← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

من هذه الهندة وسعى برجاله لضمان الخطوط الأمامية في فلسطين، ومضى في هذه الخطوة الأخيرة على مهل، وحدث حين تنفيذها أن وصلت طلائع هجرات السكيثيين إلى جنوب الشام، وهي جزء من هجرات آرية خرجت من أوساط آسيا وهددت حدود آشور وخربت مدن آسيا الصغرى وتسرب بعضها جنوبًا عبر الساحل إلى فلسطين حتى عسقلان، وكان أهلها غزاة جوابين غير مستقرين، فاستغل بسماتيك هذه الصفة فيهم ولم يشأ أن يستهلك قواته الحربية معهم فأرضاهم بالعطايا حتى عادوا أدراجهم إلى نواحي آسيا١. ثم تفرغ بسماتيك لمشروعه الخارجي ومضى فيه حتى أتم فتح مدينة أشدود الحصينة حوالي عام ٦٢٠ق. م بعد مجهود طويل، ومنذ ذلك الحين أصبح سيد الموقف في بلده وعلى حدوده، بل وبدأت مصر تمد العون للآشوريين في نكباتهم المتلاحقة أمام البابليين والماذيين، دفعًا لخطر هذين الأخيرين على الوضع القائم في الشرق القريب. وطال عهد بسماتيك خمسة وأربعين "أو أربعة وخمسين" عامًا شغلت أغلبها فرحة التحرر من الغزو الآشوري واستعادة وحدة البلاد وعودة الأمن إلى أرضها. وانعكس ذلك على نواحي الحياة الداخلية كلها، فاشتدت الإشادة بالقومية وبعراقة الأصول؛ وكان من وسائلها إحياء تقاليد الدولة القديمة في اللغة والدين، وإحياء أساليب الدولتين القديمة والوسطى في فنون النقش والتصوير والنحت، مما سنعود إلى ذكره في ختام هذا العصر، ولما كان النصر يرد عادة إلى التأييد الروحي من الأرباب والمساهمة المادية من معابدهم كما يرد إلى الملوك بخاصة؛ فقد كانت النتيجة الطبيعية بعد إحراز النصر هي رد الفضل لهؤلاء وهؤلاء مضاعفًا عن طريق الإسراف في إقامة المعابد وتوابعها، وإقامة القصور والمسلات والتماثيل ورصد الهبات والأوقاف بأسماء الآلهة والملوك. وكان نصيب مدن الوجه البحري ومعابده من تجديدات العصر أكثر من نصيب الصعيد، بحكم وجود عاصمة الدولة فيه، فنشطت الإشادة بأربابه لا سيما نيت ربة سايس، وبتاح رب منف، بل ورمزه الحيواني أبيس، حتى طغت سمعتهم على سمعة أرباب الصعيد فيما خلا آمون رع الذي احتفظ بمكانته كإله أعلى للدولة. أسلفنا أن العصر الجديد بدأ، كغيره من العصور، برفع طبقات وخفض أخرى، وإضعاف أسر إقطاعية وتدعيم أخرى، تبعًا لميول الحاكم ومدى ما يلقاه من تأييد أو معارضة من طبقة أو أخرى وللحد من تضخم ثراء الإقطاعيين الجدد من مدنيين ودينيين. وسلك بسماتيك سنة اتبعها خلفاؤه، وهي الإيحاء إلى كبار أولئك الإقطاعيين بالتبرع بجانب من ثرواتهم العقارية للمعابد التي تحتضنها الدولة، مع استمرار الدولة في الوقت نفسه على سياسة خلع المناصب الكهنوتية التشريفية على المقربين إلى الملك حتى يستفيدوا من مخصصاتها ويقللوا من تضخم ثروات معابدها واحتكارات كهنتها، ولا يثقلوا في الوقت ذاته على ميزانية الدولة بأعباء كبيرة٢. وبتعبير آخر يمكن القول بأن أولئك الملوك أشعروا الإقطاعيين المتبرعين بأن حكومتهم لا تبغي أن تقاسمهم ثرواتهم لصالحها الخاص وإنما لصالح الأرباب، كما أشعروا أنصارهم أصحاب الإنعامات الجديدة بأن إنعاماتهم عارية بمكن أن تعود ثانية إلى الأرباب.

стр. 352

وظن بسماتيك أنه حقق التوازن في جيشه بالاستعانة بالمرتزقة الإغريق أصحاب العزائم الجديدة وأبناء البلاد البعيدة التي لا يخشى من استغلالها لوضعهم في جيشه، وذلك في مقابل المرتزقة الآخرين الذين تبعه بعضهم وتبع بعضهم الآخر الأمراء الذين نافسوه في بداية عهده، ثم لتزويد جيشه بدماء جديدة بعد أن استرخت همم المجندين المهجنين والمرتزقة من الصحراء والواحات الليبية ومن النوبة، وأمثالهم، واستناموا إلى العقارات الزراعية والمرتبات التي خصصتها الدولة لهم، أي أنه عالج الخطأ بخطإ آخر واتخذ من خطئه الجديد حرسًا خاصًّا وحاميات للحدود، ومنها حامية في حصن دفنة على الصحراء الشرقية، وهو حصن ذكره سفر إرميا بما يعني حصن البرابرة١. وفي ماريا قرب مريوط على بداية الحدود الغربية، وفي إلفنتيني عند أسوان. وتوافد في أعقاب هؤلاء المرتزقة أعداد من التجار الإغريق عملوا لحسابهم في مصر، ووسطاء بينها وبين بلادهم، في تجارة الغلال والفضة والمصنوعات الدقيقة والفنون. وهنا روى هيرودوت أن بسماتيك أوصى بتكوين طائفة من التراجمة لتيسير التفاهم بين الوافدين الإغريق وبين هيئات الجيش والبلاط والإدارة فضلًا عن أغراض التجارة والزيارة، وكان نواتها عدد مختار من الشبان المصريين النابهين٢. وعند وفاة بسماتيك، كان الأمور قد مضت سريعة في الشرق الأوسط، فقضى البابليون والماذيون على كيان آشور "راجع فيما بعد". وطمعت بابل في أن تستعيد الأملاك الآشورية الغربية في الشام لحسابها، ولكن مصر اختطت نفس الخطة لصالحها في عهد نيكاو الثاني "وحم إب رع" "٦١٠ - ٥٩٥ق. م" وقدرت طموح بابل، فبادرت بالخطوة الأولى، وخرج نيكاو بجيشه إلى فلسيطين في عام ٦٠٨ فشق الجيش طريقه دون معارضة تذكر، وعندما اعترضه حاكم أورشليم اليهودي يوشيا أنذره بالحسنى ولكنه لم يرعو ففتك به في مجدو٣. ثم تابع مسيرته في أواسط سوريا وشمالها، وأحرز نجاحًا ضد البابليين قرب قرقميش عند كيموخو وقوراماتي اللتين ذكرتهما النصوص المصرية عند الفرات، وربما عاون حينذاك بقايا الآشوريين بقيادة آشور أو بالليط. وبهذا استعاد الإشراف المصري على أجزاء واسعة من الهلال الخصيب فيما بين عامي ٦٠٨ و٦٠٥ق. م. وعاقب نيكاو أورشليم مرة أخرى فعزل حاكمها ابن القتيل وعين بدله أخذه إيليقيم الذي غير اسمه إلى يهو ياقيم، ليكون تابعه، وألزمه بجزية ضخمة٤. ثم بدأت المقادير تسلك وجهة أخرى منذ أن عهد الملك البابلي نابو بولاسر بجيوشه إلى ولده "نبوخذ نصر" "نابو - كدوري - أوصر" وكان كفئًا لمواجهة الموقف من وجهة النظر البابلية، ولكن نيكاو المصري تجاهل هذه الحقيقة وركبه الغرور، فترك المبادة وتوقف بجيشه طويلًا عند نهر الكلب حتى يسجل له رجاله أخبار نصره وآيات تمجيده، فكانت فرصة لولي العهد البابلي دعم جيشه فيها وتخير موضع معركته فتيسر له النصر عند قرقميش في عام ٦٠٥

стр. 353

أو ٦٠٤ق. م١. وحينئذ تخلى نيكاو عن شمال سوريا كارهًا واحتفظ بجنوبها، ولكن لم يطل احتفاظه بها بعد أن خلف نبوخذ نصر أباه وتشجع باستقرار دولته فتابع طريقه بجيشه إلى فلسطين وحينئذ أعلن له يهوياقيم اليهودي الطاعة وصار عبده ثلاث سنوات على حد تعبير سفر الملوك، ثم ثار عليه وكون حلفًا ضده بتشجيع مصر التي أفسدت هجومًا بابليًّا على حدودها في عام ٦٠١ق. م، فضربه بنوخذ نصر بقواته وبمن خرجوا عن حلفه من أهل الشام، أو كما روت أسفار التوراة "أرسل ضده جيشًا مؤلفًا من كلدانيين وسوريين ومؤابيين وعمونيين"٢. وقُتل اليهودي خلال الحصار وسبي قومه ومعهم ولده يهويا كين في عام ٥٩٧ق. م، وعين نبوخذ نصر "صدقيا" ملكًا جديدًا على أروشليم وسوف تكون له قصته معه. وتجمدت السياسة الحربية الشمالية لمصر في بقية عهد نيكاو، سواء نتيجة لعقد معاهدة عدم اعتداء بينه وبين بابل وهذا ما رواه هيرودوت وزاد عليه أن نيكاو زوج أخته أو ابنته من نبوخذ نصر فصرات ملكة على بابل٣. وهي رواية لم تتأكد بعد. أو نتيجة لانشغال نيكاو بحدوده الجنوبية. أو لرغبته في الاتجاه إلى إحراز سيادة بحرية لأغراض التجارة وأغراض التوسع وحماية السواحل. وقد لوحظت كثرة ألقاب "قباطنة الأساطيل الملكية في "البحر" الأخضر الكبير" في نصوص عهده٤. وكان خير ما ذكره التاريخ لسياسته هذه أمران، وهما: محاولة ربط الدلتا بالبحر الأحمر بطريق مائي لتشجيع التجارة البحرية وزيادة الاستفادة من مواردها، بشق قناة تجري من فرع الدلتا البوبسطي القديم حتى خليج السويس أو البحيرات المرة قرب ميناء الإسماعيلية الحالية، وقد روى هيرودوت أن المشروع بعد أن بدأ واستهلك آلافًا من الرجال أوقف فجأة نتيجة لوحي إلهي تنبا لنيكاو بأنه يبذل جهده لمصلحة الأجنبي، وأضاف ديودور الصقلي أن المصريين تخوفوا أن يكون منسوب مياه البحر أعلى من منسوب مياه فروع الدلتا فيغرقها. ولكن يبدو أن المشروع تم حينذاك فعلًا، أو تم أغلبه٥. أما المأثرة الأخرى، فهي إيفاد بعثة بحرية للدوران حول إفريقيا، وقد بدأت رحلتها من البحر الأحمر، وروى هيرودوت أنها أتمتها في ثلاث سنوات، كانت تريح فيها على البر خلال مواسم الخريف، ثم عبرت مضيق جبل طارق "أعمدة هيراكليس"، وعندما عادت روى رجالها أنهم في دورانهم حول الأرض "أي إفريقيا" ظلت الشمس على يمينهم، على عكس ما خرجوا به، وهي ملاحظة شك هيرودوت في إمكان حدوثها، مع أنها كانت دليل صدقهم. وكانت من أقدم المرات التي تم فيها مثل هذا المشروع البحري الضخم لأغراض الكشف والمعرفة وإظهار المهارة وفتح أسواق للتجارة وأملًا في توسيع النفوذ

стр. 354

في آن واحد، ولابد أنه مهدت له معارف وإرهاصات سابقة، روى هيرودوت منها بناء سفن كورنتيه أو إيونية ذات ثلاث طبقات من المجاذيف Triremes كانت تمخر عباب البحر الشمالي "المتوسط" والخليج العربي "السويس"، والاستعانة بخبرة ملاحين فينيقيين إلى جانب الملاحين المصريين١. لم تتغير هذه السياسة كثيرًا في الداخل أو في الخارج خلال عهد بسماتيك الثاني "نفر إب رع"- منذ ٥٩٥ق. م. وفيه خرج موكب ملكي أو بعثة ملكية من مصر إلى سوريا صحبها عدد من الكهنة اختيروا من معابد مختلفة، ومن طريف ما سجل بهذه المناسبة أن كهنة طيبة رشحوا كاهنًا منهم يدعى بادي إيسة وقالوا له: "لقد وقع الاختيار عليك للذهاب إلى بلاد خارو مع الفرعون، وما من أحد في هذه المدينة يمكن أن يقوم بهذا عداك، فلاحظ أنه كاتب دار الحياة وما من شيء تسأل عنه لن تجد له الجواب الملائم"٢. ولعلهم قصدوا بذلك أسئلة كهنة سوريا ومحاورتاتهم له. وإن لم يسلم بادي إيسة في الوقت نفسه من كيد بعض زملائه له. وظلت مصر على الرغم من سياستها الشمالية السلمية تستقبل اللائذين بها من أهل الشام ومن اليهود الفارين من وجه البابليين. وإذا كان ثمة جديد في هذا العهد فهو قيام مشكلات في الجنوب استدعت إيفاد حملة اشترك فيها مع المصريين مرتزقة من الإغريق والكيريين ومن الصحراء الغربية وربما من اليهود المتمصرين أيضًا. وسجل كاتب أو ضابط إغريقي على أحد تماثيل رمسيس الثاني في معبد أبي سنبل ما يقول: "بعد أن وصل الملك "بسماتيك" إلى إلفنتيني كتب هذه العبارات من أبحروا مع بسماتيكوس بن ثيوكلوس، ووصلوا إلى ما بعد كيوس وإلى الحد الذي سمح النهر به، وكان أصحاب اللسان الأجنبي تحت قيادة بوتاسيمتو، بينما قاد المصريين أمازيس"٣ ويحتمل باوغ الحملة حدود نباتا ثم عودتها إلى مصر بخيرات كثيرة سمحت لفرعونها بأن يغدق الإنعامات على أعضائها والكثير من المنشآت الدينية. وكان قائد الفرقة الأجنبية مصريًّا أو متمصرًا يدعى بادي سماتاوي وهو الذي حور كاتب النص الإغريقي اسمه إلى بوتاسيمتو٤. وتحولت سياسة مصر إلى ممارسة القوة في الشمال في عهد واح إب رع "حعع إب رع" الذي اشتهر عند الإغريق باسم أبريس واعتقد الأستاذ فلندرز بترى أنه عثر على جزء من قصره في منف. وكان سر تغيرها أمران، وهما: رغبة مصر في الاستفادة من إمكانيات قوتها البحرية النامية في مراقبة مواني الشام لتعطيل مصالح البابليين فيها وحتى لا يستغلوها ضدها، أو على الأقل لتأمين تجارتها التي تأثرت بامتداد النفوذ البابلي، ثم عودة البابليين إلى التوسع الحربي في فلسطين وحصارهم لثورة أورشليم في عام ٥٨٨ق. م. ولكن خان الحظ مصر في مشروعاتها، فاصطدمت مصالحها بمصالح الميناءين صور وصيدا وحدثت اشتباكات

стр. 355

بهما واستولت على صيدا١، كما تدخلت لمصلحة أورشليم ولكنها لم تلق منها جزاء ولا شكورًا. فقد شجعت التحركات المصرية مدن فلسطين على الثورة ضد النفوذ البابلي، مما أدى بجيوش نبوخذ نصر إلى مهاجمتها ومحاصرة أورشليم للمرة الثانية، وهنا ساعدها أبريس المصري على مقاومة الحصار في عام ٥٨٧ق. م انقسم أهلها حينذاك فريقين: فريقًا تزعمه صدقيا وحمد لمصر معونتها وتكلم باسمه النبيء حننيا فدعا إلى كسر لنير البابلي باسم الرب، وفريقًا آخر تزعمه إرميا وأخذ يتنبأ بأن ملك مصر سوف يعود إلى بلده وأن البابليين سوف يستولون عن أورشليم ويحرقونها وأنه يجب وضع أعناق الأمة تحت نير ملك بابل بأمر الرب أيضًا٢. وهكذا كان شأن من يدعون النبوة من بني إسرائيل، إلا من عصم!. وتحقق تشاؤم إرميا، ودمر البابليون أورشليم في عام ٥٨٦ق. م. وشاءت الأقدار أن يأسروا صدقيا صديق مصر وأتباعه وعينوا جداليا مكانه، بينما لاذ عدوها إرميا خصيم مصر برحابها بعد أن ضيق البابليون عليه وعلى قومه، ثم لم يحمد لها صنيعها، ولم يشكر لملكها أن قبل بعض اليهود مرتزقة في جيشه، وإنما واصل نعيبه قائلًا "هكذا قال الرب، لسوف أوقع الفرعون هوفرا بين يدي أعدائه الذين يطلبون حياته"٣. وترك نبوخذ نصر أورشليم ودق الحصار على أسوار صور، فصمدت له ثلاثة عشر عامًا، وعاونها المصريون من البحر "راجع تاريخ العراق"، مما أثار حفيظته على مصر وجعله يصمم على الانتقام المباشر منها. وقد تحدثت نصوصه عن حملة أرسلها إلى حدودها الشمالية الشرقية "في عام ٥٦٨ أو ٥٦٧"٤، ولا ندري هل حدثت الحملة فعلًا وفشلت، أم لم تحدث إطلاقًا. وكان أمام الفرعون واح إب رع "أبريس" من المشاكل الأخرى ما أثقل عليه بعد أن اتجه بفضيلة النجدة هذه المرة إلى الغرب، فعادت عليه بأذى لا يقل عن الأذى الذي أصابه من الشرق، فقد نشأ نزاع مرير بين القبائل الليبية الممتدة حتى تونس الحالية وبين جماعات من الدوريين الإغريق استعمروا برقة وما حولها استعمارًا تجاريًّا ما لبث حتى تحول إلى استعمار سياسي أصبحوا به سادة البلد واتخذوا مدينة Cyrene أو قرنية عاصمة لهم، وشيئًا فشيئًا ازدادت أعدادهم بمهاجرين جدد، وازداد ضدهم في الوقت نفسه ضيق الليبيين بهم لمنافستهم إياهم في أرزاقهم وأرضهم وتعاليهم عليهم، وطلب هؤلاء الأخارى عون مصر فأعانتهم عسكريًّا ولكن جيشها وقع في كمين ولم يعد منه غير القليل، فثار العائدون مع المواطنين ضد فرعونهم واح إب رع في مصر واتهموا بأنه دبر هذه الحملة ليتخلص من المحاربين المصريين في الجيش حتى يزداد تسلطًا على مصر، وأنه أسرف في احتضان الإغريق على حسابهم٥، وكان لكل من الاتهامين نصيب من الصحة فيما يبدو. وقد أزاد التذمر ضده ضيق الكهنة في عهده من إسرافه في منح مناصب المعابد لكبار موظفيه المدنيين٦.

