← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التوابيت وأكفان الملوك وسجلت أسماء أصحابها وأسماء الملوك والكهان أصحاب الفضل في إعادة دفنهم وإكرام مثواهم. وقد تبين منها أنه بعد أن تعرضت مقابر الملوك للنهب أكثر من مرة وتعرضت جثثهم وأكفانهم للتلف عولجت مومياوات الملوك تحوتمس الأول وأمنحوتب الأول وسيتي الأول ورمسيس الثاني ورمسيس الثالث، وأعيد إحكام لفائفها في فترة من كهنوت بي نجم الأول وخلال الأعوام ٦ - ١٧ من عهد ملك لم يذكر اسمه ولعله باسباخع مني الأول. وأعيدت معالجة مومياء أمنحوتب الأول، كما عولجت مومياوات أحمس الأول والملكة سات كامس والأمير سا أمون، وذلك في فترة من كهنوت ماساحرتا، ثم أعيدت معالجة مومياء سيتي الأول مرة أخرى في عهد كبير الكهنة من خبر رع. وكان في إعادة معالجة هذه المومياوات ما يعني قلة العناية التي بذلت في معالجتها أو يعني تكرار الاعتداءات على مقابرها، ولعله لهذا اتجهت الرغبة قديمًا إلى تجميعها في مقبرة أو مقابر محدودة يصعب دخولها وتسهل حراستها في الوقت نفسه، بل وتعدد النقل من مقبرة إلى أخرى تضليلًا للمعتدين. وهكذا أودعت جثة رمسيس الثاني العظيم في مقبرة ابيه سيتي الأول، وعندما خيف على هذه الأخيرة نقلت منها إلى مقبرة أمنحوتب الأول. ومرة أخرى أودعت مومياوات سيتي الأول ورمسيس الثاني في مقبرة الملكة إن حعبي، وسجل تقرير بهذا الإجراء في العام العاشر من عهد الملك سا آمون. ثم نقل العديد من المومياوات الملكية إلى مقبرة نس خنسو وزوجها كبير الكهنة بي نجم الثاني في فترة من كهنوت باسباخع مني "الثالث" وظلت هاجعة في مثواها الأخير منذ بداية عصر الأسرة الثانية والعشرين حتى نبشتها أيدي اللصوص، ثم حملتها أيدي رجال الآثار في أواخر القرن التاسع عشر. وأودعت مومياوات ملكية أخرى في مقبرة الفرعون أمنحوتب الثاني، وكان قد أصابها وأصاب توابيتها من التلف أكثر مما أصاب غيرها، وحينما فتحت المقبرة في عام ١٨٩٨، كانت قد بقيت منها مومياوات الفراعنة توحتمس الرابع، وأمنحوتب الثالث "؟ "، ومرنبتاح، وسابتاح، وسيتي الثاني، ورمسيس الرابع، ورمسيس الخامس، ورمسيس السادس، فضلًا على ثلاث نساء وطفل. وكما أكرم كبار كهنة الأسرة الحادية والعشرين مثوى جثث الفراعنة السابقين، كانوا كرامًا مع جثث أسلافهم كبار كهنة آمون. وحدث بعد عشر سنوات من الاهتداء إلى خبيثة الملوك في عام ١٨٨١ و١٨٨٢ على أيدي بروكش وأحمد كما وماسبرو، أن أبلغ أحد أفراد أسرة عبد الرسول مدير مصلحة الآثار جريبو بوجود خبيئة هائلة أخرى إلى شمال معبد الدير البحري. وفي دهاليز وحجرات مقبرة من عصر الأسرة الحادية عشرة عثر مساعده دارسي في عام ١٨٩١ على ما أذهل العالم بأخباره؛ إذ وجد ١٥٣ تابوتًا تضمنت ٥٢ تابوتًا فرديًّا، و١٠١ من التوابيت الزوجية والثلاثية، لكبار كهان وكاهنات، وأتباع من المنشدين والموسيقيين وأمثالهم. وفي غمرة أصداء هذه الكشوف الأثرية التي دوت متتابعة في أواخر القرن الماضي، لوحظ توابيت المخابئ الملكية التي صنعت من الخشب على هيئات بشرية لأمثال الملوك العظام: تحوتمس الثالث

стр. 317

وأمنحوتب الثاني وتحوتمس الرابع وسيتي الأول وغيرهم، غلبت روح البساطة على ألوانها ونصوصها وزخارفها، ولم يبق على بعضها غير شريط طولي من النصوص يمتد من أسفل الصدر حتى القدمين، وثلاثة أشرطة عرضية تلتف حول الجسد بما يشبه أربطة الكفن، فضلًا عن تصوير ربة مجنحة تحيط صدر المتوفى بجناحيها .... وتثير ظاهرة البساطة هنا الدهشة إذا قورنت بالثراء الفاحش الذي تمتع أصحابها به ودلت عليه معابدهم ونقوش مقابرهم، أو قورنت بثراء وروعة التوابيت التي عثر عليها فيما بعد في مقبرة توت عنخ آمون وهو من أقل الملوك أهمية وثراء. ويمكن تعليل ظاهرة بساطة توابيت المخابئ الملكية بأحد فرضين. فلعل لصوص المقابر كانوا قد نزعوا عنها أغشيتها من رقائق الذهب وما كان يرصعها من الأحجار الكريمة قبل أن تودع في مخابئها الأخيرة، وذلك فرض يزكيه بقاء قطع متناثرة من الكساء الذهبي القديم على تابوتي تحوتمس الأول وتحوتمس الثالث. ولم يكن من المتوقع حين أعيد ترميمها أن يعاد إليها رونقها وما نزعه اللصوص من زخارفها. أما الفرض الآخر فهو أن بعض التوابيت العاطلة من الحلية ليست أكثر من توابيت بديلة عما تحطم أو سرق من التوابيت الملكية الأصيلة، ولم يكن من المنتظر أن تصنع بمثل فخامتها أو بكل تفاصيلها. واحتفظت أغلب توابيت خبيئة كبار كهنة عصر الأسرة الحادية والعشرين بروعتها وفخامتها. وتميزت ألوانها بطلاء أصفر فاقع لامع. وتعددت عليها صور المعبودات ورموزهم المقدسة ومناظر الآخرة والحساب وصور التعبد وتقديم القرابين، فضلًا على نصوص كتب الموتى. ومن طريف ما يذكر أن واحدًا من أقدم هذه التوابيت وأجملها وهو تابوت كبير الكهنة في نجم الأول كان في حقيقته تابوتًا للملك تحوتمس الأول. وكأن كبير الكهنة قد أحل لنفسه ما أنكره على غيره. وظن أن ثوابه في معالجة جثة ذلك الملك المهاب وغيرها من جثث الملوك العظام يغطي على اغتصابه لتابوته١.

стр. 318

خامسًا: نماذج من الفن والعمارة في الدولة الحديثة سايرت فنون الدولة الحديثة حياة أهلها وظروف عصورها، وترجمت عنها في كل ما بدأت به وتطورت إليه. وظهرت لأساليب النحت والنقش والتصوير خلالها أربع مراحل، يمكن إيجازها على النحو التالي١. مرحلة أولى، بدأت منذ أواخر عصر الأسرة السابعة عشرة٢، وامتدت مظاهرها حتى أواسط عهد الفرعون تحوتمس الثاني. وكانت مرحلة استحب أهلها روح الفتوة ومظاهر الجدية، واستلزم عصرها مجهودات متصلة واسعة لإقالة البلاد من النكسة التي أصابتها في عصر سيطرة الهكسوس، ثم لتأمين حدودها وتوسيعها، وتنشيط تجارتها وحمايتها. وعندما أرادت مدارس النحت في الحجر أن تعبر عن اتجاهات هذه الفترة، آثرت طابع الاتزان في نحت تماثيل كبار الشخصيات واستحبت لها الخطوط البسيطة المعبرة، وكستها بروح الفتوة، وقللت تمثيل صنوف الزينة عليها٣. ثم جمعت في تماثيل فراعنة عصرها بين المثالية المتزنة وبين الجمالية المتزنة، فجسدت لهم فيها ما كانوا أهلًا له بمجهوداتهم الحربية والسياسية، من شدة المراس ورفعة الشان وسماحة الوجه ونبل الهيئة في آن واحد. وبلغت هذه المدارس غايتها في تماثيل حاتشبسوت، تلك التي لم يمنع وقار الملك وجدية الطابع أهل الفن في عهدها من أن يكسوا وجوه تماثيلها بأنوثة حلوة ناضجة مترفعة تليق بها. ولم يستثنوا من هذه الأنوثة المليحة وجوه التماثيل التي مثلوا ملكتهم فيها رابضة على هيئة الأسود٤. ثم بلغت غاية أسمى في تماثيل تحوتمس الثالث، التي جمع الفنانون في هيئاتها بين فتوة الحرب ورقة الطابع الشخصي ونبل الملامح والمشاعر معًا. وبقي من هذه التماثيل ما يظهر تحوتمس واقفًا منتصبًا وجاثيًا خاشعًا، ورابضًا على هيئة الأسد. كما صور له فنان وزيره رخميرع، تماثيل أخرى ضاع أغلبها، مثلته يجلس مع زوجته، ويقدم قرابينه إلى ربه واقفًا تارة، وزاحفًا على ركبتيه تارة أخرى، دون أن يقلل زحفه من مكانته وهيبته٥. وبلغ الفنانون سبيل الإتقان في الخشب منذ بداية العصر، فصنعوا توابيت خشبية كبيرة على هيئات بشرية لأميرات الأسرة وملكاتها، وأظهروا في بعض وجوهها ملامح صاحباتها في رقة وخطوط سلسلة جعلتها من آيات يسر النحت وجماله في عصرها.

стр. 319

وسلك فن التصوير خلال هذه المرحلة، سبيل الاتزان نفسه فيما أخرجه من نقوشه ومناظره، ولكن أصحابه التمسوا لصورهم نوعًا من التفصيل وحلاوة التعبير يريد من نصيب التماثيل. وبقيت من إنتاجهم صورة للملكة أحمس أم حاتشبسوت، أظهرتها بابتسامة حلوة مشرقة مستبشرة، وصورة أخرى مبدعة لسنموت كبير المهندسين في عهد حاتشبسوت عبرت عن امتلاء صدغيه وطيات ذقنه وتفاصيل شعره في خطوط بسيطة متمكنة. وصور الفنانون خصائص الرسل الأجانب الذين كانوا يفدون إلى مصر بجزاهم وهداياهم١ وصوروا بيئة بلاد بوينة "بونت" بقراها وحيواناتها وخصائص أهلها الجسمية، في تفصيل لطيف وفي روح مرحة فكهة سبقت الإشارة إليها. وامتازت المرحلة الثانية لفنون الدولة الحديثة بمزيد من الرقة ورغبة التعبير عن مظاهر الترف وميل إلى التحرر القليل من التقاليد الفنية القديمة وأحمالها، وميل يساويه إلى عشق الطبيعة وجمالها، وبدأت هذه المرحلة منذ أواخر عهد تحوتمس الثالث٢، واستمرت حتى نهاية عهد أمنحوتب الثالث، وكانت مصر قد جنت خلالها ثمار جهودها الحربية والسياسية والاقتصادية التي بذلتها راضية في المرحلة الأولى، وتوفر لها من حياة السلام والطمأنينة ما جعل خاصة أهلها ينعمون برغد العيش كاملًا غير منقوص، وجعلهم يصدرون في جل أمرهم عن مشاعر رقيقة هادئة، فخرج الفن يعبر عن تطور هذا العصر بأطرافه، وانتفع المثالون بأسلوبين قديمين جديدين في الوقت نفسه، أسلوب واقعي مهذب مرفه، يخالف الأسلوب الواقعي الجاد الذي استحبته فنون الدولة الوسطى؛ ثم أسلوب جمالي ناعم منمق، يخالف الأسلوب الجمالي المتزن المبسط الذي استحبته المرحلة الأولى من الدولة الحديثة. واستطاع مهرة المثالين في الأسلوبين أن يضفوا على سطوح تماثيلهم ليونة واستدارة ورقة مقصودة، ونجحوا في أن يظهروا المشاعر التي تتفاعل في نفوس أصحاب التماثيل على ملامح وجوه تماثيلهم٣. ومن أمتع ما يستشهد به من إنتاجهم في الأسلوبين، تماثيل الفرعون أمنحوتب الثالث، وزوجته تي، وحكيم عصره أمنحوتب بن حابو: فقد نحت فنان الأسلوب الواقعي المرفه رأسين لفرعونه أمنحوتب الثالث٤، وعبر عن مذهب الواقعية فيهما بوجه مستطيل، وعينين لوزيتين، وحاجبين طويلين، وشفتين ممتلئتين، وذقن صلبة بارزة، وأنف مستقيمة وانحدار في صفحتي الخدين. وكاد وجه الفرعون في الرأسين يصبح صورة أصيلة لوجه ولده آخناتون بملامحه المتميزة المشهورة، لولا أن المثال عاد فأسبغ على هذا الوجه صبغة أخرى مقصودة أكد

стр. 320

بها مظاهر الملكية المثالية المفروضة فيه، فعكس القوة الذهنية الجبارة على ملامحه وأظهر ابتسامة مترفعة على شفتيه، وشد عضلات وجهه في قوة واضحة. ونحت مثال آخر تمثالًا صغيرًا للفرعون نفسه، صوره فيه على سجيته، وفي هيئة طبيعية خالصة، وفي وقفة متراخية، وفي امتلاءة ودعة، وفي ثوب طويل ذي ثنيات عديدة مزركشة. وأجرى سطوح بدنه في نعومة وأناقة مترفة١. وضاع رأس هذا التمثال للأسف ولا ندري كيف كانت ملامحه. وكانت الملكة تي زوجة أمنحوتب امرأة مكتملة الأنوثة ذات جاذبية طاغية، وشخصية قوية، تحكمت بهما في قلب زوجها على الرغم من أنها لم تكن من أسرته المالكة، فاطمأن إليها وأظهرها معه في حفلاته وسجل اسمها مع اسمه في بعض مراسيمه، وأشركها في تقرير علاقاته بملوك الشرق وأمرائه. وعمل في خدمة تي عدد من الفنانين، استحب بعضهم الأسلوب الواقعي المرفه، وبقيت من إنتاجهم عدة رءوس صغيرة لتماثيل الملكة٢، لم يراعوا تجميلها، بقدر ما راعوا أن يعبروا فيها عن ملامح صريحة وشخص قوية تمتاز بإرادة نفاذة وطابع فريد ومزاج خاص. ونحت أولئك الفنانون عدة تماثيل لحكيم عصرهم أمنحوتب بن حابو، مثلوه فيها على هيئة الكاتب، وصوروه في واحد منها شيخًا بوجه نحيل بارز العظام، انكمشت طيات جسده نتيجة لكبر سنه، وكشفت ملامحه عن صلابة الرأي عند الشيوخ، وعما يتوافر لهم عادة من خبرة وحكمة وتجارب طويلة٣. واستخدم مثالو المدرسة الثانية الأسلوب الجمالي المنمق في خدمة أولئك الثلاثة الكبار، فنحتوا لأمنحوتب الثالث مع زوجته عدة تماثيل، حولوا استطالة وجهه فيها إلى استدارة. وأشهرها مجموعة مثلته هو وزوجته وبناته، وبلغ ارتفاع تمثاله فيها وارتفاع تمثال الملكة نحو ١٧ مترًا٤. وبقيت من إنتاجهم كذلك قطعة من وجه الملكة تي نحتوها لها في شبابها، وأفرغوا في شفتيها حلاوة وسحرًا ما بعدهما من مزيد٥. ونحتوا تمثالًا أينقًا لابن حابو، مثله هذه المرة على هيئة كاتب شاب بوجه ممتلئ، ترهلت طيات جسده عن امتلاء وصحة وحياة رغدة، ومال بوجهه على برديته مستغرقًا في تفكير عميق. وأشبع الأسلوب الجمالي هؤلاء روح الترف التي استحبها أثرياء عصرهم. فجسموا في تماثيلهم النعيم الذي عاشوا فيه، وأظهروا وجوهها ممتلئة؛ ونحتوا تفاصيلها رقيقة مجملة. وأظهروا أجسامهم غضة

стр. 321

بضة، وأجروا خطوطها أنيقة ناعمة، واعتنوا بتقليد شعورهم المرجلة، وتمثيل ثنايات ملابسهم الهفهافة، وتفاصيل حليها وزينتها١. وسارت مذاهب التصوير على نحو قريب من مسالك أساليب النحت في نفس المرحلة، وبقيت من نماذجها الواقعية المترفة، لوحة صغيرة منقوشة لأمنحوتب الثالث وزوجته تي، صورته معها في جلسة ناعمة حالمة، أرسل يده فيها في تراخ على ركبته، وأحاط زوجته بيده الأخرى، وامتلأ وجهه المستطيل امتلاءة النعيم، وجلست تي بجانبه بثوب قصير ينتهي فوق الركبة. وعبرت فنون النقش كذلك عن نعيم المترفين فملأت جدران المقابر بمناظر المآدب والمحافل، والرقص والشراب والطرب والتطريب. وزادت تصوير الزهور والمزاهر، وصورت مجالات الطبيعة الطلقة، وصيد البر وصيد النهر. وصورت الخيل المطهمة والعربات الفارهة. وتحررت في تصوير أشكالها التابعة أكثر مما تحررت في عصورها الماضية، وزادت من تصوير الأتباع والراقصات من ثلاثة أرباع أجسامهم من الأمام٢، ومن الخلف .. ٣ وزادت التعبير عن الحيوية الدافقة في لفتات الجواري وحين التثني، وصورت بعض المجموعات فيما هو أقرب إلى قواعد المنظور. وأخرجت ذلك كله في خطوط طلقة مرسلة تعودتها أيدي المصورين في كل ما صوروه ونقشوه، حتى أخضعوا لها صور الجنازات نفسها وصور النادبات والمشيعين٤. ووجدت مدارس الرسم سبيلها هي الأخرى منذ أوائل هذه المرحلة للتعبير عن معتقدات أصحابها في نعيم الآخرة وعذابها، وطرقاتها وعقباتها، وأربابها وشياطينها، كما تضمنتها كتب الموتى، فرسمتها على جدران حجرات دفن الملوك بطريقة تخطيطية مبسطة، ثم حورت خطوطها شيئًا فشيئًا إلى هيئة الصور الكاملة ذات الخطوط الممتلئة اللينة. وشغلت المرحلة الثالثة لفنون الدولة الحديثة وأشهر مراحلها جميعها، عهد آخناتون، وتأثرت مدارس الفن خلالها بدعوة صريحة صبغت مذاهب الفكر ومذاهب الدين في عهد هذا الفرعون، وكانت دعوة إلى تصوير الواقع كما هو، وإلى التعبير عن صور الطبيعة وأحوالها في بساطة متناهية. وتقبلت مدارس الفن هذه الدعوة، وكان عندها استعداد لها منذ مراحلها السابقة٥، ثم تخير كل فرع للنحت والتصوير سبيله الخاص للتعبير عنها.

