← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثالثًا: مراحل الجهاد والتحرير بدأت عزمات التحرر من إقليم طيبة في أقصى الصعيد، وكان قد تمتع بنوع من الاستقلال الذاتي وعلقت بأذهان أهله أمجادهم القديمة في الدولة الوسطى، ثم استطاع حكامه أن يمدوا نفوذهم حتى أبيدوس، وأزاحوا نفوذ الهكسوس إلى الشمال حتى حدود القوصية، واعتبروا أنفسهم الخلفاء المباشرين لملوك الدولة الوسطى. وعرفت أسرتهم باسم الأسرة السابعة عشرة الوطنية وعاصرت أواخر ملوك الهكسوس. ولم تكن مهمة الإحياء التي تكفلوا بها مهمة هينة، فبدءوا بها على حذر اتقاء إثارة الهكسوس ضدهم قبل استكمال استعدادهم. وندع خطواتهم الأولى، مراعاة للإيجاز، ونكتفي بجهاد المصريين تحت راية الثلاثة الأخيرين منهم، وهم القادة الملوك: سقننرع وولداه كامس وأحمس. وقد صورت طرفًا من انتفاضتهم بردية كتبها طالب مصري يدعى "بنتاورة"، خلال القرن الثالث عشر ق. م، أي بعد خروج الهكسوس بنحو ثلاثة قرون١، وبما يعني أن أخبار الأحداث القومية الرئيسية لم تكن تنمحي من أوساط المثقفين مهما طال الأمد عليها. وروت البردية في مستهل حديثها أن أرض مصر كانت تئن تحت وطأة الوباء، وأنه لم يكن فيها سيد يعتبر ملك زمانه، فبينما حكم الملك سقننرع "تاعا قن" في مدينة طيبة "الجنوبية" حل الوباء في مدينة العامو "الهكسوس"، وبمعنى آخر استقر الملك إببي "ملك الهكسوس" في حة وعرة. وأضافت البردية أن إببي هذا تعصب للمعبود سوتيخ "ست"، ولم يقدر ربًّا سواه، وأقام له معبدًا عظيم الشأن بجانب قصره، وكان يبكر يوميًّا في تقديم القرابين إليه، واعتاد رجال حاشيته على أن يحملوا إليه باقات الزهور، تقليدًا لما كان يجري في معبد با رع حر آختي "المعبود المصري". وذلك على حين ناصر سقننرع ملك طيبة الإله آمون رع واستنصره واعتبره كبير الأرباب. ولم يقتصر الأمر حين ذاك على اختلاف المذهبين، وإنما كانت وراءه ترتيبات مصرية مستترة عمل إببي ملك الهكسوس في سبيل وأدها على أن يستفز الملك المصري سقننرع إلى حرب صريحة قبل أن يستكمل عدته لها، فجمع كتبته وحكماءه كما روت البردية، وشاورهم في الأمر، فأوحوا إليه بحيلة ماكرة عقبوا عليها بقولهم "ولسوف نرى إذن قدرة ربه الذي يحتمي به، وهو الذي لا يعتمد على إله غير آمون رع ملك الأرباب". واتبع إببي مشورتهم فأوفد رسولًا إلى سقننرع، يقول له: "أسكتوا أفرس الماء في البحيرة الشرقية بطيبة فضجيجها يحرمني النوم في نهاري وليلي، وأصواتها تطن في مسامع مدينتي". وأغلب الظن أن إببي المقيم في شمال شرق الدلتا، كان يعني بضجيج أفراس النهر بطيبة في أقصى الصعيد نشاط سقننرع ورجاله واستعداداتهم العسكرية، وقد تعمد أن يلمزهم ويستثيرهم ويقلل من شأنهم، ولكنه كشف عن هم الليل والنهار الذي لحقه منهم من حيث لا يدري. وأضافت البردية أن سقننرع عامل الرسول كما تنبغي معاملة الرسل، فأكرمه وهاداه، ثم جمع كبار رجاله ورؤساء جيشه وبدأ يشاورهم

стр. 247

في الأمر .. وهنا انتهى درس البردية في غير خاتمة واضحة، ولكنه على الرغم من قصره قد نم عن أن المصريين ظلوا يطوون صدورهم على كره الهكسوس وذكريات احتلالهم حتى لقد شبهوهم بالوباء أو الطاعون، وأنه لم يكن في وسع ملك الهكسوس أن يعتبر نفسه ملكًا على مصر كلها، وأنه ضاق بنشاط أهل طيبة وقلق من النتائج التي يمكن أن تترتب عليه، وأن الطيبيين جعلوا من اختلاف المذهب الديني بينهم وبين الهكسوس سببًا لصبغ جهادهم ضدهم بصبغة مقدسة. وإذا كان هذا الجزء المكتوب المتبقي من البردية قد انتهى بغير نهاية واضحة، فقد صورت جانبًا من هذه النهاية رأس سقننرع التي عثر عليها في طيبة الغربية، وقد توجتها خمسة جراح عميقة من ضربات سيف ومقمعة وبضعة سهام، ودل كل جرح منها على بداية الجهاد المسلح في عهد صاحبه واستبساله واستماتته في الظفر بمأربه. وتولى زعامة طيبة بعده ولده كامس "واج خبر رع" وصورت جهاده وجهاد رجاله ثلاثة نصب أقامها في الكرنك، ودرس تاريخي كتبه طالب على لوحة خشبية صغيرة. وصور الدرس التاريخي المراحل الأولى للجهاد في عهده كما رواها أنصاره١. فوصفه بأنه كان ملكًا فاضلًا، وأن الإله رع شاء أن يجعله ملكًا فعليًّا ووهبه الجرأة في الحق. وذكر أنه ضاق بأحوال البلاد وقال ذات مرة في مجلس بلاطه: "كيف أقدر نفوذي هذا إذا كان هناك حاكم في حة وعرة وحاكم آخر في كاش؟ ولا زلت شريكًا لهكسوسي وزنجي، وكل منا يسيطر على رقعة من هذه البلاد؟ إني لا أكاد أبلغ منف، وقد سيطر "العدو" على منطقة الأشمونين؛ وما عاد أحد يأمن السلب والنهب والعبودية للبدو الآسيويين ... ". وحاول كامس أن يستفز أهل بلاطه إلى الحرب، فقال لهم "ولسوف أقاتل "العدو" وأبقر بطنه، وإن غايتي أن أحرر مصر وأستبيح دماء العامو .. "، ولكنهم فيما قال استمرءوا ما نعموا به في حدود الصعيد وقالوا إن هاجمنا العدو قاومناه. وهنا ضاق الرجل بالتواء منطقهم, وأحسن الظن بسواد شعبه، فقال لأهل بلاطه "سوف أحارب العامو "الهكسوس" وسوف يحالفني النجاح، وقد تباكى بعضكم، ولكن البلاد سوف ترحب بي، أنا الحاكم الجسور في طيبة، أنا كامس حامي حمى مصر". وبهذه الروح الوثابة انطلق كامس بجيشه المصري، وجند فريقًا من البجاويين النوبيين الذين دانوا بالولاء له، واستخدمهم في طليعة جيشه. وصدق ظنه في سواد شعبه، فهرع إليه أهل الشرق والغرب، كما قال، وأمدوا جيشه أينما حل بالمئونة والزاد. ووصف مسيرته مع جيشه فقال: "أبحرت في عزم لأجل الهكسوس وفقًا لأمر آمون ذي الرأي الرشد، وجيشي أمامي مستبسل كأنه شعلة من نار". وبدأ بمصر الوسطى فطهرها من الهكسوس وعاقب الخانعين لهم في بلدة نفروسي. وشجعه هذا على كفاح تحدثت عنه نصوص نصبه في الكرنك٢، ويفهم منها أنه شن حملة مفاجئة على أرض كاش الجنوبية

стр. 248

وأجبر واليها الجديد على أن يوقف صداقته للهكسوس. ثم اندار على الشمال وعمل بأعوانه على قطع الإمدادات التي كانت تصل إلى الهكسوس عن طريق فروع النيل. وهنا انقسم الهكسوس على أنفسهم. وخرج بعضهم على طاعة ملكهم. وأحرز كامس نصرًا في بعض المواقع النهرية، ووصف دخوله إحدى المدن في أسلوب لطيف قال فيه "أو قال على لسانه أحد أدباء عصره": "لمحت نساء العدو فوق دياره، يتطلعن من النوافذ إلى الشاطئ، وحين سمعن صوتي لم يستطعن حراكًا، ومددن أنوفهن من خلال "شقوق" الجدران كأفراخ القطا في جحورها حين كنت أنادي: هذا أوان الهجوم، هأنذا ولسوف أنتصر". وسجل رجاله في نصوصه بعض العبارات التي كان يرددها في مجالسه أو يرسل بها إلى عدوه يتوعده بها، وكان من قوله فيها: "سوف تعجز مع جيشك أيها العامو ... وينكشف ظهرك أيها الخاسئ، فها هو جيشي وراءك، وسوف يصيب العقم نساء عاصمتك، ولن تنبض قلوبهم في أبدانهن حين يسمعن صرخة الحرب من جيشي. إن يدي هي العليا، والنجاح حليفي ... ، أي وحق ربي آمون القادر، لن أدع لك بقاء ولن أدعك تخطو على أرضي دون أن أركب فوقك، وحينئذ تخمد أنفاسك". وكان من قوله كذلك: "لقد خابت آمالك أيها الخاسئ الذي اعتاد على أن يقول أنا السيد ولا مثيل لي. أما "عاصمتك" فسوف أمحوها ولن أجعل أحدًا يعثر لها على أثر، وسوف أدمر قرى "شعبك"، وأحرق ديارهم حتى تصبح تلالًا حمرًا إلى الأبد؛ جزاء وفاقًا على ما ألحقوه بمصر من دمار، وسوف يسمع الناس "عويل" الهكسوس حين يفارقون مصر سيدتهم "مرغمين"١. وهكذا سار كفاح كامس على نهج مرسوم، فبدأ بتعبئة الحماس والمشاعر من أجل الكرامة وضد المحتلين، وعمل على تطهير الجبهة الداخلية وتأمين ظهره وزيادة أتباعه، ثم أحكم الحصار الاقتصادي على أعدائه وحاول أن يبث الفرقة بينهم، وهاجم بجيشه بعض مراكز تجمعهم، واستخدم الحرب النفسية ضدهم. وليس من المستبعد أن تهديداته كانت تبلغ أسماع الهكسوس وتفعل فعلها فيهم. فلما طال المطال عليهم، حاول ملكهم أن يوقع كامس بين ما يشبه فكي الكماشة، فأرسل إلى حاكم كاش في الجنوب يدعوه ولده ويحرضه على كامس ويخوفه عاقبة أمره ويشجعه على مهاجمته من الجنوب حتى ينحصر بينهما وحينئذ يغلبانه ويقتسمان مصر معًا، كما قال. وأرسل الهكسوسي رسله على طريق الواحات ليكونوا بمأمن من عيون كامس. ولكن هؤلاء علموا بأمرهم وأرسل كامس سرية من جيشه ترصدت الرسل واستولت على الرسالة ثم أطلقتهم لينقلوا إلى ملكهم خيبة أمله وفشل مسعاهم. وخشي كامس أن يعيد الحليفان الكرة، فوضع بعض وحداته في مصر الوسطى والواحات، ورحل هو إلى عاصمته طيبة، وكان يوم عودته إليها يومًا مشهودًا، وصفه كاتبه قائلًا: "طابت رحلة الحاكم إلى الجنوب، وجنوده أمامه لم ينقصوا، ولم يخسر أحدهم رفيقه، ولم تشتك قلوب "المدنيين" منهم ... ، وأصبح إقليم طيبة كأنه في عيد الفيضان، وهرع النسوة والرجال يتطلعون إلى الأمير، وأسرعت كل زوجة إلى زوجها تعانقه، وقد خلت الوجوه من آثار الدموع".

стр. 249

وتوفي كامس في ظروف غير معروفة قبل أن يدخل معركته الفاصلة ضد الهكسوس وربما أعقبت وفاته فترة من القلق، ثم خلفه أخوه أحمس "نب بحتي رع" وأتم عمله وعمل أبيه، وانتفع باشتداد عزائم مواطنيه بعد انتصاراتهم تحت رايتيهما، فاستنفرهم ولبوا نداءه لاستكمال الجهاد والانتقام، وخرجوا معه المهاجمة الهكسوس في عقر عاصمتهم "حة وعرة". ولا تزال تفاصيل المرحلة النهائية لطرد الهكسوس في عهد أحمس شحيحة لقلة المصادر المعروفة عنها، ولكن صور جانبًا منها قائد من جيشه يدعى أحمس بن إبانا بدأ شبابه جنديًّا صغيرًا، ولكنه استطاع أن يظهر كفايته في المعارك التي خاضها، وروى في نصوصه أنه كان كلما نشط في عمليات الأسر والقتل خلال المعارك، أبلغ العرفاء أمره إلى الفرعون في مركز القيادة فكافأه بما يناسب مجهوده وشجعه على المزيد. وهكذا استمر في نشاطه وترقياته حتى بلغ مرتبة القائد البحري. وذكر أنه اشترك مع الفرعون أحمس في محاصرة عاصمة الهكسوس وأن المعارك دارت حولها وإلى الجنوب منها، في البر وعلى الماء عدة مرات١. والواقع أنه ليس من بينة مرجحة تصور كيفية جلاء الهكسوس عن حة وعرة، فبينما يفهم من نصوص إين إبانا المعاصر لهذه الأحداث أن المصريين دخلوها عنوة ودمروها وأسروا معظم حاميتها وأجبروا غالبية أهلها على الخروج منها، ذكر يوسيفوس اليهودي بعد قرون طويلة من الجلاء أن الهكسوس أعلنوا التسليم لأحمس بشرط أن يدعهم يغادرون مصر آمنين، فرضي، وخرجوا منها بأمتعتهم، وكانوا لا يقلون في زعمه عن ٢٤٠ ألف شخص "هم وأولادهم ونساؤهم". وعندما جلا الهكسوس عن مصر جمعوا فلولهم في مدينة من معاقلهم القديمة في جنوب فلسطين تدعى شاروحين، قامت على أطلالها تل فرعة الحالية، وتحصنوا بها، فأدرك أحمس أنه لن يأمن على حدوده ما داموا قريبين منها، فلحقهم بجيوشه وفرض الحصار حولهم، واستمر يضيق عليهم نحو ثلاث سنوات حتى اضطروا إلى الجلاء عنها٢. وهذا لفظت مصر الهكسوس أغرابًا كما دخلوها، على الرغم من طول إقامتهم فيها. وعهد ما سوى مصر من الشعوب أن تنزلها الهجرات فتطغى على قوميتها أو تمتزج بأهلها ويمتزجوا بها وتفرض عليهم حضارتها إن كانت ذوات حضارة، أو تفرض عليهم لغتها إن أعوزتها الحضارة، وما حدث شيء من ذلك في مصر، وإنما باعدت مصر ما بينها وبين الهكسوس في لغتها وعاداتها ودينها بقدر ما استطاعت حين غلبت على أمرها، وعندما أخذت عنهم استخدام الخيول وعربات الحرب والدروع والأقواس المركبة. استعانت بما أخذته عنهم وأجلتهم به، وكان ذلك بين ١٥٨٠ و١٥٧٥ق. م. والطريف أن فترة الجهاد ضد الهكسوس لم يقتصر على الرجال وحدهم، وإنما ساهمت بعض النساء فيها بما يناسب استعدادهن. ولما كان التاريخ حفيًّا دائمًا بأسماء أصحاب السلطان أكثر ممن سواهم، فقد احتفظ من أسماء صاحبات الشهرة في ذلك العصر باسمي: تتي شري أم سقننرع، وإياح حوتب زوجته وأم ولديه. وقد نعتت أولاهما في نصوص حفيدها أحمس بلقب العالمة أو العارفة. وقيل عن الثانية إنها "ربة الأرض، وسيدة الحاونبو، رفيعة السمعة في كل قطر أجنبي. التي دبرت سياسة القوم .. ،

стр. 250

القديرة الجليلة التي أحكمت شئون مصر، وجمعت "صفوف" جيشها، ورعت أهلها، وأعادت الفارين، ولمت "شتات" المهاجرين، وهدأت "قلق" الصعيد، وأرهبت عصاته، الملكة إياح حوتب لها الحياة"١. ويبدو أن ما تحدث هذا النص به عن أثرها في السياسة الداخلية قد ترتب على اشتراكها في جمع كلمة الجيش والمدنيين على الاعتراف بالطاعة لأحد ولديها حين اعتلائه العرش، وهو في الأغلب أحمس بعد فتنة لعلها حدثت عند وفاة كامس. أما ما تحدث النص به عن شهرتها الخارجية وعن سيادتها للحاونيو، أي لجزر الحوض الشرقي من البحر المتوسط. فيمكن تفسيره بأن انتصارات مصر في عهد ولدها أحمس في جنوب الشام فتحت أمامها سبل الاتصالات القديمة مع المواني الفينيقية وما كان يتعامل معها من جزر البحر المتوسط، وقد أراد أهل هذه الجزر. والكريتيون بخاصة، أن يتقربوا إلى الملك المصري المنتصر فهادوه وهادوا أمه وخلعوا عليها لقب "سيدة الجزر" تشريفًا، وهو ما عبر النص المصري عنه بلقب "سيدة الحاونبو".