стр. 356

وندب واح إب رع قائد جيشه "المصري" أحمس للتفاوض مع الثوار، ولكنهم اجتذبوه إلى صفوفهم وعهدوا إليه بزعامتهم فهاجم بهم الفرعون وأنصاره وأسره ويبدو أنه أجبره على إشراكه في الحكم معه. ثم تجدد القتال بينهما وقتل واح إب رع على أيدي الثوار أو اغتيل بأيدي أعوانه١. وأصحبت حزازات الإغريق مع المصريين مشكلة عويصة، ردها هيرودوت إلى اختلاف العقائد بين الطرفين وروى أنه بلغ من أمرها أن المصريين كانوا يأنفون "أحيانًا" من تقبيل إغريقي أو استعمال أدواته الخاصة، كما ردها معه بعض المحدثين إلى اختلاف حضارتي الفريقين، وإلى اختلاف نظره كل منهما إلى الأخذ بأمور النظافة المادية والمعنوية "وقد أبدى هيرودوت عجبه من إسراف المتدينين المصريين في نظافتهم"٢ ولكل هذا صحته، ولكن دون أن نستبعد العامل القومي في القضية وتقدير مرارة المصريين من انتقال مقاليد الحرب والاقتصاد من بلدهم إلى أيدي دخلاء يسهل تقبلهم على الرحب والسعة إن كانوا قلة أو رضوا بالقليل، ولكن الإغريق غدوا كثرة ينعمون بالكثير، ويتبادلون النفع والانتفاع مع الحكام ولا سبيل إلى استهلاك تقاليدهم الإغريقية في المحيط المصري بسهولة, وأصبح على أحمس المصري، أو أمازيس كما اشتهر عند الإغريق أن يحل المشكلة بعد أن ولته مصر عرضها باسم خنم إب رع -أحمس- سانيت، وكان أميل إلى السلم والسياسة مرحًا ذكيًّا ساخرًا محبًّا للشراب يميل إلى الدعابة الشعبية٣، على عادة أغلب المصريين. وفي هذه الظروف القلقة وخلال الحرب الأهلية انتهز نبوخذ نصر البابلي فرصته فهددت جيوشه الحدود المصرية ثم ارتدت عنها ربما بشيء من الهدايا والمصالحة على عدم الاعتداء٤. ولأمر ما جامل أحمس الإغريق كما راعى مصالح المواطنين المصريين، ولعله أراد ألا يخسر صداقة العالم الإغريقي لو اشتد على الإغريق في بلده في عهد ظهرت فيه إرهاصات بأخطار جديدة من جانب الفرس، فأرضى الشعور الوطني أولًا بأن أمر بسحب القوات الإغريقية والمتأغرقة من حاميات الحدود وإسكانهم في أحياء خاصة من مدينة منف التي عاد إليها دور العاصمة الأولى، ليظلوا تحت رقابة بلاطه وليكونوا قلة في مجموع منف الكبير. كما عمل على إبعاد التجار الإغريق عن مناطق الاحتكاك المباشر بالمصريين، ومنعهم التجول في الأسواق المحلية ولكنه لم يحرمهم من حرية العمل جملة، وإنما سمح لهم بتركيز نشاطهم في بلدة نقراطيس، وهي بلدة تقع على الجانب الغربي من الفرع الكانوبي في نطاق الإقليم الصاوي، وتقوم على أنقاضها، نقرش وكوم جعيف قرب محافظة الإسكندرية أي في نطاق إقطاعيات الأسرة الحاكمة وتحت إشرافها. وكان الإغريق على معرفة بها منذ أن سمح بسماتيك الثاني لفريق من مهاجري ميليتوس بالإقامة فيها، فوسعوها وزادوا عمرانها ونظموا إدراتها المحلية على النسق الإغريقي، وأقاموا فيها معباد صغيرة لأبوللو وأفروديت

стр. 357

وغيرها، وجمعوا بين الأسلوبين المصري والإغريقي فصناعة الجعلان والفخار والتماثيل الصغير التي صدروها إلى مواني البحر المتوسط وجزره لا سيما جنوب إيطاليا وسردينيا. وكان السفن الإغريقية والمصرية تصلها بسهولة، وبهذا كانت سلفًا بعيدًا لميناء الإسكندرية من حيث الأداء١. واستمر أحمس في توثيق علاقات الود بالإغريق والمتأغرقين الخارجيين، وعقد حلفًا مع قرنيه، وذكر هيرودوت أنه تزوج منها كما تزوج من كريتية، وهادى المعابد الإغريقية. وترتب على ذلك أن اعتبره المؤرخون الإغريق أكثر الملوك الصاويين حنكة وحصافة وخلعوا عليه لقب Phihellene وأشادوا بنجاحه في تحقيق السلم الداخلي بين المصريين وبين الإغريق في ظروف عسيرة ودون التضحية بمصالح اقتصادية أو عسكرية. ولسنا ندري حقيقة مشاعر المصريين إزاء إجراءاته، ولكن يبدو أنه ظل يتمتع بينهم بشعبية كبيرة. وقد نسب هيرودوت إليه أنه سن قانونًا يقضي على كل مصري بأن يتقدم سنويًّا لحاكم منطقته ليبين له مصادر كسبه ويثبت له حلالها من حرامها، وأن من أهمل ذلك أو عجز عن إثبات موارد رزقه حق عليه الإعدام، وأضاف أن المشرع الإغريقي سولون اقتبس هذا القانون وطبقه في أثينا٢. وقد يكون غرض أحمس من قانونه، فرض ضريبة على الدخل، أو الحد من البطالة والتواكل والكسب غير المشروع بين الناس. وعلى أية حال فإن روح السلام وحب الأمن الداخلي عند أحمس كلاهما لم يخبت طموحه، ولم تمنعه مجاملة الإغريق من منافستهم في البحر المتوسط، فاستولى أسطوله على جزيرة قبرس٣، ودل بذلك على قوة بحرية سبقت في نشاطها أساطيل البطالمة. وتعدت سياسة العهد الحدود القريبة إلى ما هو أوسع، فعقدت مصر سلسلة من المعاهدات إتقاء خطر الفرس المرتقب بعد أن ارتفع شأوهم في هضاب إيران "راجع تاريخ العراق". وتحالف أحمس مع كرويسوس ملك ليديا العظيم وبوليكراتيس طاغية ساموس، وثمة فرض باحتمال امتداد الحلف إلى إسبارطه وبابل أيضًا٤. وبدأ قورش ملك الفرس بليديا، وثمة رواية تقول إن مصر أنجدت حليفتها بعشرة آلاف قاتلوا في صفوف متراصة وتترسوا بتروس كبيرة تستر الجسم كله. وانهار كرويسوس ودولته سريعًا، وأضافت الرواية أنه عز على قورش أن يتغلب على المحاربين المصريين بسهولة، فقدر شجاعتهم وأقطع من رغب في البقاء منهم مدينتين على ساحل آسيا الصغرى، وسواء صدقت هذه الروياة أم بالغت، فهي لا تخلو من دلالة على تقدير كفاية المصريين في نظر معاصريهم على الرغم مما شهدته مصر من نكبات في عصورها المتأخرة. وعقب قورش ببابل فابتلعها "راجع تاريخ العراق"، وأثرت ساموس الخضوع، وتبعها الفينيقيون،

стр. 358

وبقيت مصر وحدها. وقبل أن يتجه الغول الفارسي إليها، توفي أحمس في عام ٥٢٦ بعد أن حكم ٤٤ عامًا، ففقدت مصر به ركنًا له كفايته وله شعبيته. وقبل أن نصل بها إلى نهاية المطاف، نستعرض طرفًا من خصائص آثار العصر الصاوي وكتاباته وفنونه. توزعت آثار هذا العصر في شمال الوادي وجنوبه ولكن تركز أهمها في رحاب ثالث مدن كبيرة وهي سايس ومنف وطيبة. وكانت في الوجه البحري أوفر منها في الوجه القبلي، لولا أن عفت على أغلبها فيه ظروفه الطبيعية والسياسية "من حيث رطوبة أرضه وكثرة تعرضه لمشاكل الغزوات، إلخ" .. وقد دفن بعض ملوك العصر في جبانة سايس، حتى واح إب رع "أبريس" الذي ذهب ضحية خطئه لم يأب شعبه أن يكرم مثواه بعد قتله. واتخذ كثير من كبار الشخصيات، من أطباء وقادة وقباطنة، مقابرهم في سقارة حول أهرام الأسرتين الثالثة والخامس وبجوار ما ظنوه قبر الحكيم إيمحوتب وعلى مقربة من مدافن أبيس "السيرابيوم" المقدسة. واتخذ بعضهم الآخر مقابر في طيبة قرب الدير البحري وعلى مقربة من مقابر عصر الأسرة الخامسة والعشرين، وكان أغلبهم ممن عملوا في خدمة العابدات الإلهيات أو الزوجات المقدسات. وتأثرت أساليب هذه المباني وتلك برد الفعل القومي الذي وضح بعد الغزو الآشوري وفرحة الخلاص منه، والذي دعا الاعتزاز بالأصول ونادى باحتذاء أساليبها عسى أن يترتب عليها مجد يشبه مجدها القديم. وكان نصيب الفنانين من الاستجابة لهذه الدعوة أن قلدوا مناظر الدولة القديمة المنفية في لوحات مقابرهم الجديدة، من حيث هيئات الملابس والزينة، وتصوير صيد المناقع والأحراج، وتصوير مواكب حاملات الهدايا والقرابين وممثلي الضياع وممثلاتها١. وجاراهم الكتبة، أو سبقوهم، وتخيروا فقرات كاملة من متون أهرام الدولة القديمة فسجلوها في مقابر الخاصة، وحذوا في كتابة بعض نصوص النصب حذو أسلوب الدولة القديمة وهجاء كلماتها، واستحبوا كتابة بعض هذه الكلمات بحروف هجائية مفرده صريحة٢. وإن لم يمنعهم هذا التمسك بالقديم من المضي في استخدام الخط الديموطي المحدث في الكتابة على البردي وتسجيل شئون حياتهم العادية. وسلك المثالون من ناحيتهم سبيلين: سبيلًا قلدوا به أساليب تماثيل الدولة القديمة المنفية وملابسها وأوضاع أصحابها الواقفين والجالسين والمتربعين على هيئة الكتبة، وخلعوا فيه على تماثيل ملوكهم مظاهر القداسة القديمة ومثلوهم بنظرات متسامية لا محدودة تنتقل بهم من عالم الناس إلى عالم قدسي عالٍ بعيد٣. وسبيلًا آخر

стр. 359

استحب المثالون فيه الأسلوب الواقعي الذي اشتهرت طيبة به، ثم زادوا في إكساب بعض تماثيلهم طابع التأثير والواقعية بأن تخلوا عن تمثيل شعورها المستعارة لأصحابها واكتفوا بالرءوس الحليقة، مما سمح لهم بأن يظهروا ضيق الرءوس واتساعها واستطالتها حسب ملامح أصحابها، واعتادوا على أن يصقلوا وجوهها صقلًا كاملًا كلما صنعوها من أحجار صلبة ذات حبيبات دقيقة١.

стр. 360

رابعًا: النكسة مع الغزو الفارسي والأسرة السابعة والعشرين ٥٢٥ - ٤٠٤ق. م تحددت مقادير الشرق الأوسط بميلاد الدولة الفارسية الهخامنشية في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، وهي دولة أراد زعماؤها أن يثبتوا لمواطنيهم بعقليتهم القبلية الجبلية أنهم يفوقون أسلافهم ذوي الميراث الحضاري الطويل من عيلاميين وماذيين، قوة واقتدارًا في الداخل وفي الخارج، وصمموا على بسط نفوذ دولتهم في الاتجاهات الأربعة، مستغلين فتوتهم وشيخوخة جيرانهم، فخرجوا بحملات مسعورة ولكنها قوية منظمة تحت قيادة ملكهم قورش، يدقون الأرض دقًّا عنيفًا حتى بلغوا آسيا الصغرى واكتسحوا دولة ليديا التي كانت شيئًا عظيمًا في نظر إغريق الشرق والغرب معًا، ثم عادوا فطووا بابل ذات التراث المجيد "راجع تاريخ العراق"، وأدركوا من ثم سهولة إخضاع العالم المحيط بهم والذي مزقته المنافسات والحروب المتصلة، لحكومة عالمية واحدة، هي حكومتهم بطبيعة الحال. ومات ملكهم قورش عام ٥٢٩ق. م قبل أن يحقق حلمه بفتح مصر التي كانت هي وبلاد الإغريق والفرس الدعائم الدولية الثلاثة حينذاك. وتولى تحقيق هذا الأمل ولده قمبيز، وعندما بدأ مشروعه لغزو مصر من حدودها الشمالية الشرقية عاونته الظروف فاستسلمت له بلاد الشام بدويلاتها الكثيرة. ووضعت فينيقيا أسطولها الكبير تحت طاعته، وتخلت قبرص عن التعاون مع مصر، وفقدت مصر ملكها المحنك أحمس وخلفه على عرشها ملك سيئ الطالع وهو بسماتيك الثالث "عنخ كانرع"، ثم كان من كبار قادة جيشها قائد من المرتزقة الإغريق يدعى فانيس خانها وهرب إلى قمبيز وقاد له جيشه عبر مسالك الصحراء الصعبة المؤدية إليها١، كما كان فيها أعداد من اليهود الذين اعتبروا أباه قورش مسيحهم المنتظر بعد أن فك إسار اليهود المنفيين في بابل وما حولها وأعادهم إلى أورشليم وسمح لهم بتعميرها من جديد، ولهذا كانوا على استعداد لأن يذللوا الصعاب في سبيله. ومع هذه الظروف قاومت مصر جهد الاستطاعة وخاضت بقيادة ملكها التعس بسماتيك معركة عنيفة ضد الفرس في الفرما "بلوزيوم" على الحدود الشمالية الشرقية في عام ٥٢٥ق. م، ورأى المؤرخ هيرودوت آثار المعركة بعد نحو ثلاثة أرباع القرن من وقوعها فشهد بضراوة ما حدث فيها، وسجل ملاحظة طريفة ذكر فيها إنه رأى جماجم الفرس من ناحية وجماجم المصريين في ناحية عند مصب فرع بلوزيوم، ولاحظ أن جمجمة الفارسي يمكن أن تصدعها بحصاة "على الرغم مما هو معروف عن ضخامة الرأس الآرية"، بينما لا تنكسر جمجمة المصري إلا بضربة حجر. ولم يثبت الجيش المصري طويلًا أمام الطوفان الفارسي فتراجع إلى العاصمة منف، ولكنها سقطت هي الأخرى وأسر ملكها بسماتيك الثالث وقد جامله قمبيز في بداية أمره وأطلق سراحه ولكن بسماتيك أبت عليه وطنيته إلا أن يستأنف المقاومة، ولما انكشف أمره انتحر٢. وخضعت مصر للفرس

