← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

العمارة الدينية "والزقورات ": توسع السومريون في البناء باللبن، وأزادوا استخدام الآجر الذي استخدمه أسلافهم على نطاق ضيق في بواكير العصر الكتابي١. واستعاضوا به إلى حد ما عن قلة الأحجار في بيئتهم. وشكل المعماريون بعض قوالب اللبن في بداية عصرهم بوجه مسطح وآخر محدب " Plano-Convex"، واستخدموها في المداميك

стр. 457

الرأسية في مبانيهم، وفي عمل العقود فوق الأبواب١، وإن ظلوا يستخدمون معها القوالب العادية الشائعة مسطحة الوجهين٢. واستخدموا الدبش والأحجار الغفل لتدعيم أساسات المباني الكبيرة٣. وكالعادة ظلت أطلال المعابد الكبيرة والقصور الكبيرة أكثر بقاء من غيرها، وجرى السومريون على بناء هياكلهم الرئيسية فوق مسطحات عالية، إلى جانب بناء المعابد الأرضية العادية. واشتهرت معابد المسطحات "بعد تطويرها" باسم "زقورة" وبمعنى القمة المرتفعة أو المدببة، وأطلق السومريون اسم "شاخورو" بمعنى "قاعة الانتظار" على كل من الهيكل العلوي الذي يعلو الزقورة وعلى القاعة التي تسبق قدس الأقداس في المعابد الأرضية، ويبدو أنهم عنوا به في الحالة الأولى قاعة انتظار تجلي المعبود في مناسبات خاصة، ثم عرفوها بهذه الصفة باسم "جيجونو". وليس ما يعرف عن هذه المناسبات الخاصة غير إشارات تضمنتها نصوص متأخرة وتحدثت فيها عن أعياد رأس السنة "الزراعية" والزواج المقدس لبعض الأرباب ومنهم دوموزي رب الخصب، الذي يظل حبيسًا في العالم الآخر خلال فصل الجفاف، فتأسى عليه زوجته أو أمه ويشاركها الناس أساها بالعويل والرثاء والدعاء قبيل بداية كل رأس سنة جديدة، وتستمر طقوسهم حينذاك عدة أيام يعتقدون أن دوموزي قد تخلص بعدها من عالم الفناء وبعث من جديد، وحينئذ يعلن الكهنة بداية الزواج المقدس في هيكله، كناية عن عودة الخصب وبداية موسم زراعي جديد، وهكذا وصف دوموزي في بعض نصوصه "المتأخرة أيضًا" بأنه "زوج إشتار العروس ... خالف بذرة الكباش رءوس القطعان"، وقيل عن رب مدينة لجش في مناسبة مماثلة إنه حين يهبط للزواج المقدس بقرينته يكون "كالعاصفة الهادرة والطير الجارح". ولا زال الباحثون يرتبون على هذه الأعياد، صورًا وتخريجات يستوحونها من النصوص ولكن دون أن يصلوا بها إلى حد اليقين، فيرى بعضه أنه ليس المعبود وحده هو الذي يتزوج زواجًا رمزيًّا في عيد رأس السنة، وإنما اقتضت التقاليد كذلك بأن يدخل الملك الحاكم بمناسة كل عيد بكاهنة ممن نذرن أنفسهن للمعبودة إنانا ربة الحب والتوالد "وصفات أخرى" ضمانًا لخصب التربة وخصب الأرحام، ويستشهد أصحاب هذا التخريج بأغنية سومرية متأخرة تعتبر العروس المقدسة فيها الملك "شوسين آخر ملوك أمور" عريسها وتذكر أنه أسر قلبها وأنها تواجهه واجفة، ثم تخاطبه بلقب الأسد وتطلب إليه أن يحتبيها لنفسه، وتعرض عليه أن تُدلِّله بتلديل أشهى من الشهد، وأن يدللها بدوره ويضاجعها حتى مطلع الفجر ... ٥. ويبدو أن أعياد الزواج هذه كانت تأخذ طابع المرح "بعد أيام النواح والدعاء"، ويجري فيها ما يجري في الأفراح من ولائم ورقص وعزف وقصف، ويدخل المحتفلون ومعهم الأغصان الخضراء وكئوس

