الفرع التانيسي للنيل١ "قرب عاصمة الهكسوس القديمة"، وكانت بهذا ذات موقع مناسب يتوسط دولة الرعامسة في مصر والشام، ويسمح بوجود احتياطي عسكري كبير فيها يمكن أن ينجد الحاميات الشمالية على جناح السرعة في عصر اشتدت فيه أخطار الحيثيين وشعوب البحر، وذلك فضلًا عما توافر لها من إستراتيجية حيوية ودفاعية مقبولة؛ نظرًا لإشرافها على الفرع التانيسي للدلتا وإمكان وصول السفن البحرية الصغيرة إليها، وإمكان استغلال الفيضانات في حمايتها من ناحية البر حين الضرورة، وحماية ظهيرها بمناقع الدلتا الشمالية من ناحية البحر. وربط بعض المؤرخين بين الجهود التي بذلت في إنشاء هذه المدينة وبين ما روته قصص الخروج في التوراة من تسخير فرعون موسى للعبرانيين في إنشاء مدينة ضخمة في أرض جوشن بشرق الدلتا، وهو ربط لا يزال في مرحلة الفروض.
وعمر رجال رمسيس مدينته بتماثيل ومعابد كثيرة أغلبها جديد قطعوا أحجاره من محاجرها، وبعضها تخيروا تماثيله ومسلاته وأحجاره من معابد الوجه البحري ومصر الوسطى وبعض معابد الصعيد. وسجلوا اسم ملكهم على هذه وتلك، وتبعهم في هذه السنة خلفاؤهم في عصر الرعامسة بالنسبة لملوكهم، الأمر الذي يدعو إلى الحكم على تصرفهم هذا بأحد أمرين: إما دمغهم ودمغ فراعنتهم بالسرقة والاعتداء على آثار الغير في سبيل إضفاء الفخامة ومظاهر الثراء على عاصمتهم حديثة النعمة سريعة التكوين، وإما أن نلتمس لهم مبررات تناسب عصرهم وظروفهم دون أن نبرئهم البراءة كلها، ومن هذه المبررات أن الغزاة الهكسوس قد سبقوهم إلى انتحال بعض هذه التماثيل والآثار لأنفسهم بعد أن محوا منها أسماء أصحابها، فاستردها رجال رمسيس وسجلوا اسمه عليها باعتباره الوريث الشرعي لأصحابها الأصليين الذين عز على رجاله أن يتعرفوا على أسمائهم، ثم أكرموها بوضع أغلبها في معبد الإله آمون الذي توسط العاصمة الجديدة وقام فيها بدور معبده الكبير في طيبة. وليس من المستبعد أنهم وجدوا بعض العمائر القديمة التي استخدموا أحجارها مهدمة مهملة بالفعل، فاعتبروا استعمالها أفضل من تركها على حالها، ووجدوا تسجيل اسم فرعونهم عليها أمانًا لها من الاعتداء والإهمال. وإن كنا لا ننكر أخيرًا أن كل هذا المبررات كانت تخدم غرضًا أكبر، وهو إشباع شغف رمسيس بالعمائر والتماثيل عن أقرب سبيل، في الدلتا وفي الصعيد أيضًا، ما دامت التقاليد قد جعلته صاحب التصرف الأول في عصره وممثل الأرباب والأسلاف في أرضه.
وعلى أية حال، فلم ينل مجد العاصمة الجديدة كثيرًا من أمجاد العاصمتين القديمتين منف وطيبة. فاحتفظ الرعامسة بقصورهم في منف، وزادوا عمرانها، كما ظلت معابد آمون رع في طيبة تحظى بأكبر قسط من رعاية الدولة وثرائها، مما سنعرض نماذجه في حديثنا عن تطور الفنون في الدولة الحديثة، ويكفي أن نشير هنا إلى ضخامة آثار هذا العهد، وفي طيبة بالذات فضلًا عن غيرها من مدن القطر، تدل ضمنًا على ثراء واسع تمتعت الدولة به، وإن كنا للأسف لا نستطيع أن نربط بينه بالضرورة وبين رخاء عام يقابله تمتع به الشعب في مجمله.
стр. 282
وعمر رمسيس الثاني ما يقرب من تسعين عامًا، ونعم بحكم طويل بلغ سبعة وستين عامًا، واستمتع في حياته الخاصة بأكثر مما استمتع به الفراعنة الذين سبقوه، وبز أمنحوتب الثالث المزواج في عدد زوجاته وجواريه، وأنجب عددًا كبيرًا من الأبناء قدر بعض المؤرخين أنهم بلغوا ٥٩ بنتًا و٧٩ ولدًا أو مائة ولد. غير أن هذا التقدير ونحوه لا يخلو من شك كبير، ولا يبعد أن بعض من اعتبرهم المؤرخون أبناءه كانوا من بيته المالك فحسب، أي من أقربائه الصغار الذين انتسبوا إليه تشرفًا، وخدع المؤرخين في نسبهم أن اللقب المصري "سانيسو" بمعنى ابن الملك، ولقب "سات نيسو" بمعنى "بنت الملك"، لم يكن أحدهما يختلف عن لقب الإمارة العادي لبقية أفراد الأسرة المالكة الذين لم يكن يتميز عنهم بلقبه غير ولي العهد. وقد تنقلت ولاية العهد في أيام رمسيس بين ثلاثة عشر ولدًا من صلبه، مات اثنا عشر منهم في حياته، وكان أشهرهم خعمواس الذي اكتسب سمعة واسعة في عصره بعلمه الديني وبإشرافه على إنشاء كثير من آثار أبيه وتنظيم أعياده١.
وقع العبء الأكبر في ملاقاة الحيثيين "الخاتيين" على مصر في عهد رمسيس الثاني، وكان على رأس الحيثيين حينذاك ملك يسمى موتاللي لم يقل عن رمسيس طموحًا ورغبة في إثبات جبروت دولته، فاستعد للحرب وسخر لها معظم إمكانيات مملكته وجمع حوله جيوشًا تنتمي، فيما ذكرت المصادر المصرية، إلى ما لا يقل عن عشرين طائفة وجنسية، وبدأ توسعه بهم حتى بلغ نهر الكلب شمالي بيروت. وأعد رمسيس عدته هو الآخر، وخرج في حملة استطلاعية خلال عام حكمه الرابع ووصل بجيشه نهر الكلب الحد الفاصل بين نفوذه وبين نفوذ خصومه، وهناك أمر بنقش نصبين على جبل يشرف على أعالي النهر ويطل على البحر؛ تذكارًا لحملته وتحديًا لأعدائه القريبين منه. واتخذت جيوش الحيثيين وحلفاؤهم مدينة قادش مركزًا لعملياتها الحربية، وكانت لها نفس الأهمية الطبيعية والاستراتيجية التي وصفناها لا خلال حروب تحوتمس الثالث، من حيث وقوعها بين ثلاث مساحات مائية وإشرافها على وادي النهر الكبير وتحكمها في مدخل وادي البقاع وأحد طرق التجارة مع بلاد النهرين.
وعاد رمسيس لملاقاة الحيثيين وحلفائهم في العام التالي بجيش بلغ نحو عشرين ألف مقابل في أربعة فيالق سمي كل فيلق منها باسم أحد الأرباب المصريين الكبار: آمون، ورع، وبتاح، وست. وعندما بلغ الجيش أرض آمور تخير رمسيس مجموعة من صفوة الشبان في جيشه عرفوا باسم نعرن أو نعرونا بمعنى فرق الفتوة أو شيئًا قريبًا من ذلك، وأوصاهم بالتزام خطوط الساحل وبأن يتخيروا الفرص المناسبة لحماية ظهره ونجدته حين الحاجة. ثم تقدم جيوشه بفيلق آمون حتى بلدة شابتونا "ربلة" وانتظر ما يعود إليه به عيونه، وهناك واجهته خديعة كلفته هو وجيشه كثيرًا من الجهد والرجال؛ إذ وفد على معسكره جاسوسان ادعيا أنهما هربا من جيش الحيثيين الظلمة خلسة، وأن ملكهم تراجع عن قادش وعسكر في منطقة حلب. وانخدع رمسيس برواية الرجلين وظنها فرصته واعتزم الإسراع إلى قادش قبل عودة أعدائه إليها
стр. 283
فانطلق بفيلق آمون في سرعة جنونية وترك فيلق رع يلحق به، وخلف جنود الفيلقين الآخرين على مبعدة منه يسيرون على مهل ليحموا ظهره ويبلغوا ساحة الحرب في راحة مناسبة. وعندما عبر نهر العاصي اشتد عيونه على جاسوسين آخرين أقرا لهم بالواقع وهو أن الحيثيين تواروا بجيوشهم شرق قادش ليداهموا المصريين على غرة بمشاتهم وعرباتهم. وشعر رمسيس بالخطر يوشك أن يحيط بجيشه، فأمر وزيره بأن يستعجل فيلق بتاح، فأرسل الوزير فارسين على متني جوادين سريعين ولحق بهما بعربة، ثم خاطر رمسيس برجاله، وتقدم بفيلق آمون إلى الموضع الذي ظن أن أعداءه عسكروا فيه، ولكن الحيثيين كانوا قد بدلوا مراكزهم بمهارة، وانفلتوا إلى جنوب المدينة وعبروا مخاضة النهر، وتربصوا بفيلق رع حين اقترب منهم في سبيله إلى فيلق آمون، وباغتوه فجأة فشطروه فريقين، فريقًا عاد من حيث أتى وفريقًا أسرع رجاله إلى معسكر الفرعون واحتموا بفليقه. وفي غمرة الاضطراب الذي أشاعوه في المعسكر بدخولهم المفاجئ، لحق الأعداء بهم وفردوا أجنحتهم الواسعة حولهم وكان في كل عربة من عرباتهم الحربية ثلاثة رجال، فتصدى المشاة المصريون لهم وانتزعوا بعضهم من عرباتهم وقاتلوهم بالحراب والسيوف، ولكن العدو كان كثيرًا عليهم، والمفاجأة أذهلت عددًا منهم، وحينذاك لم يجد رمسيس بدًّا من المجازفة بنفسه، فاستقل عربته ولحق به نفر قليل ممن كانوا حوله من القادة وحراسة بدنه، واستنصر ربه آمون وعاتبه عتاب المؤمن، ودعاه بدعاء الابن لأبيه، قائلًا: "ما هذا والدي آمون، هل من شأن الوالد أن يتخلى عن ولده؟ هل أتيت أمرًا دونك؟ ألم أمش وأقف تبعًا لقولك وما تعديت أمرك؟ ... ما أجل رب مصر العظيم حين يسمح للأجانب بأن يقتربوا من حماه. ما الذي غير نفسك آمون؟ وما قيمة هؤلاء الأجانب يا آمون، وهم أشرار يكفرون بالرب ... ؟ أدعوك أبي آمون، وأنا بين أجانب كثيرين لا أعرفهم، وقد تضافرت الأقطار الأجنبية ضدي. وأصبحت وحيدًا وما من أحد حولي، تركني جنودي الكثيرون، ولم يلتفت إلي واحد من خيالتي، وناديتهم فلم يستمع واحد منهم إلى ندائي ... ".
انحط رمسيس بحرسه القليل على جماعات كثيفة من الأعداء كانوا يجاورون نهر العاصي واندفع بينهم وكاد يضيع بين عرباتهم، لولا أنه أذهلهم، باستماتته واستبساله. وفجأة أتاه عون ربه، ولاحت له فرق نعرونا أو فرق الفتوة التي تركها على شاطئ آمور، فعبرت النهر الكبير ولحقت به، وانصب أفرادها على جماعة من الحيثيين انشغلوا بنهب المعسكر المصري وشتتوهم، فظنهم الأعداء بداية جيش كبير وتخاذلوا أمامهم. وهنا اشتدت عزيمة رمسيس وشدد هجومه، فلم يجد أعداؤه أمامهم غير النهر فألقوا أنفسهم إليه وغرق بعضهم فيه، وكان منهم أمير حلب، فانتشله أتباعه قبل غرقه وصورتهم المصادر المصرية يعلقونه من قدميه ويجعلون رأسه إلى أسفل حتى يفرغ من فمه ما ابتلعه من الماء، وظلت هذه اللحظات مثار فخر كبير ردده رمسيس مرارًا وأرجع النصر فيه إلى ربه وإلى نفسه.
وتتابعت جيوش رمسيس نحوه فأنبهم على تباطئهم عليه، وعاتب ضباطه بحديث لاذع، حاول أن يستفزهم به إلى حسن البلاء، وتعمد أن يذكرهم به بما وفره لهم في مصر من مآثر وحسن معاملة، وكيف قربهم إليه وأحبهم وكاد ينسى أنه السيد الآمر بينهم، وقال لهم:
стр. 284
"لعله ما من أحد منكم إلا أسديت إليه فضلًا في وطني. واذكروا أني لم أقف منكم موقف السيد، وأنكم كنتم فقراء فأغنيتكم بأفضالي المستمرة، وأقمت الابن منكم على أملاك أبيه، وحرصت على أن أبعد كل شر عن أرض مصر. وتجاوزت عن ضرائبكم. ولم يحدث أن اغتصب أحد شيئًا منكم. وكل من أعلن منكم شكاية زكيته على طول الخط، ... والواقع أنه ما من مولى قدم لجنوده ما قمت به لإرضائكم. فقد سمحت لكم بالاستقرار في بيوتكم ومدنكم كلما أعفيتكم من القيام بمهام الجيش، وهكذا كان شأن خيالتي، يسرت لهم السبيل إلى قراهم "كلما شاءوا أو كلما سمحت الظروف".
وما نظن أن حديث رمسيس يخلو من المبالغة، ولكنه لا يخلو في الوقت نفسه من حقائق مقبولة، فقد دلت متون بعض أفراد الجيش العاديين، وليس الضباط وحدهم، على أنهم تمتعوا بإنعامات الملوك فعلًا، وأنهم كانوا من ملاك الأراضي، وذوي خدم وعبيد، ليس في الدولة الحديثة وحدها، وإنما فيما سبقها كذلك من عصور. وكان من شأن غناهم النسبي، فيما يرجح، أن يجنبهم الدنية ويهذب خشونتهم ويكفل لهم كرامة العيش، فضلًا عما يرتضونه لأنفسهم من كرامة المظهر.
وتوالت هجمات رمسيس وجيوشه على جيوش أعدائه ست مرات، وكانت السادسة هي الفاصلة، فانسحب الحيثيون إلى مدينة قادش، وزادت المصادر المصرية فروت أن ملكهم أوفد رسولًا إلى رمسيس يعرض عليه السلم ويستعطفه بعبارات لا تخلو من ألم ومذلة، ويقول فيما روى المؤرخون المصريون: " ... هل من الخير أن تبطش بعبيدك، ووجهك الكريم يلحظهم دون أن ترحم؟ تذكر ما فعلته بالأمس حيت أتيت فقتلت منا مئات الألوف، أتأتي اليوم أيضًا ولا تُبقي من رجالنا باقية؟ لا تكن قاسيًا في حكمك أيها الملك الهمام، فالسلام خير من الحروب ... ".
ومال رمسيس إلى الاستجابة من أجل نفسه التي أجهدتها الحرب، ولصالح جيشه، ورحمة بعدوه، ولكنه أراد أن يعرف رأي رجاله أولا، فاستدعى رؤساء جيشه، خيالة ورجالة، وجمعهم في صعيد واحد، وأسمعهم عرض كبير الحيثيين، فأجابوه في صوت واحد: "الصلح خير عظيم جدًّا، مولانا الحاكم، وليس في السلام من بأس إن نفذته. ومن ذا الذي لا يهاب يوم نقمتك؟ ". وغلبت على المصري سماحته "فأذن الفرعون بالاستجابة إلى دعاء العدو، وبسط يديه من أجل السلام، وقفل راجعًا مع جنوده في أمان إلى أرض مصر".
سجل أعوان رمسيس تفاصيل معركة قادش كتابة وتصويرًا على جدران معابد الكرنك والأقصر والرمسيوم وأبيدوس وأبي سنبل، وسجلوها على صفحات البردي للذكرى والتفاخر والدراسة١، وغالوا في تصوير جرأته فيها كما غالوا في تصوير عجز أعدائهم فيها. وكان من الطبيعي أن يسجل الحيثيون من
стр. 285
أخبار المعركة ما يحفظ عليهم ماء وجههم، فأنكروا في نصوصهم أنهم طلبوا العفو من رمسيس، وادعوا أنه يئس منهم فنزح عنهم، وأنهم تعقبوا مؤخرة جيشه١. وحار المؤرخون بين الروايتين، ومال كل فريق منهم إلى جانب، غير أنه من المرجح أن رمسيس وإن لم يطرد الحيثيين تمامًا من شمال الشام، فإنه قد أفسد خطتهم، ومنع الهزيمة عن جيشه، وأوقف تقدمهم بعد قادش، وأرهب أعوانهم، ثم عاد إلى مصر ليستجمع قوى دولته ويتحين الفرص لمعاودة هجومه. وواتته الفرصة في العام الثامن من حكمه، حين عاود الحيثيون الفتنة وإثارة الاضطرابات في بعض مدن الشام، فخرج بجيشه وأعاد الاستقرار إليها بعد مجهود عنيف٢. وواصلت جيوشه نشاطها التفتيشي في أرجاء جدولته الواسعة بعد عامه الثامن، وقادها رمسيس في بعض هذه المرات وذكر في نصوصه أنه قاتل إحدى المدن التي سيطر الحيثيون عليها ساعتين كاملتين قبل أن يرتدي درعه٣. واستمرت حالات التوتر الخارجي حتى العام الحادي والعشرين من حكمه وفيه ظهر تحول واسع جديد في تاريخ العلاقات المصرية الحيثية وفي تاريخ الشرق القديم وتقاليده.
