أنه فرد مطلق خفي، ولكنه حفاظ لكل شيء، حال في كل شيء، موجود في كل الوجود. ووصفه قائلهم بأنه "أكبر من السماء، وأسن من في الأرض، رب الكائنات، حفاظ كل شيء، وباق في كل شيء"١.
وهكذا آمن القوم بخفاء جوهر ربهم، وتفرده بقدرته العليا، واطمأنوا إلى وجوده في كل الوجود، وإلى رعايته لكل من في الوجود "وإن كانوا قد تخيلوا هذا الوجود في مصر وتوابعها أكثر من غيرها". ولكن عزت عليهم للأسف عدة أمور، أهمها: أنهم لم يكتفوا له باسم واحد، ولم ينزهوه تمامًا عن التشبيه، ولم ينكروا تعدد المعبودات إلى جانبه، فوصفوه فردًا وكبيرًا لجماعة الأرباب في آن واحد ونزهوه عن المادية وتخيلوا له صورًا كثيرة في آن واحد. وتمثلت علل هذا الخلط فيما مهدنا به لنشأة الدين، أي في صعوبة التخلص من القديم الموروث، وفي سماحة المتعبدين، وفي تشابه سبل الدعوة إلى المعروف عند أبتاع كل معبود، وفي افتراض القرابة الوثيقة بين الأرباب المختلفين، وفي منطقة التبرير بأن الإله الأكبر هو الذي خلقهم بأمره ومن نفسه أو من رشحه وأمر برعايتهم، ثم في مرونة الفكر الديني التي لم تأب أن تتقبل الجديد وتضعه جنبًا إلى جنب مع القديم، مع استغلال الفراعنة لكل هذه العوامل لكي يحولوا بها دون تركيز النفوذ الديني في أيدي كهنوت معبود واحد، ولكي يوهموا أبتاع كل معبود أنهم معهم، ولا يأبون عليهم حرية عقائدهم.
وضاقت بكل ذلك صدور بعض المؤمنين في أواسط عصر الأسرة الثامنة عشرة، وتمنوا لو اهتدوا إلى التعبير عن ربهم باسم واحد، والرمز إلى آيات قدرته برمز واحد، وإعلان وحدانيته صريحة واضحة. وأراد المجددون أن يبدءوا بتحديد اسم معبودهم وتحديد رمزه، وأوحى الحذر عليهم أن يربطوا بين الجديد الذي يودونه وبين القديم الذي تعوده أغلب معاصريهم، فبشروا باسم "آتون"، وهو اسم قديم اتجه به أسلافهم أدباء البلاط الفرعوني منذ الدولة الوسطى وجهتين: وجهة لفظية يدل فيها على معنى "الكوكب" ويعني كوكب الشمس بخاصة، ووجهة أخرى لاهوتية ينم فيها عن الإله المتحكم في هذا الكوكب٢.
ومنذ عهد تحوتمس الرابع رأى المجددون في اسم آتون ما يفي بغرضهم للتعبير عن اسم ربهم ورمزه، وأقنعوا أنفسهم بأنه لا يقلل من جلال ربهم المطلق أن يرمزوا إليه بآية الشمس كبرى آياته، فما من شك في أن من يتحكم في كوكبها وينظم مسيرته قادرًا على أن يدبر المخلوقات كلها. وسلكت هذه الدعوة سبيلها في حذر وهوادة وتقبلها الكهان بمرونتهم التقليدية.
стр. 387
واتخذ أمنحوتب الثالث منهاجًا وسطًا بين آمون وبين آتون، فحابى آمون وكهنته الأقوياء وأعلن أنه ولي العرش بناء عن بنوته له وبناء عن أمره، وأغدق العطايا على معباده وكهنتها. ثم ساير في الوقت نفسه دعوة آتون وسمح بعبادته جهرة في طيبة، وتقبل إطلاق اسمه على بعض أركان قصره ومحتوياته. وهكذا استمر اللبس بين القديم والجديد، وبين آمون وآتون، خلال عهده.
وبقيت علة العلل بين طرفين: الفرعون الذي كان بيده حسم الأمر لو أراد ... ، لولا أنه جرى على سنة أسلافه، وآثر الإبقاء على تعدد المذاهب خشية أن تتركز سيطرة الدين كاملة في جانب مذهب واحد. ثم كبار كهنة آمون الذين تهيأ لهم من الشهرة والثراء العريض وسلطان المناصب ما أرهب الناس منهم وجعل التغاضي عن عقائهم أمرًا غير ميسور. ولم يعد من سبيل إلى اكتمال دعوة التوحيد إلا إذا اختصم الطرفان أصحاب الزمام: الفراعنة وكبار الكهان، أو تهيأ حوافز جديدة عنيفة لإصلاح الدين كله.
وللمرة الأولى، تهيأ العاملان في عهد أمنحوتب الرابع منذ عام ١٣٦٧ق. م. وكان ذا نفس حساسة مرهفة، وانجذب منذ صغره إلى تيارات الدين الذي كان خاله من كبار كهنته. وانتوى لنفسه منهاجًا يتزعم به دعوة آتون دعوة التوحيد، وبدأ التبشير به على حذر، فشيد معبدًا باسم آتون في رحاب الكرنك معقل آمون، وأعلن أن العبادة ينبغي أن تتجه إلى "الوالد آتون الحي"، وأن آتون ما هو إلا "رع حر آختي يتهلل في الأفق باعتباره النور الذي في الكوكب آتون"١. واستهدف أمنحوتب من هذه البداية ثلاثة أمور، وهي: أن يحدد رأس عقيدته الجديدة، وألا يفاجئ الناس بأسماء جديدة لم يألفوها، وأن يوحي إليهم بأنه لم يطلب منهم غير العودة إلى معبود الفطرة، معبود أجدادهم الأولين، رع حر آختي، وهو نفس آتون، ذلك الذي رغب الناس فيه بتسميته باسم "الوالد"، وربط بينه وبين آية النور المعجزة المستحبة في كوكبه.
وعلى الرغم من بساطة هذا الاستهلال البارع الذي بدأ أمنحوتب دعوته به، أوجس كهنة آمون خيفة منه، وقدروا أن يافعًا مثله يستطيع أن يتزعم مذهبًا في الدين ويفتي بالرأي فيه، خليق بأن يتأتى على يديه تغيير كبير، فأضمروا له العداء وجافوه، وبادلهم هو جفاء بجفاء، وسارت الأمور بينهما من سيئ إلى أسوإ، وأبدت عين البغض بين الفريقين كثيرًا من مساوئ خافية، ومساوئ أخرى كانت تتغاضى عنها عين المجاملة. وبدا للفرعون ما ذكرناه له حين بحثنا تاريخ السياسة في عهده. وما يتمثل في ضيقه بانصراف الولاء الديني لأرباب عديدين، وانصراف أموال الدولة إلى معبادهم الكثيرة، وضيقه بثراء كبار كهنة آمون واتساع تدخلهم في شئون الدولة، وضيقه بروح المحافظة التي تعللت بالدين وقيدت حرية الناس، ثم أمله في أن يجد من شيوع دينه الجديد خارج مصر ما يحقق رابطة متينة توثق الصلات بينها وبين أتباعها وجيرانها.
وفي العام السادس من حكمه جهر أمنحوتب بعقيدته، وأعلن التوحيد خالصًا، فنادى بإله واحد لا شريك له، ولا محل لتعدد الأرباب والربات إلى جانبه، ليس هو آمون، ولكنه آتون. وليس هو
стр. 388
ممن تقوم عبادته خلف أستار وأسرار، ولكنه إله يشهد الناس آياته دون حجاب، ولهم أن يعبدوه حيثما سقط من كوكبه على الأرض شعاع، ونزه فنانوه ربهم عن أن يرمزوا إليه بهيئة إنسان أو جسم إنسان ورأس حيوان، وآثروا له رمز كوكب الشمس بكل ما فيه من قدرة ربانية مستترة وجسم ظاهر مضيء تصدر عنه أشعة عدة، وبمعنى أصح أيد عدة بأكف مبسوطة تمتد على الأرض لتهبها الحياة، وكان رمزًا قديمًا جديدًا في آن واحد، قديمًا في هيئة قرص الشمس، جديدًا بهيئة الأيدي التي بدأ تصويرها منذ عهد تحوتمس الرابع. ويبدو أن الفنانين لم يروا في تصوير أكف الإله المبسوطة انتقاصًا من روحانيته، واعتبروا تصويرها نوعًا من التعبير الفني يغني عن الوصف والكتابة، وشابههم في ذلك فنانو عصر النهضة المسيحيون فيما بعد حين صوروا يد الله بين الغمام ونحتوا لها التماثيل ..
وبدأ أمنحوتب بنفسه، فتبرأ من لفظ آمون في اسمه، وسمى نفسه آخناتون، ربما بمعنى المخلص لآتون أو النافع لآتون أو المجد لآتون، وتختلف هذه الترجمات المقترحة عن الترجمات الأخرى الشائعة. وهاجر بأهله وأتباعه من العاصمة القديمة "طيبة" إلى أرض وصفها بأنها أرض بكر طهور لم يدنسها شرك في العبادة، ولم يعبد فيها من قبل إله أو إلهة، تتوسط أراضي القطر، وتقوم على أنقاضها بلدة العمارنة الحالية، وسماها "آخيتاتون" بمعنى أفق آتون أو مشرق آتون.
وخرجت أناشيد الدين الجديد تناجي ربها بالود والحب والتبجيل، وقالت فيما قالت: "تجليك في أفق السماء بديع، وآتون الحي أصل الحياة ... أنت البهي، أنت الجليل، أنت المنير، أنت العلي فوق كل أرض ... ".
وعرضت الأناشيد منن الإله الظاهرة في حجج فطرية مقنعة، استخدمت المقابلة فيها بين حال الأرض وأهلها حين غياب نور كوكب الرب وحين ظهروه، فكلما غاب أظلم الكون وأصبح كالموات. وهجع الخلق، وخيف النهب، واستشرى الوحش، ودبت الزواحف. فإذا أشرق آتون بدل الحال غير الحال، فشتت الظلمة وبسط الأشعة وكفل الأمن ويسر السعي. "وظهرت نفس الحجج ضمن ما رددته فيما بعد مزامير العبرانيين، مما دعا ببعض الباحثين الغربيين مثل برستد وجريفث وغيرهما إلى الربط بينهما واعتبار الأناشيد المصرية أصلًا لها".
وكانت مذاهب الدين القديم قد ربطت بين الإله وعباده بروابط شتى، فتخيرت الدعوة الجديدة من هذه الروابط، روابط العطف والحب، وأعلنت أن ربها عظيم المحبة، وأنه أم وأب لكل من خلق، وله يسبح البشر والحيوان والطير والنبات، كل منهم بطريقته وتسبيحه، وقالت: "الزهر ونبت الأرض ينفتح لمرآك، وتتملكه النشوة لمحياك، والأنعام تتراقص على أقدامها، والطيور في أوكارها تطوي أجنحتها وتنشرها تسبيحًا لآتون الحي خالقها .. ، الأرض بأسرها عامرة بحبك، والعشب والشجر يتمايل لمطلع وجهك، وأسماك الماء تتراقص لرؤيتك .. ".
стр. 389
وبلغت الدعوة غايتها حين خرجت بدينها عن الإقليمية إلى العالمية، ونادت بإله رحيم في كل أمره، محبوب في كل أمره، خلق الكون عن حب ورغبة، واقتضت عدالته أن ينتفع القريب والبعيد بفضله، وتنبسط آلاؤه بانتشار أشعته في أقطار الدنيا بأسرها، دون تفرقة فيها بين أبيض وأسود، فلم لا يجتمع الناس إذن على عبادته كما اجتمعوا على النفع منه؟ وقال آخناتون يسبح ربه:
"رب أحد دون شريك، برأت الدنيا وكنت فردًا.
خلقت البشر والأنعام، وكل ما يسعى على الأرض بقدم، ويحلق بجناح في الفضاء.
وأقطار سوريا والسودان وأرض مصر، وجهت كل فرد فيها إلى موطنه، ودبرت للجميع شئونهم، فأصبح لكل فرد رزقه وتعين لكل فرد أجله، وظلت الألسنة بينهم في النطق متباينة والهيئات والألوان متمايزة.
آتون يا ضوء النهار، يا عظيم المجد، بلدانا نائية تهبها الحياة وترسل الغيث من أجلها،
يموج الغيث فوق الجبال كالبحر الخضم ويسقي الحقول بين القرى.
ما أجل تدبيرك رب الخلود، فيضان في السماء لأهل القفار وحيوان الفلا وما يدب على قدم، وفيضان سواه لأرض مصر يأتي إليها من دنيا العدم"١.
وهكذا لم يجد آخناتون بأسًا من أن يذكر اسم مصر العظيمة بعد ذكره الشام والسودان، ما دام الخالق الرازق واحدًا، رحيمًا هنا رحيمًا هناك، جوادًا هنا منعمًا هناك، خلق الجميع على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ومواطهنم، وتكفل برزقهم، وكان معجزًا حين وهب مصر فيضانًا من باطن الأرض، كريمًا حين وهب غيرها فيضانًا من جوف السماء.
وتزعم آخناتون مجالس الدعوة وأعلن نفسه نبيها والمصطفى لنشرها، واصطفى لنفسه حواريين يعلمهم كما علمه الإله٢. ورأى أن تشييد دور العبادة خير سبيل لنشر الدعوة، فعمل على الإكثار منها باسم آتون في أمهات المدن المصرية، وأوحى بإقامة أمثالها في عواصم النوبة والشام. وجعل مدينته "آخيتاتون" مدينة فاضلة تعمل للدين والدنيا معًا، تبشر بالإيمان السمح المستبشر، وتشيد بالعدل في كل أمره، وتتردد تسابيح الشكر والصلوات لآتون في معابدها، كما تتردد الأغاني والأنعام وأهازيج حب الطبيعة والجمال في مجالسها.
وعكس هو وأتباعه جوهر الدعوة على الآداب والفنون، فحاولوا أن يخلصوهما من ركام التقاليد وقيود التراث القديم التي لا توائم دعوة التحرر والاعتراف بالواقع في عهدهم، فتخففوا من أساليب الأدب المتقعرة القديمة وغلبوا عليها لغة الحديث المقبولة الشائعة. وبدأ آخناتون بنفسه في دعوة تحرير الفنون،
стр. 390
ففتح مغاليق قصره للمثالين والرسامين، فمثلوه في بشريته الخالصة وصوره هو وأسرته في حياتهم العادية، حين فرحهم وحزنهم، وعبثهم وجدهم، وتوهم أنصار الدعوة أن الأمور قد صفت لهم، وتمنوا لفرعونهم ومعلمهم أن يظل بينهم وفي عاصمتهم "حتى يسود البجع، ويبيض الغراب، وتتحرك الجبال، وينساب الماء إلى حيث ينبع"١.