стр. 251

الفصل التاسع: الدورة التاريخية الثالثة في الدولة الحديثة تمهيد ... الفصل التاسع: الدورة التاريخية الثالثة في الدولة الحديثة ١٥٧٥ - ٩٥٠ق. م تمهيد: شبه المؤرخ أرنولد توينبي مشاعر الأمة الناهضة في بداية نهضتها بعد نكستها، بأحاسيس شخص استغرق في سبات طويل وخمول فاتر، ثم استيقظ ليجد نفسه في قاع واد عميق قلت فيه عوامل الفزع ولكن قلت فيه في الوقت ذاته فرص الحركة ولذة النجاح، فالتلال قد حمت الوادي من جانبيه ولكنها حرمت ساكنه في الوقت نفسه من أن يمارس حرية السعي على مدى كبير وحرمته من أن يتطلع منها إلى ما وراء واديه، فبدأ من ثم يشعر بضيق شديد لم يكن يشعر به من قبل أن يسترد يقظته، ودفعه ضيقه الشديد إلى إعلان السخط والتحدي، وصحت عزيمته على أن يخاطر بنفسه ويخاطر بالأمن الزائف الذي يعيش فيه، ليتسلق جوانب الوادي الذي يحتويه ويعتلي التلال المحيطة به عله يشرف منها على عالم آخر جديد، ومنذ ذلك الحين بدأ يبذل المجهود ويقدر احتمالات السقوط ويعمل في الوقت نفسه على تلافي الهبوط، كما بدأ يحس بأخطار الصعود ويستعذب في الوقت ذاته لذة الطلوع، وأصبح كلما نجح في تسلق جانب من جوانب الوادي ازدادت ثقته بنفسه وبدأ يستعيد رضاه عن حياته. ثم استمر نجاحه بمجهوده يشجعه على أن يطلب المزيد وعلى أن يرجو لنفسه آفاقًا رحبة جديدة. وكان ذلك هو شأن أهل طيبة بالفعل منذ بدءوا انتفاضتهم القوية في أواخر عصر الأسرة السابعة عشرة ليتخلصوا من حال التراخي ومظاهر الضعف وسوءاته، ومنذ استجابت مصر لهم ولبت دعوة الدم والتحرر وصحت عزائم أهلها على الجهاد ضد الهكسوس وعلى الإبلال من النكسة الطويلة التي أصيبوا بها تحت حكمهم، حتى أجلوهم عن أرضهم وأقصوهم عن حدودهم القريبة جهد الطاقة. وكان أحمس بن سقننرع، آخر الحكام الثلاثة المجاهدين للهكسوس، نهاية جيل قديم وبداية جيل جديد، وبمعنى آخر كان ختامًا للأسرة السابعة عشرة ورأسًا للأسرة الثامنة عشرة في الوقت نفسه، وكان صدر عهده خاتمة لعصر الانتقال الثاني.، كما كان آخر عهده مبشرًا ببداية عصور الدولة الحديثة. وقد بدأت الدولة الحديثة حوالي عام ١٥٧٥ق. م أو نحوه. بالأسرة الثامنة عشرة. وامتدت عصورها حتى عام ٩٥٠ أو ٩٤٥ق. م تقريبًا، حيث انتهت بنهاية عصر الأسرة الحادية والعشرين. أي أنها عمرت ستة قرون وربع قرن، حافظت مصر فيها على استقلالها الكامل دون شائبة تشوبه، واستطاعت خلال أربعة قرون منها أن تصبح كبرى دول الشرق القديم بفضل حضارتها المتطورة وبفضل قوتها الضاربة في آن واحد.

стр. 252

أولا: الانطلاق في عصر الأسرة الثامنة عشرة في السياسة الداخلية ... أولًا: الانطلاق في عصر الأسرة الثامنة عشرة ١٥٧٥ - ١٣٠٨ق. م في السياسة الداخلية: استعادت الملكية في عصر الأسرة الثامنة عشرة هيبتها التقليدية، بشخصيات فراعنتها وجهودهم في سبيل توطيد استقلال دولتهم وتنمية ثرائها وتوسيع حدودها وإعلاء شهرتها. وإن كانت أغلب هذه الجهود من حيث الواقع العملي من كسب أعوان الملوك والشعب أكثر مما هي من كسب الملوك أنفسهم على الرغم من كفاية أغلبهم وتأثيرهم في سياسة عهودهم. واستمسكت هذه الملكية بما استمسكت به الملكيات القديمة المستقرة من حيث الإصرار شكلًا على الأقل على المركزية الواسعة وادعاء حق الحكم الإلهي والقول بالوراثة المقدسة والبنوة للآلهة الكبار. وعمرت أسرة أحمس على العرش أكثر من قرنين ونصف قرن، وهي فترة كبيرة في عمر الأسر الحاكمة. وتعاقب من صبها اثنا عشر فرعونًا، كانوا على التوالي١: أحمس الأول "نب بحتي رع": ١٥٧٥ - ١٥٥٠ق. م. أمنحوتب الأول "جسر كا رع": ١٥٥٠ - ١٥٢٨ تحوتمس الأول "عا خبر كا رع": ١٥٢٨ - ١٥١٠؟ تحوتمس الثاني "عا خبرن رع": ١٥١٠؟ -١٤٩٠؟ حاتشبسوت "ماعت كا رع": ١٤٩٠؟ -١٤٦٨ تحوتمس الثالث "من خبر رع": ١٤٦٨ - ١٤٦٣، فضلًا عن تسع سنوات في حكم مشترك منذ ١٤٩٠ أمنحوتب الثاني "عا خبرو رع": ١٤٣٦ - ١٤١٣ تحوتمس الرابع "من خبرو رع": ١٤١٣ - ١٤٠٥ أمنحوتب الثالث "نب ماعت رع": ١٤٠٥ - ١٣٦٧ أمنحوتب الرابع "آخناتون" "نفر خبرو رع": ١٣٦٧ - ١٣٥٠ سمنخ كا رع "عنخ خبرو رع": ١٣٥٠ - ١٣٤٧ توت عنخ آمون "نب خبرو رع": ١٣٤٧ - ١٣٣٩ ثم خلف هؤلاء ملكان من خارج الأسرة يمثلان -وثانيهما على وجه أخص- مرحلة انتقالية بينها وبين الأسرة التالية لها، وهما: آي "خبر خبرو رع": ١٣٣٩ - ١٣٣٥ حورمحب "جسر خبرو رع": ١٣٣٥ - ١٣٠٨؟ ق. م.

стр. 253

وكالمألوف من مصادر التاريخ القديم، اهتمت نصوص العصر ومناظره بإظهار الجوانب الطيبة وحدها من شخصيات الفراعنة، ولم تشذ عن ذلك في غير القليل النادر، ولسنا ننفي احتمال الافتعال فيما أتت به هي وأمثالها عن ملوكها، ولكننا لن نستطيع أن نحرمها في الوقت نفسه من إثارات صدق كثيرة أو قليلة زكتها أعمال أصحابها. وهكذا، وبغير أن نتقيد تمامًا بحرفية رواياتها، صورت هذه المصادر بعض فراعنتها قريبين كل القرب من قلوب رعاياهم، حتى لقد أنزلوهم منازل القديسين بعد وفاتهم، ومنهم أحمس رأس الأسرة، وولده أمنحوتب الأول الذي رأى أهل طيبة في مناقبه ومناقب أمه أحمس نفرتاري ما دعاهم إلى التبرك بتصويرهما داخل مقابرهم وتقديم الابتهالات لهما لبضعة قرون بعد وفاتهما. وتحوتمس الثالث الذي لم تحل طبيعته العسكرية دون أن يصفه وزيره رخميرع بأنه "كان أبًا وأمًّا للناس أجمعين"١. وأن يشهد رفيق صباه "من خبر رع سنب" برقة إحساسه وذوقه حين أشار إلى أنه كان يقضي بعض ساعاته في ابتكار تصميمات ورسوم لأوانٍ فاخرة وهيئات تماثيل صغيرة كان يهديها إلى معبد آمون ويكلف فنانيه بتنفيذها، ولم تصرفه حروبه الطويلة عن أن يوصي بجمع الزهور والنباتات النادرة والطيور المختلفة من أرجاء دولته الواسعة وتربيتها في مصر٢، وقد أهدى بعضها إلى حديقة الكرنك وأوحى بنقش صورها المتنوعة في قاعة ملحقة به٣. ثم آخناتون صاحب دعوة التوحيد الذي اعتبره أنصاره نبيًّا، أو أكثر من نبي، والذي سلك سبيله إلى قلوب أتباعه بالمنطق والقدوة الطيبة، وسارع بنفسه وزوجته وبناته إلى معابد العاصمة يؤم العبادة ويرتل الدعوات، وابتعد بنفسه وبآل بيته عن مظاهر التزمت الملكي التقليدية وخرج بهم على أهل العاصمة يرونه ويرونهم على ما هم عليه. وفتح مغاليق حياته الخاصة للمثالين والرسامين. فصوروه في بشريته الخالصة، وفي فرحه وحزنه، وعبثه وجده، وما ابتلي به من أعراض المرض وعيوب البدن. وإن اعتبره خصومه على الرغم من ذلك كان ... ثم أنصفه التاريخ واعتبره فيلسوفًا. وعادة ما ازداد تمسح أولئك الفراعنة بالدين وكرامات آمون رع كلما أحس أحدهم بشبهة يمكن أن تمس شرعية ولايته للعرش، وحينئذ يسارع إلى تأكيد تدخل آمون رع رب الدولة بنفسه في اختياره، أو يسارع بتأكيد بنوته المباشرة له نتيجة لتقمصه روح أبيه حين أنجبه. وعبرت عن هذه الادعاءات أربع روايات للفراعنة: حاتشبسوت وتحوتمس الثالث وتحوتمس الرابع وأمنحوتب الثالث. وكانت حاتشبسوت ابنة للفرعون تحوتمس الأول من زوجة رئيسية، وكان المفروض أن تخلفه على العرش، لولا أن سوابق حكم الملكات في مصر القديمة لم تشجعه ولم تشجعها على إعلان تتويجها دفعة واحدة فزوجها من أخ لها غير شقيق ولد له من زوجة أقل مرتبة من أمها وولي العرش بعده باسم تحوتمس الثاني. ونجحت هي في أن تؤكد شخصيتها في عهد هذا الزوج وعلى حسابه وأن تمهد لخلافتها إياه. ثم حالفها الحظ واختطفه الموت بعد أن أنجب منها بنتين وأنجب ولدًا من زوجة أخرى، ولكنها آثرت الحذر مرة أخرى، فلم تعلن نفسها

стр. 254

ملكة على التو، وإنما قدمت ابن زوجها الذي ولي العرش باسم تحوتمس "الثالث" وزوجته بنتها حاتشبسوت وجعلت نفسها شبه وصية عليه نحو ثمانٍ أو تسع سنوات استغلتها في تجميع الأنصار حولها. وعندما اطمأنت إلى قوة مركزها وكثرة مريديها نحت الغلام جانبًا وأرغمته على الاعتكاف، وبررت فعلتها فأوحت على أتباعها بقصة نشروها بين الناس ثم سجلوها تصويرًا في لوحات فنية كبيرة على جدران معبدها في الدير البحري بطيبة الغربية١، وأكدوا فيها أن الإله آمون رع أنجبها بنفسه أو من روحه، وأن أباها البشري تحوتمس الأول ارتضى هذه البنوة وأعلنها شريكة له في الحكم خلال حياته وأوصى لها بالملك بعد وفاته. وبدأت القصة بتصوير مشاعر آمون إزاء أمها أحمس، فأظهرته يدبر أمره لإيجاد وريث شرعي من سلالته يحكم مصر ويعوضها عما سلف من أمرها، ثم صورته ينصرف بتفكيره ورغبته إلى الملكة أحمس بعد أن تشاور في شأنها مع صفيه ورسوله الإله تحوتي وسمع منه الثناء المستفيض عليها، وحينئذ أعلن لبقية الأرباب أنه سيهبها مولودًا من صلبه يعتلي العرش، وأنه قضى بجعل مولوده المرتقب أنثى. وتحققت المعجزة وحملت الملكة، وأوحى آمون فيما ادعت القصة إلى المعبود خنوم المتكلف بخلف البشر بأن يصور بدن الجنين من صلصال ففعل، واختار آمون اسم المولودة من سياق حديث شائق دار بينه وبين أمها، فسماها "حاتشبسوت خنمة آمون" بمعنى ذروة النبيلات صفية آمون وقدم مولودته إلى الأرباب باعتبارها وريثته على الأرض. ثم تلقى أبوها البشري تحوتمس إرادة آمون عن رضا وأعلنها على الناس. ولما أصبحت الابنة شابة جميلة نضرة تضارع الربة "إحو" في زمانها، طاف بها على المعابد الكبرى وأعلنها خليفته على العرش٢. وجرى تحوتمس الثالث على سبيل مشابه ليفسد على خصيمته دعواها، فروت نصوصه قصة يبدو أن أباه كان قد دبرها مع الكهنة؛ ليقيه ضرر طموح حاتشبسوت. وذكرت أنه حدث خلال عيد ديني كبير في الكرنك أن انتحى تحوتمس الصغير جانبًا من البهو الشمالي للمعبد ليشهد منه موكب ربه آمون، وكان حين ذلك قد انتظم في التربية الدينية بالمعبد ولكنه لم يكن قد بلغ بعد منصب "خادم الرب". وعندما مر الموكب والفرعون في مقدمته تعمد "تمثال" الإله أن يتجه بموكبه على البهو الشمالي ويطوف به، وقد تبعه الكهنة ورجال الدولة دون أن يعلموا حقيقة هدفه، حتى بلغ موضع تحوتمس الصغير وتوقف عنده، فخر الأمير ساجدًا، واعتبرها الكهنة حينذاك آية، وفسروها برغبة الإله في اختيار الطفل لعرش آبائه. وبوحي الإله أنهضوا الأمير وقدموه في الموضع المخصص للحاكم، وبعدها انكشفت له آفاق ربه وطار إلى سمائه وتلقى منه ألقابه، أو هكذا روت القصة٣. وكان لحفيده تحوتمس الرابع عدة إخوة من أمهات مختلفات، وفي سبيل تأييد حقه في العرش أشاع قصة عرفت اصطلاحًا باسم قصة الرؤيا، ومؤداها أنه حدث في إحدى رحلات صيده للغزلان بصحراء الجيزة

стр. 255

أن آوي إلى الظل بجوار تمثال أبو الهول، وأخذته سنة من النوم رأى الإله فيها يتحدث إليه بلسان مبين ويقول له فيما روى: "ولدي تحوتمس، تأملني فأنا أبوك، إني واهبك ملكي على الأرض لتصبح سيدًا على الأحياء ... ، وستكون لك الأرض بطولها والعرض، وكل ما تضيئه عين رب الكل ... ، وهأنذا موليك وجهي فكن حفيظًا على شئوني ... " إلخ١. وكان في ذلك إيحاء إلى الناس بتفضيل الإله إيله ليتولى عرشه. وأحاطت بتولية ولده أمنحوتب الثالث ظروف لا ندري حقيقة تفاصيلها، جعلته يدعي الميلاد الإلهي هو الآخر. ومن هذه الظروف احتمال بنوته لأم ميتانية الأصل تزوجها أبوه تحوتمس الرابع ليؤكد صلاته بدولة الميتان. وعندما خشي أمنحوتب أن تعيبه أجنبية أمه ادعى هو وأنصاره أن آمون أنجبه منها بنفسه أو من روحه بعد أن اصطفاها وارتضاها لذاته. وصوروا هذا الادعاء في لوحات فنية كبيرة بمعبد الأقصر، وبمراحل تشبه مراحل ميلاد حاتشبسوت. ولسنا ندري مدى تصديق المصريين لهذه الادعاءات من هذا الفرعون أو ذاك، ولكن حسبها ما تدل عليه من اعتقاد الفراعنة بأن الأمر الواقع في ارتقاء العرش والهيمنة على السلطة لا يكفي، وأنه لا بد من تأييده بسند من الدين يُرضي الكهان والخاصة والعوام. وفت الأسرة الثامنة عشرة لمدينة طيبة واحتفظت بها عاصمة أولى للدولة، باعتبارها مسقط رأس ملوكها، والأتون الذي انبعثت منه شرارة التحرير، وباعتبارها مقر آمون رع الذي استعان أجداد الأسرة به لصبغ جهادهم ضد الهكسوس بصبغة مقدسة، وظل خلفاؤهم يحاربون تحت رايته ويردون انتصاراتهم إلى تأييده ونصره. وكان في كل هذا ما عوض طيبة في أقصى الصعيد عن ميزة الموقع المتوسط بعد أن اتسعت حدود الدولة اتساعًا كبيرًا ناحية الشمال. وقد تجلى الاهتمام بها وبإلهها في كثرة ما أقيم فيها على مر الزمن من عمائر ومعابد دنيوية وأخروية، في شرقها وفي غربها، وهذه سوف نعرض نماذج مختارة منها في حديثنا عن العمارة والفن في العصر نفسه، ولكن يعنينا هنا أن الإسراف في الاهتمام بآمون ومعابده، والإسراف في رصد الأوقاف الضخمة عليها وعلى عبادته، وقد كانت تبلغ أحيانًا خراج مدن كاملة، والإفساح لكبار كهنته في بلوغ كبرى مناصب الدولة، كل هذا أصبح فيما بعد من عوامل حض آخناتون على ضرورة التغيير في سياق دعوته الدينية إلى توحيد العبادة لإله واحد، حتى يتخلص ضمنًا من كثرة المعابد التي أصبحت تمتص خيرات الدولة بغير طائل، ويتخلص كذلك من تدخل كبار الكهنة الذين أصبحوا قبيل عهده يبدون كأنهم أصحاب دولة داخل الدولة. أما عن تفاصيل دعوة التوحيد نفسها فهذه سيتناولها فصل العقائد الدينية.