стр. 458

الشراب على تمثال معبودهم الذي يمثل أحيانًا يمسك كأس شرابه بين يديه هو الآخر. "وعثر في معبد بمدينة خفاجى من أوائل العصر السومري على أكثر من ٦٠٠ كأس مهشمة يبدو أنها كانت من مخلفات أمثال هذه الأعياد"١. ولا زال اسم دوموزي باقيًا في تسمية شهر تموز، ويقرن الاعتقاد في بعثه المتجدد بالاعتقاد في بعث أوزير رب الخصب وخلوده في المجتمع الزراعي المماثل في مصر القديمة. واحتفظت مدن العراق بأطلال بسيطة لمعابد سومرية قديمة منها معبد بلدة خفاجى، وقد بُني وسط مساكن بلدته، وشيد بالتخطيط المستطيل المعتاد فوق مسطح بلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار ونصف المتر، وتقدمه "في مرحلة تجديده الحادية عشرة" فناء صغير، وأحاطب به حجرات جانبية ضمه معها سور بيضي. وتقدمت هذه المجموعة ساحة كبيرة أخرى تضمنت فيما يبدو مباني الإدارة ومساكن الكهنة وأتباع المعبد، وأحاط بهذه الساحة وبمجموعة المعبد معًا سور بيضي آخر كبير يحف بمدخله صرحان مرتفعان٢. ومن نماذج أطلال المعابد الأخرى الباقية، معبد في العقير "جنوبي بغداد بنحو خمسين ميلًا"٣، تألف من دكة "مرتفع ممهد" على هيئة نصف الدائرة العلوي، شكلت جدرانها الخارجية بمشكاوات رأسية، ولها درجان متقابلان في نهايتي واجهتها، ويعلوها مسطح يؤدي إليه درج، ويعلو هذا المسطح بناء المعبد العلوي وهو مستطيل شكلت جدرانه الخارجية بمشكاوات رأسية لونت بجص أبيض. وتألف المعبد في داخله من مقصورة رئيسية تتضمن المذبح ومائدة القرابين ويحيط بها صفان من أربع حجرات، وكسيت جدران المقصورة الداخلية بملاط أبيض رسمت عليه أفاريز ملونة من أشكال هندسية وأشكال بشرية وحيوانية، ومنها أشكال نمور أو لبوءات مرقطة رائعة التصوير بالنسبة لفنون عصرها. واحتفظت بلدة العبيد بأطلال ثلاثة معابد متعاقبة بُني بعضها فوق أطلال بعض، ويحتمل أن أولها هو معبد "آ - آني - بادا" أحد ملوك أسرة أور الأولى في عصر بداية الأسرات السومري. وتضمنت أطلاله الباقية أجزاء بسيطة من قاعدته وجدرانه واجهته اللبنية ذات المشكاوات الرأسية، ودرجًا حجريًا كان يؤدي إلى ربوته، وعدة آثار فنية أخرى صغيرة، وذلك مما سمح للأثرى الأستاذ C.L.Woolley بتخيل صورة تقريبية لما كان عليه هذا المعبد حين إنشائه، ولو أنها صورة مغالية بعض الشيء بالنسبة لعصرها، فهو يتخيله فوق مرتفع "مكسو" بالآجر يؤدي إليه درج عريض من الحجر المستورد، ويقوم على رأس الدرج مدخل ذو أعمدة، يربض على جانبيه أسدان نحاسيان في حجمهما الطبيعي "؟ " طعمت عيونهما وأسنانهما باليشب والصدف، ورفعت أسكفة الباب على أسطوانتين من جذوع النخيل طعم