وكانت قد أحاطت بدولة الحيثيين قبل ذلك العام هزات داخلية وخارجية عنيفة، ففي الداخل توفي موتاللي عدو رمسيس اللدود، وتنازع ولي عهده مع عمه على ولاية العرش، والتمس ولي العهد معاونة رمسيس، ويحتمل أنه وعده بها، ولكنه لم يتخذ خطوات فعالة بشأنها، واستطاع العم "خاتوسيلي" أن يتغلب على ابن أخيه، ولكنه أدرك أن مصر ستظل ملاذًا لخصومه على عرشه، فاعتزم أن يسلك معها سياسة جديدة. وحضته على انتهاك هذه السياسة الجديدة هزات خارجية قوية صدرت عن دولة آشور التي بدأت حينذاك عصرها الوسيط وبدأت تتطلع إلى نصيب من السيادة في عالم الشرق وسياسته، ثم هزات أخرى تمثلت في استمرار تدفق هجرات شعوب البحر الآرية على حوض البحر المتوسط وشواطئه. وكل من الأمرين تخوفته مصر أيضًا وخشيت منهما زيادة اختلال توازن القوى في الشرق، وأصبحت على استعداد لاتخاذ خطوة إيجابية لإعادة هذا التوازن من جديد.
وبدأت خطوات التجديد من قبل الحيثيين، على حد قول المصادر المصرية، فأوفد ملكهم خاتوسيلي رسولين إلى قصر رمسيس في عاصمته، وعرض الرسولان على الفرعون مشروع معاهدة تحالف بين مصر وخاتي، وكان المشروع مسجلًا بالخط المسماري على لوحة من الفضة باسم خاتوسيلي، فقبله رمسيس من حيث المبدأ وكتب رجاله نصًّا آخر باللغة المصرية على لوح من الفضة أيضًا، قد يكون متفقًا مع المشروع الخاتي أو معدلًا عنه تعديلًا يسيرًا، وبعد اتصالات أخرى وقع الملكان على المعاهدة حوالي عام ١٢٧٠ق. م، وربما وقعت الملكتان عليها أيضًا، وبدأ حين ذاك عهد جديد٤.
стр. 286
وتضمنت المعاهدة دلالات ومبادئ دولية بارزة، كان منها أن أشارت في مقدمتها إلى علاقات ود قديمة ربطت بين مصر والحيثيين، ويحتمل أنها عنت بها فترتي الهدنة التي أسلفنا احتمال حدوث إحداهما في عهد حور محب وحدوث الأخرى في عهد سيتي الأول، أو عنت بها فترات تبادل الهدايا والرسائل بين الفريقين في عهد تحوتمس الثالث وعهد أمنحوتب الثالث وبداية عهد ولده آخناتون. وأشهدت المعاهدة في خاتمتها ألفًا من الأرباب والربات المصريين وألفًا من الأرباب والربات الحيثيين، وذلك مما ينم عن استعداد كل من الدولتين لاحترام آلهة الدولة الأخرى، واستعدادهما لعهد تسامح ديني جديد، وهو تسامح رضي المصريون بمثله فيما بينهم وبين النوبيين وفيما بينهم وبين أهل الشام منذ عهود قديمة، ولكنهم لم يرتضوه فيما يبدو مع دولة خارجية أخرى قبل هذه المرة، إلا مع دولة الميتان لفترة قليلة حينما ربطت بينهما روابط الود والمصاهرة.
وتعهدت كل دولة من الدولتين بعدم الاعتداء على حدود الأخرى، وهي حدود لا ندري خطوطها الحقيقية في شمال الشام. واحترمت كل منهما كيان الأخرى على قدم المساواة معها، دون أن تدعي إحداهما سيطرة على أختها أو تدعي أفضلية عليها، وكان في ذلك ما فيه من محاولة التخلي عن التعصب الجنسي القديم، وهي محاولة لم تسبقها فيما نعلم غير محاولة غير مقصودة في عهد أمنحوتب الثالث حين تقبل لفظ الأخوة من أمراء الشرق وملوكه وخاطبهم بها، ومحاولة أخرى في عهد آخناتون حين اعترف للشعوب كلها بحق الحياة في ظل معبوده الواحد.
وتعهد كل من الطرفين المتعاهدين بنجدة الطرف الآخر بعسكره إذا وقع اعتداء مسلح على دولته، ولم تتعد المعاهدة هذا التحالف الدفاعي الثنائي إلى تحالف هجومي على دولة ثالثة. كما تعهد كل من الطرفين بألا يأوي الخوارج الفارين من بلد الطرف الآخر وأن يعيدهم إليه أيًّا ما كانت مراتبهم الاجتماعية وسواء أكانوا من العظماء أو من العوام، بشرط عدم التنكيل بهم "بالقتل؟ " أو التعرض لأولادهم. ويعتبر هذا الشرط أقدم تصوير معروف لأوضاع اللاجئين السياسيين في العالم القديم.
واستطاعت المعاهدة أن تحقق أغراضها، فساد السلام بين الدولتين، وتبودلت الرسائل بين الملكين، ودلت الألواح الحيثية على أن رمسيس أرسل ما لا يقل عن ثماني عشرة رسالة إلى خاتوسيلي وإلى زوجته تودوخيبا التي يحتمل أنها لعبت دورًا فعالًا في سياسة زوجها١. وأضاف النص الحيثي للمعاهدة في نهايته وصول التهاني بعقدها من زوجة رمسيس ومن أمه. وعاد توازن القوى في الشرق القديم إلى حال مستقرة، وتوقفت من جرائه أطماع آشور إلى حين. وأراد ملك الحيثيين أن يدعم تحالفه مع فرعون مصر في العام الرابع والثلاثين من حكمه، فزوجه ابنته وقدم بها عليه بنفسه، وروت المصادر المصرية قصة هذا الزواج من وجهة نظرها بأسلوب طريف فقالت: " ... وظل عظيم خاتي يكتب إلى جلالته عامًا بعد عام يسترضيه دون جدوى، ولكنه حين وجد أرضه في حالة عوز شديد بقدرة جلالته، قال لعسكره وأهل بلاطه: ما معنى أن تبور أرضنا ويغضب علينا ربنا سوتيخ وتحرمنا السماء من فيضها، كأنما قدر علينا أن نفقد
стр. 287
كل ما لنا وابنتي في المقدمة؟ علينا أن نقدم فروض الطاعة إلى الرب الطيب حتى يهبنا الحياة والسام .. " ووصف المصريون وعورة الطريق الذي سلكه الحيثيون ورووا أن الفرعون قدر من تلقاء نفسه خطورة امتناع الأمطار عن سوريا وفلسطين بخاصة، فأقام الصلوات لأبيه سوتيخ حتى يصلح المناخ١ ... ووصل وفد الحيثيين وملكهم وابنته العروس على رأسهم، فأكرمهم الفرعون وأشركهم في طعامه وشرابه وجعل العروس من زوجاته الأثيرات وخلع عليها اسم "ماحور نفرو رع". وأصبح الملكان على حد قول النصوص المصرية "قلبًا واحدًا كأخوين، ولم تعد هناك حفيظة في قلب أحدهما على الآخر". وأكرم الفنانون المصريون صهر فرعونهم فصوروه في معبد أبي سنبل في وضع لائق قريبًا منه ولم يكن أسلافهم قد تعودوا أن يصوروا حاكمًا أجنبيًّا في وضع محترم مع فرعونهم قبل هذه المرة.
وبقيت أمام الدولة جهود أخرى تبذلها ناحية الغرب ضد الهجرات الآرية التي أخذت أعدادها تزداد وأوشكت أخطارها أن تتفاقم على الحدود الليبية، وقد بدأ رجال رمسيس استعداداتهم لها بتقوية سلسلة الحصون الممتدة على ساحلهم الشمالي ناحية الغرب٢.
وانتهت ولاية العهد إلى مرنبتاح "بانرع" الذي خلف أباه في عام ١٢٢٤ق. م، وهو كبير السن، وجرى على مجراه في سياسته، بل وقلده في تسجيل اسمه على بعض تماثيل أسلافه وعمائرهم، ودفعه إلى ذلك كبر سنه ورغبته في الإسراع بتسجيل ذكراه عن أقرب سبيل، إلى جانب الدوافع الأخرى التي أسلفناها بالنسبة لأبيه ورجاله. ولم تسر أموره هينة دائمًا وإنما تعددت حروبه في الشمال الشرقي وعلى حدود مصر الغربية وفي بلاد كاش، ونكتفي هنا بالآثار المترتبة على مشاكل الجبهتين الأوليين في حياة مصر العامة.
ففي الشمال الشرقي ذكرت نصوصه من الأقوام التي أخضعتها جيوشه قبائل "الإسرائيليين" وكانت أول وآخر مرة ورد ذكرهم فيها في النصوص المصرية، ويبدو أن جيوشه اشتدت عيهم بحيث قال راويها "أبيد شعب الإسرائيليين ولن يكون به بذر"٣. ودعت هذه العبارة إلى التساؤل عن مدى ارتباط حملتها بخروج بني إسرائيل من مصر، وهل تم في أيام مرنبتاح أم قبلها، وهل مرنبتاح هو فرعون موسى أم غيره؟ لا سيما وأنه أثر عنه التنكيل بخصومه بطريقة لم يتبعها الفراعنة إلا نادرًا. ولكن لم تتوافر حتى الآن أدلة كافية لإثبات خروج بني إسرائيل في عهد هذا الفرعون أو نفيه، ويبدو أن قرائن النفي أقوى من قرائن الإثبات
стр. 288
فيه، ومنها أن النص السالف اعتبرهم من نزلاء جنوب الشام ولم يذكر تتبعه لهم من مصر، وذلك مما يعني أنهم دخلوا فلسطين قبل عهده وخرجوا من مصر بالتالي قبل عهده. ويلاحظ مع ذلك أن قصة غرق فرعون موسى لا تحل المشكلة، فالقرآن الكريم يذكر انه أنجي ببدنه بعد غرقه ليكون لمن خلفه آية، أي أننا لن نستغرب عدم غياب جثته من بين جثث الفراعنة الباقية. ولم يكتف المؤرخون بوضع احتمالات عهد مرنبتاح في هذا الشأن إلى جانب احتمالات عهد أبيه "ص٢٣٣"، وإلى جانب ما روجه المؤرخ القديم يوسيفوس اليهودي عن الربط بين عصر الهكسوس وبين العبرانيين وخروجهم معهم في عهد أحمس "راجع ص١٩٥" وإنما أضافوا إلى ذلك فرضًا آخر باحتمال خروجهم في عهد تحوتمس الثالث أو ولده أمنحوتب الثاني، وذلك على أساس ذكر اسم الأسرى العابيرو في نصوصهما لأول مرة، مع تقريبه إلى اسم العبرانيين، وهذا ما لم يتأكد أيضًا، ولا زالت القضية بغير حل مرضٍ حتى الآن١.
أما عن الآثار المترتبة على معارك جيش مرنبتاح على حدود مصر الغربية، فتتلخص في اندفاع عدد من قبائل شمال إفريقيا والصحراء الغربية نحو الحدود المصرية في بداية عهده، سواء نتيجة لزوال شخصية أبيه صاحب الشهرة الحربية الواسعة، أم تحت ضغط هجرات آرية جديدة نزلت سواحل إفريقيا الشمالية "راجع ٢٣٩"، أم نتيجة لقحط محلي شديد. وقد تزعم المهاجرين شيخ قبائل برو "= ليبيو"، وضم إليه أعدادًا من خمس جماعات آرية مهاجرة، وهي: الإقوش، والتورشا، والروكي "اللوكي"، والشرادنة، والشكرش "الشكلش" ثم اندفعوا بنسائهم وأولادهم وقطعانهم القليلة وطمعوا في أن يعبروا البراري إلى الدلتا ويستقروا في أرضها الخصبة. ووصفت المصادر المصرية تحركاتهم بأنهم "ظلوا يهيمون خلال الحدود ويقاتلون في سبيل ملء بطونهم يومًا بيوم، ثم وصلوا مصر "الزراعية" يتلمسون فيها طعامًا لأفواههم، وذلك مما يعني أنهم كانوا في مسغبة شديدة. ووصل المهاجرون حتى الفرع الكانوبي، وكانوا في أعداد كثيرة، فأعد لهم مرنبتاح ما استطاع من قوة، وذكر في نصوص أنه استنصر ربه بتاح فأوحى إليه بالتأييد والنصر وقال له "إثبت وانزع الشك من قلبك"، ولم تستمر المعركة أكثر من ست ساعات وانتهت بأن أعلن المهاجرون الطاعة. وكان المصريون يدركون مدى الفوضى التي كان يمكن أن تحيق بأرضهم لو دخلها المهاجرون متنصرين، ولما كانت معركتهم معهم من المعارك المعدودة التي دارت رحاها على مشارف أرضهم منذ طرد الهكسوس، فقد غدا لنبإ النصر عندهم رنة عظيمة، ووصف شاعرهم فرعونه إثر انتصار جيوشه بأنه شمس بددت الغيوم التي رانت على مصر، وأنه جعل تامري "مصر الزراعية" ترى أشعة الكوكب، وأنه كمن أزاح جبلًا من النحاس من فوق أكتاف الناس ووهب نسمة الحياة لشعب كاد يختنق.
وصور الشاعر زعيم المهاجرين يهرب تحت جنح الليل وحيدًا فريدًا وقد سقطت ريشته وأضاع نعليه وعز عليه الزاد والماء وانفض أنصاره عنه وتنكروا له. وصور عظم وقع النكبة على المغلوبين فجعل شابًّا منهم يقول لزميله "لم يحدث لنا شيء من ذلك "إطلاقًا" منذ عهد رع"، وشيخًا يقول لولده "وانكبتاه
стр. 289
على ربو "ليبيا"، حرم أهلها المعيشة الطيبة "في مصر" وما عادوا يجرءون على السعي بين المزارع، وتوقف سعيهم في يوم واحد". وصور الشاعر عودة السلام إلى مشارف مصر فذكر أن أهلها الأصليين عادوا يسعون فيها بغير عائق ولا خوف، وأن حراس المعاقل غدوا ينامون ملء جفونهم ولا توقظهم غير حرارة الشمس، وأن الماشية أصبحت ترعى بين الحقول بغير رعايا ... ، وأصبح الناس يروحون ويغدون وهم يترنمون، وما عاد أحد يسمع صياح قوم يتوجعون ... ، وجثا شيوخ "المهاجرين" يقولون سلامًا سلامًا ... "١.
وجدير بالذكر أن محاربة المصريين للربو أو الليبيين الجدد وحلفائهم في هذا العهد لم تمنعهم في الوقت نفسه من استخدام أهل الحدود الغربية الأصليين المسالمين في حراسة معاقلهم الصحراوية، بل ولم تمنعهم من استخدام بعض المهاجرين الآريين القدماء من المشاوش والقحق في جيوشهم وفي مراقبة المهاجرين الشرسين الجدد بأنفسهم٢.
ويذكر لعهد مرنبتاح وفاؤه لمعاهدة أبيه مع الحيثيين بأن أمدهم بمدد كبير من الغلال حينما خربت هجرات شعوب البحر أرضهم وقضت في النهاية على استقلالها، وكان قد اضطر في مرة سابقة إلى تأديبهم.
غير أنه يبدو أن بذور المشاكل ظل لها وجودها على الرغم من جهود مرنبتاح وجيوشه، فقد اضطربت أحوال مصر الداخلية بعد عهده، وولي عرشها ولده سيتي الثاني مرنبتاح "وسر خبرو رع" الذي لم يطل عهده أكثر من سبع سنوات مرت دون أثر جليل يذكر لها إلا ما أبقت عليه المصادفات من الكراسات التعليمية التي نسخها بعض الطلبة خلالها٣. وحدث على العكس أن أشارت بعض بردياتها إلى اضطراب داخلي شمل منطقة طيبة ويحتمل أن أصحابه أنصار آمون عبروا به عن سخطهم على أصحاب العاصمة المحدثة بر رمسيس وربها ست بعد أن مضت عهود فراعنتها الكبار٤. وفي الحياة العادية أشارت إحدى برديات العهد وبعض لخافه على قضية اتهم عامل فيها أحد رؤسائه بالسلب والرشوة والشروع في القتل وسرقة الأحجار من قبر فرعونه، كما اتهم فيها وزير الصعيد بقبول الرشوة٥. ثم قضية أخرى صغيرة اتهم فيها عامل بسب فرعونه وهذه الأخيرة وإن كانت شيئًا تافهًا إلى أنها تكشف عن إمكان إحساس رجل الشارع بتفاهة ما يردده الرسميون والكهنة عن قداسة فرعونهم وجلاله ...