стр. 256

وظلت الشخصية الثانية بعد الفرعون، هي شخصية الوزير وربما ازدوجت الوزارة حينذاك، فاستقر الوزير الأكبر في طيبة، وظهر أحيانًا وزير آخر في منف التي كانت مركزًا لبعض وحدات الجيش والملاحة ومقرًا لأولياء العهود١. وشغل الوزارة في هذا العصر مدنيون وآخرون جمعوا بين الوزارة وبين رئاسة كهنوت آمون. وسجل "رخميرع" وزير تحوتمس الثالث في نقوش مقبرته بغرب طيبة مرسوم تكليفه بأعباء الوزارة وتعاليم الفرعون له بما ينبغي أن ... به خلال قيامه بها. وقد لا تكون هذه التعاليم من بنات أكفار تحوتمس كلها، حيث سجلت بصور مختلفة عند وزراء لفراعنة آخرين، ولكنها في مجملها كانت أليق به بما عرف عنه من تجربة وحصافة، ويمكن أن تعتبر في مجملها دستورًا لعلاقة الحكام برعاياهم خلال الدولة الحديثة. وبدأت بقول الملك: "يأبى الرب التحيز، وهذه تعاليم نرجو أن تتبع سبيلها"، ثم استرسل في نصائحه وقال فيما قال: "تطلع إلى منصب الوزير هذا وكن يقظًا لكل ما يحدث فيه، فهو عماد الأرض كلها، ولاحظ أنه ليس بالمنصب الهين، ولكنه مر المذاق ... ، وهو لا يعني "مجرد" تقدير الذات واحترام الرؤساء ورجال البلاط، وليس الغرض منه أن يستعبد الوزير أفرادًا من الشعب ... ، فإذا قصدك شاكٍ من الصعيد أو الدلتا أو من أي بقعة في الأرض، فعليك أن تتأكد من أن كل شيء يجري وفقًا للقانون والعرف. وامنح كل ذي حق حقه ... ، ولاحظ أن من يلي منصبًا كبيرًا يردد الهواء والماء كل ما يفعله ولا يمكن أن تستمر تصرفاته خافية ... ، تصرف وفقًا للعدل، فالمحاباة يمقتها الرب. وإليك نصيحة تتخلق بها: عامل من تعرفه كما تعامل من لا تعرفه، وانظر إلى المقرب إليك نظرك إلى البعيد عنك ... ، لا تشح بوجهك عن صاحب شكوى، ولا تؤمن سريعًا على حديث من يحادثك ... ، لا تغضب على فرد بغير حق، واقصر غضبك على من ينبغي الغضب منه. كن مهيبًا يهابك الناس، والنبيل هو من يجله الناس وتتأتى مهابته إذا أحق الحق ... ، ولكنه إذا أخاف الناس وأسرف في ترويعهم، وكانت به نقيصة، نزلوا به عن مصاف الرجال. ولسوف تنجح في تحقيق الهدف من منصبك إذا نصرت الحق، فالناس يتوقعون العدل في كل تصرفات الوزير، وتلك سنة القضاء منذ حكم الرب على الأرض ... ، كن عنيفًا مع المتكبر، فالفرعون يفضل من يستحي على من يتكبر ... "٢. وهذه كلها نصائح يمكن أن يصلح الحكم بها في كل عصر. وزادت مركزة الأمور في يدي الوزير الأعلى "في طيبة" عما كانت عليه قبل الدولة الحديثة، وأصبح إشرافه على ولاة الأقاليم أعم وأكبر، وكان له رسل ومندوبون يعملون كحلقة وصل بينه وبين المصالح الإقليمية ويقدمون تقاريرهم لرؤسائهم ثلاث مرات في العام، الأمر الذي قلل من شأن الأسر الإقطاعية الكبيرة في حكم الأقاليم. واتسعت تبعات الوزير في مقابل ذلك باتساع آفاق الموارد والاستثمارات والمسئوليات في شئون الضرائب والزراعة والري والمنشآت وتنظيمات الجيش والبحرية والأمور الخارجية، في فترات الانطلاق والازدهار من هذا العصر.

стр. 257

إصلاحات حور محب "جسر خبرو رع": لم يكن من المتوقع أن تسير أمور الإدارة سيرًا مثاليًّا أو هادئًا دائمًا، لا سيما في فترات القلق ومنها تلك التي أعقبت عهد آخناتون في أواخر هذا العصر، والتي لم تتخلص مصر منها إلا بعد أن شهدت نشاطها داخليًّا جديدًا ببداية حكم حور محب "١٣٣٥ - ١٣٠٨؟ " وكان رجلًا من خاصة الشعب اعتلى العرش بعد أن عز وجود وريث شرعي قوي الشكيمة من صلب الأسرة الثامنة عشرة المالكة. وساعده على بلوغ هدفه خبرته بأمور الحرب وأحوال الإدارة منذ عهد آخناتون، وتمتعه بحزم تطلعت البلاد غليه بعد فترة طال فيها النزع بين القصر الفرعوني وبين كهنوت آمون منذ عهد آخناتون أيضًا، وعجز فيها كل من الفريقين المتنازعين عن أن يحقق لنفسه سيطرة كاملة على الفريق الآخر ويعيد إلى البلاد استقرارها القديم، الأمر الذي أدى إلى سوء الإدارة وإلى تعطل النشاط العسكري في الخارج واجتراء بعض العسكريين العاطلين على حقوق الدولة وأموال المواطنين. وفي بداية حكمه أصدر حور محب مجموعة من المراسيم عرفت اصطلاحًا باسم "قوانين حورمحب". أكد في مقدمتها أسفه على ضياع السلطة في الأرض، وأنه ابتغى بقوانينه أن يمحو بها أعمال النهب والعنف، وأنه أملاها بنفسه على أهل بلاطه، وأنه اختار قضاته الإداريين الجدد لتطبيقها ممن يحسنون القول ويمتازون بالخلق الطيب ويدركون خفايا الأمور .. ويتبين من قوانينه هذه أن الضريبة التي اعتادت الدولة أن تفرضها على جلود الماشية وتجبيها من الزراع والرعاة كل عامين، أصبحت نهبًا مشاعًا لعدد كبير من الموظفين والعسكريين كانوا يغالطون دافعي الضرائب ويجبونها سنويًّا لصالحهم. وأن بعض الجنود كانوا يعتدون على سفن الغلال المتجهة على أمراء الدولة وينهبونها. وأن أصحاب المراكب غالبًا ما كانوا يحرمون من أجورهم على ما يؤدونه من خدمات الدولة، وكانوا يعوضون ذلك بالاشتطاط في طلب أجور باهظة عن النقل المدني. واستهدف حور محب في قوانينه أن يحمي دافعي الضرائب وعمال المزارع، ففرض على المعتدين والمرتشين عقوبات رادعة تمثلت في الجلد بالسياط وجدع الأنف والنفي إلى ثارو على الحدود الشمالية الشرقية. وعمل على تنفيذ مراسيمه من تاريخ صدورها دون أثر رجعي، والمسارعة بمعاقبة المخالفين ليكونوا عبرة لمن سواهم. والحرص على استرداد المسروقات، وإعفاء صاحب الماشية من الضرائب المستحقة عليه إذا سرقت ماشيته أو نفقت بشرط أن يثبت ضياعها أو هلاكها. وكان حازمًا مع رجال جيشه على الرغم من أنه كان منهم، فساوى بينهم وبين غيرهم في الردع والعقاب١. لم يحل سلطان فراعنة الأسرة الثامنة عشرة دون ذيوع شهرة كبار رجال دولتهم. ولم يتردد هؤلاء الكبار في أن يصفوا أنفسهم علنًا بما كانوا يعتقدون أنهم أهل له من الكفاية والشهرة. ومن هؤلاء القائدان أحمس بن إيانا، وأحمس بانخبة، اللذان سوف نستشهد بنصوصهما في سياق حديثنا عن السياسة الخارجية، وسنموت

стр. 258

صفى حاتشبسوت ومربى ابنتها وكبير مهندسيها، وقد كان من قوله يفخر بمهارته الفنية أو العلمية "ابتدعت أمورًا من تلقاء نفسي فيما نفذته في علمي، لم توجد من قبل في كتابات الأقدمين"١. ثم رخميرع الذي عقب على أخذه بتعاليم مولاه بقوله "هأنذا أتحدث بنفسي وأعلنها حتى يسمعها أولو الألباب. لقد سموت بالعدالة حتى عنان السماء، وجعلت بهاءها يعم الأرض باتساعها، فاستقرت في خياشيم الناس كنسمة الشمال التي تطرد عكوسات البدن ... ، وأبيت المنكر ولم أفعله، وجعلت النمام يُلقى على أم رأسه ... ، ولم أضح بحق من أجل مكافأة، ولم أصم أذني عن صفر اليدين، ولم أقبل رشوة إنسان ... ، وعلمت الجاهل ما ينبغي عليه أن يفعله ... "٢. ثم وصف نفسه بأنه "نبيل يتلو الملك "مباشرة"، ورابع حكم بين الرفيقين المقدسين "حوروست" ... ، بارع في عرف الأحياء، صاحب المقام الأول في رأي الجماهير. وقال في أسلوب طريف وهو يصف حصافته في توجيه سفينة الدولة "كنت ربانًا لا أغفل ليلًا أو نهارًا، وسواء وقفت أم جلست وجهت بصيرتي على مقدمة سفينتي ومؤخرتها. ولم تتراخ يدي عن العصا التي أسبر بها أعماق الماء، وظللت يقظًا حتى لا تجنح "السفينة" مني في فرصة ما .. ". ووصف حاجب الفرعون تحوتمس الثالث، يدعي إنتف، نفسه بأنه الحكيم المحتبى بالمعرفة، المؤتمن حقًّا ... ، وأنه مكتمل العقل للغاية، ذكر الفؤاد، يدرك النوايا قبل أن تفصح عنها الشفاه، يتكلم عن بصيرة وبوحي رأيه الخاص، ليس من أحد لا يعرفه ... ، خادم للفقير، أب لليتيم ... ، ثم قال: سيطر على ضميري ودفعني إلى أن أن أفعل ما فعلت، وهو وازع جليل، لم أتعد وحيه، وخشيت أن أخالف صوته، فنعمت به كثيرًا وأصبحت كاملًا بما دفعني إلى عمله، وذا مقام بفضل توجيهه ... ، فهو الذي قال الناس عنه إنه معجزة الأرباب، ذلك الكائن في كل جسد، هو الوازع، وهو الهادي إلى خير طريق لبلوغ الكمال ... "٣. واشتهر من رجال أمنحوتب الثالث أصحاب الفضل في مشاريعه المعمارية والحربية والمدنية سميه أمنحوتب بن حابو، وقد عبر عن خبرته في الدنيا والدين بقوله "تعمقت في الأقوال القدسي، واطلعت على أعمال تحوتي "رب الحكمة" الباهرة، وتزودت بكل أسرارها وكشفت عن كل فصولها واعتاد الناس على أن يستشيروني في كل أمورها ... "٤. واطمأن الفرعون إلى رجله هذا فعهد إليه بتربية ابنته، وسمح له بأن يقيم تماثيله الخاصة في رحاب الكرنك معبد آمون وفي معبد موت٥. وذاعت شهرة ابن حابو بالتقى وشجعه ذلك على أن يعد الناس في نقوش تماثيله، إن هم ترحموا عليه، بأن يتشفع لهم من ناحيته عند ربه آمون. وعندما بلغ الثمانين من عمره كان لا يزال يأمل في المزيد، فقال في نقوشه "بلغت الثمانين وأرجو أن أعيش حتى مائة

стр. 259

وعشرة" "وكانت هي السن المثالية لشيوخ المصريين". وترتب على سمعته الطيبة أن قدسه مواطنوه بعد وفاته واعتبروه من الأولياء، ثم ألهوه في عصورهم المتأخرة وشاركهم الإغريق في تأليهه، وقدسوا أمه وصوروها على هيئة الربة سشات راعية الكتابة والحساب. ونسبوا إليه المعرفة بالطب، وأعادوا بناء مقصورة شعائره في غرب طيبة وأحالوها إلى معبد كبير، وقرنوه بإيمحوتب مهندس عصر الأسرة الثالثة وحكيم زمانه وخصصوا لهما مقصورتين في المسطح العلوي من معبد حاتشبسوت بالدير البحري، وشادوا بكراماته في قضاة حوائجهم وشفاء مرضاهم إذا باتوا في معبده، ثم جمعوا بينه وبين ملكه في أسطورة سموها "تنبوءات الفخراني"١. ومرة أخرى لا نود أن نتخيل حياة أولئك الكبار مثالية كما صوروها، ولا أن نتخيلها نموذجًا لحياة كثيرين من أفراد شعبهم، فشتان ما بين مقدرات الكبار والصغار، وبين القول وبين التطبيق في كل مجتمع وزمان، ولكننا نود أن نجمع بين تراجمهم وبين تراجم من استشهدنا بهم في مناسبات سابقة من رجالات العصور المتعاقبة، في القول بأن شخصية الفرد "الكبير" إزاء فرعونه في مصر القديمة كانت أظهر بكثير من شخصيات كبار الأفراد في الأمم الشرقية المعاصرة، مثل بلاد النهرين، إزاء ملوكهم، سواء من حيث الثراء أم من حيث الاعتداد بالنفس، وذلك على عكس الظن الشائع باختفاء شخصية الفرد المصري إلى جانب قديسة ملكه وسلطانه.

стр. 260

في السياسة الخارجية: خرج أولو الرأي المصريون من محنة الهكسوس وقد غلب على تفكيرهم أنه لا أمان لاستقلالهم من غدر أعدائهم إلا إذا واصلوا الاهتمام بجيشهم وزادوا قوته الحربية، وأنه لا أمان لاقتصادهم من اعتداءات بقايا الهكسوس وأمثالهم إلا إذا أبعدوهم عن مسالك تجارتهم الخارجية جهد ما يستطيعون وأحاطوهم بأنصارهم جهد ما يستطيعون، وأنه لا أمان لمستقبل بلدهم ممن غزو هجرات شعوبية جديدة غريبة إلا إذا سيطروا بأنفسهم على مداخل الهجرات في شمال الشام وأطراف العراق. وتكفل بالمرحلتين الأوليين من هذه السياسة الملكان أحمس الأول وأمنحوتب الأول على التعاقب. بينما أخذ خليفتهما تحوتمس الأول على عاتقه أن يبدأ بتنفيذ المرحلة الثالثة منها. وكان أحمس الأول "نب بحتي رع" قد استن من جانبه أدوات تنفيذ المرحلتين الأوليين، فترأس جيوشه بنفسه وخرج بها عن حدود بلده، وأبان عن إدراكه لخطورة إقامة الهكسوس على مقربة من هذه الحدود، فحاصرهم في شاروحين حتى أجلاهم عنها وشتتهم منها كما أسلفنا. ثم استعاد هو ورجاله صلات بلدهم بتجارة الشمال والجنوب، أي تجارة أهل الشام ومن كانوا يتعاملون مع موانيهم من تجار الكريتيين ثم تجارة الكاشيين في بلاد النوبة ومن ورائهم من أهل الجنوب.

стр. 261

وخلف أحمس الأول على عرش مصر ولده أمنحوتب الأول "جسر كارع"، فانتفع بجهوده واستقرت أحوال مصر في عهده، وغلب السلام عليها. وطال عهده معها أكثر من واحد وعشرين عام "١٥٥٠ - ١٥٢٨ق. م" يذكر له فيها أنه جرى على سنة أبيه فخرج على رأس جيشه إلى ما وراء الحدود المصرية في الشمال والجنوب والغرب ليثبت أن سلام مصر في عهده هو سلام الأقوياء. وقد صحبه في بعض حملاته قائدان كان لهما فضل كبير فيما روياه عن حروبه، أولهما أحمس بن إبانا الذي خدم أباه أحمس، وقد ذكر في نصوصه أنه تولى قيادة الأسطول النهري وعاد به من النوبة في يومين١ "حتى أسوان؟ "، وثانيهما رجل يدعى أحمس كذلك واشتهر باسم أحمس بانخبة٢، وسوف يكون له دوره هو الآخر في سياق الحوادث بعد عهد أمنحوتب. وعمل أمنحوتب على أن يجعل لبلاد النوبة السفلى شخصية واضحة في صلب الدولة، فسلكها في وحدة إدارية واحدة تمتد من الشلال الثاني وتدخل في صلب الحدود المصرية متضمنة محافظة أسوان، ليثبت عمليًّا أنها جزء من مصر يجري عليها ما يجري على أقاليم مصر نفسها، وأصبح حاكمها يلقب بلقب والي الأقاليم الجنوبية٣ "وإن استمرت الألقاب تترى على صاحب هذا المنصب فيما بعد حتى أصبح أشبه بنائب ملك في النوبة وغدا يلقب بلقب الأمير". وليس من تفاصيل معروفة حتى الآن عن مشروعات عهد أمنحوتب الأول في بلاد الشام، ولكن لوحظ أن رجلًا من رجاله ذكر اسم دولة الميتان مثن في نصوصه لأول مرة٤. وذلك مما يعني أن جهود رجاله قد ترتبت عليها زيادة معرفتهم بأحوال الشرق القديم وأحوال دوله. وكانت دولة الميتان آرية الأصل نزلت جماعاتها في شمال شرق سوريا وأطراف العراق، قبيل أوائل القرن السادس عشرة ق. م، واعتمدت على نظام الإمارات الفيدرالية لفترة طويلة. وتركزت أهم مدنها على نهير الخابور ونهر الفرات٥. لم يكن السلام المسلح الذي غلب على أحوال مصر في عهد أمنحوتب الأول غير فترة استجمام استجمعت البلاد قواها فيها وتحفزت بعدها لخطوات جريئة جديدة. وبدأت هذه الخطوات بتولي تحوتمس الأول "عاخبر كارع" الذي اعتلى العرش في سن الرجولة الناضجة "ربما بعد الأربعين"، أي بعد أن حدد أهدافه ورسم آماله. وقد آثر لنفسه خطة النضال وسياسة الهجوم، فكان من قوله عن نفسه إن ساعة الحرب أشهى عنده من يوم هنيء٦، وإنه يتشوق للقتال وينشرح كلما بلغه نبأ تحرك الأعداء٧. واستغل تحوتمس هذه

