← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

في كل أوضاعه، لا سيما حركات التقدم والتأخر، وحركة الشخص الجاري، وكيفية رفع الذراع عند صيد فرس النهر. وكان ينحت تماثيله من كل المواد الثمينة ابتداء من الفضة والذهب على حد قوله وانتهاء بالعاج والأبنوس، واعتز بأن ما وصل إليه لم يبلغه أحد سواه هو وولده سنوسرت١. وكان مخالفات حقاخنت، عبارة عن بضع رسائل كتبها إلى ولده الأكبر مرسو٢، يمكن أن تستنتج منها مجريات الأمور في الأسر المصرية الوسطى في عهده، ثم مدى السلطة التي افترضها الآباء لأنفسهم على أولادهم وإن بلغوا سن العمل، ومدى الفوارق الطبيعية في معاملة الوالد لأبنائه وفق أعمارهم. كان حقانخت مشرفًا على شئون مقبرة أحد الوزراء وأوقافها الموزعة في الصعيد والدلتا، كما كانت له أملاكه الخاصة. وقد ترك أولاده الخمسة في طيبة وارتحل عنهم إلى نواحي منف ليباشر أعماله فيها لفترة أوفت على العام. وعهد إلى ولده الأكبر مرسو بأرضه ومخازن غلاله ومدخرات داره، كما عهد إلى ولد آخر يصغره بخمسة وثلاثين رأسًا من الماشية شارك جاره فيها. وكتب حقانخت إلى ولده الأكبر بضع رسائل من منف تتبدى شدته فيها عليه وتحميله مسئولية الأسرة كاملة. فكتب إليه في بعض أموره يقول: "إذا طغى الفيضان على أرض فالويل لرجالي ولك، ولن ألق المسئولية إلا عليك". ويقول: "عليك أن تبذل الجهد في أرضي واجتهد بأقصى ما تستطيع، اعزق الأرض، وتدخل في كل عمل". وكان لا يفتأ يردد عليه قوله: أنت سعيد لأني أعولك، ولماذا أعولك؟. وإذا اجتهدت دعا الناس لك، وإذا لزمت الهدوء فإنه نعم العمل. ولكنه تخلى تمامًا عن هذه الشدة بالنسبة لولده الأصغر سنفرو، فكتب عنه إلى أخيه يقول: "إذا لم يكن لسنفرو ما يكفيه معك في البيت فلا تتوان عن إخباري، فقد بلغني أنه غير راضٍ. اعتن به كثيرًا وأعطه مئونته، وبلغه سلامي ألف سلام، بل مليون مرة. اعتن به وأرسله إليَّ بعد أن تحرث الأرض مباشرة"، ثم كتب عنه ثانية قائلًا: "إذا كان سنفرو يريد أن يعتني بالماشية فدعه يفعل؛ إذ يبدو أنه لا يحب أن يجري معك هنا وهناك في حرث الأرض، كما أنه لا يريد أن يأتي إلى هنا، وعليك أن تمتعه بكل ما يحب". وكان للرجل ولد صغيرة شقي يدعى ساحتحور اشترك في مشاكسة جارية أبيه مع خادمة تدعى سنن، فلم يزد حقانخت على أن صب جام غضبه على الابن الأكبر والخادمة معًا، وتغاضى عن شقاوة الولد الصغير، وقال لمرسو: "اطرد الخادمة سنن من داري على التو، ولكن احرص على أن يتردد ساحتحور عليك يوميًّا، وإذا بقيت سنن في الدر يومًا واحدًا وأساءت إلى جاريتي فأنت الملوم. وإلا فما الذي تستطيع أن تفعله جاريتي إزاءكم وأنتم خمسة أولاد؟ سلم لي على أمي إيبي ألف سلام، بل مليون مرة". وعاود الحديث عن الجارية في خطاب آخر فقال: "لاحظ أنها جاريتي، وأنه ينبغي إحسان معاملة جارية الإنسان ... ، وإلا فكيف أعيش معكم في دار واحدة، إن لم تحترموا جارية من أجل خاطري؟ ".

стр. 212

وعثر في مقبرة مكت رع بمنطقة الدير البحري في طيبة١ على نماذج كثيرة لأدوات زينته وأناقته، ونماذج أخرى طريفة لداره أو دواره وما كان يلحق بها من مكاتب ومصانع وحظائر ومخازن، فضلًا عمن كانوا يعملون فيها من موظفين وأتباع وصناع. وتبقى من نموذج لمسكنه الخاص جانب أمامي من طابق أول لا يختلف كثيرًا عن الطوابق الأولى في الفيلات الحديثة، يتألف من فناء متسع يتوسطه حوض ماء مستطيل كبير، تشرف الأشجار على جانبيه، وتلا الفناء صفة مرتفعة أو فراندة متسعة يعتمد سقفها على ثمانية أساطين خشبية دقيقة ملونة، شكلت سيقانها وتيجانها على هيئة اللوتس والبردي. وتخلف من ملحقات الدار أو الدوار نموذج لمصنع غزل ونسيج تعمل فيه طائفة من النساء، وكان صاحبه يؤدي ضرائبه العينية إلى الدولة، وربما اشتغل لحسابها أيضًا، ونموذج مصنع للنجارة يعمل فيه صناعة ويستخدمون أدوات يدوية لا تزال تستعمل حتى الآن، وأخصها المناشير والأزاميل والدقاميق. ونموذج كرار لتخمير الجعة وتصفيتها، وآخر لمعجن ومخبز يعمل فيه رجال ونساء، وغيره لحظيرة متسعة جاورتها ظلة مرتفعة فسيحة جلس فيها رب الدار ومن حوله حراسه حاملو الحراب، وكتبته الذين جلس كل منهم أما منضدة حجرية صغيرة وضع فوقها أدوات كتابته. وهكذا احتفظت نماذج مكت رع بصورة لثراء المترفين في عصره، عصر الأسرة الحادية عشرة، ونمت عن أنه كان من أصحاب الأملاك من حققت لهم أملاكهم الواسعة حظًّا من الكفاية الذاتية في إنتاج مطالبهم ومطالب أسرهم وأتباعهم المحيطين بهم. ولم تتضمن مقبرة مكت رع صورة من حياة النعيم وحدها، وإنما تضمنت في الوقت نفسه مئات من أسلحة الحرب ونماذجها، لا سيما الحراب والأقواس وجعاب السهام، وذلك مما يعني أحد فروض ثلاثة، وهي: أن الرجل كان من هواة جمع الأسلحة وكان يحتفظ بها في قاعة بداره، أو أن تقاليد عصره كانت تفرض على الأثرياء أن يحتفظوا بأسلحة كثيرة ليزودوا بها رجال أقاليمهم حين تطلب الدولة منهم تسليحهم. أو أن أيام مكت رع بالذات كانت أيامًا مضطربة وكان عليه أن يترقب مفاجآتها بأسلحته. وكل فرض من هذه الفروض الثلاثة محتمل. لم تقتصر مخلفات عصر الأسرة الحادية عشرة على نماذج المساكن الثرية وحدها، وإنما احتفظت معها بنماذج صغيرة من الطين قلدت التخطيط العام لبيوت أهل الطبقات الفقيرة والطبقات الوسطى، وظهرت هذه النماذج منذ نهاية الدولة القديمة، واستمرت خلال عصر الانتقال الأول، ثم اكتملت عناصرها لي بداية الدولة الوسطى، واقترح فلندرز بترى تسميتها باسم بيوت "الكا"، إيماء إلى تخصيصها لنفع النفس "أو الروح" في أخراها٢. وظلت نماذج البيوت الفقيرة منها لا تعدو فناء مسورًا بسور طيني خفيض، يقوم في مؤخرته من الداخل كوخ "خص" مقبى السقف مبني بجواليص الطين، أو تحل محله صفة "تسقيفة" متواضعة مسطحة أو

стр. 213

مائلة السقف يرفع سقفها عمودان أو ثلاثة من جواليص الطين أيضًا. وتميزت عن هذه النماذج نماذج أخرى تفضلها بعض الشيء قلدت البيوت الريفية اللبنية الشائعة، واحتوت في نهاية فنائها ثلاث حجرات متصلة أو منفصلة، يتقدمها رواق مستطيل مسقوف، ويعلوها سطح مسور بحواجز بسيطة "درابزين" تنفذ منه منافذ مائلة للتهوية والضوء "تشبه ملاقف الهواء التي كانت تتضمنها بيوت الجيل الماضي ودوارات الريف". وقد يتصرف أصحاب المسكن في حجراته فيرتبونها على جانبي الرواق أو على جوانبه الثلاثة، ويستفيدون من السطح المتسع فيقيمون بين منفذي الهواء "الملقفين" حجرة عليا صغيرة. وقد يشيدون الدرج المؤدي إلى السطح من ركن الفناء أو يجعلونه يعتمد على الجدار الخارجي للمسكن إذا كان بعيدًا عن جدار السور. وغالبًا ما يبنون حجرة ضيقة في ركن الفناء لاستخدامها مخزنًا أو حظيرة للطيور ويتركون بقية الفناء لمبيت الماشية. وامتازت عن النماذج السابقة من حيث الثراء ومن حيث التطور نماذج بيوت أهل الطبقة الوسطى الريفية، وكانت ذات طابقين وسطح، يؤدي إلى طابقه العلوي وسطحها درج يعتمد على عقد مقبى، ويكون لحجراتها العليا نوافذ حيث لا خوف من تلصص المارة في الطريق على أهلها. وظل للأروقة الأمامية المسقوفة مكانها في الطابقين لجلوس أهلها في أمسيات الصيف ولاستقبال الضيوف. وقد يحتوي فناؤها الواسع على حوض رباعي تحيط به ظلة "تسقيفة" ذات أعمدة. وكثيرًا ما وجدت في حجرات هذه النماذج نماذج أخرى صغيرة لأسرة ومقاعد، وذلك مما يعني أنها أصبحت تخدم غرضين، وهما: نفع النفس أو الروح، والرمز إلى المساكن الذي يتمناه المتوفى في أخراه.

стр. 214

في العمارة الدينية والفن: مر بنا حين استعرضنا الخطوط العامة لفنون النحت والنقش خلال عصر الانتقال الأول، أنها ظلت محدودة الكفاية، محدودة الآفاق، وإن ميز تماثيل سادتها الخشبية طاب ريفي مستحب وأسلوب واقعي متواضع، وميز تماثيل أتباعها الخشنة تآلفها الجماعي وحرية الحركة الممثلة فيها، وميز هيئاتها النحيلة قليلة التناسب نوع من صدق التعبير عن الحياة الأسرية وعلاقات أفرادها بعضهم ببعض، كما ميز نقوش توابيتها ورسومها نوع من الإفاضة في تصوير المقتنيات وتسجيل التراتيل والدعوات، وكانت كلها ميزات عفوية وموضوعية أكثر منها ميزات فنية إبداعية مدروسة. ولم يتقرن بها شيء من تجديدات فن العمارة. وترتب على ذلك أن فنون أوائل الدولة الوسطى لم ترث عن سابقتها في عصر الانتقال الأول شيئًا كثيرًا، ولم تجد وراءها نماذج راقية قريبة ترجع إليها وتستوحيها، لا سيما وأنها تركزت في طيبة بعيدة عن منف كعبة الفن القديمة، وكان عليها لذلك أن تتلمس لنفسها سبلًا جديدة تعبر بها عن روح عصرها وأوضاعها وخصائصه. وظهرت تجديدات العمارة في آثار متمم الوحدة السياسية الملك مونتوحوتب "نب حبة رع"، حين ابتغى مهندسه أن يشيد له ضريحًا يليق بمكانته وسمعته، فاستوحى هيئة أهرام الدولة القديمة، وهيئة مقابر عصر الأناتفة المنحوتة ذات الأبهاء، ثم عدل طرز هذه وتلك وخرج منهما معًا بأسلوب مبتكر جديد.

стр. 215

فعلى حين اعتاد أسلافه مهندسو الدولة القديمة على أن يقيموا معابد الفراعنة إلى جانب أهرامهم دون أن يجمعوهما معًا في وحدة معمارية صريحة واحدة، حاول هو من ناحيته أن يجمع لأول مرة بين هرم فرعونه وبين معبده في بناء واحد قائم متصل. وتخير لمشروعه حضن جبل ناهض من جبال طيبة الغربية، وأراد أن يطاول هرم فرعونه ارتفاع الجبل، فشيد تحته مسطحين واسعين عظيمين يعلو أحدهما فوق الآخر، ويؤدي إليهما طريق طويل عريض يبدأ بمدخل متسع عند حافة الوادي المنزرع. ثم جمل المهندس البناء بتوابع كثيرة، من الحدائق الرحبة والأعمدة المرتفعة، والتماثيل الملكية الواقفة والجالسة، التي استكمل بها نواحي الفخامة والجمال في عمارته. ولما أكمل المهندس مشروعه وتوابعه، أصبح الزائرون يتطلعون إلى مجموعته من أرض الزراعة إلى حيث ينهض ضريح الفرعون عاليًا يحميه الجبل من خلفه، ويعبرون خلال طريقهم إليه غابة شجرية زرعت بأشجار وارفة من الجميز والأثل تظلل تحتها عددًا من تماثيل الفرعون تمثله جالسًا أو واقفًا، ثم يصعدون في نهايتها على طريق صاعد طويل يواجهون معه المسطح الأول للضريح، ويواجهون في مقدمته بهوًا عريضًا ترتفع فيه أعمدة مربعة, فإذا اعتلوا هذا المسطح الأول واجهوا غابة فسيحة أخرى تكسو المسطح الثاني، لكنها غابة من حجر، تتضمن عشرات وعشرات من الأعمدة الحجرية المضلعة التي قامت فيها مقام الشجر. وفي قلب هذه الغابة الحجرية ينهض هرم الفرعون عاليًا في تسام وأبهة١. وضم ضريح مونتوحوتب عددًا من مقابر نساء أسرته ووصائفهن. وكان لكل أميرة منهن مقصورة خاصة، ولكل مقصورة بئر تؤدي إلى حجرة دفنها٢. وكانت أشهرهن أميرة تدعى كاويت، وأخرى تدعى عاشيت٣. بقي عدد من المحتويات الثمينة في مقبرتيهما، ومنها تابوتان من الحجر الجيري النقي، حفلت جوانبهما بمناظر دنيوية وأخروية، ومن هذه المناظر ما يصور الأميرة تمسك بمرآتها النحاسية، بينما ترجل لها خادمتها شعرها وتروح لها أخرى بمروحتها ويصب لها وصيفها لبنًا في كأس. وكان لكل من الأميرتين تابوت خشبي وضع داخل تابوتها الحجري، وزين كل منهما بنصوص دينية ومناظر قطع فنانها مرحلة طيبة في سبيل إجادتها ورشاقة خطوطها. وقد ضارعتها في مستوى التطور نقوش أخرى احتفظت بها مقاصير معبد الطود من أيام الملكين مونتوحوتب الثالث ومونتوحوتب الخامس٤. وبدأت بواكير الازدهار النسبي لفن النحت حينذاك في تماثيل مونتوحوتب "نب حبة رع" أيضًا. واشتهر منها تمثال يظهر الملك برداء قصير يشبه أردية أعياد السد، ويظهره بلون أسود قد يرجع استخدام الفنان له إلى رغبته في تشبيه فرعونه بالمعبود أوزير باعتباره رب الخصب، أو يرجع إلى سوء اختياره للون المناسب. ويبدو أن الفرض الأخير هو الأرجح؛ إذ يزكيه عيب آخر في تمثاله، وهو أن الفنان حين حاول

