الخلصاء والكبراء، وتقاليد أهل البلاط، ومعرفة الرد شفاهة وكتابة على كل من يحادثه ويراسله، فضلًا عن راحة ضميره وحسن سمعته بين الأقارب والأغراب.
ولما كان الشيخ قد عاش في عصر شاهد الحكم الثيوقراطي واشتدت فيه نزعة التدين، وكان قد هيأ ولده لمنصب ذي صلة بمعبد، اصطبغت تعاليمه بروح التقوى والدعوة إلى خشية الإله والثقة بعلمه وعدله والإيمان بقضائه وقدره. وقال لولده "كن رصينًا في تفكيرك وثبت فؤادك ولا تتعود على أن تجدف بلسانك" "ولا تفصلن فؤادك عن لسانك، تصبح مشروعاتك كلها ناجحة". "وثمة شيء آخر محبب إلى الرب وهو التروي قبل الكلام".
وكان من قوله له إنه "شتان بين الكلام الذي يقوله الناس وبين ما يفعله الإله". وعمل على أن يصرفه عن التبرم بالحياة وتخوف المستقبل، قائلًا له: "لا تقل: إن اليوم أشبه بغد، فإلام ينتهي هذا؟ "كلا" فالغد آتٍ واليوم منقضٍ، وقد تصبح اللجة الغائرة حافة للأمواج". "ولا تقضِ الليل متخوفًا من الغد قائلًا عندما يطلع النهار كيف يكون الغد؟ فما يعلم إنسان ما سيكون عليه الغد، والإله دائمًا في فلاح "تدبيره" والإنسان دائمًا في خيبة ظنونه". "ولا تتبرم بالفقر، فإن رامي السهام إذا اندفع إلى الأمام هجراته جنوده حين الخطر". ودعاه إلى احترام كبار السن وعلل ذلك بتعليل لطيف قال فيه "لا تسب من يكبرك سنًّا، فإنه قد شاهد "نور الإله" رع قبلك ... ، دعه يضربك إن شاء ويدك في خاصرتك. ودعه يسبك إن شاء وأنت صامت ... ". ودعاه بالتالي إلى احترام الرئيس وملاينته والبعد عن مجابهته بما يسوءه، ولكن نبهه إلى جانب ذلك إلى رب يهب الإنسان حاجاته في الحياة ويجعله آمنًا من كل خوف إذا دعاه، ويظل المؤمن في يده في سلام. وقال له في ذلك: "كن ثابتًا أمام غيرك من الناس، فالإنسان في مأمن في يد الرب، والرب يمقت من يزور في الكلام، وكبر مقتًا عنده النفاق". واعتبر ربه هذا واهبًا للعدالة ومن لا يتحرى عدالته يفسد تدبيره في دنياه، وقال: "لا تخصص عنايتك لمن اكتسى بثوب قشيب، وتقبله في الأسمال. ولا تتقبل رشوة من صاحب نفوذ، أو تظلم مقصور اليد من أجله، فالعدل هبة غالية من الرب يهبها لمن يشاء". وقال له: "إن الرب يحب إسعاد الفقير، أكثر مما يحب تعظيم النبيل".
وعلى نحو ما وضحت المشابهة والتأثير بين أناشيد أخناتون وبين مزامير العبرانيين، وضح تأثير مشابه من تعاليم أمنموبي على تعاليم اليهود في سفر الأمثال، في اللفظ والمعنى، بل وفي تقسيم الفقرات أيضًا١.
مما سنعود إلى بحثه مع حضارات الشام في المجلد الثاني لهذا الكتاب.
стр. 422
نصائح المعلمين:
شارك المعلمون والأدباء المحترفون الآباء المثقفين في تعاليم الحكمة والتهذيب، وكان أكثرهم حديثًا معلمو وأدباء عصر الرعامسة، وقد أراد أحدهم أن يزكي النخوة والنجدة في نفس تلميذه وقارئه، فقال له: "إذا رجاك يتيم مسكين اضطهده آخر وود هلاكه، فسارع إليه وقدم المعونة إليه. اجعل نفسك منقذًا له، فمن أعانه ربه حق عليه أن يعين كثيرين غيره ... " وقال: "حرر غيرك إن وجدته رهين القيد، وكن حاميًا الضعيف، فلقد قيل إن الحسنى لمن لا يدعى الجهل بالآم غيره" .. وقال: أياما كانت خبرتك بالكتب، وكنت متعمقا في التعاليم ... ، فعليك أن تَحترم الغير حتى تُحترم، وأحب الناس يحبك الناس، ولا تبالغ في أحاديثك".
стр. 423
رابعا: في أدب النقد والتوجعات
إبوور والثور الطبقية
...
رابعًا: في أدب النقد والتوجعات
إبوور والثورة الطبقية:
أسلفنا في حديثنا عن أواخر الدولة القديمة "في ص١٤٩+" أن الدورة التاريخية الأولى لمصر قد انتهت في اواخر القرن ٢٣ق. م. بثورة طبقية صور أخبارها من وجهة نظره حكيم يدعى إبوور، أو أبو العجوز. وقد حفظ المصريون آراءه ووصفه لأحداث عصره وحكايته مع فرعونه وبلاطه، ورددوا قصته أجيالًا طويلة ثم سجلوها على صفحات البردي، وبقيت من صورها بردية كتبها أديب من الدولة الحديثة وتعرف الآن اصطلاحًا باسم بردية ليدن ٣٤٤ بعد أن انتقلت إلى حوزة متحف ليدن١.
كان إبوور مصلحًا ما في ذلك من شك، وكان يدرك مفاسد الحكم في عصره ما في ذلك من شك أيضًا، لولا أنه كان من طبقة أرستقراطية قديمة وكان يتمنى أن يتأتى إصلاحها من داخلها أو بوحي فرعون حازم مصلح، ولم يكن يهضم أن يفرض التغيير عليها فرضًا عن طريق طبقة أقل منزلة منها، أو عن طريق الشعب في حدود تعبيراتنا الحالية، ولهذا اختلط الإخلاص في روايته بالمبالغة، واختلط التحسر بالأمل، واختلط الخيال بالواقع كما سيتضح من عباراته الحرفية التالية:
يفهم مما رواه إبوور أنه تعاونت على إشعال الثورة نفس العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أسلفنا ذكرها "ص١٤٨+" فالدولة في مجملها قد ولت عنها هيبتها وهبطت إلى مستوى من الضعف أصبحت معه على حد قوله "في طريقها إلى أن تصب الماء "لغيرها"، ومن أضاع الماء "أي الإمكانيات" يكون قد شل الذراع الفتية واحتجزها في الأغلال"، "والأجانب الذين كانوا يخشونها والذين عرف الشعب "تفاهتهم" أصبحوا يقولون لن تستطيع مصر أن تأتي شيئًا، فالرمال "المحيطة بها" هي كل حمايتها! ".
وفسدت ولاية الحكام، وقال إبوور عنها: "حقًّا لا تزال العدالة باقية في الأرض باسمها، ولكن المؤسف حقًّا هو الخطأ في تطبيقهم لها"، وقال: "عظماء البلاد لا تبلغهم أمور البلاد، والكل آل إلى الدمار". وظهر عجز الملكية عن كبح جماح الجنود المرتزقة في جيشها بحيث "أصبحت خيرات مصر نهبًا مشاعًا" لكل من نزلها من دون أهلها، وقال إبوور في ذلك: "إن الجنود الذين جندناهم من أجل صالحنا أصبحوا ضمن الآسيويين، ألا بعدًا للخراب الذي حدث "في مصر"، فقد جعل الآسيويين يعرفون أحوال البلاد". وعجزت الدولة عن صد هجرات البدو فتجاوزوا حدودها وتسربوا إلى أراضي الدلتا وشاركوا المصريين
стр. 424
معايشهم واعتبروا أنفسهم من أصحاب البلاد وخاصة أهلها، وقال الحكيم في ذلك: "تخربت الأقاليم، وتوافدت قبائل قوالسة غريبة إلى مصر، ومنذ أن وصلوا لم يستقر المصريون في أي مكان"، ثم قال والألم يحز في نفسه: "وأصبح الأجانب مصريين في كل مكان ... "وأولئك الذين كانوا مصرين أصبحوا أغرابًا وأهملوا جانبًا". وكان من الطبيعي أن يعز الأمن في البلاد، وقد قال عنه: "يقولون" الطرق محروسة، ولكن القوم يختبئون على الأشجار حتى يأتي سار بليل فينهبون ما يحمله ويسلبونه ما عليه، ويشوهون وجهه بالعصا، وربما قتلوه ظلمًا"، وقال: "إذا مشى ثلاثة في طريق وجدهم الناس اثنين، فغالبًا ما تذبح الأكثرية الأقلية".
وتخاصم حكام الأقاليم بعضهم مع بعض واستأثر أغلبهم بثروات أقاليمهم، وامتنعت عن خزائن الحكومة المركزية ضرائب أغلب مناطق الصعيد القصية وقال إبوور في ذلك: "الحق أن أسوان وجرجا في أرض الصعيد لم تعودا تؤديان الضرائب نتيجة لشيوع الفتن، فعز الغلال ... ومنتجات المصانع فكيف يسير بيت المال إذن بغير موارده؟ " وقال: "قلت سفن الصعيد، وتخربت المدن، وأصبح الصعيد خرابًا يبابًا".
وتوقفت سبل التجارة الخارجية مع غرب آسيا بعد أن هددتها الفوضى والهجرات الأمورية، وقال إبوور عنها: "ماعاد أحد يبحر اليوم نحو جبيل، فما الذي سوف تفعله إذن بخصوص أخشاب الأرز "التي اعتدنا أن نصنع منها" توابيتنا، والزيوت التي يحنط الكبراء فيها، "وترد من" هناك، ومما يجاوز كفتيو. ما عاد يأتي من ذلك شيء حتى أصبح مجيء أهل الواحات بمنتجاتهم "البسيطة" شيئًا ذا بال".
نشبت الثورة من جراء هذه العيوب كلها، وصحبها في بدايتها نوع من العنف ورغبة الانتقام، ورغبة التنفيث عن الغضب المكبوت، ويبدو أن أعوزتها الزعامة التي توجهها الوجهة السليمة، فاستغلها بعض الغوغاء وأهل السوء، وقال إبوور وهو يصف بدايتها "قال حراس الأبواب "بعضهم لبعض" فلننطلق وننهب ... ، وأبى الغسالون أن يحملو أحمالهم ... ، وتسلح صيادو الطيور بأدواتهم، وتترس أهل الدلتا بالتروس ... ، وحدث شيء قدر منذ عهد حور وزمن التاسوع".
أغرب إبوور في وصف سوء الحال والمآل، ووصف ما شاء له الوصف شدة الاعتداءات على حرمة الملكية ومقدساتها ودواوينها ودور قضائها، وقال عن هذه الأخيرة: "فتحت الدواوين وسلبت كشوف الإحصاء وأتلفت سجلات كتبة المحاصيل" وقال: "ألقيت قوانين دار القضاء في العراء، ووطئت بالأقدام في الشوارع، ومزقها الغوغاء في الأزقة، وأخذ العوام يروحون ويجيئون في دور "القضاء" الكبيرة، ونُفي القضاة في الأرض، واحترقت البوابات والأعمدة والأسوار".
وقال في شيء من التهويل والمبالغة: "أصبح الرجل ينظر إلى ولده كأنه عدوه، ... وساءت الوجوه، وتأهب القواس، واستشرى النهب في كل مكان وما عاد لرجل الأمس وجود ... "، وقال: "قست القلوب، وغزا الوباء الأرض "وسرى" الدم في كل مكان، وأصبح مجرى النهر قبرًا، وغدا كان التطهر فيه بلون الدم، وإذا قصده الناس ليرتووا منه عافوا جثث البشر وظلوا على ظمئهم إلى الماء". وعز الأمن
стр. 425
في الريف وتعطلت الزراعة، وقال إبوور: "أصبح الرجل يخرج ليحرث وهو بالمجن" "وأفاض إله النيل الماء، ولكن ما من أحد يود أن يحرث من أجل نفسه، بعد أن أصبح الناس جميعهم يقولون: لسنا نعرف ما سوف يتأتى في هذه الدنيا". وتعطلت الصناعة والفنون بدورها، وقال إبوور "أصبح الصناع جميعًا عاطلين، وأفسد أعداء البلاد فنونها" "وأصبح بناة الأهرام فلاحين". وأراد أن يصور سوء الحالة الاقتصادية فقال: "أصبحت العاصمة في خوف من العوز، وأصبح الناس يأكلون الحشائش ويبتلعون بالماء ... ".
لم ينس الرجل طبقته التي انحدر منها، فأخذ يتحدث عن انقلاب أوضاع الطبقات ويقارن بين ما كان وما هو كائن، ولم يكن من الهين عليه بطبيعة الحال أن تزول النعمة من قوم إلى قوم أو من طبقة إلى طبقة، فقال في عبارات قوية اصطبغت بروح الأدب وتعنينا من حيث صياغتها وطرافتها أكثر مما تعنينا من حيث دلالتها على واقع أكيد. قال الحكيم فيما قال: "فارقت النبالة الدنيا وأصبحت ربات البيوت يقلن أنى لنا ما نأكله، وذبلت أجسادهن في الأسمال وهاضت قلوبهن من ذل السؤال"، وقال: "غدا الأثرياء يولولون وغدا المحرومون مسرورين ... وما من أبيض الثوب في هذا الزمان. ودارت الأرض كما تدور عجلة الفخار. وأصبح المواطن يقول ما أشد البلاد وماذا أفعل؟ وأصبح ابن الناس نسيًا منسيًّا وغدا ابن سيدته كابن خادمته". واندار على الطبقة الجديدة فقال في عبارات متفرقة: تجرأت الجواري بأفواههن، وإذا تكلمت سيداتهن ثقل ذلك على الخدم. وأصبح العوام من أرباب الرفاهة، ومن لم يكن منهم يتخذ نعلًا أصبح ذا ثراء عريض، ومن لم يكن يعرف الظل أصبح صاحب ظل ظليل، ومن كان رسولًا أصبح يرسل غيره، ومن كان يتساقط شعره من قلة الدهان أصبح يمتلك قدور المر الغالي، ومن لم يكن له صندوق أصبح صاحب أثاث، ومن كانت ترى وجهها في الماء أصبحت ذات مرآة ...