стр. 262

القوة الدافعة في نفسه واستغل الروح الحربية التي سادت شعبه منذ عهدي سلفيه، فمد حدود مصر الجنوبية إلى المدى الذي كان يعتقد أنه مداها الطبيعي، ووصل بها قرب الشلال الرابع، ثم عاد وسجل أخبار انتصاراته على الصخور المواجهة لجزيرة تومبس١. وزاد في سنة سلفه فجمع المناطق الجنوبية في وحدة إدارية كبيرة امتدت من نواحي نباتا حتى مدينة الكاب قرب إدفو، ورفع قيمة واليها بما يتفق مع اتساعها الجديد فخلع عليه لقب الإمارة "حرفيا: ابن الملك"٢. واستمرت بلاد النوبة تتمصر منذ ذلك الحين بخطى سرية وتهذبت مصنوعاتها المحلية التي شاعت فيها منذ أيام الدولة الوسطى٣. ووجه تحوتمس ناحية الشام عاملان: عامل القوة الدافعة التي صبغت سلوكه وروح عصره، وعامل تحرك الجماعات الميتانية التي ذكرتها نصوص عهد سلفه، في شمال شرق الشام وقرب نهري الخابور والفرات. وكان في كل من العاملين ما شجعه على تنفيذ المرحلة الثالثة من سياسة أسرته، ألا وهي السيطرة على أبواب التجارة ومداخل الهجرات في شمال الشام وأطراف العراق. ولم تكن أحوال بلاد الشام حين ذاك مما يشجعها على صد هجرات جديدة أو كسر شرة الهجرات الموجودة على أطرافها، دون دفع خارجي أو عون خارجي، وحين تطلع تحوتمس الأول إلى جمعها تحت رايته اعتمد على جرأته واستعان بالتحركات القوية الخاطفة، فمرق بجيشه من مصر عبر الشام في سرعة غريبة ودون معارضة كبيرة حتى بلغ أرض نهرينا في منطقة الميتان٤ ثم عبر نهر الفرات وأرسى على ضفته الشرقية نصبًا حدد به حدود دولته الناهضة٥ التي امتدت على حد تعبير نصوص عهده من قرن الأرض في الجنوب إلى أطراف المياه المعكوسة في الشمال، أي من جبل برقل والشلال الرابع حتى أطراف مياه الفرات التي استغرب المصريون جريانها من الشمال إلى الجنوب على عكس جريان مياه نيلهم، فاعتبروا جريانها جريانًا معكوسًا ووصفوها بأنها المياه التي تجعل المبحر يقبل "أو تجعل الطالع نازلًا"٦. وعند عودته من ضفاف الفرات، وجد تحوتمس من وقت فراغه ومن شعوره بالطمأنينة ما شجعه على أن يمتع نفسه هو وخاصة رجاله بصيد الفيلة في منطقة أحراج "ني"٧. وظل الرجل فخورًا بما أداه لمصر، وكان من قوله بين كهنة أوزير في أبيدوس: "أطلقت حدود تامري "أي مصر" إلى ما تحيط الشمس به، وعوضت أهلها بعد خوفهم قوة "وأمنًا"، وأقصيت الشر عنها، وجعلتها فوق رأس الدنيا كلها، وجعلت الجميع أتباعًا لها"٨.

стр. 263

ولحسن الحظ احتفظت النصوص المصرية بأقوال بعض من شاركوه في السمعة الحربية من شجعان جيشه، وكان منهم أحمس بن إبانا الذي تمرس على الحرب منذ أيام الكفاح ضد الهكسوس، وقد كتب في نقوش مقبرته يقول "حين بلغ الفرعون نهرينا ... كنت في مقدمة جيشنا، وشهد جلالته مدى جرأتي، وقدت إليه "ذات مرة" عربة حربية بخيلها وبمن فيها أسرى وقدمتهم إليه، فكافأني بالذهب ضعفًا ... "١. وكان في قوله "كنت في مقدمة جيشنا" ما يشهد باعتزازه بهذا الجيش وبأن المواطنين أصبحوا يعتبرون الجيش جيشهم وليس جيش الفرعون وحده. ثم أحمس بانخبة الذي زامله في خدمة أمنحوتب الأول وذكر هو الآخر أنه اشترك في حروب نهرينا وأنه قتل واحدًا وعشرين شخصًا وأسر وغنم مركبة حربية ... ٢. كان منطقيًّا أن تعقب فترة النضال المستمر في المرحلة الأولى من عصر الأسرة الثامنة عشرة، فترة هدوء واستجمام، وقد حدثت هذه الفترة بالفعل في عهدي ولدي تحوتمس الأول. وهما تحوتمس الثاني ثم حاتشبسوت. وقد سارت العلاقات الخارجية في عهد تحوتمس الثاني "عاخبرن رع" سيرًا عاديًّا هينًا، وتكفلت جيوشه بمجهودات يسيرة لتوطيد الأمن في الأملاك الجنوبية٣ والشمالية٤. واتجهت سياسة الدولة في عهد حاتشبسوت "ماعت كارع" وجهة إفريقية أكثر منها آسيوية، فعملت جيوشها على توطيد الأمن في منطقة كاش٥. وعلى استغلال مناجمها وزيادة التبادل التجاري معها هي وما ورائها من بلاد السودان. وخرجت حينذاك بعثتها الاقتصادية الكبيرة المشهورة إلى بلاد بوينة "أو بونت" في عام حكمها التاسع، وقد صورت مراحلها على جدران معبدها في الدير البحري، وقيل معها إنها بدأت بوحي الإله آمون رع وإنه أرشدها إلى خير السبل على بلاد بوينة ومدرجات أشجار الكندر. وقد خرجت البعثة في عدة سفن شراعية كبيرة ومعها سرية من الجند وأبحرت في البحر الأحمر حتى باب المندب ومنه إلى بلاد بوينة "إرتيريا أو الصومال" فاستقبلها الحاكم بوينة وزوجته وأولاده وكبار رجاله، وانحنى كبار حاشيته أمام رمز حاتشبسوت وقالوا وهم يحيونه ويلتمسون البركة منه "تحية لك ملك مصر، الشمس الأنثى التي تضيء مثل الكوكب" وقالوا "حقًّا إن ملك مصر لا يعزب عنه شيء" ويبدو أن البعثة هدفت أصلًا إلى بلوغ مدرجات الكندر في اليمن لتستورد خير أنواعه وتتفادى تدخل الوسطاء، ولكن أمير بوينة ورجاله خوفوا رجال البعثة مشقة الطريق وقاموا باستيراد ٣١ من شجيرات الكندر عن طريقهم حتى لا يفقدوا مكاسب الوساطة٦. ثم بادلوا البعثة متاجرها، وعادت من أرضهم بكميات كبيرة من الذهب وثمار البخور

стр. 264

يستخدمها أهل بوينة في أعيادهم وأفراحهم، ومجموعة من كلاب الصيد والزراف والقرود. وكان قد صحب الرحلة فنان كبيرة تولى بعد عودته نقش مناظرها ومراحلها على جدران المسطح الأول لمعبد ملكته في الدير البحري١، وصور معها خصائص قرى بلاد بوينة بنخيلها وأكواخها العالية التي تقوم على أعمدة من سيقان الأشجار ويصعد إليها أصحابها على سلالم خشبية متنقلة، وصور حيواناتها وبعض خصائص سكانها، وسجل معها لوحته الفكاهية الطريفة التي صور فيها أميرة بوينة بدينة ذات أرداف ثقيلة تقف مع زوجها، وصور معهما حمارًا صغيرًا كتب عنه أنه الحمار الذي يحمل زوجته، تلاعبًا باللفظين بين الزوج الآدمي والزوج الحيواني، وإشفاقًا على الحمار الصغير من حمل ذلك الثقل الكبير. انفر تحوتمس الثالث "من خبر رع" أعظم رجال الحرب من الفراعنة المصريين بالعرش عام ١٤٦٨ق. م أو نحوه. وكان نفس الغلام الذي أشركته حاتشبسوت معها في بداية حكمها ثم نحته عن الحكم وأجبرته على الانطواء في معبد آمون "ص٢٠٧". وعندما اعتلى العرش منفردًا واجه مشكلة واسعة هددت زعامة مصر وسمعتها الدولية في الشرق الأدنى، وكان عليه أن يتحداها ويثبت كفايته لحلها. وتفرقت مواطن هذه المشكلة في نواحٍ من بلاد الشام وأطراف بلاد النهرين، وكانت عواملها ثلاثة، وهي: اهتمام عهد حاتشبسوت بسياسته الإفريقية أكثر من اهتمامه بسياسته الآسيوية، مما بعد بعض الشيء بين مصر وبين جيرانها أهل الشام. وأمل دولة المتيانيين التي بدأت تلم شملها وتعترف بملك واحد في أن يصبح لها ضلع في توجيه أحوال الشرق الأدنى وتجارته، لا سيما وأن موقعها على الفرات وامتدادها إلى شرقه نحو دجلة سمح لها بمركز تجاري متوسط يمكن أن تتحكم به في مداخل التجارة السورية العراقية ويمكن أن تتنافس مصر به٢. ثم اتجاه حكامها إلى شغل مصر عنهم بإثارة الاضطرابات ضدها، وقد استجاب لتحريضاته بالفعل بعض حكام الشام وشيوخ بدوها، لا سيما وأنه كانت لا تزال تعيش بينهم بقية من ذراري الهكسوس الذين طردهم المصريون من بلادهم شر طردة٣. وتمخضت هذه العوامل الثلاث عن تحالف ضم عددًا من رؤساء القبائل والمدن الشامية، وتزعمه أمير قادش، وكان فيما يحتمل ميتاني الأصل، أو كان على الأقل كبير المستجيبين للميتان والضالعين معهم. وقد اتجه بحلفائه وخيلهم ورجلهم، على حد تعبير النصوص المصرية٤، إلى شمال فلسطين وسيطر على مدينة مجدو وجعلها مركزًا لأطماعه، ومد نفوذه حتى مدينة شاروحين معقل الهكسوس القديم. وتمثلت أهمية مجدو "التي قد يعني اسمها معنى الحصن أو القاطع، وقامت على أطلالها بلدة تل المتسلم الحالية" في

стр. 265

أنها كانت تتحكم بموضعها في الممرات الجبلية التي تعترض طرق التجارة بين جنوب بلاد النهرين وجنوب الشام من ناحية، وبين فلسطين ومصر من ناحية أخرى. وتعنينا خطط تحوتمس الثالث في معالجة مشكلات عصره من نواحٍ ثلاثة، وهي: دلالتها على التكتيك الحربي في عهده. وتعبيرها عن تقليد عسكري مستحب وهو حرص الفرعون على تبادل الرأي مع ضباط جيشه عند مواجهة مفاجآت الحرب وقبل دخول المعارك الكبيرة. ثم نجاحها في إعادة الاستقرار المنشود إلى ربوع الشرق الأدنى. فقد لجأ تحوتمس إلى سرعة الإعداد، ولم يقض في مصر غير شهور قلائل منذ انفراده بالحكم، واعتزم الهجوم الخاطف وسرعة التنفيذ. وخرج بجيشه في ١٦ أبريل ١٤٦٨، وقطع بجيشه ما بين ١٢٥ ميلًا و١٥٠ ميلًا من المنطقة الصحراوية الممتدة بين مدينة ثارو "تل أبو صيفة شرق القنطرة الحالية" وبين غزة في تسعة أيام أو عشرة، أي بمعدل ما بين ١٢.٥ و١٥ ميلًا في اليوم الواحد، على الرغم من صعوبة الطريق وعلى الرغم من أن جيشه بلغ ما بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفًا أغلبهم من المشاة. وأقام تحوتمس في غزة يومًا واحدًا احتفل فيه بعيد توليته، ثم واصل الزحف بجيشه حتى بلغ مشارف جبل الكرمل في أحد عشر يومًا أو اثنى عشر يومًا قطع فيها ثمانين ميلًا. ونزل في بلدة "يحم" "فيما يوازي ٧ مايو ١٤٦٨"، عند مفترق ثلاثة طرق تنتهي جميعها إلى مجدو، وكان أقصر هذه الطرق طريق وعر ضيق ذكره المصريون باسم طريق عارونا، يمر خلال شعب من جبال الكرمل وينفذ رأسًا إلى مجدو، أما الطريقان الآخران طريق تاعاناقا وطريق جفتي، فكلاهما رحب متسع، غير أن كلًّا منهما طويل وينعطف في نهايته بعيدًا بعض الشيء عن مجدو، وعقد تحوتمس مجلس حربه، وقال لقادته: "الآن دخل العدو مدينة مجدو، وضم إليه أمراء الأقطار ... بخيلهم ورجلهم". ثم عرض عليهم أمر الطرق الثلاثة وطلب منهم رأيهم في اختيار الطريق المناسب وقال لهم "أفتوني بما في نفوسكم". وشعر القادة بأن فرعونهم يميل إلى سلوك الطريق القصير الضيق، فقالوا: "وكيف يتيسر المسير على طريق وعر بالغ الضيق؟ " ثم شك بعضهم في الأنباء التي بلغت الفرعون عن دخول الأعداء في مدينة مجدو، وخشوا أن يحتل الأعداد مرتفعات الطريق الضيق ويتعقبوهم أو يحتلوا مخرجه ويتصيدوهم، فقالوا له: "هناك نبأ يقول بأن الأعداء لا زالوا في الخلاء، يفوقون الحصر عدًّا، ثم إنه لن يستطيع جواد أن يسير بجوار جواد في هذا الطريق الضيق، فضلًا عن الجنود والمدنيين، وقد تقاتل مقدمتنا هناك وتظل مؤخرتنا هنا في عارونا بغير قتال ... ، ومعنى ذلك أن ما يناسبنا جميعًا هو الطريق المتسع، سواء الطريق المؤدي إلى تاعاناقا، أو الطريق الآخر المؤدي إلى شمال جفتي، وعلينا بعد ذلك أن نتجه شمال مجدو، فليسلك مولانا الهمام أي طريق شاء من الطريقين "الواسعين"، ولكن لا يجبرنا على أن نسير في الطريق الحزون". وهكذا دبر القادة أمرهم، وحاولوا تبرير رأيهم، وأرادوا أن يؤمنوا جيشهم ضد مفاجآت الطريق، ولكهم فضلوا الحذر واللباقة، فتركوا لفرعونهم حرية اختيار أصلح الطريقين المتسعين. ولم يتكلم تحوتمس لتوه، وأراد أن يقنع القادة المتشككين، بصدق ما أخبرهم به عن دخول الأعداء إلى مدينة مجدو، فاستدعى عيونه وأمرهم أن يعيدوا على مجلس الحرب ما سبق أن أنبئوه به عن مواقع الأعداء.

стр. 266

ثم اعتزم أمرًا، ولكنه لم يشأ أن يصدره إلى رجاله في هيئة الأمر. وفضل أن يعلن استعداده للتضحية بنفسه ثم يترك لرجاله الخيار في متابعته أو مخالفته، فقال لهم: أقسم بحب رع، وفضل أبي آمون ... ، لأسلكن هذا الطريق "الضيق"، طريق عارونا بالذات، فليذهب من شاء منكم على الطريقين اللذين ذكرتموهما، وليأت معي من رغب منكم في متابعتي. وإلا فما الذي سيقوله الأعداء أعداء رع، ألن يقولوا إن جلالته سلك طريقًا آخر من فرط خوفه منا؟ ". وأفحم القادة بمنطق الملك وهزتهم الأريحية للدفاع عن سمعة الفرعون وكرامة رع وآمون، فأمنوا عليه وقالوا له: "ليساعدك أبوك آمون، وها نحن في معيتك سائرون أينما سرت، فتقدم ونحن معك كالتابع في معية مولاه". وشفع تحوتمس حديثه بالعمل، أو بمعنى آخر شفع المشورة بسرعة التجهيز والتنفيذ، واعتزم الهجوم الخاطف، فاستقبل جيشه ونادى: "هلموا آزروا مولاكم المظفر، وسيروا على هذا الطريق برغم ضيقه الشديد". ثم أقسم قائلًا: "ولن أسمح بأن يتقدمني "أحد حتى" فرق الطليعة في هذا المقام". وبر الفرعون بيمينه، وأصر على أن يخرج بنفسه في طليعة جيشه "وحينذاك أخطر المنادون كل فرد بمكانه في المسيرة، وسار الجواد في إثر الجواد والفرعون على رأس الجنود". لم يتوقع خصوم تحوتمس أن سيجازف وجيشه الكثيف بسلوك الطريق الضيق، فابتعدوا عنه، وخرج هو بطليعة جيشه. ولكن صدق شك ضباطه في الأنباء التي وصلته عن تجمع خصومهم داخل مجدو، فقد كان هؤلاء لا يزالون منتشرين في الخلاء فعلًا. ولما تيقن القادة من ذلك قالوا لفرعونهم في صراحة: "نرجو أن يستمع مولانا إلينا في هذه المرة، ويتركنا نحافظ على مؤخرة جيشه وأفراد شعبه، فإذا وصلت إلينا مؤخرة الجيش قاتلنا الأعداء دون أن يشغل بالنا على رجالنا". وأطاع تحوتمس رجاله، وجلس على مقعدة أمام سرادقة، حتى خرجت إليه مؤخرة جيشه عند الزوال، وأكرم القادة وأرسل المؤن للاتباع وعين حرس المعسكر وأوصاهم بالثبات واليقظة ... ، ثم أتته الأنباء بخلو الساحل وأن فرق العسكر الجنوبية والشمالية في وضع سليم. وفي يوم عيد القمر الصادق "بما يوافق ١٢ مايو ١٤٦٨ق. م" خرج الملك في الفجر.، في عربة مذهبة مزودة بأسلحة الحرب، وتوسط جيشه ثم انحط به على الميدان، ولم تطل المعركة وآثر خصومه الفرار، وتركوا خيولهم وعرباتهم المذهبة والمفضضة. وكان أهل مجدو قد أغلقوا أبواب مدينتهم، ولكنهم عاونوا كبار الفارين ودلوا لهم أقمشة ربطوها حول خصورهم ورفعوهم بها .. ، وهنا عقب المراسل الحربي لتحوتمس بأنه لو لم ينشغل جيشه جلالته بجمع الغنائم لاستولى على مدينة مجدو في الحال، ولكن انشغالهم سمح لأمير قدش وأمير مجدو بالفرار إليها ... ، واضطر الجيش المصري إلى تطويق المدينة، فأحاطها بخندق وطوقها بسور من أخشاب الأشجار، واستمر في مراقبتها سبعة شهور، حتى إذا طال المطال على أهلها أخرجوا أبناءهم إلى تحوتمس يقدمون له السلاح والهدايا، فعفا عنهم وقبل هداياهم، ثم خرج إليه حلفاؤهم الأمراء وأعلنوا استسلامهم، فقبل جزاهم وسرحهم إلى مدنهم، واكتفى بأن جعلهم يستبدلون الحمير بخيولهم، عقابًا يسيرًا، وهونًا من هوان، ولأنه كان أحوج إلى الخيول كما قال١. وعندما عاد