стр. 459

مسطحاهما بصفوف من الفسيفساء مثبتة بالقار ومشكلة على هيئة مثلثات ومعينات تتعاقب فيها ألوان الأحمر والأسود ولون الصدف، وبعلو الأسكفة لوحة مستطيلة صفحت بالنحاس وشكلت واجهتها بشعار إله المعبد، هذا بينما زخرفت الجدران الداخلية الرئيسية لمقصورة المعبد بنقوش بارزة تمثل أنعامًا وعقدًا من أزهار مختلفة ألوانها، تعلوها أفاريز من لوحات خشبية محوطة بأطر نحاسية أرضيتها عجينة سوداء طعمت بقطع دقيقة من المحار والحجر الجيري تمثل صفوفًا من الطير وصفوفًا من الثيران يعلو بعضها بعضًا، وتألفت صورة كل ثور من ست أو سبع قطع من الصدف صنعت ورتبت بحيث تعبر عن تدرج مسطح جسم الحيوان. ثم صفوف لبقرات حلوب وعجول صغار كممت أفواهها حتى لا تزيح الحالبين عن ضروع أمهاتها. ومناظر تعبئة اللبن وصبه بأقماع في قدور كبيرة. ويضيف وولي إلى ذلك أنه كانت تلتصق بجدران المعبد تماثيل نحاسية، وتتضمن داخليته تماثيل حجرية ومزاهر سجل عليها مهدوها الأتقياء أسماءهم. ولو أن هذا كله فيما يبدو لا زال يحتمل الشك من حيث الصورة وربما من حيث الزمن أيضًا. وعلى أية حال فقد صورت نقوش العصر وآثاره القليلة الباقية ما تضمنته معابده من كنوز فنية تناسب عهودها، فصورت عروش الأرباب تحملها تماثيل الأسود والفحول الباركة، وصورت موائد الطيوب والدهون تحملها تماثيل معدنية على هيئات حيوانية لطيفة١. وذلك بطبيعة الحال فضلًا عما كانت تتضمنه من تماثيل أربابها وحكام مدنها وربما كبار كهنتها أيضًا. واعتاد بناة المعابد السومرية على أن يضعوا في أساساتها ودائع من تماثيل ولوحات وأوانٍ تتناسب مع أهميةالمعبد ورخاء عهد، وثراء الحاكم في بلدة. وعادة ما كانت هذ الودائع توضع في صناديق من الآجر الممزوج القار، ويكون من تماثيل الحاكم الصغيرة فيها ما يمثله يحمل قصعة ملاط على رأسه باعتباره باني المعبد ورمزًا على اشتراكه الفعلي في وضع أساسه٢. ويعتقد بعض الباحثين أن كلمة "هيكل" التي لا تزال تستعمل بين رجال الدين العبرانيين والمسيحيين، كانت سومرية الأصل وكانت تكتب إكللو أو " E-Gallu" بمعنى البيت الجليل، ثم انتقلت إلى العبرية وأضيفت إليها هاء التعريف وتناولها بعض التصحيف. وإذا صح ذلك انضاف إلى بقية تأثيرات العهود السومرية على ما أتى بعدها، على الرغم من قدم زمنها.

стр. 460

العقائد: احتفظ الحكام السومريون الأوائل برياسة الدين من الناحية الرسمية، ولكنهم نحلوا الإشراف الفعلي على الكهنوت لأبنائهم وكبار أعوانهم من الناحية الواقعية. واندرج في سلك الديانة عدد كبير من طوائف الكهنة والكاهنات، أولئك الذين كانوا يتلون التراتيل والتعاويذ ويقدمون القرابين ويعنون بالتماثيل ويترجمون