стр. 216

أن يعبر في تمثاله عن عظمة فرعونه لم يستطع أن يترجم عنها بغير إظهار وجهه وهيبته وامتلاء جسده وضخامته، بينما اكتفى بالخطوط العامة له دون إظهار عضلات جسمه وانثناءاته. ثم مثله يعقد يديه على صدره في جلسة أوزيرية مهيبة وإن كان في نفس الوقت قد أظهره برداء العيد القيصر الذي لا ينسجم مع أردية أوزير الطويلة التقليدية، أو على الأقل لم تجر العادة على تصويره في تماثيل الملوك التي أظهرتهم في هيئة أوزيرية. بل وقد نحت ساقي التمثال بضخامة ملحوظة، وتحتمل هذه الضخامة بدورها أكثر من فرض واحد: فهي قد تدل على ابتلاء الملك بمرض تضخم الساقين "داء الفيل" كما يظن بعض الباحثين، ولو أنه فرض نستبعده حيث لم تجر عادة المصريين على إظهار العيوب البدنية للسادة في تماثيل يأملون أن يبعثوا على هيئتها في الآخرة، وقد تدل على عدم تكمن الفنان تمامًا من فنه وعدم استطاعته تقدير النسب السليمة في تمثاله. أو هي ترجع أخيرًا إلى أن هذا التمثال كان واحدًا من تماثيل كثيرة لصاحبه قامت في معبده وعلى جانبي الطريق المؤدي إليه، وربما رأي المثالون في كثرتها ما يغني عن الاهتمام بتفاصيلها، ولم يجدوا ضرورة للعناية الكاملة بكل واحد منها على حدة١. وعلى أية حال، ومهما يكن من عيوب هذا التمثال، فهي عيوب تغتفر له إذا قورن بتماثيل عصر الانتقال الأول الذي سبقه، ولا تمنع إطلاقًا من اعتباره باكورة طيبة لفن النحت في عصره. وقد لحق النجاح النسبي في نحته ونحت أمثاله من التماثيل الملكية، ببعض تماثيل الخاصة أيضًا، ومن هذه التماثيل بضعة تماثيل لمكت رع وولده، وتمثالان صغيران لموظف يدعى مري نحتهما الفنان من الحجر وأظهره في أحدهما يبسط يديه على صدره في وضع تعبدي لطيف. وتمثال آخر بنفس الوضع لرجل يدعى إقر. ثم تمثال خشبي صغير للأميرة عاشيت وجد داخل تابوتها وميزته حيوية واضحة زادها احتفاظه بتطعيم عينيه٢. بل وأصاب النجاح النسبي تماثيل الجواري والأتباع الصغيرة كذلك، فبلغت حدًّا لا بأس به من سلامة النسب ورقة التفاصيل، وإن تفاوتت فيما بينها من حيث الحيوية ودقة الصناعة. ومن أمتع ما يستشهد به منها تمثالان لجاريتين من حاملات القرابين وجدا في مقبرة مكت رع وظهر فيهما من حلاوة التعبير وصفاء الملامح وتفاصيل الثياب المشغولة بالخرز على هيئة فلوس السمك، ما جعلهما يفوقان أشباههما من تماثيل عصر الانتقال الأول بمراحل واسعة٣. وبعد أن أعاد عصر الأسرة الحادية عشرة وحدة الحكم ووحدة الحضارة إلى بلده، انتهت أيام أسرته الحاكمة على غير ما بدأت به، لأمر ما لم تكشف عنه الوثائق المعروفة، بحيث تعاقبت في أواخرها سبع سنوات عز فيها الاستقرار والحاكم الصالح، ثم انتقل العرش منها إلى فرع من أقاربها أو من أصهارها، بدأ بحكمه عصر جديد مجيد سيكون موضوع البحث التالي.

стр. 217

ثانيا: الازدهار والكلاسيكية في عصر الأسرة الثانية عشرة مدخل ... ثانيًا: الازدهار والكلاسيكية في عصر الأسرة الثانية عشرة ١٩٩١ - ١٧٧٨ق. م يعتبر عصر الأسرة الثانية عشرة أزهى عصور الدولة الوسطى في نواحي نشاطه الداخلية والخارجية، وقد بدأ الحكم فيه بفرعون ذكرته نصوص عهده باسم أمنمحات "سحتب إب رع"، وعرفته كتب التاريخ باسم أمنمحات الأول، وسوف نجري فيما بعد على استعمال الاسم الأخير نظرًا لشيوعه، وقد خرج أهل الدعاية في عهده بقصة اشتهرت اصطلاحًا باسم تنبوءات نفررحو "أو تنبوءات نفرتي"، واستهدف دعاة أمنمحات من قصتهم هذه أن يظهروا فرعونهم الجديد لأفراد شعبه في هيئة المنقذ المنتظر، وأن يوهموهم بأن العناية الإلهية قد تخيرته منذ الأزل، وأن المتنبئين بشروا به منذ عهد سنفرو، أي قبل مولده بقرون طويلة. وسوف نعرض لهذه القصة في حديثنا عن الأدب، وتتلخص في أنها جعلت حكيمها نفررحو يصور للفرعون سنفرو أيامًا يتوقعها في عالم الغيب، يهلك فيها الحرث والنسل ويشيع الفساد، ويظل أمرها كذلك حتى ترسل العناية الإلهية ملكًا من أهل الجنوب يدعى "أميني" يولد لسيدة من إقليم تاستي، فيصلح الحال ويسعد به أهل عصره. وكان اسم أميني الذي بشرت النبوءة به هو الاسم المختصر لاسم أمنمحات في الدولة الوسطى١. ثم لجأ أمنمحات إلى التبشير لحكمه وعهده بين شعبه بطريقة أخرى، فاستخدم لنفسه لقب "وحم مسوت" ٢، وهو لقب يعني معنى معيد النهضة "إلى جانب معان حرفية أخرى مثل تكرار المواليد". واعتمادًا على هذه الدعايات اعتبر بعض المؤرخين المحدثين أمنمحات مغتصبًا للعرش من الأسرة السابقة له، وأضافوا أنه قد يكون بنفسه الوزير أمنمحات الذي خرج في عهد مونتوحوتب "نب تاوي رع" بعشرة آلاف حندي، وأنه قد استغلهم في الإطاحة بملكه والاستيلاء على عرشه، وأن أمه كانت نوبية من إقليم تاستي الجنوبي الذي ذكرته النبوءة، وأنه يزكي أصله الجنوبي ظهور غلظ الشفاة وسعة الأنوف وبروز الوجنات في تماثيله وتماثيل أفراد أسرته٣. ونترك للجزء الثاني من كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها تفنيد هذه الآراء ومناقشة حجج أصحابها، في تفصيل، وحسبنا منه هنا أن إقليم تاستي الذي اعتبروه نوبيًّا خالصًا، كان يشتمل كذلك على المنطقة التي تمتد بين أسوان وبين إدفو، فهو إذن من أقصى الصعيد أيضًا وليس من النوبة كله. وليست ملامح النوبيين في حد ذاتها بالملامح الغليظة التي صوروها، وإنما هي ملامح لا تخلو من رقة وبساطة على الرغم من سمرتها. ولم تظهر الملامح الغليظة في غير تماثيل أحد أحفاد أمنمحات "وهو سنوسرت الثالث"، مع ملاحظة أن

стр. 218

تنوع الملامح بين أفراد الأسرة الواحدة ليس بالأمر الغريب بين المصريين وغير المصريين، ثم إن أمنمحات الوزير لو أراد أن يستخدم العشرة آلاف جندي في الثورة على ملكه لما مجده أمام نفس الجنود في نصوص حتى أوشك أن يرتفع به أمامهم إلى مصاف الآلهة. كما أن بعض خلفائه من ملوك أسرته قد جروا على سنته في تمجيد ذكرى ملوك الأسرة الحادية عشرة السابقة عليهم، وفي هذا ما ينفي أن رأسهم قد اغتصب الملك منها. وبناء على هذه القرائن وغيرها مما يرد تفصيله وأدلته في كتابنا آنف الذكر، يبدو أن أمنمحات كان من أقرباء الأسرة الحادية عشرة السابقة له أو من أصهارها، وأنه لم يعتل العرش اغتصابًا من ورثتها، وإنما اعتلاه بعد أن عجزوا عن الاحتفاظ به، وبعد أن مرت البلاد بفترة عز عليها فيها الاستقرار والحكم الصالح.

стр. 219

في السياسة الداخلية: جمعت أيام الأسرة الثانية عشرة بين خصائص مركزية الدولة القديمة وعظمة فراعنتها، وبين مكاسب عصر اللامركزية الأولى ونمو الروح الفردية فيه، في آن واحد، دون أن تضحي بإحداهما تمامًا في سبيل الأخرى. غير أن هذه التقديم لا يمنعنا من ذكر حقيقة واقعة وهي أن مصادر تصوير هذا العصر، وغيره من العصور، لا تزودنا في أغلب أحوالها إلا بما أراده أصحابها من تصوير الجوانب النيرة في حياتهم، أما الجوانب السيئة، ولا بد أنها كانت متعددة، فقلما تركوا لنا ما يسمح بتصويرها إلا عن طريق التخمين وعن طريق استقراء ما بين السطور. طال حكم أمنمحات الأول ثلاثين عامًا يبدو أنها كانت حالفة بالإصلاح وإن لم تخل من الكفاح والمخاطر في بدايتها وفي نهايتها. فيفهم من نصوص رجل معاصر له من حكام الأقاليم يدعى "خنوم حوتب" ونصوص حفيده١، أنه ظهر لأمنمحات في بداية عهده منافسون على العرش، وأنه عمل على نفيهم من مصر واستعان على إضعافهم ببعض زعماء الأسر المصرية القوية في مصر الوسطى، ثم كافأ أنصاره بتوليتهم حكم المزيد من المدن والأقاليم، وإن كان قد حرص في الوقت ذاته على أن يشعر هؤلاء الأنصار بأن يده هي العليا دائمًا، فتدخل في تحديد حدود أقاليمهم ورسم سياستها وتعيين موارد الري فيها وتحديد سلطاتهم عليها. وأشرك أمنمحات ولي عهده سنوسرت في الحكم معه عشر سنين حتى يعتاد على تصريف الأمور تحت إشرافه، ويأمن الخلاف والطمع في عرشه بعد وفاته، وظن أن ذلك يدعم مركزيهما معًا، ولكن كان من تصاريف القدر أن تعرض في فترة متأخرة من حكمه لمؤامرة دبرت لاغتياله من قبل المتصلين به لسبب لا نعرفه، وصور الملك هذه المؤامرة من وجهة نظره في مجموعة وصايا وجهها إلى ولده، وحرص على أن يعدد له في مقدمتها ما أسلف لبلده من أياد بيضاء، فأكد أنه عمل على ألا يكون في عهده جائع ولا ظمآن، وأن كل ما أمر بتنفيذه خلال حكمه كان كما ينبغي أن يكون. وأكد أنه يسر لكل معدم أن يحقق أهدافه كما لو كان من ذوي الحيثية، ثم تحدث عن نشاطه الإداري فذكر أنه وقف على مشارف الأرض وعاين

стр. 220

دواخلها، وأنه وسع مفهوم البأس بشجاعته وأعماله ... ، وادعى أنه أذل الأسود وأخضع التماسيح ... ، غير أن ذلك كله لم يجد، فانقلب عليه أقرب الناس إليه، وتعمد من طعم خبزه أن يحرض القوم عليه، كما تعمد من تلقى يد المعونة منه أن يستغلها في خلق المتاعب ضده، وذكر أمنمحات أن المتآمرين دبروا أمرهم خلال غياب ولده، فحدث ذات ليلة بعد العشاء، وحين أرخى الليل سدوله، وبعد أن استرخى هو في مضجعه، أن سمع صليل السلاح وحديثًا يقال عنه، فظل في فراشه يقظًا كثعبان الصحاري، ثم نهض ليدافع عن نفسه، ووجدها مؤامرة من بعض الحراس، فاستل سلاحه، وكان كفئًا لهم كما قال، لولا أنه "ما من شجاع بلبل" و"وما استطاع إنسان أن يحارب بمفرده"، "وما تم أمر ناجح بغير مساعد"، على حد تعبيره١، ووجه أمنمحات وصيته إلى ولده من وحي هذه التجربة، فأوصاه بالحذر، وبألا يقرب الناس وحيدًا، وألا يسرف في الإخلاص لمن يدعي أخوته، أو يصطفى خليلًا لنفسه، وعلل ذلك كله بأن المرء قد يفتقد أهله في يوم الشدة. وتشعبت الآراء في تصوير نهاية أمنمحات وفي استخلاص النتائج من وصاياه، فظهر منها رأيان: رأي اعتقد أصحابه أن المؤامرة حدثت في العام العشرين من حكمه وأنه نجا منها وتعمد بعدها أن يشرك ولده سنوسرت في الحكم؛ ليسانده ويشد أزره. ثم رأي آخر اعتقد أصحابه أن المؤامرة حدثت في العام الثلاثين من حكمه وأنها أدت إلى مقتله بالفعل، وأن ولده سنوسرت أوحى إلى أديب من أهل عصره بأن يقصها على لسان أبيه كما لو كانت قد صدرت عنه قبل أن يسلم روحه، أو كما لو كانت قد صدرت عنه وحيًا من السماء بعد أن ارتفع إليها، وقدم كل من أصحاب الرأيين قرائنهما، وقد رجحنا الرأي الأول منهما بقرائن جديدة نحيل المتخصص إليها في كتابنا آنف الذكر. على أنه مهما يكن من أمر المؤامرة ضد أمنمحات، فقد استفادت مصر من جهوده، كما استفاد بخبرته ولده سنوسرت الأول "خبر كارع" الذي طال حكمه أربعة وثلاثين عامًا فضلًا عن العشرة التي قضاها مشتركًا مع أبيه. وكان الابن خصيفًا ليم يسلم تمامًا بحرفية وصايا أبيه وأدرك أن دعوة الحذر التي دعاه إليها كانت مجرد رد فعل مؤقت للمؤامرة الغادرة التي صدم بها، فجرى مع روح عصره ولم يتردد في أن يقرب إليه ذوي الكفاية من رجال دولته، ويسر لهم السلطان الواسع تحت إشرافه. وترتب على ذلك أن وزيره "مونتوحوتب" لم يجد ما يمنعه من أن يشيد بنفسه الإشادة الواسعة تحت سمع مولاه وبصره. فذكر في نصوصه أنه كان ربانًا للشعب ... ، قيم القسطاس مثل الإله تحوتي "رب العدالة والميزان" ... ، وأنه كان يعتبر أخًا لهذا الإله "في عدالته وحكمته". ويعرف بواطن النفوس جميعها، كما كان حسن الإصغاء نافعًا حين الكلام حلالًا للمشكلات٢. وفي كل هذا ما يعد بنا إلى صفات الحاكم الصالح والمواطن القادر التي دعا القروي الفصيح بمثلها أيام العصر الأهناسي.