стр. 322

ففسرت مدارس النحت دعوة العهد الجديد، على أنها دعوة إلى التحرر من كثير من الأوضاع والأساليب القديمة، وأرادت أن تترجم عن هذا التحرر بتمثيل الأشخاص على هيئاتهم الدنيوية، دون تجميل مقصود، ودون مثالية مكشوفة. ومرت في تحررها بمرحلتين: مرحلة بدأت بها في مدينة طيبة عندما كان أمنحوتب الرابع "آخناتون" لا يزال مقيمًا فيها خلال الفترة الأولى من حكمه، وهي مرحلة اتصفت فنونها بالمغالاة والاندفاع، شأنها في شأن فنون كل دعوة جديدة في أوائل أيامها. وبدأت مدرسة النحت المتحرر حين ذاك بالفرعون نفسه، فنحتت تماثيله بسمات جسمية صادقة، فأظهرت وجهه مستطيلًا، وذقنه طويلة مترهلة، وشفتيه غليظتين، ورقبته نحيلة، وبطنه منتفخة، وفخذيه غليظين١. ثم ظهرت المرحلة الثانية لمدرسة النحت الجديدة المتحررة في مدينة العمارنة بعد أن انتقل آخناتون ببلاطه إليها، كانت مرحلة استقرت فيها أوضاع الدعوة الجديدة، واستقرت أغراضها وهدأت حميتها، فنحت المثالون تماثيل الفرعون وأسرته على هيئات سواء مقبولة، تخلوا فيها عن العيوب التي ظهرت لأبدانها في طيبة، واهتموا اهتمامًا بالغًا بدراسة الوجوه وأحاسيس أصحابها، وتجلت آثار هذه الدراسة أكثر ما تجلت في وجه آخناتون ووجه زوجته الجميلة نفرتيتي، فظهر كل منهما في روحانية ووداعة، ومظهر متفلسف حالم، ورقة ملكية مستحبة٢. واشتهر من مثالي العمارنة حين ذاك ثلاثة فنانون، وهم: باك وأوتى وتحوتمس٣، واحتفظ هذا الأخير في داره بمجموعة من التماثيل ورءوس التماثيل الصغيرة للملكة نفرتيتي وزوجها وبناتها، بعضها كامل الصنع وبعضها لم يتم صنعه٤، ولكنها في مجملها لا تقل رقة وحلاوة وإتقانًا عن تمثال نفرتيتي النصفي الذي احتفظ متحف برلين به وطبقت شهرته آفاق العصر الحديث. وتخلفت معها أقنعة جصية لرجال ونساء تكاد تنطق من فرط واقعيتها وصدق تعبيرها، وكان الفنانون يتخذونها فيما يبدو نماذج لما ينحتونه من موجه تماثيل أصحابها٥. وسارت مدارس التصوير والنقش في العمارنة على التقاليد نفسها التي جرى فن النحت عليها في عهدها، وكانت مجالاتها أرحب من مجالات النحت، في التعبير عن الحركة، وتصوير الواقع، والجرى مع مظاهر

стр. 323

الطبيعة وكائناتها حيث جرت. وبدأت مدارس التصوير بالفرعون نفسه على نحو ما بدأ فن النحت به، ففتحت مغاليق قصره، وتسربت إلى مجالسه ومخادعه، وصورته على سجيته، حين يأكل في شهية، وحين يلاصق زوجته وتلاصقه، وحين يمرح معها بعربته، وحين يضم بناته في شغف، وحين يندب إحداهن في أسى، وحين يتعبد ربه في إخلاص، وحين يجود بالعطايا، وحين يتقبل الهدايا. وصورت بناته تضم إحداهن الأخرى وتداعب إحداهن الأخرى. وصورت أتباعه حين المرح، وحين التعب، وحين الهرولة. وصورت الرسل الأجانب يتدافعون إليه جثيًا وسجدًا. وأظهرت صورها كلها في مرونة وحركة نشطة، وبساطة مستحبة، وفي مزاج فردي أحيانًا. وزادت من صور الطبيعة المتفتحة، وأضفت عليها نصيبًا من روح عصرها، فصورتها طلقة باسمة، تموج بالحركة والألوان والبهجة، ورصعت بصورها جدران القصور وأرضياتها وجدران المقابر على حد سواء١. ومارس فن التصوير حين ذاك تجارب جديدة للتوسع في إظهار وحدة المناظر واستغلال وحدة المكان. وهي تجارب اقتصرت سوابقها القديمة على المساحات الضيقة والوحدات الصغيرة والأشكال التابعة. فانطلق فنان العمارنة وأخرج صورًا ربط فيها عدة مناظر بروابط ظاهرة جعلتها سلسلة مؤتلفة واحدة٢. وصورة نشر فيها منظرًا واحدًا على ثلاثة جدران في حجرة واحدة؛ ليعبر عن وحدة المكان الذي شغلته وصورت فيه٣. وانتهى عهد آخناتون حوالي ١٣٥٠ق. م، فعادت مدارس الفن برجالها من العمارنة إلى طيبة ولكنها لم تستطع أن تتخلى عن قواعد العمارنة الفنية دفعة واحدة، واستمرت تمارسها في عهود خلفاء آخناتون الأقربين: سمنخ كارع، وتوت عنخ آمون، وآي، وبعض عهد حور محب أيضًا. فجرى النحت في أعقاب عهد آخناتون، على سنة العمارنة فترة غير قصيرة. وأثبت روحها الرقيقة الناعمة في تماثيل توت عنخ آمون، وفي قناعه الذهبي الكبير، ورءوس توابيته، وفيما عثر عليه في مقبرته من تماثيل صغيرة ناطقة مثلته هو وزوجته ونساء بيته المالك، ومثلت عددًا من الأرباب والربات. وتبقى من نقوش خلفاء آخناتون المباشرين، عدة لوحات صغيرة، لأخيه سمنخ كارع وزوجته. وتوت عنخ آمون وقرينته، وكشفت كل لوحة منها عن معظم خصائص فن العمارنة، فترجمت عن آيات عشق الطبيعة، ومظاهر التنعم اللذيذ، وأخذت بالخطوط المرسلة، والرقة المتناهية، وعبرت عن أصدق ما يكون من مشاعر الود والتحاب والتعاطف بين المرء وزوجته٤.

стр. 324

ونقش فنان توت عنخ آمون منظرًا صغيرًا على جانب صندوق فخم مطعم بالأبنوس، والعاج، صور فرعونه فيه يصيد السباع. فسجل لحظات الصيد بروح العمارنة، وأخرجها جياشة بالترقب واليقظة والعنف والاندفاع، وأظهر بيئة الصيد بخصائصها العامة، وصور السباع في هرج ومرج يموج بعضها في بعض، ويتلوى بعضها في الفضاء وهو يقفز من قسوة الألم وكثرة السهام، ويخر بعضها صريعًا، ويحاول بعضها أن يتفلت بنفسه من الموت الذي يتعقبه١. وبدأت فنون الدولة الحديثة مرحلتها الرابعة، منذ أوائل عصر الأسرة التاسعة عشرة، وامتدت بها حتى نهاية عصر الرعامسة. واستعادت مدارس الفن خلالها بعض الأساليب الفنية التي سبقت عهد آخناتون، فأخذت عنها ما سارت عليه من تأنق وليونة وتفصيل في خطوط الرسم والنقش، ونحت سطوح التماثيل، ثم جمعت بين ذلك كله وبين ما استحبته من فن العمارنة من حيث الجرأة في تصوير الحركة والمهارة في تصوير المشاعر. وظهرت بواكير النحت في هذه المرحلة الرابعة في تمثالين: تمثال لحور محب قبيل اعتلائه العرش٢، مثله على هيئة الكاتب، وأظهره في جلسة لينة غير منتصبة، وانحناءة خفيفة تشبه انحناءة الحكيم ابن حابو - ولكنه مثله في الوقت نفسه بملامح سمحة حالمة ربطته بأسلوب العمارنة ورقة العمارنة. وتمثال آخر كبير من المرمر للفرعون سيتي الأول٣، صنعه المثال من عدة أجزاء منفصلة نتيجة فيما يبدو لصعوبة قطع المرمر بأحجار ضخمة كبيرة، أو تقليدًا لما جرى عليه فنانو العمارنة من صناعة بعض التماثيل الصغيرة من أجزاء متعددة. وأظهر المثال في ملامح وجه فرعونه واستقامة اتجاهه وانتصابته وتقاسيم جسده كل المثالية الملكية التي انطبعت بها تماثيل الفراعنة قبل عهد العمارنة٤. وتعاقبت بعد ذلك عهود الرعامسة، ومارست مدارس النحت أوج نشاطها في عهد رمسيس الثاني، وهو فرعون لم يكن بين الفراعنة جميعهم من فاقه شغفًا بالتماثيل وكثرتها وضخامتها. فأخرجت له تماثيل تفوق الحصر، امتاز مما بقي منها تمثال متوسط الحجم من الجرانيت الأسود أظهر صاحبه بأنف أقنى بعض الشيء، وملامح نبيلة متسامية وبسمة خفيفة مقصودة٥. وتمثالان آخران أظهراه في حجم صغير يزحف على الأرض في تواضع وهو يقدم القربان إلى ربه٦. وتماثيل كثيرة أخرى ضخمة هائلة أقام الفنانون

стр. 325

بعضها في معابد الرمسيوم "حيث أربت زنة أحد تماثيله على ألف طن" والكرنك والأقصر ومنف وصان الحجر. ونحتوا بعضها الآخر في الصخر الطبيعي في واجهة معبد أبي سنبل بالنوبة. وبلغ الفنانون في نحت بعض هذه التماثيل الكبيرة مبلغًا مقبولًا من النجاح الفني والنجاح التعبيري، ولكنهم اكتفوا في بعضها الآخر بإظهار روعتها عن طريق ضخامتها المفرطة وجلال هيئتها وهيبتها وتحقيق روح الاتساق والانسجام بينها وبين الوسط المعماري الذي أقاموها فيه. على أنه مهما يكن من أمر، فإن تقديرنا لهذه التماثيل لا ينبغي أن يقتصر على الإشادة بضخامتها وسلامة نسب الغالبية منها وطريقة نحتها فحسب، وإنما يجب أن يمتد كذلك إلى الجهود الجبارة التي بذلها أهل عصرها في قطع كتلها الصلبة الضخمة، ونقلها من محاجرها، وتثبيتها في مواضع عرضها القديمة، وهي جهود لمس صعوبتها عصرنا الحاضر ذو الإمكانيات الواسعة في نقل تمثال عادي من تماثيل رمسيس الثاني مسافة لا تزيد عن أربعين كيلومتر، من قرية ميت رهينة إلى ميدان رمسيس في مدينة القاهرة. وأصاب تماثيل الأفراد في بداية عصر الرعامسة نوع من الردة والتعصب لأساليب النحت قبل عهد العمارنة: فعاود المثالون تمثيل الأجسام فيها غضة ممتلئة، وأظهروا هيئات أصحابها مترفة، وزادوا تمثيل طيات ثيابها وثنياتها، وأسرفوا في تمثيل تفاصيل الشعور وصنوف الحلي والزينة عليها، وأفاضوا على صفحات وجوهها حلاوة وطراوة واستحبوا فيها ليونة الخطوط واستدارة الزوايا والسطوح١. واستحدثت مدارس النحت في عصر الرعامسة أوضاعًا جديدة مثلت الفراعنة بها خلال حفلات تتويجهم، وحين يظهرون مع أسرهم، وساعة انتصارهم على أعدائهم٢. كما استخدمت الرمز في التعبير عن أسمائهم بصور منحوتة. واستحدثت أوضاعًا أخرى لتماثيل الأفراد، مثلتهم فيها كأنما يستوحون السداد من الآلهة رعاة الكتابة والحكمة٣، وحين يقدمون نذورهم إلى أربابهم، واقفين وجالسين وراكعين٤. وتوفر لمدارس التصوير والنقش نشاطها الواسع في مرحلتها الرابعة هذه واتبعت في مجالات كثيرة فتوسعت في مساحات لوحاتها المصورة، وفي إظهار وحدة المجموعات المنقوشة، وفي استغلال وحدة المكان. كما توسعت في تصوير مناظر القتال على البر والبحر، وفي تصوير مناظر الصيد. وتوسعت في تصوير مجالات نشاط الإنسان وعالم الحيوان. وخير ما يستشهد به من نماذجها في هذه المجالات كلها، هي مناظر معبد الرمسيوم من عهد رمسيس الثاني، ومناظر معبد حابو من عهد رمسيس الثالث، وبعض مناظر معابد الأقصر والكرنك في العهدين نفسيهما.

стр. 326

وشغلت مناظر الحرب في هذه المعابد جدرانًا عظيمة الاتساع عظيمة الارتفاع١، صور الفنانون عليها مخيمات الجنود، وتحركات الجيوش، وصوروا فيها مراحل الكر والفر، وتصادم العربات، وإقدام الخيول وكبوها. وصوروا القتال بالسيوف والحراب، والتراشق بالنبال. وصوروا تطويق الحصون ومهاجمتها وتسلق جدرانها ونقب أسافلها. وصوروا تكالب العدو وفشل مسعاه، وصوروا تراكم القتلى، وسوق الأسرى. وحاولوا أن يظهروا ذلك كله في وحدة متصلة يموج بعضها في بعض دون خطوط تحدها، أو صفوف تفرق بينهما٢. وأضاف أولئك الفنانون مزيدًا من التفاصيل والتأثير في بعض لوحاتهم، فبالغوا أحيانًا في تصوير ذعر العدو وهلعه، وأساه وجزعه، ورجائه وابتهاله، وخضوعه وامتثاله. وصوروا ضحايا الأعداء وهم يعانون سكرات الموت وقوسة الاحتضار. وأظهروا ساحة المعركة بعد خلوها قفرًا موحشًا، اجتثت الحرب أهلها من فوق الأرض كما اجتثت شجرها سواء بسواء. ولم يقل هذا التفصيل في تصويرهم لدقائق المعارك البحرية في عهد رمسيس الثالث. وشغلت مناظر صيد البر حين ذاك نفس المسطحات الواسعة، وخيرها هو ما صوره فنان الأسرة العشرين أيضًا لفرعونه رمسيس الثالث على جدار واسع من جدران معبد حابو، فقد صور الفرعون يصيد الثيران الوحشية٣، وبلغ الغاية في تصوير حماسه خلال الصيد، وتصوير عدو الثيران أمامه في جنون بين حنايا دغل ضيق. ثم صور مظاهر الألم الممض في وجه ثور ضخم بعد أن أدمته السهام وجرحته الحراب. ووفق في تصوير الدغل بنباتاته التي ألقت ظلالها عليه وأظهرت عمقه، وتمايلت تحت ضغط الثيران الهاربة فيه. وعلى نحو ما سجل المصورون نشاط ملوكهم في الحرب والصيد، أكثروا من تسجيل مظاهر تقواهم وقربهم من أربابهم، ليجمعوا بين الدين والدنيا، فسجلوا على جدار واحد بمعبد الكرنك اثنين وعشرين وضعًا للفرعون سيتي الاول وهو يحيي ربه ويدعوه ويسبحه ويقدم القرابين إليه، وذلك ما لم يتعوده المصورون من قبل في غير القليل النادر. وشغلت أساليب النقش والتصوير مجالاتها في مقابر الفراعنة والأمراء وكبار الأفراد في منطقة غرب الأقصر. وبلغت ذروة عالية من جمال التصوير ورقته، ونعومة النقش ونقاوته، وحيوية التلوين والتعبير، ودقة التفاصيل، فيما صورته من حياة أهلها في الدنيا وما يتمنون أن يكونوا عليه في الآخرة. وعبرت عمارة الرعامسة عن ميول الضخامة والروعة في عصرها. وخير ما بقي منها هو معبد سيتي الأول في أبيدوس، ومعبد الرمسيوم لرمسيس الثاني في غرب طيبة، ومعابده المنحوتة في صخور النوبة "في