стр. 361

كما خضعت غيرها من أمم الشرق، وإن لم يعفها هذا من وزر كبير بعد أن فتحت أبوابها للمرتزقة من هنا وهناك وجعلتهم دعامة جيشها. وبلغ من تقدير قمبيز لضخامة البلد الذي سيطر عليه أن أقام في مصر أكثر من ثلاثة سنوات صحبها في بدايتها ما يتأتى عادة من الغزاة، من تخريب ونهب ومصادرات وغرامات، ولم تسلم المعابد من كل هذا فتخرب أغلبها وأنقصت مخصصاتها إلى النصف وعسكر فيها جنود الاحتلال من كل ملة ونحلة١. ثم هدأت شرة الغزاة وتفتحت أمام قمبيز في مصر آمال جديدة ناحية الغرب والجنوب، وخطط لثلاثة مشروعات فشلت كلها، فقد مهد لغزو قرطاجة "تونس" الفينيقية الأصل ذات الشهرة التجارية وتعلل بأن استقل هداياها وهدايا قرنيه إليه، وأراد أن يستعين بالأسطول الفينيقي على فتحها، ولكنه فشل ولعله لم يجد الإخلاص والاستجابة الفعالة من أبناء عمومتها الفينيقيين. وأرسل حملة إلى سيوة أحد مراكز آمون الكبرى ووحيه ذي الشهرة الواسعة، ليتم بها فتح الواحات وربما ليفتح بها طريقًا إلى ما بعدها عن طريق البر، فابتلعت الغرود والعواصف الرملية الكثيفة حملته. وقاد حملة إلى نباتا طمعًا في ذهب النوبة وليفتح بها طريقًا إلى السودان ولكنها فشلت من قلة الزاد وصعوبة الطريق ومقاومة أهل نباتا٢. وكان من الطبيعي أن يرى المصريون هذا الفشل المثلث انتقامًا من السماء، وقد أحاطوه بأساطير وجدت آذانًا صاغية من الإغريق أعداء الفرس، فروى هيرودوت أن قمبيز أصابته لوثة من جزاء فشله وأنه عندما رجع من حملة النوبة إلى منف وجد أهلها يحتفلون بمولد أبيس جديد فظنها فرحة الشماتة به وقتل كبارهم وطعن أبيس بخنجره وأمر بإخراج جثة أمازيس الصاوي حبيب قومه, واستنزل اللعنات عليها ثم حرقها. وقيل إن ما أثار حفيظته على واحدة سيوة هو أن وحي آمون فيها كان قد تنبأ بفشله سلفًا. ثم روى هيرودوت أن الرجل جن لا سيما بعد أن بلغه نبأ مؤامرة فارسية للاستيلاء على عرشه، فسارع بالعودة إلى بلده، وهنا كان لا يزال للانتقام الإلهي بقية، فحدث خلال سفره في سوريا أن وخز نفسه بسلاحه في فخذه في موضع مماثل للموضع الذي طعن فيه أبيس المقدس، فتسمم الجرح وأودى به٣. وقد تكون أمثال هذه الأساطير التي تتمسح في القدر وفي انتقام الآلهة، هي حيلة الشعوب المغلوبة على أمرها، ولكن الخسارة الكبرى التي خسرها قمبيز فعلًا كانت انتقال عرشه من فرعه إلى فرع آخر من أسرته بعد معارك دامية انتهت بتولي دار الأول في عام ٥٢١ق. م. وكان دارا "دارايا فاهوش" ذا شخصية حربية وإدراية وتشريعية دعت أتباعه وأعداءه معًا إلى تلقيبه بلقب "الملك العظيم". وقد أصاب مصر من تنظيماته أنه أدرك أن أمورها لن تستقر إلا في ظل قوانينها الخاصة

стр. 362

فألغى تنظيمات سلفه المتعسف، ودعا إلى الرجوع إلى ما كانت الأمور عليه في ظل التشريع الصوي، وأمر وإليه باختيار لجنة من حكماء البلاد كهنة وكتبة وعسكريين، لجمع التشريعات المصرية المعمول بها حتى العام الرابع والأربعين من حكم أمازيس وإعادة تدوينها بكل من الكتابتين المصرية والمسمارية، وهو عمل خدر الناس به وشغل به أصحابه نحو أربع أو خمس سنوات١، وقد كرر مثله في ولايات أخرى مما يدل على سياسة مرسومة. وحاول إنعاش الأوضاع الاقتصادية لمصلحة حكمه بطبيعة الحال، فأمر بإعادة شق ما طمسه الطمي والرمال من قناة نيكاو المؤدية إلى البحر الأحمر، مع نقش النصب التي أشادت بهذا العمل بكل من الهيروغليفية والمسمارية. وكان من دوافع هذا المشروع تيسير وصول سفن الجزى إلى فارس عن طريق البحر الأحمر والمحيط الهندي ثم الخليج الفارسي "أو العربي"، وكانت تبلغ أربعًا وعشرين سفينة سنويًّا، والتقليل من النشاط التجاري الملاحي المتجه إلى إغريق نقراطيس في غرب الدلتا، ثم اعتبار القناة مرحلة من مراحل تنشيط التجارة البحرية المتبادلة مع الهند٢. وليس من المستبعد أنه تبع الفرس في دخولهم إلى مصر واستقرارهم فيها أعداد أكثر من تجار البلاد الخاضعة لسلطتهم. واعتبر الفرس مصر مجرد ولاية، ولكنها كانت في نظرهم أولى الولايات في غناها، أو الثانية على أقل تقدير، وكانوا يحملونها ما يبلغ ألف تالنت من الفضة "وقدر التالنت بستة وخمسين رطلًا" بين جزى ونفقات احتلال، ويستغلون من معادنها ما يعادل هذا المقدار٣. وعهدوا بأمرها إلى والٍ فارسي "خشاترا بافان وهو لقب حرف في اليونانية إلى ساتراب" ولكن هذا الوالي غالبًا ما كان يختار من أمراء الفرس؛ وقد يكون أخًا للملك الفارسي نفسه تقديرًا لأهمية منصبه. وكان يعوانه عدد من كبار الموظفين والجباة الفرس والبابليين والسوريين واليهود، يعملون لصالحه، إلى جانب قلة من كبار المصريين ترك بعضهم عدة مقابر في سقارة ذات آبار عميقة ونقوش تشبه النقوش الصاوية. ودخلت العملة مصر مع الفرس، ونسب إلى أول ولاتهم على مصر أنه سك عملة من الفضة الخالصة تدليلًا على ثرائه، وظهرت عملة ذهبية في عهد دارا٤. وكان من الطبيعي أن يجعل الولاة الفرس لكتابتهم المسمارية نصيبًا في تدوين أوامرهم إلى جانب الكتابة المصرية، واستعملوا معهما اللغة الأرامية مع أتباعهم الساميين واليهود٥. أما الدواوين المحلية فقد توسع كتبتها المصريون في استخدام الخط الديموطي المختصر وكعادة مصر، والبلاد العريقة المتحضرة، تقهر قاهريها بحضارتها، سمى بعض الفرس المقيمين في مصر أبناءهم بأسماء مصرية واتجهوا بدعواتهم إلى الأرباب المصريين، وأكمل ملوكهم بعض المعابد التي بدأها الصاويون، لا سيما في الدلتا والواحة الخارجة.

стр. 363

ولم يخل الأمر من منتفعين من أهل البلد أنفسهم ظنوا حسن السياسة في التسليم بالأمر الواقع ومحاولة خبت شرة الغزاة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه منهم بالتقية والمدارة. وقد نخالف هؤلاء في مذهبهم، ولكن ليس التاريخ إلا أن يثبت الأمر الواقع من تصرفاتهم. وكان منهم رجل من سايس يدعى وجاحور رسنة، روى في نصوصه، بحق أو بغير حق، أنه جمع بين عدد مختلف من التخصصات فكان من المشرفين على الأسطول في نهاية العصر الصاوي، ثم ظهر عالمًا بالدين والتقاليد خبيرًا بالطب مشجعًا للثقافات العالية راعيًا لإقليمه، في بداية العصر الفارسي. وروى أنه قابل قمبيز وأطلعه على ما أساء رجاله به إلى معابد سايس، ودعاه إلى تقوى أربابها، فاستجاب له وزار معبد الربة نيت فيها وركع أمامها، واستحق بذلك أن يصوغ له ديباجة ألقابه وفق التقاليد المصرية. ثم كان وجاحور رسنة أكثر نجاحًا، من وجهة نظره، في عهد دارا الذي استصحبه معه إلى فارس بعد زيارته لمصر، ثم أعاده منها بما رد على سايس اعتبارها وسمح له "بإصلاح قاعة دار الحياة "المتعلقة بالطب" بعد أن تخربت". وكانت دور الحياة أشبه بمعاهد للثقافات العالية في مصر القديمة. وأضاف أنه زود هذه الدار بكل دارسيها من علية القوم دون أن يكون بينهم ابن وضيع، وجعلهم تحت إشراف كل ذي معرفة حتى يتعلموا منهم فنونهم جميعها، ثم زودهم بكل نافع لهم وبكل مهماتهم التي كانت مدونة لهم، وفق ما كانوا عليه من قبل١. وعلى أية حال، فإذا كان وقع صدمة الغزو عنيفًا. وكانت إصلاحات دارا قد خدرت المصريين بحيث اجتذبت نفرًا منهم إلى طاعته، إلا أن نار الوطنية المغلوبة على أمرها لم تخب تمامًا تحت الرماد، فهبت خلال العصر الفارسي أربع ثورات على أقل تقدير، ارتبط أغلبها بمصائر الفرس في نزاعهم الطويل مع الإغريق، وذلك في عالم أصبحت موازين القوة والاقتصاد فيه في أيدي الفرس من ناحية والإغريق من ناحية أخرى، فبعد هزيمة الفرس في مارثون أمام الأثينين في عام ٤٩٠ق. م، هبت ثورة في مصر حوالي عام ٤٨٨ أو ٤٨٦ق. م، وكان وقعها شديدًا على دارا الذي ظن أن الشرق طوع يمينه. ومات دارا واستمرت الثورة بضع سنوات حتى أخمدها خلفه العنيف أخشويرش "إكسركسيس" واشتط في الانتقام والاستغلال، فهجر عددًا كبيرًا من أهل الحرف إلى فارس "كما فعل الآشوريون" وفرض على مصر إعداد مائتي سفينة استغلها في قتاله ضد الإغريق، وشدد الحاميات هنا وهناك واستعان فيها باليهود، ثم عين أخاه واليًا على مصر حتى ينفذ سياسته فيها٢. ولكن منذ ذلك الحين اهتزت السيطرة الفارسية ولم تكتمل حلقاتها مرة أخرى، فعندما حم القضاء في هذا الملك وخلفه أخوه أرتاخشاشا الأول "أرتا كسركسيس" هبت ثورة أعنف من سابقتها في عام ٤٦٠ق. م، تزعمها أمير من الدلتا يدعى إرتن حر إرو بن بسماتيك "وهو إناروس في الرويات الإغريقية"، وجعل مركز مقاومته في مريوط بعيدًا بعض الشيء عن حاميات الفرس.

стр. 364

وتغلب الثوار على جزء من الجيش الفارسي وقتلوا قائده والي مصر وشقيق ملك الفرس، وأجبروا بقية وحداته على التراجع إلى منف. واستعدادًا لمرحلة تالية، وخوفًا من أن يستغل الفرس سيطرتهم على منف في حرمان الثوار من معونات الصعيد، خرج زعيم الثورة بالمقاومة عن نطاقها الإقليمي، فحالف أثنيا في عهد بريكليس، ووجدت أثينا في هذا الحلف فرصة لزيادة وارداتها من الغلال المصري، ولمضايقة أعدائها الفرس الذين كانوا ينافسونها في قبرس، فأمدت الثوار بأسطول روى المؤرخون الإغريق أنه بلغ ما بين ٢٠٠ و٣٠٠ سفينة من ذوات الثلاث طبقات من المجاذيف، وليس من ضرورة للأخذ بحرفية هذا العدد الكبير من السفن، ويكفي القول بأنه كان أسطولًا كبيرًا. ونجح الأحلاف في استرجاع أغلب استحكامات منف من أيدي الفرس. وهنا جند الملك الفارسي جانبًا كبيرًا من إمكانيات دولته لخنق الثورة، ووجه لهذا الغرض جيشًا ضخمًا ذكر الإغريق أنه بلغ ٣٠٠ ألف مقاتل "وهو عدد مبالغ فيه"، وأغرى إسبارطه عدوة أثينا اللدود بمقادير ... كبيرة من الفضة لكي تشغل أثنيا بالحرب وتصرفها عن مساعدة المصريين. وتم هذا كله وهزم الفرس الأحلاف واسروا زعيم الثورة ثم قتلوه في عاصمتهم، وحصروا الإغريق في جزيرة بالنيل منذ عام ٤٥٦ حتى عام ٤٥٤ق. م. وتحت وطأة الحصار، ونتيجة لتأخر المدد الأثيني، ولاستعانة الفرس برجال البرح الفينيقيين في تحطيمه، تهاوى بحاره الإغريق واستطاع بعضهم الفرار إلى برقة١. ولكن الثورة المصرية لم تمت، وتسلم رايتها أمير سايس، أمون حر "أو أمير يتايوس كما سماه بعض مؤرخي الإغريق" أكبر أعوان الزعيم المقتول، لبضع سنوات، وجرب حظه في التحالف مع أثينا، فوعدته بإرسال ستين سفينة. ولكن مشاكلها الخاصة جعلتها تسترجع أسطولها قبل أن يصل الشواطئ المصرية، ثم ما لبثت أن عقدت مع الفرس معاهدة كالياس في عام ٤٤٩ - ٤٤٨ق. م، وتناست خليفتها مصر٢، مما أدى إلى إضعاف الثورة وإن لم يقض على بذورها. وجرب الفرس سياسة المسالمة، فعينوا ابني زعيمي الثورة في منصبي والديهما بالدلتا، ولكن هذا لم يؤد الغرض منه، فحاول أحدهما "وهو بسماتيك أو آمون حر الثاني؟ " استئناف النضال، وفاوض الأثينيين بعد صلحهم المؤقت مع إسبارطه عام ٤٤٥ق. م، على أن يمدهم بما بين ٣٠ و٤٠ ألف مكيال من الغلال، في مقابل نجدة عسكرية، وذلك مما يعني أن مساعدات الإغريق كانت تشترى ويجند بها المرتزقة، كما تعني ضخامة كمية الغلال التي عرضها سعة الأراضي التي سيطر عليها. ويبدو أن الغلال وصلت أثينا ولكن نجدة أثينا لم تصل إلى مصر٣.

стр. 365

خامسا: ابتسامة مبتسرة في عصور الأسرات ٢٨ - ٣٠ مدخل ... خامسًا: ابتسامة مبتسرة في عصور الأسرات ٢٨ - ٣٠ "٤٠٤ - ٣٤٣ق. م." ماع الموقف لبعض الوقت فيم بين الفرس وبين المصريين منذ منتصف القرن الخامس ق. م، وزار مصر حينذاك أبو التاريخ هيرودوت وأشاد بمجدها، ومع أن مجدها ذاك لم يكن غير ظل باهت ضئيل لمجدها القديم، واعترف في الوقت نفسه بتعدد طوائفها ووجود الفوارق بين طبقاتها وانشغال الناس بالخرافات التي ألبست ثوب الدين واتصلت بحيوانات أربابه، مما لم تلجأ مصر إليه إلا في عهود ضعفها السياسي وقلقها النفسي. ولم يكن لمصر حينذاك أن تفكر في إعادة التعاون العسكري مع الإغريق ضد الفرس، بعد أن هادنت الدولتان الكبيرتان أثينا وإسبارطه الفرس، وانقلبت كل منهما على الأخرى تطحنها وتهد بنيانها "منذ عام ٤٣١ق. م". وظل الأمر مائعًا بالنسبة للقوميين المصريين حتى دخلت ثورتهم مرحلتها الرابعة معتمدة على سواعد رجالها بزعامة آمون حر الثاني في حوالي عام ٤١٠ق. م، وامتد لهيبها إلى أغلب الأقاليم المصرية وتكللت بالنجاح بعد نحو ست سنوات "أو ثمان سنوات". وإن كنا لا ندري عن تفاصيلها إلا ما روى من أن الملك استعان بقوات حاكم كيليكيا الذي لجأ إليه بأسطوله وذخائره فرارًا من بطش الفرس، وأنها انتهت بخلوص حكم مصر لأهلها، وتحررها من ربقة الفرس١. ومن هنا بدأ المؤرخ مانيتون الأسرة الثامنة والعشرين وقصرها على ملك واحد وهو زعيم الثورة آمون حر "الثاني" الذي استعاد ألقاب الفراعنة حوالي عام ٤٠٤ق. م وساعده على الاستقرار قليلًا وفاة دارا الثاني وانشغال ملك الفرس الجديد إكسركسيس الثاني بثورة أخيه قورش ضده ولكن آمون حر لم يستمر على العرش المستقل غير ست سنوات وشهور، أو نحوها، ومات حوالي عام ٣٩٧ق. م، ولم يخلفه ولده. وبررت بردية مصرية ديموطية هذا المصير من وجهة النظر الدينية، بأنه كان قد تجاوز نصوص الشريعة، ولهذا عاقبه الأرباب بحرمان ولده من عرشه، ولم يشفع له عندهم نضاله في سبيل تحرير بلده. ولا ندري هل عنت بمخالفته للشريعة اعتداءه بصورة ما على حرمان الدين أو متعلقات المعابد، أم أنها عنت بذلك خطيئة أكبر وهي احتمال اتجاهه إلى مصانعة الملك الفارسي "أرتاكسر كسيس الثاني" عدو الأمس بعد أن تخلص من مشاكله الداخلية وفتك بأخيه المنافس له على العرش وبدأ يهدد الإغريق، وهو اتجاه. إن صح، كان في نظر آمون حر سياسة لا تضره بعد أن استمتع باستقلاله، بينما كان في نظر الوطنيين المتطرفين خيانة استحق من أجلها أن يحرم ولده من عرشه. وكان لكل من الجاليتين الكبيرتين النزيلتين في مصر، الإغريق واليهود، مصير مختلف وسط هذه الأحداث. أما الأغريق، فقد ترتب على تكرار محالفات الثوار المصريين للأثينيين، أن تفتحت أمام تجارهم الأسواق المحلية من جديد، وعوضتهم عما خسروه من منافسة قناة الدلتا إلى البحر الأحمر لتجارتهم في نقراطيس٢. وأما اليهود الذين آوتهم مصر منذ اضطهاد الآشوريين لهم، وسمحت لهم بمزاولة نشاطهم التجاري وحرية العقيدة فيها، فقد قابلوا ذلك بأن أصبحو أعوانًا للفرس ضدها، وغدوا عنصرًا شائعًا في الحاميات الفارسية، لا سيما حامية إلفنتين موضوع الحديث التالي.