стр. 267

بجيوشه إلى مصر كان قد أعاد الاستقرار إلى جنوب الشام وأرهب خصومه، وكسب ود الأمراء الذين تسامح معهم، واصطحب معه بعض أبنائهم إلى مصر ليكونوا ضمانًا لإخلاص آبائهم١. وتفقد تحوتمس أحوال الشام بعد ذلك أربع مرات في أربعة أعوام متتالية، كان يخرج فيها بمظاهرات عسكرية سليمة ضخمة. ثم اعتزم في مرته السادسة منازلة أمير قادش رأس المشكلة في عقر داره، بعد أن اطمأن إلى سلامة ظهره، أي اطمأن إلى إخلاص المدن الشامية التي تركها خلفه اطمأن إلى كفاية أساطيله وقدرتها على تموين جيشه من ناحية البحر وحماية إمداداته فيما لو حدث شيء يهدد اتصالاته من ناحية البر. وكانت قادش، وهي تل نبى مند الآن، تستمتع بحصانة طبيعية وتحتل موضعًا إستراتيجيًّا أصيلًا فاقت أهميتها به أهمية مجدو. فقد وقعت بين ثلاثة تحصينات مائية: نهر العاصي الذي قامت على ضفته الشرقية وفرع صغير اتصل به عندها من ناحيتة الغربية، ثم بحيرة حمص التي تقع إلى الشمال منها بقليل. وتحكمت قدش بحكم موقعها في المدخل الشمالي لوادي البقاع المؤدي إلى قلب سوريا، وأشرفت على وادي النهر الكبير المؤدي إلى ساحل البحر المتوسط، وأطلت على طريق تجاري رئيسي يصل بين بلاد النهرين وبين سوريا. وكانت محصنة ويقوم بالقرب منها معسكر قديم من معسكرات الهكسوس، كما يقوم على بعد ٣٥ ميلًا منها معسكر قطنة أكبر معسكرات الهكسوس جميعًا. "راجع أيضًا حضارة الشام في جزء تالٍ لهذا الكتاب". ونجح تحوتمس بجيشه في هزيمة خصمه أمير قادش بعد مجهود كبير، ودخل المدينة وأصلح رجاله أسوارها، وألف بينها وبين بقية المدن السورية، ورجع إلى مصر ومعه بعض أمرائها الصغار الذين قالت عنهم حولياته الرسمية: "استحضر جلالته أولاد الأمراء وإخوتهم ليكونوا ودائع على أرض مصر، حتى إذا توفي أحد الأمراء عين جلالته ولده في منصبه، وكان عددهم في هذا العام ٣٦ فردًا، ومعهم من الخدم والجواري ١٨٨"٢. وعلى الرغم من الرغبة في اتخاذ هؤلاء الأمراء ودائع ضمانًا لإخلاص آبائهم، فإن بقية السياق تدل على أنه كان ينظر إليهم نظرة طيبة تحفظ عليهم مكانتهم الأولى وينعمون فيها بخدمهم وجواريهم العديدين، وأن من أغراضه من استقدامهم أن يلمسوا أمجاد مصر وعظمة عاصمتها التي كانت بهرة العالم المتمدين في ذلك العصر، وليطمئنوا إلى الحضارة المصرية ويتشبعوا بها ويصبحوا أوفياء لها ولفراعنتها إذا تولوا حكم مدنهم وإماراتهم بعد وفاة آبائهم. وعندما خرج تحوتمس بجيشه إلى سوريا في مرته الثامنة "في العام ٣٣ من حكمه" كان قد اعتزم أن يهاجم دولة الميتان في عقر دارها ليأمن دسائسها وتحريضاتها وليستقر الأمن بعدها على حدود دولته. وعمل في سبيل نجاح خطته على تنظيم المواني الشامية وتزويدها بما كان يعوزها من المحاصيل الغذائية، وقالت

стр. 268

نصوصه في ذلك: "تعليماته لإعداد المواني: مون جلالته كل ميناء وصل إليها بالخبز الجيد "من القمح؟ " وأنواع الخبز الأخرى، وزيت الزيتون والبخور والنبيذ والعسل والفواكه"١. ثم طلب إلى رجاله أن يجهزوا أسطولًا كبيرًا من أخشاب لبنان وأن ينقلوا سفنه وناقلاته مفككة عن طريق البر على عربات تجرها الثيران إلى قرب نهر الفرات. والتقى تحوتمس وجيوشه بالميتانيين في قرقميش، وانتصر برجاله عليهم، ففر ملكهم على أحد أقاليم دولته القصية، وهنا قال تحوتمس في حولياته "قسمت جيشي بعد المعركة قسمين عبر أحدهما الفرات وتتبع الأعداء، ولاحق الآخر العدو الخاسئ "ملك الميتان" في جبال ميتاني، ولكنه فر إلى بلد بعيد". وقد يعني هذا أن دولة الميتان لم يقض عليها تمامًا وأنه كان ينبغي أن تحدث معها جولات تالية. ومع ذلك فقد توج تحوتمس نصره بأن عبر الفرات بسفنه، ثم أرسى رجاله نصبين على ضفتيه سجلوا عليهما أخبار نصره وعينوا بهما حدود فتوحاته٢. وكان هي المرة الأولى التي نقلت السفن الحربية فيها على طريق البر لمسافة تقرب من ٢٥٠ ميلًا "وكانت السفن المصرية تصنع من ألواح ذات وصلات كثيرة وذلك مما ساعد على سهولة نقلها"، كما كانت من أولى المرات التي استخدمت فيها لعبور جيش كبير على متن نهر واسع كالفرات في التاريخ القديم٣. وعبر تحوتمس حينذاك عن اتساع حدود دولته بعبارة قريبة من عبارة جده تحوتمس الأول، قال فيها إنه "جعل حدوده من بداية الأرض "أي من أقاصي النوبة" إلى أقاصي آسيا "الغربية"٤. ثم خرج إلى الأقاليم الشمالية نحو ثمان مرات أخرى أو تسع، قصد بها الاستطلاع حينًا، والإصلاح حينًا، وتوطيد الأمن وإرهاب العصاة حينًا، ومجرد الزيارة والرحلة حينًا آخر. وازدادت صلات مصر ببلاد الشام من وراء هذه الجهود، وازدادت أعداد المصريين فيها من موظفين وتجار، كما ازدادت أعداد مواطنيها في مصر أمراء وتجارًا وعاملين. ولم يجد كبار الموظفين المصريين بأسًا من أن يحترموا بعض أرباب الشام إلا جانب معبوداتهم٥. وكان من ذلك على سبيل المثال أن ذكر أحد رؤساء الخزانة في عهد تحوتمس الثالث أنه حرص على أن يقدم قرابينه إلى "ربة جبيل المسماة بعلة" قبل أن يصعد جبل لبنان لانتقاء أشجار الأرز اللازمة لمهمته٦.

стр. 269

وكان من إصلاحات الإدارة في أقاليم الشام حينذاك توجيه أهل الحكم فيها على إحصاء محصولاتها بمختلف أنواعها لتقدير الضرائب عليها على أساس سليم. وتوجيههم إلى الاهتمام بالمواني بوجه خاص "وتموينها على أساس التعيين المقرر لها كل عام" كما قالت نصوص العصر. وترك تحوتمس الأمراء المحليين في حكم إماراتهم واعتبرهم نوابًا "إدنو". وإن كان قد أقام معهم في المدن الرئيسية مفتشين مصريين، وعين حاكمًا عامًّا للشام، وجعل مدينة غزة ومدينة سميرا من مراكز الإدارة الرئيسية١. وبعد أن آتت جهوده ثمارها في الشام، توفرت له الشهرة الخارجية الواسعة، وأحست الدول المجاورة بيقظته ورغبت في مصادقته، وهادته. ومنها بابل التي كان من هداياها إليه كميات من اللازورد الجيد٢، وآشور التي أهدته هي الأخرى كميات من اللازورد الحر٣، وخت "أوخاتي" دولة الحيثيين في آسيا الصغرى٤. وكان من الطبيعي أن تجد بلاد النوبة بقسيمها من اهتمام الدولة في هذا العهد ما لا يقل عن اهتمامها ببلاد الشام. فتأكد استتباب النفوذ المصري حتى ما بعد الشلال الرابع بقليل. وتعينت الحدود بلوحة أقامها رجال تحوتمس عند جبل برقل، ضمنوها أخبار الفتوحات الأولى لملكهم وذكروا أنه مد حدوده إلى المدى الذي وصلت إليه في عهد جده تحوتمس الأول٥. وسرى التنظيم الإداري في مناطق النوبة. وظل الحكام النوبيون يتلقبون بألقاب النواب "إدنو"، وبدأت تظهر المعابد الفخمة في النوبة عوضًا عن المعابد البسيطة المبنية باللبن٦. وزاد صبغ البلاد بالحضارة المصرية. وعلى نحو ما انتفعت النوبة بمصر، انتفعت مصر بها، فكان يصلها من ذهب النوبة السفلى ما يتراوح بين ٢١٢ وبين ٢٢٧ من الكيلوجرامات سنويًّا، ويصلها من ذهب النوبة العليا مقدار يقل عن ذلك٧. ويبدو أن الحائل الذي وقف دون مد الحدود المصرية مع نهر النيل إلى ما بعد المدى الذي وصله نفوذ تحوتمس، هو انحناءة النيل بعد الشلال الرابع وابتعاده شرقًا عن طريق القوافل التجارية التي كانت تتجه إلى الجنوب وإلى الغرب٨. وظهر في نصوص تحوتمس الثالث ما يرجح معه وصول بعثة تجارية من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى مصر تحمل معها بعض منتجات بلادها من البخور والكندر، وتبغي عقد علاقات مباشرة مع فرعون مصر المنتصر، وكان أفرادها من "الجنبتيو" أسلاف العرب القتبانيين٩.

стр. 270

ولي أمنحوتب الثاني "عاخبرو رع" عرش مصر بعد أبيه تحوتمس الثالث في عام ١٤٣٦ق. م، وانتفع بالتربية العسكرية التي تعهده أبوه بها١ في توطيد أركان الأمن في دولته وإشاعة الهيبة في أرجائها الواسعة، تلك الدولة التي روى "مين مس" مهندسه ومهندس أبيه أنه ثبت حدودها في العام الرابع من حكمه بنصبين جديدين: نصب أقيم في أرض نهرينا على الفرات، ونصب آخر أقيم في أرض كاروى في جنوب النوبة٢ وذكرت نصوص أمنحوتب أنه تفقد المناطق الشمالية مرتين، بلغ في إحداهما أوجاريت وألالاخ "تل العطشانة" قرب أنطاكية٣. كما وجد له تمثال جاث يحمل آنيتين قربانًا على يديه قرب شندي وعلى مسافة سبعين ميلًا شمالي الخرطوم. ومالت حوليات أمنحوتب الثاني ونصوصه إلى المبالغة في تصوير انتصاراته، على العكس من حوليات أبيه التي راعت سلامة المنطق في روايتها بقدر الإمكان. ولو أن نصوص أمنحوتب امتازت على الرغم من عنصر المبالغة فيها بنصيب كبير من الحيوية والتفصيل، لا سيما فيما روته عن أخبار صاحبها في المرات التي تعمد فيها أن يستعرض فتوته وعضلاته داخل مصل وخارجها. وكان من ذلك على سبيل المثال أنها روت أنه عبر بجيشه ذات مرة مياه نهر العاصي الهادرة، ثم اندار فجأة ليطمئن على سلامة جيشه، فلحظ جماعة أتوا من ناحية قطنة خلسة يحاولون الانقضاض عليه، فقصدهم وحيدًا وانقض عليهم انقضاض الباشق، فانطلقوا مذعورين ووقع كل منهم فوق رفيقه ومعهم قائدهم، ولكنه لاحقهم ولحقهم وهو وحيد وفتك بهم أجمعين. ثم روت أنه تجمع في معسكر الأسرى ذات مرة أكثر من ثلاثمائة أسير، فلما رأى أن عددهم كبير خشي هروبهم، فقام بليل وحفر حولهم حفرتين أوقد فيهما نارًا، وظل ساهرًا يحرسهم حتى الصباح "وهو يحمل بلطة الحرب في يده، وكان بمفرده وليس معه مصري آخر، بل وكان جيشه بعيدًا عنه، بعيدًا عن سماع صوته"٤. ومع حب المبالغة مال أمنحوتب الثاني في بعض أحواله إلى الغلظة في معاملة خصومه، على العكس من أبيه. وإن كانت هذه الغلظة لم تؤثر عنه غير مرتين أراد الاشتداد فيهما على كبار خصومه الذين غدروا بولائهم له "من وجهة نظره"؛ ليكونوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالتآمر عليه والغدر به. واختتمت نصوصه أخبار انتصاراته الحربية بتصوير النتائج التي ترتبت عليها، بنفس الأسلوب الجانح إلى المبالغة، في قولها: "وحين سمع أمير نهرينا "الميتاني" وأمير خاتي "الحيثي"، وأمير سنجار "البابلي"، بانتصارات جلالته، نافس كل منهم الآخر في هداياه إليه ... وتوجهوا إليه بدعائهم من أجل إقرار السلام، ... "وقال رسلهم إليه": أتينا بهدايانا إلى قصرك يابن رع أمنحوتب، حاكم الحكام، الأسد الهصور في كل مكان، وفي هذه الدنيا كلها، إلى أبد الآبدين".

стр. 271

وانتقلت مقاليد الأمور في مصر إلى تحوتمس الرابع "من خبرو رع"، وكان كفئًا لشغل منصبه على الرغم من صغر سنه، وقد لجأ في سياسته الخارجية إلى وسيلتين، فاتبع سياسة القوة في بداية عهده وخرج بجيوشه إلى أطراف دولته وضرب بها على أيدي جماعات من الخوارج في الشمال وفي الجنوب حاولوا استغلال فرصة وفاة أبيه وصغر سنه، حتى إذا ما أعاد لحكومته هيبتها واستقر السلام في دولته وجرت أمورها في مجاريها الطبيعية، سمحت له تطورات العصر بأن يتبع سياسة جديدة لضمان السلم في الشرق القريب. وهنا كان كل من المصريين والميتانيين قد أدركوا أن أمن التجارة البرية التي يأخذون بناصيتها في أسواق الشرق الأدنى لن يستقر إلا إذا استقرت قبله أحوال السياسة بينهما، وشعرت كل من الدولتين حينذاك ببوادر الخطر من أطماع دولة خاتي "أي دولة الحيثيين" الآرية التي قامت في آسيا الصغرى وأطلت على الفرات الأعلى وعلى شمالي سوريا في الوقت نفسه. ورأت الدولتان أن توثيق روابط الصداقة والتقارب بينهما يمكن أن يحد من آمال هذه الدولة الثالثة الناهضة ويجعلها تفكر مرتين قبل أن تهاجم واحدة منهما. ولسنا ندري أي الدولتين بدأت الأخرى برغبتها في السلم، ولكننا ندري أن تحوتمس رأى أن خير روابط السلم المنشود هو رباط المصاهرة، فخطب لنفسه ابنة أرتاتاما ملك الميتان١، وقيل عن أباها جادله في مهرها عدة مرات رغبة في زيادة نصيبه من الهدايا قبل أن يزفها إليه٢، ولم يكن زواج الفرعون المصري بأميرة آسيوية جديدًا تمامًا على تقاليد أسلافه الأقربين، فقد تزوج جده تحوتمس الثالث أميرات سوريات، وامتلأ قصر أبيه أمنحوتب الثاني بجوار آسيويات من أخوات الأمراء وبناتهم كما قالت نصوصه٣، وليس من المستبعد أن يكون قد تزوج بواحدة منهن أو أكثر من واحدة. ولكن الجديد في أمر تحوتمس الرابع هو ما يحتمل من أنه جعل زوجته الميتانية من زوجاته الرئيسيات في قصره٤ "انظر ص٢٠٨"، بينما أنزل أسلافه زوجاتهم الآسيويات منزلة الزوجات الثانويات. أدت جهود النصف الأول من عصر الأسرة الثامنة إلى أن بلغت خيرات مصر وثرواتها في بداية عهد أمنحوتب الثالث "نب ماعت رع" خليفة تحوتمس الرابع "منذ ١٤٠٥ق. م"، مبلغًا لم تبلغه من قبل، ليس فحسب عن طريق الضرائب والاستغلال الداخلي والغنائم والجزى، بل ولأن الدولة قد وطدت سيطرتها على عصب التجارة البرية في الشرق, وأزادت أساطيلها في البحرين الأحمر والمتوسط، واستخدمتها أداة للرخاء التجاري ولأمان البحر وأمان السواحل ولتوسيع اتصالاتها بجيرانها، وحملت طرق البر والبحر الآمنة أفواجًا من التجار والسفراء والرسل والزوار من مصر وإليها، فضلًا عن أفواج الأرقاء والجواري الواصلة إليها من الشمال والجنوب. وظل هؤلاء جميعهم من أدوات التبادل والتقارب الثقافي واللغوي والفني والصناعي بينهما وبين جيرانها. وترتبت على ذلك كله بالنسبة لمصر نتائج طيبة وأخرى غير مستحبة، فكان من النتائج الطيبة