стр. 327

أبي سنبل وغيره"، ومعبد رمسيس الثالث "معبد حابو" في غرب طيبة. وانفرد كل معبد من هذه المعابد بميزاته. وانفرد كل منها كذلك بما دل به على جبروت أصحابه حين تصميم مشروعه وحين تنفيذه. غير أن أكثر منشآت الرعامسة دلالة على نواحي الإعجاز في عصرها، هو بهو الأساطين الكبير في الكرنك. وبدأ مشروع بهو الأساطين هذا قبل رمسيس الثاني، فرعونان أو ثلاثة: أبوه سيتي الأول، وجده رمسيس الأول، وربما سلفه حورمحب أيضًا١، ثم أتمه المهندسون في عهده. وجمعوا فيه بين الجلال والجمال والضخامة المفرطة في سياق واحد، وجعلوه أضخم بهو من نوعه في العالم القديم. وأراد المهندسون الذين خططوا هذا البهو أن يجعلوا في وسطه ممرًا واسعًا تعبره المواكب الدينية والهيئات الرسمية في معبد آمون وخلال أعياده، فشيدوا في سبيل إظهار هذا الممر الأوسط وفي سبيل تحديده، صفين هائلين من أساطين حجرية ضخمة شاهقة، يتجاوز ارتفاع كل أسطون منها عشرين مترًا ويبلغ قطره أكثر من عشرة أمتار، ويشبه تاجه هيئة زهور البردي المتفتحة. ويبلغ من سعته، أي سعة تاجه أنه يتسع لوقوف عشرات من الناس فوقه. وهكذا أصبح الممر الأوسط الكبير يقسم البهو إلى جناحين، تبلغ مساحتهما أكثر من خمسة آلاف متر مربع. وشاد المهندسون في كل من الجناحين عشرات من الأساطين المرتفعة بدت في مجموعها كأنها نباتات ضخمة باسقة متراصة، وشكلوا تيجانها على هيئة أكمام البردي المتضامنة المقفولة، وقللوا ارتفاع سيقانها عن ارتفاع سوق أساطين الممر الأوسط، رغبة منهم في أن يجعلوها تفسح بما بينها وبينها من فوارق الارتقاع سبيلًا لمنافذ النور والهواء، وسبيلًا لتنوع المسطحات. ثم نشروا الألوان والأصباغ على أسافل الأساطين وتيجانها. ووزعوا الزخارف والنقوش الملونة على السقوف والأعتاب كي تخفف من رهبة المكان وتخلع عليه نصيبًا من روح البهجة وطابع الجمال. وإذا كان هذا هو شأن جزء واحد من أحد معابد طيبة بالصعيد في عهد رمسيس الثاني، ففي النوبة، وعلى مبعدة ما يقرب من ألف ميل من عاصمته برمسيس، قام معبد لنفس الفرعون، هزت أخباره أفئدة محبي الآثار والحضارات القديمة منذ سنوات قليلة، وهو معبد أبي سنبل٢، ومرة أخرى نرى مجد المجهولين الذين كدوا في هذا المعبد بالجهد والمهارة يكاد يعادل مجد فرعونهم أو يزيد، فقد نقروه كأنهم الجان شاهقًا عميقًا متسعًا في بطن الجبل، وشكلوا واجهته الصخرية المتسعة بما يحقق التناسق بين عناصرها ويحقق التآلف بينها وبين البيئة الجبلية التي تصدرتها وبين مجرى النيل الواسع الذين تطل عليه. ونحتوا في هذه الواجهة وفي صخر الجبل نفسه أربعة تماثيل هائلة لرمسيس يزيد ارتفاع كل منها عن ١٩ مترًا على الرغم من أنها تمثله جالسًا، وحققوا نسبها كاملة وملامح وجه صاحبها صادقة على الرغم من ضخامتها والاكتفاء فيها بالخطوط العامة. وجعلوا محور المعبد مستقيمًا من الشرق إلى الغرب حتى تصافح أشعة الشمس كل صباح

стр. 328

تماثيله المقدسة في محرابه وهو أعمق مكان فيه، لا سيما تمثال رب الشمس. ونقشوا جدران البهو الداخلي للمعبد "١٧.٧٠×١٦.٥٠ من الأمتار" وجوانب أعمدته بعديد من موضوعات الدين والدنيا والسلام والحرب. ولم تصرفهم الضخامة في ذلك كله عن تحقيق الاتساق والإتقان في كل ما نحتوه ونقشوه ولونوه، على الرغم من البيئة القصية الفقيرة التي أتموا عملهم فيها. وجاور هذا المعبد الكبير معبد آخر صغير ينسب إلى نفرتاري "زوجة رمسيس" وشاركها فيه أو شاركت فيه زوجها رمسيس الثاني والمعبودة حتحور المحلية، ونحتت في واجهته ستة تماثيل لكل من الفرعون وزوجته. تقل من حيث الصخامة عن تماثيل المعبد الكبير، ولكنها لا تقل في الإتقان عنها.

стр. 329

الفصل العاشر: الشيخوخة في العصور المتأخرة أولًا: التخبط والتداخل في عهود الأسرات ٢٢ - ٢٤ ، "٩٤٥ - ٧٢٠ق. م" بدأت بعد انهيار عصر الأسرة الحادية والعشرين، عصور امتدت من النصف الثاني للقرن العاشر ق. م حتى نهاية التاريخ الفرعوني، وجرى الاصطلاح على تسميتها باسم العصور المتأخرة، المتأخرة من حيث الزمن أساسًا، ومن حيث الحصارة ضمنًا. وبدأت هذه العصور بداية اضطرارية بعهود حكام ذوي أصول مهجنة لم يكونوا أغرابًا تمامًا عن مصر، ولم يفتحوا البلاد عنوة، وإنما كانوا من قبائل خليطة من أهل الواحات والصحراء الغريب الأقدمين "التحنو والثمحو" وفئات من شعوب البحر "من أمثال المشاوش والشرادنة والإقوش والتورشا واللوكي، والشكرش والربو ... " الذين أسلفنا أنهم نزلوا السواحل الغربية والليبية منذ القرن الثالث عشر ق. م فصاعدًا وعجزوا عن دخول مصر بالقوة أكثر من مرة، فاكتفوا بالتسلل إليها مرتزقة في جيشها أحيانًا، ومدنيين رعاة وتجارًا ورقيقًا أحيانًا أخرى، واستقرت قبائلهم على حوافها الزراعية وفي واحاتها وحول حصونها الحدودية منذ أواخر عهد رمسيس الثالث. ثم ما لبثوا أن تمصروا عن اختيار أو خضوعًا للأمر الواقع "خلال فترات أسرهم"١، ودانوا بدين المصريين وعبدوا أربابهم، فاطمأن الفراعنة إلى بعض جماعاتهم ووزعوهم في حاميات متفرقة وأقطعوهم أراضي زراعية واسعة كمرتبات دائمة٢. ولم ينس هؤلاء النزلاء أصولهم تمامًا فجمع رؤساؤهم بين لقب "ور" المصري بمعنى عظيم، وبين لقب "مس" الليبي بمعنى ملك "قبلي"، ولقب "رئيس ما الكبير" اختصارًا فيما يبدو للقب رئيس المشاوش الكبير٣. ولم ينس المصريون لهم أيضًا أصولهم الأجنبية بسهولة، فاحتفظوا لهم باسم المشاوش حيث تركزت أغلب جماعاتهم قرب الفيوم، وباسم الليبيين "الربو" أحيانًا، ثم باسم الأجانب بوجه عام فيما دون ذلك. وقد مر بنا في مناسبة سابقة كيف أن إقليم طيبة لم ينس لهم أنهم عاثوا فسادًا في أرضه متسللين ومرتزقة مأجورين٤. وطالت إقامة المهاجرين المتمصرين هؤلاء واستقرت أكبر جالياتهم في منطقة الفيوم سالفة الذكر وفي منطقة أهناسيا بخاصة، باعتبارهما من المداخل الطبيعية من الواحات إلى وادي النيل، وباعتبارهما

стр. 330

منطقتين مناسبتين للاستثمار الزراعي والنشاط التجار، فضلًا عن قربهما من الصحراء الغربية التي كان هؤلاء النزلاء يحنون إليها، وانتسبت أكبر أسرهم في أهناسيا إلى جد يدعى بيواوا "أو بويو واوا" تعاقب بعض أولاده وأحفاده على كهانة معبود المنطقة المصري "حريشف"، ثم تزعمهم في أواخر عصر الأسرة الحادية والعشرين أمير يدعى شاشانق حدث اعتداء على قبر ولده نمرود في أبيدوس خلال تولي بانجم رئاسة كهنوت آمون في طيبة، فلم يقنع شاشانق بالشكاية إليه واستعان بملك تانيس الذي قيل إنه صحبه إلى وحي آمون وقد أفتى الوحي لمصلحته، وأرضاه الملك بأن أذن له بوضع تمثال لولده في معبد أوزير في أبيدوس، وزادت أهمية أسرة شاشانق في حياة حفيده الذي تسمى شاشانق أيضًا وحمل لقب كبير المشاوش أمير الأمراء، وكان على رأس حزب كبير يعمل له حسابه ويترضاه الفرعون نفسه. وبلغ من ثرائه أن أوقف على مقصورة تمثال أبيه نمرود بن السيدة محت وسخة مائة أرورة زراعية وحديقة كبيرة، وعين لها ٢٥ من الأرقاء لحراستها، بمعاونة الفرعون "بسوسينيس" الثاني "أو الثالث" المادية والأدبية١، ثم زوج ابنه من ابنة هذا الفرعون الأميرة ماعت كارع، وبفضل هذه المصاهرة وبفضل قوة حزبه مع ضعف حزب الفرعون، كفل لنفسه ولولده "وساركون" وراثة عرش لم يكن يحلم به، وهو عرش مصر، وجعل حاضرته في بوباسطة بشرق الدلتا قرب العاصمة القديمة برر عمسسو، في مقابل اطمئنانه فيما يبدو إلى ولاء غرب الدلتا له وانتشار حلفائه وأقربائه على حدوده. وهذا ضمن انتقال الحكم إليه في ظروف طبيعية وضمن مهادنة بقايا الأسرة السابقة فاحترم ذكرى آخر ملوكها٢، بل وادعت نصوص بع خلفائه قرابتهم للرعامسة وتلقب أغلبهم بمثل ألقاب الرعامسة: وسر معات رع، وستبن رع، وستبن آمون. وأصبحت أهناسيا مقر إمارته القديمة إقطاعًا لفرع من أسرته ولي أمورها المدنية والدينية واتسع بحدودها. أما الصعيد فتردد في التسليم بسلطان الحكم الجديد أمدًا ثم سلم بالأمر الواقع. ويبدو أنه حدث حين ذاك أن غادر بعض كبار كهنة طيبة مدينتهم أنفة من الخضوع لأصحاب الأصول الغريبة واتجهوا إلى أطراف الحدود المصرية الجنوبية قرب الشلال الرابع. وهكذا أصبحت السمة الغالبة على تكوين الأسر المالكة الجديدة وبطانتها وأعونانها، هي أنها ذات أنساب مهجنة جمعت بين دماء بعض أمراء الصحراء الغربية الأصليين وبين دماء بعض الأميرات المصريات من سليلات الأسرة الملكية الحادية والعشرين، وبين دماء بعض أمراء الشعوب المهاجرة التي سميت اصطلاحًا باسم شعوب البحر وتوافدت هجراتها المتقطعة عن طريق البحر المتوسط وجزره إلى شمال إفريقيا منذ أواخر القرن الثالث عشر ق. م وما تلاه. وقد جرت أغلب المؤلفات الحديثة على تسمية العناصر الحاكمة في عهود الأسرات ٢٢ - ٢٤ بالليبيين. ويرى التعقيب التالي أن وصفهم بالمهجنين أصح من تسميتهم بالليبيين، وذلك بناء على عدة أسباب: فهم أولًا لم يكونوا من عنصر واحد بحيث تصدق عليهم تسمية واحدة، وهم ثانيًا قد غلبت عليهم سمات المشاوش

стр. 331

وقلت فيهم سمة الربو أو الليبيين شيئًا فشيئًا في النصوص المصرية، بحيث بدأ شاشانق أول ملوك العصر بلقب رئيس ما الكبير أي رئيس المشاوش وليس رئيس الربو. وكذلك كان أبوه وجده. وحمل نفس اللقب تاف نخت رأس الأسرة الرابعة والعشرين إلى جانب ألقاب أخرى قبل ولايته العرش١. وإذا كانت المؤلفات الحديثة المذكورة قد درجت على تسمية هذه الأسر وأعوانها باسم الأسر الليبية فإنما جرت في ذلك على التقليد الإغريقي القديم الذي أطلق اسم ليبيا على كل أراضي شمال إفريقيا الواقعة غرب دلتا النيل -دون أن يقصره على حدود دولة ليبيا بمعناها المعروف في العصر الحديث، "وذلك مثلما أطلق لفظ أراضي Arabaia أو الأراضي العربية على كل المناطق الصحراوية الواقعة شرق النيل والممتدة بين شرق إفريقيا وبين غرب آسيا - دون قصره على شبه الجزيرة العربية بمدلوها المألوف". ويدعو هذا الاستدراك إلى عرض موجز للتكوين الجنسي والاجتماعي لسكان صحراء مصر الغربية في العصور الفرعونية. فقد رددت المصادر المصرية القديمة منذ أواخر الألف الرابع ق. م فصاعدًا ذكر أقرب هؤلاء السكان مكانًا من وادي النيل باسم "ثحنو" ونسبت إلى أرضهم التي ذكرت بنفس الاسم منتجات نباتية وأنعامًا وفيرة مما يعني امتداد مراعيها بين غرب الدلتا والسواحل الشمالية والواحات المصرية. وصور كبار أهلها في مناظر معابد الدولة القديمة في النصف الثاني من الألف الثالث ق. م بما يشبه هيئة كبار المصريين في الملامح والملابس وتصفيف الشعور، كما اشتركوا معهم في تقديس بعض أرباب غرب الدلتا مثل حور ونيت وسوبك. وكل ذلك مما يشير إلى وحدة أصول الفريقين العرقية البعيدة واستمرار الصلات بيهم، وإن أدت حياة البداوة والشرود التي عاش الثحنو عليها بحكم غلبة الظروف الصحراوية على بيئتهم إلى تعدد التجريدات التأديبية التي شنتها القوات المصرية عليهم من حين إلى آخر لتعويدهم على الطاعة والتقليل من شغبهم. وإلى الغرب والجنوب من براري ثحنو انتشرت قبائل "ثمحو" فيما يمتد من الواحة الخارجة إلى واحة سليمة وما ورائها. ولعلهم كانوا أكثر بداوة وشرودًا مع بعد ديارهم عن وادي النيل. ولكنهم لم يكونوا بمعزل عن مصر وأهلها. فقد انضم بعض جنودهم إلى القوات المساعدة بالجيش المصري تحت قيادة وتي خلال القرن ٢٤ق. م في عصر الأسرة السادسة. وصور عدد منهم يشاركون برقصاتهم في بعض المناسبات الدينية، مما يعني ترددهم على القرى والمدن المصرية. ولا يخلو من دلالة أن نتائج الكشوف الأثرية التي بدأها أحمد فخري وأجرتها مؤخرًا بعثة فرنسية في منطقة بلاط والواحة الخارجة قد أظهرت أن الواحات الغربية المصرية قطعت شوطًا كبيرًا خلال الدولة القديمة في الأخذ بأساليب سكان الحضر المصريين في الألقاب والوظائف والعقائد والمباني والمقابر، مما جعلها جزءًا أصيلًا من الدولة المصرية٢.