واستمر القلق السياسي حول وراثة العرش بعد وفاة سيتي، وتردد من الأسماء المتطلعة للعرش "أمنمس" ولعله أحد أحفاد رمسيس الثاني. واستغل هذا الوضع المضطرب سوري متمصر يدعى "باي" كان
стр. 290
الخازن الأكبر للدولة، في فرض وصايته ونفوذه على ابن سيتي الذي ولي العرش طفلًا باسم سابتاح، وأصبح يفخر بمساعدته إياه على بلوغ العرش حتى اشتهر بين الناس باسم "إرسو" أي الذي عمله. ورضيت الملكة تاوسرة زوجة سيتي الثاني، بالوضع القائم مضطرة، ويبدو أنها كانت ضرة لأم الطفل المملك، وعندما مات هذا الطفل أو قتل استردت تاوسرة مكانتها ووجدت من يناصرها على محاولة بسط نفوذها على شئون البلد كلها، وذلك مما شجعها على اتخاذ ألقاب الملوك، ويعتبرها بعض المؤرخين بذلك ثالثة النساء اللائي تطاولن إلى بلوغ العرش في مصر القديمة١ أو رابعتهن. ويميل البعض إلى الربط بين اسمها وبين اسم ثوريس الذي أنهى به المؤرخ مانيتون عصر الأسرة التاسعة عشرة لفترة سبع سنين واعتبره ملكًا. وعلى أية حال فإن سلطانها لم يطل ولم يؤد اضطراب عهدها إلا إلى انتقال الحكم من فرعها إلى فرع آخر أشد شكيمة منه وهو فرع الأسرة العشرين.
стр. 291
ثالثا: آخر الشوط مع الرعامسة في عصر الأسرة العشرين
الدفعة الأولى
...
ثالثًا: آخر الشوط مع الرعامسة في عصر الأسرة العشرين ١١٨٤ - ١٠٨٧ق. م
الدفعة الأولى:
أعلن مؤسسو هذه الأسرة الجديدة أنفسهم ساخطين على عيوب الحكم السابق، منقذين موهوبين تخيرتهم الأقدار، شأنهم في ذلك شأن كل جماعة حاكمة جديدة. وقد بدأ حكمهم كهل يدعى "ست نخت" "وسر خعو رع" قام بما قام به رمسيس الأول في ضمان الحكم لأسرته وتقديم ولده أمامه ليتم ما أراده هو ولم تسمح له به سنه، وعندما صور دعاة أسرته رأيهم فيما مرت مصر به بين عهد مرنبتاح وعهده مما أوجزناه في حديثنا عن خاتمة السياسة الداخلية حينذاك، قالوا: " ... وقعت مصر فريسة للاضطرابات، وأصبح كل إنسان فيها يفتن لنفسه، ولم يكن لأهلها زعيم سنوات عدة، وكانت مجرد بلد موظفين وعمد يفتك الإنسان فيها برفيقه كبيرًا كان أم صغيرًا. وتلت ذلك سنوات فارغة، ظهر بينهم فيها إرسو الخوري واعتبر نفسه أميرًا، وحاول أن يخضع البلاد كلها لرأيه وألزمها بدفع الضرائب "إليه". وأصبح كل إنسان يلتمس رفيقًا يسايره في طريقه خوفًا من أن يعتدي أحد عليه. وعامل "أعوان إرسو" الأرباب معاملة البشر وامتنع هو عن تقديم القرابين في المعابد. وعندما شاء الآلهة أن يظهروا رحمتهم ويصححوا الأوضاع في مصر ويعيدوها إلى سيرتها الأولى، نصبوا ولدهم الذي خرج من صلبهم "ست نخت" حاكمًا على البلاد كلها وجعلوه على عرشهم الكبير، فتجلى على هيئة خبري ست الغضوب وعاد السلام إلى الأرض القلقة، وفتك بالغادرين فيها وظهر عرش مصر العظيم ... "١.
وقد يكون فيما أتى به هؤلاء الدعاة عن الفترة القلقة التي سبقت عصرهم الجديد صحيحًا، ويكون تمسحهم في الدين وغضب الأرباب على الأمس وأملهم في الغد مما أوحت به التقاليد. أما تضخيمهم لشأن "ست نخت" فقد كان مسرفًا بعض الشيء، فالرجل الكهل الذي زكته للناس سنه وخبرته لم يعمر في الحكم غير عامين.
وخلفه ولده رمسيس الثالث "وسرماعت رع – حقا أونو" الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لسياسة الأسرة منذ عام ١١٨٢ق. م، وقد جعل سلفه القديم رمسيس الثاني مثله الأعلى وتلقب بأغلب ألقابه وكنياته، واستطاع مثله أن يدفع بجيشه عن مصر أخطارًا جسيمة، ولكنه اختلف عنه في أنه كان الشخصية العظيمة الوحيدة في أسرته الكبيرة. وبدأ عهده ببداية مشرقة ثم انتهى إلى خاتمة نؤجلها لحينها. وقد تشابكت السياسة الداخلية مع السياسة الخارجية في عهده ولهذا نبحثهما معًا فيما يلي:
فقد تأتت أخطار عهده عن شعوب البحر كما تأتت في أيام مرنبتاح، ولكنها أصبحت أشد، وارتبطت في عهده بهجرات وتحركات جديدة أوشكت أن تطبق على مصر بهيئة فكي الكماشة من غربها ومن شمالها الشرقي ومن البر والبحر معًا، ولو أن ذلك كله كان عن غير تعاون مقصود بينها.
стр. 292
وقد بدأت بتحرك جماعات من شعوب البحر التي انتشرت وراء حدود مصر الغريبة في تحركات مريبة، وكان فيهم الربو والسبد وتزعمهم بعض المشاوش "المشوش" الذين عرفهم المصريون منذ أواسط عصر الأسرة الثامنة عشرة واستخدموا بعضهم كمرتزقة في جيشهم، ولكن بني جلدتهم استغلوا فترة القلاقل التي انتهت بها أيام الأسرة التاسعة عشرة وتنمروا لها، ولم تلن قناتهم حتى السنوات الأولى من عهد رمسيس الثالث، ويبدو أنه حاول أن يحل مشكلتهم بطريقة سلمية، فولى عليهم شابًّا ليبيًّا تربى في مصر، فرفضوه، ولعلهم قد اشتدت عزائمهم بنزول هجرات جديدة عليهم من بني عمومتهم الآريين، أو هم على العكس من ذلك تخوفوا من نزولهم، فنزحوا أمامهم إلى حدود الدلتا بقضهم وقضيضهم كما نزح أسلافهم في عهد مرنبتاح، وقد لاقتهم الجيوش المصرية في العام الخامس من عهد رمسيس الثالث "عام ١١٧٨ق. م" قرب وادي النطرون وردتهم على أعقابهم١، ثم اكتفت بأن أضعفت شوكتهم وتركت بعض قبائلهم يعيشون على حدودها تحت طاعتها، بل وأبقت على من كانت تستخدمهم من جنسهم في جيشها٢.
وخاضت مصر معركتين خلال العام الثامن من عهد رمسيس "١١٥٧ق. م": معركة مع المهاجرين الذين وصلوا إلى الشام عبر آسيا الصغرى وانتشروا في أرض آمور ثم نزحوا إلى أرض كنعان عن طريق البر٣، ومعركة مع من اندفعوا بأساطيلهم إلى شواطئ جنوب سوريا وربما وصلوا حتى مصبات النيل الشمالية الشرقية عن طريق البحر٤. ووصفت النصوص المصرية تحركات هؤلاء المهاجرين وخيبة مسعاهم وصفًا شائقًا، على لسان رمسيس، فقالت٥ " ... "تآمرت" شعوب أجنبية في جزرها، وسريعًا ما زالت بلاد وشردت الحرب "أهلها"، ولم تستطع بلد أن تثبت أمام أسلحتهم، ابتداء من خاتي وقدي وقرقميش وأرزاوا إلى إرس "ألاسيا" في آن واحد "أي من آسيا الصغرى وشمال سوريا وشواطئ الفرات إلى قبرص في عرض البحر"، واجتمع عسكرهم في بقعة واحدة "بأرض" آمور، فشردوا أهلها، وأصبحت أرضها كأنها لم تكن، ثم تقدموا نحو مصر، ولكن النار كانت على استعداد للقائهم. وتألف حلفهم من برستي "البلستي" والثكر والشكرش والدانيين "أو الدانونيين"، والوشاوش، واتحدوا جميعًا ووضعوا أيديهم على البلاد في مدار الأرض كلها، واستبشروا وملأتهم الثقة بأنفسهم وقالوا: سوف تنجح مشاريعنا. ولكن عقل الإله كان واعيًا وعلى استعداد لأن يقتنصهم كالطيور ... ، وهكذا نظمت حدودي في جاهي، وأعددت أمامهم الأمراء وقادة الحاميات والماريانو، وأمرت بتحصين مصبات الأنهار لتكون كالسد الكبير
стр. 293
وزودتها بسفن وزوارق ناقلات للجنود، امتلأت جميعها من مقدماتها إلى مؤخراتها بمحاربين مهرة مسلحين. وتألفت قوات المشاة من خيرة شباب مصر، وكانوا أشبه بالأسود الزائرة على قمم الجبال. وتألفت فرق الفرسان من عدائين مهرة وقادة قادرين، ومن كل فارس عربة متين. وهزت الخيول أعطافها واستعدت لسحق الشعوب الأجنبية تحت حوافرها، وكنت مونتو المقتدر، أقف على رأسهم، ليشهدوا بأنفسهم ما تفعله يداي .. أما من بلغ حدودي، فلم تبق منهم باقية، وانمحت قلوبهم وأرواحهم إلى الأبد. وأما من أتوا "بجموعهم" معًا عن طريق البحر، فقد واجهتهم نار حامية على مصبات الأنهار، وأحاط بهم على البر سد من الحراب، واستدرجوا إلى الداخل وحوصروا وألقوا على وجوههم على الشاطئ ثم قتلوا ومزقوا إربًا من القدم حتى الرأس، وغرقت سفنهم وأمتعتهم في البحر ... "، ولا ندري هل عني بالنار الحامية على مصبات فروع النهر قوة الدفاع أم عني بها نارًا فعلية ترميها المناجيق.
وعلى نحو ما أمتع كاتب الملك في وصف أطماع شعوب البحر ووصف مصيرهم، أبدع الفنانون في تصوير هزيمتهم، على جدران معابد طيبة. فصوروهم يفرون على البر بعربات تشبه الصناديق يجر كل عربة منها أربعة ثيران، وصوروا الأمهات من فرط جزعهن يهرعن إلى العربات قبل أطفالهن، ويحاولن بعد ذلك أن ينتشلن الصغار من الأرض قبل أن يسرع السائق في فراره. وصوروا ساحة الحرب بعد الموقعة خرابًا يبابًا، اجتث أهلها من فوق الأرض كما اجتث شجرها سواء بسواء١. وعندما انتقل الفنانون إلى قتال البحر صوروا سفن الفريقين وقد طوت أشرعتها، ورمي المصريون أعداءهم بالنبال، ثم صادموهم بالمراكب وقاتلوهم وجهًا لوجه بالسيوف والخناجر، وبدأت السفن يقلب بعضها بعضًا، حتى انتهت المعركة بانتصار المصريين٢. هكذا استطاعت مصر أن تنقذ نفسها وجيرانها من غزو كثيف حطم ممالك عدة قبلها ولكنه تحطم عند أرضها وعلى شواطئ بحرها.
وتشتت جموع شعوب البحر في عدد من جزر البحر وسواحله، واحتفظت بعض هذه الجزر والسواحل بأسمائها، وهكذا يتجه بعض الرأي إلى الربط بين الشرادنة وبين السرادنة "أهل سردينيا"، والربط بين الشكلش "شكرش" وبين الصقليين، والربط بين الثكر وبين الصقليين أيضًا أو الطرواديين، والربط بين التورشا وبين التورسينيين أسلاف الإتروريين، والربط بين اللوكي "الروكي" وبين اللوكيين "سكان ليكيا في آسيا الصغرى"، والربط بين الأقاوشا "الأقوش" وبين الآخيين "؟ " "أو بينهم وبين الأهياوا الذين ذكرتهم النصوص الحيثية"، والربط بين الدانيين وبين الداناوي الذين ذكرتهم إلياذة هوميروس٣. وإن كنا لا ندري هل اكتسبت الهجرات أسماءها من هذه الأماكن أم أنها هي التي خلعت عليها أسماءها.
стр. 294
ولم يستقر قريبًا من الحدود المصرية من شعوب البحر في أعداد كبيرة غير فريقين، وهما: جماعات الثكر وجماعات برستي أو البلستي، وقد صورت المناظر المصرية رؤساءهم ملتحين وصورت جنودهم بغير لحى، وبأغطية رأس ذات ريش، وبسيوف طويلة عريضة وخناجر مثلثة وتروس مستديرة وحراب. ونزل الثكر موانئ سوريا الجنوبية، ونزل البلستي مرتفعاتها الساحلية الجنوبية، وخلعوا اسمهم عليها، واحتفظوا لأنفسهم بسر صناعة الحديد والدروع واحتكروها دون العبرانيين زمنًا طويلًا، واحتفظ التاريخ باسمهم للأرض التي نزلوها وهو اسم فلسطين، وإن لم يرجع ذلك إلى أنهم أصبحوا غالبية أهلها أو أنهم بسطوا نفوذهم على كل أهلها، وإنما يرجع إلى أنهم كانوا من أواخر الهجرات التي دخلتها، وإلى أن ترديد التوراة لاسمهم فيها ترك أثره في تسمية التاريخ لها. وقد اندمج هؤلاء البلستيون أو الفلسطينيون في سكان كنعان الساميين شيئًا فشيئًا وأصبحوا قومية واحدة. وكان حظ إخوانهم "الثكر" أقل من حظهم في الاستقرار إذا اختفى اسمهم من التاريخ في أعقاب القرن العاشر ق. م.
وتجددت مشكلات المهاجرين على حدود مصر الغريبة في العام الحادي عشر من حكم رمسيس، ولم يحملوا له أنه سمح لهم بالمعيشة قربها طالما أعلنوا السلم والطاعة، وظهرت بينهم جماعات جديدة ذكرتها المصادر المصرية بأسماء قريبة من الأسباط والقايقاش والشايتيت والهاسا والباقان ... ، واستجاب لهم عدد من بني جلدتهم الذين عاشوا قرب غرب الدلتا وعاونوهم بزعامة شيخهم كابور وولده مشاشار. وامتد تسربهم إلى ما رواء الفرع الكانوبي للدلتا، وشتتوا أمامهم جماعات الثحنو سكان الواحات الأصليين، فاشتدت القوات المصرية عليهم وأحبطت مشاريعهم وكسرت شرتهم وأسرت مشاشار ابن قائدهم وأحرقت عليه قلب أبيه١. وبذلك انتهت محاولاتهم لدخول مصر عن طريق العنف، وبدءوا يتسللون إليها تسللًا سليمًا بطيئًا، فتسامح رمسيس معهم باسم مصر، كما تسامح من أسراهم الذين بدأهم بالشدة ثم عاد عليهم بالعفو واكتفى بإحكام الرقابة عليهم، فقال حين غضبته عليهم: "اعتقلت قادتهم في حصون تحمل اسمي، ووليت عليهم ضباطًا ورؤساء قبائل، واعتبرتهم عبيدًا مدموغين باسمي، وعومل نساؤهم وأطفالهم نفس المعاملة، ووهبت قطعانهم إلى دار آمون ... ". ثم قال عنهم بعد أن خف غضبه عليهم "وضعتهم في الحصون، ودمغتهم باسمي، وكانت جماعاتهم الحربية تقدر بمئات الألوف، وخصصت لهم مخصصات من الكساء والزاد، تصرف من الخزانة وشون الغلال كل عام ... ".
وأضافت بردية من أواخر عهده أن الشرادنة والقحق استقروا في مدنهم التي خصصها لهم، وأقام بعضهم في حصونه٢، وأقام بعض آخر وسط المزارع التي سمح لهم بها.
وأضافت بردية أخرى كتبها صاحبها بعد عهده أنه أنشأ للمجندين منهم فيما أنشأ محلة في الصعيد ليعيش فيها "الشرادنة وكتبة الجيش الملكي" على حد قوله٣. وعلى الرغم من أن هذا التساهل النسبي يعتبر مكرمة
стр. 295
للخلق المصري في جملته، إلا أنه جر على مصر بعد ذلك شرورًا كثيرة كانت في غنى عنها لو أنها استأصلت شأفة أعدائها من جذورها ...
وحاولت مصر أن تنعم بفترة من الرخاء والسلام بعد انتصاراتها على شعوب البحر التي دوخت غيرها من دول الشرق الكبرى، وبعد أن أكدت ثقتها بنفسها وتدفقت الثروات عليها من غنائم الحروب والجزى، ولكن كان لا يزال للكفاح بقية. فقد صورت أخبار أحد الأعوام التالية من عهد رمسيس محاصرته وجيوشه لخمس مدن في بلاد الشام، كانت منها تونب وإروازا وربما قادش وشابتونا أيضًا. ويبدو أن الأجناس الدخيلة في سوريا ومنها بقايا الحيثيين كانت لهم يد في إثارة الاضطرابات فيها. وإذا سلمنا برواية مؤرخ رمسيس عن نصره يكون هذا النصر قد أعاد الأمن كاملًا إلى خطوط مصر الدفاعية البعيدة وإلى مسالك التجارة الخارجية. وكالعادة كان أكثر المصريين استفادة من هذه النهضة الجديدة هو فرعونهم وبطانته من حاشية القصر وكبار رجال الدين. ومن أروع ما شاده المهندسون من عمائر رمسيس الثالث الخاصة معبدان فضلًا عن قصرين مؤقتين. أما المعبدان فأحدهما ضخم شاهق خصص لإقامة شعائره وشعائر الإله آمون ومعبودات أخرى، في غرب طيبة، وهو معبد حابو. وأما الآخر فهو معبد صغير ولكنه ممتع خصص لاحتفالات يوبيله وأعياد ربه آمون في رحاب الكرنك بشرق طيبة. ولا زال كل منهما يعتبر من أكل المعابد المصرية الباقية في عناصره المعمارية وفي لوحاته المصورة المنقوشة١. وامتدت المنشآت الدينية حينذاك إلى الشام والنوبة، واحتفظت النصوص بذكرى معبد للإله آمون في كنعان أجرى رمسيس عليه خراج تسع مدن "أو قرى" في منطقته، ومعبد آخر في عسقلان شيد باسم الإله بتاح.