стр. 272

أن اتسعت آفاق المصريين المادية والفكرية واستحبوا حياة السلام، وخفت حدة النزعات العنصرية بينهم وبين جيرانهم، وزاد انتشار حضارتهم بين أهل الشام وبلاد الميتان. وانتفع هؤلاء وهؤلاء بالفن المصري ومزجوا بينه وبين فنونهم. وازدادت أعداد المصريين في الشام، كما استقبلت مصر مزيدًا من أفواج أهل الشام بصدر رحب واستحبت بعض مصنوعاتهم وفنونهم، ونفعتهم وانتفعت بهم، واستضافت بعض معبوداتهم ومعبودات الميتان في معابدها١. ولم يكن من بأس على أثرياء مصر في أن يستمتعوا بما أفاءته عليهم جهود أسلافهم من نعمة ونعيم، ولكن الضرر أوشك أن يقع بهم حين استمرءوا النعمة واستناموا إلى النعيم. وإذا كان الناس على دين ملوكهم، كما يقال، فقد بدءوا وبدأ فرعونهم أمنحوتب الثالث عهده بمظاهر الفتوة التي بدأ بها عهد أبيه، فخرجت جيوشه في جولة تفتيشية إلى الشام، وخرجت في جولة أخرى إلى النوبة٢، واستحب أن يوصف في نصوصه بأنه "حاكم ينال "ما يشاء" بسيفه ويعمل بيديه"، وأنه حاكم "يعمل بساعديه ... رب للسيف"٣. ومارس في شبابه حياة الصيد شأن آبائه الرياضيين، وهاداه ملوك الشرق وأمراؤه، واعتاد كل منهم أن يسأل عن أهل الآخر وجنوده وخيوله، وتطلعوا جميعهم إلى ثراء مصر، وكانوا لا يفتئون يرجون فرعونها أن يفيض عليهم من ذهبها نظير هداياهم من الأرقاء والجواري والخيول والمركبات والأحجار الكريمة، تساوى في ذلك ملوك الميتان، وملوك بابل، وملوك آشور، وحكام قبرص، فضلًا عن أمراء الشام. وكتب ملك الميتان ذات مرة إلى صهره أمنحوتب الثالث، يقول له: "أخي، أرجو أن تهديني ذهبًا كثيرًا لا يُحصى، وإني على ثقة من أن أخي سوف يحقق ذلك ويهديني ذهبًا أكثر من الذهب الذي حصل والدي عليه، أليس الذهب في بلد أخي كتراب الأرض؟ بارك الأرباب فيه حتى يصبح الذهب في أرض أخي أضعاف ما هو عليه الآن. وعسى ما أطلبه لا يضايق أخي ولا يضيق به قلبه ... ، وسوف أرد لأخي فضله عشرة أمثال مما يشتهيه. فهذه الأرض أرض أخي وهذا البيت بيت أخي". واستغل أمنحوتب من ناحيته صداقاته لملوك الشرق وتقديرهم له، في إرضاء نزواته من الزيجات وأسرف في ذلك إسرافًا كبيرًا. وسار على سياسة أبيه في توثيق عرى المودة بينه وبينهم عن طريق المصاهرات. وظل على الرغم من ترحيبهم في مجملهم بمصاهرته، ضنينًا عليهم بأميرات بيته، فكتب إليه معاصره ملك بابل كاداشمال إنليل الأول، يعتذر له بأنه ليس له أخت يرسلها عروسًا إليه، ويرجوه في الوقت نفسه أن يزوجه من إحدى بناته، فاعتذر أمنحوتب بحجة أنه "لم يسبق أن أرسلت أميرة مصرية إلى أي إنسان"، فعاد البابلي وألح عليه بأن يتخير له أي فتاة من

стр. 273

قصره ويرسلها إليه باعتبارها أميرة من بيته صونًا لكرامته بين شعبه. وفي كل ذلك ما يشير إلى عظم مكانة مصر واعتزاز أهلها بسمو منبتهم. ولكن تبدلت أحوال الاستقرار الخارجي في عهد أمنحوتب شيئًا فشيئًا. بعد أن استنام إلى حياة الرفاهة وترك تقاليد آبائه في إيثار السلام المسلح والخروج من حين إلى حين إلى أطراف دولته لطمأنة الموالين لها والضرب على أيدي الخارجين عليها والحد من أطماع الدول المتربصة بها، فانتقد الشعب الشامي بخاصة صلاته الشخصية به وبدأ يئن تحت وطأة دسائس أصحاب المطامع في الداخل وفي الخارج. كما بدأ الحيثيون يعبثون بالحدود السورية والحدود الميتانية، ويغرون ضعاف النفوس من الإقليمين بالعمل لصالحهم. وعندما خفت الإدارة المصرية في بلاد الشام أغار بعض أمرائها على جيرانهم، وهددت هجرات قبائل الخابيرو والعابيرو البدوية الأمن وسبل التجارة، فتوالت صرخات الاستغاثة من الأمراء الموالين لأمنحوتب، فوجدت الاستجابة مرة، ولكنها وجدت الإهمال مرات. ولم يقدر أمنحوتب خطورة هذه الأحوال تقديرها الصحيح، واستمر يظن في نفسه السيادة، واستمر يتلقى رسائل التكريم من أمراء بابل والميتان وبعض أمراء آسيا الصغرى، وكان شر ما أعماه عن تبين حقيقة الأوضاع هو أمر جماعة من أمراء كنعان ومن الخابيرو والعابيرو، مهروا في النفاق واستمروا يضللونه ويضللون ولده أخناتون من بعده، ويسرفون في إظهار الود والطاعة لمصر وفرعونها، ويسرفون في الوقت نفسه في إضمار الحقد لهما. وصورت هذه البلبلة مجموعة رسائل كانت محفوظة بديوان رسائل أمنحوتب الثالث وآخناتون من بعده عثر عليها خلال القرن الماضي مصادفة في أطلال العمارنة، فنسبت إليها وسميت باسم رسائل العمارنة، وبلغ ما عثر عليه منها ٣٧٧ رسالة تضمنت المراسلات المتبادلة بين الفرعونين وبين ملوك الشرق وحكام الشام في عهديهما١. ويفهم منها أنه امتاز من بين حكام الأموريين في أواسط سوريا وشرقها حاكمان: حاكم يسمى ريب أدى أشرف على منطقة واسعة تمتد من الساحل إلى الداخل حول ميناء جبيل، وظل مواليًا لمصر حتى آخر حياته، وكان يؤيده حلف من المواني الكبيرة التي تشترك مع جبيل في المصالح التجارية مثل بيروت وصور وصيدا وعكا. ثم حاكم آخر يدعى عبدو عشرتا "أو أشرتا" أشرف على جزء كبير من حوض العاصي وبسط نفوذه عنوة على حساب جيرانه فاحتل عرقه وقطنه وحماة وني في الداخل، واحتل أرواد وهاجم سميرا على الساحل، ونافق كلًّا من الحيثيين والمصريين وادعى لكل طرف أنه يعمل لحسابه. وتوالت شكاوى ريب أدى إلى أمنحوتب الثالث بعد أن أصبحت عاصمته جبيل شبه محصورة، وتوالت رسائل حلفائه إلى مصر ترجو نجدة حليفهم، وذلك في نفس الوقت الذي بلغ فيه من فجور عبدو عشرتا أنه كان يبعث الرسائل إلى مصر يكذب كل ما يتهم به ويسرف في إظهار الخضوع فيقول فيما يقول: "إلى الملك شمسي ومولاي يقول عبدو عشرا عبدك وتراب قدميك: أجثو عند قدمي مولاي الملك سبعًا، وسبعًا، فأنا خادم الملك وجرو بيته، وأحرس أرض أمورو كلها من أجل مولاي وسيدي٢". وكان ذلك كافيًا لإشباع غرور الملك وخديعته ..

стр. 274

وعندما هلك عبدو عشرتا لك ولده عزيرو مسلكه، في حين كتب ريب أدى إلى الفرعون قائلًا: "كان حكام كنعان إذا رأوا جنديًّا مصريًّا ولوا الأدبار، أما الآن فإن أبناء عبدو عشرتا يستخفون بالمصرين ويهددونني بأسلحة فتاكة". وغدا الرجل حسيرًا محصورًا في عاصمته جبيل كطائر في قفص، فكتب إلى الفرعون المصري يقول ثانية "قديمًا كان للملك عندنا قلعة مئونة، وكان الملك يكفل تموينها من إياريموتا، ولكن عزيرو يهاجمنا الآن مرارًا دون خوف، ولم يبق لي حاشية أو مئونة، بعد أن أصبحت قراي الآن في حوزة عزيرو، وهو يظهر لي الرغبة في أن أنضم إليه، ولكن لماذا أنضم إليه؟ إنهم أجراء أبناء عبد وعشرتا هؤلاء، يبغون مصالحهم ويخلفون مدن مولاي الملك طعامًا للنيران"١. وكتب حاكم مدينة تونيب يردد نفس الشكوى قائلًا: "مولاي ملك مصر، نحن أهل تونيب أتباعك، ندعو لك بالحياة ونقبل قدميك، إن أمتك مدينة تونيب تقول من ذا الذي كان يستطيع أن ينهب تونيب دون أن ينتقم لها منخبريا "تحوتمس الثالث" ويفعل بالناهب ما فعل بها: إن آلهة مولانا الملك وتماثيله لدينا، وليسأل مولانا شيوخ رجاله ليعرف إذا ما كنا نقول الحقيقة أم غيرها. إذا لم يدركنا مشاة ملك مصر وعرباته قبل فوات الفرصة فإنه عزيرو سيصنع معنا ما صنعه في مدينة ني، وحينئذ لن نبك وحدنا بل سيبكي معنا أيضًا ملك مصر مما يرتكبه عزيرو من أعمال؛ لأنه سيرفع يده حينذاك ضد مولانا". وتوالت رسائل أهل تونيب وكتبوا إلى الفرعون يقولون له "إن مدينتك تونيب تبكي، ودموعها تجري، ولا ناصر لنا، أرسلنا عشرين رسالة إلى مولانا ملك مصر ولم نتلق ردًّا منه". ومضى عزيرو في غيه، واستمال أمير صيدا الذي لجأ إليه ريب أدى في آخر مطافه فسلمه إليه، واستولى هو على ألازا "شمال طرابلس"، وأرداتا "قرب زغرتا"، وحرق أوجاريت ودمر سميرا، وظل يرسل خطاباته المخادعة إلى آخناتون يظهر ولاءه فيها. ويدعي أنه إنما يستولي على المدن ليحميها من الحيثيين، وأنه يخرب بعضها حتى لا يستفيدوا منها، وبلغت به صفاقته أنه كان يراسل الملك بأمله في أن يرى وجه مولاه البهي، وذهب إليه بالفعل ورجع آمنًا من عنده٢. حدث هذا في أواسط سوريا وشمالها بتحريض الحيثيين وأطماع بعض الأموريين، وحدث ما يماثله في منطقة فلسطين، وقام بدور المخربين فيه جماعات العابيرو، وبدور عبدو عشرتا رجل يدعى لابآيو حكم مدينة سشم هاجم مدينة جزر وغيرها من مدن جيرانه، وتعاون هو وأولاده مع قبائل العابيرو وسمح لهم بدخول مدينته. وجأر الحكام بالشكوى منه إلى أمنحوتب الثالث ثم إلى آخناتون٣، فبلغت الصفاقة بلابآيو أن كتب إلى الفرعون قائلًا "إلى الملك مولاي وشمسي يقول لابآيو خادمك والتراب الذي تطأ عليه: أجثو لدى قدميك سبعًا وسبعًا. "وبعد أن تتصل من كل ما نسب إليه وادعى أنه وقف موقف المدافع"،

стр. 275

ختم رسالته بقوله: وهل إذا طلب الملك امرأتي أستطيع أن أمنعها؟ وإذا كتب إليَّ أن اضرب قلبك بخنجر ومت، فهل أخالف أمر مولاي؟ "١. وعندما لقي لابآيو حتفه خلفه في الشر والنفاق ولداه. وتوالت الرسائل على آخناتون تفيض نفاقًا، فأصبح لا يعرف المخلص منها من المخادع، فبينما كتب إليه أحد الحكام يشكو إليه حاكم أورشليم عبدوخيبا ذا الأصل الحوري، ويقول له إذا كان لابآيو قد مات فقد ظهر بدله عبدوخيبا٢، بعث عبدوخيبا هذا برسائل تفيض بالولاء للملك والشكوى من جيرانه ومن العابيرو وكان يكرر فيها أنه يتمنى أن يقابل الفرعون ويرى عينيه ويتمنى أن يموت لديه، ويعترف بأنه ما ولي منصبه عن أبيه ولا عن أمه ولكن بفضل الملك، ويخبره بأنه عمل كل ما في وسعه ولكن تخلى الكل عنه، وأنه إذا لم تصله إمدادات مولاه ضاعت منه أرضه٣. بدأت كل هذه الخلخلة في أواخر عهد أمنحوتب الثالث، واشتدت في عهد ولده آخناتون "نفر خبرو رع" كما رأينا، في وقت انصرف فيه هذا الأخير إلى دعوة الوحدانية "راجع فصل عقائد الدين" وظن معها أن الدعوة لإله واحد يعبده الجميع ويتساوى عنده الجميع يمكن أن تربط بين مصر وبين أتباعها وجيرانها بروابط أوثق من كل ما جربه أسلافه من روابط الحرب والسياسة والمصاهرة، ولكن فاته أن الشرق أصبح في شغل شاغل بمخاوفه وأطماعه عن دعوة التوحيد والإخاء والمساواة التي دعا إليها. وأحاط بآخناتون عدد مداهن من رجال حاشيته طمأنوه إلى بأس جيشه، ورحموا اعتلال صحته فأخفوا عنه تذمر قادته وخوفهم من ضياع سمعة البلاد وتفسخ أملاكها، كما أحاط به عدد آخر من غير المصريين خدعوه عن حقيقة مجريات الأمور في الخارج وتواطئوا مع مخادعيه فيها، وكان منهم رجل يدعى توتو، راسله أحد المنافقين ذات مرة قائلًا له: "لا أستطيع أن أنحرف عن كلمات سيدي وربي وشمسي، ولا أحيد عن كلمات سيدي توتو ... ، فأنا أخشى مولاي الملك وأخاف توتو ... ". وظلت سياسة مصر الخارجية مائعة متدهورة خلال عهود خلفاء آخناتون الأقربين: سمنخ كارع "عنخ خبرو رع"، وتوت عنخ آمون "نب خبرو رع"، وآي "خبر خبرو رع". ولم يجد جديد عليها إلا بولاية حور محب "جسر خبرو رع"، الذي مثل عهده فترة انتقالية بين عصر الأسرة الثامنة عشرة وبين عصر الأسرة التاسعة عشرة. وكان فيما أسلفنا من قادة الجيش في عهد آخناتون، وخاض معركتين على الأقل في عهده وعهد توت عنخ آمون، وكان الجديد في أيامه، هو أنه عاصره في حكم الحيثيين الملك مورسيل "الثالث" وقد مال إلى السلام، فاستجاب حور محب له، وربما حدثت بينهما هدنة، تفرغ حور محب بعدها للإصلاح الداخلي في بلده.

стр. 276

وإذا كان ثمة ما يعقب به على ما أفاءه عصر الأسرة الثامنة على أهله من ثراء، وعلى عظمائهم والمقربين منهم إلى الفرعون وحاشيته وحكومته ومشروعاته الحربية والمدينة، بمعنى أدق، فهو مائل فيما تعتز به المتاحف العالمية مما كشف عنه من آثار ملوك العصر وعظمائه. وكان أسعد هؤلاء الملوك حظًّا فيما أبقت الأيام عليه من آثاره الخاصة هو توت عنخ آمون "نب خبرو رع"، على الرغم من أنه كان نكرة بين الفراعنة، ولي الحكم غلامًا بعد وفاة أخويه"؟ " آخناتون وسمنخ كارع، ولم يطل عهده غير ثمان سنوات أو تسع، بدأها بالارتداد عن ديانة آتون، وشغلها بالتقرب إلى كهنة آمون ومضاعفة ثروات معابدهم تكفيرًا عما أصابهم من هوان في عهد أخيه. ثم أسعد الحظ ذكراه بأن علت فوق مقبرته مقبرة أخرى ضخمة من عصر الرعامسة فسترتها عن عوامل النهب والتخريب حتى اكتشفت شبه كاملة في عام ١٩٢٢، وحققت لصاحبها شهرة واسعة ما كان يستحقها لنفسه. وقد تضمنت أثاثه الأخروي وبعض ما كان يعتز به من مقتنياته الدنيوية الخاصة ومقتنيات أسرته. ومن أروع ما فيها قناعه الذهبي وتوابيته الثلاثة التي شكلت على هيئته وصيغ الداخلي منها من الذهب الخالص وصفح الآخران بالذهب وطعما بأحجار شبه كريمة. ثم مقعد عرشه وصندوقه الخاص، ومجموعة رائعة من تماثيله المعدنية الصغيرة وتماثيل بعض أفراد أسرته. ومجموعات من أدوات الزينة والأواني المرمرية الشفافة تعتبر من أرق آيات الصناعة الفنية في العالم القديم كله. ولسنا ننكر ما في ذلك كله من مفخرة لا نزال نعتز بها على القدماء والمحدثين معًا، ولكن أن يكتنز شخص واحد هذا الثراء كله ويدخره لمقبرته ولآخرته، لهو الإسراف المشين. وعلى أية حال وإذا كان ذلك هو ثراء مقبرة فرعون قصير الأجل مضطرب العهد، غطت صفائح الذهب على عجلاته الحربية وسرادقاته الخشبية، فلا شك في أن ثراء مقابر أسلافه العظام كان أجل وأعظم، لولا أن تعرضت للعبث والنهب على مر العصور، ولم يبق من مدخراتها غير القليل النادر. وقل الأمر نفسه بالنسبة لمقابر كبار الأفراد من الشعب، فقليل منها احتفظت بمحتوياتها، مثل مقبرة يويا وثويا صهري أمنحوتب الثالث، ولكن قليلها يشهد في الوقت ذاته بترف واسع أثرى الفن وأغنى التاريخ، وإن كان قد تحقق لأصحابه على حساب الملايين من الشعب وسوف يكون لما تضمنته هذه المقابر وتلك وما احتوته معابد العصر من فنون النحت والنقش والتصوير، بحث موجز خاص يرد في ختام هذا الفصل.