وعلى الرغم من ذلك كله لم يطل الأمد بدعوة التوحيد، ولم يتهيأ لها من كثرة الأتباع ما كان يرجى لمثلها، ولم ينته الأجل بصاحبها حتى كان قد رأى عوامل التحلل والفشل تدب فيها من حيث ظن الخير ومن حيث لم يحتسب. وتمثلت هذه العوامل فيما قدمنا به عنها حين حديثنا عن الجوانب السياسية في عهده، ومجملها: عدم خروجه بنفسه للترويج لدعوته في أمهات العواصم داخل مصر وخارجها، وتقبله إسراف أنصاره في تمجيده حتى أعلنوه ابنًا للإله وأوشكوا أن يؤلهوه وأن ينشغلوا بشخصه عن ديانته، وأن دعوته لم تأت بجديد يجذب العامة إليها في حياتهم الاقتصادية أو الطبقية، وأن عقائد التعدد كانت قد تغلغلت في عادات الناس بحيث يصعب انتزاعها من نفوسهم بسهولة، وأن سمعة آمون القديمة ونفوذ من بقي من كبار كهنته كلاهما لم تخمد جذوته على الرغم من الرماد المؤقت الذي غطاها، وأن الشرق القديم الذي أمل آخناتون أن يجتذبه إليه بدعوته إلى عالمية الدين وإلى روح المسالمة والإخاء، كان في شغل شاغل عنه بمشاكله وبمن تنازعوا أموره من الأموريين والكنعانيين والأراميين والعابيرو والخابيرو، وبمن احتربوا عليه من الميتانيين والحيثيين. بل إن مشاكل أسرة آخناتون نفسها واتجاهات أمه وزوجته لم تكفل له الهدوء كاملًا، ولم يكن له ولد يرثه على العرش والدعوة، وإنما أخوان صغيران، اتجه أحدهما وهو "سمنخ كارع" إلى مهادنة كهنة آمون في حياة أخيه، وسلم الآخر وهو توت عنخ آتون ببأس خصومه والأمر الواقع بعد وفاة أخيه، فارتد عن دين آتون، وعاد إلى طيبة مقر آمون، وولي عرشها باسم "توت عنخ آمون" وناصر دينها وعمر معابد أربابها ورباتها.
وسلكت نفحة الوحدانية بعد ذلك مسالك أخرى تحاشت فيها نقمة أنصار التعدد فضمنت بقاءها ولو بين القلة من خاصة أهل الفكر في مجتمعها، مما نتناول تفصيله في بحث آخر٢.
стр. 391
ثانيا: عقائد البحث والخلود
...
ثانيًا: عقائد البعث والخلود
طمعت أغلب شعوب العالم القديم في الخلود واستئناف الحياة بعد الممات، كما طمع المصريون سواء بسواء. ولكن بينما رتبت هذه الشعوب طمعها في الخلود على الأمل وحده ووقفت عنده، رتب المصريون طمعهم فيه على المنطق والعمل والأمل والعقيدة في آن واحد، وكانوا أول أمة آمنت بالبعث والخلود من تلقاء نفسها وأصرت عليهما١.
وافترض المصريون للإنسان مقومات عدة، طبيعية ومكتسبة، أهمها سبعة، وهي: جسم مادي "خت"، وقلب مدرك "إب"، وطاقة أو فاعلية أو نفس فاعلة "كا"٢، واسم معنوي "رن"، وظل ملازم "شوت"، وروح خالدة تسري في الظاهر والباطن "با"، ونورانية شفافة "آخ". وتشتد صلته بالاثنتين الأخيرتين منها بعد وفاته، إذا كان صالحًا. واعتقدوا أنه لا بقاء للمرء في أخراه إلا باجتماع كل هذه المقومات، وأنه لا سعادة لها في جملتها دون مساعدة خارجية. ولهذا تلمسوا سبل الاهتمام بكل واحد منها على حدة، إلى جانب الاهتمام بها جميعها كوحدة واحدة. فالجسد ينبغي أن يصان ويحنط، والقلب يحفظ ويعوذ، والكا أو النفس الفاعلة تتلي التراتيل باسمها من أجل صاحبها وتقدم القرابين لصالحها، والروح تتنقل ما شاء لها ربها في عالم الأرض أو في عالم السماء ما دامت مؤمنة، والنورانية تكتسب بالتقوى، والاسم يخلد عن طريق صالح الأعمال، وترديده في الدعوات وتكراره في نقوش المقبرة وقرنه بالسمعة الطيبة للأسرة عن طريق جهود الابن الأكبر٣.
ووجد المصريون في خصائص بيئتهم ما يوحي لهم بمنطقية الخلود ويشجعهم على طلبه. فقد اعتادت أغلب أجيالهم منذ فجر تاريخهم على أن يدفنوا موتاهم في الحواف الصحراوية "والغربية منها بخاصة"، لينأوا بمقابرهم عن رطوبة الأرض الطينية، ويتركوا الأرض الطميية للزراعة. ويوفروا أراضي القرى لأحيائها. وشيئًا فشيئًا تبينوا أن مقابرهم الصحراوية تحفظ جثث موتاهم بحالة لا بأس بها لفترات غير
стр. 392
قصيرة، وعندما اختلطت هذه الظاهرة بأحاسيسهم الدينية لم يردوها إلى جفاف الصحراء وحده، ولا إلى دور الرمال في امتصاص رطوبة الجسد وحده، وإنما ردوها أساسًا إلى قدرة ربانية حانية، وقدروا أنهم إذا استرضوا صاحب هذه القدرة وقدسوه، زاد في رعايته لجثثهم وحفظها سليمة لأطول مدة ممكنة. وقد حدث بالفعل أن المعبود الذي تخيلوه ربًّا للحواف الصحراوية وسموه "إنبو" "أو أنوبيس في الإغريقية"، كان هو نفس المعبود الذي تخيلوه راعيًا لجثث الموتى وقادرًا على حفظها وحاميًا للجبانات. وقد انتشر الإيمان به من طائفة إلى أخرى حتى أصبح الجميع يتوجهون بدعواتهم الأخروية إليه. واعتبروه ربًّا للتحنيط بارعًا فيه، ورمزوا إليه بهيئة ابن آوى، وهو رمز يصعب تعليل اختياره، مع شرور بنات آوى في الجبانات والصحراوات، إلا بما قدمنا به وهو الاعتقاد العكسي بأنه لن يستطيع أن يخبت شرة هذه الحيوانات إلا من خلقها وارتضى لها هيئتها وجعلها آية ظاهرة لقدرته، بعد أن يترضاه الناس ويحسنوا الظن به فيغلبوا قدرة الخير فيه على قدرة الشر.
ولم يكن نهر النيل وما يترتب عليه في دنيا المصريين بمعزل عن الإيحاء إليهم بإمكان تجدد الحياة والبعث وهم يرون فيضانه يتجدد كل عام في موسم لا يخلفه، فيخصب التربة، وينبت البذرة، ويدفع دورة الحياة الزراعية دائمًا دفعات جديدة، ولم يتوهموا هذه المظاهر تحدث تلقائيًّا من غير علة أو غاية، وإنما آمنوا معها برب كريم يدفع الفيضان من باطن الأرض، ويدفع النبات من الحب المدفون في التربة، ويحيي الحقول الجافة بعد الموات كلما مسها بفيضه ورحمته. ومع طول التدبر ونمو التدين قدروا أن من يتعهد طبيعتهم بالحياة المتجددة ويدفع عنها مواتها، قادر من غير شك على أن يتعهد أهلها بالحياة بعد وفاتهم، طالما أحبهم وأحبوه، وطالما تقربوا إليه وقدسوه. وقد حدث بالفعل أن المعبود الذي تخيله نفر منهم ربًّا للفيضان والخصب والزرع، وقدسوه باسم أوزير "أو أوزيريس كما دعاه الإغريق" كان هو نفس المعبود الذي نسبوا إليه ربوبية البعث والآخرة، وجعلوا مملكته تحت الأرض، وامتد تقديسهم له في طول البلاد وعرضها، وأحاطوه بأساطير وتخيلات عدة. "وهو غير إله النيل جعبي".
وكما استمد المصريون أملهم من أحوال الأرض وأربابها، استمدوا كذلك من السماء وأكبر أربابها حين لاحظوا ما لاحظته أغلب الشعوب القديمة، من أثر الشمس في دورة الحياة اليومية، وارتباط شروقها بيقظة الكائنات بعد النوم، والنوم هو الموت الأصغر كما يقولون، وبالحركة بعد الخمول، والرؤية بعد قلة الرؤية، فلم يردوا ذلك إلى عملية آلية لا روح فيها ولا هدف لها، وإنما ردوه إلى رب قادر اتخذ الشمس آيته الكبرى لنفع الأحياء في الدنيا، وتوهموا في هذا الرب "رع" وفي علل شروق شمسه وغروبها ما سبق لنا تفصيله في عقائد التأليه، ثم قدروا أن من يسير الشمس لنفعهم في الدنيا قادر على أن يوجهها لنفعهم في الآخرة، بعد أن تتجه إلى الأفق الغربي حيث توجد أغلب مدافنهم، فتنزل فيه إلى ما تحت الأرض وتضيء ظلمة القبور وتنير مسالك العالم السلفي، وتخيلوا للرب من أجل هاتين الغايتين، مركبين "سبق التنويه بهما"، مركبًا يعبر بها سماء الأحياء في النهار، وهي معنجة، ومركبًا يعبر بها سماء الموتى في الليل وهي "مسكتة"، وله في هذه الأخيرة مسار معلوم تحدثت عنه كتب الموتى في كل ساعة من ساعات الليل الاثنتي عشرة.
стр. 393
العصور ونمو الإمكانيات وتطور التصورات. فسادت الماديات في العصور المبكرة، ثم غلبت المعنويات عليها شيئًا فشيئًا خلال العصور المتحضرة المتتالية، ولكن دون أن تمحوها، فإلى جانب الارتقاء المستمر بعمارة المقابر وتوسيعها وتأمينها ضد عوادي الزمن واعتداءات الغير، باعتبارها المساكن الباقية لجثث أصحابها، بدأت الرعاية المادية في العصور المبكرة بتزويد المتوفى في قبره بما يمكن تزويده به من أواني الطعام والشراب والأدوات الضرورية وبعض مقتنياته الثمينة الخاصة، وتماثيل صغيرة رمزية لخدمه وجواريه إذا كان ثريًّا، وذلك ما يمكن تفسيره بالرغبة في إكرامه وإيثاره، وبالأمل في أن ينتفع بما يوضع معه في قبره خلال سفره الطويل، انتفاعًا يناسبه، وكل ذلك مع الحرص على تقديم القرابين وتلاوة التراتيل باسمه في الجزء العلوي من مقبرته في أوقات معينة وبما يتفق مع إمكانيات أهله.
وتطورت الرعاية شيئًا فشيئًا منذ أوائل العصور التاريخية، فاستعاضت عن الأطعمة الفعلية التي توضع في أسفل القبر، بتسجيل أسمائها وأعدادها ورموزها في قوائم منقوشة على لوحات خاصة تتخذ أوضاعًا محددة في قاعات تقديم القرابين فوق سطح الأرض، ثم تصوير مصادر خيرات الدنيا من زراعة وصناعة وصيد وفخر ولهو، على الجدران الداخلية في الجزء العلوي من المقبرة، ابتداء من أوائل الدولة القديمة. وقد رمزت هذه النقوش والمناظر في مجملها إلى أهم ما استحبه أهلها في دنياهم، ثم عبرت بتفاصيلها عن أغراض شتى، فاعتبرها أصحابها نموذجًا لما يودون أن تصبح عليه حياتهم في العالم الآخر، ورأوا فيها إذكاء لسعادة الروح وتذكيرًا لها بحياتها الأولى كلما هبطت من عالم السماء على قبرها، واعتقدوا بإمكان تحولها إلى حقائق تناسب العالم غير المنظور الذي سوف ينتقلون إليه، عن طريق ما يكتب معها ويتلى عليها من تعاويذ السحر وتراتيل الدين، واعتبروها تعويضًا احتياطيًّا لاحتمال تقصير ورثتهم في تقديم القرابين الفعلية لصالحهم، ثم اتخذوها وسيلة لتخليد السمعة والتفاخر والتعبير عن الثراء، ووسيلة للتعبير عن حب الزخرف والرغبة في استرواح صور الفن الجميل في الدنيا والآخرة. وانتقلت بعض هذه النقوش والمناظر منذ أواخر الدولة القديمة، من الحجرات فوق سطح الأرض إلى غرف الدفن وما حولها، وانتقل بعضها إلى سطوح التوابيت، ولكن ظلت أغراضها في أغلب الأحيان متشابة. وكان التابوت يعتبر المسكن الأصغر للمتوفى كما كان قبره يعتبر مسكنه الأكبر، ولهذا وجد من العناية والتطوير نصيبًا كبيرًا.
وتضمنت المقابر إلى جانب مناظرها ونقوشها، تماثيل كبيرة وصغيرة لأصحابها، وضعها الأحياء في أوائل الدولة القديمة في مقاصير مغلقة الجوانب وفي أقرب مكان فوق سطح الأرض يمكن أن يؤدي إلى بئر الدفن، كي ترغب الروح في التردد على مقبرة صاحبها وتسترشد بملامحها وهي في طريقها إلى حجرة دفنه حيث تحط على جثته. وليس من المستبعد أن تكون هذه الرغبة قد ارتبطت عند أصحابها بالخشية من أن تتغير ملامح الجثة أو تتحلل رغم وسائل حفظها، فتضل الروح عنها أو تنفر من أن تعود إليها، ثم انتقلت التماثيل منذ أواسط الدولة القديمة إلى مقاصير مفتوحة بالمقابر، وجمعت إلى غرضها السالف غرض تخليد صورة المتوفى بين الأحياء المترددين على مقبرته، وغرض تقديم القرابين والتراتيل أمامها لمنفعة روحه حين تتلبسها.