стр. 296
عواقب الإسراف:
طال عهد رمسيس الثالث نحو واحد وثلاثين عامًا حتى عام ١١٥١ق. م، استمتع في أغلبها بما دلت عليه ضخامة منشآته من ثراء ومجد ونعيم، ثم آذنت أموره وأمور بلده بالتحول من حال إلى حال، وكانت عوامل هذا التحول ثلاثة، وهي: تزايد أعداد الأجانب المتمصرين في البلاط والجيش، فضلًا عن تزايد أعداد الأرقاء الأجانب في القصور والمعابد، ثم مؤامرات النساء في القصر الفرعوني، وضيق الطبقات العاملة بقلة ما يصلها من مجهود يمينها ومما نعم بمثله كبار الكهان وأهل البلاط:
فقد مر بنا كيف تقبلت مصر أعدادًا من الوافدين عليها مما وراء حدودها الشمالية الشرقية، بل ومن الآريين وبعض شعوب البحر المسالمين، يصدر رحب منذ أواسط عصر الأسرة الثامنة عشرة، وكيف استخدمتهم في جيشها ووظائفها وبادلتهم عقائدهم بعقائدها، وقد زاد هذا الاتجاه خلال عصري الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين، ولم يأب الكتبة المصريون حينذاك أن يعبروا بأسماء أرباب الشام: بل وعشترة
стр. 297
وعنات وقدش عن ربوبية البأس والقوة، جنبًا إلى جنب مع أسماء رعاة الحرب المصريين: آمون ومونتو، وست، وسخمة ... ، ولم تأب بعض الأسر المصرية أن تنسب أسماء مواليدها إلى أسماء الأرباب السوريين. وترك مهندس مصري نصبًا في بيت شان في فلسطين اتجه بدعواته فيه هو وابنه إلى ميكال إلهها المحلي. وترك كاتب مصري نصبًا آخر في أوجاريت بشمال سوريا اتجه بدعواته فيه إلى بعل زفون الإله السوري العظيم١. وتقبلت الجيوش المصرية أعدادًا من الأجانب في فيالقها، سواء باعتبارهم مرتزقة، أو من أسراها السابقين أو من أبناء أسراها، وأشركتهم في حامياتها الآسيوية، حيث كان يطيب لهم أن يقيموا في الأقطار الشمالي. وظن ملوكها أنه يمكن الاطمئنان إلى أغراب يسيطرون على أملاك آسيوية من أجل مصر، وذلك خطأ محض. ورفع رمسيس الثالث بعض هؤلاء الأجانب إلى مناصب القيادة، وكان يعلن لهم قراراته إلى جانب غيرهم من القادة وكبار الموظفين المصريين٢. واعتد أن الأمان الذي يوفره لهم من مآثر عهده وكفيل ببث الإخلاص في قلوبهم.
وتزايد نصيب القصور الفرعونية من الزيجات الأجنبيات، وتقبلت أعدادًا أكثر من الجواري. وقلدت قصور الأثرياء قصور الفراعنة في هذه السبيل، سواء يفعل ظروف الحرب وكثرة سباياها، أو حبًّا في ملاحة الشماليات ودفء الجنوبيات. وتقبلت القصور إلى جانب الجواري أعدادًا من الحشم الأجانب عملوا خدمًا وسقاه ووصفاء فيها.
وزاد رمسيس الثالث، فعين بعض أولئك الأجانب في وظائف البلاط وفي مناصب القضاء. أما المعابد فكان نصيبها من الأرقاء والأسرى الأجانب والمتمصرين أضخم، بحيث ذكرت نصوص رمسيس الثالث أنه خصص ٢٦٠٧ من أسراه لأملاك آمون، و٢٠٩٣ لأملاك رع، و٢٠٥ لأملاك بتاح٣، لكي يعملوا بأسماء هذه المعابد في المزارع والمحاجر والمناجم، بل وفي شئون المعابد أحيانًا.
ولم يكن من بأس فيما جرت عليه مصر من فتح قصورها ودواوينها ومعابدها لأبناء جيرانها ولأسراها وللمرتزقة المسالمين، طالما ظلت قوية يقظة وطالما ظلت يدها هي اليد العليا. ولكن الخطر كل الخطر كان يتمثل في ألا يخلو إخلاص هؤلاء النزلاء لها من شوائب، وأن يتمصروا بمظهرهم وليس في مخبرهم، وأن يظل بعضهم على استعداد للتنكر لها متى سنحت لهم فرصة أو ألمت بها نكبة، وما كان أكثر احتمالات النكبات عليها في ذلك الزمان.
وكشفت عن دخائل قصر رمسيس الثالث وأوضاع الأجانب في بلاطه، مؤامرة من إحدى زوجاته الملكيات دب النفور بينه وبينها إلى حد أن تجاهل الفنانون تسجيل اسمها مع بعض صورها في معبده، وأحست هي برغبته في إقصاء ولدها بنتاورة عن ولاية العهد، فتآمرت مع بعض سقاة البلاط ونسائه وحرسه وخدمه من المصريين ومن النزلاء المتمصرين. واستعان المتآمرون بالسحر ووجدوا في مكتبة القصر ما يهديهم
стр. 298
إلى عمل تماثيل من الشمع صنعوها على هيئة الحراس وتلوا عليها سحرهم وتعاويذهم ليلقوا على أصحابها السبات ويضعفوا عزائمهم، أو هكذا أملوا. ولكن المؤامرة انكشف أمرها، وتولى التحقيق فيها بأمر الفرعون أربعة عشر قاضيًا كان من بينهم أربعة تدل أسماؤهم على أنهم لم يكونوا مصريين الأصل. وقبل أن ينتهي التحقيق استطاع بعض أقارب المتهمين أن يرشوا ثلاثة من القضاة وضابطين، ولكن أمرهم انكشف وتحول القضاة الثلاثة والضابطان إلى متهمين. وحكمت المحكمة على الأمير بنتاورة وثلاثة من شركائه بالإعدام، وتركت لهم أن ينتحروا بأنفسهم. وحكمت على متهمين آخرين بالجلد والسجن، وعلى بعض آخر بجدع الأنف وصلم الأذنين، وكان من هؤلاء الأخارى قاضيان وضابطان من المرتشين، فعزت على أحد القاضيين نفسه، أو صحا ضميره فانتحر، وبرأت المحكمة زميله. أما ما أصاب رمسيس الثالث من هذه المؤامرة، واسم الفرعون الذي تمت المحاكمة في عهده، إن كان هو نفسه أم ولده رمسيس الرابع، فكلاهما موضع جدل حتى الآن١.
كانت الخيرات الطائلة لا تزال تترى على خزائن الدولة طوال عهد رمسيس الثالث ومن بعده حتى أواسط عصر الأسرة العشرين، ولكن هذه الخيرات لم تتجه وجهتها السليمة، فاستهلكت المنشآت الملكية الخاصة نفس النفقات التي كانت تستهلكها في أوج عهود التوسع، ولم يفطن أصحابها إلى أن مجالات التوسع أصبحت ضيقة أمامهم بعد أن كانت طلقة ميسرة في عهود أسلافهم. وحرصت المعابد من ناحيتها على ثرواتها القديمة، وزادها رمسيس الثالث ثراء على ثراء، وفاته أنه إذا استطاع أن يبذل عن سعة في بعض عهده فلن يستطيع أن يجد نفس السعة في أواخر عهده. وقد ذكرت وثيقة من أيامه أن دخل معابد آمون في طيبة وحدها بلغ ٦٢ كيلوجرام من الذهب، و١١٨٩ كليوجرام من الفضة، و٢٨٥٥ كيلوجرام من النحاس، وأن مراعيه كان يسرح عليها ٤٢١.٣٦٢ رأسًا من الماشية الكبيرة والصغيرة، وقد أهداه رمسيس منها ٢٨.٣٣٧ رأسًا دفعة واحدة "ربما تعويضًا لمعابده عما ساعدته به من موارد في نفقات حروبه". وبلغ دخل معابد مصر حينذاك نحو مائة ألف مكيال من الغلال، واستأثرت بخيرات ١٦٩ مدينة وقرية في مصر وخارجها، وامتلكت أكثر من ٨٨ سفينة، ونحو ٥٠ ترسانة لصناعة السفن وإصلاحها، وتراوحت مساحة مزارعها بين ١٢ و١٥% أو ما هو أكثر من أراضي مصر الزراعية. وكان على المعابد أن تساهم بنصيب في مشروعات الدولة، ولم يكن لخزائن الدولة غنى عن هذا النصيب، ولكنه لم يكن يصلها كاملًا من المعابد الكبيرة نتيجة لمغالطات كهنتها وامتداد نفوذ كبارهم كالأخطبوط إلى أغلب إدارات الدولة ومرافقها. أما المعابد الصغرى فكان يحدث العكس معها؛ إذ يذوب ريع أوقافها عادة بين أيدي الموظفين ولا يصلها منه غير القليل٢.
стр. 299
وثمة صورة لها وجهان، وجه يعيب فراعنة الأسرة وسياسة عصرهم، ووجه آخر يرحب التاريخ به لأنه يكشف عن حقيقة روح شعبية مصرية لم تكن تهضم الضيم ولا تأبى أن تعارضه رغم أنف التقاليد وأذناب الحكام، على عكس ما ألصقه بها كثير من المؤرخين من صفات الاستكانة واللامبالاة والتسليم المطلق بما يقضي به الرؤساء. وتقتصر هذه الصورة في حالتها الراهنة على العاملين في الجبانات الملكية بطيبة الغربية، ولكن ليس ما يمنع إطلاقًا من اعتبارها نموذجًا لما كان يجري في مناطق كثيرة غيرها مما لم يبق من أخبارها شيء مدون. فقد صورت متاعب العاملين في هذه المنطقة بردية نسبت حوادثها إلى العام التاسع والعشرين من حكم رمسيس الثالث١، وذكرت أنهم أضربوا عدة مرات لتأخر صرف مرتباتهم الشهيرة، واستمر إضرابهم في إحدى المرات ثلاثة أيام خرجوا فيها من قريتهم واعتصموا خلف أحد المعابد حتى اتفقوا على خطة ثم اتجهوا تجمعهم إلى معبد الرمسيوم وكان مركز الإدارة في المنطقة ويتضمن مخازن غلالها. وهناك برروا إضرابهم أمام الحراس والكهنة، بمثل قولهم: "ساقنا إلى هنا الجوع والعطش، فليس لدينا كساء ولا دهون ولا سمك ولا خضر، فاخطروا مولانا الفرعون واكتبو إلى الوزير المسئول عن أمرنا حتى يعطينا ما يقيم أودنا"، ففتحوا لهم المخازن بعد لأي وصرفوا لهم مخصصات شهر سابق. فتشجعوا وطلبوا مخصصات الشهر الذي أضربوا فيه، وتجمعوا عند مركز الشرطة، فلم يجد رئيس الشرطة سوى التسليم بحقهم فيما طلبوه ولكنه طلب منهم عدم الإخلال بالنظام ووعدهم بأن ينضم إليهم في اليوم التالي هم وزوجاتهم وأولادهم، إذا وجدوا ضرورة للاغتصاب.
وتجرأ العمال في إضراب آخر فقالوا للموظفين الذين تصدوا لهم: "أخبروا رؤساءكم وهم واقفون بين زملائهم أننا لم نخرج بسبب جوعنا فحسب، ولكن لدينا اتهامًا خطيرًا نود أن نعلنه، وهو أن جرائم ترتكب في هذا المكان التابع للملك، وأن مركز هذا الملك معرض للضرر". واستمر العمال في الشكوى والخوض في أمر الوزير والفرعون إلى حد أن أرسل الوزير إليهم من يقول لهم باسمه "تقولون لا تهضم حقوقنا، فهل تظنون أني عينت لأغتصب وأنهب؟ إن واجبي هو أن أعطي ... فلو كانت أهراء الغلال خاوية فلسوف أرسل إليكم ما استطيع أن أدبره".
تعاقب على العرش بعد رمسيس الثالث ثمانية فراعنة من أسرته، تسموا جميعًا باسم رمسيس، ابتداء من رمسيس الرابع حتى رمسيس الحادي عشر. ويرى زيته أن كلًّا من رمسيس الرابع ورمسيس الخامس كانا ولدين للملك رمسيس الثالث، وأن رمسيس السادس كان حفيدًا له من ابن لم يل العرش، ثم تعاقب الملوك الباقون من أولاده أو من نسله. وقد حكموا فترات تفاوتت بين القصر والطول، ولكنها لم تزد في مجموعها عن ٧٥ أو ٨٠ عامًا٢. وكان من أسماء العرش الأخرى لهم على التعاقب: حقا ماعت رع، وسرماعت رع سخبر نرع، نب ماعت رع – نثر حقا أونو، وسرماعت رع – نثر حقا أونو
стр. 300
وسرماعت رع عنخن آمون، نفر كارع - خع مواسة٩، خبر ماعت رع - آمون حر خبشف، من ماعت رع - نثر حقا أونو. وظلت مستويات المعيشة للحكام والطبقات العيا خلال هذه الفترة تختلف اختلافًا واسعًا عن حياة بقية الجماهير، فاستمر الفراعنة والأمراء وكبار الموظفين والكهان على ثرائهم النسبي الذي سمحت به موارد عهودهم، وأعد بعض الفراعنة لأنفسهم مقابر ضخمة على غرار مقابر من سبقوهم من حكام العصور المستقرة الغنية، ومنهم رمسيس السادس الذي تعتبر مقبرته من أضخم مقابر طيبة وأحفلها بما يصور تصورات عصرها عن الآخرة ونعيمها وعذابها وأربابها وشياطينها وجناتها ومخاطرها، على الرغم من سوء الحال الاقتصادية التي عانتها البلاد في عهده.
واشتدت الضائقة بالطبقات العاملة أكثر فأكثر، وحدثت مجاعة طويلة في أواخر أيام الأسرة أطلق الناس على أحد أعوامها اسم "عام الضباع". وارتفعت أسعار الغلال وبقية الأقوات إلى ثلاث أمثالها. وتكررت إضرابات العمال في غرب طيبة، ولم يعدموا من يعطف عليهم ويرى الحق في جانبهم من كبار زائري المنطقة، ولكنه غالبًا ما كان عطفًا مؤقتًا لا يسمن ولا يغني من جوع، فإذا تصادف أن أتبعوا العطف بالعمل لم يكن العمال يترددون في رد الجميل بمثله، كما فعلوا مرة حين أهدوا صندوقين وأدوات مكتبية لبعض الكتبة الذين عاونوهم في قضيتهم، اعترافًا بفضلهم. وحدث مرة أن عطف عليهم عمدة خير فصرف لهم خمسين غرارة من الحبوب من مخازن معبد الرمسيوم، وقال لهم "حتى تتعيشوا بها إلى أن يصرف "رجال" الملك مخصصاتكم"، ولكن كهنة المعبد تآزروا ضده وعز عليهم أن ينتقص من مدخراتهم ليطعم العمال منها، فاشتكوا إلى الوزير ووصفوا فعلته بأنها اغتصاب وجريمة شنعاء.
وبلغ من ضيق العمال وجرأتهم أن طلب وزير دات مرة رجالًا منهم ليحملوا متاعًا للفرعون رمسيس التاسع، فرفضوا ورد أحدهم على رسول الوزير بقوله: "دع الوزير نفسه يحمل متاع الفرعون نفر كارع ويحمل خشب الأرز أيضًا "إذا شاء"١.
ولم يكن ذلك هو كل ما ترتب على اضطراب الأمن وتدهور الأحوال الاقتصادية في أواخر عصر الرعامسة، وإنما استشرت جرأة المعتدين وحاجة المقلين على مقابر الفراعنة وكبار الأثرياء في غرب طيبة، فنهبوا عددًا كبيرًا منها وتستر عليهم بعض كبار الموظفين، وتوالت التحقيقات بشأنها، ولكن بغير جدوى وتدخلت في الأمر الخلافات والاتهامات الشخصية بين عمدة طيبة الغريبة وبين عمدة طيبة الشرقية٢.