стр. 366

الوثائق الآرمية في أسوان: عثر في جزيرة آبو، أي في جزيرة إلفنتين "أو إلفانتيني" في أسوان، على عدة وثائق آرامية أرجع أغلبها إلى أواسط القرن الخامس ق. م، ولقيت اهتمامًا واسعًا من الباحثين في الساميات ومن الباحثين اليهود بخاصة لترجمتها والتعقيب عليها١. وصورت هذه الوثائق جوانب من حياة عدة أقليات أجنبية ضمت آراميين ويهود وسوريين وفي بعض الأحيان إغريق وإيجيين، ثم بابليين وخوارزميين وماذيين وفرس، عاشوا أعدادًا محدودة في وسط العدد الأكبر من مواطني المنطقة المصريين. ولم تكن موارد أسوان المتواضعة تتيح لأولئك الأجانب استغلالًا اقتصاديًّا كبيرًا، ولهذا اكتفى أغلبهم بحرفة الجنود المرتزقة في حصون أسوان التي مثلت همزة الوصل بين أقاليم مصر الجنوبية وبين النوبة وما ورائها، في فترات السلم وفترات الحروب على حد سواء. وذكرت الوثائق الآرامية من مسميات التنظيمات العسكرية التي انضوت تحتها هذه الجماعات، الاسم الآرامي "حيلا" بمعنى حامية أو فرقة كبيرة، واسم "دجل" بمعنى وحدة أو معسكر، وإن دل أحيانًا على معنى اللواء أي العلم، وكان كل منهما يضم المجندين وأسرهم، ثم تعبير المائة ليدل على سرية بنفس العدد. وحظيت أوضاع الجالية اليهودية بالاهتمام الأوسع من الدراسة والتعقيب، وتركزت هذه الجالية في جزيرة إلفنتين، وإلى حد ما في سونو أي في مدينة أسوان، وكان منهم عسكريون ومدنيون. وغالبًا ما وصف العسكريون منهم بأنهم بعول دجل أي أفراد الوحدة أو المعسكر، ووصف المدنيون منهم بأنهم بعول قرية أي أفراد القرية. وقد يوصف بعضهم بالصفتين، أو ينتمون إلى دجلين أي وحدتين، أو ينسبون إلى مقر إقامتهم فيقال بعول آبو، وبعول سونو. وتعددت وجهات النظر في ظروف اتجاه هذه الجالية اليهودية إلى أسوان، وتوقيت بداية سكناها فيها وانضمامها إلى معسكراتها. وربطت بعض الآراء بين لجوئهم إلى مصر وبين أحداث التاريخ اليهودي في فلسطين خلال القرنين السابع والسادس ق. م. فقد أدت مراحل النزاع بين يهود إسرائيل وبين يهود يهوذا، ثم بينهم جميعًا وبين الآشوريين، إلى نزوح جماعات من هؤلاء وهؤلاء إلى أماكن قصية يلتمسون الأمن فيها. ولعل مصر الغنية القريبة من فلسطين كانت الملجأ المغري للبعض منهم، وقد سبق ذكر المرات التي وقفت مصر فيها سندًا لليهود ضد الآشوريين، حين تدخلت في عهد تاف نخت لنجدة السامرة ضد جيش شلما نصر الخامس، ثم في عهد شبتكو وطاهرقه لنجدة أورشليم ضد جيش سينا خريب.

стр. 367

وحينما دعا يوشيا في عام ٦٣١ق. م. إلى التغيير الديني الذي تضمنه سفر تثنية الاشتراع، نزح بعض معارضيه وبعض الكهنة الذين فقدوا امتيازات معابدهم، إلى مصر. وزادت دواعي الهرب من يهوذا حينما اشتد حصار البابليين حولها، وقد عاونتها مصر في عهد الملك واح إب رع على مقاومة هذا الحصار. وعندما تمكن البابليون منها ودمروها ارتحل بعض أهلها إلى مصر ووسعتهم رحابة صدرها، كما استقبلت بعدهم نبيهم إرميا وأعوانه حينما لاذوا بها. ولما كان اللاجئون في أغلب هذه الأحوال مستضعفين لم يجد بعضهم بأسًا من أن يعيشوا في أقصى جنوب مصر ويحتملوا ظروف الحياة فيه. والتفتت آراء أخرى إلى أحداث مصر نفسها ودواعي اجتذاب بعض اليهود إلى حدودها الجنوبية. فافترض رأي أن أسلافهم كانوا ممن ساقهم الملك الآشوري آشور بانيبال من أتباع منسا ملك يهوذا خلال حملته ضد مصر في عام ٦٦٧ق. م، ولعله ألزمهم جنوب مصر ليعملوا فيه باسمه، أو لعلهم انطووا فيه على أنفسهم بعد رحيله. وردهم رأي آخر إلى عهد الملك بسماتيك الأول في منتصف القرن السابع ق. م. حينما فتح أبواب مصر أمام الجنود المرتزقة من كل نحلة، كي يحفظ التوازن بهم في جيشه إزاء المرتزقة القدامى الذين استشرى أمرهم واستعان بهم الأمراء الإقطاعيون المنافسون له، فدخل معهم بعض اليهود إلى جانب غيرهم من بلاد الشام وبلاد الإغريق وجزر البحر المتوسط الشرقية. وعندما استقر أمر الملك وزع مرتزقة جيشه على حاميات الحدود فكان من نصيب اليهود أن ضموا إلى حامية أسوان. ولعله قد جند بعضًا آخر من يهود فلسطين خلال حصار جيشه الطويل لمدينة أشدود، وتلقى بعضًا آخر منهم من منسا ملك يهوذا في مقابل ما زوده به من خيول الحرب. وعندما فرض الملك نيكاو الثاني نفوذه على أروشليم خلال استعداده لملاقاة البابليين، فرض عليها جزية كبيرة وأسر ملكها وساق بعض أعوانه إلى مصر. وثمة رأي يفترض ما هو قريب من هذه الظروف في عهد الملك بسماتيك الثاني، على أساس احتمال انضمام بعض اليهود إلى معسكره خلال حملة جيشه على بلاد خارو في جنوب الشام، وأن بعضهم قد انضم إلى مرتزقة جيشه الذين تألفوا من كيريين وإيونيين وروديسيين وفينيقيين خلال حملته على أطراف دولة بناتا الجنوبية. ويبدو أنه كان من المشكلات التي واجهت الملك واح إب رع "أبريس" في أواخر عهده ثورة بعض جنود حامية إلفنتيني ضده وارتحالهم إلى النوبة، وبهذا سنحت فرصة أمام المرتزقة الأجانب ومنهم اليهود ليستقروا محلهم. وذكر المصري نسحور قائد بوابة الأقطار الجنوبية في عهد هذا الملك تواجد جنود عامو "أي قبليين"، وستيو "أي آسيويين" وحاونبو "أي إيجيين"، في أسوان، وكان أغلب القبليين والآسيويين من الآراميين واليهود. وأشارت بردية ديموطية من العام ٤١ من عهد الملك أحمس الثاني "أمازيس" إلى إيفاد عدد من قواته إلى النوبة، وكان من بين الجنود المرتزقة المنضمين إليها ٦٠ شخصًا من خارو أي من جنوب الشام، و١٥ شخصًا من آشور "أو من سوريا؟ ". ولعله قد زاد من فرص التواجد في أسوان أمامهم اتجاه سياسة الدولة حينذاك إلى سحب المرتزقة الإغريق من حاميات الحدود، فحلوا محلهم.

стр. 368

والغريب أن نبوءات أنبياء اليهود أو أحبارهم، ظلت مع كل ما قدمته مصر لشعبهم في الداخل وفي الخارج لا تني تتوعدها بالمستقبل المظلم وبكل شر مستطير! وتزايد تواجد اليهود في معسكرات أسوان على الحدود الجنوبية خلال عصر الاحتلال الفارسي، فكانوا من أدواته وأقرب إلى الإخلاص له وعيونًا له على الوطنيين المصريين وعلى أحداث النوبة. ولعل ذوي قرباهم من يهود فلسطين الذين اعتبروا قورش ملك الفرس مسيحهم المنتظر الذي أعادهم من المنفى، قد ساعدوا الحملة الفارسية على مصر في عهد ولده قمبيز. وقد وجد يهود مصر الجزاء المباشر على ذلك بحيث روى أحد يهود القرن الخامس ق. م في أسوان، أن ملك الفرس "قمبيز" قد هدم كل معابد آلهة مصر وانقص مواردها ولكنه لم يصب المعبد اليهودي في جزيرة آبو بسوء. وروى هيرودوت من ناحية أخرى أن قمبيز أرسل أكلة السمك من الفينيقيين يحملون الهدايا إلى دولة نباتا بهدف التجسس عليها، ويغلب على الظن أن أغلبهم كانوا من اليهود. واستمرت سياسة تقرب اليهود من الفرس في مصر في عهود خلفاء قمبيز بحيث اعتزوا بأنهم احتفظوا لديهم بنسخة من تاريخ حياة الملك دارا الأول، وعندما بليت كتبوا لأنفسهم نسخة أخرى. على أن الملوك، حتى ملوك الفرس أو نوابهم على مصر، لم يطمئنوا إلى ولاء هذه الطائفة دون ضمان ورقابة، فجعلوا رؤساء الفرق الكبيرة "حيلا" والفرق الصغيرة أيضًا. "دجل من جنسيات أخرى، كالبابليين والفرس، وقد ذكرت الوثائق المعروفة أربعة رؤساء دجل بين أعوام ٤٦٤ - ٤٤٦ق. م، وأربعة آخرين بين أعوام ٤٤٦ و٤٢٠، ثم ثلاثة أو أربعة بين أعوام ٤١١ و٤٠٠ق. م. ولا يعرف أن دل تكرار رقم الأربعة في هذه الحالات على تواجد أربع وحدات دجل في آن واحد، أم غير ذلك. وهكذا كان رئيس المنطقة الملقب بلقب "فراتركا" ربما بمعنى الأول أو المقدم، من غير اليهود أيضًا، وكانت له بحكم منصبه سلطات الإشراف العسكري والمدني أيضًا. ضمنت حرفة الجندية للأقليات الأجنبية في منطقة أسوان الإقامة والحماية، وانتفعوا بمرتباتها التي كانت عينية في معظم أحوالها تصرف من بيت المال في آبو وقد عبرت الوثائق عنه باسم خزانة الملك، وعن طريق بيت الملك، أي ديوان الحكم في المنطقة. ولم يحل هذا دون أن يعمل بعضهم في زراعة محدودة وأن يتملكوا تبعًا لذلك بعض الأراضي، وأن يرافق بعضهم قوافل التجارة إلى الجنوب، ويعمل بعض آخر جباة ضرائب في خدمة الدولة، وعاش المرابون اليهود في هذا المجتمع المفتعل الضغير على ما عاشوا عليه في كل العصور، فاتسمت شروطهم بالإجحاف حتى فيما بين بعضهم وبعض فبلغ سعر الفائدة ٦٠% وكانت سريعًا ما تتضاعف حيث كانت فائدة مركبة تضاف قيمتها إلى أصل الدين إن لم تسدد في موعدها لتخضع مثله لربح آخر. وكطائفة تعتمد أساسًا على رابطة الدين - أقام يهود الفنتين في شمال الجزيرة معبدًا لإلههم يهوه جمعوا له المعونات من أثريائهم وفرضوا له تبرعات على رجالهم ونسائهم، ولعلهم قلدوا فيه بعض مظاهر معبد أورشليم في صورة متواضعة بطبيعة الحال، فكان له أعمده حجرية وسقف خشبي ويقوم به نصب ومذبح، ووصفوا ربهم فيه بأنه رب الجنود وأنه الرب الموجود في آبو الحصن أي حصن الفنتين، وإن خالفوا بذلك قانون

стр. 369

الإصلاح الديني الذي لم يعترف إلا بمعبد أورشليم معبدًا رسميًّا ودعا إلى الاعتقاد بأن الإله مسكنه السماء وأن اسمه هو الذي يسكن المعبد. وسواء أتى اليهود معهم برواسب ديانة التعدد القديمة في فلسطين، أو خضعوا لدواعي الاختلاط ببيئة المرتزقة التي عاشوا فيها، أم أتت الوثائق الآرامية بأخبارهم إلى جانب أخبار غيرهم. فقد وردت في هذه الوثائق أسماء معبودات مصرية وآرامية وبابلية وفارسية أيضًا، مثل أسماء ساتت وخنوم، وبيثئيل شمين "ملكة السماء"، ونابو، وبانيت، إلخ. ومع مرور الوقت قامت بين الأقليات في أسوان ومنهم اليهود وبين المواطنين المصريين في المنطقة علاقات تزاوج وتجارة وعمل ومداينات، بحيث تزوجت يهودية من رجلين مصريين على التعاقب، وتزوج مصري من آرامية، وتزوج يهود من مصريات. وكان من الطبيعي أن تشوب هذه العلاقات بعض المنازعات من حين إلى آخر، وكان للمواطنين في بعض الأحيان اليد العليا فيها، بحيث روت إحدى الوثائق أن المحكمة جعلت امرأة يهودية تقسم باسم المعبودة المصرية ساتت في قضية قامت بينها وبين مصري، واشترط مصري على مدينه اليهودي أن يدفع أربعة شواقل فائدة قرضه بمقتضى أوزان بتاح الإله المصري وليس بمقتضى أوزان الملك الفارسي، وعامله بمعاملة المرابين اليهود أي بمقتضى الربح المركب. واشترط تعاقد مصري على متعهدين يهوديين تسلما ٥٠ إردبًا من الشعير والعدس من ملامح مصري لتوزيعها على أفراد الحامية ضمانًا أو شرطًا جزائيًّا قدره ألف شيقل، وربما اشترط الملاح نفسه أن يحصل أجره من حصتهما المقررة من بيت الملك وأن يقتضيه من ممتلكاتهما إن امتنعا عن أدائه. وكانت اللغة الآرامية قد طغت على اللغة العبرية في فلسطين نفسها، لبعض الوقت، كلغة الثقافة والمراسلات ولهذا لم يكن من الغريب أن تطعي عليها كذلك بين يهود إلفنتين لا سيما مع اختلاطهم بالآراميين المشتركين معهم فيها. وتأثرت لغتهم كذلك باللغة المصرية في بعض تعبيراتها الدارجة وفي تعبيرات التعاقد. وكما كان بناء معبد اليهود في الفنتين معبرًا عن روابطهم، أصبح خرابه مقدمة لتفرقهم. فعندما طال احتماء اليهود بالمحتلين الفرس تناسوا حقوق الوطن المصري الذي آواهم - وعندما تعاقبت ثورات المواطنين ضد الاحتلال الفارسي "في أعوام ٤٨٨ - ٤٨٦، ٤٦٠ - ٤٥٤، ٤٥٠، و٤١٠ق. م" لم يساندهم اليهود فيها، أو على حد تعبير إحدى الوثائق الآرامية لم يتركوا مراكزهم ولم توجه إليهم تهمة التمرد. وربما تجاوزوا تجاهل المشاعر القومية المصريين إلى تجاهل تقاليدهم الدينية أيضًا، فتجرءوا على تقديم الأضاحي من الكباش في معبدهم عوضًا عن الجداء، وكان الكبش رمزًا مقدسًا للمعبود خنوم في أسوان. وهكذا استمر السخط يتفاقم ضدهم حتى أفضى إلى تدمير معبدهم في حوالي عام ٤١٠ق. م خلال العام الرابع عشر من حكم الملك الفارسي دارا الثاني. والطريف أن رسائل اليهود لم تنسب هدم المعبد إلى كهنة خنوم المصريين في حصن إلفنتين وحدهم، وإنما ذكرت أنهم استغلوا غياب الوالي الأكبر "خشاتر أبافان أو الساتراب" أرشام الفارسي عن مصر فاتفقوا مع فرارتكا أسوان، أي رئيسها، فبدرانجا الفارسي، على إزالة معبد اليهود من الجزيرة