стр. 394
وساير الفنانون عقائدهم التي وعدت المؤمنين بالبعث برءاء من أعراض الضعف والمرض وعيوب البدن، فنحتوا هذه التماثيل في هيئات صحيحة قوية مستبشرة، ولم يمثلوا فيها عيوب البدن إلا في مرات نادرة. وغالبًا ما صحبت تماثيل المتوفى تماثيل أخرى صغيرة لخدمه وجواريه، كل بعمله الذي تخصص فيه، ابتغاء أن تنتفع روحه بمجهودات أعمالهم في الآخرة كما تنتفع بصورهم في مناظر المقبرة. ثم تماثيل أخرى صغيرة تسمى الرشابتي يقوم بعضها بدور المجيب عن صاحبه حين يُدعى لشأن من شئون الآخرة، ويقوم بعضها الآخر بدور التابع المسخر لأداء ما يأنف صاحبه من أدائه من أعمال في الآخرة١.
وليس أدل على أن المصريين لم يعملوا لتقبل الموت بقدر ما عملوا للتغلب عليه من آية التحنيط التي حفظت على جثث كبارهم خواص تقاطيعها، وجلودها وشعورها، وأصابعها بأظفارها، على الرغم من مرور ما بين ثالثة آلاف وثالثة آلاف وخمسمائة عام عليها. ومعروف ما استهدفه المصريون من التحنيط من حيث الرغبة في الإبقاء على الجسم سليمًا واضح الملامح بقدر الإمكان، رعاية لصاحبه، وضمانًا لبعثه، وتشجيعًا لروحه على أن تأنس إليه وتتلبسه. وقد سكلوا في سبيل التحنيط مراحل وتجارب عدة، ندع تفاصيلها وتتابعها التاريخي لبحث آخر تالٍ، ويكفي أن نذكر أنهم وصلوا إلى كما التحنيط في الدولة الحديثة. ويفهم مما احتفظت به نصوص معدودات ومما سجله المؤرخان هيرودوت وديودور، ومما انتهى إليه الأخصائيون المحدثون٢، أن البطن كانت تشق من جانبها بشفرة ظزانية رقيقة لتستخرج منها أحشاء الفراغ البطني والفراغ الصدري فيما عدا القلب، وقد يستخرج المخ من الرأس أيضًا، ثم تعالج كل من هذه بمواد معينة وتلف على حدة وتوضع في تجاويف الجسم ثانية. أو توضع في أوانٍ فاخرة تناسب صاحبها وتحاط بمواد تحفظ عليها كيانها وتمنع فسادها، مع الاعتقاد في إيكال رعايتها إلى أبناء الإله حور الأربعة، وحينئذ تملأ فراغاتها في الجسم بالراتنجات والصموغ والنشارة وما يماثلها أما المواد الأساسية المستعملة لكي تتشرب دهنيات الجسم وشحومه وعفونته، وتكسبه النقاء والجفاف والرائحة الزكية، فكان منها فيما يعرف حى الآن: النطرون وشمع العسل والقرفة والكاسيا والبصل وأنواع من الراتنجات الصمغية وحبوب العرعر وزيته وزيت الأرز وزيت الزيتون، والمر والمستكة والحناء، وكل ذلك بنسب وطرق لا تزال تحوطها الأسرار حتى الآن. وأضاف محنطو عصر الأسرة الحادية والعشرين خطوة قد تحتسب لهم أو عليهم، وهي معالجة تقلصات الأعضاء في بعض أجزاء الجسم حين التحنيط بحشو ما تحت الجلد بمواد مختلفة حتى تنبسط وتتخذ شكلها الأصيل، وحشو الصدغين أحيانًا حتى يتخذا امتلاءهما الطبيعي، وملء تجويف العين بما يرد عليها حيويتها. وشيئًا فشيئًا شاع استخدام التحينط لكل من يقدر على نفقاته من أفراد الشعب، وأصبحت له ثلاث مراتب كما روى هيرودوت تتفاوت
стр. 395
في تكاليفها ومدى إتقانها، كما تتفاوت في فتراتها. بين أيام معدودات، وبين سبعين يومًا أو ما هو أكثر. وكان تمام عملية التحنيط فيما يسبقها ويصحبها ويتلوها من عمليات الغسل والتنظيف والتطهير والتعطير واللف والتكفين ثم وضع التمائم، لا سيما تميمة القلب، والحلي والأقنعة الذهبية، وكتابة الاسم والألقاب ونصوص الدين، فضلًا عما يتلى عليها من الرقى والإشارات الرمزية إلى فتح الفم وتنشيط الحواس، وما إلى ذلك مما ابتدعه الكهان وبرعوا فيه واعتمدوا في معيشتهم عليه.
ولم يكن للخطوات السابقة من أثر، في عرف المصريين، إلا بفضل ما يُتلى عليها من تراتيل السحر والدين، عند الوفاة، وعند الغسل والتطهير، وعند الدفن، وعند تقديم القرابين، وعند إجراء الصلوات في مقاصير المقابر وهياكل المعباد. وأوسع المصادر الدينية حظًّا فيما تضمنته من هذه التراتيل، وأوسعها تعبيرًا عن عقائد ما بعد الموت وتطورها من عصر إلى عصر، هي: متون الأهرام، ومتون التوابيت، وكتب الموتى. وقد استشهدنا ببعض خصائص المصدرين الأولين منها، خلال حديثنا عن التطور الحضاري للنصف الثاني من الدولة القديمة بالنسبة لمتون الأهرام، وخلال عصر اللامركزية الأولى بالنسبة لمتون التوابيت. وأسلفنا عن متون الأهرام التي بدأ تسجيلها في باطن أهرام الملوك منذ نهاية عصر الأسرة الخامسة حتى نهاية الدولة القديمة "ثم في العصر الصاوي"، أنها لم تكن وليدة عصر كتابتها وحده وإنما كانت من تراث عصور طويلة سابقة وإنتاج كفايات فكرية متباينة، لهذا تضمنت صورًا أخروية ودنيوية وأسطورية وفلسفية، بعضها بدائي مضطرب، وبعضها راقٍ منطقي.
وظهرت متون التوابيت، فيما مر بنا، منذ أواخر الدولة القديمة١، وزادت حصيلتها وتنوعت مذاهبها في عصر الانتقال الأول في الدولة الوسطى، واقتبس الكهان بعض أورادها من متون الأهرام، ثم ألقوا بقيتها بما يتناسب مع عهودهم المتتالية وآمال الناس فيها. وكان من أهم ظواهرها تلقب كل متوفى فيها بلقب "أوزير" أملًا في أن ينعم في الآخرة بما نعم به ويخلد فيها مثل خلوده. وكان هذا اللقب في بدايته قاصرًا على الفرعون باعتباره وريث أوزير في الدنيا والآخرة، فلما اهتزت أركان الملكية في أواخر الدولة القديمة، انتحل حكام الأقاليم امتيازاتها الدينية ورجوا لأنفسهم في الآخرة ما كان الفراعنة يرجونه لأنفسهم، وتلقبوا مثلهم بلقب أوزير، ثم قلدهم في ذلك من تحتهم حتى شاع اللقب وأصبح أملًا عامًّا لكل إنسان٢.
ولم تؤدِ متوت التوابيت إلى الاستغناء عن نقش متون دينية أخرى على الجدران، ثم لم تغنِ هذه ولا تلك عن ظهور موسوعات دينية جديدة في الدولة الحديثة، وهي كتب الموتى التي أصبحت تكتب على أدراج متفاوتة الأطوال من البردي وتحفظ مع المتوفى في تابوته أو توضع بين أكفانه. ولم تكن في حقيقة أمرها كتابًا يلتزم ترتيبًا معينًا، ويتحدد ببداية أو نهاية، ومن أجل هذا عدلنا عن تسميتها بالاسم الشائع لها وهو كتاب الموتى، وإنما كانت فصولًا دينية متفرقة تطور بعضها عن متون التوابيت، وألف بعضها الآخر بما
стр. 396
يتفق مع تصورات عصره، وكان الكتبة الدينيون يكتبون في كل دراج ما يحفظونه منها أو ما تتوفر عندهم نسخه. أو ما يطلبه منهم العميل نفسه، أو يشيع عادة في أيامهم. وقد داخل هذه الفصول كثير من السحر والأخيلة الشعبية، ولكننا لا نكتفي بنماذج من أفضل ما فيها. وكانت فكرة الحساب والمسئولية أمام الأرباب قد ترددت من قبل في كل من متون الأهرام ومتون التوابيت ولكنها أصبحت أوضح من كتب الموتى، ويعبر عنها فيها باللفظ والصورة، وبصور معنوية وأخرى مادية، ومن أكثر صورها شيوعًا تصوير ميزان ينصب ويوضع قلب المتوفى في إحدى كفتيه، باعتباره مصدر النية والمشاعر والضمير بينما تصور في الكفة الأخرى ريشة ترمز من حيث اللفظ إلى كلمة "ماعت" بمعنى العدالة، وترمز من حيث الصورة إلى دقة الوزن وحساسيته. ويجري الحساب عادة في حضرة رب الآخرة أوزير، وبحضور اثنين وأربعين قاضيًا مقدسًا، يمثلون أرباب عواصم الأقاليم، بينما يقوم على تقييم الحسنات والسيئات رب الكتابة والحكمة تحوتي فيسطر على لوحته نتيجة الوزن ونتيجة دفاع المتوفى عن نفسه أمام أربابه وإلهه الأكبر، وحينئذ يتحدد مصيره، فإما إلى جنان ذات برك وغدران وزروع ترتفع سنابلها إلى سبعة أذرع، وإما إلى جحيم تتنوع فيه صور الحرمان والفزع وأذى الوحوش والحيات والنيران.
ويبدأ المتوفى يتنصل من آثام الدنيا في دفاع إنكاري طويل، يقول في بعض عباراته: لم أرتكب ذنبًا ضد الناس ... ، لم أضلل الرعية ... ، لم أرتكب إثمًا في دار الحق ... ، ما قسوت على فقير، ما حرضت عبدًا على سيده ... ، ما أمرضت "إنسانًا"، وما أبكيت إنسانًا ... ، لم أقتل ولم آمر بقتل ... ، لم آت اللواط لم أطفف الكيل ولا الميزان. وعندما ينتهي من حديثه الطويل يعلن طهارته بقوله: إني طاهر، طاهر، طاهر، طاهر؛ ونقائي نقاء طائر البنو الكبير في أهناسيا. وفي هذه المبادئ من الطهر وكثير أمثالها ما تضمنته كتب الموتى ونعالجه بتفصيل في بحث آخر، ما يشهد بأن القيم العليا في أغلب الأديان وفي الحضارات الراقية تكاد تكون واحدة١.
стр. 397
الفصل الثاني عشر: من الأدب المصري القديم
أولا: في أدب الأسطورة والملحمة
أسطورة أوزير وتوابعها
...
الفصل الثاني عشر: من الأدب المصري القديم
سجلت الآداب المصرية على صفحات البردي واللخاف، بخطوطها التي عرفناها: الهيروغليفي والهيراطي منذ أواخر الألف الرابع ق. م، والديموطي منذ القرن السابع ق. م، ثم القبطي منذ القرن الثاني للمسيح. وظلت لغتها على مدى آلاف طويلة من السنين واحدة متصلة في أساسها، ولكن مع تمايز خفيف وتطور يسير في نحوها وأساليبها وهجاء كلماتها بين كل عصر وآخر من عصور تاريخها الطويل.
أولًا: في أدب الأسطورة والملحمة
أسطورة أوزير وتوابعها:
هذه واحدة من أساطير نسب رواتها فيها أعمال زعماء أتباع الأرباب إلى شخوص أربابهم حينًا، وارتفعوا فيها بالزعماء إلى مستوى الأرباب أنفسهم حينًا آخر، ثم طبقوا فيها تصرفات البشر ومشاعرهم على حياة المعبودات وتخيلوهم يحكمون ويتعاقبون، ويتزاوجون وينسلون، ويتعاونون ويتخاصمون، ويتبادلون الحب والكره، والوفاء والغدر.
سجلت هذه الأسطورة أول ما سجلت في سياق متون الأهرام الدينية من الدولة القديمة عن عصور أسبق منها، مما يعني أنها اصطبغت منذ عصورها الأولى بصفة القداسة، وأنها كانت تردد في أعياد المعابد أو تمثل، كما اتصلت تفاصيلها بتاريخ الملكية المقدسة وذكرياتها، وذلك مما يدفع إلى الظن بأنها كانت تردد كذلك في أروقة القصور وربما تمثل أيضًا. ثم أخذت الصبغة البشرية للأسطورة تتضح بعد ذلك شيئًا فشيئًا، واستمر كل جيل يضيف إليها من خيالاته ما يوائم تصورات عصره وما يزيد من تأثيرها في أذهان الناس، ولكن دون التضحية بجوهر الأسطورة وقداستها. ويستنتج مما أتت به صورها المختلفة أن شخوصها الرئيسيين أربعة وهم زوج وزوجة، وولد وعم. وأنه تمايز من نماذج الطباع والعواطف فيها أربعة: صلاح ووفاء وحسد وانتقام. وبغير أن نتكلف سجعًا، نرى أنه يمكن إرجاع مصادرها إلى أربعة أيضًا: ذكريات قومية، وتخريجات دينية، وعبرة خلقية، ثم صياغة فنية. وبهذا المحصول المتنوع أصبحت من أقدم أساطير الدراما الكبيرة المعروفة١.
كان أوزير وإيسة، فيما مر بنا من بعض صفحات هذا الكتاب، أخين وزوجين من مجموعة رباعية يكملها ست وأخته نبت حت. وكان الأربعة رعيلًا أولًا جمع بين الألوهية وبين البشرية في أعقاب انفصال السماء عن الأرض. وبنقلة سريعة اعتبرت الأسطورة أوزير ملكًا على البشر يحكم بينهم ويهديهم إلى ما يصلح أمرهم، إلى أن نقم أخوه ست عليه منزلته، فكاد له وقتله ثم رماه في اليم واغتصب عرشه. وظلت إيسة وفية لزوجها الشهيد، فداومت البحث عن بدنه حتى عثرت عليه، واستعانت بسحرها حتى ردت روحه
стр. 398
عليه لفترة من الوقت، وحطت عليه كما يحط الطائر، فحملت منه حملًا ربانيًّا، ووضعت منه طفلها "حور" "أو حورس كما شهره الإغريق"، وربت طفلها خفية في أحراج الدلتا، وعاوتها كائنات عدة على كفالته، فأرضعته بقرة، ورعته معها سبع عقارب، ثم عادت إيسة فشهرت بست الغاصب القاتل بين الأرباب والناس، وكادت له عدة مرات، وعندما شب ولدها سريعًا، كما يشب أبناء الأساطير الذين لا يخضعون في نموهم لحكم المنطق والزمن، تعاونت هي وأختها نبت حت على تجديد المناحة على أوزير الشهيد واستثارة الحلفاء من أجل ثأره. وعهدوا بزعامتهم لولدها حور، ودعوه "المنتقم لأبيه"، وتجمع معه زعماؤهم وأربابهم تحت إشراف أكبر رعاة الحرب فيهم "وبواوت"١. وطالت المواقع بينهم وبين ست وأنصاره حتى فقد حور عينه وفقد ست خصيته، ثم توقف القتال لهدنة قصيرة، استغلها أنصار حور لعرض الأمر على أرباب الدولة الحكماء، أصحاب القضاء في عين شمس "أو في منف"، وجاءوا معهم ببدن شهيدهم أوزير ليكون أية صريحة على ما حل به من غدر. وأقام حور الدعوى باسم أبيه، فأدان القضاء ست بالاعتداء على أخيه، ولكن ست أنكر أنه بدأ بالشر، وادعى أن أوزير هو الذي تحداه ونزل أرضه، فأبى القضاء الأخذ بدعواه، وبرءوا أوزير من تهمة البدء بالعدوان، واعتبروه "ماع خرو" أي مبرأ، أو صادق التعبير. ولما لم يكن له في الدنيا غاية، بعد أن برئت ساحته وأدين خصمه، انتقل إلى أسفل الأرض، ومارس سلطانه على ملكوت الموتى، وعاود نشاطه، فاستمر يدفع الماء من تحت الأرض، ويدفع الخصب إلى التربة وينمي الحب، أو هو بمعنى آخر، ظل يقيم الأدلة على حيويته وقدرته، فيظهر على هيئة النبت الأخضر في مواسم النبات، ويظهر على هيئة الماء الدافق في مواسم الفيضان.