стр. 221

وسرت روح الطمأنينة التي شجعت هذا الوزير على أن يفخر بمكانته بين شعبه ويدعي الأخوة لربه، إلى كبار رجال الأقاليم المتمتعين برضا الفرعون وتأييده، فذكر رجل يدعى "أميني" كان حاكمًا على إقليم الوعل في مصر الوسطى أنه توخى العدالة المطلقة في حكم إقليمه، وأنه تنزه عما يأتيه أصحاب السلطة إذا توافرت لهم السلطة. فقال وهو يفخر بنفسه ويؤكد عدله: "لم أسئ إلى ابنة موطن قط، ولم أزجر أرملة، ولم أقس على مزارع، ولم أبعد راعيًا، ولم أحجر على عمال أو ريس أنفار في مقابل الضرائب المستحقة عليه، ولم يكن بين قومي بائس أو جوعان ... ، وعندما تعاقبت سنوات القحط أشرفت على استغلال إقليم الوعل من جنوبه إلى شماله، وكفلت الحياة لأهله ووفرت لهم الأقوات، فقل بينهم المحتاج، وأهديت الأرملة، كما أهديت ذات البعل، ولم أميز عظيمًا على فقير فيما أعطيته. وعندما عادت الفيضانات العالية وازدادت المحاصيل وتوفر كل شيء، تجاوزت عن متأخرات ضرائب المزارع"١. ولم يتردد الرجل مع شعوره بمكانته في أن يؤرخ نصوصه التي سجلها في مقبرته بتاريخ ولايته إلى جانب تأريخها بتاريخ حكم فرعون عهده٢. وكان في سعة الألقاب التي ادعاها حكام الأقاليم حينذاك واحتفاظ أغلبهم بقوات محلية كبيرة في أقاليمهم، وجرأة مثل أميني على تأريخ نصوصه بسنوات ولايته، ما دعا الأستاذين هرمان كيس وألن جاردنر إلى اعتبار النصف الأول من عصر الأسرة الثانية عشرة عصرًا إقطاعيًّا من نوع جديد، لم تهن فيه سلطة الملوك، ولكن تضخمت فيه سلطة حكام الأقاليم برضا الملوك ولصالح الرعية٣. واستمرت هذه الأوضاع قائمة في النصف الأول من عصر الأسرة، خلال عهدي كل من أمنمحات الثاني وسنوسرت الثاني. ثم اتجهت السياسة الداخلية وجهة مختلفة بعض الشيء في عهد سنوسرت الثالث "خع كاورع"، وكان فرعونًا طموحًا شديد المراس، عمل على أن يقلل سلطان حكام الأقاليم الذين آزرهم أسلافه وعلى أن يقضي على إصرارهم على توريث أبنائهم حكم أقاليمهم حتى ولو كان الوريث طفلًا صغيرًا٤. فقلت في أواخر عهده الألقاب الضخمة التي اعتاد كبار حكام الأقاليم أن يدعوها لأنفسهم في حماية أسرته منذ أن استعان جده الأكبر أمنمحات الأول ببعضهم لتدعيم ملكه، كما قلت مقابرهم الضخمة الفخمة التي اعتادوا على أن يتخذوها في أقاليمهم٥. ولو أن هذه السياسة التي اختطها لحكومته المركزية وعمالها لم تؤد إلى الإحجاف بالحقوق المشروعة والثروات المعقولة للعاملين المخلصين من حكام الأقاليم في عهده. ودل على ذلك أن تضمنت مناظر مقبرة حاكم منهم يدعى "تحوتي حوتب" في منطقة البرشة ما يصور تمثالًا ضخمًا يمثله، أذن الفرعون له بإقامته في مقصورة مقبرته، وذكر أن ارتفاعه يقرب من ستة أمتار وثلاثة أرباع المتر، وأنه تكفل بنقله وسار في الاحتفال بإقامته ١٧٢ رجلًا بين مأجورين ومجندين ومتطوعين٦.

стр. 222

واستمرت مركزية الحكم قوية في عهد خلفه الملك أمنمحات الثالث "ني ماعت رع"، وحرص كبار رجال دولته على أن يسجلوا إخلاصهم له، وذهب من تمتعوا بإنعاماته إلى ما هو أبعد من حدود الإخلاص. فسجل رجل منهم يدعى "سحتب إب رع" على نصب أقامه في مقبرته، وصية طويلة وجهها إلى أولاده، أوصاهم فيها أن يخلصوا لفرعونهم قلبًا وقالبًا، ونبههم إلى أن الفرعون يفطن إلى ما في النفوس، وأن عينيه تخترقان الأجسام، وأن شأنه شأن الأرباب، وأنه يستطيع أن يحيي ويميت، وأن الخبر لأوليائه والحرمان لأعدائه ... ، ولا يخفى بطبيعة الحال أن سحتب إب رع تعمد بهذا الإسراف أن يتملق فرعونه لغرض في نفسه ولكثرة إنعاماته عليه، شأنه في ذلك شأن رجال البلاط والحاشية في كل عصر، غير أن المهم أنه لم يخص بالمبالغة فرعونه وحده، إنما مهد بها لتقريظ نفسه أيضًا، فقال وهم يفخر بكفاياته وسجاياه الخاصة التي أبلغته ما بلغه من عز وسؤدد في ظل فرعونه: "إني نبيل على رأس الناس، يرحب أهل البلاط بمقدمه ويفضي الناس إليه بأسرارهم ... ، رجل عدل في نظر أهل الصعيد والدلتا، شاهد صدق مثل الإله تحوتي، أشد دقة من الميزان ... ، مخلص النصيحة، يتحدث صدقًا، ويكرر ما يستحب، لا شبيه له، حسن الإصغاء، حلال للمشكلات ... ، صورة صادقة للود، بريء من ارتكاب الإثم ... ، يحيل البؤس سعدًا، ويدير الأمور إدارة صالحة ... "١.

стр. 223

في العمران: بدأ مؤسس الأسرة الثانية عشرة حكمه في طيبة، واهتم بمعبد ربها آمون، ولكنه انتقل بعد سنوات بمقر حكمه إلى عاصمة جديدة شمالي الفيوم قرب بلدة اللشت الحالية وأطلق عليها اسم "إثت تاوي" بمعنى رابطة الوجهين أو القابضة على الأرضين. ونستطيع أن نعلل إقدامه على هذه الخطوة بعدة احتمالات، ومنها: رغبته في أن تصطبغ دولته بروح الجدة في مظاهرها ومخبرها معًا وأن تنتسب إليها عاصمة خاصة تذكر بها، ولعله تعمد أن يتخذ هذه العاصمة قرب منطقة بكر يمكن استغلالها في مشاريع زراعية جديدة، وهي المنطقة المحيطة ببحيرة الفيوم "وإن يكن استغلالها لم يتضح إلا في عهود خلفائه". ثم رغبته في أن تنتفع عاصمته الجديدة بخاصية التوسط النسبي بين أقاليم القطر، وأن تجعل بلاطه بعيدًا عن طيبة موطن أنصار الأسرة السابقة عليه، وأن تجعله هو على مقربة من أقاليم أنصاره الذين أزاد سلطانهم وأثابهم على تأييدهم له "في مصر الوسطى"، وكان عليه أن يظل متيقظًا لهم قريبًا منهم حتى لا يسيئوا استغلال السلطان الذي هيأه لهم. ومع ذلك احتفظت طيبة في بقية عهود الأسرة بمركز العاصمة الدينية، وكان مما استجد من عمائرها مقصورة حجرية شيدت في عهد سنوسرت الأول في رحاب معبد آمون بالكرنك، ولا زالت تعتبر من أمتع آثار الدولة الوسطى الباقية من حيث أسلوبها المعماري ومن حيث رقة نقوشها ودقة تفاصيلها. وقد بناها مهندسه فوق منصة مسطحة مرتفعة يصعد الزائرون إليها على طريق صاعد قصير خفيف الميل يتوسطه درج، ويهبطون منها على طريق آخر يماثله ويواجهه، ولم تكن المقصورة في حد ذاتها غير ساحة مستطيلة تحيط بها

стр. 224

أعمدة رباعية تتصل ببعضها بجدران منخفضة تجعل الساحة وراءها غير مكشوفة كلها ولا محجوبة كلها. ولا زال الرأي يتأرجح بين اعتبار هذه المقصورة الفريدة إحدى مقصورتين احتفل فيهما سنوسرت بعيد يوبيله الثلاثيني، بصفته ملك الصعيد في إحداهما وملك الوجه البحري في الأخرى، أو اعتبارهما استراحة تريح فيها مركب الإله آمون حين يطوف الكهنة بها في منطقة المعبد خلال أعياده. ولم يحل الاهتمام بمعابد طيبة دون العناية بمعابد العواصم الدينية الأخرى. فقد بقيت من عهد سنوسرت الأول مسلة من الجرانيت بلغ ارتفاعها نحو ٢٢ مترًا، أقيمت باسمه في المطرية الحالية "وهي جزء من مدينة أونو القديمة إلى الشمال الشرقي من القاهرة"، بمناسبة احتفائه بيوبيله الثلاثيني، أمام محور معبد "أتوم". وتعتبر أقدم ما بقي كاملًا من المسلات الكبيرة. وربما جاورتها مسلة أخرى. وعن شرق الدلتا، تحدث المؤرخون والرحالة الإغريق والرومان: هيرودوت وديودور وإسترابون وبليني، عن قناة كانت تصل بين النيل وبين البحر الأحمر وتبدأ من الفرع البوباسطي للدلتا شمالي الزقازيق بقليل ثم تمتد خلال وادي الطميلات حتى تنتهي إلى البحيرات المرة. ونسب بليني أقدم مشروع لهذه القناة إلى عهد الفرعون "سيزوستريس". ورأى بعض المؤرخين ومنهم الأستاذ جيمس هنري برستد أن سيزوستريس هذا اسم محرف عن اسم سنوسرت الأول "أو هو سنوسرت الثالث وربما كان يعني رمسيس الثاني أيضًا"، وأن القناة بدأت في أيامه. ولكن عارض رأيهم باحثون آخرون ومنهم الأستاذ بوزنر الذي رجح أنه لم يكن لهذه القناة وجود بصورتها ووظيفتها آنفة الذكر حتى شقت في عهد الفرعون نيكاو في عام ٦٠٠ق. م. على وجه التقريب١، ولا زال هذا الرأي الأخير هو المأخوذ به حتى الآن. وكشف فلندرز بتري حول هرم سنوسرت الثاني "خع خبر رع" في اللاهون قرب الفيوم في مصر الوسطى عن بقايا بلدة ترجع أهميتها الحضارية إلى أنها من أقدم البلاد المصرية واضحة المعالم التي تعرف الأثريون على رسوم مساكنها، بعد أن تعاون على إخفاء آثار أمثالها بناء بيوتها من اللبن سريع التهدم، واستخدامها للسكنى جيلًا بعد جيل، وقيام مساكن العصور اللاحقة لها على أطلالها. ولا تسبقها في القدم من آثار العمران التي كشف عنها حتى الآن غير مساكن حي لكهنة معبد الوادي لمنكاورع كشف عن جورج ريزنر، ومساكن حي لكهنة معبد الوادي لخنتكاوس كشف عنه سليم حسن، ثم مباني حي صناعي أقيم لخدمة معبد شعائر منكاورع كشفنا عنه في عام ١٩٧١ "وذلك فضلًا عن مباني أخرى أكثر عددًا من عصور لاحقة". وشاء حظ بلدة اللاهون أن شادها أصحابها في منطقة من مناطق الحواف الصحراوية الجافة ثم هجروها بعد إنشائها بأجيال قليلة لأسباب غير معروفة، فغطت الرمال على ما بقي من أطلالها وحفظت منها ما سلم من أيدي القرويين المنقبين عن قوالب اللين والسماد القديم. وهكذا كان للكشف عن بقايا أطلالها في أواخر القرن الماضي، صدى مستحب، وكتب عنها مكتشفها الأستاذ فلندرز بتري أن الأثريين لم يعودوا يتلمسون

стр. 225

حياة الدولة الوسطى فيما صورته مناظر مقابرها وتحدثت عنه نقوشها فحسب، وإنما غدا في وسعهم كذلك أن يطرقوا الشوارع والأزقة التي مشى فيها أهلها ويريحوا فيها حيث كانوا يريحون. شيدت هذه البلدة وفقًا لتخطيط مرسوم، وخصصت مساكنها للمهندسين والفنانين والمعماريين والمشرفين الإداريين ورؤساء العمال والصناع الذين اشتركوا في بناء هرم سنوسرت الثاني وملحقاته، كما قامت فيها استراحة ملكية كان الفرعون يسكنها كلما تردد على منطقة هرمه. وأحاطت بالبلدة أسوار سميكة من اللبن ذات بوابتين. وانقسمت في داخلها إلى حيين متمايزين: حي لمساكن الخاصة، وحي آخر صغير لبيوت العمال والصناع. وقامت مساكن الحي الكبير على مثال الدوارات الريفية الواسعة، بحيث قيل إنه بلغت مساحة الواحدة منها نحو ٢٧٠٠ متر "؟ " وتضمن البعض منها في جنباته نحو سبعين حجرة وصالة ودهليزًا ومخزنًا، وتميز في كل منها جناح لرب الدر وضيوفه، وجناح للحريم وغرف النوم. وابتعدت عن الجناحين حجرات الخدم والمطابخ والمخازن. وتوزعت مساكن الخاصة هذه على جانبي شارع رئيسي متسع اخترقت أرضيته في وسطها قناة ضيقة، كسيت جوانبها بالحجر ومالت إليها أرضية جانبي الشارع حتى يسهل أن تنصرف إليها مياه البيوت ومياه المطر. وتفرعت من هذا الشارع الرئيسي طرقات ضيقة توسطت أرضياتها قنوات مماثلة. ويعتبر مثل هذا الإجراء شيئًا مبتكرًا بالنسبة لعصره البعيد. أما حي العمال فتضمن بيوتًا ضيقة متواضعة متلاصقة، واخترقه شارع رئيسي بلغ عصره ما بين ثمانية وتسعة أمتار، وتفرعت منه على جانبية إحدى عشرة حارة بلغ عرض كل منها نحو أربعة أمتار١. وعثر داخل بيوت اللاهون على كثير من بقايا أدوات الاستعمال اليومي، مثل الصناديق والمقاعد والحصير والصنادل والمغازل، ولعب الأطفال، فضلًا عن أدوات البناء وأدوات النجارة. غير أن أهم ما عثر عليه فيها هو مجموعة برديات كتبت بالخط الهيراطي وتضمنت موضوعات إدارية وتعليمية وطبية٢. وتعلقت البردايات الإدارية منها بتعداد للسكان كان رب كل أسرة يذهب خلاله إلى مكتب حكومي يتبع ديوان الوزير في منطقته، فيدلي لموظفيه ببيان عن أفراد أسرته وأتباعه وأعمار أطفاله، ثم يقسم على صدق بياناته، ويستشهد على صحتها وصحة تسجيلها بعدد من الشهود. وينم هذه الإجراء عن رقي النظم الإدارية في أيامه والحرص على التدقيق في صحة بياناتها، وكان يمكن أن يعين على تصور أعداد سكان مصر في عصره لولا أن ما وجد من بردياته لا يزيد عن قصاصات صغيرة تخص بلدة اللاهون وحدها. وتضمنت البرديات ذات الصبغة الطبية جزءًا من بردية طبية لأمراض النساء، وجزءًا من بردية بيطرية لعلاج عيون وأسنان العجول والكلاب، وفي هذه وتلك ما يعني وضوح التخصص في العلاج، إن لم يكن في مهنة الطب نفسها، كما يعني روحًا رقيقة حانية دفعت أصحابها إلى العناية بحيواناتهم الأليفة وعلاجها. وتضمنت قصاصات اللاهون التعليمية تمارين لتعليم الإنشاء وصيغ الرسائل كان التلاميذ ينسخون دروسها وينسجون على منوالها،