стр. 332

ولم يظهر اسم ربو أو الليبيين في النصوص المصرية القديمة قبل عهد رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر ق. م، ليس كدولة أو شعب، وإنما كقبيلة وجنود مرتزقة. وذكرت نصوص ولده مرنبتاح ما سبق الاستشهاد به من أن شدة القحط في الصحاري دفعتهم مع خمس قبائل أخرى بقضهم وقضيضهم إلى أن يجتازوا البراري ليصلوا إلى أراضي الدلتا الخصيبة، لولا أن لاقاهم جيشه وأفشل مساهم، وكان ذلك من بواعث فخره. وتكرر شغب المهاجرين في عهد رمسيس الثالث على نحو ما جرى ذكره في حينه، وشجعتهم أو دفعتهم أمامها هجرات قبلية أخرى، وترأسهم الشيخ كابور وولده مشاشار، فاكتسحوا أرض ثنحو ووصل تسربهم إلى ما وراء الفرع الكانوبي للدلتا، إلى أن صدتهم القوات المصرية وأسرت مشاشار ابن قائدهم وسفكت دمه. ثم مالت بعض الجماعات القبلية من هؤلاء وهؤلاء إلى إيثار السلم وعاشت على الأطراف الصحراوية وفي الواحات مثل الواحة الداخلة، واختلطت بأهلها القدامي ... ولونت حياتها البدوية شيئًا فشيئًا بطابع الحياة المصرية وعمل بعض أفرادها جنودًا مرتزقة في الجيوش المصرية. ويبدو أن بطونًا أخرى من قبائل ربو وما شابهها من القبائل كانت قد نزلت من قبل نواحي برقة وطرابلس واستقرت فيها على مبعدة من أولئك الذين استقروا على الحدود والواحات المصرية، وكانت أشد أثرًا منهم حيث خلعت اسمها ومسماها على الأرض التي نزلتها هناك ولا تزال تعرف به حتى الآن. وصورت المصادر المصرية بعض الربو بشعور حمراء وعيون تميل إلى الزرقة وجدائل تصل إلى الكتفين، وقد اعتادوا الوشم على الذراعين وربما على الساقين أيضًا، وكان عظماؤهم يرتدون نقبة ورداء مزركشًا يغطي كتفًا واحدة، ولا يختتنون. وذلك مما يشهد بأصولهم الطارئة على البيئة التي نزلوا فيها. أسلفنا القول بأن ذكر الربو قل شيئًا فشيئًا في أوائل العصور المتأخرة وزاد عنه ذكر قبائل مشوش. وكان هؤلاء أقدم عهدًا منهم بحيث ذكرتهم مصادر عهد أمنحوتب الثالث في القرن الرابع عشر ق. م، وكانوا يلبسون قراب العورة واعتادوا الختان، ربما تأثرًا باعادات المصرية ودليلًا على تشبعهم بها نتيجة لطول اتصالهم بالمزارعين على المناطق الحدودية. وقد انتسبت أكبر أسرهم في إقليم أهناسيا إلى الجد بيواوا أو بويو واوا الذي تعاقب بعض أولاده وأحفاده على كهانة المعبود المصري حريشف١. وإذا كان لا مناص من الاعتراف بأن أسماء ملوك العصر مثل شاشانق "الذي ذكر في الآشورية بصيغة شوشنقو، وفي العبرية شوشق وشيشق، وفي الإغريقية سيسونخيس"، وأسماء وساركون وثكرتي وما إليها، هي أسماء ذات جرس غريب من الأسماء المصرية المألوفة، وتصعب ترجمة مدلولاتها، إلا أن كلًّا منهم قد جرى في صياغة ألقابه الملكية الأربعة الأخرى على نسق الطابع المصري الموروث، فصاغوها على مثال ألقاب الملوك الرعامسة وتلقب أولهم بلقب أول ملوك الأسرة الحادية والعشرين السابقة لعصرهم، وترجموا في هذه الألقاب عن ولائهم للأرباب المصريين الكبار رع وآمون وإيسة وباسطة تدليلًا على استغراقهم

стр. 333

في الحياة المصرية، ولو من حيث الظاهر على أقل تقدير. واستمرت عهود الحكام ذوي الأصول المهجنة أكثر من قرنين، تناسوا فيهما أصلهم الغريب نوعًا، واعتادوا على أن يعتبروا أنفسهم فراعنة مصريين ودانوا بديانة مصر، ثم حاربوا باسمها خارج حدودها، وحاولوا أن يستعيدوا لها بعض سمعتها الدولية القديمة، فكانت عهودهم بذلك أقرب في بعض نواحيها إلى عهود المماليك فيما بعد خلال العصور الوسطى، لم يعتبرهم التاريخ أغرابًا بقدر ما اعتبرهم متمصرين مغتصبين، ولم يؤثروا في الروح المصرية بقدر ما تأثروا بها، ولم يمنع اغتصابهم لعرش البلاد من أن يظهر بينهم حكام مصلحون، ولم تمنعهم أصولهم المهجنة من أن يخلصوا لسمعة مصر واستقلالها، ولم يرض أهل البلاد بحكمهم بقدر ما قبلوه على مضض ومرارة. ولا ضرورة إلى أن نضيف بعد ذلك أن طول العهد بالحكام ذوي الأصول الأجنبية في بعض الدول الأوروبية الحديثة نفسها، قد جعل شعوبهم تتناسى أصولهم، فليس في بريطانيا من يهتم برجوع نسب الأسرة المالكة في بلاده إلى النورمان، ولم يكن في بلاد اليونان من يهتم برجوع نسب الأسرة المالكة في بلاده إلى الجرمان. ولم تقتصر أوجه الشبه التي عقدناها بين حكام بداية العصور المتأخرة المهجنين وبين مماليك العصور الوسطى، مع اتساع الشقة الزمنية بينهما، على ما أسلفناه منها، وإنما تتضح كذلك في أن التنافس على السلطة العليا ظل شديدًا بين كبرائهم مثلهم، فتخللت عهودهم فترات من الانشقاق وتفرق الكلمة، بحيث ظهرت منهم ثلاث أسر حاكمة في مدى قرنين، وتعاقب منهم ملوك كثيرون، شاعت بينهم أسماء: شاشانق "لما بين الأربعة وبين السبعة"، ووساركون "لثلاثة أو أربعة"، وثكرتي "أو تكلوت لاثنين أو ثلاثة" وبامي "أو باماي"، وبادي باسطة "رأي الأسرة الثالثة والعشرين"، ثم تاف نخت، وباكن رنف "بوخوريس" "ملكي الأسرة الرابعة والعشرين"، ومن أسماء العرش المعروفة لبعض هؤلاء الملوك، أسماء: حج خبر رع "شاشانق الأول"، سخم خبر رع "وساركول الأول"، وسر ماعت رع "ثكرتي الأول"، وسرماعت رع - ستبن آمون "وساركون الثاني"، حج خبررع - سا إيسة "ثكرتي الثاني"، وسرماعت رع - سا باسطة "شاشانق الثالث"، و"سرماعت رع "باماي"، عاخبر رع "شاشانق الرابع"، إلخ، مع بعض الشك في ترتيب تعاقبهم. ولن نبحث في أمر كل واحد من هؤلاء على حدة، وإنما نكتفي بالخصائص العامة لعصرهم في وحدة واحدة. ففي الحكم الداخلي، رسم أولئك الملوك سياسة بعيدة المدى إزاء طيبة ذات المكان السياسية والدينية التليدة لا سيما بعد أن اصطدموا بها في بداية عصرهم. فعمل أغلبهم على أن يعين كل منهم أحد أولاده كبيرًا لكهنة آمون فيها لكي يكفل لأسرته عن طريقه السلطة السياسية والسلطة الروحية معًا ولكي يكون له ولها نصيب الأسد من ثروات معابد آمون الطائلة؛ وذلك إلى جانب صبغ نفوذه بصبغة حربية في الوقت نفسه بتلقيبه بلقب قائد الجيش، ربما تبريرًا لوضع فرق من الجيش تحت إمرته لتأييده في مركزه، وتعمد بعضهم أن يزيد تدعيم مركز ولده في هذا المنصب فسمح له بأن يسجل اسمه داخل خرطوش شأنه شأن الملوك، أي أنهم استفادوا من سابقة النظام الثيوقراطي بشقيها في عصر الأسرة الحادية والعشرين، ثم زاد وساركون الثالث أحد فراعنة الأسرة

стр. 334

الثالثة والعشرين فعين ابنته "شبتن وبة" كبيرة لكاهنات كيبة وزوجة إلهية أو حرمًا مقدسًا لإلهها آمون، وسمح لها بسلطات كهنوتية ومدنية تفوق سلطات كبيرة الكهنة نفسه١ "وقد سبقت لهذا سابقة أيضًا في عصر الأسرة الحادية والعشرين ولكن باعتبار الأميرة زوجة لكبير الكهنة ذي الأصل الطيبي". وإلى جانب نفوذ الأمراء والأميرات كان للملوك أتباع يلقبون بلقب عيون الملك، يتولون تنفيذ سياستهم في رداء مدني أو كهنوتي. وتعدت إنعامات الملوك هؤلاء وهؤلاء إلى نفر من الأمراء القدامى المهجنين والمصريين أصهروا إلى الملوك وتزوجوا من بناتهم، وبذلك اتضحت طبقة إقطاعية كبيرة غنية تزايدت أعدادها وثرواتها وتوافر لها نفوذ كبير في حكم الأقاليم٢. وحدث في أواخر العصر أن تكونت في المجتمع طبقة من المحاربين كان أغلب أفرادها من مهجني الأصل أنصار الحكام، ذكرتهم بعض المصادر الإغريقية باسم "ماخيموي"، وأصبحت العسكرية معهم هدفًا يرنو إليهم أفراد الاسر الوسطى ويتوارثونها ولدًا عن والد، ويحصلون عن طريقها على إقطاعيات زراعية صغيرة مناسبة، فظهرت بذلك طبقة متماسكة منطوية على نفسها من العسكريين. وربما اتخذ مثل هذا التقليد سبيله إلى صفوف بعض الكهنة وأسرهم أيضًا٣. ومن هنا تناقل المؤرخون الإغريق فكرتهم الخاطئة منذ القرن التاسع ق. م عن قيام الحياة الاجتماعية في مصر على أساس الطبقات المهنية. وكعادة الحكام ذوي الأصل الخليط، أظهر ملوك العصر اهتمامًا مفرطًا بالدين ومعابده، بل وبسخافات لم يكن لها من قبل غير ظلال خفيفة، ومنها شدة اهتمامهم بعجول المعبود حاب أو أبيس ودفنها فيما عرف باسم سيرابيوم سقارة٤. وخصصوا أغلب عمائرهم الدينية لإله الدولة آمون شأنهم شأن سابقيهم، ولو أنها لم تبلغ في روائها وفخامتها ما بلغته معابد الدولة الحديثة. ويذكر لشاشانق الأول "أو لابنه إبوت الذي عينه كبيرًا لكهنة آمون" إنشاء المدخل البوباسطي في سور الكرنك الرئيسي الذي يمتد غربًا من الجدار الجنوبي لبهو الأساطين الكبير، في طريق الفناء الأول المتسع الذي يبدو أن شاشانق بدأه ولم يتمه. كما بدأ الصرح الأول الضخم الذي لم تنقش جدرانه. وحين شيدت بوابة عيد السد في بوباسطة في عهد وساركون الثاني، وهي بوابة ضخمة من الجرانيت، أعلن الملك في نقوشها اعترافًا بفضل آمون عليه في عيده، تحرير طيبة بطولها وعرضها طاهرة مزينة لربها. وأمر ألا يتدخل مفتشو القصر الملكي في شئونها وأن تتمتع بالأعفاء إلى الأبد باسم ربها الكريم. غير أن هذا لم يمنع طيبة من الثورات ضد أولئك المتسيطرين الجدد بين كل حين وآخر. فقد ثار بعض أهلها عدة مرات في عهد وساركون الكاهن الأكبر ابن الملك ثكرتي "تكلوت" الثاني الذي سجلت باسمه نصوص كثيرة على البوابة البواسطية، ثم في عهد ابنه شاشانق الثالث. واشتد الملوك في إخماد ثورات طيبة حرصًا على مصالحهم وهيبة سلطانهم فيها، بحيث ألقوا بعض زعمائها في النار أحيانًا٥.

стр. 335

وتطلعت السياسة الخارجية إلى فلسطين وما ورائها، وفتحت مصر أبوابها أمام الفارين من وجه سليمان، كما فعلت من قبل في عهد أبيه. فآوت يربعام منافس سليمان، وكان من نسل أفرايم ووعده أحد الأنبياء بالملك ولكن سليمان أراد قتله١. ولما توفي سليمان وحقت كلمة الرب على اليهود بتمزيق وحدتهم، أيد أحد أوائل من تسموا باسم شاشانق من ملوك الأسرة يربعام منافس سليمان في الاستقلال بحكم عشرة من أسباط إسرائيل بحيث لم يتبق لرحبعام بن سليمان غير سبط يهوذا وحده "أو هو وبنيامين"٢. ثم استعرض شاشانق هذا قوة بلده مع ابن سليمان، وخرج بجيشه ودمر عاصمته أورشليم وغنم كنوز داود وسليمان، وكان منها ٢٠٠ درع، و٣٠٠ ترس من الذهب المطروق، أو كما روت أسفار التوراة "أخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك وأخذ كل شيء، وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان، فعمل رحبعام عوضًا عنها أتراس نحاس"٣. وترك شاشانق بعض آثاره في مجدو وغيرها من مدن فلسطين٤. وعادت حملة شاشانق هذا بفوائد شتى، فاستعادت مصر بها جانبًا من سمعتها الدولية القديمة، واستعادت سعة صلاتها بفينيقيا وأمرائها، واستحب بعض هؤلاء الأمراء أن يتقبلوا ويقيموا التماثيل والنصب بأسماء فراعنة مصر في معابدهم؛ ومنها تماثيل لكل من شاشانق الأول ووساركون الأول٥. وأفاضت الحملة على مصر في الوقت نفسه غنائم وثروات استغلها الفراعنة في مواصلة الترف القديم وزيادة مباني المعابد. ولما طال الأمد بالحكام ذوي الأصل المهجن: وتشعبت أسرهم ومصالحها، تفرقت وحدتهم، وانتهى الأمر بأن ادعى الملك فيهم ثلاثة بيوتات، بيتان مالكان في شرق الدلتا، في تانيس وبوبسطة، وبيت ثالث في سايس "صا الحجر على فرع رشيد بغرب الدلتا"، فضلًا عن عدد من الأمراء الإقطاعيين في مصر الوسطى والصعيد. ومن طريف ما ذكره مانيتون عن هؤلاء وهؤلاء قوله بأن أحد ملوكهم الذي ذكره باسم بتوباتيس "وهو بادي باسطة" واعتبره رأس الأسرة الثالثة والعشرين، قد عاصر أول أولمبياد عرفه الإغريق "حوالي عام ٧٧٦ق. م". ولا غرابة إذن مع اختلاف الآراء الحديثة في شأن تعاقب هؤلاء الملوك، أن نجد المؤرخ المصري القديم مانيتون قد أشكل عليه عددهم وغابت عنه بعض أسمائهم، وإن لم يتجاوز الحقيقة كثيرًا في افتراض نحو ٢١٥ عامًا لمجموع مدد حكمهم. وقد روى عنه أفريكانوس أنه حكم خلال عصر الأسرة الثانية والعشرين تسعة ملوك من بوباسطة، وهم: سيسونخيس "لفترة ٢١ عامًا" ووسرثون "لفترة ١٥ عامًا" وثلاثة آخرون

стр. 336

"لفترة ٢٥ عامًا"، وتاكيلوتيس "لفترة ١٣ عامًا"، وثلاثة آخرون "لفترة ٤٢ عامًا" - وبهذا بلغت مدة حكمهم جميعًا ١٢٠ عامًا. وتعاقب أربعة ملوك من تانيس في عصر الأسرة الثالثة والعشرين خلال ٨٩ عامًا، وهم: بتوباستيس "لفترة ٤٠ عامًا"، وأسورخو "لفترة ٨ سنوات"، وبساموس "لفترة ١٠ سنوات"، وجت "لفترة ٣١ عامًا". وخلال عصر الأسرة الرابعة والعشرين حكم بوخرويس من سايس لفترة ست سنوات وكان أبوه تخناكتيس. وأخيرًا أسفر التنافس بين أدعياء الملك إلى غلبة أمير صا الحجر "سليس" تاف نخت رأس الأسرة الرابعة والعشرين فحاول أن يعيد وحدة البلاد باسمه، ونجح في إعادة الاستقرار إلى الدلتا ومصر الوسطى، ولكن ما لبث أن واجهته قوة جديدة في عام ٧٣٠ق. م هزت ملكه هزًّا، وهي قوة حكام نباتا الذين نجحوا في إقامة الأسرة الخامسة والعشرين على عرش مصر، معاصرة لأسرته في أغلب عصرها، وهم موضوع بحثنا التالي، وسوف نتناول سياسة كل من تاف نخت، وولده باكنرنف "أو بوخوريس" في سياق هذا البحث الأخير. وعندما واجه أواخر ملوك الأسرات المهجنة مشروع بيعنخي في مصر كان تفتت السلطة بينهم قد بلغ مداه، إذ ولي حينذاك وساركون الرابع على عرش بوبسطة، وولي شاشانق الخامس عل عرش تانيس بعد عهد قصير للملك شاشانق الرابع والملك بامي. كما ولي تاف نخت على عرش سايس. بل وادعى ألقاب الملكية عدد آخر من كبار الأمراء الذين ارتبطوا بالأسرة المالكة السابقة بروابط القرابة والنسب، ومنهم يووبت في ثنت رمو، وبفنف دي باسطة في أهناسيا، ونمرود في الأشمونين.