стр. 277

ثانيا: عودة الكفاح ثم الرفاهية في عصر الرعامسة مع الأسرة التاسعة عشرة ... ثانيًا: عود الكفاح ثم الرفاهة في عصر الرعامسة مع الأسرة التاسعة عشرة ١٣٠٨ - ١١٩٤ق. م لم يكن رأس الرعامسة وريث بيت مالك، وإنما كان قائدًا ووزيرًا من خاصة الشعب يسمى "بارع مسسو" اطمأن حورمحب إليه وجعله الرجل الثاني في الدولة١. ثم عهد إليه بالحكم بعده، فاعتلى العرش في عام ١٣٠٨ باسم "رعمسسو من بحتي رع" بمعنى "أنجبه رع ودامت قدرة رع"، وهو اسم اعتادت المؤلفات الكلاسيكية والحديثة على أن تعبر عن شطره الأول باسم "رمسيس" فحسب، وهو ما سنجري عليه بالنسبة له ولأحفاده الذين تسموا بمثل اسمه. وكان حين ولي العرش كهلًا فلم يعمر عليه أكثر من عامين استعان فيهما بولده "سيتي" على تصريف شئون البلاد، وعهد إليه بالوزارة والقيادة ورئاسة الشرطة والرياسة التقليدية للكهنة. وبهذا لم يذكر للكهل من جديد أكثر من أنه ضمن الحكم لأهله وخلف فيه ولده الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لملك أسرته. ارتقى سيتي "من ماعت رع" العرش بعد أن تخطى الأربعين فجمع نضج السن إلى مرانه في عهد أبيه، وكان لتوليته صدى مختلف في مصر وخارجها. أما في عصر فاعتبر عهده بشيرًا باستعادة المجد السالف وسمي وحم مسوت أي عهد تجديد المواليد أو معيد المواليد وبما يعني معنى عهد النهضة "وهي تسمية كانت لها سابقتها في بداية عصر الأسرة الثانية عشرة". وأما في الخارج، فرأت بعض الطوائف الشمالية في حداثة العهد الجديد فرصة للقضاء على ما بقي لمصر من نفوذ خارجي في شئون التجارة والسياسة. ولسنا ندري شيئًا واضحًا عن تفاصيل النهضة التي وصف المصريون بها عهدهم الجديد، إلا أن تكون اطمئنانهم إلى ولاية فرعون حازم طموح يستطيع أن يستعيد هيبة بلاده في الخارج مما سيتناوله حدثينا عن السياسة الخارجية، ويستطيع أن يثبت دعائم الاستقرار في الداخل بما يستتبعه عادة من أمن ورخاء وعمران. ولقد جرى الرجل على سنة حورمحب في تشديد العقوبات على المفسدين، وتوعد في بعض مراسيمه من يسلب راعيًا ويتسبب في هلاك الماشية التي يرعاها أو ضياعها بضربه مائتي عصا وتغريمه أضعافًا مضاعفة عن الماشية المفقودة، وتوعد الراعي السارق بالهلاك على الخازوق واسترقاق زوجته وأولاده. وتوعد من يشتري الماشية المسروقة برد مائة "؟ " ضعف عنها. وتوعد من يتستر على جريمة بالحرمان الديني. وإن كان قد هدد بكل هذه العقوبات المسرفة المعتدين على حرمة أملاك المعابد أكثر من غيرهم٢.

стр. 278

وجرت النصوص الرسمية القديمة على أن تربط بين شواهد العمران وبين بناء المعابد وتجديدها. وعلى هذا الاعتبار سجلت لسيتي اهتمامًا مفرطًا بالمعابد، ويبدو أنه اهتم بها ليثبت لرجال الكهنوت أن رعاية أسرته لحقوق الدين وأربابه لا تقل عن عناية الأسر المالكة التي سبقتها إن لم تزد عنها، وأوصى بجمع أكبر عدد من تماثيل الأرباب الكبار في كل معبد شاده ليتألف بذلك قلوب أتباعهم أصحاب المذاهب المختلفة في بلده. وسجلت له نصوصه حديثًا لطيفًا خاطب به أولئك الأرباب قائلًا لهم: " ... إنما أنا "خادم" خدوم، طيب متيقظ لما تشاءون ... ، مروا ولسوف يلبي أمركم، فأنتم السادة، وأنا أبذل حياتي في سبيل الإخلاص لكم وسبيل الحسنى معكم ... ". ووصف سبيلهم هذا بقوله "إن من راعى كلمة الرب سعد ولن تفشل مشاريعه ... "، ووعظ خلفاءه فقال: "إن من عطل مصالح غيره لقي جزاءه بالمثل، والمغتصب سوف يغتصب ... " ثم خوفهم عذاب الآخرة قائلًا: "سيكون "المردة" حمرًا مثل لهب الجحيم، وسوف يشوون لحوم من لا يستمعون إلى قولي ... "١. وهكذا كانت شخصية بعض الفراعنة وحصافة أقوالهم، مما يختلف عن الرأي الشائع عن تألههم وجبروتهم. وكان من وجوه النشاط الداخلي في عهد سيتي اتساع استغلال مناجم الذهب في الصحراء الشرقية. وقد صور أحد مهندسيه خريطة على بردية لبعض مناجم وادي الحمامات، لا سيما مناجم أم الفواخير، حدد فيها مواقعها والطرق المؤدية إليها، والطريق المؤدي منها إلى البحر الأحمر، وموقع معبدها المحلي وموقع جبل بخن "جبل الشست" منها. وعرف بعض معالمها بأسماء مختصرة كان أمتعها اختصار اسم البحر الأحمر إلى اسم "يم" وهو الاسم السامي الذي عبر القرآن الكريم به عن البحر والنهر. وتعتبر هذه أول أو ثاني خريطة من نوعها عرفت حتى الآن من العالم القديم٢. وتقرن مهارة مهندسها بخريطة أخرى نقشت في نفس العهد في الكرنك وصورت المحطات والحصون المنتشرة على الحدود الشمالية الشرقية حتى بداية فلسطين، وقد أثبتت مفرداتها في ترتيب مكاني صحيح، وتعتبر بدورها أقدم خريطة حربية جغرافية مصورة معروفة. ومن تفصيلاتها الطريفة تصوير مدينة ثارو "قرب القنطرة" تحميها تحصينات أمامية ويمتد جسر فوق قناتها، وتصوير عدد من كهنتها وموظفيها يحملون طاقات الزهور ليستقبلوا بها فرعونهم عند عودته إليه منتصرًا من حملة حربية٣. ومع الاهتمام بالمناجم سجلت النصوص لفرعونها حديثًا آخر يحمل طابع بدوره طابع الشفقة والبساطة والأدب ولا يقل طرافة عن حديثه إلى آلهته. وروت أن سيتي أراد أن يتحقق من أحوال الصحراء ومسالك المناجم فيها، وكان يظن أنه تتوفر فيها مجار مائية كافية، ولكنه بعد أن سار فيها ولمس قسوتها راجع نفسه

стр. 279

وقال: "ما أتعس الطريق الذي يعوزه الماء، وكيف يكون حال المسافرين فيه إذا أرادوا أن يتقوا جفاف حلوقهم؟ ومن ذا الذي يرد ظمأهم، ومواطنهم بعيدة والصحراء مديدة؟ فيالتعاسة من يظمأ في البرية ... ، هلم إلى عقلي حتى أفكر في راحتهم وأكفل لهم ما يصون حياتهم ويجعلهم يترحمون عليَّ في السنين المقبلة، وعساني أعمل عملًا يشكرني عليه أهل الأجيال القادمة، أنا الشفوق الذي يعنيني الرخاء". وتجول الفرعون في الصحراء حتى حقق الرب مسعاه وهداه إلى موضع أمر رجاله بأن يحفروا بئرًا فيه، ولما نجح مسعاهم، قال سيتي: "أجاب الرب دعائي، وأفاض الماء من أجلي على الهضاب، في طريق كان موحشًا منذ عهود الأرباب، فأصبح رخاء في عهدي، وأرجو أن تنمو فيه حشائش تفيد الرعاة. ولا ريب في أنه إذا نشط الملك سعدت بلاده ... ، وقد أوحى الرب إلى أن أشيد ههنا قرية يتوسطها معبد، فالبلد الذي يتضمن معبدًا بلد مبارك"١. وكما نشط العمران على الأقل بالمعنى الذي قصدته نصوص سيتي، بلغت فنون النقش والتصوير والنحت في عهده ذرى عالية من الجمال المترف والذوق المبدع، لا سيما في معبد شعائره في أبيدوس، ونقوش مقبرته في غرب طيبة، ومناظر حروبه الخارجية ومناظر تقواه في الكرنك حيث صور في اثنين وعشرين وضعًا خاشعًا يتعبد فيها ربه آمون رع، ويتخذ في كل وضع منها هيئة معينة ويدعو بدعاء خاص مختلف. أسلفنا أن بداية عصر الأسرة التاسعة عشرة في مصر كان لها صدى داخلي يختلف عن صداها في الخارج، فعلى حين اعتبرها المصريون بشيرًا بعصر نهضة، ظنت بعض الطوائف الخارجية أن حداثتها فرصة لحرمان مصر مما بقي لها من نفوذ خارجي في سالم التجارة والسياسة، وشجعتها على هذا الظن عدة عوامل كان منها قلة النشاط العسكري لمصر في أواخر عصر الأسرة الثامنة عشرة، وانهيار دولة حلفائها الميتان تحت ضربات الحيثيين "الخاتيين" عام ١٣٦٥، ثم تفرغ الحيثيين لتحريض من والاهم من أمراء الشام على المصريين. وزادت هذه الملابسات سوءًا بظهور هجرات آرية الطابع أشاعت التوتر في الشرق، وقد خرجت طوائفها الأولى من مواطنها المجهولة منذ أوائل القرن الرابع عشر ق. م، وتسللت إلى الحوض الشرقي للبحر المتوسط واختلطت بسكان جزره وسواحله اختلاطًا جزئيًّا، وعمل رجالها مرتزقة عند من يجزلون العطاء لهم من أمم الشرق الغنية. ثم رنت بعض طوائفهم إلى الشواطئ الجنوبية للبحر في أواخر القرن نفسه، ولما عز عليها أن تقصد السواحل المصرية مباشرة اتجهت إلى النزول غربها على الشواطئ الليبية٢. وواجه سيتي الأول كل هذه المشاكل بحزم وكفاية وأعادت جيوشه الاستقرار إلى أرض كنعان التي هددها العدو، وسيطرت على قواته على مرتفعاتها، وبلغت في تقدمها جبال لبنان، ثم أتتها أنباء تحركات مريبة على حدود مصر الغربية تحت ضغط الهجرات الآرية التي أشرنا إليها، فاندفعت الجيوش المصرية إليها وكسرت حدتها، ثم عادت

стр. 280

بعد فترة إلى سوريا ولكن تقدمها فيها أقلق دولة الحيثيين "الخاتيين"، وهنا أراد كل من الفريقين أن يجرب باسه مع الآخر وجهًا لوجه، فتلاقى جيش الحيثيين مع الجيش المصري في شمال قادش، وكان أول لقاء مباشر بين الخصمين الكبيرين أدرك كل منهما بعده أنه لن يتيسر له القضاء على قوة خصمه بسهولة فتميع الموقف بينهما إلى حين وربما انتهيا إلى عقد هدنة، وإن كانت نصوص كل فريق منهما قد ادعت النصر لأهلها على الفريق الآخر. وأرخ رجال سيتي لحروبه كتابة وتصويرًا، وسجلوا مراحلها على بعض جدران الكرنك، وصوروا قتال العربات وتدمير المدن وسوق الأسرى في لوحات كبيرة. وسجلوا خريطتهم الحربية المصورة التي أشرنا إليها، وأظهروا ملكهم يقاتل راكبًا وراجلًا، وليس راكبًا فقط كما جرت العادة في صور ملوك الدولة الحديثة، وصوروه في المعركة يضغط بثقله على عدوين تحت إبطيه، ومن حوله أولاده يشاركونه الحرب. وكان كل ذلك جديدًا في تاريخ التسجيل الفني للحروب١. وظلت شئون الإدارة الخارجية على حالها الذي استقرت عليه خلال عصر الأسرة الثامنة عشرة. فتولى أمرها في الشام أمراء محليون وشاركهم في مسئولية توطيد الأمن حاميات مصرية شامية، وقام بمهمة التنسيق بين القطرين رسل ملكيون. وتولى الإدارة في النوبة أمراء محليون أيضًا تحت إشراف أمير كاش المصري ونوابه٢. خلف سيتي ولده رمسيس الثاني "وسرماعت رع ستبن رع" في عام ١٢٩٠ق. م٣. وكان أحد شخصيات حاكمة فرضت شهرتها على التاريخ ورواته. وتهيأت له منزلته في حوادث عصره نتيجة لعوامل عدة، كان منها: أنه ورث عن أبيه عرش دولة قوية ذات ثراء عريض، وأنه شاركه في الحكم بضع سنين فاكتسب خبرة لا بأس بها في شئون الحرب والسياسة، وأنه ولي الحكم شابًّا تملؤه الحمية وتحدوه آمال واسعة، وأنه وجد في رجاله، مدنيين وعسكريين، خبرة أصيلة، وأنه صادم أضخم قوة عسكرية في عصره وهي قوة الخاتيين "الحيثيين" واستطاع هو وجيوشه أن يصونوا سمعة مصر العسكرية إزاءها، وأنه كان شغوفًا بتخليد ذكراه والدعاية لنفسه بكل سبيل، وأن عهده طال سبعة وستين عامًا أنجز له رجاله خلالها عددًا من المعابد والقصور والمسلات والتماثيل بلغ حدًّا من الكثرة والضخامة قل أن بلغته آثار حاكم آخر في العالم القديم. وظهرت لمصر عاصمة سياسية جديدة في عهد رمسيس، ارتبطت شهرتها باسمه، فسميت "بر رعمسسو" أي دار رمسيس، وأصبحت واحدة من أمهات العواصم في الشرق القديم، ويفهم من جدل طويل حول تعيين مكانها، أنها كانت تمتد وتضم بضياعها ما بين قنتير وبين صان الحجر الحاليتين في شرق الدلتا، على

стр. 281

الفرع التانيسي للنيل١ "قرب عاصمة الهكسوس القديمة"، وكانت بهذا ذات موقع مناسب يتوسط دولة الرعامسة في مصر والشام، ويسمح بوجود احتياطي عسكري كبير فيها يمكن أن ينجد الحاميات الشمالية على جناح السرعة في عصر اشتدت فيه أخطار الحيثيين وشعوب البحر، وذلك فضلًا عما توافر لها من إستراتيجية حيوية ودفاعية مقبولة؛ نظرًا لإشرافها على الفرع التانيسي للدلتا وإمكان وصول السفن البحرية الصغيرة إليها، وإمكان استغلال الفيضانات في حمايتها من ناحية البر حين الضرورة، وحماية ظهيرها بمناقع الدلتا الشمالية من ناحية البحر. وربط بعض المؤرخين بين الجهود التي بذلت في إنشاء هذه المدينة وبين ما روته قصص الخروج في التوراة من تسخير فرعون موسى للعبرانيين في إنشاء مدينة ضخمة في أرض جوشن بشرق الدلتا، وهو ربط لا يزال في مرحلة الفروض. وعمر رجال رمسيس مدينته بتماثيل ومعابد كثيرة أغلبها جديد قطعوا أحجاره من محاجرها، وبعضها تخيروا تماثيله ومسلاته وأحجاره من معابد الوجه البحري ومصر الوسطى وبعض معابد الصعيد. وسجلوا اسم ملكهم على هذه وتلك، وتبعهم في هذه السنة خلفاؤهم في عصر الرعامسة بالنسبة لملوكهم، الأمر الذي يدعو إلى الحكم على تصرفهم هذا بأحد أمرين: إما دمغهم ودمغ فراعنتهم بالسرقة والاعتداء على آثار الغير في سبيل إضفاء الفخامة ومظاهر الثراء على عاصمتهم حديثة النعمة سريعة التكوين، وإما أن نلتمس لهم مبررات تناسب عصرهم وظروفهم دون أن نبرئهم البراءة كلها، ومن هذه المبررات أن الغزاة الهكسوس قد سبقوهم إلى انتحال بعض هذه التماثيل والآثار لأنفسهم بعد أن محوا منها أسماء أصحابها، فاستردها رجال رمسيس وسجلوا اسمه عليها باعتباره الوريث الشرعي لأصحابها الأصليين الذين عز على رجاله أن يتعرفوا على أسمائهم، ثم أكرموها بوضع أغلبها في معبد الإله آمون الذي توسط العاصمة الجديدة وقام فيها بدور معبده الكبير في طيبة. وليس من المستبعد أنهم وجدوا بعض العمائر القديمة التي استخدموا أحجارها مهدمة مهملة بالفعل، فاعتبروا استعمالها أفضل من تركها على حالها، ووجدوا تسجيل اسم فرعونهم عليها أمانًا لها من الاعتداء والإهمال. وإن كنا لا ننكر أخيرًا أن كل هذا المبررات كانت تخدم غرضًا أكبر، وهو إشباع شغف رمسيس بالعمائر والتماثيل عن أقرب سبيل، في الدلتا وفي الصعيد أيضًا، ما دامت التقاليد قد جعلته صاحب التصرف الأول في عصره وممثل الأرباب والأسلاف في أرضه. وعلى أية حال، فلم ينل مجد العاصمة الجديدة كثيرًا من أمجاد العاصمتين القديمتين منف وطيبة. فاحتفظ الرعامسة بقصورهم في منف، وزادوا عمرانها، كما ظلت معابد آمون رع في طيبة تحظى بأكبر قسط من رعاية الدولة وثرائها، مما سنعرض نماذجه في حديثنا عن تطور الفنون في الدولة الحديثة، ويكفي أن نشير هنا إلى ضخامة آثار هذا العهد، وفي طيبة بالذات فضلًا عن غيرها من مدن القطر، تدل ضمنًا على ثراء واسع تمتعت الدولة به، وإن كنا للأسف لا نستطيع أن نربط بينه بالضرورة وبين رخاء عام يقابله تمتع به الشعب في مجمله.