стр. 226

ثم تمارين حسابية ورياضية، كان أمتع ما فيها أخذها بطريقة التربيع والجذر المربع. وتضمينها مسائل تشبه معادلات الدرجة الأولى. ولعل أهم ما يذكر من المشاريع العمرانية لعهد أمنمحات الثالث، ولعهود الأسرة كلها، هو مشروع الانتفاع بمنخفض الفيوم وتوسيع رقعة الزراعة حوله. ولا تزال تفاصيل هذا المشروع على جانب من الغموض نظرًا لتضارب الروايات التي سجلها المؤرخون والرحالة الكلاسيكيون عنه١. ولكن الصورة العامة المحتملة له، هي أنه قام على أساس توجيه جانب من فيضانات النيل إلى بحيرة الفيوم الواسعة التي كانت لا تزال تحتفظ بعذوبة مائها، لرفع مستوى الماء فيها حتى تنتفع به أكبر مساحة ممكنة من أراضي المدرجات الخصبة التي تحيط بها، ثم الانتفاع ببعض مياهها المخزونة لري الأراضي القريبة منها في غير أوقات الفيضان. وتم المشروع ببناء سد أو سدود ذات فتحات في أضيق ممر ينفذ منه فرع بحر يوسف الحالي خلال جريانه إلى منخفض الفيوم، وذلك في جنوبه الشرقي عبر أخدود هوارة بين التلال الصحراوية شمال جبل سدمنت. وكان ممرًا يسمى "راحنة" بمعنى فم البحيرة، ثم تحرف اسمه إلى لاهنة وأخيرًا إلى لاهون وهو اسمه الحالي. وسمحت السدود الجديدة ذات الفتحات لرجال الري المصريين بأن يوجهوا مياه الفيضان توجيهًا سليمًا حين تجري على الانخفاض التضاريسي التدريجي من ضفة النهر حتى بحيرة الفيوم، وربما سمحت لهم من ناحية أخرى بإمكان تقليل أو وقف اتجاه الماء إلى البحيرة بعد الفيضان، وتوجيهه عوضًا عنها إلى قناة أخرى تجري إلى الشمال الشرقي منها. وأدى المشروع في نهاية أمره إلى استصلاح نحو ستة وعشرين أو سبعة وعشرين ألف فدان جديدة، كانت شيئًا كبيرًا في زمانها، استغلتها الدولة للزراعة وإنشاء القرى والمدن الجديدة. ويصور أهمية هذا المشروع وأن البلدان التي أنشئت معه ارتفعت نحو عشرين مترًا عن مستوى القرى القديمة التي سبقت عصره، وأن بعض بلدانه الجديدة التي جاورت البحيرة أصبحت مواقعها تبعد الآن عن ضفافها عدة كيلومترات بعد أن انكمشت مساحة البحيرة وانخفض مستوى مائها٢. وكان إرساب الطمي داخل وشمال أخدود هوارة قد عمل من قبل على تكوين مثلث خصب داخل البحيرة قامت عليه مدينة شدة "أي الفيوم" التي جاء ذكرها في نصوص الدولة القديمة. ولتوسيع رقعة هذه الأرض الخصبة كان ينبغي تقليل اندفاع الماء إلى منخفض الفيوم بما يسمح بسهولة إرساب الطمي والتقليل من سرعة تبخر ماء البحيرة، ثم حماية هذه الأرض من طغيان الفيضانات المتتالية بعدد من الجسور وقنوات الصرف. وتحتمل بداية هذا المشروع في عهد الملك سنوسرت الثاني بإنشاء سد على فم أخدود هوارة بجوار اللاهون لتنظيم اندفاع الماء، ثم استكمل المشروع في عهد أمنمحات الثالث.

стр. 227

وربط بعض المؤرخين الكلاسيكيين بين اسم أمنمحات الثالث الذي ذكروه باسم Lamarres " ومترادفات أخرى" وبين بناء ضخم في منطقة الفيوم أطلقوا عليه اسم لابيرنثوس Labyrinthus ويختصر في العربية عادة إلى اللابيرنت، وهو اسم استعاروه من اسم قصر الحكم العظيم في مدينة كنوسوس بجزيرة كريت. ووصف هيرودوت المبنى المصري بأنه تألف من طابقين، وتضمن ثلاثة آلاف غرفة نصفها فوق سطح الأرض ونصفها تحتها. وتضمن اثنتي عشرة باحة مسقوفة بسقوف حجرية، تتصل كل منها بالأخرى، وتقوم على جوانبها أعمدة وتماثيل، وقام إلى خلف المبنى هرم ضخم، وأحاط به هو والهرم سور كبير. واعتبر هيرودوت اللابيرنت أجل من الأهرام المصرية نفسها، واعترف بأن آثار الإغريق لو تجمعت كلها في صعيد واحد لما طاولته في فخامته، وأضاف أن الكهنة سمحوا له بزيارة الأجزاء العلوية منه دون أجزائه السفلى التي أخبروه أنها تضمنت رفات اثني عشر ملكًا ورفات التماسيح المقدسة١. ووصف إسترابون اللابيرنت بوصف آخر، فاعتبره بناء منيفًا يقف على قدم المساواة مع هرم صاحبه الذي يجاوره، وذكر أنه تضمن قصورًا ذات طابق واحد وأبهاء احتفالات بلغ عدد كل منها عدد الأقاليم المصرية القديمة. واتصلت القصور والأبهاء بعضها ببعض بممرات وأقبية يتوه الغريب فيها ويصعب عليه أن يتلمس طريقه بينها دون دليل يرشده، ولعله لهذا أن سمى البناء باسم قصر التيه أو اللابيرنت. وسقفت كل وحدة من هذه الوحدات بحجر ضخم واحد. واعتاد ممثلو الأقاليم وكهنتها وكاهناتها أن يجتمعوا في أبهاء المبنى خلال الأعياد لتقديم القرابين وإقرار العدالة في شئونهم الكبرى٢. على الرغم من هذا الوصف الممتع الذي ساقه هيرودوت وإسترابون، وساق مثله ديودور وبليني، دلت البحوث الأثرية على أن ذلك المبنى الذي دخل ذمة الأساطير كان معبدًا ضخمًا أقيم بجوار هرم أمنمحات الثالث لأداء شعائره الأخروية. ولو أنه لا يستبعد أن يكون أهل المنطقة قد استخدموه لأغراض أخرى بعد عهد صاحبه، مثل الاحتفال فيه بأعياد الفيضان وأعياد رب الفيضان، وأعياد سربك معبود منطقة البحيرة٣.

стр. 228

في الأساليب الفنية: تأثرت أساليب النحت في عصر الأسرة الثانية عشرة بمدرستين فنيتين: مدرسة في منف رجعت بتقاليدها الفنية إلى تراث الدولة القديمة وخلطت الواقعية بالمثالية في نحت تماثيل فراعنتها، فلم تكتف بأن تصور وجوههم وأبدانهم كما هي في واقع أمرها، وإنما تعمدت أن تضفي على هذه الوجوه والأبدان هيبة مطلقة وشبابًا خالدًا، وتقاطيع ملحية متناسقة، وانتصابة قوية كاملة، وهيبة مترفعة متسامية. ثم مدرسة أخرى في طيبة، استحبت الأسلوب الواقعي الذي بدأ عفوًا خلال عصر الانتقال الأول، واهتمت بدراسة

стр. 229

الوجوه، وعبرت عن ملامح أصحابها كما هي في واقع أمرها، وحاولت أن تترجم عن خصائص الطبع والمزاج التي فرقت بين كل فرعون وآخر من فراعنة عصرها. وبلغت هذه المدرسة ذروة نجاحها في منتصف عصر الأسرة الثانية عشرة، حين عبرت بالملامح الجادة القوية في وجوه تماثيل الفرعون سنوسرت الثالث، عن شخصية عسكرية عنيدة قوية الإرادة بلغ من حزم صاحبها أن أعلن تبرؤه من كل ولد له لا ينهج منهاجه في الحرب وحماية حدود بلاده وتوسيعها. بينما عبرت بالملامح الرصينة الطيبة في تماثيل الفرعون أمنمحات الثالث عن شخصية هادئة مالت إلى حياة السلم واستحبت مشاريع العمران. وهكذا كان أمرها في التمييز بين ملامح كل ملك وآخر من بقية ملوك الأسرة، مع الاحتفاظ لهم جميعهم بطابع أسري موروث كان من أوضح مظاهره بروز عظام الوجنتين. وعلى نحو ما درس الفنانون خصائص وجوه فراعنتهم؛ ليترجموا بها عن واقع حياتهم، جددوا في أوضاع تماثيلهم وعبروا بها عن حقيقة الصلات التي اعتقدوا بوجودها بينهم وبين أربابهم. فمثلوا الفرعون سنوسرت الثالث رجل الحرب العنيد بملامحه الجادة المعتادة، ولكن في لحظات خاصة لانت فيها شدته، ورق فيها عناده، ووقف فيها على هيئة المتعبد أمام ربه الذي يخشاه وينهج في حكمه وعدله بما يرضاه، فأرسل يديه متراخيتين على ساقيه في تقى وخشوع كريم، ونحتوا تماثيل ملكية أخرى، بقي منها ما يمثل الفرعون جالسًا يضع تمثال ربه على ساقيه، وما يمثله جاثيًا على ركبتيه يقدم آنيتين على يديه قربانًا لخالقه. ويغلب على الظن أنه شجع المدرسة الطيبية على أسلوبها هذا، انفعال فنانيها بالتطورات السياسية التي مست أوضاع الملكية في عصرهم ومن قبله في عصر الانتقال الأول. وهي تطورات كان من أوضح مظاهرها أن الفراعنة أصبحوا يعترفون بواجباتهم علانية إلى جانب حقوقهم، وأصبح بعضهم يتعرض للقتل في عقر داره، ويصرح بعجزه وهو وحيد أمام كثرة خصومه. وأصبح بعضهم يقود جيشه بنفسه ويقاتل مع المحاربين ويكافح فيما يكافحون فيه. وأصبح بعضهم يرضيه أن يوصف بأنه يعمل بيديه. وترتب على هذه التغييرات كلها أن أصبح الفنانون يعتبرون أن مظاهر الحياة الفعلية الصالحة التي عاشها فراعنتهم تكفيهم للتعبير عن مثاليتهم، وأن إظهارهم بمظهر الخاشعين لربهم لن يقلل من مكانتهم. وتأثرت تماثيل كبار الأفراد في عصر الأسرة الثانية عشرة بروح عصرها، وخضع بعضها للطابع الإقليمي إلى جانب المدرستين الفنيتين اللتين تأثرت بهما تماثيل الفراعنة. فقد مر بنا كيف توفر لحكام الأقاليم منذ أواخر عصر الأسرة الحادية عشرة وخلال النصف الأول من عصر الأسرة الثانية عشرة ثراء واسع هيأ لفنون أقاليمهم نصيبًا من الازدهار. وكان نصيب فن النحت من هذا الازدهار الإقليمي نصيبًا قليلًا، فخرجت تماثيله لا تخلو من خشونة نسبية، وإن دلت تقاطيعها على سحن إقليمية أو ريفية صادقة صميمة. ولم يكن ثراء حكام الأقاليم خلال عهود الأسرة الثانية عشرة بغير نتائج حضارية أخرى، فقد تضمنت مناظر مقابرهم صورًا تدل على أن اهتمام مجتمعهم بأمور الدين والآخرة لم يصرفه عن التماس متع الدنيا ومرحها ومن أمتع مناظرها ما صور رياضة البدن، الخفيفة منها والعنيفة. وكان للرياضة الأولى منهما تمارين تشبه

стр. 230

بعض تمارين الجمباز الحالية في أوضاعها بل وفي ملابس لاعبيها١، ومن أطرافها ما يصور غلامًا يعتمد على ناصية رأسه ويحفظ توازنه في استقامة كاملة بغير أن يرتكز على يديه أو كفيه٢. كما كان منها ما يصور أوضاعًا مختلفة للعب البنات بكرات اليد الصغيرة٣. وصورت الرياضة العنيفة تمارين المصارعة وحمل الأثقال وما يشبه القفز الطويل. وكانت المصارعة هي الأكثر شيوعًا، بحيث صورت لها إحدى لوحات المقابر ٢١٩ وضعًا لا يكاد يتشابه وضع منها مع الآخر. وذلك مما يعني أنه كانت قد استقرت لها قواعد وأصول منذ ما قبل أوائل الألف الثاني ق. م، وأن المصورين والهواة كانوا يستمتعون بها ويدركون ما بين كل وضع من أوضاعها وبين بقية الأوضاع من اختلاف. ولم تكن مبارياتها تستهدف حب الغلبة دائمًا بقدر ما تستهدف إظهار الفن والمران والترفيه أحيانًا. ففي بدايتها يقف المتباريان في مواجهة بعضهما في سماحة، بحيث يتمهل أحدهما حتى يفرغ زميله من عقد حزامه حول خصره، ثم يأخذان معًا في مباراة مهذبة وإن تكن جادة مجهدة في الوقت نفسه٤. وقد ظهر من مبادئ المصارعة في مناظر أخرى لاحقة من عصور الدولة الحديثة ما يفهم منه أن المباراة كانت تبدأ بأن يشد كل لاعب على يد منافسه بيسراه ويجذب عنقه بيمناه حتى يتبين قوة غريمه ويعجم عوده، وأنه كان من شروط الفوز إجبار المغلوب على لمس الأرض بثلاث نقط مثل اليدين والركبة، ويتساوى حينذاك إن كان قد انكفأ على بطنه أم ألقي على ظهره أم تمدد على جنبه. ومن أساليب حمل الأثقال التي صورتها رياضة الدولة الوسطى رفع غرارة مملوءة بالرمل حتى ثلاثة أرباعها بيد واحدة إلى أعلى مع محاولة اللاعب الاحتفاظ بها في وضع رأسي ما أمكن٥. كما كان من أساليب القفز الطويل أن يقفز اللاعب عاليًا على امتداد ظهر ثور واقف، أي فيما بين مؤخرته وبين قرنيه، في حين يمسك زملاؤه بقرني الثور وأطرافه حتى لا يتحرك فيؤذيه٦.

стр. 231

في السياسة الخارجية: قامت السياسة الخارجية لعصر الأسرة الثانية عشرة على أساس تغليب علاقات الود مع الدول المجاورة في الشام والعراق وجزر بحر إيجه، واتخاذ الصلات التجارية معها سبيلًا إلى التأثير الحضاري فيها. كما قامت على أساس توطيد النفوذ وتوسيع الإشراف والاستثمار على امتداد الحدود في الغرب والجنوب، أي في الصحراء الغربية والنوبة، مع إيثار السلام المسلح القائم على التحصين واليقظة في الناحيتين، وعدم الالتجاء إلى استخدام القوة فيهما إلا حين الضرورة.