стр. 370

فاستجاب لهم وكلف بذلك ولده أحد قادة حامية أسوان فقاد المصريين وجنودًا آخرين وهدموا المعبد، وأقاموا على جزء من أنقاضه مدخلًا إلى ناحية معبد خنوم المصري، وفي سبيل إقامة هذا المدخل استغلوا جزءًا يحد مخزنًا ملكيًّا مجاورًا له وأقاموا سورًا في وسط الحصن وعطلوا "حين بنائه" بئرًا كانت تمد المعسكر اليهودي بالماء، وهكذا ألقى اليهود جانبًا كبيرًا من مسئولية ما حدث على الحاكم الفارسي المحلي وولده، مما يعني أن مسلكهم لم يرض بعض الفرس أيضًا، وإن ادعوا في رسائلهم أن هذا الحاكم فعل ما فعله مقابل رشوة كبيرة، وهو ادعاء يصعب أن يعرض الرجدل به سمعته وسمعة ولده للمساءلة أمام ملكه نصير اليهود. وعلى أية حال ففي ثلاث رسائل للوالي الفارسي الكبير أرشام وهو بالخارج ما يشير إلى "وقت ثورة مصر"، مما يعني قيام ثورة في غيابه، وأن إجراء أهل أسوان ضد المعبد اليهودي كان صدى لثورة عامة ضد المحتلين وأعوانهم أو على الأقل قد صادفها وانتفع بآثارها. وقد يزكي هذا الاستنتاج بردية ذكرت أسماء خمسة من كبار اليهود وأكثر من ست نساء عوقبوا وربما اعتقلوا في البوابة في مدينة طيبة، وروت أنه جرى استرداد المقتنيات التي كانت قد سلبت من بعض المساكن، وفرضت عقوبة مالية. وربما دل هذا على سبق اعتداءات يهودية ثم تعرض المعتدين للعقوبة والتغريم في مدينة طيبة على أيدي قضاة وطنيين في فترة من فترات ازدهار الشعور الوطني ضد المحتلين وأعوانهم. وتسامح المصريون بعض الشيء، فتركوا اليهود حيث هم، وربما لم يعترضوا على بناء معبدهم في موضع آخر خارج حصن إلفنتيني. فلم يقنع اليهود بهذا التسامح وأبوا إلا أن يعاد بناء المعبد في نفس موضعه بحجة أن الملوك المصريين السابقين لم يعترضوا عليه وعندما احتل الفرس مصر أبقوا عليه وحينما اعتدوا على معباد كل آلهة مصر لم ينالوه بسوء. ولاستثارة العطف عليهم ادعى اليهود أنهم حرموا على أنفسهم شرب الخمر والتمضخ بالزيوت ومضاجعة النساء حتى يعاد بناء معبدهم. وتوالت رسائل رؤسائهم إلى كل من أملوا في مساعدته لهم، فكتبوا إلى باجوهي الوالي الفارسي على يهوذا "وثمة احتمال بيهوديته على الرغم من اسمه الفارسي" وإلى يوهانان حاخام أورشليم وزملائه الكهنة وإلى كبرائها، ولكن لم يستجب لعويلهم أحد. وعاودوا الشكاية والاستعطاف في رسائلهم بعد ثلاث سنوات، إلى باجوهي مرة أخرى وإلى داليا وشليمنا ولدى سنبلاط حاكم السامرة عساهما أن يقنعا أباهما بمعاوتهم. وكان من تزلفهم في افتتاحية إحدى رسائلهم إلى باجوهي في عام ٤٠٧ق. م ما يقول "أعز رب السماء مولانا كثيرًا وعلى امتداد العمر، وحباه الحظوة لدى جلالة الملك دارا ونبلاء الفرس أكثر مما هو عليه الآن ألف مرة ... "، إلخ. ثم وعدوه إن استجاب لهم وكتب إلى أصدقائه في مصر لإعادة بناء المعبد وإعادة القرابين والبخور والمحروقات "على نفقة الدولة؟ " أن يقدموا كل هذا باسمه ويصلوا من أجله هم ونساؤهم وأطفالهم وكل اليهود الموجودين معهم. ولعلهم أرفقوا برسالتهم هدايا ملائمة مما جعل باجوهي وداليا يعدان رسولهم شفاهة وليس كتابة بالسعي لتحقيق أملهم دون الالتزام بتقديم الأضاحي المحروقة التي كان يجب أن يقتصر تقديمها على معبد أورشليم وحده. والتزم يهود إلفنتيني بهذا الأمر فكتبوا إلى أحد أصحاب النفوذ في مصر ولعله أرشام والي مصر الفارسي يعدونه إن هو سمح بإعادة بناء المعبد حيث كان بأنهم لن يقدموا أغنامًا أو ثيرانًا أو ماعز كأضاحي محروقة وسوف يكتفون بالبخور وقرابين الطعام والشراب، وأنهم سوف يقدمون إلى بيت مولاهم في مقابل

стр. 371

ذلك أموالًا كثيرة وألف إردب من الشعير. ولعلهم قد قدروا في التزامهم هنا بعدم تقديم الأضاحي المحروقة أمرًا آخر. وهو احترام شريعة الفرس المجوس التي حرمت تدنيس النيران بحثث الحيوانات. ومضى عند دارا الثاني، ونكاية في المصريين حصل اليهود من خلفه أرتاخشاشا "أرتاكسركسيس" الثاني على وعد بتنفيذ مطلبهم، وربما في مقابل وقوفهم في وجه الثوار المصريين أيضًا، ويبدو أنهم أعادوا معبدهم بصورة ما. وبعد قليل أعلن الملك المصري أمون حر نفسه فرعونًا وحرر بلاده من الفرس في حوالي عام ٤٠٤ق. م، ولو أن وثائق الآراميين واليهود لم تؤرخ باسمه حتى العام ٤٠١ق. م مما قد يعني ترددهم في الاستجابة له، ثم انقطعت وثائقهم بعد عام ٣٩٩ق. م، مما يدل على تبدد شملهم خلال عهود الأسرات الفرعونية الأخيرة، وإن استعادوا بعض وجودهم مرة أخرى بعد ذلك في بداية العصر البطلمي١.

стр. 372

الأسرتان الأخيرتان: توالى على مصر بعد إجلاء الفرس في عام ٤٠٤ق. م أكثر من ستين عامًا، لم يخب الصراع خلالها بين مصر المستقلة التي ما فتئت تذود عن سمعتها وحاولت الانتقام لنفسها مما أصابها إبان فترة الاحتلال، وبين فارس التي ما فتئت تعاودها حمى الاستعمار ورغبة الثأر لشرفها المسلوب. وتعاقبت على عرش مصر بعد عهد آمون حر أسرتان حاكمتان من شرق الدلتا، صحت عزائم أصحاب الشخصيات القوية من ملوكها على النهوض بعد النكسة واستعادة المجد القديم، بينما تقطعت دابر أصحاب الشخصيات الضعيفة منهم مناوأة الارستقراطية الإقطاعية لهم، بحيث لم تزد فترة حكم الواحد منهم عن بضعة شهور أحيانًا. ونشأت أولى الأسرتين، وهي التاسعة والعشرون، في مدينة منديس "تمي الأمديد وتل الربع شمال شرق السنبلاوين"، ولم تستمر أكثر من عشرين أو واحد وعشرين عامًا تعاقب فيها أربعة ملوك أو خمسة، كان أهمهم أثرًا مؤسسها نايف عاورود "بانرع - مرن نثر"- ثم ثالث ملوكها هجر "أو هقر". وجرى كل منهما على سنة التعاون مع العالم الإغريقي لمواجهة الفرس أعداء الطرفين. وبدأ الفرس مع بداية عصر الأسرة التاسعة والعشرين مستغلين قلقلة انتقال العرش المصري من أسرة المحرر أمون حر، وحشدوا جيشًا وأسطولًا كبيرين في فينيقيا لغزو مصر١، ولكن صرفهم عن إتمام خطتهم مشاكل ولاية عرشهم وثورة آسيا الصغرى وجزرها ضدهم بعد أن أيدتها دولة إسبارطه الطامعة في زعامة الإغريق وصاحبة أقوى الجيوش البرية في أرض اليونان. واتقاء لعودة غدر الفرس تقاربت وجهات النظر بين مصر وبين إسبارطه، وبدأت مصر بمد يد العون فأمدت حليفتها في عهد نايف عاورود بأموال وخمسمائة ألف مكيال من الغلال وتجهيز مائة سفينة مقاتلة، ولكن هذا المدد الذي تحملته خزائن مصر المجاهدين المجهدة لم يؤدِ الغرض منه وحطمه قائد أثيني كان يخدم الفرس عند رودس٢. وبعد سنوات عقدت إسبارطه الصلح مع الفرس، ولم تتذكر مصر في صلحها، فبقيت مصر وحدها.

стр. 373

ولبت مصر المتعطشة للانتقام والباحثة عن الأحلاف دعوتين أخرتين في عهد هجر "خنم ماعت رع - ستبن خنوم" لمناوأة الفرس، إحديهما من أثينا، والأخرى من إفاجوراس ملك قبرص، فأعانت هذا الأخير بخمسين سفينة، ومدد من الغلال، وأخذ كل منهما يكافح الفرس في ناحية؛ مصر تكافحهم على حدودها، وأهل قبرص يكافحونهم في جزيرتهم وعلى سواحل فينيقيا، وبدأ الفرس بمهاجمة مصر ولكنها كسرت حدة جيشهم في معركة غير محددة المعالم ناضلتهم فيها برجالها وبمرتزقة من الإغريق كان على رأسهم خابرياس الأثيني. وبعد نضال طويل سلمت قبرص أمام الفرس في عام ٣٨٠ق. م١ وبقيت مصر وحدها مرة أخرى. وكان هجر أطول ملوك الأسرة حكمًا في هذا العصر القلق "٣٩٣ - ٣٨٠ق. م"، ولأمر ما بدأ ارتباطه بالإله خنوم رب أسوان واضحًا في اسمه، وعللت بردية الأيام الديموطية استقراره النسبي بسخائه مع المعابد، ولكن ما لبث الحظ أن تخلى عنه، على حد قولها؛ لأنه خالف الشريعة وجافى إخوته، فاكفهر الجو السياسي، وتبعه اثنان حكم أحدهما عامًا واحدًا وحكم الآخر بضعة شهور، وانتقل عرش مصر بعدهما في ظروف قلقة إلى أسرة جديدة من سمنود "على مبعدة قليلة من عاصمة الأسرة السابقة". استعان مؤسس الأسرة الأخيرة، الثلاثين، نخت نيف "خبر كارع" - أو نكتانب كما سماه الإغريق "خلال ٣٨٠ - ٣٦٣ق. م" بمساعدات المعابد. وبتأييد كهنة سايس على تدعيم ملكه، ثم رد لهم الفضل مضاعفًا، فأحال ضريبة العشر المفروضة على منتجات وواردات وصادرات نقراطيس مركز التجارة الإغريقية إلى صالح معابد نيت في سايس٢. ونشط العمران في عهده في المعباد المصرية، ابتداء من شمال الدلتا حتى جزيرة فيلاي جنوبي أسوان. وكان عليه أن يتيقظ لغدر الفرس ويستعين بمن يمكن الاستعانة به ضدهم، لولا أن أحلاف الأمس وهم الإغريق أصبحوا يعملون لمن يجزل العطاء لهم، حتى ضد بعضهم بعضًا، وهكذا عوضًا عن أن تتعاون أثنيا معه خضعت لضغط الفرس فاستدعت قائدها خابرياس الذي كان يعمل بأعوانه في الجيش المصري، وساهمت في إعداد ٢٠ ألفًا من المرتزقة لمعاونة الفرس ضد مصر. وفي ظل هذه الملابسات تجمع في بلاد الشام الخاضعة للفرس جيش ضخم قدره رواة الإغريق بمائتي ألف من جيوش الفرس وأتباعهم فضلًا عن عشرين ألفًا من مرتزقة الإغريق "وهو تقدير مبالغ فيه"، وكان فوق طاقة مصر أن ترده وحدها بسهولة فعبر الحدود في صيف ٣٧٣ق. م، واستخدم الفرع المنديسي في نقل بعض قواته الكبيرة، وهنا لجأ القادة المصريون إلى إجزاء بارع فتريثوا حتى تدفق أفراد هذه القوات على الدلتا ووصلوا منف، ثم حصروهم عندها حتى دهمتهم مياه الفيضان وأشاعت الفشل فيهم فتراجعوا أمامها وأمام هجمات المصريين٣. ولما كانت معاونة الإغريق تشترى بالأكثر من المال، بذل "جدجر" "إرماعت نرع"، أوتيوس كما دعاه

стр. 374

مؤرخو الإغريق، الكثير في سبيل شرائها من إسبارطه ومن أثنيا معًا، فاستعاد خابرياس الأثيني إلى خدمته هو وعشرة آلاف من قومه، وفاوض أجيسيلاوس ملك إسبارطه العجوز ليستعين بخبرته فانضم إليه بألف من رجال "وكانت مصر قد أسلفت العون له بمددها الذي غرق عند رودس". وجند جدحر ثمانين ألفًا من المصريين والمهجنين، وأعد ما بين ٢٠٠ - ٣٠٠ سفينة وصله بعضها من آسيا الصغرى١، وتأهب للخروج بهم عبر الحدود لضرب جيوش الفرس خارج بلاده وليحرمهم من خيرات الشام ومراكز تجمعاتهم فيها، ولكن الأمور لم تكن هينة أمامه، فقد تنافس القائد الأثيني والملك الإسبارطي على القيادة العليا، وحل جدحر هذه المشكلة بأن تولى هو القيادة العليا، وعهد بقيادة المرتزقة كلهم إلى أجيسيلاوس الإسبارطي العجوز الذي بلغ الثمانين وظن أنه سوف يأتي برجاله الألف العجب العجاب، كما عهد بقيادة الأسطول إلى خابرياس الأثيني المغرور٢، ولكنه لم يستطع أن يستل الحقد من قلب أحدهما تجاه الآخر أو تجاهه هو. ولتموين جيشه الضخم، والإنفاق على مشروعه الكبير، ولإرضاء المرتزقة الذين أبوا أن يتسلموا أجورًا عينية كالعادة واتفقوا معه على أن يتسلموها نقدًا، رأي أنه لا بأس من فرض تضحيات اقتصادية على شعبه طيلة فترة الحرب وفي سبيل هدف أسمى، واستأنس في ذلك بمشورة خابرياس الأثيني، فأمر بمصادرة كثير من المعادن الثمينة في مصر، وحض الكهنة على التبرع بجانب من أملاكهم الخاصة والاكتفاء بإنفاق عشر المخصصات المرصودة للمعابد وتحويل بقيتها لخزائن الدولة حتى تنتهي الحرب، وحض كل مواطن على التبرع بجانب من مدخراته، وفرض نسبة ضريبية معينة على عمليات البيع والشراء، مع تعميم ضريبة العشر على الأرباح ومصادر الدخل المختلفة٣. وعندما خرج الجيش اللجب إلى بلاد الشام لضرب الفرس فيها، أعاد إلى الأذهان ذكريات جيوش الدولة الحديثة وأمجادها، لولا أن أتاه الأذى من مأمنه، في مصر والشام معًا، ففي مصر انقلب على جدحر أخوه ونائبه على عرشه واستعان بتذمر الكهنة والمتضررين من الضرائب الجديدة التي رأوها تنصرف إلى المرتزقة الأجانب أكثر مما تصل إلى مواطنيهم. ولما كان هذا الأخ شيخًا استدعى ولده من جيش عمه ليقود الانقلاب بدلًا عنه. وفي الشام أحدثت أخبار الانقلاب انشقاقًا في صفوف الجيش، واختار المرتزقة صوالحهم، فانسحب خابرياس الأثيني بجنوده، وانضم أجيسيلاوس الإسبارطي بجماعته إلى ابن الأخ المطالب بالعرش وعاد معه إلى مصر ليتلقى جزاء تأييده له٤. وهنا لجأ جدحر كسيرا إلى صيداوروي منافسوه أنه طلب حق اللجوء السياسي بعد ذلك من الفرس، وهكذا أتت نهايته على غير ما أراده لنفسه وانتهى مشروعه إلى غير ما أمله فيه شعبه.