стр. 301
ولم يكن من سبيل لتغيير هذه الأوضاع إلا عن طريق ثورة أو انقلاب، وللأسف لم تكن إمكانيات الجماهير حينذاك تسمح بثورة عامة، فحدث انقلاب محدود قامت به طائفة من كبار كهنة آمون اختلفت وسائل زعمائهم في تحقيق أغراضهم، وظهر لهم زعيم يدعى أمنحوتب توارثت أسرته رياسة كهنوت آمون منذ عهد رمسيس الرابع وآل المنصب إليه في عهد رمسيس التاسع. ونجح في الإيحاء بأهمية شأنه حتى لفناني عصره فصوروه في منظرين بمعبد الكرنك بحجم مساوٍ لحجم الفرعون وفي مواجهته، على عكس ما قضت به التقاليد من الرمز لعلو شأن الفرعون بتصويره بحجم أعظم دائمًا من قامات أتباعه. وازدادات سلطة أمنحوتب في عهد رمسيس العاشر القصير ثم بلغت غايتها في عهد رمسيس الحادي عشر، فتضخم عدد أنصاره وأتباعه، كما تضخم التذمر في الوقت نفسه ضد طموحه وضد الثروات التي تكدست بين يدي أسرته وهنا تحدثت وثائق العصر بتلميحات غامضة قصيرة عن انقلاب استخدمت القوة ضده في إقليم طيبة وجزء من مصر الوسطى حتى بلدة القيس "حردي" حاضرة الإقليم السابع عشر. وكانت الشخصية الرئيسية التي برزت ضد كبير الكهنة هي شخصية بانحسي نائب الملك في النوبة. وقد جند الأول أرقاء المعابد لمصلحته، واستعان الثاني بجنود نوبيين وليبيين مرتزقة، وتعددت الخسائر بين هذا وذاك على حساب الأهالي وعلى حساب سلطة الفرعون، ثم انتهت باختفاء الطرفين وفشلهما معًا، ولم تخلص الجماهير لهذا أو ذاك لأن أيًّا منهما لم يقم بحركته لمصلحتها١. ويحتمل أن يكون بانحسي قد انزوى في النوبة بعد ذلك. ورأى بعض المؤرخين في حركة طيبة هذه أكثر من وجه واحد، فرآها بيير مونتيه تعبيرًا عن سخط قديم ادخره أتباع آمون ضد اهتمام الرعامسة بعاصمتهم الشمالية وربهاست، ولكنهم لم يعلنوه صراحة إلا بعد أن تأكدوا من ضعف فراعنة عصرهم وضيق الناس بالأوضاع القائمة. بل وأضاف أن سرقات المقابر التي تفشت حينذاك كانت مقصودة أو على الأقل وجدت تشجيعًا، لتزويد أصحاب الحركة بالذهب والسلاح ولتعويض قلة استخراج المعادن واستيرادها.
وولي رياسة الكهنة بعد ذلك حريحور، فجرى على سبيل سلفه في التمهيد لبسط نفوذه، ولم يكن من أسرة كبيرة مثله٢، ولكن كان له ماضيه في الجيش والوظائف المدنية إلى جانب معارفه الدينية، ثم جمع إلى كل ذلك منصب نائب الملك في النوبة حتى يتقي أن يشغله من يقضي على آماله، واتخذ لقب وزير طيبة لبعض الوقت على أقل تقدير، حيث ظهر اسم آخر يدعى "نب ماعت رع نخت" في العام الثالث والعشرين من حكم رمسيس الحادي عشر. ثم تمادى حريحور. في نفوذه باسم الدين أكثر فأكثر، ونم عن ذلك أنه بدأ بذكر اسم ملكه وحده في عدد من النقوش والمناظر التي أشرف على تنفيذها في معبد الإله خنسو في رحاب الكرنك، ثم أمر بتسجيل اسمه إلى جانب اسم الملك في عدد آخر. وانتهى بالاكتفاء باسمه وحده وانتحال كنيات وشارات تشبه ألقاب الملكية وشاراتها. وكان هذا المعبد قد بدأ إنشاؤه في
стр. 302
عهد رمسيس الثالث واستمر في عهد رمسيس الرابع ببناء قدس الأقداس والقاعات المحيطة به، ثم اتسع جنوبًا وشيدت له صالة أعمدة في عهد رمسيس الحادي عشر. ورضي الفرعون المغلوب على أمره بالأمر الواقع، واعتبر الكهنة ذلك نصرًا لهم وبشيرًا بعصر جديد تبجحوا وسموه عصر النهضة وأرخوا به وثائقهم، واعتبر حريحور نفسه كما لو كان ملك طيبة، وإن ظل رمسيس الحادي عشر على العرش حتى العام ٢٧ أو ٢٩ من حكمه. والطريف أنه ورد في نص آشوري أن هذا الملك أرسل إلى آشور بل كالا ملك آشور هدية تمساحًا "تمسوخو" وقردًا كبيرًا١. وباشر الكاهن الأكبر حريحور سلطانه الأعلى في طيبة وأضاف إلى عمائرها الدينية باسمه فناء إلى جنوب معبد خنسو، وقيل عنه في نقوش المعبد إنه البذرة المقدسة لسيد الأرباب، ونسله البهي الذي حملت به الربة موت ليصبح حاكمًا على مدار الشمس، واستعان بالسياسة، فلم يظهر عداء لكهنة الشمال، كما يفترض مونتيه أنه حدث في عهد سلفه، وإنما صادق زعيمهم فيه وهو نيسوبانب جدة، الذي ذكره المؤرخ مانيتون باسم سمندس، ثم ورث أغلب ألقابه ووظائفه لولده "بي عنخ" كبير الكهنة، ولكن دون بعض ما انتحله لنفسه من كنيات فرعونية٢. ولم يكن لهذه النهضة أي صدى في الخارج، وإنما صور تخلخل نفوذ مصر الخارجي حينذاك كاهن مصري مثقف يدعى ونآمون خرج من مصر إلى الشام لاستيراد أخشاب أرز من أجل مركب الإله آمون رب الدولة والإمبرطورية في الدولة الحديثة، وكان أمثال ونآمون من الرسل يجدون الترحاب حيثما حلوا، أما هو فقد وجد الصدود حيثما نزل، وعز عليه أن يجد بين الطوائف الجديدة في الشام الأمن القديم الذي كفله المصريون والسوريون في أيام استقرارهم ومجدهم. وعندما عاد إلى وطنه كان أمينًا في تسجيل ما مر به وتحدث به أو سمعه بكل ما فيه من مرارة وأسى على سمعة وطنه٣.
وإلى جانب صبغتها التقريرية أو الإدارية تعتبر قصة ونآمون من عيون أدب الرحلات في العصور القديمة ونموذجًا لأسلوب الكتابة واللغة المصرية القديمة في عصورها الأخيرة، كما تحمل أكثر من شاهد على اعتزاز المصري الأصيل بقوميته وكرامة بلاده حتى في فترات ضعفها، ولباقته في مواجهة المصاعب وهو مغترب عنها.
стр. 303
شغل ونآمون منصب كبير مدخل معبد أو دائرة "أملاك" الإله آمون في طيبة، ولم يكن من كبار كهنة المدينة أو عظمائها، وإن لم يحرمه هذا من الثقافة الأدبية والثقافة الدينية. وأرخ ابتعاثه من طيبة إلى لبنان ليستورد أخشابًا لسفينة "آمون" وسرحات العظيمة الفخيمة، باليوم السادس عشر للشهر الرابع من صيف العام الخامس للنهضة التي أعلنها حريحور كبير كهنة آمون. ولم يؤرخه بأعوام حكم الملك رمسيس الحادي عشر الذي لا زال حينذاك يعتلي العرش وإن بقي مسلوب السلطة. وبهذا كان ونآمرن مبعوثًا لكبير الكهنة حريحور وليس مندوبًا للملك الشرعي الذي أغفل ذكره ويحتمل أن يكون قد ألمح إليه عرضًا في سياق حديث باسم "خعمواسة" ووصفه بأنه مجرد إنسان، مما يعني أنه لم يكن يناصره ولم يدخر له نصيبه التقليدي من الإحلال والتقديس وكانت هذه الملابسات من عوامل إضعاف موقف ونآمون في مواجهة من قابلهم من أمراء مواني الشام ومواجهة أمير جبيل بخاصة.
وبلغ ونآمون مدينة برر عمسسو "أوتانيس" العاصمة الشمالية التي ولي أمرها نس بانب جدة وزوجته تانت آمون، وقد ذكرهما باسميهما وليس بألقاب الملك التي لم يتخذاها بعد. ولعله في حرصه على ذكر تانت آمون كان يقدر مكانتها ضمنًا كأميرة أثيرة لدى زوجها الشاب أو يقدر نفوذها وقوة شخصيتها إزاء زوجها، وقد عبر عنهما معًا في سياق حديثه باسم "الشركة التي وضعها آمون في شمال أرضه" - ويبدو أنه كان يدين لها بفضل ما لا سيما وقد ذكر في قصته أنها خصته بهديا أرسلت إليه في لبنان. وفي يوم وصوله لم يضيع وقتًا وسلم الزوجين ما معه من رسائل فقالا "يقينًا سوف ننفذ ما قاله ربنا آمون رع ملك الأرباب" ولكنهما لم يذكرا كبير الكهنة حريحور بشيء. مع كونه صاحب الرسائل الفعلي، وصديقهما، بل ويرى رأي حديث أن نس بانب جدة كان أحد أبنائه الذين بلغوا على ما يقال ١٩ ولدًا وخمس بنات من زوجته نجمة، وإن ظل هذا الرأي في مرحلة الفروض. وبحكم إشراف بررعمسسو على التجارة والملاحة الشمالية، أوفده الزوجان مع ربان السفينة منجبة، وهو اسم غريب بعض الشيء عن الأسماء المصرية ولهذا عير به ونآمون فيما بعد.
وخلال أحاديه عن رحلته في الشام، أوحى ونامون بأنه كان يتفاهم مباشرة مع الأمراء والموظفين، تدليلًا على ثقافته ومعرفته بلغاتهم، أو لشيوع لغته المصرية في بلاد الشام بعد القرون الطويلة التي ارتبطت مع مصر فيها خلال الدولة الحديثة.
ووصلت سفينة ونآمون إلى "دور" وهي ميناء الثكر الذين هاجروا إلى شمال الشاطئ الفلسطيني، حيث أهداه أميرها "بدو" خمسين رغيفًا "أو شطائر"، وزق خمر وفخذ ثور. ولكنه لم يهنأ كثيرًا بهذه الحفاوة إذ سرقه رجل من سفينته وفر بثروته التي تألفت من آنية ذهبية تساوي ٥ دبنات، وأربع أوانٍ فضية تعادل ٢٠ دبنا، وحقيبة تتضمن ١١ دبنا من الفضة، وهي ثروة متواضعة بالنسبة لما كان يود استيراده من أخشاب لبنان، ولعله كان ينوي أن يقدمها هدايا إلى الأمراء الذين ود أن يقدموا له الأخشاب هدية لمولاه أو لإلهه. وفي الصباح الباكر قصد ونآمون إلى حيث يوجد الأمير بدر ليعمل على إعادة ما سرق منه باعتباره أمير البدلة ومحافظها، ولكي يستثير اهتمامه أو نخوته أعلن أن ما سرق منه لا يخصه في الواقع بقدر ما يخص
стр. 304
آمون رع ملك الآلهة ورب العالمين، ويخص نس بانب جدة وحريحور وخاصة المصريين، كما يخص الأمير بدر والأميرين ورت ومكمر، وذكر بعل أمير جبيل، ولعل هؤلاء الثلاثة الأخارى هم من اعتزم أن يخصهم بهدايا سادته في مصر في مقابل ما أراده من أخشاب بلادهم.
وجادله الأمير بدر قائلًا: هل أنت جاد فعلًا أم مدعٍ؟ إني لا أكاد أتفهم ما تعنيه، فإذا كان لصًّا من مدينتي قد تسور سفينتك وسرق مالك أديت لك المال من خزائني حتى يمكن العثور على السارق أيًّا ما كان اسمه. ولكن اللص من حيث الواقع كان تابعًا لك ولسفينتك، لتمض في ضيافتي بضعة أيام حتى أجده لك.
وليس من المستبعد أن قانون الثكر كان يأخذ بمثل ما سنته تشريعات حمورابي من قبل في بابل، من حيث مسئولية الدولة عن تعويض المواطن عما سرق منه إن لم تقبض على سارقه، وإن كان الأمير بدر قد تنصل من تطبيقه لأن السارق لم يكن من بلده.
وقضى ونآمون تسعة أيام في ميناء دور ثم واجه أميرها بأنه مادام لم يجد ماله فلا أقل من أن ييسر له الرحيل. فرد عليه بعبارات يصعب تبيين تفاصيلها وإن كان من المحتمل أنه نصحه إن اقترب من مقصده أن يأخذ من السفينة التي يبحر بها ما يعوضه عن ماله كرهينة ويدع ملاحيها يبحثون عن سارقه - وأبحر ونآمون إلى صور ثم فارقها عند انبلاج الفجر، وروي أنه عندما بلغ جبيل وجد في السفينة حقيبة تتضمن ٣٠ دبنا من الفضة فأخذها ولم يكتم أمرها وإنما قال للملاحين النكر: لقد أخذت المال وسوف يظل في حوزتي حتى تجدوا مالي أو اللص الذي سرقه، وأنا لم أنهبه ولكني سوف أحتجزه.
وعلى شاطئ البحر في ميناء جبيل احتفل ونآمون بسلامة وصوله في خباء صغير، ووجد مكانًا لتمثال "آمون على الطريق" الذي خرج به من مصر متبركًا به وليكون وسيلته في إثبات قداسة مهمته، ووضع متعلقاته في الخباء.
وفوجئ ونآمون بما لم يتوقعه، فعندما بلغ خبره أمير جبيل وأنه لا يحمل أوراق اعتماد رسمية رفض استقباله وبعث إليه يقول له: غادر مينائي. فأرسل ونآمون إليه قائلًا: فأين أذهب؟ إن وجدت لي سفينة فدعها تعيدني إلى مصر.
وسواء استقل الأمير شأن ونآمون لشخصه أم لأشخاص من أرسلوه، أو أراد إبعاده تفاديًا للمشكلات التي يمكن أن تنشب بينه وبين أصحاب السفينة، فقد قضى ونآمون ٢٩ يومًا على رصيف جبيل، والأمير لا يفتأ كل يوم يأمره أن غادر مينائي. ثم حدثت المعجزة، إذ بينما الأمير يقدم القربان لآلهته يومًا أن تلبس الإله "آمون" فتى من فتيانه ولعله أصابه بنوبة من الدروشة أو وجد الصوفية فأصبح قادرًا على التنبوء وأخذ يصيح أن أدع الإله وأدع الرسول الذي يحمله فإن آمون هو الذي أرسله.
وحدث ذلك في الوقت الذي وجد ونآمون فيه سفينة متجهة إلى مصر وشحن متاعه فيها وأخذ يترقب الظلمة حتى ينقل تمثال معبوده على ظهرها خفية دون أن تراه عين. وهكذا أظهر آمون معجزته في الوقت
стр. 305
المناسب ليحفظ لرسوله ماء وجهه، أو هكذا أراد ونآمون أن يصور الحادثة، إذ ما لبث أن هرع إليه رئيس الميناء يطلب إليه باسم الأمير أن يتريث حتى الصباح، فعاتبه بقوله ألست أنت الذي لم تفتأ كل يوم تقول دع مينائي؟ ألا تقصد أن تضيع السفينة التي تخيرتها للرحيل ثم تأتي من بعد فتطردني؟ فلم يجد الأمير إلا أن يأمر ربان السفينة مباشرة بأن يتوقف إلى الغد، ثم استدعى ونآمون في الصباح، فترك هذا إلهه في خبائه على شاطئ البحر، ورأى الأمير في هيئة رسمها بقصته فإذا هو يجلس في شرفة عالية وقد أدار ظهره إلى نافذته بحيث تتلاطم أمواج البحر من خلفه. وحياه ونآمون بتحية مصرية قائلًا: "فليغفر آمون". واستهل الأمير حديثه بأن سأله عن الفترة التي قضاها منذ أن خرج من أرض آمون، فإذا هي خمسة شهور، ثم قال له وهو يحاوره ليضعف من موقفه: والآن إذا صح هذا فأين تفويض آمون، المفروض أن تحمله، وأين رسالة كبير كهنة آمون المفروض أن تكون في يدك؟ فأجابه بأنه ترك رسائله لدى نس بانب جدة وتانت آمون - فامتعض الأمير وقال له: ما من تفويض ولا رسالة معك، فأين سفينة "نقل" الأرز التي خصصها لك نس بانب جدة إذن؟ وأين بحارتها السوريون؟ ألا يكون "قد خدعك" ووضعك في سفينة أجنبية كي يقتلك ولكي يلقوا بك في البحر؟ فمن كان ينقذك ومن كان يجد الرب؟
وأبى ونآمون أن يقبل التعريض به وبكرامة ربه بلده فقال: الواقع أنها سفينة مصرية، بل هو أسطول مصري تحت طاعة نس بانب جدة، وليس لديه بحارة سوريون.
فجادله الأمير قائلًا: والواقع كذلك أنه ترسو هنا في مينائي عشرون سفينة تتعامل مع نس بانب جدة "بما يعني أن نس بانب جدة كان يستطيع أن يرسله على إحداها"، كما أن في صيدا الميناء الأخرى التي مررت بها خمسين سفينة تتعامل مع وركاترا "وهو أمير غير معروف، وإن كان ساميًّا أمكن اعتبار اسمه تحريفًا لاسم وركة إيل - ولو أن الباحث ألبريت يعتبره من أمراء الساحل الجنوبي لآسيا الصغرى".
وأسقط في يد ونآمون فلزم الصمت حتى قال له الأمير: وأي مهمة هذه التي أتيت من أجلها؟ فقال له: من أجل أخشاب مركب آمون رع الفخيمة العظيمة، أتيت، وما فعله أبوك وأبو أبيك سوف تفعله. وأضاف ونآمون في روايته: هكذا قلت له، كأنه يعتز بجرأته في مواجهته.