стр. 232

وبدأ تنفيذ سياسة السلام المسلح منذ عهد أمنمحات الأول مؤسس الأسرة، فيذكر له من مشاريع عهده الدفاعية أنه شيدت في أيامه تحصينات طويلة امتدت على الحدود الشرقية والشمالية الشرقية وسميت في مجملها باسم "أسوار الوالي"١. كما كان من أثر تأمين سبل التجارة الجنوبية في عهده أن امتد التبادل الحضاري والإشراف السياسي المصري في بلاد النوبة حتى كورسكو "جنوبي دنقلة"٢، وازدهر كذلك في "كرما" التي أطلقت النصوص على أسوارها اسم "أسوار أمنمحات المبجل"٣. وذادت مصر عن حدودها الجنوبية في عهد سنوسرت الأول بعدة حملات حربية، وبزيادة حصونها الجنوبية ضد هجرات زنجية دفعت أمامها جماعات سودانية "؟ " إلى منطقة النوبة فأشاعت الاضطرابات فيها٤. وأطلقت النصوص المصرية اسم "كاش" منذ ذلك الحين على منطقة النوبة العليا، التي تمتد من الشلال الثاني ناحية الجنوب، وقد حرف هذا الاسم فيما بعد إلى "كوش"٥. وذلك في مقابل الاستمرار على تسمية منطقة النوبة السفلى التي تمتد فيما بين الشلال الأول والشلال الثاني باسم "واوات". وتتابعت بعثات الاستثمار حينذاك إلى مناجم الذهب في القسمين. وعين سنوسرت الأول حكامًا مصريين على المدن الكبرى ببلاد النوبة، وكانت أكبر هذه المدن هي مدينة "كرما" التي تقع خلف الشلال الثالث، وتعتبر الحد الشمالي للمناطق الزراعية في الجنوب، كما تعتبر سوقًا رئيسيًّا لتجارة القوافل التي تخرج منها غربًا إلى واحة سليمة ثم تتجه إلى درب الأربعين، أو تتجه منها شمالًا حتى الشلال الثاني٦. واشتهر من ولاة سنوسرت على كرما الوالي "حعبي جفاي" وقد حظي بالسلطة والثراء في عصره فتلقب بلقب الرئيس الأعلى للجنوب، ورئيس زعماء الجنوب، ولم يتردد في أن يتغنى بمكانته ويفخر بنفسه في نصوصه، فذكر أن علماء الدنيا كانوا يقدرون سياسته، وأنه كان نجمًا هاديًا لأمثاله ومرشدًا لمن هم أكبر منه ... ثابت الفؤاد ... يخمن الأمور المستقبلة ويعرف ما في الصدور، فصيح اللسان لبق الكلام، ... اهتدى بعقله إلى سبيل الحسنى، وعرف دائمًا كيف يقدر خطواته ... ٧. وشاء حظ حعبى جفاي أن يتوفى في كرما، وألا يدفن في قبر فخم شاده لنفسه في أسيوط، فدفنه أهل كرما وفق تقاليدهم المحلية وقيل إنهم وسدوا في الممر المؤدي على حجرة دفنه ما بين مائتين وثلاثمائة من أتباعه وخدمه النوبيين "ولسنا ندري هل تم ذلك في وقت واحد أم على فترات أصبح فيها مكان المقبرة مكانًا مقدسًا"، وضحوا له بألف ثور وضعوا رءوسها حول مقبرته٨.

стр. 233

وصورت جانبًا من علاقات مصر بمناطق الشام في عهدي أمنمحات الأول وسنوسرت الأول، قصة تسجيلية أدبية عرفت باسم قصة "سنوهي". وهي قصة رجل من بلاط أمنمحات ومن المتصلين بأجنحة بناته، صحب سنوسرت خلال ولايته للعهد في تجريده عسكرية إلى الصحراء الليبية الشمالية الغربية، وسمع خلال استعداده للعودة معه بنبإ وفاة أمنمحات، كما سمع لغطًا فهم منه وجود أخذ ورد بين الأمراء، واحتمل معه قيام مشاكل على ولاية العرش لا يدري كيف سيكون موقفه منها، فآثر البعد بنفسه، واعتزل الجيش خفية، وساقته قدماه إلى رحلة طويلة بلغ بها مشارف لبنان حيث طالت إقامته بجوارها سنوات طويلة، وأقدم فيها على مغامرات كثيرة، ثم حن إلى وطنه وعاد إليه شيخًا كبيرًا، وسجل قصته نثرًا شائقًا١، نستعرضه فيما بعد في فصل الأدب. ويكفي أن نستشهد من قصته هنا ببعض دلالاتها التاريخية، ومنها أن فكرة المصريين عن خشونة بدو الصحاري الشمالية الشرقية وشغبهم لم تمنع سنوهي من أن يعترف لبعضهم بالكرم والنجدة، ولم تمنع العواصم المصرية من أن تستقبل وفودًا منهم للتجارة أو للزيارة فيتعرفون فيها على شخصياتها البارزة التي يسمعون عنها. ويفهم من القصة كذلك أن اللغة المصرية، لغة سنوهي، كانت معروفة لبعض أهل الشام، وأن الرسل والتجار المصريين كانوا يترددون على نواحي لبنان حيث أقام، ويمرون بها إلى ما هو أبعد منها. وأن حكام الشام كانوا على اتصال بمجريات الأمور في مصر ويحبون أن يستزيدوا من أخبارها. وأن سنوهي اشترك بفرقة من أهل المنطقة التي نزلها في صد جماعات سمي رؤساءهم باسم "حقاو خاسوت" بمعنى حكام البراري، وهو نفس الاسم الذي أطلقه المصريون فيما بعد على زعماء الهكسوس، وذلك مما قد يعني أن بلاد الشام بدأت تتعرض منذ ذلك الحين لهجرات أجنبية عنها ليس من المستبعد أنها كانت تمثل أسلاف الهكسوس، وإن كانت هذه الهجرات لا تزال حينذاك قليلة ضعيفة. وترتب على جهود أمنمحات الأول ورجاله وجهود سنوسرت الأول ورجاله أن غلب السلام والأمن والرخاء على أحوال مصر وعلى حدودها ومسالك تجارتها وعلاقاتها الخارجية في عهدي كل من الفرعونين أمنمحات الثاني "نوب كارع" وسنوسرت الثاني "خع خبررع" "بين ١٩٢٩ - ١٨٧٧ق. م.". وأكدت الآثار المكتشفة عمق الصلات بين المصريين وبين أهل الشام في ذلك الحين، فعثر في نواحي فلسطين وسوريا وفينيقيا، في مثل مدن جزر ومجدو وجبيل ورأس الشمرا وقطنة وعطشانة وغيرها، على تماثيل وأوان وجعارين وأختام نقشت بأسماء أفراد مصريين ترددوا على بلاد الشام وتعاملوا مع أهلها، وكان منهم رسل من البلاط الفرعوني وحكام أقاليم وأفراد عاديون لعلهم من التجار عمل بعضهم لحسابه الخاص وعمل بعضهم الآخر لحساب دولته وملكه٢.

стр. 234

وسوف نعرض لخصائصهم الجنسية وملابسهم القومية وما يحتمل أنهم كانوا يقومون به من أعمال، في بحثنا عن حضارات أهل الشام. ويعنينا أن نشير هنا إلى أنه يصعب أن نتصور أن جماعة إبشا قد هدفت حين خروجها من ديارها في فلسطين أو فيما ورائها، أن تقصد إلى إقليم الوعل بمصر الوسطى بالذات وهو البعيد عن موطنها، وإنما يغلب على الظن أن التجاءها إليه أتى عفوًا وكان مرحلة من مراحل تنقلاتها في سبيل العيش هنا وهناك. ويغلب على الظن أيضًا أن جماعات أخرى أمثالها كانت تعيش في مراكز متفرقة من شرق الدلتا وما يليه من مناطق الحواف وهي مناطق أقرب إلى مواطنها الأصيلة وأقرب إلى بيئتها الطبيعية. واحتفظت نصوص مصرية أخرى من عهود الدولة الوسطى بأسماء أمورية وكنعانية كثيرة عمل بعض أصحابها في مناطق المناجم والمحاجر المصرية في سيناء وعمل بعضهم الآخر أبتاعًا وإماء في المعابد والبيوت المصرية١. ولم تقتصر اتصالات مصر الخارجية حينذاك على بلاد الشام بأجزائها والنوبة بقبائلها وبلاد بوينة وما هو قريب منها، وإنما امتدت واتسعت مع أقطار أخرى عرفها المصريون منذ عصور بعيدة. فقد عثر تحت أرضية معبد مصري في بلدة الطود جنوبي الأقصر على أربعة صناديق صغيرة تضمنت تمائم من اللازورد وأختامًا أسطوانية عراقية ذات أسلوب يرجع إلى عصر أسرة أور الثالثة السومرية، وتماثيل ذات طراز بابلي. ومصوغات ذات طراز إيجي٢. وعثر في منطقة هوارة ومناطق مصرية أخرى متفرقة على أختام وأوان ذات زخارف تشبه زخارف الحضارة الكريتية المينوية الثانية٣. كما عثر بالتالي على مصنوعات مصرية متنوعة وتماثيل بنقوش مصرية في عواصم جزيرية كريت٤. وكانت الموانئ الفينيقية فيما يبدو من مراكز انطلاق الاقتصاد المصري إلى جزر إيجه وكريت، وربما تعاون مع المصريين في عمليات التسويق هنا وهناك تجار وملاحون من الفينيقيين٥. وهناك ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الصلات التجارية بين مصر وبين كريت وغيرها من جزر بحر إيجه لم تخل من أثر في الحياة الثقافية للجانبين، فقد أشار مصري مثقف من ذلك العصر إلى أنه كان يمسك "قلمي "الحاونبو"٦، وربما بما يعني أنه كان يعرف خطي الحاونبو ويكتب بهما، وكان لفظ "الحاونبو" هو الاسم المصري لسكان جزر الحوض الشرقي من البحر المتوسط. وإذا صح هذا التفسير أمكن أن يدل على أحد أمرين: إما وجود جاليات إيجية تجارية في العواصم المصرية والموانئ المتصلة بها في الشام، واتصال

стр. 235

الموظفين المصريين بها ومعرفتهم بكتابة أهلها. أو وجود مترجمين مصريين في البلاط الفرعوني كانوا يقرءون الرسائل الإيجية التي ترد إلى مصر ويردون عليها بلغة أهلها. وتدعو عبارة قلمي الحاونبو إلى تذكر وجود مرحلتين للخطوط الإيجية " Linear A & Linear B" وإن كان يبدو أن ظهور المرحلة الثانية منهما كانت متأخرة عن عصور الدولة الوسطى في مصر. وواجهت مصر في عهد سنوسرت الثالث "خع كاورع" تحركات مريبة قرب حدودها الشمالية والجنوبية فاضطر الرجل إلى الاستعانة في سياسته الخارجية بالقوة المسلحة في سبيل تأمين الحدود وتأمين سبل التجارة وبث الاحترام في نفوس الجيران. وترأس أغلب حملاته بنفسه، فقادها إلى أواسط فلسطين وكانت له معركة فيها قرب سكيم أوسشم الحالية١. وكانت عواقب سياسة السلام التي نهجتها مصر في عهدي سلفية أمنمحات الثاني وسنوسرت الثاني، أشد خطرًا في الجنوب عنها في الشمال، فقد ظلت هجرات الزنوج التي بدت بوادرها منذ عهد سنوسرت الأول تدفع أمامها قبائل سودانية "؟ " إلى أراضي النوبة، وقد حاولت هذه أن تسيطر على طرق القوافل بين النوبة وبين مصر، وربما نجحت في دفع الحدود المصرية ناحية الشمال إلى ما يقرب من الشلال الثاني، فحاربهم سنوسرت الثالث أربع مرات، ومهد لحروبه معهم بشق فتحة واسعة بين صخور الشلال الأول، بلغ عرضها ٢٠ ذراعًا، وبلغ طولها ١٥٠ ذراعًا، وبلغ عمقها ١٥ ذراعًا، كما روت نصوصه٢، لتيسر انتقال أسطوله وجيشه وتيسر وصول الإمدادات إليه. وأزاد رجاله الحصون فوق المرتفعات وعلى ضفتي النيل وفوق الجزر، من أسوان حتى وادي حلفا٣. وتخلفت من هذه الحصون بقايا حصنين كبيرين في سمنة وقمة على جانبي النيل شمالي وادي حلفا. وقام كل حصن منهما فوق ربوة عالية، وبلغ ارتفاع جدرانه ما يتراوح بين عشرة أمتار وبين اثني عشر مترًا، وأحاطت به الأبراج، وتضمن في داخله مساكن الجند ومعبدًا صغيرًا يؤدون شعائرهم فيه لأربابهم المصريين وبعض أرباب النوبة٤. وترك سنوسرت في معبد حصن سمنة نصبين من الجرانيت سجل كاتبه على أحدهما سياسته الحدودية، وسجل على الآخر تفاصيل حروبه وشجاعته فيها، فذكر في نصوص النصب الأول أنه أقامه في العام الثامن من حكمه ليعين به حدوده الجنوبية، وأمر ألا يتعداه زنجي قط عن طريق البر أو عن طريق النيل، إلا من ابتغى التجارة في سوق إيقن الكبير، أو أوفد في مهمة، فأولئك سوف يعاملون بالحسنى "مما يتفق مع قواعد المعاملة الدبلوماسية"، ولكن بغير أن تتعدى سفنهم شمالي سمنة٥. وحظي الرجل بنصيب كبير من تمجيد شعبه، ودبج الشعراء قصائدهم في مدحه، واحتفظت الأجيال بذكراه، فظلت بعض حصون النوبة تسمى باسمه، وذكره تحوتمس الثالث أعظم الفراعنة المصريين المحاربين

стр. 236

بالخير بعد نحو أربعة قرون من وفاته وشاد له نصبًا باسمه. وعندما وفد المؤرخون الإغريق والرومان إلى مصر سمعوا عنه حكايات شائقة وخلطوا بين أعماله وأعمال سنوسرت الأول وأعمال رمسيس الثاني، وضخموا فيها حتى نسبوا إليه باسم سيزوستريس فتوحات واسعة في آسيا الغربية وأوروبا الشرقية. وذكر المؤرخ المصري مانيتون السمنودي أنه اهتم بتسجيل أحوال الناس أينما ذهب، وأنه حدد جماعات النبلاء والنبيلات على النصب. ثم ذكر ديودور الصقلي أنه تحقق من أن سيزوستريس هذا أو سيزوسيس نشأ على طبيعة الحرب منذ صغره، وأنه تحبب إلى رعيته ليساندوه في مشاريعه، واتخذ بطانة من أترابه الأشداء، وفتح بلاد العرب والحبشة والهند وبلغ البحر الأسود ووصل تراقيا وجعلها حدود ملكه١. وليس في كل هذا بطبيعة الحال ما يلزمنا بالتسليم به؛ نظرًا لعدم العثور على أدلة مادية تزكيه، ولكن حسبنا منه أن أعمال المشاهير والشجعان من الرجال كانت تخلد وتتضخم أنباؤها مع الزمن حتى تشبه الأساطير وتصبح مثارًا لفخر خلفائهم. غلب السلام على عهد أمنمحات الثالث "ني ماعت رع" في الخارج وفي الداخل، فاتسع نشاط الدولة في استغلال موارد الصحراء الطبيعية من معادن وأحجار على أيامه. واتسعت صلات مصر التجارية والثقافية بمناطق الشام، لا سيما دولتي الميناءين التجاريين جبيل وأوجاريت، وعثر في مقابر أمراء هاتين الدولتين وغيرهما من دويلات الشام على آثار مصرية وصلتهم على هيئة الهدايا من أمنمحات الثالث وخلفه أمنمحات الرابع٢. وعثر لأمنمحات الثالث على تمثال على هيئة أبو الهول أقيم لدى مدخل معبد الإله بعل في أوجاريت وذلك مما يتفق مع ما أسلفناه من أن الصلات التجارية كانت تعقبها صلات حبية ودينية في أغلب الأحوال. وكان الحرص على استمرار العلاقات الطيبة بين مصر والشام، حرصًا مشتركًا بين الطرفين، ولم يكن يعتمد على دافع واحد، فمصر على سبيل المثال لم تبن علاقتها بجيرانها الشماليين على أساس الرغبة في فتح أسواق فيها لتصريف مصنوعاتها فحسب، ولا على أساس الرغبة في استيراد أخشابها وزيوتها فحسب، ولكن كان يعنيها كذلك أن تستورد ما كان يتجمع في موانيها من منتجات الحوض الشرقي للبحر المتوسط من فضة وزيوت ومعادن وأحجار كريمة، وأن تستورد ما كان يتجمع في أسواقها الداخلية من منتجات بلاد النهرين وإيران والأناضول وشبه الجزيرة العربية، ويعنيها أن تظل روابطها بفلسطين قوية باعتبارها العصب الرئيسي لتجارتها البرية مع ما يليها من بلاد الشام. وعلى نحو ما حرصت مصر على بقاء شرايين اتصالاتها بجيرانها مفتوحة ومأمونة، وجدت المدن والدويلات الصغيرة في فلسطين وسوريا وفينيقيا في مصر خير عميل للتبادل التجاري الواسع معها، ومصدرًا رئيسيًّا للتبادل الحضاري بمعناه الواسع، وكان يعنيها على وجه الإجمال أن تظل علاقاتها بمصر القوية الغنية