وهكذا انتهت الأسطورة بتغليب الحق وبقاء الخير، والإيمان بعدالة الأرباب، وتبرير أسباب تقديس أوزير تحت الأرض، وتفسير القدرة الربانية في دفع الفيضان وتجدد الخصب وإنماء الحب والزرع. وكانت مشاهدها مما يمكن تمثيله بسهولة في المعابد والقصور، وفي مواسم معينة ترمز إلى بعث أوزير وغلبة الخصب على الجفاف وتغلب الخير على الشر. ويستفاد من نصوص إيخر نفرة أحد كبار موظفي الخزانة في عصر الأسرة الثانية عشرة أن الأسطورة كانت تمثل في العيد الأكبر للإله أوزير بمعبد أبيدوس، وأن تمثيلها كان يستغرق عدة أيام قد تصل إلى ثمانية، ويمثل فصل منها في كل يوم، ويشارك فيها جمهور من حجاج المعبد٢. ويبدو أن أحداثها التي رويناها عن متون متفرقة من متون الأهرام والتوابيت وشواهد أخرى تضمنها المذهب المنفي، لم تكن من بنات الخيال برمتها، وإنما كانت فيما يغلب على الظن رموزًا لأحداث قومية بعيدة سبق أن مهدنا بأخبارها لمراحل قيام وحدة مصر التاريخية "ص٦٥"، ولا يخلو من دلالة أنه على الرغم من ضراوة النزاع بين أوزير وست، أو بمعنى آخر بين رب الوجه البحري ورب الصعيد، فقد اعتبرتهما الأسطورة أخوين دائمًا اعترافًا فيما يبدو بصلة القربى بين الوجهين وانتسابهما إلى وطن واحد.
стр. 399
وأضافت الأيام إلى مشاهد أسطورة أوزير وأسرته أخيلة عدة استهوت أذواق أهلها ورمزت إلى خصائص المجتمع في عصور إضافتها، وإن انتهت في مجملها إلى نهايات متماثلة ينتصر الحق فيها على الباطل مهما طال أمد التنازع بينهما. فحادثة قتل ست لأخيه عنوة وإلقائه في ماء ترعة ندية، تهذبت روايتها وصُورت على هيئة مكيدة محبوكة دبرها ست في حفل أقامه في داره، حيث أعد صندوقًا فاخرًا وعد بأنه يهبه لمن يطابق جسمه، فتهافت المدعوون يتمددون فيه، ولما جاء دور أوزير نزله فطابقه، وهنا أطبق أخوه الصندوق عليه وأحكم غطاءه وألقاه في النيل.
وحادثة عثور إيسة على بدن زوجها في أرض مصر، اتسع مجالها فقيل إن النيل احتمل الصندوق حتى مصبه، ثم أسلمه للبحر الأخضر، فاحتمله البحر بدوره حتى ألقاه آمنًا على شاطئ جبيل "في لبنان"، فأظلته هناك شجرة مباركة واحتوته في جوفها. وساحت إيسة في الأرض بحثًا عن أخيها، حتى بلغت جبيل واهتدت إلى الشجرة، واستخلصت الوديعة منها وحملتها إلى مصر، حيث أعادت إلى بدن أخيها روحه وحملت منه، وتسترت معه. ولكن أخاه ست كشف مخبأه ومزقه في هذه المرة شر ممزقة وقطعه اثنتين وأربعين قطعة "وفي رواية أخرى أربع عشرة قطعة" ورمى بكل قطعة في مكان، وذلك يرمز فيها يبدو إلى تمزق وحدة البلاد القديمة وتجزئها إلى عدد من الأقاليم، كما يفسر تعدد مزارات أوزير التي قامت على أجزائه الموزعة في كافة هذه الأقاليم١.
وأصبح الرواة كلما ألمت ببلدهم مصيبة وتعرضت لغزو من آسيا عبر صحراواتها رمزوا إلى هذه المصيبة رمزًا في أساطير عقيدتهم وربطوا بينها وبين مكائد ست وإيحاءاته. وظنوا مثل هذا الظن بالنسبة للهكسوس الذين أتوا من آسيا وعبدوا ست فعلًا وحاربوا تحت رايته، وظنوه كذلك بالنسبة للفرس الذين اغتصبوا عرشهم واستهانوا بمعابدهم ومذاهبهم ولم يحترموا موتاهم وحاربوا أبطال القومية الساعين إلى تحرير وطنهم وأدمجت كل هذه الشرور رمزًا في أساطير وتمثيليات تبناها معبد أوزير في أبيدوس واحتفظت بها بعض البرديات المتأخرة٢، وقد خدمت غرضين: غرض إرضاء السامعين والمشاهدين بالرمز إلى استمرار مشكلات ست ضد أوزير وأسرته، وغرض ترديد اللعنات باسم الدين والقومية على الأعداء الأجانب الذين سمح ست لهم باجتياز أراضيه الآسيوية وإيذاء مصر في كرامتها وتقاليها. ولو أن هذه الدعوى ضد ست لم تمثل في واقع الأمر غير وجهة نظر واحدة، وهي وجهة نظر المتحيزين لعبادة أوزير وأسرته، ولم تمنع أنصار ست من المصريين من أن يعتبروه ربًّا قادرًا فاضلًا يرسل العواصف لكي تبشر بالمطر، ويستخدم طاقته الحربية في نصرة مصر وجيوشها، ويستخدم قوته السحرية في حماية رب الشمس ومركبه، بل ويأخذ بناصر أخيه أوزير في الآخرة.
стр. 400
الحق والبهتان ١:
رمز أدباء من الدولة الحديثة إلى العناصر الخلقية في الأسطورة السابقة بصورة توائم عصرهم، ولم يذكروا فيها أوزير وست صراحة، وإنما كنوا عنهما باسمين معنويين، وهما: الحق والبهتان. وكانا أخوين عاشا بين البشر، وأراد البهتان أن يكيد لأخيه فترك خنجره وديعة لديه، ثم استلبه منه خفية، وعاد فطالبه به، ولما اعتذر أخوه له عن ضياعه لم يقبل عذره، ولما حاول أن يعوضه عنه لم يقبل عوضه، وشكاه إلى الأرباب، وادعى أن سلاح خنجره كان في ارتفاع الجبل، وأن مقبضه لا يقل ارتفاعًا عن الشجر، ففوض الأرباب له أن يقترح التعويض الذي يحبه، فأصر على أن يقتلع عيني أخيه ويستخدمه حارسًا لداره، فأجابه الأرباب إلى ما أراده.
وأذل البهتان أخاه، وجعله حارسًا لبابه، ولكنه كان كلما نظر إليه أحس بالخزي وبأن الضرير لا يزال يحتفظ بوقاره وجماله، فأمر عبدين بأن يلقياه إلى السباع. ولما خرج العبدان بالحق قال لهما: أتضحيان بي من أجل البهتان؟ واستعطفهما، فرقا له وتركاه بناحية من نواحي الجبل، وعادا إلى مولاهما وأوهماه بأنهما نفذا أمره.
وبعد حين شهدت الحق أنثى بارعة الجمال هفا إليه فؤادها، فبعثت إليه جاريتها تستدعيه ثم تزوجته لكنها خشيت أن يعايرها الناس به، فأخفت خبر قرانه بها، وخصصت له حجرة بجانب باب دارها، وأثمر الزواج طفلًا، تعهدته الأم بالتربية الصالحة، وأخفت عنه سر أبيه، وألحقته بمدرسة أتقن الكتابة فيها، وتعلم فنون الرياضة والنزال وتفوق على أقرانه فيها، ولكن نغص عليه سعادته أن زملاءه كانوا يسألونه دائمًا عن أبيه، ويعيرونه بأنه لا أب له، ولما شب أصر على أن يعرف حقيقة أبيه من أمه، فدلته عليه وأخبرته أنه بواب دارها، فاستنكر فعلتها، ولم يأب أن يصارحها برأيه فيها، وأن مماتها كان أفضل من حياتها.
وأراد الغلام أن يكيد لعمه البهتان كما كاد هو لأبيه، فأخذ معه ثورًا سمينًا وعهد به إلى أحد الرعاة الذين يستخدمهم عمه، وطلب منه أن يرعاه حتى يعود من سفره في مقابل أجر أعطاه إياه. وحدث أن تفقد البهتان مراعيه، فأعجب بالثور وذبحه، دون أن يعبأ بتوسلات راعيه. وعاد الغلام بعد شهور، وشكا الراعي ومولاه إلى الأرباب، وأراد أن يعجز البهتان عن التعويض، فادعى أن ثوره كان ينجب ستين عجلًا كل يوم، وأنه كان إذا وقف وسط الدلتا بلغ أحد قرنيه جبالها الشرقية ومس قرنه الآخر جبالها الغربية. فتعجب الأرباب من دعواه، وقالوا إنهم لم يروا ثورًا بمثل هذه الضخامة، فأجابهم: وهل رأيتم خنجرًا بضخامة الخنجر الذي حكمتم على أبي بالعمى من أجله؟ وهنا أسقط في يد الأرباب وعلموا أن البهتان خدعهم، فردوا على الحق بصره، وأمروا بجلد البهتان مائة جلدة، وبجرحه خمسة جراح بالغة وفقء عينيه، وبأن يصبح بوابًا لأخيه جزاء وفاقًا على ما كان قد فعله به. وعبر القصاص بهذا العقاب عما أصبحت عليه العقوبات البدنية في عصرهم، كما عبروا بتربية الابن تربية كتابية ورياضية وعسكرية عما كان يستحبونه لتربية أبناء الكبراء في أيامهم.
стр. 401
روت هذه الأسطورة أن الإله رع بعد أن أوجد نفسه بنفسه وخلق الوجود وتملك أمور الأرباب والبشر، تقدمت به السن، فتآمر ضده جماعة من أشرار الناس كفروا بنعمته وانتشروا في الأرض، فآلمه كفرهم وجمع كبار الأرباب عنه وقال لهم "تأملوا الناس الذين خلفوا من عيني يدبرون أمرًا ضدي. فأفتوني بما ترون". فأفتاه شيخهم نون بألا يواجه العصاة بشخصه خشية أن يهلكوا وتفنى الدنيا معهم، وأوصاه بأن يرسل عينه على من يجدفون في حقه، فعمل رع بمشورته وسلط عليهم عينه، فتشكلت العين تفنوت في هيئة الربة حتحور، وفتكت بالعصاة، وشربت من دمائهم واستمرأت طعم الدم ولذة الانتقام، فبدأت تأخذ الأبرياء بجريرة العصاة، وأوشكت أن تفني البشر أجمعين، لولا أن تدارك الرب الناس برحمته وأوحى إلى أوليائه بأن يتحايلوا على فتاته العاتية وطلب منهم أن يجهزوا سبعة آلاف إناء من الجعة، وأن يرسلوا عداءين سريعين يجرون كما يجري ظل الجسم، ليسرعوا إلى أسوان ويحضروا منها مسحوقًا أحمر اشتهرت به، لعله أوكسيد الحديد، ثم أوصاهم بأن يخلطوا هذا المسحوق بالجعة، ولما أهل صباح اليوم الموعود الذي اعتزمت حتحور فيه إفناء البشر، قال لهم أسكبوا الجعة في المكان الذي قالت إنها ستهلك البشر فيه. فرووا الحقول بها حتى ارتفعت نحو قبضة. فلما رأت حتحور المزيج الأحمر حسبته دمًا مسفوحًا ونظرت إلى وجهها الجميل فيه فانتشت وأوغلت فيه وشربت منه بشره حتى خدرت وتراخت عن التمادي في القتل، وأنجي الناس من بطشها١. أما من بقي ممن تمردوا على خالقهم فقد ذكرت أسطورة مماثلة أنهم تخوفوا نقمته فتفرقوا شر فرقة وفر فريق منهم إلى الجنوب حيث أصبحوا السلف القديم للنوبيين، وهرع آخرون إلى الشمال فكانوا أسلافًا للآسيويين، في حين نشأ الليبيون من الفارين إلى الغرب، وأسلاف البدو من اللائذين بالشرق٢.
وهكذا قامت عقدة الأسطورة على الإيحاء بأن رحمة الرب غلبت نقمته، وأن ما حدث من شر في تمرد خلقه عليه كان سببًا في عمران بقية الكون، وقد يتأتى بعض الخير من الشر أحيانًا، وذلك فضلًا عما صورته من عنف تفنوت أو حتحور ورمزت به إلى أن للإناث بطشة دونها بطشات الرجال.
стр. 402
ثانيا: في أدب القصة
سنفرو والحكماء
...
ثانيًا: في أدب القصة
ظلت شخصيات الفراعنة محورًا لعدد كبير من القصص، الرسمية منها والشعبية، وقد جمعت قصصهم في سياقها بين حقائق موضوعية، وبين صياغة فنية، وبين أخيلة تصور المعجزات وفنون السحر، وبين آراء خاصة وأماني عامة عبر القصاص عنها بطريق الرمز.