وكره بعض الناس دنياهم وآثروا الانتحار، سواء لضياع حقوقهم القديمة، أو لأسفهم عما أصاب المعابد والمقابر، أو لأسفهم عما أصاب بلدهم من اضطراب لم يعرفوا علاجه، وعبر أبوور عن رأيهم بقوله "ولي وانقضى ما شهده الأمس، وبقيت الأرض لسوء حظها، ألا ليت ذلك يكون نهاية الناس فلا يحدث حمل ولا ولادة، وتهدأ الأرض من الضجيج ولا يكون هناك متخاصمون"، وقد "أصبح الكبير والصغير يتمنيان الفناء، وأصبح الأطفال يقولون ليت آباءنا لم يهبونا الحياة" و"غصت التماسيح بما أصبحت تقتنصه بعد أن ذهب الناس إليها من تلقاء أنفسهم".
غير أن كل هذه السوءات المبالغ فيها، لم تحرم الثورة من مزاياها ونتائجها الطيبة التي أسلفناها لها "في ص١٥٠"، وخلاصتها أنها حركت ضمائر الحكماء إلى الإصلاح، ودعت إلى التفكير فيما ينبغي أن يكون عليه سلوك الحكام، وشجعت على مواجهة الملك بعيوبه، وشجعت على إعادة النظر في العقائد، وأدت إلى نشأة طبقات جديدة تعتز بالعصامية أكثر مما تعتز بالأحساب.
стр. 426
القروي الفصيح:
أسلفنا "في ص١٦٠" أن قصة "القروي الفصيح" ألفها أديب في العصر الأهناسي أو فيما بعده بقليل؛ ليصور بها ما هو كائن فعلًا في عصره من أوضاع الحكم والإدارة، ويعقب عليها بما كان يرجو أن يسود عصره من أوضاع مستحبة بين الحكام والمحكومين١. وتروي القصة أن قرويًّا يسمى "خون إنبو" خرج من بلدة تسمى "غيط الملح" وهي بلدة من نواحي الفيوم "وإن ظنها البعض خطأ في وادي النطرون" وترك فيها زوجته مارية وأولادها وترك لهم جانبًا مما كان يدخره من الغلال، وحمل حميره ببضاعة متواضعة من نطرون وأعشاب وجلود وأحجار شبه كريمة ابتغاء أن يتجر بها في مدينة أهناسيا عاصمة الملك في عهده. ومر في طريقه على قرية أو ضيعة تسمى "برفيفي" كان يتولى أمرها موظف شرير يدعى "تحوتي نخت" نيابة عن موظف آخر كبير كان يرأس نظارة الخاصة الملكية ويدعى "رنسي بن مرو". وطمع تحوتي نخت في تجارة القروي وحميره وأراد أن يكون له نصيب منها، وتفتق ذهنه عن حيلة خبيثة، فاعترضه على طريق زراعي ضيق كان لا بد له أن يمر عليه وأوعز إلى خادمه أن يبسط على الطريق قماشًا يغطيه بالعرض، ولما تقدم القروي على الطريق نهاه تحوتي نخت أن يمر على قماشه المبسوط، فاعتذر القروي بأنه كان حسن النية فيما أقدم عليه، وابتعد عن القماش وسار قرب الزراعة، فنهره تحوتي نخت مرة أخرى. وفجأة قضم أحد حمير القروي قضمه من سنابل الغلال فاعتبرها تحوتي نخت فرصته وأصر على أن يستولي على الحمار جزاء جرمه، فاحتج القروي وهدد بإبلاغ الأمر إلى ناظر الخاصة وصاحب الأرض، فغضب تحوتي نخت وأخذته العزة بالإثم واستولى على بضاعة الرجل وحميره كلها. وولول القروي واشتد عويله، فنهره تحوتي في صفاقة غريبة قائلًا له: "لا ترفع صوتك يا فلاح، أنت قريب من بلد رب السكون" .. وكان رب السكون هذا هو المعبود أوزير، ويبدو أنه كان له ضريح قريب من برفيفي يهابه الناس ويحترمونه.
ولكن القروي لم يهتم به وقال بلهجته الريفية اللطيفة: "تضربني وتنهب متاعي وتوقف الشكوى على لساني؟ يا رب السكون "إديني" إذن حاجتي حتى أبطل الصراخ الذي يقلقك".
واستمر القروي طيلة عشرة أيام يشكو حينًا ويسترحم حينًا، ولكن بغير طائل، فاتخذ سبيله إلى العاصمة أهناسيا ليشكو بلواه إلى ناظر الخاصة ونسي، وقابله فعلًا ذات صباح وهو في طريقه من داره إلى النهر ليستقل قارب المحكمة، ورجاه أن يرسل معه تابعًا مع من عنده حتى يعهد إليه بقصته. ورجع التابع بنص القصة إلى رئيسه، فعرضها رنسي على من كانوا بصحبته من الموظفين فهونوا الأمر عليه وانحازوا إلى جانب زميلهم تحوتي نخت وعز عليهم أن يعاقب من أجل فلاح، وحاولوا أن يشككوا رئيسهم في صحة دعواه. ولكن رنسي أسر أمرًا في نفسه.
واستبطأ القروي رد رنسي فوجه إليه استعطافًا رقيقًا لينًا حاول أن يستثير به نخوته، فحببه في العدل،
стр. 427
ووصفه بما يحب أمثاله أن يوصفوا به، وكان من قوله له: "إذا كنت حقًّا أبًا لليتيم، وزوجًا للأرامل، وأخًا للمنبوذة، ورداء لمن لا أم له، فشجعني على أن أنشر سمعتك في هذه الأرض بما يتفق مع القانون الصحيح، وعساك تكون حاكمًا بريئًا من الجشع، ونبيلًا منزهًا عن الدنية، تزهق الباطل وتحق الحق وتلبي نداءه. وهأنذا أقول وأنت تسمع. أقم العدل أمدحك ويمدحك المادحون - أزل كربي واحمني ... ".
وفعل استعطاف القروي فعله لدى ناظر الخاصة أو على الأصح فعل مديحه فعله لديه، فأعجب به وأسرع إلى فرعونه وهو يقول: "مولاي وجدت واحدًا من أولئك القرويين جيد الكلم يتحدث بالصواب، نُهب متاعه وأتاني يتظلم إليَّ"، وقص قصته عليه، فرد الفرعون عليه بقوله: "أستحلفك" بحق ما تحب أن تراني معافى، أن تؤخره ههنا، ولا تعقب على شيء يقوله، عساه يواصل الحديث، ثم يؤتى إلينا بحديثه مكتوبًا فنسمعه، بشرط أن تتكفل برزق زوجته وعياله، فالقروي من هؤلاء القرويين يأتينا عادة بعد إملاق، وعليك كذلك أن تتكفل بمعاشه "طيلة بقائه هنا" بشرط أن تصرف له "رزقه" دون أن تشعره بأنك أنت معطيه".
وهكذا صور الشق الأول من القصة أكثر من جانب من جوانب الحياة في عصرها، فصور لؤم بعض الموظفين وسوء استغلالهم لسلطتهم وتستر بعضهم على بعض، ولكنه لم يأب أن يصور إلى جانبهم موظفين آخرين يتقبلون الشكاية والمظالم ويودون إزالة أسبابها، ولم يأب أن يصور فرعونًا يستعذب فصاحة قروي من رعاياه ويتمنى أن يستزيد منها ثم يأمر بالإحسان إليه في عاصمته دون أن يعرف من هو المحسن عليه، ودون أن يشعر بفضل أحد عليه، فضلًا عن الإحسان إلى أسرته في قريتها والتكفل برزقها.
وعمل ناظر الخاصة بتوجيهات فرعونه، فتغافل عن الرد على خون إنبو، وظن هذا أنه أهمله فتحول من الاستعطاف إلى الشكاية ثم إلى الشراسة، وتحول من لين الحديث إلى العنف والنقد الصريح، وتوجه إلى رنس بثمان شكايات متتابعة بعد استعطافه الأول، لم يسلم حين تقديمها من الأذى وضرب الحجاب وإهانة الحراس، ولكنه لم يتخل عن عناده، واستمر يصر على إسماع صوته للحاكم ولو ناله الضرب والأذى، وعمل على أن يصور في هذه الشكايات مبادئ العدالة الاجتماعية والسياسية والقانونية التي كان يطمع فيها المفكرون في عصره.
تصور خون إنبو أن الحاكم يشبه دفة السفينة التي تحدد مسيرتها، ويشبه السند الذي يعتمد الناس عليه، ويشبه خيط الميزان في دق تعبيره عن وزن الأمور، فقال لناظر الخاصة وهو يشكوه إلى نفسه:
"أيها الدفة لا تنحرف، ويأيها السند لا تميل، ويأيها الخيط لا تتذبذب ... "
"لقد انفلت العدل من تحتك وأُقصي عن موضعه، والموظفون يشاغبون، والموعظة الحسنة أهملت، وها هم القضاة يتخاطفون ما سلب مني .. ! ".
وقال في تشبيه لطيف وتجسيم للصورة: "ها أنت رئيس وبيدك ميزان، إذا اختل الميزان فأنت مختل. ولسانك هو لسان الصغير، وقلبك صنجته، وشفتاك قبه، فإذا سترت وجهك عمن يطفف، فمن يرفع العار؟ ".
стр. 428
وقال في شكاية طريفة الأسلوب بليغة المعنى، وهو يحضه على العدل: "أقم العدل لرب العدل الذي عدل عدالته موجود، ويا قلم تحوتي وقرطاسه ولوحته، تنزهوا عن عمل السوء، فإنما الخير بالخير، والحسنى لها ما هو أحسن منها، والعدل باق إلى الأبد يهبط مع صاحبه إلى الجبانة، فإذا دفن احتوته الأرض معه، ولن تزول سمعته من هذه الدنيا، ولسوف يذكر بالخير، وهذا هو خير ما في أقوال الرب ... ، فمن يكن سندًا لا ينبغي له أن يميل، ومن يكن ميزانًا لا ينبغي له أن يتذبذب. وسواء جئت أنا أم أتى غيري وجب عليك أن تتحدث ولا تنصت هكذا إليَّ كما لو كانت أحادث شخصًا أخرس ... ". إنك لا تلين ولا تضعف ... ، وما جازيتني على أحاديثي الحسان التي صدرت عن فم الإله رع نفسه، ... قل الحق إذن وافعل الصواب فالعدل عظيم وخالد ... ".
ولم يكتف القروي بالنصيحة والحديث عن واجبات الحكام، وإنما أخذ يشتد على ناظر الخاصة ويعنفه، وكان من قوله له: "إنك قادر ومقتدر، وذراعك طائلة، ولكن فؤادك قاسٍ، والرحمة قد تجاوزتك، فما أتعس المحزون الذي تحطمه. لكأنك رسول لرب التمساح، بل إنك زدت عن ربة الوباء، وإذا كان العدم يرتجى منها، ارتجى منك العدم ... ".
وترتب على عنف القروي في حديثه أن أمر رنسي بضربه بالسياط، ولكنه لم يرتدع، وقال بعد ضربه: "ضل ابن مرو طريقه، وعمي وجهه عما يراه، وأصيب بالصمم عما يسمعه، وضل ضميره عما يذكر به. إنك أشبه بقرية بغير عمدة، وجماعة لا كبير لها، ومركب لا ربان فيها، وعصبة لا هادي لها. أنت نبيل نهاب، وحاكم مرتش، وكبير لمنطقة كان ينبغي أن يمنع الاختلاس ولكنه أصبح نموذجًا لمن يود أن يختلس".
وزاد خون إنبو فعرض خلال شكاواه لناظر الخاصرة بالصفات التي كانت تنسب عادة إلى الفرعون، ولو أنه لم يذكر الفرعون صراحة، فقال: "أنت رع رب السماء وسط حاشيتك ومنك قوام الخلق جميعهم. وأنت كالفيضان، بل أنت حعبي صاحب الفيضان الذي يسبغ الخضرة على الحقول ويعمر البراري، فاقطع إن دابر النهب وأوقفه وأكرم البائس، ولا تكن فيضانًا ضد الشاكي، واحذر قرب الآخرة".
وأطال القروي في شكاياته، ولما فرغ معينه منها استدعاه ناظر الخاصة، فتوقع الرجل أن تكون الدعوة لمقتله، وأخذ يروض نفسه على ملاقاة الموت في شجاعة، ولكن رنسي طمأنه وأراه شكاواه منسوخة على برديات جديدة أعدها ليعرضها على الفرعون شخصيًّا، فلما عرضها على مولاه أمره بأن يقضي في القضية بنفسه، فقضى بتجريد تحوتي نخت من ممتلكاته، ووهبها كلها للقروي فضلًا عن حميره وبضاعته.
تلك فيما رأينا نماذج يسيرة من الأدب المصري القديم، تشهد على الرغم من قلتها وقدمها البعيد وصعوبة التعبير عن ألفاظها، على عقليات ناضجة وأحاسيس نابضة وأذواق مرهفة، ويمكن أن نضم إليها ما سبق أن استشهدنا به في بقية صفحات هذا الكتاب من أدب السياسة والحكم، في مثل نصائح خيتي لولي عهده
стр. 429
"ص١٥٥ - "، وتعاليم أمنمحات الأول لولده "ص١٧٤ - "، وتعاليم تحوتمس الثالث لوزيره "٢٠٩"، وتأملات سيتي الأول "٢٣١" وقصة ونآمون "٢٥٣ - "؛ وما استشهدنا به من الأدب الحربي في حوليات كامس وتحوتمس الثالث وأمنحوتب الثاني ورمسيس الثاني ومرنبتاح ورمسيس الثالث "في مثل صفحات ٢٠٠، ٢٠١، ٢٢٢، ٢٣٥، ٢٣٦، ٢٤٠، ٢٤٤ - ٢٤٥"؛ وما سبق تبيانه من أدب التراجم الشخصية "في مثل صفحات ١٤٠، ١٤٢، ١٥٣، ١٥٤، ١٦٥، ١٧٥، ١٨٤، ٢١١ .. إلخ"، والأدب الديني "الفصل الحادي عشر". وكنا نود أن نعقب على حديث الأدب بحديث آخر عن العلوم، لولا رغبة التخفيف وضيق المقام"١.
