك مما يعني أنها أصبحت تخدم غرضين، وهما: نفع النفس أو الروح، والرمز إلى المساكن الذي يتمناه المتوفى في أخراه.
стр. 214
في العمارة الدينية والفن:
مر بنا حين استعرضنا الخطوط العامة لفنون النحت والنقش خلال عصر الانتقال الأول، أنها ظلت محدودة الكفاية، محدودة الآفاق، وإن ميز تماثيل سادتها الخشبية طاب ريفي مستحب وأسلوب واقعي متواضع، وميز تماثيل أتباعها الخشنة تآلفها الجماعي وحرية الحركة الممثلة فيها، وميز هيئاتها النحيلة قليلة التناسب نوع من صدق التعبير عن الحياة الأسرية وعلاقات أفرادها بعضهم ببعض، كما ميز نقوش توابيتها ورسومها نوع من الإفاضة في تصوير المقتنيات وتسجيل التراتيل والدعوات، وكانت كلها ميزات عفوية وموضوعية أكثر منها ميزات فنية إبداعية مدروسة. ولم يتقرن بها شيء من تجديدات فن العمارة.
وترتب على ذلك أن فنون أوائل الدولة الوسطى لم ترث عن سابقتها في عصر الانتقال الأول شيئًا كثيرًا، ولم تجد وراءها نماذج راقية قريبة ترجع إليها وتستوحيها، لا سيما وأنها تركزت في طيبة بعيدة عن منف كعبة الفن القديمة، وكان عليها لذلك أن تتلمس لنفسها سبلًا جديدة تعبر بها عن روح عصرها وأوضاعها وخصائصه.
وظهرت تجديدات العمارة في آثار متمم الوحدة السياسية الملك مونتوحوتب "نب حبة رع"، حين ابتغى مهندسه أن يشيد له ضريحًا يليق بمكانته وسمعته، فاستوحى هيئة أهرام الدولة القديمة، وهيئة مقابر عصر الأناتفة المنحوتة ذات الأبهاء، ثم عدل طرز هذه وتلك وخرج منهما معًا بأسلوب مبتكر جديد.
стр. 215
فعلى حين اعتاد أسلافه مهندسو الدولة القديمة على أن يقيموا معابد الفراعنة إلى جانب أهرامهم دون أن يجمعوهما معًا في وحدة معمارية صريحة واحدة، حاول هو من ناحيته أن يجمع لأول مرة بين هرم فرعونه وبين معبده في بناء واحد قائم متصل. وتخير لمشروعه حضن جبل ناهض من جبال طيبة الغربية، وأراد أن يطاول هرم فرعونه ارتفاع الجبل، فشيد تحته مسطحين واسعين عظيمين يعلو أحدهما فوق الآخر، ويؤدي إليهما طريق طويل عريض يبدأ بمدخل متسع عند حافة الوادي المنزرع. ثم جمل المهندس البناء بتوابع كثيرة، من الحدائق الرحبة والأعمدة المرتفعة، والتماثيل الملكية الواقفة والجالسة، التي استكمل بها نواحي الفخامة والجمال في عمارته. ولما أكمل المهندس مشروعه وتوابعه، أصبح الزائرون يتطلعون إلى مجموعته من أرض الزراعة إلى حيث ينهض ضريح الفرعون عاليًا يحميه الجبل من خلفه، ويعبرون خلال طريقهم إليه غابة شجرية زرعت بأشجار وارفة من الجميز والأثل تظلل تحتها عددًا من تماثيل الفرعون تمثله جالسًا أو واقفًا، ثم يصعدون في نهايتها على طريق صاعد طويل يواجهون معه المسطح الأول للضريح، ويواجهون في مقدمته بهوًا عريضًا ترتفع فيه أعمدة مربعة, فإذا اعتلوا هذا المسطح الأول واجهوا غابة فسيحة أخرى تكسو المسطح الثاني، لكنها غابة من حجر، تتضمن عشرات وعشرات من الأعمدة الحجرية المضلعة التي قامت فيها مقام الشجر. وفي قلب هذه الغابة الحجرية ينهض هرم الفرعون عاليًا في تسام وأبهة١.
وضم ضريح مونتوحوتب عددًا من مقابر نساء أسرته ووصائفهن. وكان لكل أميرة منهن مقصورة خاصة، ولكل مقصورة بئر تؤدي إلى حجرة دفنها٢. وكانت أشهرهن أميرة تدعى كاويت، وأخرى تدعى عاشيت٣. بقي عدد من المحتويات الثمينة في مقبرتيهما، ومنها تابوتان من الحجر الجيري النقي، حفلت جوانبهما بمناظر دنيوية وأخروية، ومن هذه المناظر ما يصور الأميرة تمسك بمرآتها النحاسية، بينما ترجل لها خادمتها شعرها وتروح لها أخرى بمروحتها ويصب لها وصيفها لبنًا في كأس. وكان لكل من الأميرتين تابوت خشبي وضع داخل تابوتها الحجري، وزين كل منهما بنصوص دينية ومناظر قطع فنانها مرحلة طيبة في سبيل إجادتها ورشاقة خطوطها. وقد ضارعتها في مستوى التطور نقوش أخرى احتفظت بها مقاصير معبد الطود من أيام الملكين مونتوحوتب الثالث ومونتوحوتب الخامس٤.
وبدأت بواكير الازدهار النسبي لفن النحت حينذاك في تماثيل مونتوحوتب "نب حبة رع" أيضًا. واشتهر منها تمثال يظهر الملك برداء قصير يشبه أردية أعياد السد، ويظهره بلون أسود قد يرجع استخدام الفنان له إلى رغبته في تشبيه فرعونه بالمعبود أوزير باعتباره رب الخصب، أو يرجع إلى سوء اختياره للون المناسب. ويبدو أن الفرض الأخير هو الأرجح؛ إذ يزكيه عيب آخر في تمثاله، وهو أن الفنان حين حاول