سنفرو والحكماء:
كان سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة من أهم الشخصيات التي دارت القصص حولها: وقد روت عنه إحداها أنه استدعى كبير الكهنة المرتلين في عهده، وكان يدعى جاجا معنخ، وسأله عن تسرية يرفه بها عن نفسه. فأشار عليه أن يلتمس التسرية في الخضرة والماء والوجه الحسن، وبأن يستقل قاربًا
стр. 403
ويصطحب معه عددًا من العذارى ويطلق البصر فيما أفاءه النيل على جانبيه من خضرة وخير عميم. وعمل سنفرو بالنصيحة واصطحب في قاربه الكبير عشرين عذراء، وعهد إليهن بالتجذيف والغناء، فاصطففن على جانبي القارب وجذفت كل منهن بمجذاف من الأبنوس المرص بالذهب، كما روت القصة، وانطلقن في التغريد والتجذيف، وكان كل منهن تحلي جبهتها بإكليل تزينه حلية على هيئة السمكة، وتهدل شعر رئيستهن على وجهها فأزاحته بيدها، وعندئذ سقطت حليتها في الماء فسكتت عن الغناء وسكتت بعدها الباقيات، ولما سألها الملك عن علة سكوتها، قصت عليه أمرها فوعدها بأن يعوضها عن حليتها بما هو خير منها ولكنها أبت إلا حليتها، فأسقط في يد سنفرو، واستدعى كبير الكهنة المرتلين، وقال له جاجا معنخ يا أخي، حدث كذا وكذا، فاستجاب الكاهن لطلب مولاه، واستعان بسحره فطوى ماء النهر على جانب كما ذكرت القصة، واستخرج الحلية وردها إلى صاحبتها١.
تلك قصة داخلها التهويل والتنميق، من غير شك، ويعنينا الرمز فيها إلى حياة الرفاهية التي عاشها صاحبها، وأن قصاصها لم يتخيل ملكه ربًّا مطلقًا قادرًا مقتدرًا، كما اعتادت النصوص الرسمية أن تصف ملوكها ولم يجد بأسًا في أن يصوره عاجزًا عن أن يفعل بعض ما يستطيع كاهن من رعيته أن يفعله، وأن هذا الملك وإن خاطبه رعاياه بلقب الربوبية إلا أنه لم يكن يعتقد في نفسه الربوبية الفعلية بحيث لم يكن من المستبعد عليه تبعًا لذلك أن يخاطب أهل العلم في عصره بلفظ الأخوة كما خاطب كاهنه المرتل.
ورمزت قصة الثانية إلى ما رمزت إليه الرواية الأولى من تواضع سنفرو وشغفه بمجالسة العلماء، فذكرت أن سنفرو "الملك الفاضل" أمر حامل أختامه أن يستدعي إليه أعضاء بلاطه ذات صباح وطلب إليهم أن يشيروا عليه بولد حكيم أو أخ ماهر أو صديق أدى أعمالًا باهرة حتى يحدث بمواعظ قصيرة أو حديث لطيف يلتذ بسماعه. فسجد الرجال في حضرته وأشاروا عليه بكاهن مرتل من تل بسطة يدعى "نفررحو" أي زين الرجال، وصفوه له بأنه مواطن طويل الباع شديد الإرادة كاتب طلق الأصابع ذو مقام يزيد ثراؤه عن ثراء أقرانه. فأمرهم بأن يستدعوه إليه، وعندما وفد الحكيم على سنفرو سجد أمامه، فقاله له الفرعون: "إلى نفررحو يا صديقي وحدثني بمواعظ مختصرة سديدة أو أحاديث طريفة أستمتع بسماعها". وسأله نفررحو "أونفرتي" "هل مما حدث أو مما سيحدث، مولاي؟ " فقال له سنفرو "بل ما سوف يحدث فإن ما حدث تم وانقضى" وعندما تهيأ نفررحو للرواية مد الملك يده إلى صندوق أدوات الكتابة وسحب منه لفاة بردي ولوحة وتهيأ للكتابة، في جلال الحكام وتواضع العلماء٢، وسجل ما استغله أنصار أمنمحات مؤسس الأسرة الثانية عشرة فيها بعد للدعاية لعهده. كما ذكرنا من قبل.
стр. 404
قصة خوفو والحكيم جدي:
صورت هذه القصة خوفو صاحب الهرم الأكبر يجالس عددًا من أولاده يسامرهم ويسمع من كل واحد
стр. 405
منهم ما تناهى إلى علمه عن أخبار الماضي وأخبار أهل المعجزات فيه. وروت أنه كان كلما سمع من أبنائه عن معجزة قام بها عالم قديم أو فرعون قديم، ترحم على هذا العالم كما ترحم على الفرعون، وأمر بأن تخلد لكل منهما ذكراه وأن تجزل العطايا والقرابين لمقبرته١. ثم صورته يبعث ولده إلى حكيم من قومه يدعى جدي لم يكن قد رآه من قبل، فقابل الحكيم ابن خوفو وحادثه محادثة الند للند، وأقر له الأمير بمكانة تليق بسنه وعمله. ولما وصل جدي إلى خوفو، قال له الملك "ما هذا جدي وكيف لم نرك حتى الآن؟ " فأجاب جدي: "مولاي، من دعي أجاب، ولما دعوتني لبيت". ومعنى هذا أن الرجل لم يكن يجد ما يلزمه بأن يتمسح ببلاط الملك من تلقاء نفسه أو يقصد أعتابه رجاء فضله.
وكان خوفو قد سمع عن جدي أنه يستطيع أن يجبر أسدًا على أن يسير أليفًا طائعًا خلفه، وأنه يستطيع أن يقطع الرقبة ثم يتلو عليها تعاويذه فتعود إلى مكانها من الجسم وتسترد حيويتها، فطلب منه أن يجري معجزاته وسحره على سجين، فاعتذر الرجل وأجاب في عناد: "ولكن ليس على إنسان مولاي الحاكم، وحسبك أن أحدًا لم يطلب أداء شيء من ذلك على هذا الشعب النبيل". وهكذا لم يأب جدي أن يرد على ملكه العظيم بما يعتقده، ولم يأب أن يعتبر السجين المصري فردًا من شعب نبيل على الرغم من جرمه الذي دخل السجن من أجله.
وأضافت القصة أن خوفو عجز عن الاهتداء إلى طائفة من الخزائن والوثائق المقدسة التي ذكر له أتباعه أنها تخص رب الحكمة تحوتي، فسأل جدي عنها، فأجابه الرجل بأنه يعرف مكانها فعلًا، ولكنه حاوره عنها وداوره وأبى أن يقوده إليها، وظل خوفو على جهل بها، على الرغم من أن نصوصه الملكية الرسمية ونصوص رجال حاشيته كانت تلقبه بلقب "نثرعا" أي الإله العظيم! ولسنا نشك في أن ذكر السحر في هذه القصة محض اختلاق وخيال، وأن اعتذار الحكيم عن أدائه لا يزيد عن مجرد تخلص لبق لطيف، لكن حسبنا من القصة أنها كشفت عما كان مؤلفها يتخيله عن بشرية خوفو واحتمال عجزه عن أداء ما يؤديه بعض علماء رعاياه، وكشفت عما كان الناس يودون أن يظهر به حكيم من الشعب في مواجهة الملك العظيم، صاحب الهرم الأكبر، من عزة النفس والاعتراف لقومه بنبالة الأصل.
стр. 406
قصة العاشقين والتمساح:
على نحو ما جعل القصاص المصريون من حكمائهم والمبرزين من رجالهم شركاء في قصص ملوكهم، جعلوا من أولئك الحكماء والمبرزين محورًا خالصًا لعدد آخر من القصص. ومن أقدم هذه القصص قصة ردت أحداثها إلى القرن الثامن والعشرين ق. م، صورت خيانة زوجة كاهن كبير في منف يدعى "وباإنر" هامت بحب فتى من أهل المدينة كانت تراسله عن طريق وصيفتها، فتجرأ الفتى واعتاد أن يختلي بها خلسة في جوسق بحديقة قصرها بين قصف ومجون، وإذا قام عنها اغتسل في بركة صغيرة بالحديقة نفسها, وعز على ناظر الدار أن تهون كرامة سيده فأبلغه الخبر. واستعان الكاهن بسحره وشكل تمساحًا من الشمع طوله
стр. 407
بعرض سبعة أصابع، وتلا عليه أوراد سحره وقرأ "من نزل يغتسل في بركتي فاقبض عليه". وعهد الكاهن بتمساحه المسحور إلى أحد أتباعه وأوصاه بأن يلقيه في الماء حين ينزل الفتى. وحين حانت الساعة انفرد التمساح سبعة أذرع واقتنص الفتى ومكث به تحت الماء سبعة أيام كاملة، كان الكاهن خلالها في رحلة مع فرعون زمانه، فلما عاد من رحلته دعا الفرعون إلى داره ليشهده على القضية وعلى معجزاته في حلها، واستدعى أمامه التمساح المسحور فخرج من الماء يجر فريسته، وارتاع الفرعون من هول ما رأى، ولما أفرخ روعه قال للتمساح خذ ما لك، فنزل به التمساح إلى أعماق البركة واختفى. وقضى الفرعون على الزوجة الزانية بالحرق علنًا وذر رمادها في النهر، وهو ما قد يشير إلى عقوبة الزنا في أيامه.
стр. 408
قصة الأخوين:
هذه قصة من القرن الثاني عشر ق. م، صورت ما يمكن أن تأتيه أنثى لعوب في بيت ريفي صغير. وأسهبت القصة في وصف الحياة الريفية وجمعت بين ما يمكن أن يحدث في واقع الحياة وبين ما لا يحدث إلا بالمعجزات وفي عالم الخيال. وجعلت أبطالها ثلاثة: إنبو، وهو صاحب دار ومزرعة، وزوجته الفاتنة اللعوب، وباتا شقيقه الصغير.
ووصفت القصة باتا الصغير بآيات القوة والإخلاص والوفاء، فصورته مؤيدًا بقدرة ربانية، وروت أنه عرف منطق الحيوان، ونسبت إليه المهارة المطلقة في شئون الزراعة والرعي. واعتاد باتا أن يخرج بماشية أخيه مع الفجر فيحرث أو يحصد، ويرعى قطيعه، ثم يعود في المساء محملًا بخيرات الحقل وألبان البقر ويقدمها راضيًا بين يدي أخيه وزوجته. وبعد أن يتناول عشاءه ينطلق إلى حظيرة الماشية، فينام فيها وحيدًا قانعًا. فإذا اقترب الفجر أعد إفطار أخيه وقدمه إليه، ثم أخذ إفطاره معه وساق ماشيته إلى الحقل والمرعى وكان يحدث أحيانًا أن تتسار الماشية فيما بينها بأن الكلأ في مكان بعينه وفير نضير، فيفهم باتا قولها ويحقق لها رغبتها وينتجع بها ما توده من العشب والمرعى.
ولما حل موسم الزراعة قال له أخوه: علم أحد الثيران الحرث، فالأرض انحسر ماؤها وتهيأت للزرع، وآتنا ببذور نغرسها مبكرين. فأطاع باتا، وصحب أخاه إلى الحقل، وانشغلا في الحرث، وفاضت نفساهما بالأمل لقيامهما العمل في بداية الموسم. ولكن حدث بعد فترة أن اضطرا إلى التوقف لنفاذ البذور، فأرسل إنبو أخاه إلى القرية وأوصاه بأن يسرع في إحضار المزيد من البذور. ولما بلغ باتا الدار ألفى زوجة أخيه تضفر شعرها، فناداها في مرح وبساطة قائلًا: "انهضي وناوليني كمية من البذور حتى أعجل بها إلى الحقل، فأخي ينتظرني، ولا تعوقيني". ولكن الأنثى تثاقلت وقالت له اذهب أنت إلى مخزن الغلال واحمل منه ما تشاء ولا تضطرني إلى ترك ضفائري.
стр. 409
ودخل باتا المخزن وأعد غرارة كبيرة، واكتال شعيرًا وحنطة. ولما خرج بهما سألته: كم احتملت على كتفك؟ فأجاب: "ثلاثة مكاييل من الحنطة واثنين من الشعير". فحاورته قائلة: "فيك بأس شديد وأشهد أنك تزداد قوة وجسارة على الدوام". ودبرت أمرًا في نفسها ثم هبت واقفة وتعلقت به وقالت هيت لك، ودعنا نمرح ساعة ونضجع، فذلك خير لك، ولسوف أخيط لك ثيابًا حسانًا. وفوجئ الفتى وأجفل وبدا في هيئة فهد الصعيد الغضوب كما روت القصة، وأربد وجهه من سوء ما دعته إليه. وأجفلت المرأة بدورها وخشيته خشية شديدة.
وقال لها الفتى: "اسمعي، أنت بالنسبة لي في منزلة الأم وزوجك في منزلة الأب لأنه أكبر مني وقد تعهدني ورباني، فلِمَ هذا العار الذي تدعونني إليه؟ إياك أن تفاتحيني فيه مرة أخرى، ولك من ناحيتي ألا أخبر أحدًا به أو أدعه يخرج من فمي إلى أحد". واحتمل باتا حمولته، وانصرف إلى المزرعة، فلما بلغ أخاه استأنف العمل كدأبه دون أن ينبس ببنت شفة.
ولما حان المساء انفصل الأخ الأكبر وقصد داره، وبقي الأصغر خلف ماشيته حتى أكمل حمولتها من خيرات الأرض، ثم ساقها أمامه ليبيت بها في حظيرته، وخشيت زوجة إنبو عاقبة زلتها، فاستعانت بعقار جعلها كالمريضة أو المضروبة. فلما بلغ بعلها داره وجدها ممددة متهالكة، فلم تصب الماء على يديه كعادتها، ولم توقد المصباح قبل مجيئه. ووجد الدار في ظلام دامس، فاقترب منها وسألها عمن أساء إليها قالت: لم يحادثني سوى أخيك، أتي يأخذ البذور ووجدني وحيدة فراودني عن نفسي وأمسك شعري، فأبيت أن أطيعه، وقلت له ألست في منزلة أمك، وأخوك في منزلة أبيك؟ فغضب وآذاني حتى لا أبوح لك بأمره. فإذا تركته يعيش، مت أنا، وأخشى إذا رجع المساء وفاتحته في عاره أن ينسب السوء إليَّ. وأربد وجه الزوج، وشحذ خنجره واختبأ خلف باب الحظيرة، ونوى أن يقتل أخاه حين رجوعه. وعاد باتا حين الغروب محملًا بخيرات الأرض كعادته، فلما دخلت أولى بقراته الحظيرة، همست له: "أخوك واقف أمامك بخنجره ليقتلك، فاهرب من أمامه". وفهم باتا قولها، ثم سمع مثله من البقرة التي تلتها، وتطلع إلى أسفل الباب فرأى قدمي أخيه، فألقى حمولته على الأرض وأطلق العنان لساقيه، وتبعه أخوه.