стр. 430
الكتاب الثاني: العراق، بلاد النهرين
تمهيد
...
الكتاب الثاني: العراق، بلد النهرين.
تمهيد:
حضارة بلاد النهرين القديمة هي أقرب ما يقرن بحضارة النيل، من حيث القدم والثراء والطابع المتميز واستمرار التطور في مجالات الفكر والمادة. وكان فيما أتت بقصص التوراة عن أهلها من الآشوريين والبابليين وعلاقاتهم بفلسطين والعبرانيين، ثم ما سجله الرحالة والمؤرخون الكلاسيكيون عن أمجاد هؤلاء وهؤلاء، ما أثار تطلع عدد من الرحالة والباحثين بل والمغامرين الأوروبيين في العصر الحديث، إلى محاولة كشف النقاب عن آثار بلاد العراق وتاريخها. وبدأ اهتمامهم بكتسي بطابع الجدية منذ أواخر القرن الثامن عشر، حين استرعت النصوص المسمارية الغريبة أنظار الرحالة واللغويين، وعمل عدد منهم على تصويرها وعمل تخطيطات لها، الأمر الذي مهد لمحاولات أولية لقراءتها ومعرفة رموز كتابتها، منذ أوائل القرن التاسع عشر. وقد أثمر الاتجاهات معًا منذ نجح رولنسن H.C.Rawlinson في نقل نصوص بهستون نقلًا سليمًا وحاول قراءتها، وهي نصوص سجلت انتصارات الملك دارا الأول بكل من اللغات: الفارسية القديمة والإلامية أو العيلامية العتيقة، والبابلية السامية، مما يسر عقد المقارنات بين ألفاظ هذه اللغات والاستعانة بالواحدة منها في فهم مترادفاتها الأخرى، مع مقارنة الفارسية منها بنصوص أخرى في إصطخر "برسوبوليس" عاصمة الفرس القديمة. وبلغت هذه المحاولة ومحاولات أخرى تشبها بواكير النجاح منذ أواسط القرن التاسع عشر، وأدى هذا النجاح بدوره، مع نشاط الرحالة الأوروبيين في وصف الآثار القائمة وتصويرها إلى تشجيع المتاحف العالمية والجمعيات الثرية على تبني عمليات الكشف عن الآثار في العراق، وفتح الأبواب لتقبل ما يحصل الأفراد عليه من الآثار في نظير مكافآت سخية. وقد تركز الاهتمام في بداية أمره على شمال العراق على أمل البحث عن آثار مدن نينوى وأشور ونمرود ذوات الشهرة التاريخية الواسعة. وبدأ هذا العمل كالعاعدة نفر يوصفون بالمغامرين أكثر مما يوصفون بالباحثين، ومنهم Paul Emile Botta الذي تنقل بنشاطه السريع من تلال نينوى إلى تلال خورساباد. ثم A. H. Layard الذي تنقل بدوره بين نمرود وبين نينوى، وكان لما كشفه هذا وذاك، من قصور الملوك الآشوريين العظام ومقتنايتها دوي عالمي كبير وتشجيع لغيرهما على سلوك نفس السبيل. وقد عمل رعيلهم الأول هذا في أرض بكر وبوسائل بسيطة وبخبرات متواضعة، وكانوا يهدفون أساسًا إلى استخراج أكبر عدد من الآثار الفنية والثمينة في أقصر وقت مستطاع وبأقل كلفة ممكنة، حتى يشبعوا رغبتهم في الشهرة والمال، ويشبعوا نهم المتاحف الأوروبية وأصحاب المجموعات الخاصة. وكانوا بوسائلهم هذه أكثر جناية على أثار العراق من زملائهم الأجانب المغامرين الذين عملوا في مصر، فقد كفل للآثار المصرية نصيبها من المنعة تشييد مبانيها الرئيسية بالحجر، وتماسك موادها الأخرى نتيجة لصيانتها في رمال الصحراء وفي مناخ جاف، وذلك على العكس من آثار العراق التي شيدت غالبية مبانيها من اللبن والآجر، وقلت مناعة موادها الأخرى نتيجة لرطوبة أرضها، مما كان يتطلب من الباحثين عنها دراية كافية بوسائل التنقيب عن الآثار ووقايتها وحفظها، وهو ما لم يتوافر
стр. 431
لأوائلهم، الأمر الذ أفضى إلى تصدع وتفتت كثير من الآثار الصغيرة التي اكتشفوها بمجرد تعرضها للهواء والحرارة الخارجية١.
وشهد الربع الأخير من القرن التاسع عشر بداية اهتمام الدراسات الأثرية بالنصف الجنوبي من بلاد النهرين، وكان ذلك إيذانًا بالكشف عن حضارات السومريين والأكديين، في مدن كيش وأور والوركاء ونفر ولجش ونيبور. ثم اتسعت البحوث الأثرية في جنوب العراق وشماله معًا في القرن العشرين واتسم بعضها بالطابع العلمي الدقيق في الكشف عن الآثار وقراءة النصوص وتحليلها، وصحبتها اهتمام مماثل بآثار فجر التاريخ في العراق الجنوبي، في مثل العبيد وجمدة نصر، وفي العراق الشمالي في مثل تل حلف وجسونة ... الأمر الذي جعل كل فترة من فترات الحضارات العراقية الطويلة الممتدة من الدهر الحجري القديم الأسفل حتى نهاية العصر الكلداني الأخير، جديرة بدراسة مستقلة مستفيضة.
وإذا كان ثمة ما يضاف إلى هذا التمهيد، فهي ملاحظة عابرة تعترض كل من يكتب باللغة العربية عن حضارة العراق القديم وما سواه من أقطار الشرق القديم، وتتمثل في التقيد أحيانًا بكلمات ومسميات ذات جرس أجنبي، واستخدامها بلفظها أو بمعناها، اعتمادًا على شيوعها ونظرًا لسبق الباحثين الأجانب في دراسة حضارة هذا الشرق وكثرة مؤلفاتهم عنه. وذلك مثل لفظ ميزوبوتاميا Mesopotamia الإغريقي الأصل الذي تترجمه كثير من الكتب العربية بمعنى "بلاد ما بين النهرين"، وهي ترجمة أمينة، لولا أنه ينبغي أن يقدر إلى جانبها أن مواطن الحضارة العراقية القديمة لم تقتصر على ما بين النهرين، وإنما امتدت إلى ما حول النهرين أيضًا. بل إن طائفة من أقدم المواطن الأثرية مثل العبيد وإريدو وأور، قامت غرب الفرات وليس فيما بينه وبين دجلة، كما قامت إشنونا وتل أسمر ونوزي شرق دجلة وليس فيما بينه وبين الفرات.
وفطن الإغريق أنفسهم إلى قصور لفظ ميزوبوتاميا، فأضاف بعضهم إليه لفظ بارابوتاميا Parapotamia أي ما وراء النهرين أو ما حولهما. وهكذا يحسن فيما نرى أن نقول "بلاد النهرين" وهي التسمية التي استخدمناها في هذا الكتاب، وليس تسمية "بلاد ما بين النهرين" الشائعة. وقد استخدمت كتب عربية أخرى تعبير "بلاد الرافدين" "وحضارة الرافدين"، وهو تعبير لطيف، لولا أن روافد النهر تختلف عن النهر ذاته فيما هو معروف.
وما يجري على هذا اللفظ يجري على ألفاظ أخرى سامية قديمة نكتبها مضطرين عادة بمنطوقها الذي حرفه كتبة التوراة وحرفه المؤرخون الكلاسيكيون، مثل سرجون وسينا حريب وإسرهدون ونبوخذ نصر ... ، والعلة في هذا هي نفس العلة في الملاحظة السابقة، أي سبق الأجانب عنا في دراسة تاريخ العراق القديم، واستخدامهم لهذه الألفاظ في مؤلفاتهم الكثيرة، مما أكسبها شهرة وشيوعًا، وجعل التخلي عنها أمرًا غير مألوف، وإن أمكن التخفف منها عن طريق استخدام الأصول القديمة الصحيحة معها جنبًا إلى جنب.
стр. 432
الفصل الثالث عشر: فجر التاريخ العراقي في العصر الحجري الحديث
أ- في الفترة النيوليثية "الحجرية الحديثة "
...
الفصل الثالث عشر فجر التاريخ العراقي في العصر الحجري الحديث
١ - في الفترة النيوليثية "الحجرية الحديثة"
قدمنا في صفحات سابقة بعدد من مراكز الحضارة الأولية للدهور الحجرية القديمة والوسيطة في بلاد النهرين، وما استتبع ذلك من المعرفة المبكرة ببدايات الزراعة والاستقرار في وديانها، وقد انتشرت مواطنها خلال الألف الخامس ق. م في وديان العراق الشمالية التي انتفعت بمياه الأمطار إلى جانب انتفاعها بفروع النهرين، أكثر من انتشارها في السهول الجنوبية التي لم تكن أراضيها قد صلحت بعدُ للاستغلال والكسنى، لا سيما القريبة منها من سواحل الخليج العربي؛ نظرًا لانخفاضها وكثرة مناقعها وكثافة نباتاتها المائية غير المثمرة.
وغرقت البحوث الأثرية الحديثة بين ثلاث مناطق حضارية متواضعة لبداية العصر الحجري الحديث في هذه النواحي، ونشأت قراها حيث تقوم الآن: جرمو في منطقة كركوك في سهل جمجمال قرب أحد فروع دجلة، وحسونة في جنوب الموصل الحالية. ثم حلف في أعالي نهر الخابور. وتضمنت كل قرية منها عدة مستويات لعمران متواضع في تتابع زمني يقوم تقديره على الاحتمالات أكثر مما يقوم على اليقين، وهو أمر يقتفر لقلة بقاياها وبعد زمنها.
واعتبر بريدوود" R. J. Braidwood" قرية جرمو أقدم قرية زراعية، ونسب إليها تماثيل طينية بدائية متواضعة، لحيوانات، ورجال، ونساء جالسات ذوات أرداف غلاظ١. ولكن لا زال توقيت عهد هذه الحضارة قرين الشك حتى الآن ٢، بحيث تردد الباحث V. G. C. Childe في نسبتها إلى عصر الزراعة وشك في تمثيلها لمرحلة حضارية متميزة، واعتبرها مجرد قرية صغيرة متخلفة قد ترجع إلى أواخر العصور الحجرية أو ما بعدها.
أما مخلفات حسونة فكانت أسعد حظًّا في تقرير نسبتها إلى عصر بداية الزراعة، وتضمنت أكمتها عدة مستويات لعمران متواضع متتابع، وجد في أقدمها فخار خشن بدائي، وظهر في أوسطها فخار ذو زخارف
стр. 433
مرسومة، وظهر في أحدثها فخار ذو خربشات ورسوم محفورة حفرًا بسيطًا١. ووجدت أشباه لهذه الأنواع في عدة مواقع أخرى معاصرة "مثل تل الصوان وسامرا وتل المطارة" كما جرت محاولات للتعرف على نوعيات المساكن والمقابر التي استخدمها أهلها في مراحلهم المتطورة "من حيث الحضارة" والمتأخرة نوعًا "من حيث الزمن".
أما حضارة حلف ومصنوعاتها فقد انتشرت نماذجها رغم تواضعها، بين فريق من أهل العراق وبين فريق من أهل أطراف الشام القريبة منهم، بحكم موقعها الحدودي بينهما، فانتشرت في الجانب العراقي في مثل سامرا والأربجية وتبة جاورا، وميزها فخار يدوي ملون ومصقول مزخرف برسوم حيوانية ونباتية وتخطيطية، يعتبر راقيًا إلى حد ما بالنسبة للأنواع السابقة له، وأختام صغيرة صنع بعضها من السربنتين. وتخلفت لها بقايا مساكن صغيرة دائرية المقطع وربما كانت مقبية السقوف استخدم أهلها قطع الدبش الغفل في تدعيم أساساتها٣. وعاشت مظاهر هذه الحضارة حتى عاصرت المراحل الأولى لاستخدام النحاس. ووجد عدد من مقابرها داخل مساكنها، كما عثر فيها على عدد من تماثيل الخصوبة والأمومة الطينية الصغيرة.
стр. 434
ب- في الفترة الخالكوليثية "النحاسية الحجرية "
مدخل
...
ب- في الفترة الخالكوليثية "النحاسية الحجرية"
شهدت بلاد العراق في أواخر عهد حضارة حلف، دبيب النشاط الحضاري في مناطقها الوسطى والجنوبية، وتمثلت المراكز المبكرة لهذا النشاط في كل من إريدو وحجي محمد، ونسبت إلى كل منهما مستويات ومراحل عديدة من العمران تتراوح بين ١٤ وبين ١٩ مرحلة٣، وتدعو كثرتها إلى الشك فيها أكثر مما تدعو إلى تأكيدها. ولم تكن أيهما بمعزل تمامًا عن حضارات الشمال المعاصرة لها. وعلى أية حال فقد ارتبط أهم نشاط هذه الفترة بتطور صناعي جديد، وربما بتحركات شعوبية أو قبلية جديدة أيضًا. أما التطور الصناعي فهو بداية معرفة معدن النحاس واستخدامه على نطاق ضيق، جنبًا إلى جنب مع الأدوات الحجرية، فيما يعرف اصطلاحًا باسم العصر النحاسي الحجري أو عصر بداية المعادن. وفرقت الأبحاث الأثرية بين ثلاث مراحل شهدها العراق في هذا العصر، ونسبت كلًّا منها إلى أقدم الأماكن التي عثر فيها على مخلفاتها، فسمتها بأسماء: حضارة العبيد، وحضارة الوركاء، وحضارة حمدة نصر. وقد تعاقبت
стр. 435
ثلاثتها في مواضعها من جنوب العراق إلى وسطه على مسافات متفاوتة، ولكنها تداخلت مع بعضها البعض في أزمنتها وخصائص منتجاتها، إلى حد أن مال الرأي الحديث إلى إدماج ثالثتها وهي جمدة نصر في حضارة الوركاء، واعتبارها مرحلة أخيرة منها، وسوف نأخذ بهذا الرأي فيما يلي:
стр. 436
حضارة العبيد:
لم يتوافر معدن النحاس الذي تميز هذا العصر به كثيرًا في أرض بلاد النهرين، وإزاء هذه الظاهرة لجأ الباحثون إلى أن يفترضوا أن من أدخلوا استخدامه إلى بلاد العراق لأول مرة قد وفدوا به عليها من منطقة خارجية يتوافر النحاس فيها، مثل مناطق عدن أو إيران أو الأناضول.