стр. 375

ولما كانت مقادير الشرق قد أصبحت مرتبطة بما بين الإغريق والفرس ومصر، ظهر رأيان متعارضان رددهما فريقان من بلاد الإغريق في خضم النزاع بين مقدونيا الناهضة بزعامة فيليب الثاني وبين أثينا العجوز الواهنة، بشأن مدى المنطقية في التعاون مع مصر على قتال الفرس. وعبر أرسطو عن الرأي الأول بلسان مقدونيا وأيد فيه منطقية مساعدة المصريين حتى لا يقعوا ثانية فريسة للفرس، ونبه قومه إلى أن دارا وإكسركسيس لم يتمكنا من قتال الإغريق إلا بعد إخضاع مصر، وأنه لا يستبعد حدوث الأمر نفسه إذا تكرر استعمار الفرس لها من جديد. وذهب إلى ضد هذا الرأي خطيب أثينا الأشهر ديموسثينيس فسخر ممن يريدون حرب الفرس في مصر، ودعاهم إلى أن يقفوا في أطماع الغول المقدوني في أرضهم قبل أن يقفوا في وجه الفرس١. ونعود إلى مصر التي ولي عرشها ابن الأخ "مخت حرحب" "سنجم إب رع"، أو نكتانبو "الثاني" كما دعاه بعض المؤرخين الكلاسيكيين٢، فأخرص الأصوات الباقية على الولاء لعمه، وأرضى الكهنة المتذمرين، وأعاد الإسبارطيين بالهدايا، وقد مات قائدهم العجوز في الطريق. ثم رد بالجيش المصري هجومًا حاول الفرس أن يستغلوا له ما كان من تفرق الكلمة في بلده، وترتب على انتصاره عليهم أن انقلبت مدن فينيقيا ضدهم وتزعمتها صيدا التي قيل إن جدحر الملك المخلوع قد لجأ إليها، وبهذا ظن نخت حرحب أن زمانه صفا له وأن الأمن تحقق له في الداخل وفي الخارج، فكثر إنشاء العمائر الدينية في عهده تخليدًا لذكره وإظهارًا لتقواه وتعبيرًا عن الشكر المعتاد للأرباب ومداراة للكهنة. وحتى هذه المرحلة كانت مصر لا تزال تعتبر نفسها في نهضة، ولا تزال عند الإغريق كعبة للمعرفة والعلم القديم، وحسبنا أن نشير إلى ما رواه بعض المؤرخين الكلاسيكيين من أن الفيلسوف الأثيني الأشهر أفلاطون قد زار مصر في أوائل القرن الرابع ق. م ليتعلم فيها الحكمة واللاهوت والعلوم، وتتعرض صحة هذه الزيارة للشك ولكن يكفي ما في روايتها من دلالة على تقدير العالم الخارجي لمصر حتى وهي في أيام محنها. وانعكست مشاعر العصر وآماله ونكساته على فنونه التي نكتفي باستعراض القليل منها. فقد انتقلت إلى حوزة المتحف المصري والمتاحف الأوروبية، ومتحف برلين بخاصة، رءوس مصرية صغيرة من أحجار صلبة رائعة، اختلف الباحثون في توقيتها بين عصر الأسرة السادسة والعشرين وبين عصر الأسرة الثلاثين، واتصفت ملامح هذه الرءوس باتساع ما بين الأنف والشفة، وتقطيب ما بين الحاجبين، وكرمشة الركن الخارجي للعين٣. وظهرت بهيئة تشبه هيئة الرءوس الإغريقية والرءوس الرومانية التي أتت بعدها بأجيال طويلة. ولا تعني هذه المشابهة أن فناني الرءوس المصرية كانوا إغريقًا أو متأثرين بفن الإغريق أو الرومان بالضرورة، فالإغريق حينذاك وعلى الرغم من تقدمهم الحضاري، كانوا لا يأنفون من استيحاء

стр. 376

ما يناسبهم من فنون المصريين، دون القيام بتعليم الفنانين المصريين أو التأثير في فنونهم تأثيرًا يذكر١، ولم يكن للرومان حينذاك حضارة يعتد بها. وفيما بين عصر الأسرة الثامنة والعشرين وعصر الأسرة الثلاثين طور الفنانون تراثهم القديم للمرة الأخيرة، وجاهدوا في الارتقاء به جهد طاقتهم، ونحتوا تماثيل قليلة العدد، ولكنها رائعة الأداء والتعبير، تكسو وجوهها جميعها علامات المسئولية والهم وآثار الكفاح، وتغلب عليها تجاعيد الجباه وتقطيباتها٢. وبقي من نماذجها الناجحة تمثال نصفى للفرعون "هجر"، ورأسان الفرعون "نخت نبف"، وتمثال للفرعون "نخت حرحب"، وصورت هذه القطع الأربع بهيئاتها الشخصية الصادقة آخر روائع فن النحت المصري في عصوره القومية الخالصة القديمة٣. واستمر فنانو الإنتاج الديني يلبون مطالب كبار الكهنة والحكام في نحت التماثيل الكبيرة والتوابيت الضخمة، وكأن هؤلاء، أو الغالبية منهم على أقل تقدير، لم يتأثروا كثيرًا بما أصاب بلادهم في عصورها الأخيرة من متاعب ونكسات، فنحتوا لهم توابيتهم الحجرية من أشد الأحجار صلابة وصنعوها بأحجام هائلة، وشكلوها على هيئات بشرية كاملة، ونقشوا سطوحها الداخلية والخارجية بنصوص كتب الموتى ومناظر الآخرة، وفعلوا ذلك كله في إسراف شديد، يصعب أن نتصور معه كم كانت تستلزم صناعة التابوت الواحد منها من جهد ونفقة وصبر طويل.

стр. 377

خاتمة المطاف القديم: كان الأمن الذي توفر لمصر في عهد نخت حرحب أمنًا كاذبًا؛ إذ استعر حقد الفرس على مصر الناهضة منذ أن ولي أمرهم أرتاكسركسيس الثالث "أوخوس"، وكان طموحًا أعاد الأمل لقومه في الانتقام لشرفهم المسلوب واستعادة غلال مصر وذهبها، وبذل في سبيل مشروعه لغزوها منذ عام ٣٤٥ق. م جهودًا روى ديودور الصقلي أخبارها، وقاد جيشه بنفسه وبدأ بميناء صيدا مركز الثورة في فينيقيا فدمرها بعد أن تخلت عنها النجدة الإغريقية التي استأجرتها مصر من أجلها، وانضمت إليه ثم أخضع جيرانها١. وعندما شارف الحدود المصرية بلغت قواته فيما روى بعض مؤرخي الإغريق أكثر من ثلاثمائة ألف مقاتل من بلده ومن ولاياته ومن مرتزقة الإغريق وأمثالهم، فضلًا عن ٣٠٠ سفينة، واستفاد من تجارب الحرب السابقة، فبدأ هجومه في خريف ٣٤٣ق. م، دون خشية من أخطار الفيضان، واستفاد من قواته البرية. والملاحية معًا، فوزعها لدخول الدلتا من ثلاث جهات، وسلك سبيل المخادعة فأمر قادته بأن يعرضوا الأمان للمدن

стр. 378

إذا فتحت أبوابها. ووقفت مصرفي وجهه وقاومت بجيوشها جيوشه مقاومة عنيفة في بلوزيوم "القرما"، وبلغ مجموع جيشها فيما روى الإغريق نحو مائة ألف، وكان كافيًا للمقاومة على الرغم من أنه ثلث عدد جيوش الفرس، وهنا رُوي أن نخت حرحب تردد في الأخذ برأي قادته في ضرورة استمرار القتال في أعقاب مقاومة بلوزيوم وانخدع برؤيا رأى فيها الإله إنحرة يعده إنقاذ مصر بالفيضان كما فعل في المرة الأولى. وكان في هذا التردد فرصة للفرس، وما لبث الجنود المرتزقة من الإغريق أن انضموا إليهم بعد أن أحسوا بأن الكفة بدأت تميل لصالحهم، فتراجع نخت حرحب إلى منف واستعد للتحصن بها على أمل إطالة وقوف الأعداء عندها حتى يتحقق وعد ربه، وعندما أيقن عقم المقاومة تراجع إلى أقصى الصعيد حيث احتفظ بحكمه نحو عامين١، ثم اختفى أثره وأصبح محورًا لأسطورة نعرضها بعد قليل. ونشر الأخطبوط الفارسي نفوذه على ما دون ذلك من أجزاء الوادي، وبدأ استعماره الثاني، وهو استعمار لم يطل غير عشر سنوات أو أحد عشر عامًا ولكنه بدأ بانتقام عنيف ولم يرع عهود الأمان التي قطعها ملكه للمدن المفتوحة، وما كان يرتجى أمان من غاز موتور. وهنا وصفت بردية الأيام الديموطية كيف فقدت بيوت المصريين رجالها .... وسكانها الماذيون "الفرس"٢. وروى كل من ديودور الصقلي والمصادر البطلمية أن أرتاكسركسيس أمر بتدمير أسوار المدن الرئيسية، ونهب كنوز المعابد، وامتهن ديانتها وأمر بنقل تماثيلها الثمينة إلى فارس وتاجر أعوانه بوثائقها النادرة، ثم كافأ الإغريق الذين عاونوه وأعادهم إلى بلادهم، وعين واليها فراسيا على مصر وعاد بجيشه إلى بابل ومعه الغنائم واكتسب شهرة واسعة بنجاحه٣. ولكن لأمد محدود؛ إذ مات مسمومًا وتبعه ولده مسمومًا كذلك. ووصف بتوزيريس "بادي أوزير" كاهن الأشمونيين المصري أحداث هذه الفترة وكيف لم يسترجع أحد موضعه الذي كان فيه نتيجة الاضطرابات التي شهدتها مصر، حين كان الصعيد في قلق والدلتا في ثورة ... وبعد أن خوت المعابد وما عاد شيء يجري فيها منذ غزا الأجانب مصر٤ وكان الدلتا وما حولها في ثورة فعلًا على الرغم من انتشار الحاميات الفارسية فيها، وقد ذهب زعماؤها مذهبين: فرأى فريق منهم أن يناضل في وطنه، وكان منهم زعيم يدعى خباش سيطر على جانب من الدلتا واعترف به كهنة منف وبعض أهل الصعيد فرعونًا٥ وصرف الفرس عنه أصوات دقات عنيفة سمعوها من بلاد الإغريق التي بدأت حينذاك أعظم أيامها تحت راية الإسكندر الثالث "الأكبر". ثم فريق آخر من المصريين رأوا العودة إلى معاونة الإغريق ضد الفرس في الخارج ثم الاستعانة بهم ضدهم في الداخل، وكان من هؤلاء طبيب مقاتل يدعى سماتاوي تاف نخت انضم إلى جيوش الإغريق عندما عبرت أوروبا إلى آسيا وهبطت من آسيا الصغرى إلى قتال الفرس في الشام٦. ولم يكن قادة الإغريق في هذه المرة من أثينا أو

стр. 379

إسبارطه، ولكنهم كانوا من المقدونيين تحت زعامة الإسكندر الذي خرج من بلده بهدف عريض، وهو القضاء على إمبراطورية الفرس والحلول محلها في مناطق نفوذها وإذلال ملكها ومعاملته بما حاول إكسر كسيس الأول أن يعامل الإغريق به. وكانت دولة الفرس حينذاك كما عهدناها، دولة ضخمة الإمكانيات ضخمة الإمكانيات متسعة الأرجاء وفيرة الثراء تسيطر على الهلال الخصيب وأجزاء من الشرق الأوسط وتستطيع أن تجند جيوشًا ضخمة من رجالها ومن ولاياتها، ولكنهاكانت مع ذلك عجوزًا مهلهلة، مزقتها الخلافات الداخلية، وجمدت جيوشها عند أساليب حرب عتيقة، وكرهتها الشعوتب الخاضعة لها. وكان على رأسها ملك محبوب من رعيته وهو دارا الثالث، ولكنه كان ضعيف الإرادة بطيء التصرف سيئ الحظ. ولن نطيل في وصف انتصار الإسكندر عليه في موقعة إسوس قرب الإسكندرونة الحالية في نوفمبر ٣٣٣ق. م، ويكفي أن نضيف أن الإسكندر خطط لنفسه بعدها أن يحل محل الفرس في بلاد الشام ومصر حتى يحرمهم من مواردهما الضخمة ويحرمهم من سواحلهما الطويلة ومن اتخاذ موانيهما ملاجئ لأساطيلهم، ثم ينتفع بهذا كله ويضع أكبر موارد الغلال في الشرق في قبضته، ويؤمن ظهره إذا هاجم الفرس في عقر دارهم١. ومرة أخرى نتجاوز عن تفاصيل حروب الإسكندر في الشام، لنجد الوالي الفارسي في مصر يعلن التسليم له ويترك له مقاليدها. وعندما دخلها الإسكندر في خريف ٣٣٢ق. م ثوب منقذها من الفرس، لم يكن أعوانه أغرابًا عنها، فطالما عمل بعضهم مرتزقة في جيشها، وطالما شاركها بعضهم في معاداة الفرس. وعلى نحو ما عمل إغريق نقراطيس وسطاء في التجارة بينها وبين بلاد اليونان عملوا كذلك وسطاء بينها وبين الإسكندر. ولكن فات مصر أن إغريق اليوم غير إغريق الأمس، وأنهم أتوها يومئذ يعملون لحسابهم الخاص، مستعمرين وليسوا مأجورين، سادة وليسوا مرتزقة. وسلك الإسكندر في مصر مسلك النزيل الحصيف، فاحترم تقاليدها واحترم أربابها وتجشم مشقة الرحلة إلى معبد آمون مقر الوحي في واحة سيوة بقلب الصحراء الغربية، وادعى البنوة له واستلهم وحيه، فاعترف كهنته بالأمر الواقع وبشروا الإسكندر بما أراد أن يبشروه به من تأييد ربهم ونصره. ثم أشاع خلفاؤهم لإرضاء قومتيهم المغلوبة على أمرها، أن الإسكندر لم يكن غريبًا عن الأرض الكريمة التي دخلها، وأن ملكهم القومي الأخير نخت حرحب "نكتانبو الثاني" الذي خفي أمره كان قد نزح إلى مقدونيا تتلبسه روح آمون، حيث شغف بملكتها أولمبياس حبًّا وأنجب منها الإسكندر٢. ولسنا ندري مدى تصديق المصريين لهذا التهريف، ولكن الغريب أنه على الرغم من كثرة ما ادعاه الإسكندر من البنوة لأرباب آخرين من الشرق ومن الغرب، ظلت بنوته لآمون لاصقة به لصوق بنوته لزيوس الإغريقي، بحيث حدث عندما اختصم رجاله معه في أواخر عهده وهم في قلب الهند أن نكصوا عن متابعته إلى الحرب والفتح قائلين له: "اذهب أنت وأبوك آمون فقاتلا"٣.

стр. 380

الفصل الحادي عشر: في عقائد الدين والآخرة أولًا: عقائد التأليه نشأتها: أخذت الديانة المصرية حين نشأتها وفي مراحل طويلة من تاريخها بتعدد المعبودات شأنها في ذلك شأن مثيلاتها من الديانات الوضعية القديمة. ولكنها ظلت أغنى من غيرها في وفرة نصوصها، ووضوح قضاياها، وثباتها على مبادئها، ثم رقي تطوراتها التي انتقلت فيها من عقائد التعدد إلى صور مختلفة من أفكار التوحيد. ورد المصريون الأوائل كل ظاهرة حسية تأثرت دنياهم بها إلى قدرة علوية أو علة خفية تحركها وتتحكم فيها وتستحق التقديس من أجلها، الأمر الذي أفضى إلى تعدد ما قدسوه من العلل والقوى الربانية المتكلفة بالرياح والأمطار وظواهر السماء، وبجريان النيل وتعاقب الفيضانات، وتجدد خصوبة الأرض ونمو النبات، وخصائص الخصب النوعي في الإنسان والحيوان، بل والمتسببة فيما اتصفت به كل بيئة محلية في أرضهم من صفات، والمقدرة لما تميزت به حضارتهم في مجملها من خصائص سمت بها عن بقية الحضارات، كمزايا التبكير بالكتابة والحساب والحكمة والفنون وما يشبهها من آيات أكبروها فردوا خلقها ورعايتها إلى قدرات علوية سامية فاقت قدرات البشر. وربط المتدينون بين تصوراتهم العقائدية الذهنية وبين علامات كثيرة من عالم الواقع والمحسوسات، فرمزوا إلى كل قوة عليا وعلة خفية تخيلوها برمز حسي يعبر عن سر من أسرارها ويحمل صفة من صفاتها، والتمسوا أغلب رموزهم هذه فيما عمر بيئتهم من حيوانات وطيور وأشجار وزواحف، لاحظوا أنه يتأتى عن بعضها كثير من الخير ويتأتى عن بعضها كثير من الشر، ويظهر أثر البعض منها في جهات بعينها وفي ظروف بعينها أكثر مما يظهر أثر بعضها الآخر، وهو الأمر الذي لم يكن يخلو من إعجاز كبير في نطاق تصوراتهم القديمة التي كانت في عصورها الأولى لا تزال قليلة التجارب محدودة الآفاق. وبوحي هذه التصورات رمزوا بحيوية الكبش الطلوق إلى بعض أرباب الإخصاب الطبيعي والنوعي، ورمزوا بقوة الفحل إلى شيء من ذلك وإلى قوة البأس في مجملها. ورمزوا بنفع البقرة ووداعتها إلى حنو السماء وأمومتها، ورمزوا بقسوة السباع واللبوءات إلى أرباب الحرب ورباتها، ورزمزوا بفراسة القرد واتزان طائر أبي منجل إلى إله الحكمة. ورمزوا بالحيات والضفادع إلى أرباب الأزل، ورمزوا بخصائص الصقر إلى رب الضياء وحامي الملكية، وهلم جرًّا. وصاحبت ذلك عومل أخرى ارتبطت في أذهان الجماعات البدائية الأولى بصور فطرية من الرغبة والرهبة والخيال. كالرغبة في استمرار النفع والاستزادة من الخير من أجناس معينة من الحيوان والطير عن طريق تقديس القوى الخفية التي تخيلوها تتولى أمرها وتوجهها لغاياتها. ثم صور الرهبة المختلفة: رهبة الخوف، ورهبة العجب، ورهبة الاستعظام، التي كانوا يستشعرونها أمام أجناس معينة من الحيوان والطير، وبالتالي تجاه القوى الخفية التي أوجدتها وزكت فيها قدراتها. وأخيرًا عامل الخيال الديني المتمثل في إيمان عامة الناس بالمعجزات والكرامات وحرفية الأساطير١.