стр. 337

ثانيًا: دفع النوبة لمصر في عصر الأسرة الخامسة والعشرين ٧٣٠ - ٦٦٥ق. م ولي الحكم في أغلب هذا العصر قادة من نباتا في بلاد كاش بالنوبة العليا. ولم يكن هؤلاء بدورهم أغرابًا عن مصر وحضارتها، ولم يعتبروا أنفسهم دخلاء أو غزاة، وإنما رددوا في متونهم أنهم أحلاف لطيبة وأتباع الدين الصحيح لإلهها آمون. ومن المحتمل كما قدمنا "في ص٢٨١" أن بعض أسلافهم كانوا من كبار أهل طيبة غادروها أنفة من الخضوع للمهجنين المتمصرين في بداية تسيطرهم، ولحق بهم بعض من نفاهم ثكرتي الثاني وشاشانق١، ونزحوا بعيدًا عنها إلى أقصى الحدود المصرية قرب الشلال الرابع حيث ينهض جبل برقل الذي اعتبرته نصوص الدولة الحديثة جبلًا طاهرًا وعرشًا مقدسًا لآمون في الجنوب، وهو جبل أوتل منفرد مسطح يتوسط صحراء حصباء، وتنحدر جوانبه بشدة بحيث يظهر جانبه الجنوبي قائمًا على هيئة المخروط. وقامت عند سفحه فوق سهل صحراوي متسع يبعد عن النهر بنحو ميل مدينة أشرفت على طريق القوافل المتجهة إلى السودان، وعمرتها معابد ومبان مصرية الطابع، وقد نسبت في بداية أمرها إلى الفرعون تحوتمس الثالث في تسميتها "تحوتمس ذابح الأجانب" واعتبرت حدًّا جنوبيًّا لولاية نائب الملك في كاش في عهد توت عنخ آمون، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية، وذكرتها مصارد عصور الرعامسة، ثم اشتهرت باسم نبتا٢، ووجد أولئك النازحون ضالتهم في منطقتها المتشبعة بالحضارة المصرية والبعيدة نوعًا عن مظان الغزو، وربما وجدوا سبيلهم إلى النفوذ فيها عن طريق رئاسة الدين وتولي وحي آمون، وثم تولوا حكمها وجعلوها عاصمة لدويلة ثيوقراطية وفوا فيها لعبادة آمون ولعقائد أوزير وللكتابة المصرية٣، وإن جمعوا إلى هذه الصبغة المصرية بحكم اندماجهم في البيئة الجنوبية خليطًا من الملامح واللهجة النوبية، ومن دماء القبائل الليبية الجنوبية ومهارتها في ركوب الخيل وقتال البراري. قد يدل على هذا الخليط الجنوبي احتمال أخذ حكامهم بانتقال السلطة إلى الأكبر في الأسرة ومن الأخ إلى الأخ الذي يليه فضلًا عن الابن الأكبر، ثم نهاية بعض أسمائهم

стр. 338

مثل شباكا وشبتكا وتاهرقه بنهايات قريبة من ألفاظ اللغة الجنوبية التي عرفت فيما بعد باسم اللغة المروية. ونمت دولتهم شيئًا فشيئًا حتى أحسوا البأس من أنفسهم وأدركوا نتائج التفكك في جهاز الحكم القائم في مصر، فعادوا بجنود من مملكتهم الجديدة إلى مصر التي اعتبروها أمهم وحاولوا تبديل أوضاعها. وتزعمهم حين مهدوا لمشروعهم ذاك ملك يدعى "كاشت" أو كاشتا بعد أن ورث سلفه الأرا. ولا ندري شيئًا مؤكدًا عن خطوات كاشتا، ولكن يفهم من النصوص التالية لعهده أنه معهد للأمر باتصالات ومحالفات مع زعماء طيبة، وربما أيدهم بجنود ساعدوهم ضد أواخر الحكام المهجنين المتمصرين، في ظل الوضع الخاص أو الاستقلال الذاتي الذي نعمت به مدنيتهم، ولكن لم يطل عهده١. وجرى على سياسته ولده بيعنخي "وهو اسم مصري الصبغة فضلًا عن تلقبه باسم وسرماعت رع - سنفررع"، وكان كما تحدثت عنه نصوصه يتابع مجريات الأمور في مصر ويضحك منها، ثم تخطاها إلى التدخل العسكري المباشر في العام العشرين من حكمه مدعيًا أن حلفاءه أهل طيبة راسلوه بقولهم: "هل ستسكت عنا وتنسى الصعيد بينما يتقدم تاف نخت دون مقاوم؟ ". وكان تاف نخت رأس الأسرة الرابعة والعشرين قد مضى في تقدمه فعلًا ووجد الاستجابة من رصفائه حكام مصر الوسطى لا سيما في الأشمونين وأهناسيا، وكان من أكبرهم نمرود حاكم حت ور بجوار الأشمونين. وسواء تحرى كتبة بيعنخي الدقة في نصوصه أم بالغوا فيها، فإن ما جاء بها عن وصيته لجنوده المتجهين إلى مصر يعتبر من جيد الكلم ودليل الحصافة في عصره، فقد أوصاهم ألا يبدءوا بعدوان وأن يتركوا خصمهم يختار زمن الحرب، ويكونوا عندها على يقين من أن الإله آمون قد أرسلهم بنفسه، ثم أكد عليهم ألا يدخلوا طيبة مقر آمون بعدة الحرب، وإنما يعتبروا أنفسهم حجاجها، فيتطهروا في نهرها إذا بلغوها، ويلبسوا الكتان الأبيض، وينزعوا سهامهم ويريحو أقواسهم، ولا يتفاخروا ببأسهم في رحاب ربها "فبدون آمون لا شجاعة لشجاع، وهو الذي يشد أزر الضعفاء حتى لتهزم الكثرة أمام القلة ويغلب الواحد ألفًا ... "٢. ونجح جيش بيعنخي في بعض أمره ضد أعوان تاف نخت، ثم بلغ مدينة الأشمونين ولكنه عجز أمام أسوارها وأمام زعيمها نمرود، فلحق بيعنخي بجنوده وتوالت انتصاراته معهم. ولن تعنينا كثيرًا تفاصيل هذه الانتصارات فالحرب هي الحرب، قتل وأسر وتشريد وتدمير، حتى بين أبناء الوطن الواحد، ثم يصورها كل طرف منهم من وجهة نظره. ولكن يعنينا من أمر بيعنخي ما أبداه خلالها من مهارة في أساليب الحصار ومهارة في التأثير السيكلوجي على الناس، على الرغم من بساطة الحياة في البيئة القصية التي نشأ فيها. فقد تغلب على حصانة الأشمونين بتكليف جنوده بعمل مطلع مرتفع حول أسوارها ليصعد الرماة عليه إلى برج خفيف بني فوقه، ووضع آلات "؟ " تساعد على دفع السهام وأحجار المقاليع إلى قلب المدينة. وعندما تركها بجنوده إلى منف كان خصمه تاف نخت قد سبقه إليها وشدد عزائم أهلها وأحكم أسوارها واطمأن إلى حماية الفيضان المرتفع لناحيتها الشرقية، فأتاها بيعنخي من مأمنها أي من الناحية الشرقية التي ظن خصومه أن مياه الفيضان كافية

стр. 339

لمنع التقدم إليها، واستعان جنوده بسفن حلفائه الذين سلموا بحكمه من الأقاليم المصرية، وحلوا أمراس سفن منف المشدودة إلى جدران بيوت مينائها، واستولوا عليها واستخدموها في نقب أسوار المدينة ومنع الاتصالات بينها وبين جيرانها. وكانت لبيعنخي تصرفات بارعة في مجال التأثير النفسي، ومنها إظهار التمسك الشديد بتعاليم الدين، بحيث أبى أن يصافح جماعة من الأمراء الليبيين لأنهم غير مختتنين وغير متطهرين ويأكلون أنواعًا من السمك يأباها الدين، ويبدو أنهم أرادوا تمثيل أقاليم الصعيد والدلتا في إظهار الولاء له، ولم يقابل منهم غير نمرود. وبمثل نصائحه التي أسلفناها والتي حض جنوده خلالها على الاغتسال والتطهر والتواضع وتوقير حرمات آمون، ثم بإظهار شغفه بزيارة المعابد الكبرى كأنه متشوف للحج إليها من زمن بعيد، وإظهار الرفق الشديد بحيوانات أعدائه لا سيما الخيول، بحيث كان يتفقد بنفسه اصطبلات المدن المفتوحة، وبحيث عنف خصمه نمرود حاكم منطقة الأشمونين تعنيفًا شديدًا على عدم رعايته لخيوله. وكل ذلك مع إظهار شيء من التسامح مع بعض الخصوم كإبقاء الأمراء المحليين على مناصبهم ما داموا قد أظهروا الطاعة له، حتى تاف نخت نفسه أبقاه أميرًا على سايس وعفا عن ولده بعد إحدى المعارك في اللاهون حين اعترف له بالأمر الواقع من سلطانه. ومن اللوحات التي سجلت نصر بيعنخي لوحة صور فيها أمام الثالوث الإلهي لطيبة، وعن يمينه سيدة قد تكون زوجته أو زوجة نمرود، يتبعها نمرود يرفع أداة السيستروم ويقود فرسًا، وفي نهاية اللوحة تصوير لثلاثة من الأسر المالكة السابقة وبينهم وساركون يقبلون الأرض بين يديه، ويحتمل أن يكون قد قسم سلطات الدلتا بينهم، ثم عدد آخر من الرؤساء الإقليميين. ونفذ بيعنخي رغبة بدأها أبوه واستهدف منها تدعيم امتيازات أسرته في طيبة، فعمل على تعيين أخته "آمون رديس" كبيرة لكاهناتها وحرمًا مقدسًا لإلهها١، وهنا لم تسمح له سياسته المرنة بأن يقيل شاغلة المنصب شبتن وبة بنت وساركون الأخير من أجلها وإنما جعلها تتبناها حتى تصبح وراثتها لمنصبها ذي الثراء العريض والنفوذ الروحي الكبير وراثة سليمة مشروعة. ويبدو أنه سمى انتبه شبتن وبة وجعل أخته تتبناها لترث سلطانها من بعدها. وكانت أمثالهن يترهبن لآمون بحكم منصبهن ويدفن بعد الموت في منطقة دير المدينة. وفي ظل هذه الأوضاع أعلن بيعنخي نفسه فرعونًا مصريًّا، وعاد إلى نباتا حيث سجل أخباره السابقة على نصب كبير في معبد آمون فيها. وهنا استغل تاف نخت "شبسرع" صلب العود فراغ الميدان الداخلي لمصلحته، فاسترجع سلطانه في الدلتا والأقاليم القريبة منها، واستعاد ألقاب الملكية. ولأمر ما تفاداه بيعنخي، ولم يقاومه، ربما لإحساسه بأنه أدى واجبه إزاء مصر وكفى، أو لشعوره بشعبية تاف نخت بين أتباعه وصعوبة قهره. واستمتع هذا الأخير تاف نخت بسلطانه في عاصمته سايس عدة سنوات٢، وظلت أسرته الرابعة والعشرون تعاصر أسرة بيعنخي الخامسة والعشرين، دون أن تنجح إحداهما في لم شمل مصر كلها تحت رايتها، وإن حاولت كل منهما أن تعمل باسم مصر من ناحيتها. فالتفتت أولاهما، على الرغم من متاعبها الداخلية، إلى جارتها فلسطين. وكان قد سعى إلى التحالف معها "هوشع" ملك السامرة عاصمة العبرانيين الشمالية، فقبلت

стр. 340

تحالفه١، وترتب على مساعدتها له أن صمدت عاصمته ثلاث سنوات أمام حصار الآشوريين لها خلال عهد شلما نصر الخامس، وإن كانت هذه العاصمة ما لبثت حتى انهارت بعد أن تغيرت مقادير آشور بولاية ملكها العظيم سرجون الثاني، ففتحها في العام الأول من حكمه "عام ٧٢١ق. م" وقضى على استقلالها وشرد آلافًا من أهلها٢. وأعقب تاف نخت ولده باكن رنف "واح كارع" على ما امتد سلطانه إليه من الدلتا ومصر الوسطى، وقد اشتهر في الروايات الإغريقية باسم بوخوريس٣. وسنح له مجالان لإثبات كيانه في مجال المنافسة مع حكام عصره. ففى الخارج واصلت مصر في عهده سياسة أبيه بتأييد مدن فلسطين في المحافظة على استقلالها، فأيدت هانو حاكم غزة الذي كان قد لجأ إليها قبل سنوات وساعدته على تكوين حلف يواجه به التوسع الآشوري وعهدت بمعاونته إلى قائدها في رفح، وهو شخص لم تذكره المصادر المصرية وذكرته المصادر الآشورية وقصص التوراة باسم سيبئه "راجع ذكره فيما بعد"، ولكن مصر فاتها حينذاك أن تقدر إمكانيات سرجون الآشوري إبان عنفوانه، فانهزم حاكم غزة برغم تأييدها له بوحي هذه التجربة أيقن باكن رنف أن التيارات الخارجية لن تجري لصالحه، وأن عليه أن يبدأ بتدعيم جبهته الداخلية، وإن ظلت حدود بلده، على الرغم من وهنها، ملجأ للائذين بها من ولاة الشام، فلجأ إليها في أواخر عهده حاكم أشدود فرارًا من الآشوريين. وليس من نصوص مصرية كافية تصور جهود باكن رنف الداخلية صراحة، ولكن الروايات الشعبية احتفظت له ولأبيه بذكريات طيبة، ربما لحرصهما على اجتذاب الأنصار وإرضاء الناس في عهد احتدم التنافس فيه بينهما وبين أضرابهما من الحكام المتمصرين الإقطاعيين من ناحية، وبينهما بين بيعنخي ودعاياته الذكية من ناحية أخرى. ويفهم مما سجله المؤرخون الكلاسيكيون عن هذه الروايات أنها اعتبرتهما من أعدل الملوك وأكثرهم استنارة. ولا بأس من الاستشهاد ببعض ما رواه ديودور الصقلي عن هذين الملكين كنموذج لما بقي لهما من سمعة عريضة وما رتبه لهما من أهمية كبيرة بعد وفاتهما بنحو ثمانين قرن دون التزام بطبيعة الحال بحرفية روايته. فقد نعت تاف نخت الذي ذكره باسم تنافاخثوس Tnaphachtos بالحكيم "فقرة ٤٥"، وروى أنه زهد في الملك وحياة الترف بعد حملة خرج فيها إلى بلاد العرب وتعرض خلالها لخطر الجوع مع نفاذ مؤن الجيش وإملاق البيئة، واضطر من ثم إلى أن يشارك عامة جنوده حياتهم المتواضعة فأنس إلى صحبتهم واطمأن بهم، واعتراه السهد والقلق مما كانوا يعانونه من شظف العيش، فضاق بالتقاليد التي سمحت للملوك برغد العيش دون غيرهم ولعن من بدأها وأمر بنقش لعنته للبادئ بها على معبد آمون في طيبة، واعتبر ذلك من عوامل إغفال شهرة مني أول الملوك المصريين وإغفال مجده على مر العصور على حد قوله.

стр. 341

وحظي باكن رنف "أو بوخوريس" بشهرة أعرض من سمعة أبيه في حياته الخاصة وأثره العام. فروى ديودور أنه كان زري الهيئة جدًّا، وكان أضعف الناس بنية، وأجشع الملوك قاطبة نفسًا "فقرة ٦٥، وفقرة ٩٤"، ولكنه وصفه مع ذلك بأنه رابع المشرعين المصريين، وأنه فاق كل من سبقوه من الملوك في حكمته وكان عاقلًا امتاز بدهائه، فنظم جميع شئون الملك وشرع بالتفصيل أصول المعاملات الخاصة، وكان حكيمًا في قضائه إلى حد أن كثيرًا من أحكامه ما زال لفرط سداده مأثورًا إلى أيامه. وكأن لسان حال ديودور أو معاصريه ود أن يصوره بمثل ما قيل عن سقراط العظيم من أن دمامة خلقته ورث ثيابه وغرابة أطواره كلها لم تحل دون أن تكون له نفس أكثر صفاء من النور وعقلية فذة وحكمة بالغة. وروى ديودور من قوانين بوخوريس ما يقرب إلى مبدإ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وهو مبدأ أيدته الوثائق الديموطية فيما بعد، وفسره ديودور بأن من اتهم بأنه اقترض مالًا دون صك وأنكار الاستدانة يُعفي من أداء القرض إذا حلف اليمين على بطلانه. وكأن المشرع قد آثر أن يبدأ بافتراض الثقة في الناس وفي إيمانهم، فهم فضلاء حتى يثبت العكس، وأراد أن يستشعروا قيمة الإيمان ومخافة الإله، وأن يقدروا أن من حنث في إيمانه فقد ثقة الناس به، وأن يخشوا هذه العاقبة بتجنب الأيمان الكاذبة. ولعل المشرع حين أغفل الاعتداد بالدائن المدعي دون صك قد عني المرابين أكثر من غيرهم. فقد قضى أيضًا أنهم حتى إذا أقرضوا الناس أموالًا بصكوك فليس من حقهم أن يزيدوا أصل القرض إلى أكثر من مثله، مما يعني أنهم كانوا يسرفون قبل عهده في فرض الربح المركب ويزيدون به أصل الدين أضعاف مضاعفة. ويبدو أن الربح المركب كان دخيلًا على الحياة المصرية، نقلته إليها الجماعات الغربية التي هاجرت إلى مصر وتكاثرت أعدادها فيها خلال العصور المتأخرة. وسجل ديودور بالتقدير أن بوخوريس قضى بأن يكون استيفاء القرض من ممتلكات المدين وحدها وليس من شخصه، ولم يجز قط أن يكون شخص المدين في أي ظرف من الظروف رهينة للدين. وقدم ديودور لذلك تعليلًا طريفًا، وهو أن الأرض ملك للذين يعملون عليها واكتسبوها بجدهم أو وهبت فلهم من الغير، أما المواطنون فهم ملك الدولة تستأديهم مالها عليهم من واجبات في الحرب والسلم، ومن الخطإ البين أن يقبض على المدين وفاء لدينه وهو يواجه الأخطار دفاعًا عن بلاده فيكون من أثر ذلك أن تتعرض سلامة الجميع للخطر من جراء جشع بعض الناس. ولم يستبعد ديودور أن يكون سولون قد نقل هذا التشريع إلى أثينا فيما سماه تخفيف الالتزامات أو التخلص من الحمول وحرم بمقتضاه استرقاق المدين، بل وألغى الديون التي كان ضمانها شخص المدين "أو أنقصها". ولا جدال في براعة التعليل الذي ساقه ديودور، ولا شك كذلك في أن القول بأن سولون المشرع الأثبني العظيم قد اقتبس بعض تشريعه من مصر يعتبر مفخرة لمصر والمصريين، لولا أن تعليل ديودور لحكمة المشرع المصري فيما أصدره هو أقرب إلى روح الفكر الإغريقي أو الكلاسيكي منه إلى طابع التفكير الشرقي في القرن الثامن ق. م. وعلى أية حال فثمة تعقيب آخر وهو أن استرقاق المدين الذي حرمه باكن رنف كان دخيلًا على الحياة المصرية إما عن طريق الجاليات الأجنبية أو تحت قسوة الحياة في عهود الاضطرابات.