ووجد القائلون بالأصل الإيراني لأصحاب حضارة النحاس في هذا العصر، ما يزكي رأيهم أكثر من غيره، وافترضوا خروج هجرات من جنوب غرب إيران أو عبره إلى العراق في أوائل الألف الرابع ق. م أو قبلها بقليل، إثر حدوث تغير مناخي أشاع الجفاف الشديد في مواطنهم الأولى. وعثر من مصنوعاتهم في بلدة إريدو "أبي شهرين الحالية" على فخار ملون ذي أرضية خضراء شديد الشبه بالفخار المميز لمصنوعات معاصريهم في أرض الإم أو عيلام غربي غيران. وقيل إن أولئك النازحين كانوا على معرفة بطريقة البناء باللبن التي يحتمل أنهم مارسوها في إيران أيضًا قبل انتقالهم إلى سهول النهرين. وعندما نجحوا في الاستقرار في مواطنهم الجديدة تشجعت هجرات أخرى من بني عمومتهم على النزوح إلى ما يلي مواطنهم الشمالية من بلاد النهرين ولو أنه ليس من الضروري إذا أصبح هذا الرأي أن نفترض أن المسرح قد خلا لهجراتهم حينذاك، وإنما لا يبعد أنه كانت تقابلها في الوقت نفسه هجرات سامية شقت طريقها من الغرب إلى بلاد النهرين بالتسلل السلمي حينًا وبالغزو القبلي حينًا آخر.
وأدى تكاثر هؤلاء وهؤلاء، واستفادة بعضهم من إمكانيات بعض، إلى انتشار أنواع راقية نسبيًّا من فخارهم المرسوم طغى إنتاجها شيئًا فشيئًا على إنتاج فخار حسونة الشمالي وكانت أكثر انتشارًا من الجنوب والوسط إلى الشمال الشرقي أكثر منها إلى الشمال الغربي، ووجدت نماذجها في تبة جاورا والأربجية ونينوى وسنجار ومندرلي وسامرا "قرب نهر دجلة" وباغوص وغيرها "قرب نهر الفرات" وفي حسونة نفسها١. وذلك مما يعني قيام المبادلات والاتصالات بين أهل الشمال وأهل الجنوب. وبلغ من رقة صناعة بعض أواني هذا الفخار ما دفع الأثاريين إلى التعبير عنها باسم "أواني قشر البيض". وزود بعضها بآذان ومقابض وصنابير.
وعبر مهرة الصناع حينذاك عن فنون عصرهم على أفضل إنتاجهم من هذه الأواني الفخارية، فزينوا سطوحها الخارجية بأشكال تخطيطية متجانسة وبألوان حمراء وسمراء، واستغلوا بواطنها المتسعة لتصوير
стр. 437
مجموعات تخطيطية أيضًا تعتبر بعض نماذجها الراقية مفخرة لعصرها إن صحت نسبتها إليه فعلًا١. فمن هذه المجموعات الراقية التي نقدمها على حذر: مجموعة صورت ست إناث يتوزعن على محيط دائرة تتطاير شعورهن داخلها، وتحيط بهن ست عقارب كبيرة توزعت هي الأخرى على المحيط الدائري لباطن الصحفة. وليست أشكال النساء هنا غير خطوط تقريبية لا تزيد الرأس فيها عن بقعة سوداء، ولا يزيد الساقان فيها عن خطين متجاورين، ولكنها تميزت على الرغم من ذلك بتناسقها وباستدارة خطوط الفخذين فيها والفصل بين الساقين. وصحفة أخرى صورت فيها أربعة طيور طويلة الرقاب والأجنحة توزعت على أركان باطن الصحفة واتجهت نحو مركزها والتقط كل طائر منها سمكة بمنقاره. واستغل الصانع الرسام الفراغات بين هذه الطيور فوزع حولها مجموعة أخرى من الأسماك في شكل دائرة، ثم عبر عن مركز الدائرة في الصحفة بخطوط متقاطعة تكاد تقرب من هيئة الصليب المعقوف. ولم يكن الصانع العبيدي أقل توفيقًا في صحفة ثالثة، فرسم فيها أربعة مثلثات تلاقت رءوسها على أطراف شكل المعين، واستغلها لتصوير أربع عنزات تصويرًا تجريديًّا لطيفًا بالنسبة لعصره. ووجدت كسر فخارية أخرى صورت عليها مجموعة من الطيور تلتقط طعامها بمناقيرها، وأخرى تتجمع فوق قطيع حيواني، وصورت غيرها فهدًا ذا جلد مرقش يرتكز على خلفيته. إلخ.
وخطا أصحاب حضارة العبيد خطواتهم البطيئة في العمارة، فوجدت لأهلها "في العقير" آثار عدة بيوت لبنية يحتمل أنه كانت لها ميازيت في سطوحها. كما بقي من أطلال معابدهم الدينية آثار أرضية معبد في إريدو "أبي شهرين"٢ شاده أصحابه لمعبود كان ذا صلة بالمعبود إيا الذي اعتبره خلفاؤهم في العصور التاريخية ربًا للمياه العذبة وتخيلوه مستقرًّا في أعماقها. نشأ معبد إريدو هذا متواضعًا يناسب إمكانيات عصره، ويتكون من مقصورة بسيطة "١٢×١٥ قدمًا" أيقمت فيها مشكاة لتمثال معبودها أو رمزه، ومائدة من اللبن للقرابين وضعت أمام هذه المشكاة٣. وتجدد معبد إريدو وزاد اتساعه أكثر من مرة خلال عصر العبيد، ودل تخطيطه في مراحله الناضجة على تطورات مبتكرة، فشاده أصحابه من جديد فوق مسطح يؤدي إليه درج. ويدعو الارتفاع بمثل هذا المعبد فوق المسطح ذي الدرج إلى أكثر من فرض واحد، فهو قد يعتبر تطورًا معماريًّا محضًا في أسلوب بناء المعبد، أو إجراء عمليًّا محضًا للارتفاع بقاعدته عن مستوى الأرض الرطبة المحيطة به، أو يكون تعبيرًا دينيًّا يدل على رغبة أصحابه في التسامي بمعبدهم ومعبودهم إلى العلي، أو يعبر عن فكرة شعوبية تدل على أن أصحابه كانوا في بداية أمرهم من سكان المرتفعات الذين عبدوا آلهتهم، آلهة الربوات، فوق قممها العالية، فما تركوا ربواتهم وهضابهم واستقروا على سهول النهرين استعاضوا عنها بمسطحات صناعية من صنع أيديهم. وليس من سبيل إلى ترجيح أحد هذه الفرروض دون غيره بالنسبة لهذا العصر، ولو أننا سنلحظ فيما بعد أن الفرض الأخير منها قد زكته شواهد متأخرة ظهرت في آثار أواخر بواكير
стр. 438
العصر الكتابي وفي آثار العصور السومرية وأساطيرها. وزادت إحدى مراحل تجديد معبد إريدو في محتويات مقصورته، فأضيف مذبح جديد على مبعدة من مائدة القربان القديمة وأحيطت المقصورة بحجرات جانبية، وشكلت واجهة جدران المعبد الخارجية على هيئة مشكاوات "أو دخلات" رأسية مستطيلة بسيطة تعاقبت الواحدة منها بعد الأخرى على مسافات متساوية١.
وتكرر أسلوب هذا المعبد في مدن سومرية أخرى مثل مدنية أور "في مستوى عمرانها الرابع". كما جرى أهل شمال العراق على السبيل نفسه في تطوير عمارة معابدهم، فتميزت المراحل المتطورة لمعابد بلدة تبة جاورا بتعاقب المشكاوات الرأسية في كل من الواجهات الداخلية والخارجية لجدرانها، ولم تعد جوانب هذه المشكاوات قائمة الزوايا دائمًا، وإنما أصبحت الرئيسية منها تُبنى بعدة مستويات داخلية متدرجة. غير أنه ليس من سبيل للقطع بإرجاع هذه التطورات إلى عصر العبيد فعلًا أم لفترة لاحقة له؛ نظرًا لاستمرار مظاهر ما قبل التاريخ في تبة جاورا إلى ما بعد انتهاء عصرها في الجنوب٢.
وفي الجنوب، عثر في إريدو مما يعاصر العبيد، على العديد من المقابر الفردية والجماعية وقد تضمنت صناديق من الطين المحروق وتماثيل صغيرة من الطين لمعبودات وقوارب وأواني للقرابين، وجمعت بعض تماثيل الأمومة بين خصائص الجنسين. وتميزت المراكز الشمالية من العصر نفسه بأختام حجرة صغيرة نقشت بصور حيوانية وخطية، ومختومات من الطين تماثلها٣.
стр. 439
ج- قبيل العصر الكتابي
حضارة الوركاء:
لعبت بلدة أوروك "أو أونوج" التي تقوم على أنقاضها وتحتفظ باسمها بلدة الوركاء الحالية "والتي ذكرتها التوراة باسم إرك"، دورًا رئيسيًّا في حضارة فجر التاريخ العراقي القديم. وقسم الباحثون مراحل عمرانها وتطوراتها الفنية المتواضعة إلى ست عشرة مرحلة، عاصرت في أغلبها حضارة العبيد١، ثم دخلت بمرحلتيها الرابعة والثالثة في عصر جديد سُمي اصطلاحًا باسم " Proto-Literate Period" نتيجة لاحتمال ابتداع أولى علامات الكتابة العراقية فيه، وترجمته بعض الكتب العربية بأسماء ما قبل العصر الكتابي، والعصر الشبيه بالكتابي، فضلًا عن بواكير العصر الكتابي، ... إلخ.
وترتب على الوفرة النسبية لآثار بدلة الوركاء خلال هذا العصر أن أطلق الأثاريون اسم حضارتها على بقية مواطن العمران المحلية التي عاشت معها وشابهتها في بعض خصائصها، وإن تميزت إلى جانبها في آخر مراحلها
стр. 440
تسمية حاضرة أخرى، ألا وهي تسمية "حضارة جمدة نصر" التي أشرنا إلى الاتجاه الحديث نحو إدمامجها فيها. وتفاوت انتشار خصائص حضارة الوركاء في الجنوب وفي الشمال بتفاوت التطور في مراحلها المتتابعة، دون التزام بعدد الستة عشر الذي قسمت إليه مراحل عمرانها - وكانت مظاهر التطور في مراحل بواكير العصر الكتابي أكثر وضوحًا في الجنوب عنها في الشمال.
ويبدو أن المجتمع الزراعي العراقي القديم قد بدأ يصطبغ بصبغة مدنية منذ أواخر حضارة الوركاء "أو منذ بواكير العصر الكتابي الجديد"، فنشأت فيه بلدان أو مدن صغيرة تطورت عن القرى الكبيرة وامتازت عما تحيط بها من أراضي الزراعة والقرى العادية باتساع عمرانها اتساعًا نسبيًّا وبأهمية معابدها وقصور حكامها، وكفاية صناعها وفنانيها، وباتساع مجالات الإنتاج وفرص التشجيع فيها، وإن ظل ذلك كله في حدود نسبية بطبيعة الحال.
ولعل أهم ما يصور الرقى النسبي في حضارة الوركاء، هو نقوش أختامها التي ترجع مراحلها المتواضعة القديمة إلى عهود حلف والعبيد، ثم تطور عمارة معابدها. فقد استخدم أهل أوروك، أو الوركاء، أختامًا مخروطية ذات قواعد شبه دائرية كانوا يختمون بها على الطين عن طريق الضغط عليها ضغطًا رأسيًّا، وأختامًا أخرى أسطوانية الشكل كانوا يثبتونها في أيد خشبية ويختمون بها بتمريرها بقوة على سادات الأواني ولوحات الصلصال الطرية الصغيرة، وقد شاع هذا النوع الأخير واستغله الصناع لنقش مناظر دنيوية ودينية وأسطورية وعناصر أخرى زخرفية على سطوحه.
وبلغت نقوش أخام أوروك غايتها من التنوع خلال المرحلتين الرابعة والثالثة من مراحل عمران بلدتها، فصورت مناظرها الدينية مراحل أعياد المعبودات، ورمزت إلى تقوى الحكام وكبار الناس، ومما بقي منها ما يصور حاكمًا يتقدم بسنبلتي شعير غلى ستة رءوس من ماشية معبد مدينته كأنه يطعمها، وتلاه تابعه يحمل له مجموعة سنابل أخرى١ وصورت رجلًا كبير المقام في مرحلتين من مراحل زيارته لمعبد هام، فأظهرته في بداية رحلته يستقل قاربًا يجذف له فيه أحد أتباعه ويتوجه به إلى مرساة المعبد، ثم صورته يسير في رحاب المعبد مبتهلًا ضامًّا كفيه تجاه وجهه مع ثني إبهاميهما إلى الخلف. يحف به كاهنان يرفعها قلادتين فخمتين أهداهما باسمه إلى ربة المعبد٢.