стр. 237

طيبة، لولا مشاكل الحدود التي كانت تنشب بين الحاميات المصرية وبين بدو الصحاري الفلسطينية من حين إلى آخر. ولم تأب مصر من ناحيتها أنت تفتح مجالات العمل أمام الراغبين فيه من شيوخ جنوب الشام ورجالهم في عمليات استغلال الفيروز في شبه جزيرة سيناء، ولم تأب أن تفتح أمام الراغبين منهم في الاستقرار فيها باب الوظائف في عاصمتها ذاتها١. أعقبت اسم أمنمحات الثالث ثلاثة أسماء ملكية من أسرته، لا زال النقاش قائمًا حول ترتيب أصحابها وعهودهم وطريقة حكمهم، وهي أسماء: أمنمحات الرابع "ماعت خرورع"، وحور آوت إب، وسوبك نفرو. وندع مناقشة أمر الاسمين الأولين إلى كتابنا المتخصص في حضارة مصر القديمة وآثارها، ونكتفي هنا بالاسم الأخير منها، وهو اسم ملكة كتب بمترادفات عدة مثل سوبك كارع، وسوبك نفروع٢. ولعلها كانت الابنة الكبرى لأمنمحات الثالث واشتركت في الحكم معه ثم مع أخيها أمنمحات الرابع، ولما مات أبوها، ثم أخوها بعد فترة حكم قصيرة، انفردت بالعرش واعتمدت على مكانتها وشهرتها منذ عهد أبيها، وحاولت أن تهتدي بسياسته في السلام والتعمير، وعلى اعتبار أنها السياسة المناسبة لحكم الملكات، لولا أن حظها العاثر شاء أن يختل الأمن في عهدها، وألا يكون في سوابق حكم الملكات المصريات ما يشجع على الإخلاص لحكمها، وأن تظره بوادر هجرات شعوبية وقلاقل وراء الحدود الشمالية الشرقية، فمضت أيامها بغير آثار هامة تذكر لها، ولم يطل حكمها أكثر من ثلاثة أعوام وما بين الأربعة شهور والعشرة، وانتهى بنهاية عهدها عصر الأسرة الثانية عشرة في عام يتراوح بين ١٧٨٦ وبين ١٧٧٨ق. م.٣.

стр. 238

الفصل الثامن: عصر الانتقال الثاني أو عصر اللامركزية الثانية أولًا: عصر الأسرة الثالثة عشرة في نصفه الأول: انتقلت مقاليد الحكم في مصر من الأسرة الثانية عشرة على أيد حاكمة جديدة في أواخر الربع الأول من القرن الثامن عشر ق. م، بوسائل غير معروفة، وتعاقب على عرشها ملوك لم يستطع كاتب بردية تورين التاريخية أن ينسبهم على بيت معين أو عاصمة واحدة، ويبدو أنهم كانوا من بيوت عدة، استحب بعضهم مدنية طيبة عاصمة له واستحب بعضهم الآخر مدينة إثت تاوي عاصمة له، وانتسب هؤلاء وهؤلاء في أسمائهم إلى معبودي العاصمتين، آمون وسوبك، وحرص بعضهم على التسمي بأسماء تشبه أسماء ملوك الأسرة الثانية عشرة مثل أمنمحات وسنوسرت، وأسماء تشبه أسماء مؤسسي الأسرة الحادية عشرة السابقة لها مثل اسم إنتف، ليعبروا في الحالتين عن وراثتهم الشرعية للأسرتين. ظلت وحدة البلاد قائمة في بداية هذا العصر من الناحية الشكلية، واستمرت أعمال تعداد السكان وإحصاءات المواشي والعقارات تجري في مكاتب الإدارة المحلية والإقليمية وورث الحكام الجدد عن الأسرة السابقة لهم حدودًا جنوبية تمتد إلى ما بعد الشلال الثاني عند حصني سمنة وقمة فحافظوا عليها لفترة قصيرة، وسجلت بردية من أوائل عهودهم بقاء ثلاثة عشر حصنًا١ نشطت فيها دوريات مراقبة الوافدين عبر الحدود. ورددت أكثر رسائل حاميات هذه الحصون ما يفيد استتباب الأمن على مناطق الحدود لولا أنه كان استتبابًا خادعًا كما سنتبين بعد قليل. وكان من قول أصحابها فيها "إن أملاك الملك سالمة صحيحة، وكل أموره هنا باقية سلمية"٢. ثم ما لبثت عهود النصف الأول من هذه العصر أن تخللتها فترات اضطراب داخلي لا نعرف شيئًا عن تفاصيلها غير ما نمت عنه بردية تورين من قصر فترات حكم ملوكها ومرور ست سنوات بغير ملك يعترف به الجميع. وليس من المستبعد أن يكون قد ترتب على تلك الفترات المضطربة اضطرابات أخرى خارجية أحاطت بالإشراف المصري في الشمال وفي الجنوب، حتى ولي العرش رجل من خاصة الشعب يدعى نفر حوتب "خع سخم رع" استعاد وحدة بلاده ووجد اسمه على بعض آثار وادي حلفا في الجنوب، كما عثر على نصب في فينيقيا بالشام يصور "يوناثان" أمير جبيل جالسًا أمام شخص عظيم اختفت صورته، ولكن النصوص المدونة إلى جانبه رجحت أنه الفرعون المصري نفر حوتب "خع سخم رع"٣.

стр. 239

وجريًا على عادة أغلب الحكام الجدد غير ذوي الدم الملكي الموروث، تعمد نفرحوتب أن يظهر تقواه وعلمه أمام أفراد شعبه لكي يؤكد لهم أنه لا يقل عن ورثة البيوت المالكة القديمة حرصًا على التراث المجيد، فسجل باسمه نصًّا طريفًا، تحدث فيه عن رغبته الملحة في أن يزور مكتبة معبد الإله أتوم في مدينة عين شمس ليطلع في وثائقها القديمة على الصورة الأصلية لإله الغرب أوزير وهيئة جسده وأطرافه، حتى يوصي رجاله بصنع تماثيله على منوالها. وروى كيف أفضى برغبته هذه إلى رجال حاشيته العلماء فاصطحبوه إلى المكتبة حيث فتح الوثائق بنفسه وعرف منها ما لم يعرفه غيره١.ثم حضر الملك نفسه عبد المعبود أوزير في أبيدوس، وجمع كهنته وأوصاهم بعدم التهاون في مراسيم معبدهم وطقوسه، وقال لهم بعد حديث قصير: " ... أنا الملك، عظيم البأس، شديد الإدارة، لن يحيا من يعاديني، ولن يتنفس الهواء من يتآمر ضدي، لن يبقى له اسم بين الأحياء، ولسوف تزهق روحه أمام الموظفين يطرد من عند هذا الإله هو ومن لا يهتمون بأمر جلالتي ومن لا يعملون بأمر جلالتي ... "٢. ولم تكن نغمة التهديد هذه معهودة من فراعنة العهود المصرية المستقرة، ولم يكن من داعٍ لذكرها بين الكهنة ما لم تكن قد أحاطت بصاحبها الذي ولي العرش بمجهوده حركات عصيان أجبرته على أن يردد تهديده ووعيده في كل مناسبة تسنح له ولو في وسط الكهان وداخل أروقة المعابد. وظهر من أسماء خلفاء نفر حوتب على العرش، اسم خنجر، وهو اسم غريب بعض الشيء عن الأسماء المصرية المألوفة، وتسمى به ملك أو ملكان، وقص كاهن من معاصري خنجر "الأول؟ "، يدعى "أميني سنب" قصة طريفة تكشف عن بساطة العلاقات بين الحكام والمحكومين في عهده، وقال فيها: "أتاني كاتب الوزير وهو ولده سنب، ودعاني باسم والده، فذهبت معه ووجدت الوزير محافظ العاصمة عنخو في ديوانه، فأصدر إليَّ أمرًا قائلًا: تقرر أن تتولى ترميم معبد أبيدوس وسوف يصحبك الفنانون لإنجاز هذه المهمة ويصحبك كهنة مخزن القرابين بالمنطقة ... وقام أميني سنب بمهمته ولقي جزاءه الذي ختم روايته عنه بقوله "وهكذا حققت أملي، ورضي الرب عني، وأثنى الملك علي". وظلت قصور ملوك هذه الفترة عامرة بموظفيها وحشمها وخدمها ومراضعها وجواريها، وبأهل الموسيقى والطرب وجماعات الصناع والعمال، فضلًا عن سكانها من الأمراء والأميرات. وكانت تجري عليهم جميعهم رواتب مقررة، احتفظ سجل يومي من عهد ملك يدعى "أمنمحات سوبك حوتب" بصورة لها ضمنها تفاصيل الدخل والخرج يومًا بيوم لفترة اثني عشر يومًا. ويفهم من هذا السجل أن مخصصات القصر كانت نوعين: مخصصات دائمة تكلف بأدائها ديوان رأس الجنوب وديوان مدفوعات الناس والخزانة، ومخصصات طارئة غطت مصاريف المكافآت، والحفلات الخاصة، وكان الوزير أو من ينوب عنه هو المسئول عنها٣. وكانت واردات القصر ومصروفاته، على الرغم من كثرة الحفلات والمكافآت التي تحدث السجل عنها في فترة الاثنى عشر يومًا، هزيلة تنم عن فقر الملكية في عهدها قياسًا إلى الثراء الواسع الذي اشتهرت به ملكية الأسرة الثانية عشرة وملكيات الدولة القديمة.

стр. 240

مظاهر الأفول في النصف الثاني لعصر الأسرة الثالثة عشرة: انتقلت مقاليد الحكم من أولئك النفر من الملوك إلى ملوك آخرين وثبوا على العرش واحدًا بعد الآخر، لم تلعب الوراثة بينهم دورًا واضحًا ولم تربط بينهم صلات قرابة ظاهرة. وإنما جمعت بين عهودهم روابط أخرى من قلة الاستقرار وفساد الإدارة وتفرق الكلمة واضطراب حبل الولاء في الداخل وفي الخارج. وصورت حال مصر إبان فترات حكمهم أربعة مصادر، وهي: بردية تورين، وآثارهم القليلة القائمة، ونصوص تسمى اصطلاحًا نصوص اللعنة، ثم تعليقات المؤرخ المصري مانيتون. فقد بقي من أسماء أولئك الملوك على بردية تورين نحو ستين اسمًا، وردت في غير ترتيب يعتمد على صحته. وحكم ثلاثة وعشرون منهم في اثنين وخمسين عامًا بمعدل يزيد عن العاملين بقليل لكل منهم. ويعتقد الأستاذ ألن جاردنر١. أن البردية كانت تتضمن أصلًا نحو مائة وثمانين اسمًا من ملوك الأسرة، وهو لو صح عدد ضخم لم يسبق أن تواتر مثله لأسرة مصرية حاكمة، وليس في ذلك غير ما يدل على اضطراب الحكم في نهاية عصر الأسرة بوجه خاص، وعلى أن ملوكها لم يأمنوا البقاء على عروشهم لفترات طويلة. وليس من المستبعد أن بعض أصحاب تلك الأسماء الملكية الكثيرة كانوا متعاصرين يحكم كل منهم منطقة محدودة من أرض مصر، ولكنه يدعي لنفسه صفة الملك وينتحل على آثاره وبين رعاياه ألقاب الفراعنة. وزكت الآثار القائمة هذا الاحتمال الأخير، فعثر لبعض ملوك العصر الأواخر على آثار في الصعيد دون الوجه البحري، والعكس بالعكس صحيح، وذلك مما ينم عن تفتت وحدة البلاد في عهودهم وضآلة الإمكانيات السياسية والمادية التي توفرت لهم. وصورت نصوص اللعنة الظروف السابقة نفسها من زوايا أخرى، وكانت عبارة عن دعوات كتبها الكنهة "السحرة" بالمداد الأحمر على قدور من الفخار الأحمر وتماثيل صغيرة من الصلصال، وصبوا اللعنة فيها على أفراد من البلاط الفرعوني، ونفر من حكام النوبة وعدد من شيوخ الصحراء الليبية وعدد من حكام القبائل والمدن في جنوب الشام٢. وكان من المفروض أن يجمع الكهنة هذه القدور والتماثيل الصغيرة بأسمائها الملعونة، ويتلوا عليها قراءات سحرية معينة ثم يحطموها في حفل خاص؛ أملًا في أن يؤدي تحطيمها إلى تحطيم عزائم المذكورين عليها. وكل ما يعنينا الآن منها هو دلالتها على أن الأخطار التي تعرض لها أمن

стр. 241

البلاد في أواخر عصر الأسرة الثالثة عشرة لم تتأت عن أصحاب المطامع البعيدين عن العرش فحسب، وإنما تأتت كذلك من اضطراب الأمن في البلاط الفرعوني نفسه، واضطراب الأمور في جنوب مصر وشمالها الشرقي أيضًا. ويعنينا كذلك منها أنه لما أن عزت القوة المادية والحربية على حكام مصر حينذاك، اعتمد أعوانهم على طرق السحر والشعوذة وهي شر الطرق وأضعفها١. وظل اضطراب الأمور فيما وراء الحدود الشرقية والشمالية الشرقية هو الخطر الأكبر، وقد استفحل شره حتى انتهى إلى نتيجة صورها المؤرخ المصر مانيتون، ونقلها عند المؤرخ اليهودي يوسيفوس، فقال في حديثه عن ملك ذكره باسم "توتيمايوس" "ددومس": "وفي عهده، كيف لا أدري، عصف بنا غضب الرب، ووفد غزاة من الشرق مجهولو الأصل إلى أرضنا دون توقع، وكلهم أمل في النصر، فهاجموها عنوة واستولوا عليها بسهولة، وتغلبوا على حكامها، وحرقوا مدننا في وحشية، وسووا معابد الأرباب بالأرض، وعاملوا المواطنين بخشونة وفظاظة، وذبحوا بعضهم واسترقوا نساء بعض آخر وأطفالهم". وفي رواية مانيتون ما يشير إلى صعوبة التعرف على الأصول الجنسية للغزاة، وهذا حق، وما يشير على عنفهم والأضرار التي لحقت بمصر من جراء غزوتهم، وهذا أمر طبيعي منتظر من كل غاز، وفيها كذلك ما يشير على حيرته في معرفة أسباب حلول هذه النكبة ببلده، وكان بوسعه أن يخمنها فيما أصابها من تفكك وحدتها وتفرق كلمتها. وفي نهاية حديثه عن الغزاة، ذكر مانيتون أن جنسهم كان يسمى في مجموعه باسم الهكسوس٢ ... وهؤلاء هم موضوع البحث التالي.