стр. 342

وقد أخذت بمثله التشريعات الآشورية في القرن الثاني عشر ق. م حين أباحت رهن أفراد الأسرة في مقابل الدين، وأخذت به التشريعات الإغريقية قبل إصلاحات سولون، كما أخذت به تشريعات الاثنتى عشرة لوحة الروماينة في القرين الخامس ق. م واستمر بعدها١. وربط بعض الباحثين بين قوانين باكن رنف وبين ما أتت الوثائق المصرية به بعد عهده في القول بأن حق الملكية المطلق للأرض تأيد بصدور قوانينه، فتيسر انتقال ملكية المنفعة دون قيد أو شرط، وأطلقت حرية الهبات من كل قيد. وأصبح المزارعون من أهل الطبقات الوسطى يتمتعون باستقلال شخصياتهم حيال الدولة وحيال الإقطاعيين، فيما عدا التزامهم بتوفية الضرائب وأداء الأعمال العامة. وتحرر أفراد الأسرة من ولاية رب الأسرة فيما يختص بأملاكهم بحيث اعتبر كل شخص مسئولًا عن ذمته، وانفتحت أبواب التحاليل لإفراز أنصبتهم من ميراث الأسرة المشترك٢. ولم يزد حكم باكن رنف عن ست سنوات ثم لقي نهاية مفجعة كما سنرى بعد قليل، وعندما أراد أهل الأساطير أن يفسروا التناقض بين صلاحه وبين سوء خاتمته ردوا الأمر إلى قدر مقدر، وزعموا أن كبشًا مباركًا نزل من السماء في أيامه وتكلم بلسان مبين وتنبأ للملك بخاتمته، وأنذر مصر بعدها بشقاء طويل. وقد حدث ذلك الشقاء فعلًا فيما رواه مانيتون وإحدى البرديات الديموطية. ولا زال التاريخ متشوفًا للكشف عن التشريعات التي نسبت إلى باكن رنف والتي يبدو أنها كانت أحد مصادر تقنين مصري متأخر عثر على بردياته المكتوبة بالخط الديموطي في منطقة تونة الجبل بمصر الوسطى، وتولى دراستها الأستاذ الدكتور جرجس متى. جرت هذه الأحداث في الأجزاء الشمالية من مصر الموالية للأسرة الرابعة والعشرين، أما في الجنوب فظلت طيبة وما حولها على صداقتها مع بناتا التي قضى ملكها بيعنخي بقية سنوات حكمه منطويًا فيها على نفسه لسبب غير معروف. وشيد له هرم كبير نسبيًّا بقربها في كورو على نسق الأهرام المصرية وإن كان أقل منها بكثير. وتوفي في العام ٣١ من حكمه. ثم عاد النشاط مرة أخرى بين نباتا وبين مصر بولاية ولده أو أخيه"؟ " "شاباكا" الذي استغل حماسة أتباعه لحكمه الجديد، وقضت جيوشه على استقلال باكن رنف في مصر وأهكلته قتلًا أو حرقًا. وآثر شاباكا "نفركارع - واح إب رع" بعد أن انفرد بالأمر واتخذ منف عاصمة أن يتقي المشاكل الخارجية ليتفرغ لمشروعاته الداخلية٢. فترك حاكم أشدود الهارب منذ عهد باكن رنف لمصيره أمام سرجون الآشوري، وهادن هذا الأخير وبادله الهدايا، وكان في ذلك ما سمح لأعوان كل ملك منهما بأن يسرفوا في

стр. 343

الإشادة بملكهم ويبالغو في خشية الآخر منه، فصور أعوان شاباكا ملكهم يقبض على نواصي آسيويين ويتلقى جزاهم. بينما فسر أتباع سرجون هدايا شاباكا إليه بأنه كان قد أدرك واتقى بأس الأرباب آشور ونابو ومردوك وغضب سرجون، على الرغم من وجوده في بلد نائية وعرة المسالك "في النوبة"، وعلى الرغم من أن آباءه ما تعودوا من قبل أن يسألوا عن صحة أجداد سرجون إطلاقًا١. وكان هذا هو شأن كتبة الملوك هنا وهناك في أغلب ما يكتبونه ليرضوا به غرور ملوكهم. وتركت مصر سياسة اللامبالاة الخارجية في عهد شبتكا "أو سبتكو" "جد كاورع - من خبر رع" ابن بيعنخي. ويبدو أنه لم يكن في وسعها، على الرغم من متاعبها، أن تبقى منعزلة طويلًا عن العالم الخارجي الذي قلب الآشوريون موازين القوى فيه رأسًا على عقب، فما أن انتهى عهد سرجون حتى انفجرت بلاد الشام في ثورة عارمة ضد الاحتلال الآشوري. وكان ممن تطلعوا إلى عون مصر دويلة يهوذا وملكها حزقيا، وهو ملك اعتبره قومه مصلحًا لمحاولته تخليص عقائدهم من شوائب الوثنية فيها، وقد عاصره النبيء إشعيا وكان على عكس من دعاة الخضوع لآشور والتباعد عن محالفة مصر. فأعانتها مصر، وليس حبًَّا فيها، ولكن لاتخاذها موقعًا من مواقع تعويق التوسع الآشوري، وأنجدت عاصمتها أورشليم بجيش كان على رأسه تاهرقه بين بيعنخي، وكان من أفذاذ الحرب، ولكن خصمه الآشوري سينا خريب بن سرجون كان أعنف وأكثر عددًا وعدة. وباستخفاف المقتدر أرسل سينا خريب رسوله الرابشاق إلى أهل أورشليم في عام ٧٠١ق. م، ليصرفهم عن حرقيا وحليفه الفرعون المصري، بل وعن رب يهوذا كذلك، بحجة أن ملكهم حزقيا قد مرق عن دينهم بإزالة المرتفعات والمذابح التي أقامها أسلافه، وأنه لا أمل لهم في مصر التي نخرت المشاكل كيانها وأوهنتها٢، وأن أرباب الأرض جميعها لم يستطيعوا أن ينقذوا بلادهم من آشور. أما الخاتمة فاختلفت فيها روايات الفريقين، فادعت نصوص الآشوريين الانتصار المؤزر على المدينة، وحلفائها، وروت أن حزقيا اضطر تحت وطأة الحصار وما أصاب النجدة المصرية وانفضاض أتباعه من حوله إلى أداء الجزية مضاعفة إلى نينوى ومعها وفد من بناته وحظاياه وموسيقيه. ولكن روت التوراة أن الجيش الآشوري حل به الموت الإلهي وحام ملك يهوه فوقه ليلًا، وفي بكرة الصباح أصبحوا جثثًا هامدة، فارتد الملك الآشوري مدحورًا بخزي الوجه إلى أرضه بعد أن أصبح جيشه كالعصافة في مهب الريح٣. وتحدث هيرودوت عن المصريين فروى أن ملك مصر باعتباره الكاهن الصالح للإله بتاح قد أحزبه الأمر واعتمد على عون ربه أكثر مما اعتمد على مجهود الجنود، وفي عشية الموقعة سرت أسراب هائلة من الجرذان في معسكر الآشوريين فمزقت الجعاب وقرضت القسي وسيور الدروع، فأصبحوا بلا عدة وتفرقوا مغلوبين على أمرهم من أهون المخلوقات٤. وذهب بعض الرأي إلى الربط بين قصتي التوراة وهيرودوت بأن

стр. 344

الجرذان أفشت وباء الطاعون بين الآشوريين فأهلك خلقًا كثيرًا منهم وأوهن الباقين فانسحبوا١، وإن كان توقيت هذه الحادثة لا زال يتراوح بين عام حصار أورشليم في هذه المرة، وبين عام تخريب سينا خريب لمدينة لاشيش "لخيش" الفلسطينية ومحاولته الوصول إلى الحدود المصرية بعد أحد عشر عامًا "راجع تاريخ العراق فيما يلي". وتكرر تأييد مصر لحلفائها في الشام خلال عهد تاهرقة "خو نفرتم رع"، لا سيما مدينة صور التي استعصت على الآشوريين فترة طويلة. وفي سبيل التفرغ للمشكلات الشمالية ترك تاهرقه نباتا لنوابه فيها، وترك طيبة لأميرها المحلي وحليفه المصري منتومحات، واستمد من آمون سندًا لمقاومة أعدائه٢. وكان أهم ما قدمه لأمون خلال عهده الذي كان أطول عهود حكام العصر واستمر ٢٦ عامًا، هو الصرح الخارجي الكبير الذي لا زال يتقدم معابده في الكرنك، والسور الضخم الذي يحيط بها. وتعددت آثاره أكثر من سابقيه في مصر ونباتا. ثم ركز اهتمامه السياسي في عواصم الشمال، لا سيما منف وتانيسن واستقر في هذه الأخيرة استعدادًا للانطلاق منها إلى الشمال الشرقي حيث الشام وآشور، حين تتهيأ الأسباب أو تدعو الضرورة. وحتى هذه المرحلة كان حكام العصر يعتقدون أنهم نهضوا بمصر من كبوة طويلة وحاولوا أن يحيوا تراثها القديم في الكفر والدين والفنون. ولعل أفضل ما يذكره التاريخ لأيامهم في هذا السبيل هو إعادة تسجيل المذهب المنفي على لوحة حجرية صلبة في عهد شاباكا بعد أن أتت الأرضة عى نسخته القديمة ولعلها كانت من البردي أو من الرق. والغريب أن لوحة عهد شاباكا هذه عندما كشف عنها في العصر الحديث كان قد اتخذها طحان حجرًا لطاحونه فحطم من نصوصها ما لم يحطمه الزمن منها. وجارت مدارس الفن بفروعه المختلفة ما ذهب فن عصرها إليه، ورأت سبيل النهضة في العودة إلى أساليب عهود الازدهار القديمة، فقلد فنانوها أساليب فن الدولة القديمة، وأساليب فن الدولة الوسطى، وأساليب فن عصر الرعامسة، ثم حاول بعضهم أن يخرجوا من هذه الفنون بأسلوب جديد. واستحبوا التماثيل فراعنتهم الأسلوب الواقعي الذي يشبه ما تخيرته المدرسة الطيبية لتماثيل ملوكها خلال الدولة الوسطى، بعد أن أخرجوه بما يناسب عصرهم. وتبقى من خير ما نحتوه فراعنتهم ثلاث رءوس: رأس الفرعون شاباكا، ورأسان للفرعون تاهرقه، وعبرت ملامح كل رأس من هذه الرءوس عن السمات الشخصية لصاحبها، وصورت بالطابع الجنوبي الذي اكتسبته أسرته الملكية خلال إقامتها الطويلة قرب الشلال الرابع. وهكذا أظهر الفنانون رأس شباكا بوجه متسع وشفتين ممتلئتين وأنف عريض أفطس، وأظهروا وجه تاهرقه بعنق غليظة ووجه عريض وشفتين ممتلئتين وشعر مفلفل.

стр. 345

واستفادت تماثيل كبار الأفراد بالاتجاه الجديد، فأخرجت مدرسة طيبة تمثالين لحاكمها المحلي "مونتومحات" مثله أحدهما واقفًا في انتصابة تشبه انتصابة تماثيل الدولة القديمة وطابعها المترفع، وكست وجهه بجدية صارمة عبرت بها عن عزيمته التي واجه الشدائد بها في عصره. ثم أظهره تمثاله الآخر الذي لم يبق منه غير رأسه الضخمة وجزاء من صدره، في ملامح شخصية ناطقة وشعر طبيعي ناعم مرسل، وذلك في إتقان بالغ جعله آية من آيات النحت المصري كله. وكان منتومحات فيما يبدو كاهنًا رابعًا لآمون استطاع أن يغطي بشخصيته على مكانة الكاهن الأول في طيبة، وكان أبوه وزيرًا وجده عمدة لطيبة. وقد بلغ من أمره أن ذكرته النصوص الآشورية فيما بعد بلقب ملك طيبة، وإن قاسمته السلطان في طيبة كبيرة الكاهنات الحرم المقدس لآمون شبتن وبة الثانية. ونحت مثالو المدرسة نفسها بضعة تماثيل واقعية لرجل من البلاط يدعى "حاروا" أظهروه فيها بعيوبه البدنية، فصوروه بوجه ممتلئ كوجه الطفل، وجسم مكتنز يترهل ثدياه كثديي الأنثى. وإلى جانب الكلف بإحياء التراث القديم، أضاف الكتبة المصريون خطًّا جديدًا منذ أوائل القرن التاسع ق. م يزيد اختصارًا وتخففًا من الصور عن الخط الهيراطي، وتكتب أغلب كلماته كما ينطقها الناس فعلًا. وكانت هذه الخاصية الأخيرة فيه أحد أسباب الإغريق له بالخط الديموطي، أي خط الجمهور، أو الخط العام. كان تاهرقه فيما دلت الأحداث كفئًا لأحداث عهده، ومن أطرف ما أتت نصوصه به إشارة ضمنية إلى زيادة فيضان النيل في إحدى السنوات نتيجة لغزارة الأمطار في الجنوب، وكانت هي المرة الأولى التي علل المصريون الفيضان فيها بهذا التعليل المقبول١. ولكن يبدو أن البنيان السياسي والداخلي لمملكة تاهرقه لم يعد سليمًا؛ وأنه لم يبلغ العرش إلا بعد تنافس مرير مع عمه أو أخيه ومع خصومه، وإذا صح ذلك كان فيه مصداق لرواية إشعيا عن ربه وهو يحض العبرانيين على عدم مخالفة مصر والرضا بالخضوع للآشوريين في قوله: "أهيج مصريين على مصريين فيحارب رجل أخاه ورجل صاحبه، مدينة مدينة ومملكة مملكة ... ". ومع هذه الأوضاع القلقة ومع ضعف الحلفاء الخارجيين لم يكن من المتوقع أن تصمد مصر طويلًا في مواجهة الآشورين بعد أن بلغوا ما بلغوه حينذاك من توسع وعنفوان، وكان عليها أن تواجه سنة الحياة في شيخوختها الثالثة، وأن تتلقى جزاء تهاونها في أمر نفسها. وقد بلغ الأمر مداه حين جند الملك الآشوري آشور أخادين كل إمكانياته لمهاجمة مصر وجهًا لوجه باعتبارها آخر مناطق الشرق القديم بعدًا عن نفوذه، وأملًا في القضاء على ما بقي لها من قدرة على المنافسة الحربية، وطمعًا في ثرائها، وليقطع معونتها عن حلفائها في سوريا وفلسطين. وقد مر مشروعه ضدها في مرحلتين: مرحلة هاجم فيها حدودها الشمالية الشرقية في عام ٦٧٤ق. م، ولكنه هزم بجيشه في معركة دموية كما روت المصادر البابلية. ثم مرحلة ثانية بلغ فيها رفح وسيل مصر في عام

стр. 346

٦٧١ق. م وهناك واجهته مشكلة قلة الماء مع كثافة جيشه، وساعده عليها جماعة من بدو الصحراء حملوا لجيشه قرب الماء فوق الجمال وعملوا أدلاء له عبر سيناء، وبالغت نصوصه في وصف مشقة الطريق الصحراوي وصخوره المدببة وأفاعيه القرناء "وحيواناته" الخضراء المجنحة، كي تشيد بجهوده في تخطي صعابها. وعبرت عن شدة مقاومة المصريين بتعبيرها الخاص، فقالت على لسان ملكها: "قطعت ما بين مدينة أشخوبري "عند مدخل وادي الطميلات" وبين عاصمته منف في خمسة عشر يومًا، وكنت أقاتل دون انقطاع في معارك دموية ضد تاهرقه ملك مصر والنوبة الذي لعنه كل الأرباب الكبار، وأصبته خمس مرات بسهامي فأدميته بجراح لن يشفى منها"١. ونجحت الجيوش الآشورية للأسف في إسقاط العاصمة منف ودمرتها وأحرقتها وسيطرت على مناطق الدلتا، وأضعفت مقاومة مناطق الصعيد. وفتت آشور أخادين سلطة الحكم في مصر فوزعها على الأمراء الإقليميين واعتبرهم عمالًا له بعد أن استبعد منهم من خشي طموحه كما استبعد منهم ذوي الأصل النوبي، وظن أن الأمور استتبت له، وبلغ من ثقته بنصره أن أمر بتغيير أسماء مدن كثيرة إلى أسماء آشوري نسبها إلى أربابه: آشور، وسين، ومردوك، وإشتار٢. وصور رجاله تاهرقه ملك مصر جاثيًا أمامه مخزومًا من أنفه بحبل يرجو عفوه، على نصب أقاموها في أنحاء دولته٣، مع أن تاهرقه لم يقع في قبضته إطلاقًا ولم يهادنه. ولم يكتف آشور أخادن بما غنمه من كنوز القصر الملكي المصري "مما لا مثيل له في آشور ومما أبدعت صناعته" على حد قوله، وإنما طمع في أن يجعل مهارة المصريين طوع يمينه في آشور نفسها، فأمر بترحيل جماعات من الأطباء والبيطريين والسحرة والصاغة والكتبة والموسيقيين بل ومن صانعي النعال وصانعي الجعة والخبازين ومن لف لفهم إلى عاصمته٤. وكأنما وجد في مهارتهم كنزًا لا تقل قيمته عن كنوز القصر الملكي، أو رأى في إبعادهم عن مصر حرمانًا لها من أدوات حضارتها التي دلت بها على عالمها القديم. كانت هذه هي المرة الثانية التي نجح فيها جيش كبير في غزو مصر عن طريق مدخلها الشمالي الشرقي "إذا اعتبرنا محنة الهكسوس القديمة غزوة وليست هجرة". وكانت هي المرة الأولى التي حكمت مصر فيها من خارج حدودها، بعد أن سلخت من تاريخها المكتوب نحو خمسة وعشرين قرنًا. وقد استمر كفاح مصر للغزو الآشوري خلال عهود أربعة ملوك آشوريين، اثنين كافحتهما على حدودها، واثنين كافحتهما على أرضها. ولقسوة الوضع ثار المصريون على الحكم الآشوري سريعًا وعاونوا تاهرقه على استرجاع سلطته على العاصمة خلال عام ٦٦٩ق. م، فعزل بدوره من رضوا بولاية آشور أخادين، وحين ذاك جن جنون الملك الآشوري وكانت مشكلات وراثة عرشه قد احتجزته عامًا في آشور عقب عودته من مصر، وأعدم في هذا العام كثيرين من موظفيه٥، ثم سارع بالخروج بجيشه ولكنه مرض ولقي نحبه في الطريق، فعاد جيشه أدراجه