ورمزت المناظر الدنيوية في نقوش الأختام إلى بعض الأحداث العامة في عصرها، فصور أحد ما بقي منها ساحة حرب يتصدرها رئيس ذو لحية كثيفة وعمامة كبيرة ونقبة نصفية، يقف منتصبًا مستندًا إلى رمحه في اعتزاز وقوة، وقد تجمع أمامه عدد من زعماء أسراه عراة، ومنهم اثنان تقدما إليه في خضوع يعلنان التسليم وثلاثة رجال قيدت سواعدهم خلف ظهورهم وألقوا أذلة على أرض المعركة٣. ثم رمزت مناظر
стр. 441
أختام أخرى إلى كفاح الأفراد ضد أخطار بيئتهم الخشنة، مع شيء من المبالغة التي ترتفع بهم إلى مصاف الأبطال، كتصوير راعٍ يدفع أسدًا ضخمًا بعيدًا عن بقرته دون خشية منه١.
وصورت النقوش نفسها حيوانات بيئتها تصويرًا يستهدف تسجيل حياتها العادية في بعض أمره، ويستهدف غرض الزخرفة في بعض أمره. فصورتها أحيانًا يتلو بعضها بعضًا ويهاجم بعضها بعضًا من الخلف٢. وألفت من صور الأفاعي الضخمة وصور الأسود برقاب تشبه الأفاعي مجموعات زخرفية محورة يواجه كل حيوان فيها حيوانًا آخر يماثله ويتداخل فيه بحيث تلتف عنق كل منهما على عنق الآخر وتؤلفان بجزئيهما العلويين هيئة حلقة مستديرة، بينما يواجه رأس كل منهما رأس الآخر يدابره٣.
ولعبت صور المراكب دورها في مناظر الأختام، ودلت على أهميتها في حياة الناس وانتقالالتهم. وكانت مراكب ذات طرفين مرتفعين يميلان إلى الداخل أو إلى الخارج، وامتازت في أغلب صورها برموز تخطيطية تدل على أصحابها أو ترمز إلى معبوداتهم، وتناسب في الوقت ذاته المناظر المسجلة معها، وهي مناظر كان منها ما هو دنيوي الطابع يتألف من تصوير صاحب المركب وزوجته٤، كما كان منها ما هو ديني الطابع يتألف من تصوير جانب من حفل في عيد إحدى المعبودات٥، تصويرًا مختصرًا بطبيعة الحال.
وكان من البدهي أن يتفاوت مدى إتقان أمثال هذه النقوش بتفاوت كفايات الصناع وثراء أصحابها النسبي ومدى التطوير الفني والفكري في عصرها. غير أن صور الحيوانات فيها ظلت على وجه الإجمال أكثر إتقانًا من صور الإنسان، وقد صورها الفنانون من الجانب دائمًا، وبرع بعضهم في تصوير قوة عضلات أجسام الأسود٦، وتصوير تحركات الماعز والأغنام وتفاصيل قرونها وشعروها وأصوافها، والتعبير عن عجزها إزاء هجمات الوحوش الكاسرة، وتصوير ضرواة الأفاعي٧. والتزام بعض أولئك الصناع الفنانين بتصوير كل حيوان مستقلًّا عن الآخر لإظهار فرديته. بينما مارس عدد آخر منهم بعض قواعد المنظور الأولية في تصوير الحيوانات، فصوروا بعضها يخفي أجزاء بعضها الآخر حين سيره٨.
стр. 442
واكتفى صناع الأختام بتصوير الملامح العامة للإنسان دون تفصيل، وأخذوا بما أخذ به أغلب الفنانين الأوائل من تصوير رأس الإنسان وجذعه الأسفل من الجانب مع تصوير عينه تصويرًا أماميًّا وتصوير صدره باتساعه، وتقديم ساقه البعيدة إلى الأمام؛ وإن كان أقلهم قد تعدى هذه التقاليد أحيانًا ونجح في تصوير الكتفين تصويرًا جانبيًّا حين الضرورة١.
وصور أولئك الرسامون كهنة معابدهم عراة تمامًا، قصار الشعنر حليقي الشوارب واللحى، بينما صوروا المدنيين بثياب نصفية تمتد من السرة إلى الركبة، أو تزيد قليلًا أحيانًا٢، وبثياب طويلة أحيانًا أخرى.
ومارس فنانو بواكير العصر الكتابي في نهاية حضارة الوركاء حرفة النقش على الأواني الحجرية وعلى النصب. وأمتع ما تخلف من أوانيهم المنقوشة آنية أسطوانية من المرمر قسمت سطوحها إلى ثلاثة صفوف تتضمن تعبيرات دينية وفنية. وظهرت المعبودة إنانا في صفها الأعلى ينسدل غطاء رأسها على ظهرها وكتفيها وتتدثر بثوب طويل أو شال واسع، وتجمع بيسراها مجامع ثوبها بينما ترفع يمناها لتبارك بها سلة فاكهة قدمها إليها أحد كهنتها العراة. وتلاها تصوير رمز معبدها "النباتي؟ " ومجموعات الهدايا الفاخرة التي قدمت إليه، ثم رجل وأنثى بملابس طويلة وشعر مرسل طويل "أو غطاء رأس طويل" يصعدان مسطحي المعبد المسورين. ويرى A. Falkenstein & Th. Jacobsen أنه صورت في يد الرجل علامة كتابية ترمز إلى كونه حاكم أوروك. وشغل الصف الثاني من نقوش الآتية تصوير عدد من الكهنة أو الأتباع العراة حاملي القرابين، بينما صورت في صفها الثالث مجموعة كباش ونعاج ونباتات. ودلت صور الكباش فيها على الأنواع الشائعة في عصرها، فمنها كباش أفقية القرون ومنها عالية القرون. وكلها قصيرة الذيول ذات طيات سميكة تحت أعناقها وفي مقدمات صدورها. ولا تزال نقوش هذه الآنية تعتبر خير نقوش أواني عصرها٣، بل ولم يعثر بعد على ما يداني نقوشها في آثار عدة قرون تالية لها من الألف الثالث قبل الميلاد.
وظلت نقوش نصب الوركاء متواضعة على الرغم من أن أصحابها قد نجحوا في تنفيذها على الأحجار الصلبة أحيانًا، ومن هذا القبيل جزء من نصب صغير من حجر الجرانيت الأسود "وهو فريد في مادته في بيئته" نقشت عليه هيئة رجل يصيد الأسود بسهامه وآخر يهاجمها برمحه، ويبدو أنهما فردان من جماعة ترمز إلى طبقة الحكام الأوائل الذين أراد الفنان أن يعبر عن بأسهم في مواجهة الحيوانات الضارية وكفاحهم الشاق في سبيل تأمين الحياة في بيئتهم٤. ولم يوفق ناقش النصف في تصوير النسب الجسمية السليمة لهذين
стр. 443
الرجلين، وإن نجح نجاحًا لا بأس به في التعبير عن حركة أذرعها خلال إطلاق القوس وتصويب الرمح، وصورهما بأنف أفعى بعض الشيء.
ثم بدأ فنانو العصر في أواخر فتراته ممارسة تجاربهم لتنفيذ النقش الغائر والنقش المجسم والنقش المفرغ، وكانوا أكثر توفيقًا في النوعين الأخيرين، ومن روائعهما كأس منقوشة من تل أجرب برز من أحد وجهيها بطل أسطوري ربعة، عار إلا من حزام حول وسطه، ذو لحية طويلة ممشطة وشعر مرسل، يضغط بيديه على كفلي شبلين يلتفتان بوجهيهما إليه كأنما يستنكران ضغطه عليهما، وقد بدت آثار الجهد على الرجل في تجاعيد جبهته وانطباق شفتيه واتساع محجري عينيه. وبرز على الوجه الآخر للكأس أسدان فاغرا الفاهين، على مستوى أعلى من مستوى الشبلين.
ووجدت قاعدة كأس حجرية أخرى في تل أجرب أيضًا نقشت عليها هيئة الشيخ الربعة ولكن بخف صوفي "؟ " طويل، يمسك ذنبي أسدين يهاجمان فحلين حرافيين برأسين ملتحيين١. وقد أزال فنان الكأسين جزءًا من الأرضية التي تحيط بأشكال كأسه الأولى، وأزالها تمامًا في قاعدة كأسه الثانية فبدت أشكالهما مجسمة واضحة.
وتعددت محاولات النقش على عدة أوانٍ وكئوس أخرى جمع بعضها بين أسلوب النقش البارز العادي وبين أسلوب الصور المجسمة، كأن ينقش جسم حيوان مثلًا على سطح آنية نقشًا عاديًّا، على حين يبرز رأسه منها بروزًا كاملًا ويواجه الرائي باتساعه كأنه رأس تمثال مجسم٢. وظلت أمثال هذه الأواني على صغرها تعتبر من أدوات الترف ومن كنوز المعابد في عصرها، بحيث طعم بعضها بالصدف والمحار واليشب الأحمر٣.
وخطا فن النحت خطواته البطيئة كذلك خلال بواكير العصر الكتابي، وتخلفت من نماذجه الصغيرة تماثيل لحيوانات أليفة وضارية وتماثيل بشرية وتماثيل كائنات أسطورية وخرافية. وكان من هذه التماثيل ما ينحت قائمًا بذاته، ومنها ما يعتبر جزءًا من تركيبات أخرى، كأن ينحت الصانع أو المثال قاعدة قطعة ثمينة من مقتنيات المعابد والقصور، أو مقدمتها، مثل المباخر والمذابح والأحواض وموائد القرابين وقطع الزينة، على هيئة رأس شاة٤، أو على هيئة كبش بارك يواجه الرائي برأسه بينما يخرج من ظهره قائم معدني يربطه ببقية القطعة التي يتصل بها٥.
وكان من المثالين من يرمز إلى معبوده أو إلى الحارس المقدس الذي يرعى معبده أو يرعى قصر مولاه، بتمثال كائن أسطوري يجمع بين عناصر مختلفة، كأن يجمع بين جسم الأنثى وهيئة القردة ووجه اللبوءة٦.
стр. 444
واستهوت تماثيل النساء الأوائل، كما ظلت تستهويهم في كل عصر، فرمزوا بها إلى رباتهم، وعبروا بها عن بعض شخصيات مجتمعهم، وعن جمال الأنثى بوجه عام. ولم يبلغ أغلب هذه التماثيل حد الإجادة ولكن بعضها لم يخل من الوقت ذاته مما يعبر به عن محاولات فنية ترمي إلى تقليد الطبيعة أحيانًا في صدق تمثيل بروز النهدين وانسياب الشعر النسوي الطويل المرسل١.
ومن خير ما افترضت نسبته إلى هذا العصر من تماثيل النساء، وجه حجري لأنثى عثر عليه في الوركاء٢ يمكن اعتباره مفخرة لعصره إن صحت نسبته إليه فعلًا، بل وقلما بلغ الفن العراقي مبلغ إجادته في تاريخه كله. وقد نحت بحجم يقرب من حجم الوجه الطبيعي "ويبلغ ارتفاعه ٢٠ سم" ويبدو أنه كان ملونًا، وتظهر دقة التمثيل فيه في رقة تكوين ملامح صاحبته ونعومة خديها ورقة شفتيها وخطوط ذقنها ونقوش حاجبيها وانسياب الخصل الرقيقة من مفرقة شعرها على جبهتها، وكانت فجوات عينيها وحاجبيها مطعمة، كما كانت خصل شعرها مكسوة بطبقة معدنية رقيقة. وقد استقامت خلفية الرأس وبقيت فيه ثقوب كانت تستخدم لتثبيته في جسم تمثال صاحبته.
وواصل التطور المعماري طريقه حينذاك في أبنية المعابد والمساكن الرئيسية في عصره. واحتفظت أرض الوركاء، بأطلال معبد عرف باسم المعبد الأبيض٣، أقامه أصحابه من اللبن لمعبودهم آن في نهاية بواكير العصر الكتابي، فوق تل صناعي يرتفع نحو اثني عشر مترًا عن مستوى السهل الممتد حوله ويشرف عليه. وسوروا جوانب هذا التل بسور ذي مشكاوات، واعتبروه فيما يحتمل بديلًا عن أمثال مسطح معبد إريدو، أو هم اعتبروه على الأرجح نموذجًا لأصله الجبلي القديم. يؤدي إلى سطحه طريق صاعد ودرج طويل بقي جزء منه، وتوسط المعبد الأبيض التل واستكملت جدرانه هيئة المستطيل وتشكلت على هيئة مشكاوات متتالية، تعاقبت في كل منها عدة مستويات داخلية، بنيت باللبن كالعادة ودعمتها فلوق نخيل قصيرة، ثم كسيت بملاط أبيض. وتوسطت المعبد مقصورته الرئيسية وتضمنت في داخلها عنصريها الرئيسيين، وهما المذبح ومائدة القربان، ولكن مذبحها كان ذا درج وبلغ ارتفاعه أكثر من متر، وجاور مائدة القربان فيها موقد منخفض نصف دائري. وأحاطت بالمقصورة بضع حجرات فصلت بينها جدران ذات مشكاوات نصفية، وزينت بالمخاريط الملونة - وألحقت بالمقصورة به معابد صغيرة أخرى. وفي بعض مداخله الإضافية شكلت في المعبد أعمدة كاملة وأخرى نصفية المقطع. واستمر تل هذا المعبد باقيًا حتى احتوته أسوار معبد آن الكبير في العصور الهيلينستية، أي بعد بداية البناء فوقه بنحو ثلاثين قرنًا، وقد يعني ذلك أنه كان يرتبط بقداسة خاصة عند أهله أدت بهم إلى المحافظة عليه.
стр. 445
وظل أسلوب المسطحات متبعًا في بناء المعابد جنبًا إلى جنب مع طراز التل، فعثر في العقير على أطلال معبد عاصر معبد الوركاء، أقامه أصحابه قوق مسطحين١ وليس مسطحًا واحدًا، وكان يؤدي إليه درجان. وخطوا بذلك خطوة جديدة، استكملها خلفاؤهم على المدى الطويل حين زادوا أعداد المسطحات أو الطبقات وجعلوها تتراوح بين الثلاثة وبين السبعة، كما سيمر بنا في صفحات تالية. وصورت المناظر على جانبي مقصورة معبد العقير حيوانات قائمة وجاثمة، تميزت منها صور فهود لعلها مثلت الحماية الرمزية للمعبد.