стр. 461

عن وحي ربهم واستخاراته ويقيمون أعياده بأناشيدهم وموسيقاهم ورقصاتهم، ويرأسون شعائر العبادة ويفرضون وجودهم أحيانًا على شعائر الموتى. واحتفظت النصوص لهؤلاء الكهنة بألقاب كثيرة كانت منها ألقاب: إن، وجونج، ولوماخ، وسنجا، وسنكوماخ ... ، إلخ. ويبدو أن الإقبال على عمل الاستخارات وتعرف وحي الأرباب والاحتكام إليهم في القضايا، والقسم في حضرة تماثيلهم، كان أمرًا شائعًا بين الكبار والعاديين من السومريين المتدينين، وأصبح استيحاء الوحي بذلك مورد رزق واسع لطائفة العرافين، وهؤلاء روى خلفاؤهم عرافو العصور المتأخرة أن منهم من كانوا يمارسون مهنتهم عراة، وأنهم تلقوا أسرار مهنتهم عن إنميدورانكي أحد الملوك المقدسين الذين روت الأساطير أنهم حكموا العراق قبل الطوفان. وصورت بعض المناظر السومرية كهنتها يؤدون وظائفهم عراة فعلًا١. أخذ السومريون بتعدد الأرباب والربات شأنهم في ذلك شأن غيرهم من أصحاب الديانات الوضعية القديمة. وسجلوا بعض أسماء أولئك الأرباب والربات موجزة في نقوشهم المبكرة، ثم سجل خلفاؤهم لها ألقابًا عدة في أساطير مسهبة التزموا فيها بصورها القديمة أحيانًا، وذكروها بصور مستحدثة أحيانًا أخرى٢. ويفهم مما سجله هؤلاء وهؤلاء أن ديانتهم كانت ديانة طبيعية في مجملها، وأن فقهاءهم تخيلوا السماء والأرض في بداية أمرهما ملتصقتين يحيط بهما محيط مائي عظيم. وكان في أولهما روح مذكر "آن" اعتبروا صاحبها الجد الأكبر للمعبودات، وفي الثانية روح مؤنثة "كي". وأضافو أنه نتج من اتصال هذين الزوجين، عنصر ثالث وهو إنليل روح "ليل" أي روح الهواء "والأنفاس والفضاء"، فتدخل بينهما وفصلهما. ورفع أباه "آن" بسمائه إلى أعلى حيث استقر فيها، وحط بأمه "كي" إلى أسفل حيث اختلط بها، وترتب على وجوده معها أن بدأ ظهور بقية الأرباب ومنهم من سموا باسم الأنوناكي الحسين العظام والسبعة أصحاب المصائر، ثم بدأ خلق النباتات والأنعام والناس. وكان أكبر أبناء إنليل هو القمر "أو إله القمر" ننا "أو ننار أو نانور"، وقيل إنه أنجبه سفاحًا بعد أن اغتصب الصبية المقدسة "ننليل" "على الرغم من ضيق مهبلها ورقة شفتيها كما قالوا"، فأدت فعلته هذه إلى تجرء بقية الأرباب عليه ونعتهم إياه بالشراسة والخلاعة ورغبتهم في نفيه، على الرغم من أنه كان سيدهم وفي منزلة الأب منهم، وعلى الرغم من عطفه السابق عليهم وعلى البشر. وشارك أرباب السماء والأرض والهواء في قدم النشأة، عند السومريين، "إنكي" روح الماء المحيط بالسماء والأرض، ابن "نمو" عنصر الأمومة في المحيط الأزلي، وزوج ننماخ السيدة العظمى التي لقبت بلقب نينتو بمعنى السيدة الوالدة، وقد وكل بالأعماق واتخذ مقره في مياه العمق "آبسو" التي تخيل السومريون مركزها في منطقة إريدو "أبي شهرين الحالية" على غير مبعدة من الخليج العربي. وكان يعتبر إلهًا للحكمة