стр. 381

خصائصها: في ضوء ما أسلفناه من تصورات وتأويلات، قد يهضم منطقنا الحالي أقلها، ويأبى أكثرها، يمكن أن نرتب لديانة مصريي العصور التاريخية، والمثقفين منهم بخاصة، الخصائص التالية١: أولًا: يلحظ أنه ما من معبد من المعابد المصرية الكبيرة الباقية، مما خلفته العصور الممتدة من الدولة القديمة حتى نهاية الدولة الحديثة على أقل تقدير، أي خلال ما يقرب من ألفي عام، قد تضمن مكانًا معدًّا لحيوان. وذلك مما يعني أن مزار الحيوان المختار إذا وجد لم يكن مقرًّا لعبادة فعلية مفروضة. وإن أضفنا من ناحية أخرى، بناء على نصوص وصور قليلة، وعادات أخرى تتعلق بالثور أبيس وغيره "من عصور متأخرة"، أنه إذا قضت الظروف بالعناية بحيوان معبود ما، وضع الكهنة الحيوان المختار في مزاره منفصلًا عن مكان العبادة، بحيث إن شاء المتعبد زاره وإن شاء تجاوزه. ثانيًا: أنهم لم يقدسوا حيوانًا لذاته، ولم يقروا تمامًا لأربابهم بالتجسد المادي في هيئة حيوان أو طير، وإنما كان اهتمام المتدينين منهم بما تخيروه من هيئات الحيوان والطير يستهدف رغبتين، وهما: رغبة الرمز إلى صفات إله خفي ببعض المخلوقات الظاهرة التي تحمل صفة من صفاته أو آية من آياته، ثم رغبة التقرب إليه عن طريق الرعاية التي يقدمونها ضمنًا لما رمزوا به إليه من مخلوقاته. ثالثًا: ترتب على التفرقة بين كل إله وبين رموزه الحية من الحيوانات والطيور، أن اختلف وضع هذه الكائنات عندهم عنه لدى شعوب أخرى، فلم يكن اختيار المصريين لرمز أو فرد من الحيون يؤدي إلى تقديس كل أفراد نوعه، ولم يكن من بأس على قرية ترمز إلى ربها بهيئة الفحل مثلًا أن تستخدم الفحول في الحقل والنقل والذبح وتضربها. وإنما هو مجرد حيوان واحد منها يتخيره الكهنة إذا توافرت فيه علامات حددها لهم الدين ونواميسه، ثم يتركونه في مزاره آية مشهودة حتى ينفق. وذلك على العكس من شعوب أخرى قدست أنواعًا من الحيوانات بكافة أفرادها أو حرمت على الأقل ذبحها وإيذاءها. رابعًا: قلت أهمية الدور الذي لعبته الهيئات الحيوانية الخالصة لرموز الأرباب شيئًا فشيئًا منذ أوائل العصور التاريخية، وأصبحت الهيئة البشرية هي أكرم ما تصور المصريون به أربابهم. وجرت العادة تبعًا لذلك على تمثيلهم على هيئة الإنسان في أغلب الأحوال، مع تميزهم عنه بأزليتهم وأبديتهم ومطلق قدرتهم. ولو أن ضرورة تمييز كل معبود منهم عن الآخر، دفعت أتباعهم إلى تمثيل كل واحد منهم بجسم إنسان ورأس الحيوان أو الطير الذي رمزوا به إليه، وذلك ما نفذه الفنانون المصريون في صورهم وتماثيلهم في

стр. 382

توافق عجيب لم يستطعه فنان آخر قديم. أو تمثيلهم بهيئة الإنسان كاملة مع تمييز كل منهم بشارة تدل عليه، وكان من هؤلاء الأرباب الأخارى الذين احتفظوا بالهيئة البشرية الخالصة: أتوم، وبتاح، وعنجتي، ومين، وجب، ونوت، وأوزير، وإيسة، ونبت حت، وحشات، وخنسو ... خامسًا: ندر أن قدس المصريون معبودًا ذا رمز حيواني باسم الحيوان المادي الذي يرتبط به، فهم لم يقدسوا رمز الصقر مثلًا باسمه الحيواني "بيك"، ولكن باسم رباني وهو "حور"، ولم يقدسوا هيئة البقرة باسمها الحيواني وهو "إحة"، وإنما باسم "حتحور"، ولم يقدسوا رمز التمساح باسمه الحيواني وهو "مسح"، ولكن باسم رباني وهو "سوبك"، ولم يقدسوا رمز الكبش باسمه الحيواني وهو "با"، ولكن بأحد اسمين ربانيين وهما: "خنوم" و"آمون" .. وهكذا كان الشأن بالنسبة لبعض رموزهم الطبيعية الأخرى، ومن أمثلتها أنهم لم يقدسوا السماء باسمها الطبيعي وهو "بت"، ولكن باسم ربتها "نوت". سادسًا: كانت بعض أسماء معبوداتهم التي أسلفناها، صفات في جوهرها أكثر منها أسماء، فاسم "حور" يعني العالي أو البعيد، واسم "سخمة" يعني القادرة أو المقتدرة، واسم "أتوم" يعني الكامل والأتم المتناهي، واسم "آمون" يعني الحفيظ والخفي، وما إلى ذلك من أسماء يعز علينا تفسير معانيها بالتحديد. تلك إذن هي بعض الخصائص التي أخذت الطوائف المتنورة بها في تعليل ما بين المعبودات وبين رموزها، وتوضيح صفاتها. غير أنه ينبغي أن نقدر إزاءها أن العجز البشري، وعجز الإنسان القديم من طوائف العامة بخاصة، لم يكن يسمح بتحكيم المنطق والأليق دائمًا فيما يأتيه جمهرة الناس من أمور العبادة، فالشخص العادي قد يؤمن فعلًا بوجود إله عظيم في السماء يدعى "رع" أو يدعى "حور"، وإله خفي يدعى "آمون"، ولا يتردد في أن يعظم اسمه ويسلم بقدرته على العطاء والمنع والخير والشر، ولكنه إذا فجأه البؤس والضر وجد نفسه أقرب إلى التوجه إلى المحسوس الملموس من المقدسات المادية في بيئته، منه إلى التوجه إلى رع في علاه أو آمون في خفائه، وحينئذ قد يجد هذا المحسوس الملموس في ضريح مقدس في حيه. أوفي تمثال لا ينادي رع في علاه أو آمون في خفائه، وحينئذ قد يجد هذا المحسوس الملموس في ضريح مقدس في حيه. أو في تمثال بساحة معبد قريب منه، أو في حيوان بمزار ما، أو في شيء وهمي لا صلة له إطلاقًا بمعبد، وحينذاك لا ينادي رع العالي في سماه، بقدر ما يضرع إلى الروح التي تسكن شجرة الجميز في قريته، أو الحية التي تسكن قمة الجبل في منطقته. حتى إذا اشتد الضر به أو انصرف عنه لا يجد بأسًا من ثم في أن يتوجه بقربانه ونذرة إلى شجرة الجميز أو قمة الجبل، وليس إلى معبد الرب كما ينبغي أن يكون١.

стр. 383

في سبيل الترابط: افترض المصريون أواصر القربى والتشابه بين بعض معبوداتهم وبعض آخر، بناء على دوافع عدة يمكن تخمين أقدمها زمنًا بما مر به مجتمعهم القديم من ظروف الاتصال المكاني والترابط المعيشي، وإيحاءات

стр. 384

السياسة، ثم اتساع آفاق التفكير. وعلى هذا يمكن أن يفترض أن أولى خطواتهم للربط بين معبوداتهم قد بدأت عندهم منذ أدت دوافع السلم والحرب بقراهم وبلدانهم القديمة المتفرقة إلى التضام مع بعضها البعض على هيئة أقاليم عدة خلال فترات متقاربة من فجر تاريخهم القديم، الأمر الذي شجع الفريق الأقوى في كل إقليم على أن يسود معبوده. كما يسود حاكمه، على بقية الجماعات المشتركة معه في نطاق إقليمه، وعلى أن يجعل هذا المعبود ممثلًا لإقليمه ورأسًا لمعبودات قومه في آن واحد. وعندما أدت الظروف مرة أخرى إلى ترابط مجموعات الأقاليم على هيئة ممالك صغيرة، تحت تأثير تقارب المصالح حينًا وتحت ضغط القوة والغلبة حينًا آخر، تكررت العملية السابقة بصورة تلقائية، فكفل الفريق الحاكم في كل مملكة نوعًا من الهيمنة لمعبوده على من سواه من معبودات الأقاليم الخاضعة للواء مملكته "راجع ص٥٧+". ولما أفضت الحوادث إلى انتظام هذه الممالك المتفرقة في ظل مملكة واحدة، لفترات متقطعة فيما قبل الأسرات، ثم للمرة الأخيرة منذ بداية العصور التاريخية، أصبح لمعبود الملك في المملكة المتحدة سيادته الواسعة على بقية معبودات دولته، وهو أمر يمكن افتراض مثله لكل من المعبودين أوزير ورع على التوالي فيما قبل الأسرات، ثم المعبود حور معبود أوائل ملوك العصور التاريخية وراعيهم والذي غدا من ثم معبودًا رسميًّا للدولة كلها وراعيًا لها. وذلك مع ملاحظة أن الاعتراف به وبمن سبقه من المعبودات الكبار لم يقض على معبودات الممالك الصغرى القديمة ومعبودات الأقاليم، كما أن هذه بدورها لم تجب معبودات القرى القديمة التي سادتها، وإنما استمرت تعبد جمعيها جنبًا إلى جنب، فيما عدا ما تناساه أتباعها من تلقاء أنفسهم أو نقلوا صفاته إلى معبودات أخرى من تلقاء أنفسهم. وذلك بحيث لم يأب أبتاع الإله الأكبر أن يتركوا أصحاب المعبودات الصغرى وشأنهم. ولم يأب أصحاب المعبودات الصغرى أن يشاركوا في تمجيد الإله الأكبر والاتجاه إليه في الجليل من شئونهم. وأدت إلى هذا الوضع الديني أو هذا الخلط الديني عوامل عدة نذكر منها: غلبة روح المحافظة على القديم الموروث في أمور الدين والعبادات، وغلب روح التسامح التي احترمت تعدد المعبودات، وحرص الفراعنة على عدم تركيز السلطة الدينية في أيدي كهنة معبود واحد، وعملهم على توكيد روابطهم بجميع الدوحات الإلهية التي تخيلها رعاياهم، ثم اتجاه المصريين إلى افتراض روابط الأبوة والبنوة والزيجة بين أربابهم المتقاربين في الصفات وفي أماكن العبادة، وذلك أمر بدت منطقيته بعد أن تخيلوا لأربابهم هيئات إنساينة وافترضوا لهم حياة تماثلها حياة البشر لولا أنها سرمدية عالية، تزاوجوا فيها وأنسلوا، وأحبوا فيها وغضبوا، وحكموا وتحاكموا، وعلاهم فيها إله أكبر ذو عرش وصولجان ووزير وكاتب وسجلات وديوان، ولهم مجامع يتداولون الأمور فيها. وقد يسرت هذه الأخيلة افتراض أسر إلهية ثلاثية تكونت من أب وأم وولد، ومن زوج وزوجتين، ثم أسر تساعية كبيرة في عين شمس وغيرها تضمنت الجد وجد الجد والابن والحفيد. وترتب على ذلك كله أن الإله الأكبر للدولة لم يعد رئيسًا لآلهة متنافرين، وإنما غدا رئيسًا لآلهة متقاربين، لأغلبهم صلة بمن سواه، ولأغلبهم نصيب من صفات غيره، ولكل منهم نصيب من رعاية الدولة وفراعنتها. وتغير اسم الإله الأكبر للدولة مرات قليلة خلال العصور التاريخية القديمة، وترتب هذا التعبير في معظم الشخصي والفكري للفرعون أحيانًا، ثم ازدياد نفوذ كهنة معبود معين على من سواهم. وهكذا بينما انعقدت الهيمنة للإله حور في بداية الأسرات، انعقدت الأولوية للإله رع منذ أواسط الدولة القديمة "مع ظهور إرهاصات سابقة بأهميته"، ثم انتقلت الرئاسة إلى آمون في الدولة الوسطى، وآمون رع في بداية الدولة الحديثة، ثم إلى آتون في عهد آخناتون، وعادت بعده إلى آمون رع حتى نهاية العصور الفرعونية. وقد كانوا جميعهم يرتبطون بألوهية الشمس بسبب صريح أو ضمني، وإن تغيرت أسماؤهم من عصر إلى عصر.

стр. 385

في سبيل التوحيد: جنبًا إلى جنب مع التطورات البطيئة السابقة لأفكار التأليه ظلت فكرة الوحدانية تراود أذهان المفكرين المصريين من حين إلى حين. وقد بدأت معهم على صورة الإيمان بوحدة الخالق. ثم انتقلوا بها إلى الاعتقاد بوحدة الربوبية، وأرهصوا بعدها بما يشبه عقائد الحلول والتشبيه، ثم انتهوا أخيرًا إلى الإيمان بوحدة المعبود١. وإذا انتقلنا بهذا من الإجمال إلى التفصيل ألفينا الاعتراف بوحدة الإله الخالق قائمة في مذهبي عين شمس ومنف القديمين لتفسير نشأة الوجود، حين رد أصحاب كل مذهب منهما الوجود بطبيعته وأربابه وناسه وبقية كائناته، إلى خالق واحد دعوه في عين شمس باسم أتوم، بمعنى الأتم المتناهي، ودعوه في منف باسم بتاح ربما بمعنى الصانع أو الفتاح أو الخلاق "ص٦٥، ٨٧". وظهرت بوادر الإيمان بوحدة الربوبية منذ اتجه أهل الفكر فيما بين أواخر الدولة القديمة وبين أوائل الدولة الوسطى، إلى إله الشمس باعتباره إلهًا خالقًا وإلهًا أكبر من آن واحد. وجعلوا اسمه قاسمًا مشتركًا مع أسماء بقية المعبودات ولكن دون أن يحاولوا إفناءهم فيه. فأطلقوا عليه أسماء: سوبك رع، وآمون رع، وتحوتي رع، وبتاح رع، وهلم جرًّا ... ، وكأنهم أرادوا بذلك اعتبارهم مجرد صور منه، أو هم بمعنى آخر قد اعتبروا الربوبية التي تجمعهم جوهرًا واحدًا مركزه رع، ولكنه جوهر له أوجه عدة يعبر كل وجه منها عن قدرة ربانية متميزة باسم إلهي خاص، وكان في اقترابهم من هذه الفكرة، فكرة وحدة الربوبية، ما جعلهم قريبين من الاعتراف بوحدة الخلق في الوقت نفسه، فقال قائلهم وهو يسبح ربه الخالق القديم "أتوم" "وقد غدا صورة الإله الشمس": أتوم، خلقت البشر جميعًا ... ونوعت هيئاتهم ووهبت الحياة لهم جميعًا ... وفرقت بين ألوانهم يا سميعًا لرجاء الأسير ... يا لطيفًا بمن دعاه ... ٢ ومضى تيار الفكر الديني في طريقه، ووجد أصحابه في اتساع آفاق الدولة الحديثة ما جعلهم يتشوقون غلى الوحدانية الكاملة ويرهصون بها، وبدأها بعضهم بما يشبه عقائد الحلول، فصوروا ربهم "آمون" على