وكشفت التنقيبات الأثرية عن أطلال معابد أخرى، كانت منها معابد فرعية تجاور معبد الوركاء، للربتين إنانا وإيانا٢. ومعبد لإله القمر شيد وسط مساكن بلدة خفاجى تناولته تعديلات كثيرة تميزت منها مرحلة خامسة أصبح يتقدم المعبد فيها ثلاثة أفنية متعاقبة يضمها معه سور كبير٣.
وظلت قوالب اللبن هي مادة البناء الرئيسية طوال ذلك العصر، واستغلها أهله في تشيكل نوعين من الأساطين: أساطين نصف دائرية المقطع تعتمد على جدران ساندة، وأساطين أخرى دائرية المقطع يبلغ قطر الكبيرة منها نحو المترين. واستعان المعماريون على إدخال عنصر الزخرفة في مبانيهم بما أشرنا إليه من تعاقب المشكاوات في واجهاتها المتسعة بما يخفف من حدة استقامتها ويعمل على تعاقب الأضواء والظلال فيها، ثم عن طريق كسائها بطبقة من الملاط وتلوينها بلون واحد كما حدث بالنسبة لطلاء جدران معبد الوركاء بملاط أبيض، أو تصوير صفوف من الحيوانات "والنباتات" عليها، كما حدث بالنسبة لجدران معبد العقير٤. ولما لم يكن من اليسير نقش جدران المباني اللبنية نقشًا غائرًا أو بارزًا، عالج معماريو العصر هذا النقص بعدة وسائل: فكان منهم من ينقشون أفاريز حجرية صغيرة بما تراءى لهم نقشه من رموز الأرباب وصور الحيوانات ثم يثبتونها في الجدران الرئيسية بسيور أو أسلاك تناسبها، عن طريق فجوات في خلفياتها٥. وكان منهم من يرصعون المساحات الصغيرة من الجدران بلوحات فخارية صغيرة يصنعونها على هيئات الحيوانات والزهور ثم يختمون عليها بأطراف أعواد البوص بحيث تبدو أرضيتها كما لو كانت مشكلة من دوائر صغيرة٦.
وكان منهم من يزخرفون الأساطين والجدران بمخاريط فخارية صغيرة "يبلغ متوسط طول الواحد منها نحو عشرة سنتيمترات" يلونون رءوسها المستديرة بألوان سوداء وحمراء ثم يعشقونها متجاورة في الجدران
стр. 446
والأساطين بحيث تؤلف بعض رءوسها الملونة الظاهرة إشكالًا زخرفية تشبه هيئات المثلثات وخطوط الزجزاج١.
وبلغ من افتتان بعض الباحثين بآثار فجر التاريخ العراقي التي أجملنا مظاهرها الأساسية في الصفحات السابقة، أن افترضوا لأصحابها توسعًا سياسيًّا يزيد عن رقيهم الحضاري. فنسب إليهم صمويل نوح كرامر ما أسماه أول إمبراطورية سامية إيرانية في بلاد "ما بين" النهرين، وافترض أن نفوذ هذه الإمبراطورية قد امتد من العراق إلى غرب إيران حيث شمل أرض عيلام، وافترض وجود دولة حاجزة في أقاليم غرب إيران تفصل بين إمبراطورية "ما بين" النهرين هذه وبين البرابرة٢. غير أن مثل هذا الغلو في التقدير ليس له ما يبرره في عصر فجر التاريخ العراقي البعيد، لا سيما إذا قدرنا أن أكثر من خمسة قرون من العصور التاريخية نفسها قد مرت بعد ذلك دون أن يجتمع سكان بلاد النهرين في دولة واحدة، ناهيك بإمبراطورية واحدة! "مع ملاحظة تسميته "بلاد ما بين النهرين"، وليس بلاد النهرين، في الترجمة العربية لهذا الكتاب".
وعلى أية حال فإن بدايات ابتداع علامات الكتابة في أواخر عصر الوركاء، وهي ما سوف نتناولها في سياق حديث خاص في صفحات تالية، تكفي لتمييزها عما سبقها، وتجعلها مبشرة بتحضر واسع يأتي بعدها.
стр. 447
الفصل الرابع عشر: أوائل العصور التاريخية في العراق
عصر بداية الأسرات السومرى
مدخل
...
الفصل الرابع عشر أوائل العصور التاريخية في العراق
عصر بداية الأسرات السومري:
بدأت خصائص العصور التاريخية في العراق في فترة ما تراوحت تقديرات المؤرخين بشأنها بما بين أوائل القرن الثلاثين ق. م. وبين القرن الثامن والعشرين ق. م. وتعددت مراكز التجمع والتحضر حينذاك في النصف الجنوبي من سهول النهرين، وهي سهول عبرت بعض النصوص السومرية عنها باسم "كلام" أو "كالاما"، ورمزت إليها نصوص أخرى بمجموعة العلامات الكتابية "كي - إن - جي"، ثم ذكرتها نصوص القرن الخامس والعشرين ق. م باسم "سومر" أو "شومر"، وهو اسم ليس من المستبعد أنه كان يجري على ألسنة أصحابه قبل ذلك بزمن طويل، ثم شاع فيما بعد أكثر مما سواه والتصق بأهله الذين عرفهم التاريخ باسم السومريين، واستخدمه الساميون خلفاؤهم في قولهم "مات شوميريم" بمعنى أرض شومير١.
وصورت المناظر والتماثيل السومرية خاصة أهلها أميل إلى الامتلاء، مع قصر القامة أو توسطها، وصورت بعضهم بأنف كبير أقنى٢ " ... وجعلتهم حليقي الشوارب، ولم تظهرهم في عصورهم الأولى بلحى إلا في حالات قليلة تبدو اللحى الكبيرة فيها أشبه باللحى المستعارة، بينما أظهرتهم تماثيلهم في أواخر عصر بداية الأسرات بلحى كثة٣. أما شعر الرأس عندهم فمختلف، فمنه الحليق، والقصير، والطويل المعقوص، والمرسل على هيئة الضفائر، وإن بدا في بعض صوره طويلًا كثيفًا أحيانًا مرسلًا على الكتفين وأقرب إلى هيئة الشعور المستعارة٤. وصورت المناظر نفسها أصحابها برءوس عارية إلا من خوذ الحرب وتيجان الحكم. وكانت ثيابهم متنوعة، وأكثرها نصفية فضفاضة تبدأ بثنية عريضة مطوية عند الخصر تؤدي غرض الحزام، وتمتد إلى ما تحت الركبة٥، أو تنسدل إلى قرب العرقوبين٦، وينتهي بعضها بشرائط طويلة مدببة الأطراف مرسلة في صف واحد، أو تكسوها عوضًا عن الشرائط أهداب "من خيوط معقودة" تتعاقب
стр. 448
في صفوف يتلو بعضها بعضًا، على هيئة جزة الغنم أو على هيئة فلوس السمك١. وغالبًا ما يظهر الحكام وذوو الحيثية السومريون بعباءات واسعة يبدو أنها كانت تتخذ من أصواف الأغنام الطويلة الممشطة تمشيطًا جيدًا، ويلتفعون بها بحيث تغطي الكتف اليسرى وجزءًا من ذراعها وتمر من تحت إبط الكتف اليمنى٢. ظهر بعض أولئك الحكام والخاصة بمعاطف فريدة مزركشة يتصل طرفاها بشريط أسفل الرقبة٣، وذلك على الرغم من غلبة الحرارة والرطوبة في الأجزاء الجنوبية من العراق. أما النساء السومريات فقد ظهرن في صورهن القليلة بشعور طويلة مرسلة وبثياب طويلة كاسية.
وتخيل السومريون بعض أربابهم فيما صوروهم به على هيئات بشرية مثالية وبلحى كثة ممشطة وشعور طويلة معقوصة من الخلف. وبملابس تقرب من ملابس الحكام، وتوجوا بعضهم بقرون قد تدل على عصور بدائية عتيقة كان الحكام يزينون تيجانهم فيها بالقرون.
لا زال التاريخ على غير بينة أكيدة من جنس السومريين ومواطنهم الأصيل الذي وفدوا منه على العراق إذا أتوا إليه حقًّا من خارجه. ودفعت إلى الحيرة في تحديد أصلهم الجنسي عدة أسباب، كان منها: اختلاف لغتهم المكتوبة عن اللغات السامية المألوفة مع صعوبة تقريبها في الوقت نفسه إلى مجموعة اللغات الآرية المعروفة وذهب فرض حديث إلى تقريبها إلى مجموعة اللغات التي تأخذ بطريقة الإلصاق " Agglutination" مثل المجموعة الأسيانية أو مجموعة الأورال طاي٤ "ومن مظاهر الإلصاق إدراج لفظين أو أكثر لتكوين كلمة جديدة، وإدماج الضمير في الفعل المتصل به"، ولكن بغير أدلة مقنعة. ولوحظ من جهة أخرى أن من أسماء المعالم الرئيسية في أرض العراق والتي تضمنتها النصوص السومرية نفسها ما يختلف في لفظه عن مفردات لغة أصحابها ويختلف عن مسميات اللغة السامية في الوقت نفسه، مثل أسماء: دجلة "إديقلات"، والفرات "بورانون، بورنونا"٥، وإريدو، وشوروباك ... إلخ، وذلك مما قد يوحي باختلافهم في الجنس أو اللغة عمن لحقوا بهم أيضًا. ثم زاد الشك في وحدة جنسهم أن تبين بعض الباحثين أن جماجمهم الباقية قد جمعت بين خصائص الرءوس السامية الطويلة وبين خصائص أصحاب الرءوس العريضة من غير الساميين٦، وهذه ظاهرة يمكن أن تقرن بما أسلفناه عن تصوير بعضهم بأنف أقنى، وهي أنف غير مألوفة كثيرًا في الملامح السامية.
стр. 449
وجرى السومريون على عادة أهل بواكير العصر الكتابي الذين سبقوهم في مجالات الحضارة بالعراق، في تشييد بعض هياكل أربابهم فوق مسطحات مرتفعة، وصوروا الأرضيات التي يعتليها أولئك الأرباب في مناظرهم الدينية، على هيئة مدرجات الجبال وكومات الأحجار، وذلك مما يعني أنهم شاركوا أصحاب حضارة الوركاء، أو حضارة بواكير العصر الكتابي، في فكرة تعويض معابد آلهتهم عن قممها العالية في بيئاتهم الجبلية القديمة بالمسطحات الصناعية العالية في سهول العراق. وقد يتصل بهذه الظاهرة الجبلية ما جروا عليه من تسمية مبعد إلههم إنليل في مدينة نيبور السومرية باسم "إكور" وهو اسم يحتمل أن يعني معنى "البيت الجبلي"، ثم ما وصفوا به ربتهم إنانا في إحدى أساطيرهم بأنها ملكة السماء الجليلة التي تسكن "جبال" الأرض الحالية شوبا، وروايتهم عن معبودهم أوتو رب الشمس، في الأسطورة نفسها، رغبته في أن يشيد أتباعه معبدة متساميًا "كالجبل" المقدس ويكون مزاره فيه كالغار، وأن يجلبوا له أحجاره من جبال أرتا "في إيران" لبنائه١.
ومرة أخرى قد يتصل بهذا الأصل الجبلي المفترض، وصلة أسلافه السومريين المقترحة بمرتفعات إيران، ما استشهدنا به من صلة بعض الأرباب السومريين بدنيا المرتفعات. ثم ما أتت به أسطورتان لملك سومري يدعى إنمركار اعتبرته القوائم السومرية المتأخرة ثاني ملوك الأسرة الأولى في مدينة أوروك بعد الطوفان٢. وقد روت إحداهما أن الربة إنانا قد اصطفته من بلاد شوبا الجبلية، ثم وصفته بأنه المحتبى بالإمارة في البلاد "الجبلية المحصنة"، وأنه الراعي الذي ولدته البقرة الأمينة في "جوف الجبال". وكل ذلك مما يحتمل معه الربط بين أصول الرجل وأسطورته وبين منطقة ما من مناطق المرتفعات، وروت الأسطورتان أن ملكهما إنمركار كان على علاقة بمدينة أرتا وملكها، وهي مدينة تقع في منطقة جبلية بعيدة افترض صمويل كرامر أنها منطقة أنشان في بلاد عيلام "في إيران"، وسمحت له هذه العلاقة بأن يطلب من ملكها أحجارًا ومعادن ثمينة لبناء معباد أربابه وزخرفتها، في مقابل تصدير الغلال إليه، ولو أنه يبدو من الأسطورتين أن روح التنافس الخفي بين الملكين جعلت كلًّا منهما يتعالى على الآخر في طلبه ويضمر له الغدر في نفسه.
وبناء على هذه المشكلات والشبهات، اتجهت الآراء في تخمين أصل السومريين إلى عدة مذاهب، كان منها ما افترض أصحابه أن أجداد السومريين هاجروا إلى العراق من المرتفعات الشمالية والشمالية الشرقية التي تحف به، عن طريق أرمينيا وإيران. ولو أنه يمكن أن نستبعد أرمينيا أساسًا من هذا الفرض، على اعتبار أنه كان من المستبعد أن يهبط المهاجرون منها وهم أولو قوة ويتجاوزوا المناطق الصالحة للاستيطان القريبة منها في شمال بلاد النهرين ليذهبوا بعيدًا عنها ثم يستقروا في الأجزاء الجنوبية التي كانت أطرافها لا تزال حينذاك وحشية الطابع تتطلب مجهودات كبيرة لتهذيبها وتيسير الانتفاع بها. ومن المعروف أن الأطراف
стр. 450
القصوى لهذه الأجزاء، التي تسمى الآن باسم شط العرب، وإن توفرت لها أهمية خاصة بحكم إشرافها على الخليج العربي ومصاب النهرين وبحكم اعتبارها من مناطق الاتصال بين العراق وبين إيران، إلا أنه تعقبها شمالًا في أرض العراق منطقة منخفضة كثيرة المناقع قليلة الصلاحية للزراعة والعمران الدائم، كثيرة التعرض لأخطار الفيضان. ويلي هذه المنطقة شمالًا منطقة النشاط الحضري القديم في بلاد النهرين.