стр. 462

ومقررًا لمصائر الأقطار والمدن وحافظ نواميس الحضارة في كل مظاهرها المادية والروحية، والموصي بمظاهر الحياة إلى أربابها مثل دوموزي الذي عهد إليه بخصوبة الأنعام وخصوبة الأرض، وإشكور الذي عهد إليه بأمر الرياح. وروى أهل إريدو أن إنكي ظل يحتفظ بنواميس الحضارة في أعماق آبسو بأرضهم حتى أغوته عنها إنانا ربة الزهرة وربة مدينة أوروك، فأغرته بجمالها وشجعته على الشراب واللهو معها، على الرغم من أنه كان منها في منزلة الوالد، حتى وعدها بكلمته وأعطاها نواميسه، فلما استرد وعيه أرسل أعوانه في إثرها ليسترجعوا منها نواميسه ويعطلوا مركبها، ولكنهم فشلوا. وكما أنجب إنليل القمر، اعتقد السومريون أن القمر بدوره أنجب الشمس "أو رب الشمس" "أوتو"، من المعبودة إنانا ربة الزهرة "أو من الربة نين جال". وتوفر لإنليل وره في تكييف مظاهر الطبيعة وخلقها، فخلق الصيف "إيمشي" والشتاء "إينتين"، وخص كلًّا منهما بمزاياه وفوائده، ولكنهما اختصما وتفاخرا وتنابذا، فانحاز هو إلى جانب الشتاء وفضله بما يكون فيه من حرث ونسل وتكاثر بين بني الإنسان والحيوان. وكما تفاخر الصيف والشتاء، عربد الأخوان لهار وأشنان، رب الماشية وربة الغلال، وتنابذا، واعتز كل منهما بما عنده، واحتكما إلى إنليل وإنكي، فقضى الحكمان لصالح أشنان ربة الغلال دون أخيها١. وهكذا مضى السومريون في تخيلاتهم، وافترضوا لكل ظاهرة طبيعية ربًّا أو ربة، وافترضوا لأربابهم صورًا بشرية مضخمة وحياة تماثلها حياة البشر، تزاوجوا فيها وتناسلوا، وتحابوا وتخاصموا، لولا أنها كانت حياة سرمدية ذات مقدرة مطلقة. واستقرت لأربابهم الكبار عبادات رئيسية في مدن بعينها. فاستقر أكبر مراكز عبادة آن في مدينة أوروك حيث عرف معبده فيها باسم "أي - أنا" ,أطلق اسمه على حي بأكمله٢. واستقر أكبر مراكز عبادة إنليل في مدينة نيبور "نفر" وسُمي معبده فيها "إكور" ربما بمعنى البيت الجبلي. غير أن ذلك لم يحل دون انتشار عبادة مثل هذين الربين مع غيرهما من الأرباب في معابد صغرى بمدن أخرى كثيرة، وهنا قد يلقب المعبود بلقب جديد، أو ينسب إلى الحي الذي يوجد معبده فيه، على نحو ما لقب إينورتا. أحد أرباب الأعاصير والسحب المسطرة ورعاة الحرب، وابن إنليل في مدينة لجش، بلقب "نين جيرسو" أي سيد جيرسو، وكانت جيرسو هذه ضاحية مقدسة تجاور لجش "وسمي معبده فيها إنينو". وعلى نحو ما تصور السومريون لمظاهر الطبيعة أربابًا عديدين أطلقوا على كل منهم صفة "دنجر" بمعنى إله، تخيلوا لوجوه حضارتهم أربابًا ابتدعوها ورعوا أصحابها، مثل "نابو" رب الكتابة. وردوا إلى أولئك الأرباب فضل إنشاء مدنهم وتنظيمها ووضع شرائعها ثم جمعوا إلى هؤلاء وهؤلاء أربابًا صغارًا يشبهون