стр. 347

إلى وطنه. "وليس من المستبعد أن يكون المصريون قد اعتبروا هذه الأحداث انتقامًا إلهيًّا منه". ووقع عبء مواجهة الثورة المصرية على خلفه العنيف آشور بانيبال١، وقد عبر عن غيظه بقوله "وصل رسول سريع إلى نينوى وأبلغني النبأ فغضبت جدًّا لهذه الأحداث واشتعلت نفسي ورفعت كفي إلى آشور وإشتار ... " وبعد أن اطمأن إلى استقرار أموره الداخلية خرج بجيشه في عام ٦٦٦ق. م، وأجبر عددًا من أمراء الفرات والشام وفلسطين على مصاحبته بقواتهم، وكانوا كما قال اثنين وعشرين ملكًا. واستعان بخبراتهم الملاحي وهاجم مصر بهم من البر والبحر، وتلاقى بقواته مع جيوش تاهرقه في معركة وصفتها النصوص الآشورية بأنها معركة مكشوفة رهيبة، أحرز ملكهم النصر فيها. وانسحب تاهرقه إلى الجنوب على متن النيل مع قلة من قواته ولكن عز عليه أن يصطحب معه أغلب أساطيله النيلية المقاتلة فاستولى الآشوريون عليها وشجعهم ذلك على أن يستعينوا بأصحاب المهارة الملاحية من أهل الفرات والشام في تتبعه إلى طيبة أحد معاقل القومية المصرية العتيدة. وأعاد آشور بانيبال بعض الأمراء المصريين إلى حكمهم اللامركزي وإماراتهم الإقليمية، واطمأن إلى قوة سلطته وقال في نصوصه: "وهكذا استعدت الإشراف على مصر والنوبة، وزدت الحاميات عن ذي قبل؛ وجعلت تنظيمها أشد إحكامًا وقوة، وعدت إلى نينوى سالمًا بكثير من الأسرى وبغنيمة طائلة". ولكن خاب ظن الملك؛ فجيوشه لم تر النوبة التي أدعى سيطرته عليها؛ وما لبث أمراء مصر أن فاقوا إلى وطنيتهم وقالوا لأنفسهم فيما روت عنهم المتون الآشورية: "إذا كان تاهرقه قد أبعد عن مصر فأي بقاء لنا بعدد؟ وأرسلوا رسلهم على الخيل إلى تاهرقه يقولون له: دعنا نتصافح ونصل إلى حل مقبول، ونشترك في إدارة البلاد معًا حتى لا يكون بيننا حاكم أجنبي". ولكن حدث لسوء حظهم أن اكتشف الآشوريون تدبيرهم فقبضوا على رسلهم، وأعملوا السيف في مدنهم: "ولم يستثنوا واحدًا من تانيس والمدن الأخرى التي تعاهدت على الثورة، فشنقوهم على السرايا وسلخوا جلودهم وغطوا بها أسوار المدن" وأرسلوا زعماء الثورة إلى نينوى حيث أهلكوا جميعًا ولم يستثن آشور بانيبال منهم غير أمير سايس "نيكاو" ربما باعتباره وريث الأسرة الرابعة والعشرين وسليل أكبر بيت منافس لبيت تاهرقه، فابقى عليه وقربه إليه وخلع عليه وسلمه عددًا من أختامه وأهداه هدايا مرقومة باسمه، وعين ولده "بسماتيك" أميرًا على مدينة أتريب في شرق الدلتا. ولعله أراد أن يستعين بكفايتهما في ضمان خضوعها، وسوف يكون لهذا الولد شأن في مقاومة الآشوريين بالذات. ولم تنقطع محاولات المصريين للتحرر، على الرغم من هذا التدبير، حتى ممن أعلنوا الطاعة لآشور بانيبال وانضموا إلى جيشه مكرهين، فتحدثت سطور قليلة باقية من أحد نصوصه عن والٍ مصري لم يعتبر، على حد قولها، بالمعاملة الشديدة التي لقيها الأمراء المصريون الذين سبقوه إلى الثورة، فسمعه الضباط الآشوريون وهو يسر بخطته إلى جماعة من إخوانه المصريين انتحوا معه ناحيه عن مقدمة الجيش الآشوري، وقد أجابوه بأنهم على استعداد لتنفيذها بالليل٢. وكانت عاقبته وعاقبة زملائه معروفة بطبيعة الحال.

стр. 348

ومرة أخرى هبت مصر تبغي التحرر بعد أن ورث عرشها الأسمى تانوات آمون "باكارع" -ابن شبتكا أخ تاهرقه- وتشجع برؤيا ظنها صادقة رأى فيها ثعبانين أحدهما على يمناه والآخر على يسراه١، وفسرها رجال الدين له بالنصر على عادة الكهان مع الملوك في كل عصر، وأولوها بقرب سيطرته على الصعيد والدلتا. وتشجع الملك الذي ذكرته النصوص الآشورية باسم أوراماني فصعد حتى منف وحاصر بجيشه الحامية الآشورية فيها وسيطر على المدينة، وأدب الأمراء الذين استكانوا لحكم الآشوريين٢. ولكن ما لبث آشور بانيبال أن عاد بجيشه إلى مصر وقد تملكه الغل وساعدته كثافة جيوشه على النصر، فانسحب تانوات أمون إلى الجنوب، وتتبعته القوات الآشورية حتى طيبة ودخلتها ودمرتها حوالي عام ٦٥٩ق. م على الرغم من مقاومة أهلها وأميرهم "منتومحات"٣. وروت المتون الآشورية على لسان ملكها: "غنمت من طيبة غنائم تجل عن الحصر، ونزعت مسلتين ضخمتين من قواعدهما، وكانا مغشيتين بالبرونز المذهب، وتبلغ زنة كل منهما ٢٥٠٠ تالنت، وأمرت بنقلهما إلى آشور". وتحدث متن آخر عن أنه سجل انتصاراته وانتصارات أبيه على خمسة وخمسين تمثالًا من تماثيل الملوك المصريين٤ "وربما أمر بنقل بعضها أيضًا إلى آشور". ولم يكن الشرق القديم قد نسي أن طيبة ظلت كبرى عواصمه السياسية والدينية طيلة قرون عدة، ولم ينس أن عمائرها الدينية كانت ولا تزال أكبر من أن تدانى، ولهذا كان لسقوطها وتدميرها واحتلالها عنوة لأول مرة في تاريخها دوي كبير عبر عنه النبي ناحوم بعد نصف قرن وهو ينذر نينوى عاصمته آشور بأنها لن تكون أعز من نو آمون "أي طيبة" المستقرة بين الأنهار، تحميها المياه، البحر حصنها، ويسورها البحر، ويدافع عنها المصريين الذين لا حصر لهم والكوشيون "النوبيون" والفوط والليبيون، ومع ذلك دمرت وسحق أطفالها عند منعطفات الشوارع، وألقوا القرعة على أشرافها وقيد عظماؤها بالأغلال٥. وعثر في طيبة على لوحة أرخت بالعام الثامن من حكم تانوات آمون "في حوالي عام ٦٥٥ أو ٦٥٤ق. م" مما قد يعني أنه عاود كفاحه بعد تدمير طيبة، واسترجع سلطانه على بعض مناطق الصعيد٦. ولكن سيطرته لم تطل أكثر من هذه السنوات الثمان، بل إن النصوص الصاوية التي أتت بعد عهده أغفلت حكمه، كما أغفلت سنوات الاحتلال الآشوري، واعتبرت آخر أعوام حكم تاهرقه "في حوالي عام ٦٦٤ق. م" مقدمة لحكم بسماتيك الأول أول ملوك الأسرة السادسة والعشرين موضوع البحث التالي.

стр. 349

ثالثًا: النهضة في العصر الصاوي مع الأسرة السادسة والعشرين ٦٦٤ "؟ " -٥٢٥ق. م روى أخبار هذا العصر إلى جانب نصوصه القليلة الباقية، كل من المؤرخ هيرودوت، وبعض النصوص المسمارية العراقية، وروايات من العهد القديم، وجانب من تاريخ يوسيفوس تأثر فيه بتاريخ مانيتون. وحاول أهل العصر في نهضتهم أن يقوموا بمثل ما قامت أوائل الدولة الحديثة به في إجلاء المستعمر، وتحرير البلاد، وإعادة تنظيم الجبهة الداخلية، واستعادة وحدة الحكم المركزية، واسترجاع الهيبة الدولية والولايات الخارجية. ولكن الظروف كانت مختلفة بين العصرين، فاختلفت الوسائل تبعًا لها. وينسب العصر إلى اسم عاصمته صا "الحجر" على فرع رشيد في غرب الدلتا، وهي مدينة ذكرتها النصوص القديمة باسم "ساو" واشتهرت لدى الإغريق باسم "سايس" وحكمت فيها فيما مر بنا الأسرة الرابعة والعشرون. ولما قضى حكام نباتا الجنوبيون على استقلال هذه الأسرة ظل أمراؤها يجاهدون في سبيل كيانهم خلال عصر الأسرة الخامسة والعشرين، ثم جامل الغازي الآشوري زعيمهم نيكاو رغبة في استغلال عداء أسرته التقليدي للبيت النوبي المصري خصيم الطرفين. وعندما اختفى شبح تانوات آمون وريث هذا البيت الأخير كان أكبر المستفيدين من فراغ جو السياسة المصرية هو "بسماتيك" "واح إب رع" بن نيكاو، بعد أن أنس الملك الآشوري إليه كما أنس إلى أبيه الذي يحتمل قتله بتدبير تانوات آمون. فاستغل هو هذا الوضع الاضطراري من أجل يوم لاحق يقيم فيه أسرة حاكمة جديدية ويستعيد فيه لبلده استقلالها. ومهد لمشروعه هذا بمحاولة تجميع السلطة الداخلية في يديه على غفلة من الآشوريين، وعلى حساب نفوذ أضرابه من الأمراء الذين عاشوا في نظام إقطاعي شجعه الآشوريون للإبقاء على تمزيق السلطة بينهم، وكانوا فيما روى هيرودوت أحد عشر أميرًا في الدلتا، ضايقوه بعد أن ظهر طموحه١ بحيث لم تظهر له نصوص يعتد بها قبل عام حكمه التاسع، فصمد لهم واستعان عليهم بأحلاف من مصر الوسطى كان من أكبرهم سماتاوي تاف نخت أمير أهناسيا، وقد أعانوه بقواتهم البرية والملاحية، ولقوا منه بعد ذلك جزاء وافيًا، فأثابوهم بحكم ثلاثة أقاليم من الصعيد وجعل لهم احتكار "؟ " الإشراف على الملاحة النهرية في الصعيد كله٢. وهنا يضيف هيرودوت أنه استعان إلى جانبهم بمرتزقة من الإغريق، أو استعان ببعض رجال صديقه جيجس ملك ليديا كما تروي المصادر الآشورية ونذكر بعض قليل. ولما ضعف شأن طيبة بذهاب حلفها مع نباتا وتدمير الآشوريين لها، استفاد بسماتيك من الفراغ القائم ففاوض أميرها منتومحات على أن يُبقي له إدارتها المدنية، وفاوض كبيرة كاهناتها شبتن وبة الثانية أخت تاهرقه على أن يدعها في منصبها بشرط أن تتبنى ابنته نيت إقرت "نيتوكريس"، وتتخلص من ربيبتها الأولى "ابنة تاهرقه" وعندما نجح التفاوض وتم التبني وضمن به لابنته الإشراف الروحي

стр. 350

على معابد آمون وأتباعه، والإشراف المادي على ثروات طيبة، زادها بإقطاعيات أخرى من مصر الوسطى ومن الدلتا كان بعضها إهداءات من المعابد وربما من الأثرياء أيضًا. وجعل لها حاشية كبيرة تشبه حاشية الملكات تخير رؤساءها من رجال الدلتا١. ثم عهد بإقليم إدفو وأسوان إلى أجد أنصاره. وبهذه الإجراءات المتتابعة اعتقد بسماتيك أنه حقق التوازن بين أولياء السلطة في مملكته المرتقبة، فالصعيد قسم سلطاته بين ثلاث جهات حاكمة، والدلتا أغرى بعض كبارها بمناصب في الصعيد، وابنته أشرفت باسمه على كهنوت آمون وأملاكه. وكما جرت العادة، غالبًا ما كان المنعم عليهم يعهد إليهم بوظائف كهنوتية حتى يستفيدوا من مخصصاتها ويقللوا من تضخم ثروات المعابد الكبيرة ولا يثقلوا في الوقت نفسه على ميزانية الدولة باعباء كبيرة٢. وكما حقق الرجل التوازن الإدراي من وجهة نظره، اعتقد أنه يحقق التوازن في الجيش كذلك بالاستعانة بمرتزقة من الإغريق أو المتأغرقين يقفون في مقابل المجندين والمرتزقة من المهجنين الليبيين وغيرهم. وعندما تطلع إلى الخارج كانت الظروف مواتية، فقد واصلت آشور نضالًا عنيفًا حينذاك مع منافستها القوية عيلام، وواصلت انتقامًا عنيفًا من أختها اللدود بابل ومن حلفائها، وواجهت عدة ثورات في الشام، واشتبكت مع دولة ليديا في آسيا الصغرى، وهنا حدث ما أسلفنا خبره من أن بسماتيك حالف "جيجيس" ملك ليديا "حوالي عام ٦٥٥ أو ٦٥٤ق. م" على أن ينجد أحدهما الآخر حين الحاجة، وعلى أن يستعين ببعض مواطنيه الإيونيين والكيريين كمرتزقة في جيشه٣. وقد كانت الشقة بعيدة بين الحليفين ولكن قرب بينهما عداؤهما لآشور، وعدم خوف أحدهما من أطماع الآخر، مع تقدير الإغريق لمصر على الرغم من النكبات التي حلت بها. وسبق معرفة المصريين بالإغريق والمتأغريقين من قبل تجارًا ومرتزقة وملاحين مهرة. وفي أعوامه الأولى تخلص بسماتيك وأعوانه من النفوذ الآشوري، وقضوا عليه بعد سنوات قليلة من بدايته، وإن كنا لا ندري للأسف من تفاصيل كفاحهم المسلح ضده ولا كيفية إجلائهم الحاميات الآشورية عن مصر إلا ما ألمح هيرودوت إليه من أنهم تعقبوها حتى فلسطين ٤. ووفت مصر بعهدها مع جيجيس فأعدت له نجده في كفاحه ضد الهجرات السيميرية وضد الآشوريين، ولكن سقوطه كان سريعًا "في عام ٦٥٣ق. م." فلم تؤد النجدة دورها. وتفرغ بسماتيك لتأمين مركزه وبلده، وسلك سبل السياسة والقوة معًا، فآثر السلام مع نباتا وأوفد سفارة إليها عادت منها بالهدايا ٥، واكتفى بما نجح فيه من تخليص بلده من نفوذ الآشوريين ولم يستمر في عدائه الصريح لهم بعد مقتل حليفه جيجيس، وربما هادنهم وهادنوه حتى يفرغوا من متاعبهم٦. فاستفاد