ولكن الأمير ظل على صلفه قائلًا: حقًّا لقد وفروها، فإذا دفعت "الثمن" وفرتها أنا أيضًا. فهم قد فعلوا ذلك من بعد أن أرسل الفرعون "ذات مرة" ست سفن محملة بمنتجات مصرية ضمت إلى مخازنهم، فما الذي أتيت به أنت إلي؟ واستحضر الأمير سجلًّا لأسلافه، وأمر بأن يقرأ أمام ونآمون، فتأكد أنه تضمن ذكر ألف دين فضة وبضائع من كل نوع.
واسترسل الأمير قائلًا: أما عن حاكم مصر فحتى إن كان سيد ما أملك وكنت أنا كذلك خادمه - فإنه ليس بمجرد القول أن نفذ مهمة آمون، وإنما اعتاد أن يرسل فضة وذهبًا، وكانت الهدايا الملكية تصل إلى أبي. أما عن نفسي، فلست خادمك ولا خادم من أرسلك.
ويلحظ هنا أن الأمير لم يذكر حاكم مصر بلقب الفرعون أو الملك، وأخذ من ثم يعرض بونآمون وبمن أرسله على اعتبار أنه ليس مرسلًا من قبل ملك مصر الشرعي.
стр. 306
واسترسل الأمير في صلف قائلًا: فإني إذا صحت في لبنان تفتحت السماء وإذا بالألواح هنا على شاطئ البحر "يعني بهذا قوة نفوذه في بلده وأن السماء لن تبخل عليه بالأمطار التي يستعان بسيولها على دفع أخشاب الأشجار من الغابات إلى ساحل البحر". فقدم لي إذن السفن والحبال لشحنها وسوف أعطيك إياها، وإلا غرقت السفن وهلكت وسط البحر. ثم تطلع هنا: إن آمون رعد في السماء من بعد أن وضع الإله ست إلى جانبه، وإن آمون خلق العالم بعد أن أوجد ابتداء أرض مصر التي أتيت منها. وهكذا ولكي يتم الوصول إلى البلد الذي أوجد به خرجت المهارة منها، ولكي يجري بلوغ المكان الذي أوجد به صدر العلم منها. فما هدف هذه الرحلات الساذجة التي كلفت بأدائها؟ "وكأنه يقول إنه وإن صح أن المهارة والمعرفة ترجعان أصلًا إلى مصر فإن خالق البلاد كلها واحدًا، وهو وإن ميز مصر ابتداء بما ميزها به فقد كان ذلك لخير جبيل التي يتولى أمرها. وإذا كانت مصر قد اعتادت من قبل أن تصدر المهارة والمعرفة - فما بال ونآمون قد خرج منها إذن في حال بئيسة؟ ".
وهنا بلغ الاعتزاز بالقومية مداه عند ونآمون فاستجمع جأشه ولياقته ورد قائلًا:
"هذا خطأ، فما هي برحلات غبية، وما من سفينة على النهر لا تتبع آمون، والبحر بحره، ولبنان أرضه التي تقول إنها تتبعك، ومن أجل آمون وسرحات سيدة كل السفن تنمو الغابات على الجبال. وقد قال آمون حقًّا وصدقًا لمولاي حريحور ابعثه - وقد أوفدني بهذا الإله الجليل، وها أنت قد تركت هذا الرب العظيم ينتظر ٢٩ يومًا في مينائك هذه، وأنت تعلم أنه هنا- وتلك مشيئته. وها أنت تجادل على تجارة لبنان مع آمون مولاها. أما عن قولك إن الملوك السابقين أرسلوا الفضة والذهب، فإنهم إن ملكوا الحياة والعافية ما أرسلوا ما أرسلوه من منتجات، فعوضًا عن الحياة أرسلوا البضائع إلى آبائك. وههنا آمون رع ملك الآلهة، وهو رب الحياة والعافية ورب آبائك وقد قضوا العمر يتوددون إليه - فما أنت إلا خادم لآمون، وإذا نويت أن تنفذ وأتممت رسالته فلسوف تحيا وتسعد ويعم الخير على كل أرضك وشعبك، فلا تطمع لنفسك فيما هو ملك آمون رع ملك الأرباب، فالأسد حقًّا يتطلع إلى ما في يده ... ، ومع ذلك استحضر لي كاتبًا أوفده إلى نس بانب جدة وتانت آمون، الشركة التي وضعها آمون في شمال أرضه، ولسوف يرسلان ما هو لازم، ويكفي أن أرسل لهما هذه العبارات: "أرسلاه "أي ثمن الأخشاب" إلى أن أرجع إلى الجنوب ولسوف أعمل حينذاك على رد ما لكما من دين".
وهكذا أرضى ونآمون كرامته ودافع عن ربه وعن قوميته وظل عزيز النفس وهو وحيد في مواجهة الأمير مما كان له وقعه في نفسه فأرسل مع كاتبه ورسالة ونآمون سبعة ألواح من متطلبات سفينة آمون، إلى مصر عربونًا على حسن نواياه.
стр. 307
وعاد الرسول من مصر إلى لبنان في الشهر الأول من الفصل الثاني، وقد أرسل معه نس بانب جدة وتانت آمون من الذهب أربع أوانٍ وصحفة، ومن الفضة خمس أوانٍ، وعشرة كساوي من كتان بيسوس الملكي، وعشر غلالات من كتان الصعيد الرقيق الجيد، و٥٠٠ حصيرة فاخرة، و٥٠٠ جلد "أو مؤخرة ثور"، و٥٠٠ حبل "أو لفافة بردي"، و٢٠ غرارة عدس، و٣٠ سلة سمك، كما أرسلت تانت آمون لونآمون شخصيًّا خمس كساوي وخمس غلالات من نسيج الصعيد الرقيق الجيد، وغرارة عدس، وخمس سلال سمك. "ويبدو أن السمك هنا كان من السمك المجفف أو المملح الذي اشتهرت مصر به إلى جانب العدس والفول والكتان والبردي والمصنوعات المعدنية الفاخرة".
وقر الأمير عينًا وخصص ٣٠٠ رجل و٣٠٠ ثور وعين عليهم رؤساء لإسقاط الأشجار من الغابات فقضوا فصل الشتاء هناك، وعندما جفت الأخشاب نقلوها في الشهر الثالث للصيف إلى شاطئ البحر. واحتفى الأمير بهذه المناسبة ودعا ونآمون، ولكن ظلت للمشاكل التي واجهته بقية. فحين جاور الأمير غطاه ظل مظلته التي شكلت على هيئة زهرة اللوتس المصرية، فغار منه ساقي الأمير، وكان للأسف ذا اسم مصري وهو بن آمون، ولعله كان لبنانيًّا ولد في مصر أو من أب مصري، فنحاه وسخر منه قائلًا ها قد سقط عليك ظل مولاك الفرعون. فأظهر الأمير استياءه وقال له دعه لحاله، وإن ظل يضمر نية المضايقة لونآمون حيث قال له: ها قد رأيت أن المهمة التي أداها أبي من قبل أديتها، ولو أنك لم تؤدِ لي ما أداه آباؤك لآبائي، وقد وصلتك آخر أخشابك ووسقت، فافعل ما آمرك به واشحنها ولا تذهب مراعيًا فقط انقلاب البحر فإنك إذا راعيته وحده فسوف تواجه غضبي، والواقع أني لم اتخذ معك ما وقع لرسل خعمواسة حينما قضوا ١٧ سنة في هذه البلاد وماتوا فيها. ثم قال لساقيه خذه يرى قبرهم الذي يرقدون فيه.
وأجفل ونآمون قائلًا: لا تدعني أراه، وأما عن خعمواسة "ورجاله" فإنهم بشر أولئك الذين أرسلهم إليك، وهو نفس بشر، وليس أمامك الآن واحد منهم لتقول له اذهب لترى رفقاءك. "ويرى ألن جاردنر أن خعمواسة هو رمسيس الحادي عشر ولعله أرسل رسله هؤلاء في بداية حكمه، وسواء ذكره أمير جبيل باسم خعمواسة فعلًا دون لقب الملك، أم أن ونآمون تعمد أن يذكره به لعدم ولائه له، فإن كلا الأمرين يعني ضعف نفوذه وسمعته كملك كما يعني الاعتقاد ببشرية الفرعون على الرغم مما ادعته النصوص التقليدية له من ألفاظ التقديس والألوهية".
واسترسل ونآمون قائلًا: "ومن حقك أن تسعد إذا وجد لك نصب تقول عليه: أرسل إلى آمون رع ملك الآلهة "آمون على الطريق" رسوله "له الحياة والعافية والسعادة" وونآمون رسوله البشري، من أجل أخشاب مركب آمون رع ملك الآلهة؛ الفخيمة المعظمة، فنفذت ذلك وأرسلتها إليه بسفني وبحارتي وجعلتهم يصلون إلى مصر ليسألوا لي ٥٠ عامًا من آمون فوق نصيبي "من الحياة"، وقد يسعدك الحظ يومًا فيأتي رسول من أرض مصر يعرف كتابتك ويقرأ اسمك على النصب "فيدعو لك بدعائنا" ولسوف تتلقى
стр. 308
حينئذ ماء الغرب كالأرباب الذين يوجدون فيه، وأردف الأمير مؤمنًا على قوله أو متهكمًا بما قد يعني: هذه لفتة حق قلتها لي.
وأضاف ونآمون: أما عن كل ما ذكرته لي فإني إذا بلغت بلدي حيث يوجد كبير كهنة آمون ورأى بضاعتك، "فإن بضاعتك هذه هي التي سوف تجلب الخير لك".
ومضى ونآمون على شاطئ البحر حيث الأخشاب موسقة، ولكنه لمح لسوء حظه أحد عشر بحارًا من الثكر يتجهون إليه من ناحية البحر وهم يصيحون اعتقله ولا ترسل معه شاحنة إلى مصر. وهنا فاض الكيل بالرجل فجلس ودمعت عيناه، فقال له كاتب رسائل الأمير، وماذا بعد؟ فقال وفي نفسه غصة من طول تعويقه وبقلبه أمل وشوق للعودة إلى بلده: لا شك أنك رأيت الطيور المهاجرة وقد انطلقت إلى مصر مرتين، فانظر إليها وهي تهرع إلى بلد الماء الزلال، وأنا إلى متى أظل مهملًا هنا، وها قد رأيت من أتوا ليعتقلوني؟
ورجع الكاتب إلى الأمير وأخبره بالخبر، فأسف الأمير على ما سمع، وأراد أن يهون على ونآمون، فأوفد كاتبه إليه بزقي خمر وشاة، وبعث إليه بمغنيته المصرية تانت ني قائلًا لها: غنِّ له ولا تدعيه ينعي همًّا "وكان لبعض المصريات شهرة بالإنشاد الديني. ومنهن من كانت تشغل منصب كبيرة منشدات معبد بتاح في منف، وإذا صح أن تلك المغنية أو المنشدة كانت مصرية حقًّا وتشدو بلغتها فإن هذا يؤكد ما أسلفناه من قبل عن معرفة بعض أهل كل من مصر والشام بلغة بعضهم البعض، ليس في مجال المصالح التجارية والسياسية فحسب بل وفي مجالات الفنون مثلما يحدث الآن". وأرسل الأمير إلى ونآمون قائلًا، اطعم واشرب ولا تنع همًّا، ولسوف تسمع ما سوف أبلغك به غدًا. وفي الغد استدعى أعضاء مجلسه وتوسطهم مخاطبًا الثكر: ما هدفكم؟ فقالوا إنما أتينا نتتبع البحارة الذين تريد أن توفدهم إلى مصر مع من تطلبه. فقال لهم أما عن نفسي فلا أستطيع أن أعتقل رسول آمون في أرضي، فدعوني أرسله بعيدًا ولكن أن تتبعوه وتعتقلوه إن أردتم.
ورحل ونآمون بالسفينة في البحر حتى ألقته الرياح على أرض "جزيرة" أرس "أو الأسيا وهي قبرص". وكان كالمستجير من الرمضاء بالنار إذ اجتمع أهل المدينة ليقتلوه، ولكنه شق طريقه بينهم إلى حيث صادف "هاتيبا" أميرة أرس وهي تنتقل من أحد قصورها إلى قصر آخر، فحياها وقال لمن كانوا حولها لا بد أن بينكم من يفهم اللغة المصرية. ولحسن حظه قال أحدهم أعرفها، فقال له قل لسيدتي إني كنت أسمع في المدينة "طيبة" مقر آمون أنه وإن اتبع الظلم في كل بلد، فالعدالة تتبع في أرس، أفلا يتبع العدل هنا كل يوم؟ فقالت الأميرة "عن طريق مترجمها" ما معنى قولك؟ فقال أعني أنه إذا كانت أمواج البحر والرياح قد ألقتني هنا حيث توجدين، فيجب ألا تتركيهم يأخذوني ليقتلوني. فإنما أنا رسول آمون، وأنا مطلوب وإن طال الأمر. وراع بحارة جبيل الذين يودون قتلهم معي، فهؤلاء لا بد أن مولاهم سوف يقتل بهم عشرة من بحارتك. وجمعت الأميرة قومها فاصطفوا، وقالت له اقض الليل ههنا ... ". وهنا انتهى الجزء المدون من القصة على بردية يحتمل العثور عليها
стр. 309
في منطقة اللشت في أواخر القرن الماضي، واقتناها الباحث الروسي فيلاديمير جولنشف وأهداها إلى متحف موسكو١.
وعلى هذه الحال في الداخل وفي الخارج، انتهت أيام الأسرة العشرين بعد أن وليت أمور مصر ٩٧ عامًا، وانتهت بختامها عصور الرعامسة وإن بقيت ذكراها خالدة بحلوها ومرها في آثارها ووثائقها.
стр. 310
رابعًا: الثيوقراطية والفتور في عصر الأسرة الحادية والعشرين ١٠٨٧ - ٩٤٥ق. م
ارتبطت سياسة هذه الأسرة بأحداث الفترة الأخيرة من عصر الأسرة السابقة لها، وبدأت بعاصمتين للحكم: عاصمة في طيبة التي ضمن فيها كبار كهنة آمون خلفاء حريحور صاحب السلطان الواسع في عهد رمسيس الحادي عشر، لأنفسهم حكمًا ثيوقراطيًّا اعتمدوا في تدعيمه على ما تخلف لمدينتهم مقر آمون رع رب الدولة، من ثراء موروث وسيادة دينية، وزعامة صعيدية، وإشراف على خيرات النوبة. وقد مدوا نفوذهم حتى الحيبة في مصر الوسطى وحصنوها١. ثم عاصمة في بر رعمسسو "أو "تانيس" بشرق الدلتا حكم فيها بيت نيسو بانب جد "أو نس بانب جدة" الذي ذكره أفريكانوس عن مانيتون باسم سمندس "الأول"، صاحب السلطان في الوجه البحري ومصر الوسطى منذ عهد الملك نفسه، وقد استند أفراده إلى اعتبارهم الورثة الشرعيين للأسرة السابقة لهم بحكم قرابتهم أو مصاهرتهم لها بعد أن أيد رأسهم شرعية سلطته بزواجه من تانت آمون سليلة الرعامسة، كما شجعهم ما كانو يصيبونه من ثراء ورخاء نسبيين نتيجة لإشرافهم على تجارة مصر الخارجية مع آسيا الغربية وحوض البحر المتوسط. وقد وجد هذان البيتان الحاكمان أنه لا قبل لأحدهما بتجاهل الآخر أو الانفراد بالأمر دونه، فأتما سياسة المسالمة التي بدأها حريحور، وزاوجا بين سلطتيهما الدينية والدنيوية عن طريق مصاهرة بيتيهما، واعتزا معًا بمذهب آمون رع. وكان أكثر الغنم في تحالفهما للبيت الشمالي، إذ بقيت الألقاب الفرعونية في رجاله. وتلقب أغلب فراعنة هذا البيت الشمالي بلقب ستبن آمون ولقب مري آمون، أي المصطفى من آمون وحبيبه، مما يعني حرصهم على إبقاء صلاتهم برب طيبة رب الدولة الكبير. وثمة نص في محاجر الجبلين ينسب إلى نيسو بانب جد أنه جلس ذات مرة في قصره في منف يفكر في عمل يكسبه التكريم، وكان قد بلغه أن بهو أعمدة بني في عهد تحوتمس الثالث في الأقصر قد طغى الماء عليه حتى كاد أن يبلغ سقفه، فأرسل ثلاثة آلاف عامل لقطع الأحجار وترميمه. وقد يعني هذا العمل رغبة الفرعون في مد نشاطه ومآثره إلى طيبة. وأيد حكام طيبة بدورهم سلطتهم باتخاذ أكثر من اسم واحد على عادة الملوك، ولكن قلما وضعوا أسماءهم في الخراطيش الملكية. وجمعوا بين ألقابهم الكهنوتية وبين ألقاب عسكرية مثل القائد الكبير للجيش، والقائد الأعلى للجيش في البلاد كلها.