стр. 386

أنه فرد مطلق خفي، ولكنه حفاظ لكل شيء، حال في كل شيء، موجود في كل الوجود. ووصفه قائلهم بأنه "أكبر من السماء، وأسن من في الأرض، رب الكائنات، حفاظ كل شيء، وباق في كل شيء"١. وهكذا آمن القوم بخفاء جوهر ربهم، وتفرده بقدرته العليا، واطمأنوا إلى وجوده في كل الوجود، وإلى رعايته لكل من في الوجود "وإن كانوا قد تخيلوا هذا الوجود في مصر وتوابعها أكثر من غيرها". ولكن عزت عليهم للأسف عدة أمور، أهمها: أنهم لم يكتفوا له باسم واحد، ولم ينزهوه تمامًا عن التشبيه، ولم ينكروا تعدد المعبودات إلى جانبه، فوصفوه فردًا وكبيرًا لجماعة الأرباب في آن واحد ونزهوه عن المادية وتخيلوا له صورًا كثيرة في آن واحد. وتمثلت علل هذا الخلط فيما مهدنا به لنشأة الدين، أي في صعوبة التخلص من القديم الموروث، وفي سماحة المتعبدين، وفي تشابه سبل الدعوة إلى المعروف عند أبتاع كل معبود، وفي افتراض القرابة الوثيقة بين الأرباب المختلفين، وفي منطقة التبرير بأن الإله الأكبر هو الذي خلقهم بأمره ومن نفسه أو من رشحه وأمر برعايتهم، ثم في مرونة الفكر الديني التي لم تأب أن تتقبل الجديد وتضعه جنبًا إلى جنب مع القديم، مع استغلال الفراعنة لكل هذه العوامل لكي يحولوا بها دون تركيز النفوذ الديني في أيدي كهنوت معبود واحد، ولكي يوهموا أبتاع كل معبود أنهم معهم، ولا يأبون عليهم حرية عقائدهم. وضاقت بكل ذلك صدور بعض المؤمنين في أواسط عصر الأسرة الثامنة عشرة، وتمنوا لو اهتدوا إلى التعبير عن ربهم باسم واحد، والرمز إلى آيات قدرته برمز واحد، وإعلان وحدانيته صريحة واضحة. وأراد المجددون أن يبدءوا بتحديد اسم معبودهم وتحديد رمزه، وأوحى الحذر عليهم أن يربطوا بين الجديد الذي يودونه وبين القديم الذي تعوده أغلب معاصريهم، فبشروا باسم "آتون"، وهو اسم قديم اتجه به أسلافهم أدباء البلاط الفرعوني منذ الدولة الوسطى وجهتين: وجهة لفظية يدل فيها على معنى "الكوكب" ويعني كوكب الشمس بخاصة، ووجهة أخرى لاهوتية ينم فيها عن الإله المتحكم في هذا الكوكب٢. ومنذ عهد تحوتمس الرابع رأى المجددون في اسم آتون ما يفي بغرضهم للتعبير عن اسم ربهم ورمزه، وأقنعوا أنفسهم بأنه لا يقلل من جلال ربهم المطلق أن يرمزوا إليه بآية الشمس كبرى آياته، فما من شك في أن من يتحكم في كوكبها وينظم مسيرته قادرًا على أن يدبر المخلوقات كلها. وسلكت هذه الدعوة سبيلها في حذر وهوادة وتقبلها الكهان بمرونتهم التقليدية.

стр. 387

واتخذ أمنحوتب الثالث منهاجًا وسطًا بين آمون وبين آتون، فحابى آمون وكهنته الأقوياء وأعلن أنه ولي العرش بناء عن بنوته له وبناء عن أمره، وأغدق العطايا على معباده وكهنتها. ثم ساير في الوقت نفسه دعوة آتون وسمح بعبادته جهرة في طيبة، وتقبل إطلاق اسمه على بعض أركان قصره ومحتوياته. وهكذا استمر اللبس بين القديم والجديد، وبين آمون وآتون، خلال عهده. وبقيت علة العلل بين طرفين: الفرعون الذي كان بيده حسم الأمر لو أراد ... ، لولا أنه جرى على سنة أسلافه، وآثر الإبقاء على تعدد المذاهب خشية أن تتركز سيطرة الدين كاملة في جانب مذهب واحد. ثم كبار كهنة آمون الذين تهيأ لهم من الشهرة والثراء العريض وسلطان المناصب ما أرهب الناس منهم وجعل التغاضي عن عقائهم أمرًا غير ميسور. ولم يعد من سبيل إلى اكتمال دعوة التوحيد إلا إذا اختصم الطرفان أصحاب الزمام: الفراعنة وكبار الكهان، أو تهيأ حوافز جديدة عنيفة لإصلاح الدين كله. وللمرة الأولى، تهيأ العاملان في عهد أمنحوتب الرابع منذ عام ١٣٦٧ق. م. وكان ذا نفس حساسة مرهفة، وانجذب منذ صغره إلى تيارات الدين الذي كان خاله من كبار كهنته. وانتوى لنفسه منهاجًا يتزعم به دعوة آتون دعوة التوحيد، وبدأ التبشير به على حذر، فشيد معبدًا باسم آتون في رحاب الكرنك معقل آمون، وأعلن أن العبادة ينبغي أن تتجه إلى "الوالد آتون الحي"، وأن آتون ما هو إلا "رع حر آختي يتهلل في الأفق باعتباره النور الذي في الكوكب آتون"١. واستهدف أمنحوتب من هذه البداية ثلاثة أمور، وهي: أن يحدد رأس عقيدته الجديدة، وألا يفاجئ الناس بأسماء جديدة لم يألفوها، وأن يوحي إليهم بأنه لم يطلب منهم غير العودة إلى معبود الفطرة، معبود أجدادهم الأولين، رع حر آختي، وهو نفس آتون، ذلك الذي رغب الناس فيه بتسميته باسم "الوالد"، وربط بينه وبين آية النور المعجزة المستحبة في كوكبه. وعلى الرغم من بساطة هذا الاستهلال البارع الذي بدأ أمنحوتب دعوته به، أوجس كهنة آمون خيفة منه، وقدروا أن يافعًا مثله يستطيع أن يتزعم مذهبًا في الدين ويفتي بالرأي فيه، خليق بأن يتأتى على يديه تغيير كبير، فأضمروا له العداء وجافوه، وبادلهم هو جفاء بجفاء، وسارت الأمور بينهما من سيئ إلى أسوإ، وأبدت عين البغض بين الفريقين كثيرًا من مساوئ خافية، ومساوئ أخرى كانت تتغاضى عنها عين المجاملة. وبدا للفرعون ما ذكرناه له حين بحثنا تاريخ السياسة في عهده. وما يتمثل في ضيقه بانصراف الولاء الديني لأرباب عديدين، وانصراف أموال الدولة إلى معبادهم الكثيرة، وضيقه بثراء كبار كهنة آمون واتساع تدخلهم في شئون الدولة، وضيقه بروح المحافظة التي تعللت بالدين وقيدت حرية الناس، ثم أمله في أن يجد من شيوع دينه الجديد خارج مصر ما يحقق رابطة متينة توثق الصلات بينها وبين أتباعها وجيرانها. وفي العام السادس من حكمه جهر أمنحوتب بعقيدته، وأعلن التوحيد خالصًا، فنادى بإله واحد لا شريك له، ولا محل لتعدد الأرباب والربات إلى جانبه، ليس هو آمون، ولكنه آتون. وليس هو

стр. 388

ممن تقوم عبادته خلف أستار وأسرار، ولكنه إله يشهد الناس آياته دون حجاب، ولهم أن يعبدوه حيثما سقط من كوكبه على الأرض شعاع، ونزه فنانوه ربهم عن أن يرمزوا إليه بهيئة إنسان أو جسم إنسان ورأس حيوان، وآثروا له رمز كوكب الشمس بكل ما فيه من قدرة ربانية مستترة وجسم ظاهر مضيء تصدر عنه أشعة عدة، وبمعنى أصح أيد عدة بأكف مبسوطة تمتد على الأرض لتهبها الحياة، وكان رمزًا قديمًا جديدًا في آن واحد، قديمًا في هيئة قرص الشمس، جديدًا بهيئة الأيدي التي بدأ تصويرها منذ عهد تحوتمس الرابع. ويبدو أن الفنانين لم يروا في تصوير أكف الإله المبسوطة انتقاصًا من روحانيته، واعتبروا تصويرها نوعًا من التعبير الفني يغني عن الوصف والكتابة، وشابههم في ذلك فنانو عصر النهضة المسيحيون فيما بعد حين صوروا يد الله بين الغمام ونحتوا لها التماثيل .. وبدأ أمنحوتب بنفسه، فتبرأ من لفظ آمون في اسمه، وسمى نفسه آخناتون، ربما بمعنى المخلص لآتون أو النافع لآتون أو المجد لآتون، وتختلف هذه الترجمات المقترحة عن الترجمات الأخرى الشائعة. وهاجر بأهله وأتباعه من العاصمة القديمة "طيبة" إلى أرض وصفها بأنها أرض بكر طهور لم يدنسها شرك في العبادة، ولم يعبد فيها من قبل إله أو إلهة، تتوسط أراضي القطر، وتقوم على أنقاضها بلدة العمارنة الحالية، وسماها "آخيتاتون" بمعنى أفق آتون أو مشرق آتون. وخرجت أناشيد الدين الجديد تناجي ربها بالود والحب والتبجيل، وقالت فيما قالت: "تجليك في أفق السماء بديع، وآتون الحي أصل الحياة ... أنت البهي، أنت الجليل، أنت المنير، أنت العلي فوق كل أرض ... ". وعرضت الأناشيد منن الإله الظاهرة في حجج فطرية مقنعة، استخدمت المقابلة فيها بين حال الأرض وأهلها حين غياب نور كوكب الرب وحين ظهروه، فكلما غاب أظلم الكون وأصبح كالموات. وهجع الخلق، وخيف النهب، واستشرى الوحش، ودبت الزواحف. فإذا أشرق آتون بدل الحال غير الحال، فشتت الظلمة وبسط الأشعة وكفل الأمن ويسر السعي. "وظهرت نفس الحجج ضمن ما رددته فيما بعد مزامير العبرانيين، مما دعا ببعض الباحثين الغربيين مثل برستد وجريفث وغيرهما إلى الربط بينهما واعتبار الأناشيد المصرية أصلًا لها". وكانت مذاهب الدين القديم قد ربطت بين الإله وعباده بروابط شتى، فتخيرت الدعوة الجديدة من هذه الروابط، روابط العطف والحب، وأعلنت أن ربها عظيم المحبة، وأنه أم وأب لكل من خلق، وله يسبح البشر والحيوان والطير والنبات، كل منهم بطريقته وتسبيحه، وقالت: "الزهر ونبت الأرض ينفتح لمرآك، وتتملكه النشوة لمحياك، والأنعام تتراقص على أقدامها، والطيور في أوكارها تطوي أجنحتها وتنشرها تسبيحًا لآتون الحي خالقها .. ، الأرض بأسرها عامرة بحبك، والعشب والشجر يتمايل لمطلع وجهك، وأسماك الماء تتراقص لرؤيتك .. ".

стр. 389

وبلغت الدعوة غايتها حين خرجت بدينها عن الإقليمية إلى العالمية، ونادت بإله رحيم في كل أمره، محبوب في كل أمره، خلق الكون عن حب ورغبة، واقتضت عدالته أن ينتفع القريب والبعيد بفضله، وتنبسط آلاؤه بانتشار أشعته في أقطار الدنيا بأسرها، دون تفرقة فيها بين أبيض وأسود، فلم لا يجتمع الناس إذن على عبادته كما اجتمعوا على النفع منه؟ وقال آخناتون يسبح ربه: "رب أحد دون شريك، برأت الدنيا وكنت فردًا. خلقت البشر والأنعام، وكل ما يسعى على الأرض بقدم، ويحلق بجناح في الفضاء. وأقطار سوريا والسودان وأرض مصر، وجهت كل فرد فيها إلى موطنه، ودبرت للجميع شئونهم، فأصبح لكل فرد رزقه وتعين لكل فرد أجله، وظلت الألسنة بينهم في النطق متباينة والهيئات والألوان متمايزة. آتون يا ضوء النهار، يا عظيم المجد، بلدانا نائية تهبها الحياة وترسل الغيث من أجلها، يموج الغيث فوق الجبال كالبحر الخضم ويسقي الحقول بين القرى. ما أجل تدبيرك رب الخلود، فيضان في السماء لأهل القفار وحيوان الفلا وما يدب على قدم، وفيضان سواه لأرض مصر يأتي إليها من دنيا العدم"١. وهكذا لم يجد آخناتون بأسًا من أن يذكر اسم مصر العظيمة بعد ذكره الشام والسودان، ما دام الخالق الرازق واحدًا، رحيمًا هنا رحيمًا هناك، جوادًا هنا منعمًا هناك، خلق الجميع على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ومواطهنم، وتكفل برزقهم، وكان معجزًا حين وهب مصر فيضانًا من باطن الأرض، كريمًا حين وهب غيرها فيضانًا من جوف السماء. وتزعم آخناتون مجالس الدعوة وأعلن نفسه نبيها والمصطفى لنشرها، واصطفى لنفسه حواريين يعلمهم كما علمه الإله٢. ورأى أن تشييد دور العبادة خير سبيل لنشر الدعوة، فعمل على الإكثار منها باسم آتون في أمهات المدن المصرية، وأوحى بإقامة أمثالها في عواصم النوبة والشام. وجعل مدينته "آخيتاتون" مدينة فاضلة تعمل للدين والدنيا معًا، تبشر بالإيمان السمح المستبشر، وتشيد بالعدل في كل أمره، وتتردد تسابيح الشكر والصلوات لآتون في معابدها، كما تتردد الأغاني والأنعام وأهازيج حب الطبيعة والجمال في مجالسها. وعكس هو وأتباعه جوهر الدعوة على الآداب والفنون، فحاولوا أن يخلصوهما من ركام التقاليد وقيود التراث القديم التي لا توائم دعوة التحرر والاعتراف بالواقع في عهدهم، فتخففوا من أساليب الأدب المتقعرة القديمة وغلبوا عليها لغة الحديث المقبولة الشائعة. وبدأ آخناتون بنفسه في دعوة تحرير الفنون،

стр. 390

ففتح مغاليق قصره للمثالين والرسامين، فمثلوه في بشريته الخالصة وصوره هو وأسرته في حياتهم العادية، حين فرحهم وحزنهم، وعبثهم وجدهم، وتوهم أنصار الدعوة أن الأمور قد صفت لهم، وتمنوا لفرعونهم ومعلمهم أن يظل بينهم وفي عاصمتهم "حتى يسود البجع، ويبيض الغراب، وتتحرك الجبال، وينساب الماء إلى حيث ينبع"١. وعلى الرغم من ذلك كله لم يطل الأمد بدعوة التوحيد، ولم يتهيأ لها من كثرة الأتباع ما كان يرجى لمثلها، ولم ينته الأجل بصاحبها حتى كان قد رأى عوامل التحلل والفشل تدب فيها من حيث ظن الخير ومن حيث لم يحتسب. وتمثلت هذه العوامل فيما قدمنا به عنها حين حديثنا عن الجوانب السياسية في عهده، ومجملها: عدم خروجه بنفسه للترويج لدعوته في أمهات العواصم داخل مصر وخارجها، وتقبله إسراف أنصاره في تمجيده حتى أعلنوه ابنًا للإله وأوشكوا أن يؤلهوه وأن ينشغلوا بشخصه عن ديانته، وأن دعوته لم تأت بجديد يجذب العامة إليها في حياتهم الاقتصادية أو الطبقية، وأن عقائد التعدد كانت قد تغلغلت في عادات الناس بحيث يصعب انتزاعها من نفوسهم بسهولة، وأن سمعة آمون القديمة ونفوذ من بقي من كبار كهنته كلاهما لم تخمد جذوته على الرغم من الرماد المؤقت الذي غطاها، وأن الشرق القديم الذي أمل آخناتون أن يجتذبه إليه بدعوته إلى عالمية الدين وإلى روح المسالمة والإخاء، كان في شغل شاغل عنه بمشاكله وبمن تنازعوا أموره من الأموريين والكنعانيين والأراميين والعابيرو والخابيرو، وبمن احتربوا عليه من الميتانيين والحيثيين. بل إن مشاكل أسرة آخناتون نفسها واتجاهات أمه وزوجته لم تكفل له الهدوء كاملًا، ولم يكن له ولد يرثه على العرش والدعوة، وإنما أخوان صغيران، اتجه أحدهما وهو "سمنخ كارع" إلى مهادنة كهنة آمون في حياة أخيه، وسلم الآخر وهو توت عنخ آتون ببأس خصومه والأمر الواقع بعد وفاة أخيه، فارتد عن دين آتون، وعاد إلى طيبة مقر آمون، وولي عرشها باسم "توت عنخ آمون" وناصر دينها وعمر معابد أربابها ورباتها. وسلكت نفحة الوحدانية بعد ذلك مسالك أخرى تحاشت فيها نقمة أنصار التعدد فضمنت بقاءها ولو بين القلة من خاصة أهل الفكر في مجتمعها، مما نتناول تفصيله في بحث آخر٢.
следующие страницы →