وإلى جانب هذا الفرض رأي ذهب فيه صمويل كرامر إلى اعتبار السومريين بدوا مما وراء القوقاز، أو مما وراء بحر قزوين، اندفعوا على مناطق غرب إيران فيما يعاصر عهد العبيد أو أوائل الوركاء، ونجحوا في اقتباس حضارة بلاد النهرين التي امتدت منها "على حد رأيه" عبر حدود إيران، ثم استعانوا بما تعلموه منها، وبخفة الحركة البدوية في الاندفاع إلى جنوب العراق منذ الربع الأخير من الألف الرابع ق. م وسيطروا عليه تدريجيًّا خلال فترة من فترات حضارة الوركاء، وكان لما أشاعوه به من الاضطراب حينذاك أثر في بداية فترة ركود حضاري شملته، وإن يكن قد نشأ خلال هذه الفترة نفسها "حوالي القرن الثلاثين ق. م" عصر البطولة السومري الذي قام على الشجاعة الفردية للقادة السومريين ومحاولاتهم لتملك زمام السلطة في المناطق التي نزلوها، لا سيما وأنه لم يكن عليهم أين يبسطوا سلطانهم عليها وحدها، وإنما كان عليهم أن يواجهوا في الوقت نفسه هجرات سامية من ناحية الغرب لم تكن تنقطع اندفاعاتها على حدود العراق. وعندما تمت الغلبة السومريين وتم اندماجهم في السكان الأصليين الذين كانوا أرقى حضارة منهم، بدأ العصر الشبيه بالكتابي في العراق حوالي القرن التاسع والعشرين ق. م، على حد قوله١.
وافترض رأي ثالث أن السومريين هاجروا من منطقة ما تقع فيما بين شمال الهند وبين أفغانستان وبلوخستان، واستقروا بعض الزمن في غربي إيران، ثم نزحوا منها إلى بلاد النهرين عن طريق الخليج العربي وجزيرة البحرين٢. وزكى أصحاب هذا الفرض رأيهم بما لوحظ من تشابه أوائل طرز الفخار السومري القديم وزخارفه في بلاد النهرين مع نماذج الفخار القديمة التي انتشرت جنوبًا بشرق حتى منطقتي خاربا وموهنجو دارا بسهول السند٣، وذلك مما قد يوحي بوجود روابط جنسية وحضارية بدائية قديمة بين أهل هذه النواحي الذين سبقوا الأجناس الهندوآرية في سكناها، والذين يكفي أن يقال عنهم إنهم من الفروع المبكرة للسلالات الآسيوية أو الأسيانية Asianic. وذلك مع تقدير ما ألمحت إليه الأساطير السومرية من أن أصحابها الأوائل هاجروا من الجنوب عن طريق البحر في عصور كان الناس لا يزالون يسعون فيها على أربع، على حد روايتها، واستقروا حينًا في جنة تلمون "أو دلمون"، وهي فيما يرجح جزيرة البحرين الحالية٤، تلك التي روت الأساطير السومرية أنه لم يكن ينعق فيها غراب أسود، ولا يفترس
стр. 451
أسد، ولا يعتدي ذئب على حمل، ولا تحني الحمامة رأسها. ولا توجد أرملة، ولا مرض فيها ولا شيخوخة، ولا نواح ولا رثاء، ... ولكن كان ينقصها الماء إلى أن أوحى إنكي "رب الحكمة" إلى أوتو "رب الشمس" بأن يزودها بينابيع المياه العذبة، ففعل، وتحولت بستانًا أنبتت فيه ننخرساج "الإلهة الأم" ثمانية أنواع من النباتات على غفلة من إنكي نفسه١. ثم نزحوا منها بعد ذلك إلى "كالاما" بالعراق لأمر ما لم تسجله الأسطورة.
ونفى رأي آخر اعتبار السومريين أغرابًا، وتشكك أصحابه في نتائج دراسة جماجمهم، وافترضوا أن الرءوس العريضة بينهم ترتبت على اتصالات متقطعة بين سكان العراق ذوي الأصل السامي في فجر التاريخ وبين جيرانهم ذوي الأصل ما قبل الآري ذوي الرءوس العريضة، دون أن يتأتى عن وحدة جنسية لازمة بين الفريقين. ولكن صعب على أصحاب هذا الرأي تعليل اختلاف لغة السومريين عن اللغات السامية. وعندما أراد بعضهم أن يوازنوا بين هيئات أرباب العصر السومري ذوي اللحى الكثة والشعور الكثيفة والملابس الصوفية التي تقربهم إلى هيئات الرعاة الساميين، وبين جماهير السومريين حليقي اللحى والرءوس، لم يزيدوا الأمر غير تعقيد٢. وإذا كان هناك ما يمكن تعديل رأيهم به فهو احتمال اعتبار السومريين فرعًا من الجنس القوقازي يختلف عن الفرع السامي، دون أن ينفي هذا تواجد الساميين معهم على أرض العراق وإن ظل نفوذهم أقل من نفوذ السومريين لعهود طويلة.
على أنه مهما يكن من أمر هذه الآراء التي لا زال كل منها بحاجة إلى قرائن جديدة تؤيده أو تغلبه على غيره، فالذي لا شك فيه هو أن السومريين في أوائل العصور التاريخية، قد انتفعوا بالحضارات التي سبقتهم في بواكير العصر الكتابي، ثم طوروها إلى ما يتفق مع مطالب عصرهم وأذواقه، وكان من أوضح روابط التطوير هي علامات الكتابة وأساليب البناء باللبن وأساليب النقوش.
стр. 452
الكتابة المسمارية:
ظهرت تباشير الكتابة فيما يحتمل منذ المراحل الأخيرة لحضارة الوركاء، أو حضارة حمدة نصر، في فجر التاريخ العراقي القديم، كما أسلفنا، وبدأت بالطريقة التصويرية أو التصورية التي تعبر كل صورة منها عما تمثله على وجه التقريب، وهي طريقة تصلح للتعبير عن الماديات ولكنها لا تكفي للتعبير عن المعنويات، وقليلًا ما تعبر عن الفكرة بشيء مادي يرمز إليها كالذراع الذي يعبر عن القوة، أو القدم التي تعبر عن حركة
стр. 453
المشي شأنها في ذلك شأن الكتابة المصرية في بداية ظهورها. وعثر على بعض نماذج هذا الطور الكتابي على لوح حجري صغير رقيق من مدينه كيش صورت علاماته التصويرية ما يمثل الوجه والقدم وواجهة المسكن وما إليها داخل مستطيلات متسعة تتحدد بخطوط تفصل بين كل واحد منها والآخر. ونموذج ضغير آخر نقشت علاماته التصويرية في مستطيلات ضيقة تتعاقب في أنهر رأسية١. ثم تطورت الكتابة على أيدي السومريين بخاصة إلى المرحلة الصوتية التي تؤدي علاماتها وصورها وظائف المقاطع الصوتية ويقصد بها لفظها أكثر من شكلها ويمكن التعبير عن المعنويات، ومن ذلك استخدام الصورة المختصرة للجذع الأعلى للإنسان للدلالة على المقطع "لو" الذي يعبر عن معنى رجل أو إنسان، وفقا لسياق الكلام. واستخدام الصورة المختصرة لجريان الماء للتعبير عن الماء "آ" وعلى حرف "في". واستخدام صورة السمكة للدلالة على السمكة "خا" وللتعبير عما يوازي لفظ "لعل". واستخدام صورة النجم للتعبير عن اللفظ "آن"، وعن السماء، وعن لفظ إله "دنجر"، وعن معنى السمو، فضلًا عن دلالتها على النجم نفسه وعثر على عشرات اللوحات في الوركاء، قد ترجع كتابتها إلى هذا الطور التصويري المقطعي٢.
وزاد السومريون علاماتهم المقطعية الصوتية مع توالي الزمن واستمرار الخبرة حتى أوفت بمطالب حضارتهم، وبلغت أشكالها مبلغًا عدديًّا كبيرًا، ثم عادوا فيسروها عن طريق تركيز أعدادها وأشكالها، واتجهوا بها وجهة خطية، فقللوا انحناءاتها ودوائرها كيما تتناسب خطوطها الحادة الجديدة مع طبيعة اللوحات الطينية اللينة التي استحبوا الكتابة عليها ووجدوها أقرب في التناول وأيسر في الكلفة من قطع الحجر، وهي لوحات كانوا يتخيرون طميها نقيًّا ناعمًا ويصبونه في قوالب ذات أشكال متعارف عليها، فتخرج اللوحة على هيئة القرص مسطحة الوجهين، أوعلى هيئة ربع الدائرة مستوية السطح محدبة الظهر، أو على هيئة المسطيل، وقليلًا ما تكون على هيئة المخروط. وقد يتركونها على حالها بعد الكتابة أو يجففونها في حرارة عادية بحيث تكتسب صلابة مناسبة، ويلفون أهمها بنسيج يمهرونه بختم صاحبها فوق قطعة من الطين اللزج، لا سيما إذا كانت لوحة لها اعتبارها أو كانت ستنقل من مكان إلى آخر على هيئة الرسالة. وشاعت هيئة الاستطالة في الألواح منذ خواتيم العصر السومري القديم، وأصبحت اللوحات الهامة منها تحرق في أفران وتحفظ في أغلفة طينية بعد أن ينثر عليها قليل من مسحوق الطمي الجاف ليمنع التصاقها بغلافها، ذلك الغلاف الذي كان يجب كسره مرة ثانية بطبيعة الحال قبل قراءة لوحته الداخلية.
وكتب السومريون عباراتهم في بداية عصورهم دون ترتيب ثابت "في مثل نص أوتوج حاكم كيش على نذر للمعبود إنليل، ونص على رأس مقمعة ميسيلم حاكم كيش أيضًا". ثم أصبحوا يرتبون عباراتهم في أنهر رأسية يفصل بين كل نهر منها وآخر خط رأسي "في مثل لوحة أورنانشه ولوحة إياناتم". وكانوا يبدءونها من اليمين أو من اليسار. ثم انتهو أخيرًا إلى تفضيل السطور الأفقية. وكان منهم يكتبون وجهي
стр. 454
اللوحة بعد قلبها رأسًا لعقب بحيث يقابل النهر الأول من ظهرها النهر الأخير من سطحها، كما كان منهم من استعاضوا عن اللوحات أحيانًا بكتل طينية مجسمة على هيئة الأسطوانة، أو هيئة المنشور، رغبة في أن تتسع سطوحها للنصوص الطويلة.
واستمرت موجة الاختزال تعمل عملها البطيء في العلامات السومرية. وواصلت وجهتها التخطيطية حتى غدت هيئة كل علامة منها تشبه هيئة المسمار، وذلك مما دعا إلى تسمية كتابتها اصطلاحًا باسم الكتابة المسمارية "أو الكتابة الإسفينية". وقد ناسبت هذه الكتابة في هيئتها الجديدة استخدام أهلها أقلام الغاب والخشب "والمعدن" ذات السن المدبب، ثم الأقلام المنشورية المقطع التي انتهوا إلى الكتابة بها فأصبحت بدورها من أسباب تسمية الكتابة بالكتابة المسمارية. وظل السومريون منذ ذلك الحين يصورون خطوطهم الجديدة رأسية وأفقية ومائلة، متجاورة، ومتصلة أو متقاطعة، وإن احتفظوا لعدد منها بهيئاته التصويرية القديمة، مثل صورة القدم والسهم والمشط وبعض الأغصان والأزهار، وهي صور استخدمت لذاتها أحيانًا، ولتكون مخصصات لكلمات تتصل بها أحيانًا أخرى. كما تخففوا شيئًا فشيئًا من الفواصل الرأسية التي كانت تفصل بين كل جملة وأخرى.
لم تميز الرموز الصوتية السومرية كثيرًا بين الحروف المتقاربة في النطق، مثلما بين حرفي د، ت، وما بين حروف ج، ك، ق، وما بين حرفي س، ز "وذلك مما أحس الساميون بالنقص فيه عندما أصبحوا يكتبون لغتهم بالكتابة المسمارية حاولوا تعويضه منذ العصر الأكدي في أعقاب عصر بداية الأسرات السومري". غير أن المقاطع السومرية تميزت في مقابل هذا النقص بتضمنها ما يؤدي غرض حروف الحركة التي تنقص أغلب الكتابات السامية القديمة، وذلك حين توضيحها للتعبيرات المركبة التي تتألف من "حرف حركة + حرف ساكن" أو تتألف من "حرف ساكن + حرف حركة"، أو تتألف من "حرف ساكن + حرف حركة + حرف ساكن".
وعمل السومريون على الجمع بين القديم وبين المستحدث في كتابتهم، شأنهم في ذلك شأن أغلب الشعوب الزراعية المحافظة القديمة، "مثل الشعب المصري" وترتب على ذلك أن كتبتهم كانوا يكتبون الكلمة الواحدة بصورتين أحيانًا، وبالطريقتين التخطيطية والصوتية معًا. فكلمة "ماتو" بمعنى أرض، قد يكتبها الكاتب السومري بثلاث علامات مسمارية بسيطة تدل عليها ثم يتبعها بثلاث رموز صوتية تساوي "ما - آ - تو"، وذلك فضلًا عن التجائه إلى إضافة المخصصات التصويرية إلى كلماته أحيانًا، كما ألمحنا من قبل، مثل إلحاق علامة الشجرة بأسماء الأشجار وأنواع الخشب والمصنواعات الخشبية، وإلحاق علامة المكان بأسماء الأقطار والبلدان ... ، إلخ.