ولا زال بعض الجدل قائمًا حول تأريخ عصر الأسرة الحادية والعشرين وتتابع ملوكه وكبار كهنته، بل وحول الصيغ المرجحة لألقاب هؤلاء وهؤلاء. وكان أفريكانوس قد نقل عن مانيتون ذكر سبعة أسماء لملوك هذا العصر نسبهم إلى العاصمة تانيس وقدر مجموع مدد حكمهم بمائة وثلاثين عامًا. واحتفظت الآثار المكتشفة حتى الآن والنصوص الموجزة المسجلة على التوابيت وأكفان المومياوات بما يزكي صحة بعض هذه
стр. 311
الأسماء وما يزاد عليها. وبينما افترض الرأي الغالب بين المؤرخين المحدثين لمجموع مدد حكم أولئك الملوك ١٤٢ عامًا "امتدت بين عام ١٠٨٧ وعام ٩٤٥ق. م"، افترض لهم رآي آخر ١٢٤ عامًا "بين عام ١٠٦٩ وعام ٩٤٥ق. م"، وافترض لهم رأي ثالث ١٤٤ عامًا "امتدت بين ١٠٨٩ - ٩٤٥ق. م"١. وقد سلفت الإشارة بأنه مهدت لهذا العصر فترة أحد عشر عامًا بدأت بما اعتبره كبار كهنة آمون عصر نهضة، واقتسم السلطة الفعلية خلالها في أواخر حياة رمسيس الحادي عشر "بين ١٠٩٨ - ١٠٨٧، أو بين ١٠٨٠ - ١٠٦٩، أو بين ١١٠٠ - ١٠٨٩ق. م"، كل من نس بانب جدة "سمندس" في العاصمة بر رعمسسو "أو تانيس"، وثلاثة من كبار كهنة طيبة كانوا على التتابع: حريحور "لنحو ست سنوات"، وبي عنخ "لفترة أربع سنوات"، ثم بي نجم "لفترة عام واحد"، وإن احتمل رأي آخر أن تكون فترة رياسة بي عنخ لكهنوت طيبة قد استمرت لبضع سنوات أخرى حتى عام ١٠٦٤ق. م١.
وعلى عرش العاصمة بر رعمسسو طال عهد نس بانب جدة بعد وفاة رمسيس الحادي عشر ٢٦ عامًا، ثم تتابع بعده الملوك: آمون منيسو "لفترة ٤ سنوات"، وباسبا خع مني "أو منو" الذي ذكره مانيتون باسم بسوسينيس الأول وطال حكمه ٤٦ أو ٤٨ عامًا، وأمنموبة، وقد شارك سلفه عامين ثم استقل بالعرش لنحو ٩ سنوات، وملك ذكره مانيتون باسم أسوخور "؟ " اشترك مع سلفه ثلاث سنين ثم انفرد بالحكم ست سنوات، وسا آمون لفترة ١٧ أو ١٩ عامًا، وباسبا خع مني "أو منو" الثاني "بسوسينيس الثاني" لفترة ٢٤ عامًا، وذلك مع بعض الشك في أسبقية الملك الثالث في قائمة هؤلاء الملوك للملك الثاني منهم٢. ومن استعراض مدلولات هذه الأسماء يتضح مدى إصرار أصحابها على الانتساب إلى آمون رب طيبة، فضلًا عن الدلالة الواضحة لاسم "باسبا خع مني" الذي يعني "النجم قد شع في المدينة" وهي مدينة طيبة.
وفي سبيل تحقيق الوفاق مع سلطات طيبة الدينية، ومن أجل تزكية امتداد نفوذهم فيها في الوقت نفسه، زوج بعض أولئك الملوك بناتهم لكبار كهنة آمون الذين تتابع منهم بعد حريحور وولده بي عنخ، أي بعد وفاة رمسيس الحادي عشر، ستة أو سبعة وهم: بي نجم "الأول"، وماساحرتا، وحج خنسف عنخ، ومن خبر رع، ونس بانجد "سمندس الثاني؟ "، وبي نجم "الثاني"؛ ثم باسباخع منو "بسوسينيس الثالث؟ ".
وكفل ملوك بر رعمسسو لبناتهم بهذه المصاهرات ممارسة نصيب من النفوذ الديني في طيبة لا سيما مع
стр. 312
رئاسة كل منهن لكاهنات آمون وتلقبها بلقب "الحرم المقدس لآمون"، وإن نقلت بنات الملوك إلى أزواجهن أو أولادهن بهذه المصاهرات في الوقت نفسه حقوقًا شرعية استغلها بعضهم في اتخاذ ألقاب الملوك كما فعل بي نجم "الأول". وقد تشجع ولداه منها ماساحرتا ومن خبر رع على اتخاذ ألقاب الملكية أيضًا على التتابع. ويبدو أن ثورة نشبت في طيبة بعد وفاة أولهما وأدت إلى الاستعانة بوحي آون في نفي زعمائها إلى الواحة الخارجة حتى عفا عنهم من خبر رع وأعادهم إلى طيبة لتهدئة نفوس أهلها. وعندما استتب الأمر له عاود التنكيل بهم مستعينًا بوحي آمون للمرة الثانية. وبسياسته هذه ذات الوجهين طال عهده ٤٨ عامًا وأشرف على موارد الأقاليم التي تمتد من بني سويف إلى أسوان ومن ساحل البحر الأحمر إلى الواحات، ثم ورث زعامة طيبة لولديه على التوالي١.
يرجع الأصل القديم للقب "الحرم المقدس لآمون" إلى عصر الأسرة السابعة عشرة وعصر الأسرة الثامنة عشرة، وبدأ تشريفيًّا ثم جمع بين الصبغة الدينية وبين النفوذ الكهنوتي. وقد آثرنا له هذه الترجمة التي تعني من تلوذ بالإله وتكتسب شيئًا من حرمته وتشرف على حرمه المقدس وعلى كاهناته، عوضًا عن ترجمته الشائعة بعبارة زوجة الإله آمون٢ " God's Wife Of Amun" ذلك أنه كان مما اختلفت الديانة المصرية به عن غيرها من الديانات الوضعية المعاصرة لها أنها لم تأخذ بمثل المدلول الحرفي للقب زوجة الإله وهو المدلول الذي أدى في أمم أخرى إلى ما يسمى بالبغاء الديني وبمقتضاه تهب الكاهنة نفسها راضية للإله أو للملك أو كبير الكهنة الممثل للإله، على اعتبار أنها تضحي بذلك بأعز ما تملك لإرضاء ربها ومن أجل خير شعبها ولتوفير خصوبة الأرحام فيه وخصوبة أرضه. وقد لقبت الأميرة ماعت كارع بلقب "الحرم المقدس لآمون" وهي طفلة مما يؤكد أنها لم تخضع للمدلول الحرفي الملقب زوجة الإله، ثم تزوجت بي نجم "الأول".
وقد مال بعض الباحثين إلى اعتبار عصر الأسرة الحادية والعشرين بداية للعصور المصرية المتأخرة، ربما على أساس غلبة الخمول على سياسته وضعف وحدة الحكم الأعلى فيه، وتقلص النفوذ المصري خلاله خارج الحدود وتوزع السلطة فيه بعض الشيء بين الملوك. وذهب رأي آخر قال به ألكسندر شارف ثم توسع فيه كنيت كتشن، إلى اعتبار عصر الأسرة الحادية والعشرين، وما يمتد منه حتى نهاية الأسرة الخامسة والعشرين عصر انتقال ثالث٣ توسط بين العصر الزاهر للأسرة العشرين وبين بداية عصر الأسرة السادسة والعشرين الذي جرى الاصطلاح على تسميته باسم عصر النهضة الصاوي "وإن سبقته نهضة أخرى في عصر الأسرة الخامسة والعشرين".
стр. 313
ولا شك في أن هذه كلها أسبابًا وجيهة، ولكن ينبغي أن يلحظ إلى جانبها أن مصر وإن لم تحقق توسعًا خارجيًّا يذكر في عصر الأسرة الحادية والعشرين إلا أنها حافظت خلاله على حدودها الخاصة، كما حافظت على استقلالها دون شائبة تشوبه، وظل حكمها الأعلى في أيد مصرية قومية سواء أكان ذلك في بر رعمسسو أم في طيبة، وكل ذلك مما يفرق بين أوضاع هذا العصر وصورته العامة وبين أوضاع أخرى أكثر سوءًا منها شهدتها العصور التالية لعصر الأسرة الحادية والعشرين واستوجبت من أجلها أن تسلك في العصور المتأخرة، المتأخرة من حيث الزمن، والمتأخرة ضمنًا من حيث الحضارة، ومن حيث العناصر الدخيلة التي أثرت في حياتها.
وعلى أية حال فقد أدت سياسة المسالمة واقتسام المغانم في عصر الأسرة الحادية والعشرين بين البيتين الكبيرين في بر رعمسسو وطيبة، إلى الإبقاء على نظام الحكم الثنائي مائة واثنتين وأربعين سنة اتسمت بالفتور وبالسياسة الانطوائية في مجملها، وتأثرت في ذلك بعوامل داخلية وخارجية تمثلت في أن مصر بعد أن قطعت نحو خمسة قرون في يقظة شبه متصلة خلال الدولة الحديثة أرهقت وأسنت ووقعت في استرخاء طويل، وأن مشاركة كبار كهنة آمون في مسئوليات الدولة قد خدرت الناس باسم الدين، وأن مصر لم تتعرض لهزات خارجية عنيفة تجبرها على الحركة. فالمناطق الجنوبية منها كانت قد اصطبغت بالحضارة المصرية المهذبة وربطت مصائرها بمصائرها، وبلاد الشرق الأدنى كانت في شغل شاغل بمشكلاتها الإقليمية بعد أن استقرت شعوب البحر في مواطنها الجديدة، وبعد أن انشغلت كل دولة ودويلة في الهلال الخصيب بمحاولة إثبات كيانها على حساب جيرانها، فانشغل الآشوريون مع الآراميين في نزاع طويل، وشهد جنوب الشام منافسة طوائف العبرانيين بعضهم لبعض على الحكم وزعامة الدين، فضلًا عن حروبهم المتقطعة مع دويلات الكنعانيين والآرميين والفلسطينيين، ثم نجاح داود في تأسيس مملكته على حساب بعض جيرانها. أسلفنا أن العصر وفر لمصر استقرارًا مديدًا، ولكنه لم يكن استقرارًا من النوع الذي عرفته مصر في عصور قوتها وإنما كان استقرارًا فاترًا، لم يخل من خصومات بين الحكام، وانقسامات طائفية، ومؤامرات من الجماعات المهاجرة التي استوطنت في أقاليم الحدود الغربية١، وهذه سوف تصبح فيما بعد شر البلية.
وليس من المستبعد أن يكون تاريخ عصر الأسرة الحادية والعشرين في مصر مغبونًا بمحض المصادفة، نتيجة لقلة ما كشف من آثاره الصعيدية حتى الآن، ونتيجة لتحلل أغلب آثاره في الدلتا بفعل رطوبة أرضها وكثافة طميها وكثرة فروعها المائية واتساع مناقعها القديمة. وذلك بحيث لا يكاد التاريخ يعرف من نشاط هذه الأسرة في الحقل الداخلي غير استمرار الاهتمام بعمائر الإله آمون رع وبقية الأرباب الكبار، وذلك على الرغم من قلة إمكانيات عصرها قلة نسبية. ثم تغليب طابع الدين على روح العصر وسياسة الحكم فيه. وكان من صور هذا التغليب أن جعل الحكام لاستخارة الإله آمون ووحيه نصيبًا كبيرًا في حل
стр. 314
المشاكل الكبيرة، وبمعنى أصح جعلوا لتوجيهات كبار كهنته نصيبًا في حل مشكلات بلدهم، إرضاء للكهنة كشركاء، ورغبة في أن يتخففوا هم من عبء المسئوليات وأن يلقوا عواقبها على عاتق وحي آمون١. وجرى كبار الكهنة من ناحيتهم على إجراء سنه لهم رأسهم حريحور، وهو العناية الشخصية بالسلف الصالح عن طريق رعاية جثث الفراعنة القدامى الذين انتهكت حرمة مقابرهم في فترات الاضطرابات منذ أواخر عصر الرعامسة، وترميم توابيتها، وكان ذلك الإجراء هو أهم مآثرهم على التاريخ، إذ ظلت هذه الخبيثة الثمينة مصونة مجهولة حتى كشف عنها في أواخر القرن الماضي، كما سنفصل ذلك في الصفحة التالية.
وظلت إمكانيات الدولة المادية محدودة، بحيث استعانت في بعض منشآتها المعمارية بأحجار المباني القديمة، وانكمشت بر رعمسسو "أو تانيس" العظيمة عاصمة الرعامسة إلى نصف مساحتها السابقة٢. ولكن لم يحل هذا الأمر أو ذاك دون استمرار الفراعنة وكبار الكهنة على حب الترف القديم في شئون الدنيا ومطالب الدين وبناء المقابر الضخمة، وأن يظلوا أكبر المستفيدين دائمًا من إمكانيات عصرهم، الأمر الذي تجلت مظاهره في ثراء ما كشف عنه من مقابر ملوك تانيس وأمرائها وأثريائها "لا سيما بسوسينيس، وموت نجمة، وأمنموبة، وأونوجباونجد"، بمدخراتها الفضية والذهبية الرائعة، وما أبقت الأيام عليه من توابيت كبار الكهنة والكاهنات في طيبة بكنوزها وصورها الملونة ونصوصها العقائدية٣.
أما في العالم الخارجي، فلا تسمح المعلومات الراهنة بغير تصوير جانب ضئيل من علاقات مصر بمملكة داود، وكانت علاقات عادية في مجملها وفي ظاهرها، ولكنها لم تمنع من التجاء الأمير هداد "أو حداد" حاكم إدوم في جنوب فلسطين إلى مصر بعد أن خرب داود وقائده يعقوب إمارته، وسفك دماء آلاف من رجالها، واستباحها لجيشه ستة شهور، ووجد هداد في مصر الرفد والملجأ، وزوجه فرعونها "مجهول الاسم" من أخت زوجته، وأكرمه حتى عاد إلى إمارته بعد وفاة داود وأصبح من ألد خصوم ولده سليمان٤.
وعندما اتسع سليمان بملكه واشتهر أمره، مال إلى محالفة المصريين، وهنا استحب الفرعون المصري "الذي قد يكون سا آمون أو بسوسينيس الثاني" أن يظهر لسليمان قدرة مصر ويبين له أن تحالفها معه هو تحالف الأقوياء، فبعث ببعض جيشه إلى جنوب أرض كنعان حيث استقرت جماعات من شعوب البحر منافسي سليمان، وسيطرت قواته على مدينة جزر التي عجز العبرانيون عنها عدة مرات، ثم جعلها بائنة لابنته التي رضي أن يزوجها لسليمان٥، وفي ذلك ما يعني ضمنًا أن مصر ظلت حتى في عهود ضعفها أقوى مرات من ملك سليمان الذي تحدثت به الأمثال بالنسبة لما كان عليه ملك أسلافه وجيرانه بطبيعة الحال.
стр. 315
وإذا كان نهب المقابر الملكية في أواخر عصر الرعامسة مؤشرًا على سوء الأوضاع التي استغلها كبار كهنة آمون للجمع بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية في أيديهم في الصعيد والمشاركة في توجيه مصير الدولة في عصر الأسرة الحادية والعشرين، فقد كانت معاودة نهب هذه المقابر في القرن الماضي بداية لتوجيه الأنظار إلى الكشف عنها والاستدلال منها على رعاية بعض كبار الكهنة هؤلاء للسلف الصالح وحرمة الموتى. وبدأ هذا الكشف بصورة درامية مثيرة.
فقد قل ما احتوته متاحف العصر الحديث من الآثار الملكية المصرية حتى عام ١٨٧٠، ثم شهدت أسواق التحف في مصر وأوروبا منذ عام ١٨٧١ وعلى دفعات متباعدة، فيضًا من هذه الآثار، الأمر الذي نبه الأذهان إلى تقصي تحركات مهربي الآثار من الوطنين والأجانب وعملائهم المحتمين بالامتيازات الأجنبية، في المناطق الأثرية الكبرى ولا سيما في طيبة الغربية، ولم تجد التحريات البوليسية أو الشخصية شيئًا في هذا المضمار بقدر ما أدى اختلاف الأخوة من أسرة عبد الرسول أشهر مهربي الآثار والمتعاملين فيها في قرية القرنة، إلى بداية الكشف عن مخابئ أثرية قل أن شهد التاريخ الحديث ما يماثلها غنى وغرابة. فقد نم أحد أولئك الأخوة عن سر إخوته الذين خاصمهم في الاهتداء إلى بئر مقبرة عميقة صعبة المنال تقع جنوب وادي الدير البحري وتتوسط بينه وبين بيبان الملوك. وكانوا قد احتكروا سر هذه البئر ونزلوها خفية ثلاث مرات خلال نحو عشر سنوات وخرجوا منها بما ملأ أسواق التحف من البرديات والقلائد وتماثيل الشوابتي والجعلان وما إليها، وما ملأ بيوتهم من أموال كانت ثمنًا بخسًا بالنسبة إلى ما استحقته هذه الآثار من قيم تاريخية ومادية وفنية فريدة.