وتطلع باتا في محنته إلى ربه رب الشمس رع حرآختى وناجاه: "مولاي الكريم، أنت الذي تفرق بين الآثم والبريء". فاستجاب رع لدعائه وفصل بينه وبين أخيه بنهر عظيم ملأته التماسيح. وضرب الأخ الأكبر بكفيه من الغيظ، فناداه أخوه في الضفة الأخرى: الزم مكانك حتى يطلع رب الشمس ونحتكم إليه. وتجلى الرب رع حرآختي حين الصباح، وتطلع كل من الأخوين إلى الآخر. فقال الأصغر لأخيه: "لِمَ طاردتني لتقتلني قبل أن تسمع دفاعي؟ ألست أخاك الأصغر وأنت أب لي! إنك حين أرسلتني لآتيك بالبذور دعتني امرأتك إلى الخنا، ولكنها قصت عليك العكس". ثم قص قصته عليه وخنقته العبرات، واستل بوصة حادة وقطع إحليله ورماه في الماء ليثبت لأخيه زهده في الخنا وأهل الخنا وكاد يغشى عليه من فرط الألم. وندم الأخ الأكبر، ولم يتمالك نفسه فبكى، ولكنه عجز عن أن يصل إلى أخيه خوفًا من التماسيح.
стр. 410
ونادى باتا أخاه: إذا ظننت بي السوء فهلا تذكرت لي خيرًا فعلته من أجلك؟ عد إلى دارك واجمع ماشيتك فلن أمكث في أرض تعيش فيها، وسأذهب إلى وادي الأرز وعليك أن تسرع إلى مساعدتي إذا علمت أن سوءًا ألم بي، فلسوف أنتزع قلبي وأضعه فوق شجرة أرز، فإن حدث أن قطع أحد الشجرة وسقط قلبي فابحث عنه، ولا تمل البحث ولو أنفقت في البحث سبع سنين. فإذا وجدته ضعه في ماء بارد، ترد عليَّ الحياة. ولسوف تعلم آية سقوطه حين تقدم إليك كأس جعة فتجدها أزبدت واعتكرت، فإن حدث ذلك فلا تتوان في الرحيل إليَّ. وانطلق الفتى إلى حال سبيله ورجع أخوه إلى داره يحثو التراب على شعره ويضع يده على رأسه، ثم اندفع هائجًا فذبح زوجته ورمى جسدها إلى الكلاب، وعاش يبكي أخاه.
ومضت القصة في الخيال، فروت أن باتا فارق مصر إلى وادي الأرز في لبنان، وأن الأرباب عوضوه عن تضحيته بأنثى بارعة الجمال، أحبها وأخلص لها، ولكنها عاشرته على دخل، ربما لأنه أصبح عنينًا ثم نقل البحر خصلة من شعرها إلى فرعون مصر، فسحره عطرها، وأرسل رسله يبحثون عن صاحبتها فقتلهم باتا إلا واحدًا عاد إليه يخبره بمقتل زملائه. فأرسل الفرعون إليه جماعة أخرى ومنهم امرأة عجوز تحمل إليها هداياه، فقبلت الزوجة عطاياه وانجذبت إلى سلطانه، وصحبت رسله وسافرت إليه وتقربت منه، وأوحت إليه بإهلاك زوجها وقطع الشجرة التي ائتمنها على قلبه، فاستجاب الفرعون لكيدها، وأمر بقطع الشجرة فمات باتا ولكن أخاه تنبه إلى آية اعتكار كأس الجعة فظل يبحث عن قلب أخيه ثلاث سنين حتى وجده ودعا للأرباب فبعثوه في خلق جديد، وأراد باتا أن يرد على زوجته عاقبة غدرها، فتنكر لها في هيئة فحل شديد مرة، وهيئة شجرة مثمرة مرة، وكلما كشفت أمره حرضت زوجها الفرعون على إهلاكه، ولكنها ظلت تحيا في نعيم فاتر وقلق متصل حتى غلب الحق، وعوض الأرباب زوجها القديم بعرش مصر وملكها العريض، فقبض عليها وتحاكم معها إلى قضائه، فأدانوها ولقيت حتفها جزاء غدرها.
стр. 411
من قصص المغامرات:
توفر لقصص المغامرات مجالها في الرواية، ومنها قصة من القرن الحادي والعشرين ق. م صورت أهوال البحر، وهي قصة "نجاة الملاح". وأخرى من القرن العشرين ق. م، صورت متاعب نازح عن طريق البر وهي قصة سنوهي. وثالثة صورت فتى تحدى حظه وقدره، هي قصة الأمير الموعود، من الدولة الحديثة.
نجاة الملاح:
تذكر أغلب الكتب العربية هذه القصة باسم "الملاح الغريق" وهو ترجمة خاطئة لتعبير The Shipwrecked Sailor في الكتب الإفرنجية. ولكن تسمية نجاة الملاح أقرب إلى المضمون.
روت هذه القصة أن أحد رجالات البلاد كان في سبيل عودته بطريق النيل من مهمة كلفه بها فرعونه فيما وراء أرض واوات، بأقاصي النوبة، ولكن لم يقدر له النجاح فيها، ولما اقتربت سفينته من العاصمة أتاه أحد خاصته من الملاحين يهنئه بسلامة العودة دون نقص في ملاحيه، ويصف له فرح رجاله ومعانقة
стр. 412
بعضهم لبعض، ولكن الرجل كان في وادٍ آخر، وظل مهمومًا يتخوف عاقبة فشله، فانبرى الملاح يسري عنه ويهون عليه ويبعث الأمل في نفسه، وقص عليه قصة تداولت عليه فيها شدائد ظن أن لا نجاة له منها، ولكنه نجا وسلم ثم وعاد إلى وطنه واستمتع باجتماع شمله بأهل بيته١.
وروى له في قصته أنه خرج بسفينة كبيرة بلغ طولها مائة وعشرين ذراعًا وبلغ عرضها أربعين ذراعًا، واستلقها معه مائة وعشرون بحارًا وصفهم له بأنهم كانوا من خيرة ملاحي مصر، وأنهم خبروا السماء والأرض، وأن قلوبهم كانت أشد من قلوب الأسود، وكانوا يتنبئون بالريح قبل أن تقبل بالعاصفة قبل أن تحدث، ولكن حدث لهم ما لم يتوقعوه فدهمتهم العاصفة وهاجت أمواج البحر وارتفعت نحو ثمانين أذرع، فغرقت السفينة بمن فيها، ولم ينج منها غير راوي القصة الذي ألقت الأمواج به على جزيرة في أقصى الأخضر الكبير "أي في أقصى البحر الأحمر"، فقضى فيها ثلاثة أيام في دغل لا أنيس له فيه ولا معين. ثم اتخذ طريقه في أرضها فوجد فيها خيرات لا تحصى من الفواكه والطيور والأسماك، فطعم وشرب، ولم ينس أربابه فأشعل نارًا وقدم عليها قربانًا. وإذ هو كذلك سمع دبيبًا قاصفًا يقبل عليه، فغشيه من الخوف ما غشيه، ولما استمسك وجد أفعوانًا ضخمًا طوله ثلاثون ذراعًا ويزيد أثر دبيبه على الأرض عن المترين عرضًا، وكان جسده مغشى بالذهب وحاجباه بلون الزبرجد، فانبطح البحار على بطنه فرقًا وإجلالًا، وتوجه الثعبان إليه وسأله عن حاله وعما أتى به إلى جزيرته التي يحف الموج بها، فاستبد الخوف بالرجل وفقد السمع والقدرة على الكلام. وجمله الثعبان في فمه إلى جحره وترفق به حتى أفرغ روعه ثم أعاد عليه سؤاله فقص الرجل عليه قصته بتمامها .. ، وهنا هون الثعبان عليه القضية، وذكره بآلاء ربه الذي قدر له الحياة وأرساه على "جزيرة الروح" ثم بشره بأنه سيعود إلى وطنه، وأن سفينة مصرية سوف تأتي إليه بملاحين يعرفهم، ولكن بعد أربعة أشهر، فيرجع معهم إلى بلده ويموت فيها.
واستأنس الثعبان بالرجل، وأراد أن يهون عليه أمره، فقال له: "ما ألذ أن يروي الإنسان ما ذاقه بعد انقضاء محنته"، ثم قص عليه قصته فإذا ببلواه لا تقل عن بلواه، وروى له أنه عاش مع إخوته وأولاده في الجزيرة، وكانت عدتهم سبعة وثلاثين، عدا طفلة صغيرة رزقها بعد أن ارتجاها ودعا بها، ولكن نجمًا هوى من السماء فاحترقوا بناره، ولم ينج سواه، فكاد يموت حزنًا عليهم بعد أن وجدهم كومة هباء. وأبى الثعبان أن يعكس حزنه على ضيفه فشجعه وقال له: "إذا تشجعت وشددت قلبك فلسوف تملأ حضنك بأولادك، ولسوف تقبل زوجتك وترى دارك، وأجمل من ذلك كله أنك سوف تبلغ العاصمة التي كانت تعيش فيها بين إخوانك".
وأكبر الملاح الثعبان، فأقبل عليه وقبل الأرض بين يديه، ونذر على نفسه ليبلغن أمره إلى الفرعون حين يعود إلى وطنه ويعمل على تقديم القرابين والبخور باسمه وإرسال السفن إليه بخيرات بلده. فتبسم الثعبان ضاحكًا من قوله، وأفهمه أنه بذاته سيد بلاد بوينة وأن بخورها ملكه. ثم انقضت الأربعة الأشهر، وتحقق
стр. 413
وعد الثعبان فأقلبت السفينة وتعرف الملاح على من فيها ونزل إليهم مزودًا بكميات هائلة من المر والتوابل وذيول الزراف والصموغ والبخور وأنياب العاج والفهود والنسانيس ثم فارق الجزيرة بعد أن علم من سيدها أنها سوف تزول من الوجود ويبتلعها الموج، وعاد الرجل إلى بلده بعد شهرين يملؤه الأمل بما وعده الثعبان به من سعادته في داره ولقائه لأطفاله ثم وفاته في وطنه.
لا يزل تحديد جانب الحقيقة وجانب الخيال من هذه القصة موضعًا لجدل طويل، وإن ذهب الظن إلى أن مغامرة الملاح فيها كانت قرب جزيرة الزبرجد في البحر الأحمر. وعلى أية حال فإنما يعنينا من القصة غلبة روح التفاؤل فيه وحرص كاتبها أو راويها على أن يفترض لكل مصيبة ما هو أشد منها، ويفترض لكل مصيبة مخرجًا منها. وأملت هذه الروح على الملاح صاحب المغامرة على أن يشجع أمير سفينته الذي تخوف غضب فرعونه بقوله: "استمع إلي أيها النبيل، "وثق أني" رجل بريء من المبالغة. اغتسل وضع الماء على أناملك "حتى تهدأ أطرافك"، وأجب إذا سئلت، وتحدث إلى الملك وذهنك معك، أجب دون تردد، فمنطق الرجل يحميه وحديثه يكفل له ما يصون به وجهه، وتصرف بما يمليه "عليك" عقلك".
سنوهي:
صورت قصته مغامرات البر١، وقد أسلفنا عنها "ص١٨٥" أنها قصة رجل من بلاط أمنمحات الأول ومن المتصلين بأجنحة ابنته وزوجة ولي عهده، وأنه كان قد صحب ولي العهد سنوسرت في تجريدة إلى المناطق الليبية الشمالية، وسمع خلال عودته معه بنبإ وفاة أمنمحات، كما سمع لغطًا فهم منه وجود أخذ ورد بين الأمراء، فخشي فتنة على العرش في العاصمة يعز عليه أن يلتزم الجانب الصالح خلالها، فآثر البعد بنفسه واستخفى من الجيش واعتزله، وتخطى الحدود الشمالية الشرقية وحيدًا، ولقي في طريقه ووحدته مشقات طويلة، وأسلمته أرض إلى أرض على حد قوله، حتى بلغ رثنو العليا، وهي منطقة واسعة وسط سوريا أو شرق لبنان، وطالت إقامته فيها، وأقدم على مغامرات كثيرة، ولكن لم يفارقه الحنين إلى وطنه، وتناقلت الرسل أخباره ودعواته وأمانيه، حتى وصلت أنباؤه إلى الفرعون سنوسرت فرق لحاله وعفا عنه وأرسل يستدعيه، ولما عاد إلى وطنه سجل قصته نثرًا شائقًا. وقد ذكرنا الدلالات التاريخية لهذه القصة في سياق حديثنا عن سياسة عصره، ونكتفي هنا بملامحها الأدبية، دون ضرورة إلى سرد تفاصيلها الطويلة.؟ فهي من حيث الشكل قصة واقعية لتجربة شخصية حدثت في زمان ومكان، ولها بداية ونهاية، وقد تضمنت في سياقها معلومات بسيطة مشوقة عن بلاد الشام وأهلها، وتضمنت من شعر المدائح والأمثال الجارية ومن صيغ التراسل ولباقة الاستعطاف ورقة الاعتذار ما كان المعلمون والطلبة المصريون يلذ لهم الاستشهاد به وترصيع كتابتهم به. ثم هي من الناحية الفنية قد أبدعت تصوير مشاعر الإيمان ومشاعر الخوف، ومشاعر المفاخرة بالانتصار، والتغلب على المشاق، وعاطفة الحنين إلى الوطن وتقديس الدفن تحت ترابه.
стр. 414
وصف سنوهي وفاة الفرعون أمنمحات فقال: "رفع الصقر إلى السماوات العلى، ولحق بالكوكب، واتصل بدنه ببارئه، وخيم الوجوم على عاصمته، وغلق مدخلا قصره، وحزن النبلاء عليه وولول العوام". ووصف الأرض التي نزلها في الشام فقال: "كانت بدلة طيبة تدعى إبا، فيها تين وأعناب، وخمرها أغزر من مائها، وفير عسلها وزيتونها، كل الثمر على أشجارها، فيها شعير وحنطة، ولا حصر لأنعامها"، ووصف حاله إزاء حسد بعض القبائل له وتحدي أحد أبطالها لمنازلته في غربته، فقال: "أصبحت أشبه بفحل وسط قطيع غريب يضربه قائد العجول ويهاجمه ثور طويل القرون ... ، ولكن إذا كان الخصم فحلًا ويبغي القتال فأنا بدوري فحل قتال، ولست أخشى ما ينتهي أمرنا إليه".