стр. 242

ثانيًا: محنة الهكسوس لم تعبر تسمية الهكسوس في أصلها عن شعب معين بقدر ما عبرت عن صفة لمجموعة من الحكام أطلق المصريون عليهم اسم "حقاو خاسوت" بمعنى حكام البراري، ثم حور الإغريق والمتأغرقون هذه التسمية إلى "هكسوس" التي ترجمها مانيتون بمعنى "ملوك الرعاة"، ثم ترجمها يوسيفوس اليهودي بمعنى "الأسرى الرعاة" ووصل بينهم وبين العبرانيين كفئة تابعة لهم، وافترض أن النبي يوسف دخل مصر في عصرهم، وأنهم -أي العبرانيين- خرجوا معهم بعد جلائهم عن مصر. وهو وإن أنزلهم إلى مرتبة الأسرى والرعاة، إلا أن تخريجاته التي قصد أن يدلل بها على قدم نشأة اليهود يحوطها شك كبير حيث لم يعرف لهم تاريخ مؤكد إلى بعد هذا بقرون. ومرة أخرى لم يعبر المصريون باسم "حقاو خاسوت" "ومترادفات أخرى مثل عامو"١ عن قومية معينة بقدر ما عبروا به عن صفات البربرية والأجنبية والقبلية بوجه عام. والواقع أن الأصل الجنسي للهكسوس لا زال مشكلة تنتظر الحل، والرأي المقبول نسبيًّا فيها هو أن هجرة الهكسوس إلى مصر كانت ذات صلة بتحركات شعوبية كبيرة هاجرت تباعًا من سهوب أواسط آسيا، تحت ضغط ظروف طبيعية أو بشرية لا نعرفها، منذ أوائل الألف الثاني ق. م، ثم تدفقت على فترات متقطعة طويلة إلى شرق أوروبا من ناحية، وإلى الأناضول وأراضي الهلال الخصيب من ناحية أخرى. واختلفت وسائل تحركاتها ونتائج هجراتها من عهد إلى عهد ومن أرض إلى أرض، كما اختلفت الأسماء التي عرفها التاريخ بها باختلاف الظروف التي ظهرت على مسرح الحوادث فيها، واختلاف الأسماء التي عبر بها أهلها عن أنفسهم، أو عبر عنهم بها أهل البلاد التي دخلوها. وهكذا عرفهم بعض المؤرخين باسم عام وهو اسم الآريين أو الهندوآريين، وعرفتهم مصادر بلاد النهرين باسم الكاسيين أو الكاشيين، وعرفتهم مصادر آسيا الصغرى باسم الخاتيين "ثم الحيثيين"، وعرفتهم شواطئ الفرات العليا والمناطق السورية الشمالية الشرقية باسم الحوريين أو الخوريين، وسلكتهم المصادر الإغريقية في تسمية الآخيين، وعرفتهم المصادر المصرية باسم حقاوخاسوت الذي تحرف إلى هكسوس، وجمع بين عادات أغلب المهاجرين إلى الشرق من هؤلاء وهؤلاء أنهم جروا على أن يؤلفوا في بداية أمورهم إمارات منفصلة، تلحق بعواصمها معسكرات كبيرة تحيطها سياجات وأسوار لبنية سميكة مرتفعة ويحف بها خندق عميق. وكانوا فيما يقال يضحون بجحش في حفل بناء سورهم ويدفنون تحت السور طفلًا، ويدفنون خيولهم في مدافن خاصة أو يدفنونها مع أصحابها تنويهًا باعتزازهم بها٢. وبلغت شعبة من هذه الهجرات أعالى الشام خلال القرن ١٩ أو أوائل القرن ١٨ق. م، على وجه التقريب. ثم تسربت منها إلى جنوبها، وتزلزلت تحت ضغطها إمارات سورية كثيرة، وبدأ الأموريون في الشام يموج بعضهم في بعض، وأخذت بعض جماعاتهم تندفع ناحية الجنوب والشرق تحت ضغط

стр. 243

المهاجرين. وتأثرت مصر فعلًا بهذه التحركات في عصر أسرتها الثالثة عشرة وأخذ كهنتها يستنزلون اللعنات على أصحابها. وعندما اقتربت جماعات المهاجرين من الحدود المصرية الشمالية الشرقية، كانوا خليطًا من الغالبين والمغلوبين وبمعنى آخر كانوا خليطًا من جماعات آرية غازية دفعتها الظروف إلى جنوب الشام، ومن جماعات أمورية هاربة عجزت عن الاحتفاظ بأرضها في سهول الشام وبواديها. ولم يدخل هؤلاء وهؤلاء أرض مصر دفعة واحدة، وإنما بدءوا فانتشروا قرب حدودها وحول سبل تجارتها البرية المتجهة إلى بلاد الشام، وتسلل بعضهم إلى مراعي شرق الدلتا في جماعات متناثرة خلال فترات الاضطراب الداخلي التي انتهت بها أيام الدولة الوسطى، وكان أغلب هؤلاء الأخارى من الأموريين بخاصة، وقد يسر لهم طريقهم سابق معرفتهم بطرق الصحراء الشمالية الشرقية وسابق اتصالهم بأهل مصر. وقد احتفظت الآثار من أسمائهم ذات الصبغة السامية باسم عبد وما تحتمل قراءته يعقوب هر وعنات هر، وهو ما أوحى إلى البعض باحتمال وجود أسماء عبرية بينهم، ولكن هذه أسماء أمورية تسبق الأسماء العبرية بكثير، واستمرت بقية جماعات المهاجرين الكثيفة برؤسائها ذوي الأصل الآري وراء الحدود المصرية إلى حين. وليس من بينة صريحة على الظروف التي ساعدتها على اختراق الحدود المصرية عنوة للمرة الأخيرة، ولكن يحتمل أنها أقدمت على ذلك في أوائل القرن السابع عشر ق. م١، كرد فعل أخير لضغط آري جديد شرد أمامه الجماعات التي سبقته في الهجرة ابتداء من شمال سوريا إلى جنوبها، وهو فيما يغلب على الظن ضغط الحوريين. ووجد الهكسوس سبيلهم ميسرًا نتيجة لاشتداد نزاع الشخصيات الكبيرة في مصر على السلطة في أواخر عصر الأسرة الثالثة عشرة، وما ترتب عليه تلقائيًّا من تمزيق وحدة أمتهم وإضعاف إمكانياتها ومعنوياتها، الأمر الذي لم يتح لها مقاومة الغزاة مقاومة مجدية، وليس من المستبعد أن جماعات المتسللين الأموريين الذين تسربوا قبل ذلك إلى شرق الدلتا قد يسروا سبيل الغزو للجحافل الكبيرة وخوفوا الناس عن غير قصد من عنفها ومما تحمله معها من أسلحة جديدة للحرب لم يكن المصريون ولا جيرانهم يستخدمونها. ولا يزال المؤرخون على خلاف في تعيين هذه الأسلحة الجديدة، فعلى خلاف رأي قديم اعتقد أصحابه أن الهكسوس كانوا أول من أدخل الأسلحة البرونزية إلى مصر وأنهم دخلوها لأول مرة بالخيول وبالعربات الحربية التي كان لها ما للمصفحات الحالية من الأثر في تمزيق صفوف المشاة، دلت اكتشافات حديثة على أن المصريين عرفوا صناعة البرونز منذ الدولة الوسطى "راجع ص١٨٦"، وإن لم يستخدموه كثيرًا للأسف في أسلحتهم. وعرفوا قبله فكرة العجلات أو الطارات المستديرة منذ النصف الثاني للدولة القديمة واستخدموها في دفع سلالم الحصار الكبيرة٢، وإن لم يعمموا استخدامها للأسف على نطاق واسع، وفي شيء من التردد

стр. 244

ظهرت آراء جديدة ترى أنهم عرفوا الجياد منذ الدولة الوسطى أيضًا١، وأن أوائل الهكسوس لم يدخلوا مصر بالخيل والعربات منذ بداية أمرهم، وإنما وفدت بها جماعات قوية منهم أتت بعد تسرب أوائلهم إلى مصر بفترة غير قصيرة. وهكذا يتجه الترجيح حتى الآن إلى أن أهم عدد الحرب الجديدة التي أعانت الغزاة هي الدروع التي أكسبتهم مناعة وثقة، والأقواس المركبة الكبيرة المصنوعة من "طبقات" الخشب ومن القرون ومن أوتار شديدة٢، وكانت ترمي بشدة وإلى مدى أبعد من مرمى الأقواس المصرية القديمة، وأخيرًا عربات الحرب بخيولها. وفي اعتمادهم على عربات الحرب ما يضعف رأي قديم رد أصل الهكسوس إلى شبه الجزيرة العربية، حيث لم تكن صحراؤها تسمح باستخدام مثل هذه العربات. أما عوامل التفكك الداخلي التي بسرت لهم سبيل الغلبة فقد شرحناها من قبل، وأما وقع غزوتهم على المواطنين المصريين فيكفي فيه ما استشهدنا به من وصف مانيتون المؤثر له. ولم يكن من المتوقع أن يخلص أمر الدولة التي طمع الهكسوس في إقامتها بمصر لملك واحد على الفور، فقد حال دون ذلك أمران، وهما: أن الهكسوس كانوا قبليين في مجموعهم، آريين وأموريين، اعتادوا على أسلوب الإمارات المنفصلة وأنه لم يكن من المنتظر أن تدين مصر العظيمة لهم بالطاعة في سهولة. وترتب على هذين الأمرين أن تعددت أسماء الحكام في أيامهم الأولى تعددًا كبيرًا، وكان من هؤلاء حكام مصريون استمسكوا بأقاليمهم في غرب الدلتا وفي أقصى الصعيد واختلفت صلاتهم بالهكسوس تبعًا لموقفهم منهم ومدى قدرتهم على مقاومتهم، واعتبر كبارهم أنفسهم الورثة الشرعيين لملوك الدولة الوسطى الوطنيين وخلعوا على أنفسهم ألقاب الفراعنة كاملة، ولهذا جرى الاصطلاح على تسمية عصرهم باسم عصر الأسرة الرابعة عشرة على الرغم من أن القرابة بينهم كانت محدودة وكانوا معاصرين للهكسوس فعلًا، ودل ذلك على أن روح المقاومة الوطنية لم تمت. وفي الوقت ذاته لم يكن زعماء الغزاة أقل طموحًا، فانتحلوا لأنفسهم صفات الملوك وألقابهم أيضًا، ثم أخضعهم لسلطانه أشدهم بأسًا وجنودًا وجمعهم تحت رايته، وكان فيما روى مانيتون يسيطر على منطقة منف الغنية مركز الحكم القديم، ويدعى "سالتيس". واتخذ سالتيس "وهو اسم محرف" هذا عاصمة جديدة في شرق الدلتا على ضفة الفرع التانيسي القديم، كانت تسمى في اللغة المصرية "حة وعرة" وهو اسم بقي حتى الآن في اسم هوارة، وحوره الإغريق إلى "أفاريس"٣. واعتمد اختيار هذه العاصمة على أساس وقوعها وسط أتباع الهكسوس من المهاجرين الأموريين، وقيامها فوق كثبان رملية تطل على الفرع التانيسي، وحماية المناقع لها على بعد منها، ثم على أساس قربها من آخر

стр. 245

المواطن التي وفد الهكسوس منها على مصر، وهي جنوب الشام، وقربها من الطريق التجاري البري الذي يصل بين مصر وبين الشام. وحصن الهكسوس عاصمتهم الجديدة تحصينًا شديدًا، وزودوها بحامية كبيرة العدد؛ إتقاء ثورات المصريين، وإتقاء للهجرات المحتملة الجديدة التي تخوفوا أن يقوم بها أبناء عمومتهم الآريون أو الأموريون. ووجد الهكسوس في معبود هذه المدينة "ست" شبهًا بمعبودهم القومي، إن في الشكل أو في الصفات، فمزجوا بينهما وعبدوا كلًّا منهما في شخص الآخر. وندع مناقشة تتابع ملوك الهكسوس وعلاقات بعضهم ببعض خلال ما يسمى باسم عهود الأسرات الخامسة عشرة والسادسة عشرة وجزء من السابعة عشرة لكتابنا الثاني عن حضارة مصر القديمة وآثارها. ونكتفي هنا بالملامح الرئيسة لهذه العهود، التي يحتمل من بردية تورين أنها شغلت مائة عام وثمانية أو ما هو أقل من ذلك بكثير١. ومن هذه الملامح أنهم جمعوا بين أسمائهم الأجنبية مثل خيان وإببي، وبين أسماء مصرية خالصة مثل سوسرنرع، وعاوسر رع، وأنهم تشبهوا بالفراعنة المصريين الوطنيين في ألقابهم ملابسهم وهيئات تماثيلهم، وادعوا التقرب من الأرباب المصريين وسجلوا أسماءهم على معابدهم. ويمكن أن يفهم من ذلك كله أنهم مع استحواذهم على السلطة العليا حاولوا أن يتمصروا ويتخذوا مصر موطنًا ودار إقامة دائمة، ولم يعتبروها دولة تابعة، وحاولوا أن يموهوا على أهلها ويوحوا إليهم بنسيان غرابة أصلهم وقسوة غزوهم لأرضهم. وعثر لبعض هؤلاء الملوك على آثار قليلة في جنوب فلسطين، وفي كرما في النوبة بل وفي كريت وفي بغداد أيضًا٢. وتم ذلك فيما يغلب على الظن عن طريق التجارة والتبادل، دون الغزو وبسط النفوذ كما ذهبت آراء قديمة تخيلت للهكسوس إمبراطورية متسعة ذات نشاط في البر وفي البحر معًا. وارتبط بأذواق عصر الهكسوس شيوع أنواع متواضعة من المشابك والحلي، وزخارف الجعلان والأختام. وزخارف الفخار الملون والمشكل على هيئة الطير، وظهور وحدة جديدة للموازين، فضلًا عما ارتبط بوجودهم من انتشار الخيول وعربات الحرب والدروع والسيوف المقوسة والأقواس المركبة. ولكن لوحظ أن النماذج الباقية من آثارهم صغيرة قليلة، وأن عصرهم في مجمله لم يترك أثرًا ذا بال في تطوير فنون النحت والنقش وهندسة العمارة، وذلك إلى الحد الذي تطابقت معه الروح الفنية لآثار العهود الأخيرة من الدولة الوسطى، التي سبقت دخول الهكسوس، مع الروح الفنية لآثار أوائل عهود الدولة الحديثة التي أعقبت خروجهم من مصر. وعلى نحو ما عجز الهكسوس عن إضافة شيء جديد إلى الحياة الفنية، عجزوا كذلك عن تبديل تقاليد مصر الروحية واللغوية والدينية، فظلت كما هي، وحدث على العكس أن تأثروا هم بها وتطبعوا بها، وإن لم يمنع هذا من الاعتراف بأنهم جعلوا جنسهم يمثل الطبقة العليا أو يمثل جزءًا منها على أقل تقدير.