واستمرت الكتابة المسمارية في تطورها، وانتقلت بخصائصها من لوحات الطين الشائعة إلى لوحات الحجر والمعدن حيثما توفرت "مع بقاء الغلبة للوحات الطين"، وكانت جهود السومريين الأوائل في تطويرها بمثابة حجر الزاوية لها. وظلت تختلف عن الكتابة المصرية القديمة التي نافستها شهرتها في العالم القديم،
стр. 455
في أربعة أمور وهي: سهولة التعبير عن الحركات في مقاطعها، وتخليها عن الصور الطبيعية الأصلية في أغلب أحوالها، وذلك في مقابل تطورها إلى مرحلة الحروف الهجائية وعدم استفادة أصحابها من مواد الكتابة التي عرفها المصريون لا سيما صفحات البردي وأنواع المداد. ولو أن هذه الاختلافات كلها لم تحل دون استمرارها قرونًا طويلة عند السومريين وعند من تلاهم من الساميين، بل ولم تقف دون شيوعها من العراق إلى ما يتصل به في شمال بلاد الشام وغرب إيران وشرق الأناضول. وعندما قل استخدامها في أواخر التاريخ العراقي، وغلبت الكتابة الأرامية عليها شيئًا فشيئًا، انطوت في ظل النسيان وأصبحت مجرد رموز وطلاسم، حتى بدأت الدراسات الحديثة تكشف النقاب عنها مرة ثانية منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي١ "راجع ص٣٧٣".
وسجل السومريون أعدادهم على هيئة دوائر وأنصاف دوائر أحيانًا، وعلى هيئة خطوط مسمارية قائمة ومائلة تشبه في جملتها هيئة المربعات والمعينات أحيانًا أخرى، واعتبروا العدد ٦ بداية الكثرة في الآحاد بعد العدد ٥ الذي يمثل نهاية العد على أصابع اليد الواحدة، كما اعتبروا العدد ٦٠ بداية الكثرة في العشرات، وكانوا يرمزون إليه بعلامة مسمارية قائمة شأنه في ذلك شأن الواحد بداية العد. ولعل التقسيم الستيني الحالي للساعات والدقائق كان متأثرًا نوعًا في أصله البعيد بعلم الفلك البابلي المتأثر بدوره بعلم الرياضيات السومري.
وتوافرت للكاتب السومري مكانته في مجتمعه، وكان الكتبة لا يزالون قلة، ويبدو أنهم ظلوا ألصق بالمعابد منهم بغيرها. وظل الناس يحسون بأهميتهم حين يعاملونهم بأسماء الحكام ورؤساء المعابد، وحين يلجئون إليهم لكتابة عقودهم وتحرير رسائلهم أو قراءتها. وكان كتبة الأرشيف يحفظون لوحاتهم الهامة في جرار وسلال يعنونونها ببطاقات صغيرة مسطحة أو بيضية أو مستديرة ويسجلون عليها طبيعة محتوياتها. ومن هذا القبيل ما ذكرته بطاقة صغيرة سجل عليها كاتبها: "لوحات ما جاء به سماكو البحر وسماكو النهر - بارتامتارا زوجة لوجالاندا إنسي لجش - السنة الثانية"، وكان لهذه الزوجة الملكية كاتب خاص سجل على ختمه عبارة "أنيجال كاتب دائرة الزوجة"٢.
стр. 456
العمارة الدينية "والزقورات ":
توسع السومريون في البناء باللبن، وأزادوا استخدام الآجر الذي استخدمه أسلافهم على نطاق ضيق في بواكير العصر الكتابي١. واستعاضوا به إلى حد ما عن قلة الأحجار في بيئتهم. وشكل المعماريون بعض قوالب اللبن في بداية عصرهم بوجه مسطح وآخر محدب " Plano-Convex"، واستخدموها في المداميك
стр. 457
الرأسية في مبانيهم، وفي عمل العقود فوق الأبواب١، وإن ظلوا يستخدمون معها القوالب العادية الشائعة مسطحة الوجهين٢. واستخدموا الدبش والأحجار الغفل لتدعيم أساسات المباني الكبيرة٣.
وكالعادة ظلت أطلال المعابد الكبيرة والقصور الكبيرة أكثر بقاء من غيرها، وجرى السومريون على بناء هياكلهم الرئيسية فوق مسطحات عالية، إلى جانب بناء المعابد الأرضية العادية. واشتهرت معابد المسطحات "بعد تطويرها" باسم "زقورة" وبمعنى القمة المرتفعة أو المدببة، وأطلق السومريون اسم "شاخورو" بمعنى "قاعة الانتظار" على كل من الهيكل العلوي الذي يعلو الزقورة وعلى القاعة التي تسبق قدس الأقداس في المعابد الأرضية، ويبدو أنهم عنوا به في الحالة الأولى قاعة انتظار تجلي المعبود في مناسبات خاصة، ثم عرفوها بهذه الصفة باسم "جيجونو". وليس ما يعرف عن هذه المناسبات الخاصة غير إشارات تضمنتها نصوص متأخرة وتحدثت فيها عن أعياد رأس السنة "الزراعية" والزواج المقدس لبعض الأرباب ومنهم دوموزي رب الخصب، الذي يظل حبيسًا في العالم الآخر خلال فصل الجفاف، فتأسى عليه زوجته أو أمه ويشاركها الناس أساها بالعويل والرثاء والدعاء قبيل بداية كل رأس سنة جديدة، وتستمر طقوسهم حينذاك عدة أيام يعتقدون أن دوموزي قد تخلص بعدها من عالم الفناء وبعث من جديد، وحينئذ يعلن الكهنة بداية الزواج المقدس في هيكله، كناية عن عودة الخصب وبداية موسم زراعي جديد، وهكذا وصف دوموزي في بعض نصوصه "المتأخرة أيضًا" بأنه "زوج إشتار العروس ... خالف بذرة الكباش رءوس القطعان"، وقيل عن رب مدينة لجش في مناسبة مماثلة إنه حين يهبط للزواج المقدس بقرينته يكون "كالعاصفة الهادرة والطير الجارح". ولا زال الباحثون يرتبون على هذه الأعياد، صورًا وتخريجات يستوحونها من النصوص ولكن دون أن يصلوا بها إلى حد اليقين، فيرى بعضه أنه ليس المعبود وحده هو الذي يتزوج زواجًا رمزيًّا في عيد رأس السنة، وإنما اقتضت التقاليد كذلك بأن يدخل الملك الحاكم بمناسة كل عيد بكاهنة ممن نذرن أنفسهن للمعبودة إنانا ربة الحب والتوالد "وصفات أخرى" ضمانًا لخصب التربة وخصب الأرحام، ويستشهد أصحاب هذا التخريج بأغنية سومرية متأخرة تعتبر العروس المقدسة فيها الملك "شوسين آخر ملوك أمور" عريسها وتذكر أنه أسر قلبها وأنها تواجهه واجفة، ثم تخاطبه بلقب الأسد وتطلب إليه أن يحتبيها لنفسه، وتعرض عليه أن تُدلِّله بتلديل أشهى من الشهد، وأن يدللها بدوره ويضاجعها حتى مطلع الفجر ... ٥.
ويبدو أن أعياد الزواج هذه كانت تأخذ طابع المرح "بعد أيام النواح والدعاء"، ويجري فيها ما يجري في الأفراح من ولائم ورقص وعزف وقصف، ويدخل المحتفلون ومعهم الأغصان الخضراء وكئوس
стр. 458
الشراب على تمثال معبودهم الذي يمثل أحيانًا يمسك كأس شرابه بين يديه هو الآخر. "وعثر في معبد بمدينة خفاجى من أوائل العصر السومري على أكثر من ٦٠٠ كأس مهشمة يبدو أنها كانت من مخلفات أمثال هذه الأعياد"١.
ولا زال اسم دوموزي باقيًا في تسمية شهر تموز، ويقرن الاعتقاد في بعثه المتجدد بالاعتقاد في بعث أوزير رب الخصب وخلوده في المجتمع الزراعي المماثل في مصر القديمة.
واحتفظت مدن العراق بأطلال بسيطة لمعابد سومرية قديمة منها معبد بلدة خفاجى، وقد بُني وسط مساكن بلدته، وشيد بالتخطيط المستطيل المعتاد فوق مسطح بلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار ونصف المتر، وتقدمه "في مرحلة تجديده الحادية عشرة" فناء صغير، وأحاطب به حجرات جانبية ضمه معها سور بيضي. وتقدمت هذه المجموعة ساحة كبيرة أخرى تضمنت فيما يبدو مباني الإدارة ومساكن الكهنة وأتباع المعبد، وأحاط بهذه الساحة وبمجموعة المعبد معًا سور بيضي آخر كبير يحف بمدخله صرحان مرتفعان٢.
ومن نماذج أطلال المعابد الأخرى الباقية، معبد في العقير "جنوبي بغداد بنحو خمسين ميلًا"٣، تألف من دكة "مرتفع ممهد" على هيئة نصف الدائرة العلوي، شكلت جدرانها الخارجية بمشكاوات رأسية، ولها درجان متقابلان في نهايتي واجهتها، ويعلوها مسطح يؤدي إليه درج، ويعلو هذا المسطح بناء المعبد العلوي وهو مستطيل شكلت جدرانه الخارجية بمشكاوات رأسية لونت بجص أبيض. وتألف المعبد في داخله من مقصورة رئيسية تتضمن المذبح ومائدة القرابين ويحيط بها صفان من أربع حجرات، وكسيت جدران المقصورة الداخلية بملاط أبيض رسمت عليه أفاريز ملونة من أشكال هندسية وأشكال بشرية وحيوانية، ومنها أشكال نمور أو لبوءات مرقطة رائعة التصوير بالنسبة لفنون عصرها.
واحتفظت بلدة العبيد بأطلال ثلاثة معابد متعاقبة بُني بعضها فوق أطلال بعض، ويحتمل أن أولها هو معبد "آ - آني - بادا" أحد ملوك أسرة أور الأولى في عصر بداية الأسرات السومري. وتضمنت أطلاله الباقية أجزاء بسيطة من قاعدته وجدرانه واجهته اللبنية ذات المشكاوات الرأسية، ودرجًا حجريًا كان يؤدي إلى ربوته، وعدة آثار فنية أخرى صغيرة، وذلك مما سمح للأثرى الأستاذ C.L.Woolley بتخيل صورة تقريبية لما كان عليه هذا المعبد حين إنشائه، ولو أنها صورة مغالية بعض الشيء بالنسبة لعصرها، فهو يتخيله فوق مرتفع "مكسو" بالآجر يؤدي إليه درج عريض من الحجر المستورد، ويقوم على رأس الدرج مدخل ذو أعمدة، يربض على جانبيه أسدان نحاسيان في حجمهما الطبيعي "؟ " طعمت عيونهما وأسنانهما باليشب والصدف، ورفعت أسكفة الباب على أسطوانتين من جذوع النخيل طعم
стр. 459
مسطحاهما بصفوف من الفسيفساء مثبتة بالقار ومشكلة على هيئة مثلثات ومعينات تتعاقب فيها ألوان الأحمر والأسود ولون الصدف، وبعلو الأسكفة لوحة مستطيلة صفحت بالنحاس وشكلت واجهتها بشعار إله المعبد، هذا بينما زخرفت الجدران الداخلية الرئيسية لمقصورة المعبد بنقوش بارزة تمثل أنعامًا وعقدًا من أزهار مختلفة ألوانها، تعلوها أفاريز من لوحات خشبية محوطة بأطر نحاسية أرضيتها عجينة سوداء طعمت بقطع دقيقة من المحار والحجر الجيري تمثل صفوفًا من الطير وصفوفًا من الثيران يعلو بعضها بعضًا، وتألفت صورة كل ثور من ست أو سبع قطع من الصدف صنعت ورتبت بحيث تعبر عن تدرج مسطح جسم الحيوان. ثم صفوف لبقرات حلوب وعجول صغار كممت أفواهها حتى لا تزيح الحالبين عن ضروع أمهاتها. ومناظر تعبئة اللبن وصبه بأقماع في قدور كبيرة. ويضيف وولي إلى ذلك أنه كانت تلتصق بجدران المعبد تماثيل نحاسية، وتتضمن داخليته تماثيل حجرية ومزاهر سجل عليها مهدوها الأتقياء أسماءهم. ولو أن هذا كله فيما يبدو لا زال يحتمل الشك من حيث الصورة وربما من حيث الزمن أيضًا.
وعلى أية حال فقد صورت نقوش العصر وآثاره القليلة الباقية ما تضمنته معابده من كنوز فنية تناسب عهودها، فصورت عروش الأرباب تحملها تماثيل الأسود والفحول الباركة، وصورت موائد الطيوب والدهون تحملها تماثيل معدنية على هيئات حيوانية لطيفة١. وذلك بطبيعة الحال فضلًا عما كانت تتضمنه من تماثيل أربابها وحكام مدنها وربما كبار كهنتها أيضًا.
واعتاد بناة المعابد السومرية على أن يضعوا في أساساتها ودائع من تماثيل ولوحات وأوانٍ تتناسب مع أهميةالمعبد ورخاء عهد، وثراء الحاكم في بلدة. وعادة ما كانت هذ الودائع توضع في صناديق من الآجر الممزوج القار، ويكون من تماثيل الحاكم الصغيرة فيها ما يمثله يحمل قصعة ملاط على رأسه باعتباره باني المعبد ورمزًا على اشتراكه الفعلي في وضع أساسه٢. ويعتقد بعض الباحثين أن كلمة "هيكل" التي لا تزال تستعمل بين رجال الدين العبرانيين والمسيحيين، كانت سومرية الأصل وكانت تكتب إكللو أو " E-Gallu" بمعنى البيت الجليل، ثم انتقلت إلى العبرية وأضيفت إليها هاء التعريف وتناولها بعض التصحيف. وإذا صح ذلك انضاف إلى بقية تأثيرات العهود السومرية على ما أتى بعدها، على الرغم من قدم زمنها.
стр. 460
العقائد:
احتفظ الحكام السومريون الأوائل برياسة الدين من الناحية الرسمية، ولكنهم نحلوا الإشراف الفعلي على الكهنوت لأبنائهم وكبار أعوانهم من الناحية الواقعية. واندرج في سلك الديانة عدد كبير من طوائف الكهنة والكاهنات، أولئك الذين كانوا يتلون التراتيل والتعاويذ ويقدمون القرابين ويعنون بالتماثيل ويترجمون