وروى رسالة الفرعون إليه يستدعيه، وذكر في جزء منها قول سنوسرت له " ... عد إلى مصر حتى ترى الأرض التي نشأت فيها، وقبل الأرض عند البوابة الثنائية العظمى والتحق بالبلاط. لقد هرمت الآن وعز نشاطك، فتذكر يوم الدفن، وليلة إعداد الطيوب والأكفان، ويومًا يعد لك فيه موكب مشهود وتابوت ذهبي بقناع من اللازورد ... ، لا ينبغي أن تموت في بلد غريب، ولا ينبغي أن يخفرك البدو، أو تكفن في جلد شاه ... ، هذا ليس أوان الطواف في الأرض، فعد واحذر المرض ... ". وردًا على هذه الروح الرقيقة من فرعونه، كتب سنوهي إليه يشكره ويبرئ نفسه قائلًا " ... هذا ابتهال خادم لمولاه ذي الإدراك، البصير بالناس، عساه يقدر ما تهيب هذا العبد روايته ولا زال أكبر من أن يردد ... "، ثم قال: " ... إن فرار خادمك لم يخطط، لم يكن في ذهني، لم أكن منشغلًا به، ولا أدري ما الذي زحزحني عن مكاني، كما لو كنت في حلم، ثم أحسست بإحساس رجل من الدلتا وجد نفسه فجأة في أسوان، أو رجل من مناقع الشمال وجد نفسه فجأة في النوبة. لم أروع، ولم يتتبعني أحد، لم أسمع كلمة تحقير، ولم يذكر منادٍ اسمي "بسوء"، ومع ذلك اقشعر بدني وارتعدت فرائصي، وساقني قلبي إلى حيث أراد من قدر الأمر ... "١.
اليأس من الحياة:
استشهدنا على بلبلة الأفكار والمذاهب في عصر الانتقال الأول "ص١٥٨ - ١٥٩" بحوار بين رجل سئم عيوب الحياة في عصره، وبين روحه، وذكرنا أنه تضمن ثلاثة اتجاهات فكرية تضاربت في ذهنه وجادلته روحه بها: اتجاهًا ضاق بمساوئ عصره، وآخر دعا إلى متعة الدنيا وشك في وجود الآخرة، وثالث اعتبر مشكلات الحياة متاعب زائلة، وتطلع إلى عدل الجزاء في الآخرة. وكانت ثلاثة من أربعة اتجاهات أشرنا إلى اعتبارها نتيجة طبيعية لزلزلة الأوضاع السياسية والاجتماعية في نهاية الدولة القديمة واضطراب الناس بعدها في تلمس وضع صالح لأمور دنياهم وأخراهم. وتنقص المحاورة جزءًا من بدايتها٢.
стр. 415
ويبدو أن صاحبها كان قد أعلن في مقدمتها ضيقه بمساوئ أيامه وتفكيره في الخلاص منها، بينما التزمت روحه جانب الرضا بدنياها والتغاضي عما وراءها. ولهذا احتدم الجدل بينهما حتى تحدته بأن يقدم على الانتحار حرقًا إن كان حقًّا عازفًا عن الدنيا راغبًا في الموت فما جرؤ صاحبها في بداية الأمر. ولما امتنع عليها في الحالتين، الرضا بالواقع أو الرضا بالموت، امتنعت هذه الأخرى عن مناقشته ولكنه ما لبث حتى عاود التفكير ثانية فيما دعته إليه واعتزم أن ينتقل وإياها إلى عالم الآخرة، وبدأ يستدرجها في الحديث عساها تشجعه، وأشهد عليها جمعًا تخيله من الناس، ولكنها لم تستجب لدعوته وقالت له تشجعه: ابتغ يومًا هنيئًا وتناس الهم، "وإلا فأين أنت من مصيبة" مواطن حرث أرضه وحمل محصوله إلى بطن مركب وأعد رحلته وحسب أن عيده قد اقترب، وفجأة رأى انطلاق إعصار من الشمال، وهو يرقب في المركب والشمس تدخل خدرها، فجهد في أن ينفلت بزوجته وأولاده ولكنهم هووا في بحيرة تعج بالتماسيح في سواد الليل، فانتهى "وقد خلص بنفسه" إلى أن قعد وزفر ودمع وهو يقول: لئن لم أبك تلك الولادة التي لا يرجى لها خروج من عالم الموتى إلى حياة أخرى على الأرض، فإنما أنوح على صغارها الذين قضوا فراخًا في البيضة وشهدوا طلعة التمساح من قبل أن يحيوا ... ".
وهدفت الروح من رواية هذه القصة وقصة أخرى تلتها، أن تقنع صاحبها بأنه إذا تأمل مصائب الناس هانت عليه بلواه. ولكن النتيجة كانت عكسية، فأثار حديثها وجيعته واندفع يجيبها في حديث طويل يتساءل فيه عن السلوى التي تغريه بها وعن قيمة الحياة التي تدعوه إلى الرضا بها، بعد أن زلزلت عواديها كيانه وفقد فيها الكرامة والثقة والأمل جميعًا. ونظم إجابته لها في أربع مقطوعات قصار. وكشف لها في الأولى عما أصاب سمعته وكرامته، نتيجة فيما يحتمل لتكفله بدعوة لم تجد سميعًا ولا مجيبًا بقدر ما قوبلت به من صد وإساءة. فقال في بيتين من أبياتها:
كفاك أن عيف اسمي كفاك، أكثر من رائحة الرخم، في نهار صائف اتقدت سماؤه.
كفاك أن عيف اسمي كفاك، أكثر من سمعة زوجة، ردد الناس البهتان عنها لبعلها.
وفي نظمه الثاني أخذ يأسى على زوال المستجيب والصديق والقريب وانتفاء الخير، قائلًا فيما قال:
لمن أتحدث اليوم - والأشقاء أشرار - وأصدقاء اليوم لا يرغبون!
لمن أتحدث اليوم - وقد قر الناس على السوء - وأهملت الحسنى في كل مكان!
لمن أتحدث اليوم - وما عاد أحد يذكر الماضي - ولا معونة لأحد يعمل في هذا الزمان!
لمن أتحدث اليوم - وما من رضي الفؤاد - ومن كان يرافق لم يعد له وجود!
لمن أتحدث اليوم - وبأساء ألمت بالبلاد - ما لها من حدود!
وفي نظمه الثالث عاود الرجل ذكر الموت، فما تصور دونه خلاصًا من عجز مسعاه وما رآه من لؤم الطباع، وقال فيما قال:
بدا الموت أمامي اليوم كالبرء للسقيم والخروج إلى الفضاء بعد حجز.
стр. 416
بدا الموت أمامي اليوم كعبير المر وجلسة تحت ظلة في يوم ريح صر.
بدا الموت أمامي اليوم كتشوق رجل إلى وطنه بعد عدة سنين في الأسر.
وبعد أن أفرغ من تشوقه إلى الموت كما فرغ من قبل من ذكر مبررات ضيقه بالحياة، أكد في نظمه الرابع حياة ما بعد الموت، حيث الثواب وحسن المآب، قائلًا فيما قال:
وأيم الحق، من وصل هناك، سيكون ربًّا يحيا، يرد الشر على من أتاه.
وأيم الحق من وصل هناك سيكون عالمًا بالأمر ولن يصرف عن شكواه لرع إذا ناجاه.
وبهذه التصورات عما بعد الموت، اختتم الرجل حواره، ولم يكن لروحه مأخذ عليها، ولكنها كانت ترى أنه ما من بأس في أن يؤدي واجباته الدينية ويستمتع بالحياة في آن واحد، ثم ينتظر الموت في أجله الطبيعي، وحينئذ تهدأ معه ويلقاها إلى جانبه، فقالت: "دع الشكوى، رفيقي وأخي، وألق بخورك على الجمر، وابتغ الحياة كما قلت لك، ابتعيني ههنا وأقص عنك عالم الموت، فإن بلغت الغرب في أجلك وورى جسدك في التراب، فلسوف أحط معك وحينئذ ننشد الاستقرار معًا".
стр. 417
ثالثا: في أدب النصيحة
مدخل
...
ثالثًا: في أدب النصيحة
تكفل بالنصح والتوجيه في مصر القديمة أطراف ثلاثة: آباء مثقفون، ومعلمون من الكهان والمدنيين، ثم أدباء انتحلوا لأنفسهم سمات الآباء تارة وسمات المعلمين تارة سواها: وتفاوتت المستويات الاجتماعية للأطراف الثلاثة، فكان منهم أمراء ووزراء، جنبًا إلى جنب مع أفراد من أواسط الكتاب والكهان، وذلك مما يعني أن الحكمة لم تكن وقفًا على طبقة معينة من الناس دون أخرى، وقد تلاقت سبلهم في ثلاث نواحٍ، وهي: أن أغلبهم نسب نصائحه إلى خبرته الشخصية وتجارب أسلافه أكثر مما نسبها إلى وحي السماء وأوامر الأرباب، وأن كلًّا منهم حاول أن يتجاوب بتعاليمه مع الأوضاع التي ارتضاها الفراعنة لمجتمعه بعد أن ظن فيها القداسة وردها إلى عدالة الأرباب، وأن أغلبهم تحرى الإقناع والتوسط في تكييف أوامره ونواهيه.
وسوف نتخير فيما يلي فقرات قصارًا من هذه التعاليم:
стр. 418
بتاح حوتب:
كان بتاح حوتب وزيرًا من القرن الخامس والعشرين ق. م، ومن أقدم أصحاب التعاليم١. وفي سياق حديثه صور لولده سبيل الاستقرار في الأسرة قائلًا له: "إذا أصبحت كفئًا كون أسرتك، وأحبب زوجتك في حدود العرف أو عاملها بما تستحق ... ، أشبع جوفها، واستر ظهرها، وعطر بشرتها بالدهن العصر، فالدهن ترياق بدنها ... ، وأسعدها ما حييت، فالمرأة حقل نافع لولي أمرها ... ولا تتهمها عن سوء ظن، وامتدحها تخبت شرها، فإن نفرت راقبها، واستمل قلبها بعطاياك تستقر في دارك، وسوف يكيدها أن تعاشرها ضرة في دارها ... ".
стр. 419
آني:
أراد الحكيم الأديب آني، من أهل القرن السادس عشر ق. م١، أن يرشد ولده إلى مقومات السعادة في الأسرة، فقال له: "تخير زوجتك حين الصبا وأرشدها كيف تصبح إنسانة، وعساها تنجب لك طفلًا، فإنها إذا أنجبته لك وأنت شاب استطعت أن تربيه وتجعله رجلًا، وطوبى للرجل إذا أصبح كثير الأهل وأصبح يرتجى من أجل أبنائه".
ثم قال له: "لا تقس على زوجتك في دارها إن أدركت صلاحها، ولا تسألها عن شيء أين موضعه إذا تخيرت له وضعه الملائم. افتح عينيك وأنت صامت تدرك فضائلها، وإن شئت أن تسعد فاجعل يدك معها وعاونها. يجهل كثير من الناس كيف يمنع الإنسان أسباب الشقاق في داره، وقد لا يجد أحدهم مبررًا للنزاع فيعمل على خلقه، بينما يستطيع كل إنسان أن يوفر الاستقرار في داره إذا تحكم سريعًا في نزعات نفسه. ولكن احذر أن تمشي في طاعة أنثى، أو تسمح لها بأن تسيطر لها بأن تسيطر على رأيك".
وكما أوصاه بزوجته أوصاه أكثر بأمه، قائلًا له: "ضاعف الخبز لأمك، واحملها إن استطعت كما حملتك، فطالما تحملت عبثك ولم تتركه على ... ، ومنذ ولدت بعد أشهرك أسلمت ثدييها لفمك خلال ثلاث سنين، متحملة قاذوراتك دون أنفة قائلة: ما الذي أفعله. وحينما ألحقت بالمدرسة وعلمت الكتابة فيها ظلت تواظب دوني "على الذهاب إليك" يوميًّا بالخبز والشراب من دارها. فإذا شببت واتخذت زوجة واستقررت في دارك ضع نصب عينيك كيف ولدتك أمك وكيف كانت تربيتك كلها".
وقال له وهو يعظه بألا يتجاوز حد القناعة في طعامه وشرابه: "لا تجبر نفسك على أن تشرب زق جعة، فإنك إذا شربته عجزت عن البيان وتكلمت لغوًا لا تدرك معناه ... ، وإذا التمسك رجل ليسائلك وجدك ملقى على الأرض أشبه بطفل غرير". ثم أراد أن يصرفه عن نهم الطعام إلى لذة الإحسان، فقال له "لا تأكل طعامًا وغيرك واقف دون أن تحث الخطى إليه وتمد يدك بالطعام إليه، ولسوف يعرف لك ذلك إلى أبد الآبدين".
وقال يوصي ولده بصراحة الحديث: "إياك ألا تقاوم الالتواء في داخلية نفسك". ثم دعاه إلى التبصر حين الخطاب وحين الجواب قائلًا: "إن جوف الإنسان أوسع من شونتي الغلال الملكيتين، يتسع لكل جواب، فتخير خير الحديث وتكلم صوابًا، واحتفظ بسيئه في جوفك". وكان من طريف تأديبه له بآداب الدعاء قوله: "ادع بقلب محب ولا تجهر بصوتك، يستجب الإله لدعائك ويسمع ما تقول ويتقبل قربانك".
стр. 420
أمنموبي:
كان الشيخ أمنموبي موظفًا أدبيًّا متدينًا، في فترة ما من القرن العاشر أو التاسع ق. م١، وقد تحدث في مقدمة تعاليمه عن أغراضه منها، وهي أن تكون هاديًا لقارئها إلى السعادة، ومرشدًا إلى قواعد مخالطة
стр. 421
الخلصاء والكبراء، وتقاليد أهل البلاط، ومعرفة الرد شفاهة وكتابة على كل من يحادثه ويراسله، فضلًا عن راحة ضميره وحسن سمعته بين الأقارب والأغراب.
ولما كان الشيخ قد عاش في عصر شاهد الحكم الثيوقراطي واشتدت فيه نزعة التدين، وكان قد هيأ ولده لمنصب ذي صلة بمعبد، اصطبغت تعاليمه بروح التقوى والدعوة إلى خشية الإله والثقة بعلمه وعدله والإيمان بقضائه وقدره. وقال لولده "كن رصينًا في تفكيرك وثبت فؤادك ولا تتعود على أن تجدف بلسانك" "ولا تفصلن فؤادك عن لسانك، تصبح مشروعاتك كلها ناجحة". "وثمة شيء آخر محبب إلى الرب وهو التروي قبل الكلام".