стр. 282

وعمر رمسيس الثاني ما يقرب من تسعين عامًا، ونعم بحكم طويل بلغ سبعة وستين عامًا، واستمتع في حياته الخاصة بأكثر مما استمتع به الفراعنة الذين سبقوه، وبز أمنحوتب الثالث المزواج في عدد زوجاته وجواريه، وأنجب عددًا كبيرًا من الأبناء قدر بعض المؤرخين أنهم بلغوا ٥٩ بنتًا و٧٩ ولدًا أو مائة ولد. غير أن هذا التقدير ونحوه لا يخلو من شك كبير، ولا يبعد أن بعض من اعتبرهم المؤرخون أبناءه كانوا من بيته المالك فحسب، أي من أقربائه الصغار الذين انتسبوا إليه تشرفًا، وخدع المؤرخين في نسبهم أن اللقب المصري "سانيسو" بمعنى ابن الملك، ولقب "سات نيسو" بمعنى "بنت الملك"، لم يكن أحدهما يختلف عن لقب الإمارة العادي لبقية أفراد الأسرة المالكة الذين لم يكن يتميز عنهم بلقبه غير ولي العهد. وقد تنقلت ولاية العهد في أيام رمسيس بين ثلاثة عشر ولدًا من صلبه، مات اثنا عشر منهم في حياته، وكان أشهرهم خعمواس الذي اكتسب سمعة واسعة في عصره بعلمه الديني وبإشرافه على إنشاء كثير من آثار أبيه وتنظيم أعياده١. وقع العبء الأكبر في ملاقاة الحيثيين "الخاتيين" على مصر في عهد رمسيس الثاني، وكان على رأس الحيثيين حينذاك ملك يسمى موتاللي لم يقل عن رمسيس طموحًا ورغبة في إثبات جبروت دولته، فاستعد للحرب وسخر لها معظم إمكانيات مملكته وجمع حوله جيوشًا تنتمي، فيما ذكرت المصادر المصرية، إلى ما لا يقل عن عشرين طائفة وجنسية، وبدأ توسعه بهم حتى بلغ نهر الكلب شمالي بيروت. وأعد رمسيس عدته هو الآخر، وخرج في حملة استطلاعية خلال عام حكمه الرابع ووصل بجيشه نهر الكلب الحد الفاصل بين نفوذه وبين نفوذ خصومه، وهناك أمر بنقش نصبين على جبل يشرف على أعالي النهر ويطل على البحر؛ تذكارًا لحملته وتحديًا لأعدائه القريبين منه. واتخذت جيوش الحيثيين وحلفاؤهم مدينة قادش مركزًا لعملياتها الحربية، وكانت لها نفس الأهمية الطبيعية والاستراتيجية التي وصفناها لا خلال حروب تحوتمس الثالث، من حيث وقوعها بين ثلاث مساحات مائية وإشرافها على وادي النهر الكبير وتحكمها في مدخل وادي البقاع وأحد طرق التجارة مع بلاد النهرين. وعاد رمسيس لملاقاة الحيثيين وحلفائهم في العام التالي بجيش بلغ نحو عشرين ألف مقابل في أربعة فيالق سمي كل فيلق منها باسم أحد الأرباب المصريين الكبار: آمون، ورع، وبتاح، وست. وعندما بلغ الجيش أرض آمور تخير رمسيس مجموعة من صفوة الشبان في جيشه عرفوا باسم نعرن أو نعرونا بمعنى فرق الفتوة أو شيئًا قريبًا من ذلك، وأوصاهم بالتزام خطوط الساحل وبأن يتخيروا الفرص المناسبة لحماية ظهره ونجدته حين الحاجة. ثم تقدم جيوشه بفيلق آمون حتى بلدة شابتونا "ربلة" وانتظر ما يعود إليه به عيونه، وهناك واجهته خديعة كلفته هو وجيشه كثيرًا من الجهد والرجال؛ إذ وفد على معسكره جاسوسان ادعيا أنهما هربا من جيش الحيثيين الظلمة خلسة، وأن ملكهم تراجع عن قادش وعسكر في منطقة حلب. وانخدع رمسيس برواية الرجلين وظنها فرصته واعتزم الإسراع إلى قادش قبل عودة أعدائه إليها

стр. 283

فانطلق بفيلق آمون في سرعة جنونية وترك فيلق رع يلحق به، وخلف جنود الفيلقين الآخرين على مبعدة منه يسيرون على مهل ليحموا ظهره ويبلغوا ساحة الحرب في راحة مناسبة. وعندما عبر نهر العاصي اشتد عيونه على جاسوسين آخرين أقرا لهم بالواقع وهو أن الحيثيين تواروا بجيوشهم شرق قادش ليداهموا المصريين على غرة بمشاتهم وعرباتهم. وشعر رمسيس بالخطر يوشك أن يحيط بجيشه، فأمر وزيره بأن يستعجل فيلق بتاح، فأرسل الوزير فارسين على متني جوادين سريعين ولحق بهما بعربة، ثم خاطر رمسيس برجاله، وتقدم بفيلق آمون إلى الموضع الذي ظن أن أعداءه عسكروا فيه، ولكن الحيثيين كانوا قد بدلوا مراكزهم بمهارة، وانفلتوا إلى جنوب المدينة وعبروا مخاضة النهر، وتربصوا بفيلق رع حين اقترب منهم في سبيله إلى فيلق آمون، وباغتوه فجأة فشطروه فريقين، فريقًا عاد من حيث أتى وفريقًا أسرع رجاله إلى معسكر الفرعون واحتموا بفليقه. وفي غمرة الاضطراب الذي أشاعوه في المعسكر بدخولهم المفاجئ، لحق الأعداء بهم وفردوا أجنحتهم الواسعة حولهم وكان في كل عربة من عرباتهم الحربية ثلاثة رجال، فتصدى المشاة المصريون لهم وانتزعوا بعضهم من عرباتهم وقاتلوهم بالحراب والسيوف، ولكن العدو كان كثيرًا عليهم، والمفاجأة أذهلت عددًا منهم، وحينذاك لم يجد رمسيس بدًّا من المجازفة بنفسه، فاستقل عربته ولحق به نفر قليل ممن كانوا حوله من القادة وحراسة بدنه، واستنصر ربه آمون وعاتبه عتاب المؤمن، ودعاه بدعاء الابن لأبيه، قائلًا: "ما هذا والدي آمون، هل من شأن الوالد أن يتخلى عن ولده؟ هل أتيت أمرًا دونك؟ ألم أمش وأقف تبعًا لقولك وما تعديت أمرك؟ ... ما أجل رب مصر العظيم حين يسمح للأجانب بأن يقتربوا من حماه. ما الذي غير نفسك آمون؟ وما قيمة هؤلاء الأجانب يا آمون، وهم أشرار يكفرون بالرب ... ؟ أدعوك أبي آمون، وأنا بين أجانب كثيرين لا أعرفهم، وقد تضافرت الأقطار الأجنبية ضدي. وأصبحت وحيدًا وما من أحد حولي، تركني جنودي الكثيرون، ولم يلتفت إلي واحد من خيالتي، وناديتهم فلم يستمع واحد منهم إلى ندائي ... ". انحط رمسيس بحرسه القليل على جماعات كثيفة من الأعداء كانوا يجاورون نهر العاصي واندفع بينهم وكاد يضيع بين عرباتهم، لولا أنه أذهلهم، باستماتته واستبساله. وفجأة أتاه عون ربه، ولاحت له فرق نعرونا أو فرق الفتوة التي تركها على شاطئ آمور، فعبرت النهر الكبير ولحقت به، وانصب أفرادها على جماعة من الحيثيين انشغلوا بنهب المعسكر المصري وشتتوهم، فظنهم الأعداء بداية جيش كبير وتخاذلوا أمامهم. وهنا اشتدت عزيمة رمسيس وشدد هجومه، فلم يجد أعداؤه أمامهم غير النهر فألقوا أنفسهم إليه وغرق بعضهم فيه، وكان منهم أمير حلب، فانتشله أتباعه قبل غرقه وصورتهم المصادر المصرية يعلقونه من قدميه ويجعلون رأسه إلى أسفل حتى يفرغ من فمه ما ابتلعه من الماء، وظلت هذه اللحظات مثار فخر كبير ردده رمسيس مرارًا وأرجع النصر فيه إلى ربه وإلى نفسه. وتتابعت جيوش رمسيس نحوه فأنبهم على تباطئهم عليه، وعاتب ضباطه بحديث لاذع، حاول أن يستفزهم به إلى حسن البلاء، وتعمد أن يذكرهم به بما وفره لهم في مصر من مآثر وحسن معاملة، وكيف قربهم إليه وأحبهم وكاد ينسى أنه السيد الآمر بينهم، وقال لهم:

стр. 284

"لعله ما من أحد منكم إلا أسديت إليه فضلًا في وطني. واذكروا أني لم أقف منكم موقف السيد، وأنكم كنتم فقراء فأغنيتكم بأفضالي المستمرة، وأقمت الابن منكم على أملاك أبيه، وحرصت على أن أبعد كل شر عن أرض مصر. وتجاوزت عن ضرائبكم. ولم يحدث أن اغتصب أحد شيئًا منكم. وكل من أعلن منكم شكاية زكيته على طول الخط، ... والواقع أنه ما من مولى قدم لجنوده ما قمت به لإرضائكم. فقد سمحت لكم بالاستقرار في بيوتكم ومدنكم كلما أعفيتكم من القيام بمهام الجيش، وهكذا كان شأن خيالتي، يسرت لهم السبيل إلى قراهم "كلما شاءوا أو كلما سمحت الظروف". وما نظن أن حديث رمسيس يخلو من المبالغة، ولكنه لا يخلو في الوقت نفسه من حقائق مقبولة، فقد دلت متون بعض أفراد الجيش العاديين، وليس الضباط وحدهم، على أنهم تمتعوا بإنعامات الملوك فعلًا، وأنهم كانوا من ملاك الأراضي، وذوي خدم وعبيد، ليس في الدولة الحديثة وحدها، وإنما فيما سبقها كذلك من عصور. وكان من شأن غناهم النسبي، فيما يرجح، أن يجنبهم الدنية ويهذب خشونتهم ويكفل لهم كرامة العيش، فضلًا عما يرتضونه لأنفسهم من كرامة المظهر. وتوالت هجمات رمسيس وجيوشه على جيوش أعدائه ست مرات، وكانت السادسة هي الفاصلة، فانسحب الحيثيون إلى مدينة قادش، وزادت المصادر المصرية فروت أن ملكهم أوفد رسولًا إلى رمسيس يعرض عليه السلم ويستعطفه بعبارات لا تخلو من ألم ومذلة، ويقول فيما روى المؤرخون المصريون: " ... هل من الخير أن تبطش بعبيدك، ووجهك الكريم يلحظهم دون أن ترحم؟ تذكر ما فعلته بالأمس حيت أتيت فقتلت منا مئات الألوف، أتأتي اليوم أيضًا ولا تُبقي من رجالنا باقية؟ لا تكن قاسيًا في حكمك أيها الملك الهمام، فالسلام خير من الحروب ... ". ومال رمسيس إلى الاستجابة من أجل نفسه التي أجهدتها الحرب، ولصالح جيشه، ورحمة بعدوه، ولكنه أراد أن يعرف رأي رجاله أولا، فاستدعى رؤساء جيشه، خيالة ورجالة، وجمعهم في صعيد واحد، وأسمعهم عرض كبير الحيثيين، فأجابوه في صوت واحد: "الصلح خير عظيم جدًّا، مولانا الحاكم، وليس في السلام من بأس إن نفذته. ومن ذا الذي لا يهاب يوم نقمتك؟ ". وغلبت على المصري سماحته "فأذن الفرعون بالاستجابة إلى دعاء العدو، وبسط يديه من أجل السلام، وقفل راجعًا مع جنوده في أمان إلى أرض مصر". سجل أعوان رمسيس تفاصيل معركة قادش كتابة وتصويرًا على جدران معابد الكرنك والأقصر والرمسيوم وأبيدوس وأبي سنبل، وسجلوها على صفحات البردي للذكرى والتفاخر والدراسة١، وغالوا في تصوير جرأته فيها كما غالوا في تصوير عجز أعدائهم فيها. وكان من الطبيعي أن يسجل الحيثيون من

стр. 285

أخبار المعركة ما يحفظ عليهم ماء وجههم، فأنكروا في نصوصهم أنهم طلبوا العفو من رمسيس، وادعوا أنه يئس منهم فنزح عنهم، وأنهم تعقبوا مؤخرة جيشه١. وحار المؤرخون بين الروايتين، ومال كل فريق منهم إلى جانب، غير أنه من المرجح أن رمسيس وإن لم يطرد الحيثيين تمامًا من شمال الشام، فإنه قد أفسد خطتهم، ومنع الهزيمة عن جيشه، وأوقف تقدمهم بعد قادش، وأرهب أعوانهم، ثم عاد إلى مصر ليستجمع قوى دولته ويتحين الفرص لمعاودة هجومه. وواتته الفرصة في العام الثامن من حكمه، حين عاود الحيثيون الفتنة وإثارة الاضطرابات في بعض مدن الشام، فخرج بجيشه وأعاد الاستقرار إليها بعد مجهود عنيف٢. وواصلت جيوشه نشاطها التفتيشي في أرجاء جدولته الواسعة بعد عامه الثامن، وقادها رمسيس في بعض هذه المرات وذكر في نصوصه أنه قاتل إحدى المدن التي سيطر الحيثيون عليها ساعتين كاملتين قبل أن يرتدي درعه٣. واستمرت حالات التوتر الخارجي حتى العام الحادي والعشرين من حكمه وفيه ظهر تحول واسع جديد في تاريخ العلاقات المصرية الحيثية وفي تاريخ الشرق القديم وتقاليده. وكانت قد أحاطت بدولة الحيثيين قبل ذلك العام هزات داخلية وخارجية عنيفة، ففي الداخل توفي موتاللي عدو رمسيس اللدود، وتنازع ولي عهده مع عمه على ولاية العرش، والتمس ولي العهد معاونة رمسيس، ويحتمل أنه وعده بها، ولكنه لم يتخذ خطوات فعالة بشأنها، واستطاع العم "خاتوسيلي" أن يتغلب على ابن أخيه، ولكنه أدرك أن مصر ستظل ملاذًا لخصومه على عرشه، فاعتزم أن يسلك معها سياسة جديدة. وحضته على انتهاك هذه السياسة الجديدة هزات خارجية قوية صدرت عن دولة آشور التي بدأت حينذاك عصرها الوسيط وبدأت تتطلع إلى نصيب من السيادة في عالم الشرق وسياسته، ثم هزات أخرى تمثلت في استمرار تدفق هجرات شعوب البحر الآرية على حوض البحر المتوسط وشواطئه. وكل من الأمرين تخوفته مصر أيضًا وخشيت منهما زيادة اختلال توازن القوى في الشرق، وأصبحت على استعداد لاتخاذ خطوة إيجابية لإعادة هذا التوازن من جديد. وبدأت خطوات التجديد من قبل الحيثيين، على حد قول المصادر المصرية، فأوفد ملكهم خاتوسيلي رسولين إلى قصر رمسيس في عاصمته، وعرض الرسولان على الفرعون مشروع معاهدة تحالف بين مصر وخاتي، وكان المشروع مسجلًا بالخط المسماري على لوحة من الفضة باسم خاتوسيلي، فقبله رمسيس من حيث المبدأ وكتب رجاله نصًّا آخر باللغة المصرية على لوح من الفضة أيضًا، قد يكون متفقًا مع المشروع الخاتي أو معدلًا عنه تعديلًا يسيرًا، وبعد اتصالات أخرى وقع الملكان على المعاهدة حوالي عام ١٢٧٠ق. م، وربما وقعت الملكتان عليها أيضًا، وبدأ حين ذاك عهد جديد٤.
следующие страницы →