стр. 351

من هذه الهندة وسعى برجاله لضمان الخطوط الأمامية في فلسطين، ومضى في هذه الخطوة الأخيرة على مهل، وحدث حين تنفيذها أن وصلت طلائع هجرات السكيثيين إلى جنوب الشام، وهي جزء من هجرات آرية خرجت من أوساط آسيا وهددت حدود آشور وخربت مدن آسيا الصغرى وتسرب بعضها جنوبًا عبر الساحل إلى فلسطين حتى عسقلان، وكان أهلها غزاة جوابين غير مستقرين، فاستغل بسماتيك هذه الصفة فيهم ولم يشأ أن يستهلك قواته الحربية معهم فأرضاهم بالعطايا حتى عادوا أدراجهم إلى نواحي آسيا١. ثم تفرغ بسماتيك لمشروعه الخارجي ومضى فيه حتى أتم فتح مدينة أشدود الحصينة حوالي عام ٦٢٠ق. م بعد مجهود طويل، ومنذ ذلك الحين أصبح سيد الموقف في بلده وعلى حدوده، بل وبدأت مصر تمد العون للآشوريين في نكباتهم المتلاحقة أمام البابليين والماذيين، دفعًا لخطر هذين الأخيرين على الوضع القائم في الشرق القريب. وطال عهد بسماتيك خمسة وأربعين "أو أربعة وخمسين" عامًا شغلت أغلبها فرحة التحرر من الغزو الآشوري واستعادة وحدة البلاد وعودة الأمن إلى أرضها. وانعكس ذلك على نواحي الحياة الداخلية كلها، فاشتدت الإشادة بالقومية وبعراقة الأصول؛ وكان من وسائلها إحياء تقاليد الدولة القديمة في اللغة والدين، وإحياء أساليب الدولتين القديمة والوسطى في فنون النقش والتصوير والنحت، مما سنعود إلى ذكره في ختام هذا العصر، ولما كان النصر يرد عادة إلى التأييد الروحي من الأرباب والمساهمة المادية من معابدهم كما يرد إلى الملوك بخاصة؛ فقد كانت النتيجة الطبيعية بعد إحراز النصر هي رد الفضل لهؤلاء وهؤلاء مضاعفًا عن طريق الإسراف في إقامة المعابد وتوابعها، وإقامة القصور والمسلات والتماثيل ورصد الهبات والأوقاف بأسماء الآلهة والملوك. وكان نصيب مدن الوجه البحري ومعابده من تجديدات العصر أكثر من نصيب الصعيد، بحكم وجود عاصمة الدولة فيه، فنشطت الإشادة بأربابه لا سيما نيت ربة سايس، وبتاح رب منف، بل ورمزه الحيواني أبيس، حتى طغت سمعتهم على سمعة أرباب الصعيد فيما خلا آمون رع الذي احتفظ بمكانته كإله أعلى للدولة. أسلفنا أن العصر الجديد بدأ، كغيره من العصور، برفع طبقات وخفض أخرى، وإضعاف أسر إقطاعية وتدعيم أخرى، تبعًا لميول الحاكم ومدى ما يلقاه من تأييد أو معارضة من طبقة أو أخرى وللحد من تضخم ثراء الإقطاعيين الجدد من مدنيين ودينيين. وسلك بسماتيك سنة اتبعها خلفاؤه، وهي الإيحاء إلى كبار أولئك الإقطاعيين بالتبرع بجانب من ثرواتهم العقارية للمعابد التي تحتضنها الدولة، مع استمرار الدولة في الوقت نفسه على سياسة خلع المناصب الكهنوتية التشريفية على المقربين إلى الملك حتى يستفيدوا من مخصصاتها ويقللوا من تضخم ثروات معابدها واحتكارات كهنتها، ولا يثقلوا في الوقت ذاته على ميزانية الدولة بأعباء كبيرة٢. وبتعبير آخر يمكن القول بأن أولئك الملوك أشعروا الإقطاعيين المتبرعين بأن حكومتهم لا تبغي أن تقاسمهم ثرواتهم لصالحها الخاص وإنما لصالح الأرباب، كما أشعروا أنصارهم أصحاب الإنعامات الجديدة بأن إنعاماتهم عارية بمكن أن تعود ثانية إلى الأرباب.

стр. 352

وظن بسماتيك أنه حقق التوازن في جيشه بالاستعانة بالمرتزقة الإغريق أصحاب العزائم الجديدة وأبناء البلاد البعيدة التي لا يخشى من استغلالها لوضعهم في جيشه، وذلك في مقابل المرتزقة الآخرين الذين تبعه بعضهم وتبع بعضهم الآخر الأمراء الذين نافسوه في بداية عهده، ثم لتزويد جيشه بدماء جديدة بعد أن استرخت همم المجندين المهجنين والمرتزقة من الصحراء والواحات الليبية ومن النوبة، وأمثالهم، واستناموا إلى العقارات الزراعية والمرتبات التي خصصتها الدولة لهم، أي أنه عالج الخطأ بخطإ آخر واتخذ من خطئه الجديد حرسًا خاصًّا وحاميات للحدود، ومنها حامية في حصن دفنة على الصحراء الشرقية، وهو حصن ذكره سفر إرميا بما يعني حصن البرابرة١. وفي ماريا قرب مريوط على بداية الحدود الغربية، وفي إلفنتيني عند أسوان. وتوافد في أعقاب هؤلاء المرتزقة أعداد من التجار الإغريق عملوا لحسابهم في مصر، ووسطاء بينها وبين بلادهم، في تجارة الغلال والفضة والمصنوعات الدقيقة والفنون. وهنا روى هيرودوت أن بسماتيك أوصى بتكوين طائفة من التراجمة لتيسير التفاهم بين الوافدين الإغريق وبين هيئات الجيش والبلاط والإدارة فضلًا عن أغراض التجارة والزيارة، وكان نواتها عدد مختار من الشبان المصريين النابهين٢. وعند وفاة بسماتيك، كان الأمور قد مضت سريعة في الشرق الأوسط، فقضى البابليون والماذيون على كيان آشور "راجع فيما بعد". وطمعت بابل في أن تستعيد الأملاك الآشورية الغربية في الشام لحسابها، ولكن مصر اختطت نفس الخطة لصالحها في عهد نيكاو الثاني "وحم إب رع" "٦١٠ - ٥٩٥ق. م" وقدرت طموح بابل، فبادرت بالخطوة الأولى، وخرج نيكاو بجيشه إلى فلسيطين في عام ٦٠٨ فشق الجيش طريقه دون معارضة تذكر، وعندما اعترضه حاكم أورشليم اليهودي يوشيا أنذره بالحسنى ولكنه لم يرعو ففتك به في مجدو٣. ثم تابع مسيرته في أواسط سوريا وشمالها، وأحرز نجاحًا ضد البابليين قرب قرقميش عند كيموخو وقوراماتي اللتين ذكرتهما النصوص المصرية عند الفرات، وربما عاون حينذاك بقايا الآشوريين بقيادة آشور أو بالليط. وبهذا استعاد الإشراف المصري على أجزاء واسعة من الهلال الخصيب فيما بين عامي ٦٠٨ و٦٠٥ق. م. وعاقب نيكاو أورشليم مرة أخرى فعزل حاكمها ابن القتيل وعين بدله أخذه إيليقيم الذي غير اسمه إلى يهو ياقيم، ليكون تابعه، وألزمه بجزية ضخمة٤. ثم بدأت المقادير تسلك وجهة أخرى منذ أن عهد الملك البابلي نابو بولاسر بجيوشه إلى ولده "نبوخذ نصر" "نابو - كدوري - أوصر" وكان كفئًا لمواجهة الموقف من وجهة النظر البابلية، ولكن نيكاو المصري تجاهل هذه الحقيقة وركبه الغرور، فترك المبادة وتوقف بجيشه طويلًا عند نهر الكلب حتى يسجل له رجاله أخبار نصره وآيات تمجيده، فكانت فرصة لولي العهد البابلي دعم جيشه فيها وتخير موضع معركته فتيسر له النصر عند قرقميش في عام ٦٠٥

стр. 353

أو ٦٠٤ق. م١. وحينئذ تخلى نيكاو عن شمال سوريا كارهًا واحتفظ بجنوبها، ولكن لم يطل احتفاظه بها بعد أن خلف نبوخذ نصر أباه وتشجع باستقرار دولته فتابع طريقه بجيشه إلى فلسطين وحينئذ أعلن له يهوياقيم اليهودي الطاعة وصار عبده ثلاث سنوات على حد تعبير سفر الملوك، ثم ثار عليه وكون حلفًا ضده بتشجيع مصر التي أفسدت هجومًا بابليًّا على حدودها في عام ٦٠١ق. م، فضربه بنوخذ نصر بقواته وبمن خرجوا عن حلفه من أهل الشام، أو كما روت أسفار التوراة "أرسل ضده جيشًا مؤلفًا من كلدانيين وسوريين ومؤابيين وعمونيين"٢. وقُتل اليهودي خلال الحصار وسبي قومه ومعهم ولده يهويا كين في عام ٥٩٧ق. م، وعين نبوخذ نصر "صدقيا" ملكًا جديدًا على أروشليم وسوف تكون له قصته معه. وتجمدت السياسة الحربية الشمالية لمصر في بقية عهد نيكاو، سواء نتيجة لعقد معاهدة عدم اعتداء بينه وبين بابل وهذا ما رواه هيرودوت وزاد عليه أن نيكاو زوج أخته أو ابنته من نبوخذ نصر فصرات ملكة على بابل٣. وهي رواية لم تتأكد بعد. أو نتيجة لانشغال نيكاو بحدوده الجنوبية. أو لرغبته في الاتجاه إلى إحراز سيادة بحرية لأغراض التجارة وأغراض التوسع وحماية السواحل. وقد لوحظت كثرة ألقاب "قباطنة الأساطيل الملكية في "البحر" الأخضر الكبير" في نصوص عهده٤. وكان خير ما ذكره التاريخ لسياسته هذه أمران، وهما: محاولة ربط الدلتا بالبحر الأحمر بطريق مائي لتشجيع التجارة البحرية وزيادة الاستفادة من مواردها، بشق قناة تجري من فرع الدلتا البوبسطي القديم حتى خليج السويس أو البحيرات المرة قرب ميناء الإسماعيلية الحالية، وقد روى هيرودوت أن المشروع بعد أن بدأ واستهلك آلافًا من الرجال أوقف فجأة نتيجة لوحي إلهي تنبا لنيكاو بأنه يبذل جهده لمصلحة الأجنبي، وأضاف ديودور الصقلي أن المصريين تخوفوا أن يكون منسوب مياه البحر أعلى من منسوب مياه فروع الدلتا فيغرقها. ولكن يبدو أن المشروع تم حينذاك فعلًا، أو تم أغلبه٥. أما المأثرة الأخرى، فهي إيفاد بعثة بحرية للدوران حول إفريقيا، وقد بدأت رحلتها من البحر الأحمر، وروى هيرودوت أنها أتمتها في ثلاث سنوات، كانت تريح فيها على البر خلال مواسم الخريف، ثم عبرت مضيق جبل طارق "أعمدة هيراكليس"، وعندما عادت روى رجالها أنهم في دورانهم حول الأرض "أي إفريقيا" ظلت الشمس على يمينهم، على عكس ما خرجوا به، وهي ملاحظة شك هيرودوت في إمكان حدوثها، مع أنها كانت دليل صدقهم. وكانت من أقدم المرات التي تم فيها مثل هذا المشروع البحري الضخم لأغراض الكشف والمعرفة وإظهار المهارة وفتح أسواق للتجارة وأملًا في توسيع النفوذ

стр. 354

في آن واحد، ولابد أنه مهدت له معارف وإرهاصات سابقة، روى هيرودوت منها بناء سفن كورنتيه أو إيونية ذات ثلاث طبقات من المجاذيف Triremes كانت تمخر عباب البحر الشمالي "المتوسط" والخليج العربي "السويس"، والاستعانة بخبرة ملاحين فينيقيين إلى جانب الملاحين المصريين١. لم تتغير هذه السياسة كثيرًا في الداخل أو في الخارج خلال عهد بسماتيك الثاني "نفر إب رع"- منذ ٥٩٥ق. م. وفيه خرج موكب ملكي أو بعثة ملكية من مصر إلى سوريا صحبها عدد من الكهنة اختيروا من معابد مختلفة، ومن طريف ما سجل بهذه المناسبة أن كهنة طيبة رشحوا كاهنًا منهم يدعى بادي إيسة وقالوا له: "لقد وقع الاختيار عليك للذهاب إلى بلاد خارو مع الفرعون، وما من أحد في هذه المدينة يمكن أن يقوم بهذا عداك، فلاحظ أنه كاتب دار الحياة وما من شيء تسأل عنه لن تجد له الجواب الملائم"٢. ولعلهم قصدوا بذلك أسئلة كهنة سوريا ومحاورتاتهم له. وإن لم يسلم بادي إيسة في الوقت نفسه من كيد بعض زملائه له. وظلت مصر على الرغم من سياستها الشمالية السلمية تستقبل اللائذين بها من أهل الشام ومن اليهود الفارين من وجه البابليين. وإذا كان ثمة جديد في هذا العهد فهو قيام مشكلات في الجنوب استدعت إيفاد حملة اشترك فيها مع المصريين مرتزقة من الإغريق والكيريين ومن الصحراء الغربية وربما من اليهود المتمصرين أيضًا. وسجل كاتب أو ضابط إغريقي على أحد تماثيل رمسيس الثاني في معبد أبي سنبل ما يقول: "بعد أن وصل الملك "بسماتيك" إلى إلفنتيني كتب هذه العبارات من أبحروا مع بسماتيكوس بن ثيوكلوس، ووصلوا إلى ما بعد كيوس وإلى الحد الذي سمح النهر به، وكان أصحاب اللسان الأجنبي تحت قيادة بوتاسيمتو، بينما قاد المصريين أمازيس"٣ ويحتمل باوغ الحملة حدود نباتا ثم عودتها إلى مصر بخيرات كثيرة سمحت لفرعونها بأن يغدق الإنعامات على أعضائها والكثير من المنشآت الدينية. وكان قائد الفرقة الأجنبية مصريًّا أو متمصرًا يدعى بادي سماتاوي وهو الذي حور كاتب النص الإغريقي اسمه إلى بوتاسيمتو٤. وتحولت سياسة مصر إلى ممارسة القوة في الشمال في عهد واح إب رع "حعع إب رع" الذي اشتهر عند الإغريق باسم أبريس واعتقد الأستاذ فلندرز بترى أنه عثر على جزء من قصره في منف. وكان سر تغيرها أمران، وهما: رغبة مصر في الاستفادة من إمكانيات قوتها البحرية النامية في مراقبة مواني الشام لتعطيل مصالح البابليين فيها وحتى لا يستغلوها ضدها، أو على الأقل لتأمين تجارتها التي تأثرت بامتداد النفوذ البابلي، ثم عودة البابليين إلى التوسع الحربي في فلسطين وحصارهم لثورة أورشليم في عام ٥٨٨ق. م. ولكن خان الحظ مصر في مشروعاتها، فاصطدمت مصالحها بمصالح الميناءين صور وصيدا وحدثت اشتباكات

стр. 355

بهما واستولت على صيدا١، كما تدخلت لمصلحة أورشليم ولكنها لم تلق منها جزاء ولا شكورًا. فقد شجعت التحركات المصرية مدن فلسطين على الثورة ضد النفوذ البابلي، مما أدى بجيوش نبوخذ نصر إلى مهاجمتها ومحاصرة أورشليم للمرة الثانية، وهنا ساعدها أبريس المصري على مقاومة الحصار في عام ٥٨٧ق. م انقسم أهلها حينذاك فريقين: فريقًا تزعمه صدقيا وحمد لمصر معونتها وتكلم باسمه النبيء حننيا فدعا إلى كسر لنير البابلي باسم الرب، وفريقًا آخر تزعمه إرميا وأخذ يتنبأ بأن ملك مصر سوف يعود إلى بلده وأن البابليين سوف يستولون عن أورشليم ويحرقونها وأنه يجب وضع أعناق الأمة تحت نير ملك بابل بأمر الرب أيضًا٢. وهكذا كان شأن من يدعون النبوة من بني إسرائيل، إلا من عصم!. وتحقق تشاؤم إرميا، ودمر البابليون أورشليم في عام ٥٨٦ق. م. وشاءت الأقدار أن يأسروا صدقيا صديق مصر وأتباعه وعينوا جداليا مكانه، بينما لاذ عدوها إرميا خصيم مصر برحابها بعد أن ضيق البابليون عليه وعلى قومه، ثم لم يحمد لها صنيعها، ولم يشكر لملكها أن قبل بعض اليهود مرتزقة في جيشه، وإنما واصل نعيبه قائلًا "هكذا قال الرب، لسوف أوقع الفرعون هوفرا بين يدي أعدائه الذين يطلبون حياته"٣. وترك نبوخذ نصر أورشليم ودق الحصار على أسوار صور، فصمدت له ثلاثة عشر عامًا، وعاونها المصريون من البحر "راجع تاريخ العراق"، مما أثار حفيظته على مصر وجعله يصمم على الانتقام المباشر منها. وقد تحدثت نصوصه عن حملة أرسلها إلى حدودها الشمالية الشرقية "في عام ٥٦٨ أو ٥٦٧"٤، ولا ندري هل حدثت الحملة فعلًا وفشلت، أم لم تحدث إطلاقًا. وكان أمام الفرعون واح إب رع "أبريس" من المشاكل الأخرى ما أثقل عليه بعد أن اتجه بفضيلة النجدة هذه المرة إلى الغرب، فعادت عليه بأذى لا يقل عن الأذى الذي أصابه من الشرق، فقد نشأ نزاع مرير بين القبائل الليبية الممتدة حتى تونس الحالية وبين جماعات من الدوريين الإغريق استعمروا برقة وما حولها استعمارًا تجاريًّا ما لبث حتى تحول إلى استعمار سياسي أصبحوا به سادة البلد واتخذوا مدينة Cyrene أو قرنية عاصمة لهم، وشيئًا فشيئًا ازدادت أعدادهم بمهاجرين جدد، وازداد ضدهم في الوقت نفسه ضيق الليبيين بهم لمنافستهم إياهم في أرزاقهم وأرضهم وتعاليهم عليهم، وطلب هؤلاء الأخارى عون مصر فأعانتهم عسكريًّا ولكن جيشها وقع في كمين ولم يعد منه غير القليل، فثار العائدون مع المواطنين ضد فرعونهم واح إب رع في مصر واتهموا بأنه دبر هذه الحملة ليتخلص من المحاربين المصريين في الجيش حتى يزداد تسلطًا على مصر، وأنه أسرف في احتضان الإغريق على حسابهم٥، وكان لكل من الاتهامين نصيب من الصحة فيما يبدو. وقد أزاد التذمر ضده ضيق الكهنة في عهده من إسرافه في منح مناصب المعابد لكبار موظفيه المدنيين٦.
следующие страницы →