ولم يكن الفرنسي جاستون ماسبرو مدير مصلحة الآثار المصرية، بمصر حين نم الرجل عن سر أسرته، فناب عنه في الكشف عن المقبرة المعنية في شهر يوليو من عام ١٨٨١ وكيله هنريش بروكش ومساعده المصري أحمد كمال، وفي دهشة بالغة واجه العالم الحديث لأول مرة بعد أكثر من ثلاث آلاف عام وجوه موميات ... من كبار فراعنة الأسرات السابعة عشرة إلى العشرين وهم: سقنن رع، وأحمس الأول، وأمنحوتب الأول، وتحوتمس الأول "؟ "، وتحوتمس الثاني، وتحوتمس الثالث، وسيتي الأول، ورمسيس الثاني، ورمسيس الثالث، فضلًا عن حوالي الثلاثين من كبار كهنة آمون وكبار شخصيات الدولة الحديثة. وفي عجلة وتكتم عمل بروكش وأحمد كمال على نقل ما أمكنهما الخروج به من المقبرة خلال أسبوع واحد والاتجاه بمومياوات الملوك وكبار الكهان إلى متحف القاهرة. ثم تم نقل ما تخلف من كنوز المقبرة في يناير من عام ١٨٨٢ بإشراف ماسبرو. وفي يوليو من عام ١٨٨٦ جرى في القاهرة حفل مهيب عوض الفراعنة العظام بعض الشيء عما فاتهم من مهابة الاستقبال، وحضره خديو مصر وقيل إنه حلت أمامه أكفان فرعون مصر العظيم رمسيس الثاني ليطالع الجميع بوجهه العجوز الصلب المعبر.
ولحسن الحظ لم تشغل الكنوز الثمينة الباحثين عن دراسة تقارير موجزة كتبت بالخط الهيراطي على
стр. 316
التوابيت وأكفان الملوك وسجلت أسماء أصحابها وأسماء الملوك والكهان أصحاب الفضل في إعادة دفنهم وإكرام مثواهم. وقد تبين منها أنه بعد أن تعرضت مقابر الملوك للنهب أكثر من مرة وتعرضت جثثهم وأكفانهم للتلف عولجت مومياوات الملوك تحوتمس الأول وأمنحوتب الأول وسيتي الأول ورمسيس الثاني ورمسيس الثالث، وأعيد إحكام لفائفها في فترة من كهنوت بي نجم الأول وخلال الأعوام ٦ - ١٧ من عهد ملك لم يذكر اسمه ولعله باسباخع مني الأول. وأعيدت معالجة مومياء أمنحوتب الأول، كما عولجت مومياوات أحمس الأول والملكة سات كامس والأمير سا أمون، وذلك في فترة من كهنوت ماساحرتا، ثم أعيدت معالجة مومياء سيتي الأول مرة أخرى في عهد كبير الكهنة من خبر رع.
وكان في إعادة معالجة هذه المومياوات ما يعني قلة العناية التي بذلت في معالجتها أو يعني تكرار الاعتداءات على مقابرها، ولعله لهذا اتجهت الرغبة قديمًا إلى تجميعها في مقبرة أو مقابر محدودة يصعب دخولها وتسهل حراستها في الوقت نفسه، بل وتعدد النقل من مقبرة إلى أخرى تضليلًا للمعتدين.
وهكذا أودعت جثة رمسيس الثاني العظيم في مقبرة ابيه سيتي الأول، وعندما خيف على هذه الأخيرة نقلت منها إلى مقبرة أمنحوتب الأول. ومرة أخرى أودعت مومياوات سيتي الأول ورمسيس الثاني في مقبرة الملكة إن حعبي، وسجل تقرير بهذا الإجراء في العام العاشر من عهد الملك سا آمون.
ثم نقل العديد من المومياوات الملكية إلى مقبرة نس خنسو وزوجها كبير الكهنة بي نجم الثاني في فترة من كهنوت باسباخع مني "الثالث" وظلت هاجعة في مثواها الأخير منذ بداية عصر الأسرة الثانية والعشرين حتى نبشتها أيدي اللصوص، ثم حملتها أيدي رجال الآثار في أواخر القرن التاسع عشر.
وأودعت مومياوات ملكية أخرى في مقبرة الفرعون أمنحوتب الثاني، وكان قد أصابها وأصاب توابيتها من التلف أكثر مما أصاب غيرها، وحينما فتحت المقبرة في عام ١٨٩٨، كانت قد بقيت منها مومياوات الفراعنة توحتمس الرابع، وأمنحوتب الثالث "؟ "، ومرنبتاح، وسابتاح، وسيتي الثاني، ورمسيس الرابع، ورمسيس الخامس، ورمسيس السادس، فضلًا على ثلاث نساء وطفل.
وكما أكرم كبار كهنة الأسرة الحادية والعشرين مثوى جثث الفراعنة السابقين، كانوا كرامًا مع جثث أسلافهم كبار كهنة آمون. وحدث بعد عشر سنوات من الاهتداء إلى خبيثة الملوك في عام ١٨٨١ و١٨٨٢ على أيدي بروكش وأحمد كما وماسبرو، أن أبلغ أحد أفراد أسرة عبد الرسول مدير مصلحة الآثار جريبو بوجود خبيئة هائلة أخرى إلى شمال معبد الدير البحري. وفي دهاليز وحجرات مقبرة من عصر الأسرة الحادية عشرة عثر مساعده دارسي في عام ١٨٩١ على ما أذهل العالم بأخباره؛ إذ وجد ١٥٣ تابوتًا تضمنت ٥٢ تابوتًا فرديًّا، و١٠١ من التوابيت الزوجية والثلاثية، لكبار كهان وكاهنات، وأتباع من المنشدين والموسيقيين وأمثالهم.
وفي غمرة أصداء هذه الكشوف الأثرية التي دوت متتابعة في أواخر القرن الماضي، لوحظ توابيت المخابئ الملكية التي صنعت من الخشب على هيئات بشرية لأمثال الملوك العظام: تحوتمس الثالث
стр. 317
وأمنحوتب الثاني وتحوتمس الرابع وسيتي الأول وغيرهم، غلبت روح البساطة على ألوانها ونصوصها وزخارفها، ولم يبق على بعضها غير شريط طولي من النصوص يمتد من أسفل الصدر حتى القدمين، وثلاثة أشرطة عرضية تلتف حول الجسد بما يشبه أربطة الكفن، فضلًا عن تصوير ربة مجنحة تحيط صدر المتوفى بجناحيها ....
وتثير ظاهرة البساطة هنا الدهشة إذا قورنت بالثراء الفاحش الذي تمتع أصحابها به ودلت عليه معابدهم ونقوش مقابرهم، أو قورنت بثراء وروعة التوابيت التي عثر عليها فيما بعد في مقبرة توت عنخ آمون وهو من أقل الملوك أهمية وثراء. ويمكن تعليل ظاهرة بساطة توابيت المخابئ الملكية بأحد فرضين. فلعل لصوص المقابر كانوا قد نزعوا عنها أغشيتها من رقائق الذهب وما كان يرصعها من الأحجار الكريمة قبل أن تودع في مخابئها الأخيرة، وذلك فرض يزكيه بقاء قطع متناثرة من الكساء الذهبي القديم على تابوتي تحوتمس الأول وتحوتمس الثالث. ولم يكن من المتوقع حين أعيد ترميمها أن يعاد إليها رونقها وما نزعه اللصوص من زخارفها.
أما الفرض الآخر فهو أن بعض التوابيت العاطلة من الحلية ليست أكثر من توابيت بديلة عما تحطم أو سرق من التوابيت الملكية الأصيلة، ولم يكن من المنتظر أن تصنع بمثل فخامتها أو بكل تفاصيلها. واحتفظت أغلب توابيت خبيئة كبار كهنة عصر الأسرة الحادية والعشرين بروعتها وفخامتها. وتميزت ألوانها بطلاء أصفر فاقع لامع. وتعددت عليها صور المعبودات ورموزهم المقدسة ومناظر الآخرة والحساب وصور التعبد وتقديم القرابين، فضلًا على نصوص كتب الموتى.
ومن طريف ما يذكر أن واحدًا من أقدم هذه التوابيت وأجملها وهو تابوت كبير الكهنة في نجم الأول كان في حقيقته تابوتًا للملك تحوتمس الأول. وكأن كبير الكهنة قد أحل لنفسه ما أنكره على غيره. وظن أن ثوابه في معالجة جثة ذلك الملك المهاب وغيرها من جثث الملوك العظام يغطي على اغتصابه لتابوته١.
стр. 318
خامسًا: نماذج من الفن والعمارة في الدولة الحديثة
سايرت فنون الدولة الحديثة حياة أهلها وظروف عصورها، وترجمت عنها في كل ما بدأت به وتطورت إليه. وظهرت لأساليب النحت والنقش والتصوير خلالها أربع مراحل، يمكن إيجازها على النحو التالي١.
مرحلة أولى، بدأت منذ أواخر عصر الأسرة السابعة عشرة٢، وامتدت مظاهرها حتى أواسط عهد الفرعون تحوتمس الثاني. وكانت مرحلة استحب أهلها روح الفتوة ومظاهر الجدية، واستلزم عصرها مجهودات متصلة واسعة لإقالة البلاد من النكسة التي أصابتها في عصر سيطرة الهكسوس، ثم لتأمين حدودها وتوسيعها، وتنشيط تجارتها وحمايتها. وعندما أرادت مدارس النحت في الحجر أن تعبر عن اتجاهات هذه الفترة، آثرت طابع الاتزان في نحت تماثيل كبار الشخصيات واستحبت لها الخطوط البسيطة المعبرة، وكستها بروح الفتوة، وقللت تمثيل صنوف الزينة عليها٣. ثم جمعت في تماثيل فراعنة عصرها بين المثالية المتزنة وبين الجمالية المتزنة، فجسدت لهم فيها ما كانوا أهلًا له بمجهوداتهم الحربية والسياسية، من شدة المراس ورفعة الشان وسماحة الوجه ونبل الهيئة في آن واحد. وبلغت هذه المدارس غايتها في تماثيل حاتشبسوت، تلك التي لم يمنع وقار الملك وجدية الطابع أهل الفن في عهدها من أن يكسوا وجوه تماثيلها بأنوثة حلوة ناضجة مترفعة تليق بها. ولم يستثنوا من هذه الأنوثة المليحة وجوه التماثيل التي مثلوا ملكتهم فيها رابضة على هيئة الأسود٤. ثم بلغت غاية أسمى في تماثيل تحوتمس الثالث، التي جمع الفنانون في هيئاتها بين فتوة الحرب ورقة الطابع الشخصي ونبل الملامح والمشاعر معًا. وبقي من هذه التماثيل ما يظهر تحوتمس واقفًا منتصبًا وجاثيًا خاشعًا، ورابضًا على هيئة الأسد. كما صور له فنان وزيره رخميرع، تماثيل أخرى ضاع أغلبها، مثلته يجلس مع زوجته، ويقدم قرابينه إلى ربه واقفًا تارة، وزاحفًا على ركبتيه تارة أخرى، دون أن يقلل زحفه من مكانته وهيبته٥.
وبلغ الفنانون سبيل الإتقان في الخشب منذ بداية العصر، فصنعوا توابيت خشبية كبيرة على هيئات بشرية لأميرات الأسرة وملكاتها، وأظهروا في بعض وجوهها ملامح صاحباتها في رقة وخطوط سلسلة جعلتها من آيات يسر النحت وجماله في عصرها.
стр. 319
وسلك فن التصوير خلال هذه المرحلة، سبيل الاتزان نفسه فيما أخرجه من نقوشه ومناظره، ولكن أصحابه التمسوا لصورهم نوعًا من التفصيل وحلاوة التعبير يريد من نصيب التماثيل. وبقيت من إنتاجهم صورة للملكة أحمس أم حاتشبسوت، أظهرتها بابتسامة حلوة مشرقة مستبشرة، وصورة أخرى مبدعة لسنموت كبير المهندسين في عهد حاتشبسوت عبرت عن امتلاء صدغيه وطيات ذقنه وتفاصيل شعره في خطوط بسيطة متمكنة. وصور الفنانون خصائص الرسل الأجانب الذين كانوا يفدون إلى مصر بجزاهم وهداياهم١ وصوروا بيئة بلاد بوينة "بونت" بقراها وحيواناتها وخصائص أهلها الجسمية، في تفصيل لطيف وفي روح مرحة فكهة سبقت الإشارة إليها.
وامتازت المرحلة الثانية لفنون الدولة الحديثة بمزيد من الرقة ورغبة التعبير عن مظاهر الترف وميل إلى التحرر القليل من التقاليد الفنية القديمة وأحمالها، وميل يساويه إلى عشق الطبيعة وجمالها، وبدأت هذه المرحلة منذ أواخر عهد تحوتمس الثالث٢، واستمرت حتى نهاية عهد أمنحوتب الثالث، وكانت مصر قد جنت خلالها ثمار جهودها الحربية والسياسية والاقتصادية التي بذلتها راضية في المرحلة الأولى، وتوفر لها من حياة السلام والطمأنينة ما جعل خاصة أهلها ينعمون برغد العيش كاملًا غير منقوص، وجعلهم يصدرون في جل أمرهم عن مشاعر رقيقة هادئة، فخرج الفن يعبر عن تطور هذا العصر بأطرافه، وانتفع المثالون بأسلوبين قديمين جديدين في الوقت نفسه، أسلوب واقعي مهذب مرفه، يخالف الأسلوب الواقعي الجاد الذي استحبته فنون الدولة الوسطى؛ ثم أسلوب جمالي ناعم منمق، يخالف الأسلوب الجمالي المتزن المبسط الذي استحبته المرحلة الأولى من الدولة الحديثة. واستطاع مهرة المثالين في الأسلوبين أن يضفوا على سطوح تماثيلهم ليونة واستدارة ورقة مقصودة، ونجحوا في أن يظهروا المشاعر التي تتفاعل في نفوس أصحاب التماثيل على ملامح وجوه تماثيلهم٣. ومن أمتع ما يستشهد به من إنتاجهم في الأسلوبين، تماثيل الفرعون أمنحوتب الثالث، وزوجته تي، وحكيم عصره أمنحوتب بن حابو:
فقد نحت فنان الأسلوب الواقعي المرفه رأسين لفرعونه أمنحوتب الثالث٤، وعبر عن مذهب الواقعية فيهما بوجه مستطيل، وعينين لوزيتين، وحاجبين طويلين، وشفتين ممتلئتين، وذقن صلبة بارزة، وأنف مستقيمة وانحدار في صفحتي الخدين. وكاد وجه الفرعون في الرأسين يصبح صورة أصيلة لوجه ولده آخناتون بملامحه المتميزة المشهورة، لولا أن المثال عاد فأسبغ على هذا الوجه صبغة أخرى مقصودة أكد
стр. 320
بها مظاهر الملكية المثالية المفروضة فيه، فعكس القوة الذهنية الجبارة على ملامحه وأظهر ابتسامة مترفعة على شفتيه، وشد عضلات وجهه في قوة واضحة.
ونحت مثال آخر تمثالًا صغيرًا للفرعون نفسه، صوره فيه على سجيته، وفي هيئة طبيعية خالصة، وفي وقفة متراخية، وفي امتلاءة ودعة، وفي ثوب طويل ذي ثنيات عديدة مزركشة. وأجرى سطوح بدنه في نعومة وأناقة مترفة١. وضاع رأس هذا التمثال للأسف ولا ندري كيف كانت ملامحه.
وكانت الملكة تي زوجة أمنحوتب امرأة مكتملة الأنوثة ذات جاذبية طاغية، وشخصية قوية، تحكمت بهما في قلب زوجها على الرغم من أنها لم تكن من أسرته المالكة، فاطمأن إليها وأظهرها معه في حفلاته وسجل اسمها مع اسمه في بعض مراسيمه، وأشركها في تقرير علاقاته بملوك الشرق وأمرائه. وعمل في خدمة تي عدد من الفنانين، استحب بعضهم الأسلوب الواقعي المرفه، وبقيت من إنتاجهم عدة رءوس صغيرة لتماثيل الملكة٢، لم يراعوا تجميلها، بقدر ما راعوا أن يعبروا فيها عن ملامح صريحة وشخص قوية تمتاز بإرادة نفاذة وطابع فريد ومزاج خاص.
ونحت أولئك الفنانون عدة تماثيل لحكيم عصرهم أمنحوتب بن حابو، مثلوه فيها على هيئة الكاتب، وصوروه في واحد منها شيخًا بوجه نحيل بارز العظام، انكمشت طيات جسده نتيجة لكبر سنه، وكشفت ملامحه عن صلابة الرأي عند الشيوخ، وعما يتوافر لهم عادة من خبرة وحكمة وتجارب طويلة٣.
واستخدم مثالو المدرسة الثانية الأسلوب الجمالي المنمق في خدمة أولئك الثلاثة الكبار، فنحتوا لأمنحوتب الثالث مع زوجته عدة تماثيل، حولوا استطالة وجهه فيها إلى استدارة. وأشهرها مجموعة مثلته هو وزوجته وبناته، وبلغ ارتفاع تمثاله فيها وارتفاع تمثال الملكة نحو ١٧ مترًا٤. وبقيت من إنتاجهم كذلك قطعة من وجه الملكة تي نحتوها لها في شبابها، وأفرغوا في شفتيها حلاوة وسحرًا ما بعدهما من مزيد٥. ونحتوا تمثالًا أينقًا لابن حابو، مثله هذه المرة على هيئة كاتب شاب بوجه ممتلئ، ترهلت طيات جسده عن امتلاء وصحة وحياة رغدة، ومال بوجهه على برديته مستغرقًا في تفكير عميق.
وأشبع الأسلوب الجمالي هؤلاء روح الترف التي استحبها أثرياء عصرهم. فجسموا في تماثيلهم النعيم الذي عاشوا فيه، وأظهروا وجوهها ممتلئة؛ ونحتوا تفاصيلها رقيقة مجملة. وأظهروا أجسامهم غضة