وكان من قوله له إنه "شتان بين الكلام الذي يقوله الناس وبين ما يفعله الإله". وعمل على أن يصرفه عن التبرم بالحياة وتخوف المستقبل، قائلًا له: "لا تقل: إن اليوم أشبه بغد، فإلام ينتهي هذا؟ "كلا" فالغد آتٍ واليوم منقضٍ، وقد تصبح اللجة الغائرة حافة للأمواج". "ولا تقضِ الليل متخوفًا من الغد قائلًا عندما يطلع النهار كيف يكون الغد؟ فما يعلم إنسان ما سيكون عليه الغد، والإله دائمًا في فلاح "تدبيره" والإنسان دائمًا في خيبة ظنونه". "ولا تتبرم بالفقر، فإن رامي السهام إذا اندفع إلى الأمام هجراته جنوده حين الخطر". ودعاه إلى احترام كبار السن وعلل ذلك بتعليل لطيف قال فيه "لا تسب من يكبرك سنًّا، فإنه قد شاهد "نور الإله" رع قبلك ... ، دعه يضربك إن شاء ويدك في خاصرتك. ودعه يسبك إن شاء وأنت صامت ... ". ودعاه بالتالي إلى احترام الرئيس وملاينته والبعد عن مجابهته بما يسوءه، ولكن نبهه إلى جانب ذلك إلى رب يهب الإنسان حاجاته في الحياة ويجعله آمنًا من كل خوف إذا دعاه، ويظل المؤمن في يده في سلام. وقال له في ذلك: "كن ثابتًا أمام غيرك من الناس، فالإنسان في مأمن في يد الرب، والرب يمقت من يزور في الكلام، وكبر مقتًا عنده النفاق". واعتبر ربه هذا واهبًا للعدالة ومن لا يتحرى عدالته يفسد تدبيره في دنياه، وقال: "لا تخصص عنايتك لمن اكتسى بثوب قشيب، وتقبله في الأسمال. ولا تتقبل رشوة من صاحب نفوذ، أو تظلم مقصور اليد من أجله، فالعدل هبة غالية من الرب يهبها لمن يشاء". وقال له: "إن الرب يحب إسعاد الفقير، أكثر مما يحب تعظيم النبيل".
وعلى نحو ما وضحت المشابهة والتأثير بين أناشيد أخناتون وبين مزامير العبرانيين، وضح تأثير مشابه من تعاليم أمنموبي على تعاليم اليهود في سفر الأمثال، في اللفظ والمعنى، بل وفي تقسيم الفقرات أيضًا١.
مما سنعود إلى بحثه مع حضارات الشام في المجلد الثاني لهذا الكتاب.
стр. 422
نصائح المعلمين:
شارك المعلمون والأدباء المحترفون الآباء المثقفين في تعاليم الحكمة والتهذيب، وكان أكثرهم حديثًا معلمو وأدباء عصر الرعامسة، وقد أراد أحدهم أن يزكي النخوة والنجدة في نفس تلميذه وقارئه، فقال له: "إذا رجاك يتيم مسكين اضطهده آخر وود هلاكه، فسارع إليه وقدم المعونة إليه. اجعل نفسك منقذًا له، فمن أعانه ربه حق عليه أن يعين كثيرين غيره ... " وقال: "حرر غيرك إن وجدته رهين القيد، وكن حاميًا الضعيف، فلقد قيل إن الحسنى لمن لا يدعى الجهل بالآم غيره" .. وقال: أياما كانت خبرتك بالكتب، وكنت متعمقا في التعاليم ... ، فعليك أن تَحترم الغير حتى تُحترم، وأحب الناس يحبك الناس، ولا تبالغ في أحاديثك".
стр. 423
رابعا: في أدب النقد والتوجعات
إبوور والثور الطبقية
...
رابعًا: في أدب النقد والتوجعات
إبوور والثورة الطبقية:
أسلفنا في حديثنا عن أواخر الدولة القديمة "في ص١٤٩+" أن الدورة التاريخية الأولى لمصر قد انتهت في اواخر القرن ٢٣ق. م. بثورة طبقية صور أخبارها من وجهة نظره حكيم يدعى إبوور، أو أبو العجوز. وقد حفظ المصريون آراءه ووصفه لأحداث عصره وحكايته مع فرعونه وبلاطه، ورددوا قصته أجيالًا طويلة ثم سجلوها على صفحات البردي، وبقيت من صورها بردية كتبها أديب من الدولة الحديثة وتعرف الآن اصطلاحًا باسم بردية ليدن ٣٤٤ بعد أن انتقلت إلى حوزة متحف ليدن١.
كان إبوور مصلحًا ما في ذلك من شك، وكان يدرك مفاسد الحكم في عصره ما في ذلك من شك أيضًا، لولا أنه كان من طبقة أرستقراطية قديمة وكان يتمنى أن يتأتى إصلاحها من داخلها أو بوحي فرعون حازم مصلح، ولم يكن يهضم أن يفرض التغيير عليها فرضًا عن طريق طبقة أقل منزلة منها، أو عن طريق الشعب في حدود تعبيراتنا الحالية، ولهذا اختلط الإخلاص في روايته بالمبالغة، واختلط التحسر بالأمل، واختلط الخيال بالواقع كما سيتضح من عباراته الحرفية التالية:
يفهم مما رواه إبوور أنه تعاونت على إشعال الثورة نفس العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أسلفنا ذكرها "ص١٤٨+" فالدولة في مجملها قد ولت عنها هيبتها وهبطت إلى مستوى من الضعف أصبحت معه على حد قوله "في طريقها إلى أن تصب الماء "لغيرها"، ومن أضاع الماء "أي الإمكانيات" يكون قد شل الذراع الفتية واحتجزها في الأغلال"، "والأجانب الذين كانوا يخشونها والذين عرف الشعب "تفاهتهم" أصبحوا يقولون لن تستطيع مصر أن تأتي شيئًا، فالرمال "المحيطة بها" هي كل حمايتها! ".
وفسدت ولاية الحكام، وقال إبوور عنها: "حقًّا لا تزال العدالة باقية في الأرض باسمها، ولكن المؤسف حقًّا هو الخطأ في تطبيقهم لها"، وقال: "عظماء البلاد لا تبلغهم أمور البلاد، والكل آل إلى الدمار". وظهر عجز الملكية عن كبح جماح الجنود المرتزقة في جيشها بحيث "أصبحت خيرات مصر نهبًا مشاعًا" لكل من نزلها من دون أهلها، وقال إبوور في ذلك: "إن الجنود الذين جندناهم من أجل صالحنا أصبحوا ضمن الآسيويين، ألا بعدًا للخراب الذي حدث "في مصر"، فقد جعل الآسيويين يعرفون أحوال البلاد". وعجزت الدولة عن صد هجرات البدو فتجاوزوا حدودها وتسربوا إلى أراضي الدلتا وشاركوا المصريين
стр. 424
معايشهم واعتبروا أنفسهم من أصحاب البلاد وخاصة أهلها، وقال الحكيم في ذلك: "تخربت الأقاليم، وتوافدت قبائل قوالسة غريبة إلى مصر، ومنذ أن وصلوا لم يستقر المصريون في أي مكان"، ثم قال والألم يحز في نفسه: "وأصبح الأجانب مصريين في كل مكان ... "وأولئك الذين كانوا مصرين أصبحوا أغرابًا وأهملوا جانبًا". وكان من الطبيعي أن يعز الأمن في البلاد، وقد قال عنه: "يقولون" الطرق محروسة، ولكن القوم يختبئون على الأشجار حتى يأتي سار بليل فينهبون ما يحمله ويسلبونه ما عليه، ويشوهون وجهه بالعصا، وربما قتلوه ظلمًا"، وقال: "إذا مشى ثلاثة في طريق وجدهم الناس اثنين، فغالبًا ما تذبح الأكثرية الأقلية".
وتخاصم حكام الأقاليم بعضهم مع بعض واستأثر أغلبهم بثروات أقاليمهم، وامتنعت عن خزائن الحكومة المركزية ضرائب أغلب مناطق الصعيد القصية وقال إبوور في ذلك: "الحق أن أسوان وجرجا في أرض الصعيد لم تعودا تؤديان الضرائب نتيجة لشيوع الفتن، فعز الغلال ... ومنتجات المصانع فكيف يسير بيت المال إذن بغير موارده؟ " وقال: "قلت سفن الصعيد، وتخربت المدن، وأصبح الصعيد خرابًا يبابًا".
وتوقفت سبل التجارة الخارجية مع غرب آسيا بعد أن هددتها الفوضى والهجرات الأمورية، وقال إبوور عنها: "ماعاد أحد يبحر اليوم نحو جبيل، فما الذي سوف تفعله إذن بخصوص أخشاب الأرز "التي اعتدنا أن نصنع منها" توابيتنا، والزيوت التي يحنط الكبراء فيها، "وترد من" هناك، ومما يجاوز كفتيو. ما عاد يأتي من ذلك شيء حتى أصبح مجيء أهل الواحات بمنتجاتهم "البسيطة" شيئًا ذا بال".
نشبت الثورة من جراء هذه العيوب كلها، وصحبها في بدايتها نوع من العنف ورغبة الانتقام، ورغبة التنفيث عن الغضب المكبوت، ويبدو أن أعوزتها الزعامة التي توجهها الوجهة السليمة، فاستغلها بعض الغوغاء وأهل السوء، وقال إبوور وهو يصف بدايتها "قال حراس الأبواب "بعضهم لبعض" فلننطلق وننهب ... ، وأبى الغسالون أن يحملو أحمالهم ... ، وتسلح صيادو الطيور بأدواتهم، وتترس أهل الدلتا بالتروس ... ، وحدث شيء قدر منذ عهد حور وزمن التاسوع".
أغرب إبوور في وصف سوء الحال والمآل، ووصف ما شاء له الوصف شدة الاعتداءات على حرمة الملكية ومقدساتها ودواوينها ودور قضائها، وقال عن هذه الأخيرة: "فتحت الدواوين وسلبت كشوف الإحصاء وأتلفت سجلات كتبة المحاصيل" وقال: "ألقيت قوانين دار القضاء في العراء، ووطئت بالأقدام في الشوارع، ومزقها الغوغاء في الأزقة، وأخذ العوام يروحون ويجيئون في دور "القضاء" الكبيرة، ونُفي القضاة في الأرض، واحترقت البوابات والأعمدة والأسوار".
وقال في شيء من التهويل والمبالغة: "أصبح الرجل ينظر إلى ولده كأنه عدوه، ... وساءت الوجوه، وتأهب القواس، واستشرى النهب في كل مكان وما عاد لرجل الأمس وجود ... "، وقال: "قست القلوب، وغزا الوباء الأرض "وسرى" الدم في كل مكان، وأصبح مجرى النهر قبرًا، وغدا كان التطهر فيه بلون الدم، وإذا قصده الناس ليرتووا منه عافوا جثث البشر وظلوا على ظمئهم إلى الماء". وعز الأمن
стр. 425
في الريف وتعطلت الزراعة، وقال إبوور: "أصبح الرجل يخرج ليحرث وهو بالمجن" "وأفاض إله النيل الماء، ولكن ما من أحد يود أن يحرث من أجل نفسه، بعد أن أصبح الناس جميعهم يقولون: لسنا نعرف ما سوف يتأتى في هذه الدنيا". وتعطلت الصناعة والفنون بدورها، وقال إبوور "أصبح الصناع جميعًا عاطلين، وأفسد أعداء البلاد فنونها" "وأصبح بناة الأهرام فلاحين". وأراد أن يصور سوء الحالة الاقتصادية فقال: "أصبحت العاصمة في خوف من العوز، وأصبح الناس يأكلون الحشائش ويبتلعون بالماء ... ".
لم ينس الرجل طبقته التي انحدر منها، فأخذ يتحدث عن انقلاب أوضاع الطبقات ويقارن بين ما كان وما هو كائن، ولم يكن من الهين عليه بطبيعة الحال أن تزول النعمة من قوم إلى قوم أو من طبقة إلى طبقة، فقال في عبارات قوية اصطبغت بروح الأدب وتعنينا من حيث صياغتها وطرافتها أكثر مما تعنينا من حيث دلالتها على واقع أكيد. قال الحكيم فيما قال: "فارقت النبالة الدنيا وأصبحت ربات البيوت يقلن أنى لنا ما نأكله، وذبلت أجسادهن في الأسمال وهاضت قلوبهن من ذل السؤال"، وقال: "غدا الأثرياء يولولون وغدا المحرومون مسرورين ... وما من أبيض الثوب في هذا الزمان. ودارت الأرض كما تدور عجلة الفخار. وأصبح المواطن يقول ما أشد البلاد وماذا أفعل؟ وأصبح ابن الناس نسيًا منسيًّا وغدا ابن سيدته كابن خادمته". واندار على الطبقة الجديدة فقال في عبارات متفرقة: تجرأت الجواري بأفواههن، وإذا تكلمت سيداتهن ثقل ذلك على الخدم. وأصبح العوام من أرباب الرفاهة، ومن لم يكن منهم يتخذ نعلًا أصبح ذا ثراء عريض، ومن لم يكن يعرف الظل أصبح صاحب ظل ظليل، ومن كان رسولًا أصبح يرسل غيره، ومن كان يتساقط شعره من قلة الدهان أصبح يمتلك قدور المر الغالي، ومن لم يكن له صندوق أصبح صاحب أثاث، ومن كانت ترى وجهها في الماء أصبحت ذات مرآة ...
وكره بعض الناس دنياهم وآثروا الانتحار، سواء لضياع حقوقهم القديمة، أو لأسفهم عما أصاب المعابد والمقابر، أو لأسفهم عما أصاب بلدهم من اضطراب لم يعرفوا علاجه، وعبر أبوور عن رأيهم بقوله "ولي وانقضى ما شهده الأمس، وبقيت الأرض لسوء حظها، ألا ليت ذلك يكون نهاية الناس فلا يحدث حمل ولا ولادة، وتهدأ الأرض من الضجيج ولا يكون هناك متخاصمون"، وقد "أصبح الكبير والصغير يتمنيان الفناء، وأصبح الأطفال يقولون ليت آباءنا لم يهبونا الحياة" و"غصت التماسيح بما أصبحت تقتنصه بعد أن ذهب الناس إليها من تلقاء أنفسهم".
غير أن كل هذه السوءات المبالغ فيها، لم تحرم الثورة من مزاياها ونتائجها الطيبة التي أسلفناها لها "في ص١٥٠"، وخلاصتها أنها حركت ضمائر الحكماء إلى الإصلاح، ودعت إلى التفكير فيما ينبغي أن يكون عليه سلوك الحكام، وشجعت على مواجهة الملك بعيوبه، وشجعت على إعادة النظر في العقائد، وأدت إلى نشأة طبقات جديدة تعتز بالعصامية أكثر مما تعتز بالأحساب.