стр. 246

ثالثًا: مراحل الجهاد والتحرير بدأت عزمات التحرر من إقليم طيبة في أقصى الصعيد، وكان قد تمتع بنوع من الاستقلال الذاتي وعلقت بأذهان أهله أمجادهم القديمة في الدولة الوسطى، ثم استطاع حكامه أن يمدوا نفوذهم حتى أبيدوس، وأزاحوا نفوذ الهكسوس إلى الشمال حتى حدود القوصية، واعتبروا أنفسهم الخلفاء المباشرين لملوك الدولة الوسطى. وعرفت أسرتهم باسم الأسرة السابعة عشرة الوطنية وعاصرت أواخر ملوك الهكسوس. ولم تكن مهمة الإحياء التي تكفلوا بها مهمة هينة، فبدءوا بها على حذر اتقاء إثارة الهكسوس ضدهم قبل استكمال استعدادهم. وندع خطواتهم الأولى، مراعاة للإيجاز، ونكتفي بجهاد المصريين تحت راية الثلاثة الأخيرين منهم، وهم القادة الملوك: سقننرع وولداه كامس وأحمس. وقد صورت طرفًا من انتفاضتهم بردية كتبها طالب مصري يدعى "بنتاورة"، خلال القرن الثالث عشر ق. م، أي بعد خروج الهكسوس بنحو ثلاثة قرون١، وبما يعني أن أخبار الأحداث القومية الرئيسية لم تكن تنمحي من أوساط المثقفين مهما طال الأمد عليها. وروت البردية في مستهل حديثها أن أرض مصر كانت تئن تحت وطأة الوباء، وأنه لم يكن فيها سيد يعتبر ملك زمانه، فبينما حكم الملك سقننرع "تاعا قن" في مدينة طيبة "الجنوبية" حل الوباء في مدينة العامو "الهكسوس"، وبمعنى آخر استقر الملك إببي "ملك الهكسوس" في حة وعرة. وأضافت البردية أن إببي هذا تعصب للمعبود سوتيخ "ست"، ولم يقدر ربًّا سواه، وأقام له معبدًا عظيم الشأن بجانب قصره، وكان يبكر يوميًّا في تقديم القرابين إليه، واعتاد رجال حاشيته على أن يحملوا إليه باقات الزهور، تقليدًا لما كان يجري في معبد با رع حر آختي "المعبود المصري". وذلك على حين ناصر سقننرع ملك طيبة الإله آمون رع واستنصره واعتبره كبير الأرباب. ولم يقتصر الأمر حين ذاك على اختلاف المذهبين، وإنما كانت وراءه ترتيبات مصرية مستترة عمل إببي ملك الهكسوس في سبيل وأدها على أن يستفز الملك المصري سقننرع إلى حرب صريحة قبل أن يستكمل عدته لها، فجمع كتبته وحكماءه كما روت البردية، وشاورهم في الأمر، فأوحوا إليه بحيلة ماكرة عقبوا عليها بقولهم "ولسوف نرى إذن قدرة ربه الذي يحتمي به، وهو الذي لا يعتمد على إله غير آمون رع ملك الأرباب". واتبع إببي مشورتهم فأوفد رسولًا إلى سقننرع، يقول له: "أسكتوا أفرس الماء في البحيرة الشرقية بطيبة فضجيجها يحرمني النوم في نهاري وليلي، وأصواتها تطن في مسامع مدينتي". وأغلب الظن أن إببي المقيم في شمال شرق الدلتا، كان يعني بضجيج أفراس النهر بطيبة في أقصى الصعيد نشاط سقننرع ورجاله واستعداداتهم العسكرية، وقد تعمد أن يلمزهم ويستثيرهم ويقلل من شأنهم، ولكنه كشف عن هم الليل والنهار الذي لحقه منهم من حيث لا يدري. وأضافت البردية أن سقننرع عامل الرسول كما تنبغي معاملة الرسل، فأكرمه وهاداه، ثم جمع كبار رجاله ورؤساء جيشه وبدأ يشاورهم

стр. 247

في الأمر .. وهنا انتهى درس البردية في غير خاتمة واضحة، ولكنه على الرغم من قصره قد نم عن أن المصريين ظلوا يطوون صدورهم على كره الهكسوس وذكريات احتلالهم حتى لقد شبهوهم بالوباء أو الطاعون، وأنه لم يكن في وسع ملك الهكسوس أن يعتبر نفسه ملكًا على مصر كلها، وأنه ضاق بنشاط أهل طيبة وقلق من النتائج التي يمكن أن تترتب عليه، وأن الطيبيين جعلوا من اختلاف المذهب الديني بينهم وبين الهكسوس سببًا لصبغ جهادهم ضدهم بصبغة مقدسة. وإذا كان هذا الجزء المكتوب المتبقي من البردية قد انتهى بغير نهاية واضحة، فقد صورت جانبًا من هذه النهاية رأس سقننرع التي عثر عليها في طيبة الغربية، وقد توجتها خمسة جراح عميقة من ضربات سيف ومقمعة وبضعة سهام، ودل كل جرح منها على بداية الجهاد المسلح في عهد صاحبه واستبساله واستماتته في الظفر بمأربه. وتولى زعامة طيبة بعده ولده كامس "واج خبر رع" وصورت جهاده وجهاد رجاله ثلاثة نصب أقامها في الكرنك، ودرس تاريخي كتبه طالب على لوحة خشبية صغيرة. وصور الدرس التاريخي المراحل الأولى للجهاد في عهده كما رواها أنصاره١. فوصفه بأنه كان ملكًا فاضلًا، وأن الإله رع شاء أن يجعله ملكًا فعليًّا ووهبه الجرأة في الحق. وذكر أنه ضاق بأحوال البلاد وقال ذات مرة في مجلس بلاطه: "كيف أقدر نفوذي هذا إذا كان هناك حاكم في حة وعرة وحاكم آخر في كاش؟ ولا زلت شريكًا لهكسوسي وزنجي، وكل منا يسيطر على رقعة من هذه البلاد؟ إني لا أكاد أبلغ منف، وقد سيطر "العدو" على منطقة الأشمونين؛ وما عاد أحد يأمن السلب والنهب والعبودية للبدو الآسيويين ... ". وحاول كامس أن يستفز أهل بلاطه إلى الحرب، فقال لهم "ولسوف أقاتل "العدو" وأبقر بطنه، وإن غايتي أن أحرر مصر وأستبيح دماء العامو .. "، ولكنهم فيما قال استمرءوا ما نعموا به في حدود الصعيد وقالوا إن هاجمنا العدو قاومناه. وهنا ضاق الرجل بالتواء منطقهم, وأحسن الظن بسواد شعبه، فقال لأهل بلاطه "سوف أحارب العامو "الهكسوس" وسوف يحالفني النجاح، وقد تباكى بعضكم، ولكن البلاد سوف ترحب بي، أنا الحاكم الجسور في طيبة، أنا كامس حامي حمى مصر". وبهذه الروح الوثابة انطلق كامس بجيشه المصري، وجند فريقًا من البجاويين النوبيين الذين دانوا بالولاء له، واستخدمهم في طليعة جيشه. وصدق ظنه في سواد شعبه، فهرع إليه أهل الشرق والغرب، كما قال، وأمدوا جيشه أينما حل بالمئونة والزاد. ووصف مسيرته مع جيشه فقال: "أبحرت في عزم لأجل الهكسوس وفقًا لأمر آمون ذي الرأي الرشد، وجيشي أمامي مستبسل كأنه شعلة من نار". وبدأ بمصر الوسطى فطهرها من الهكسوس وعاقب الخانعين لهم في بلدة نفروسي. وشجعه هذا على كفاح تحدثت عنه نصوص نصبه في الكرنك٢، ويفهم منها أنه شن حملة مفاجئة على أرض كاش الجنوبية

стр. 248

وأجبر واليها الجديد على أن يوقف صداقته للهكسوس. ثم اندار على الشمال وعمل بأعوانه على قطع الإمدادات التي كانت تصل إلى الهكسوس عن طريق فروع النيل. وهنا انقسم الهكسوس على أنفسهم. وخرج بعضهم على طاعة ملكهم. وأحرز كامس نصرًا في بعض المواقع النهرية، ووصف دخوله إحدى المدن في أسلوب لطيف قال فيه "أو قال على لسانه أحد أدباء عصره": "لمحت نساء العدو فوق دياره، يتطلعن من النوافذ إلى الشاطئ، وحين سمعن صوتي لم يستطعن حراكًا، ومددن أنوفهن من خلال "شقوق" الجدران كأفراخ القطا في جحورها حين كنت أنادي: هذا أوان الهجوم، هأنذا ولسوف أنتصر". وسجل رجاله في نصوصه بعض العبارات التي كان يرددها في مجالسه أو يرسل بها إلى عدوه يتوعده بها، وكان من قوله فيها: "سوف تعجز مع جيشك أيها العامو ... وينكشف ظهرك أيها الخاسئ، فها هو جيشي وراءك، وسوف يصيب العقم نساء عاصمتك، ولن تنبض قلوبهم في أبدانهن حين يسمعن صرخة الحرب من جيشي. إن يدي هي العليا، والنجاح حليفي ... ، أي وحق ربي آمون القادر، لن أدع لك بقاء ولن أدعك تخطو على أرضي دون أن أركب فوقك، وحينئذ تخمد أنفاسك". وكان من قوله كذلك: "لقد خابت آمالك أيها الخاسئ الذي اعتاد على أن يقول أنا السيد ولا مثيل لي. أما "عاصمتك" فسوف أمحوها ولن أجعل أحدًا يعثر لها على أثر، وسوف أدمر قرى "شعبك"، وأحرق ديارهم حتى تصبح تلالًا حمرًا إلى الأبد؛ جزاء وفاقًا على ما ألحقوه بمصر من دمار، وسوف يسمع الناس "عويل" الهكسوس حين يفارقون مصر سيدتهم "مرغمين"١. وهكذا سار كفاح كامس على نهج مرسوم، فبدأ بتعبئة الحماس والمشاعر من أجل الكرامة وضد المحتلين، وعمل على تطهير الجبهة الداخلية وتأمين ظهره وزيادة أتباعه، ثم أحكم الحصار الاقتصادي على أعدائه وحاول أن يبث الفرقة بينهم، وهاجم بجيشه بعض مراكز تجمعهم، واستخدم الحرب النفسية ضدهم. وليس من المستبعد أن تهديداته كانت تبلغ أسماع الهكسوس وتفعل فعلها فيهم. فلما طال المطال عليهم، حاول ملكهم أن يوقع كامس بين ما يشبه فكي الكماشة، فأرسل إلى حاكم كاش في الجنوب يدعوه ولده ويحرضه على كامس ويخوفه عاقبة أمره ويشجعه على مهاجمته من الجنوب حتى ينحصر بينهما وحينئذ يغلبانه ويقتسمان مصر معًا، كما قال. وأرسل الهكسوسي رسله على طريق الواحات ليكونوا بمأمن من عيون كامس. ولكن هؤلاء علموا بأمرهم وأرسل كامس سرية من جيشه ترصدت الرسل واستولت على الرسالة ثم أطلقتهم لينقلوا إلى ملكهم خيبة أمله وفشل مسعاهم. وخشي كامس أن يعيد الحليفان الكرة، فوضع بعض وحداته في مصر الوسطى والواحات، ورحل هو إلى عاصمته طيبة، وكان يوم عودته إليها يومًا مشهودًا، وصفه كاتبه قائلًا: "طابت رحلة الحاكم إلى الجنوب، وجنوده أمامه لم ينقصوا، ولم يخسر أحدهم رفيقه، ولم تشتك قلوب "المدنيين" منهم ... ، وأصبح إقليم طيبة كأنه في عيد الفيضان، وهرع النسوة والرجال يتطلعون إلى الأمير، وأسرعت كل زوجة إلى زوجها تعانقه، وقد خلت الوجوه من آثار الدموع".

стр. 249

وتوفي كامس في ظروف غير معروفة قبل أن يدخل معركته الفاصلة ضد الهكسوس وربما أعقبت وفاته فترة من القلق، ثم خلفه أخوه أحمس "نب بحتي رع" وأتم عمله وعمل أبيه، وانتفع باشتداد عزائم مواطنيه بعد انتصاراتهم تحت رايتيهما، فاستنفرهم ولبوا نداءه لاستكمال الجهاد والانتقام، وخرجوا معه المهاجمة الهكسوس في عقر عاصمتهم "حة وعرة". ولا تزال تفاصيل المرحلة النهائية لطرد الهكسوس في عهد أحمس شحيحة لقلة المصادر المعروفة عنها، ولكن صور جانبًا منها قائد من جيشه يدعى أحمس بن إبانا بدأ شبابه جنديًّا صغيرًا، ولكنه استطاع أن يظهر كفايته في المعارك التي خاضها، وروى في نصوصه أنه كان كلما نشط في عمليات الأسر والقتل خلال المعارك، أبلغ العرفاء أمره إلى الفرعون في مركز القيادة فكافأه بما يناسب مجهوده وشجعه على المزيد. وهكذا استمر في نشاطه وترقياته حتى بلغ مرتبة القائد البحري. وذكر أنه اشترك مع الفرعون أحمس في محاصرة عاصمة الهكسوس وأن المعارك دارت حولها وإلى الجنوب منها، في البر وعلى الماء عدة مرات١. والواقع أنه ليس من بينة مرجحة تصور كيفية جلاء الهكسوس عن حة وعرة، فبينما يفهم من نصوص إين إبانا المعاصر لهذه الأحداث أن المصريين دخلوها عنوة ودمروها وأسروا معظم حاميتها وأجبروا غالبية أهلها على الخروج منها، ذكر يوسيفوس اليهودي بعد قرون طويلة من الجلاء أن الهكسوس أعلنوا التسليم لأحمس بشرط أن يدعهم يغادرون مصر آمنين، فرضي، وخرجوا منها بأمتعتهم، وكانوا لا يقلون في زعمه عن ٢٤٠ ألف شخص "هم وأولادهم ونساؤهم". وعندما جلا الهكسوس عن مصر جمعوا فلولهم في مدينة من معاقلهم القديمة في جنوب فلسطين تدعى شاروحين، قامت على أطلالها تل فرعة الحالية، وتحصنوا بها، فأدرك أحمس أنه لن يأمن على حدوده ما داموا قريبين منها، فلحقهم بجيوشه وفرض الحصار حولهم، واستمر يضيق عليهم نحو ثلاث سنوات حتى اضطروا إلى الجلاء عنها٢. وهذا لفظت مصر الهكسوس أغرابًا كما دخلوها، على الرغم من طول إقامتهم فيها. وعهد ما سوى مصر من الشعوب أن تنزلها الهجرات فتطغى على قوميتها أو تمتزج بأهلها ويمتزجوا بها وتفرض عليهم حضارتها إن كانت ذوات حضارة، أو تفرض عليهم لغتها إن أعوزتها الحضارة، وما حدث شيء من ذلك في مصر، وإنما باعدت مصر ما بينها وبين الهكسوس في لغتها وعاداتها ودينها بقدر ما استطاعت حين غلبت على أمرها، وعندما أخذت عنهم استخدام الخيول وعربات الحرب والدروع والأقواس المركبة. استعانت بما أخذته عنهم وأجلتهم به، وكان ذلك بين ١٥٨٠ و١٥٧٥ق. م. والطريف أن فترة الجهاد ضد الهكسوس لم يقتصر على الرجال وحدهم، وإنما ساهمت بعض النساء فيها بما يناسب استعدادهن. ولما كان التاريخ حفيًّا دائمًا بأسماء أصحاب السلطان أكثر ممن سواهم، فقد احتفظ من أسماء صاحبات الشهرة في ذلك العصر باسمي: تتي شري أم سقننرع، وإياح حوتب زوجته وأم ولديه. وقد نعتت أولاهما في نصوص حفيدها أحمس بلقب العالمة أو العارفة. وقيل عن الثانية إنها "ربة الأرض، وسيدة الحاونبو، رفيعة السمعة في كل قطر أجنبي. التي دبرت سياسة القوم .. ،

стр. 250

القديرة الجليلة التي أحكمت شئون مصر، وجمعت "صفوف" جيشها، ورعت أهلها، وأعادت الفارين، ولمت "شتات" المهاجرين، وهدأت "قلق" الصعيد، وأرهبت عصاته، الملكة إياح حوتب لها الحياة"١. ويبدو أن ما تحدث هذا النص به عن أثرها في السياسة الداخلية قد ترتب على اشتراكها في جمع كلمة الجيش والمدنيين على الاعتراف بالطاعة لأحد ولديها حين اعتلائه العرش، وهو في الأغلب أحمس بعد فتنة لعلها حدثت عند وفاة كامس. أما ما تحدث النص به عن شهرتها الخارجية وعن سيادتها للحاونيو، أي لجزر الحوض الشرقي من البحر المتوسط. فيمكن تفسيره بأن انتصارات مصر في عهد ولدها أحمس في جنوب الشام فتحت أمامها سبل الاتصالات القديمة مع المواني الفينيقية وما كان يتعامل معها من جزر البحر المتوسط، وقد أراد أهل هذه الجزر. والكريتيون بخاصة، أن يتقربوا إلى الملك المصري المنتصر فهادوه وهادوا أمه وخلعوا عليها لقب "سيدة الجزر" تشريفًا، وهو ما عبر النص المصري عنه بلقب "سيدة الحاونبو".
следующие страницы →