стр. 463

الأولياء والقديسين، اتخذهم الأفراد رعاة شخصيين وحماة وشفعاء لهم لدى الأرباب الكبار الذين تخيلوهم بعيدين عن مستوى دنياهم، بعيدين عن آفاق عقولهم ولم يكن أحدهم يجد بأسًا من أن يعتبر معبوده الخاص "أو معبود أسرته" "راعيه الموكل به" و"ربه وأباه المقدس الذي أنجبه". وتصور السومريون أربابهم بهيئات بشرية كما أسلفنا، كما رمزوا إليهم بهيئات الحيوانات والطيور، وصوروا أغلب رموزهم الحيوانية في هيئات مركبة، ومن ذلك القبيل أن رمزوا إلى معبودهم نين جيرسو بهيئة نسر مهيب بجناحين كبيرين ورأس أسد "أو رأس لبوءة"، وكانوا إذا صوروه على هيئة بشرية جعلوا وجه الأسد شعارًا لردائة أو لمقعد عرضه، أو لموطئ قدميه. وفي خلق البشر وأسبابه ظهرت للسومريين تقديرات طريفة تعتمد في مجملها على الإيمان بأن الناس ما خلقوا إلا ليعبدوا الأرباب ويخدموهم ويوفروا القرابين لمعابدهم. وشاعت لهم في هذا السبيل روايات شتى أغلبها مضطرب مختلط، ويفهم من بعضها أن أربابهم عاشوا في بداية خلقهم هائمين كالسوائم، لا يقدرون على شيء من أمرهم. حتى خلق الإله الأكبر الأنعام من أجلهم ووكل بها "لهار"، وأنبت الغلال ووكل بها "أشنان" "أخت لهار"، فطعموا ونعموا، ولكنهم لم يحسوا للشبع والري طعمًا، فاتجهوا بضراعتهم إلى الحكيم "إنكي" الذي كان حتى ذلك الحين سادرا في مياه العمق غير عابئ بهم، ووسطوا لديه أمه نمو "روح الأمومة في المحيط الأزلي" فبثت ضراعتهم إليه وقالت له فيما قالت: " ... قم إذن يا بني، ولنصنع شيئًا لائقًا، لنصنع "بشرًا" عبيدًا للأرباب ... "، فاستجاب لها وقال لها "أماه، إن الكائن الذي نطقت باسمه موجود، فاربطي عليه صورة الآلهة "؟ "، اضربي لب الطين الموجود فوق مياه العمق، واجعلي أعوانك يكثفون الطين جيدًا، وشكلي أنت له أعضاءه وجوارحه، وستعمل ننماخ من فوق يدك .. ، قدري مصيره يا أماه، وستربط ننماخ عليه صورة الآلهة، ذلك هو الإنسان ... ". وأرادت الأساطير أن تعلل خلق ناقصي التكوين بمنطقها، فروت أن إنكي وننماخ "زوجته؟ " أسرفا ذات مرة في الشراب، فقبضت قبضة من طين مياه العمق "وأرادت أن تقلد نمو"، وخلقت منها ستة أنواع، فخرجوا شواذًا "ومنهم المرأة العقيم ... والمخنث"، وشاء إنكي أن يلهو بدوره ويجرب حظه من الخلق، فقبض قبضة من الطين وشكلها، ولكنه فشل وصنع مخلوقًا لا روح فيه، لا يعرف الكلام ولا أكل الطعام ... ١. وتخيل السومريون في بداية الخلق عصرًا ذهبيًّا، انعقدت الهيمنة فيه للمعبود "إنليل". وصورت إحدى أساطيرهم المتأخرة مظاهر ذلك العصر فقالت إنه لم يكن في الوجود حينذاك حية أو عقرب، ولا ضبع ولا سبع، ولا كلب بري ولا ذئب، وما من خوف ولا فزع، ولم يكن للإنسان منافس. وفي غابر الأزمان كان بلاد شوبر وهمازي "في غرب إيران؟ "، وبلاد سومر كثيرة الخيرات، البلد العظيم ذو النواميس المقدسة الخاصة بالإمارة، وبلاد أوري "وسط بلاد النهرين وشمالها؟ " التي حوت كل طريف،

стр. 464

وبلاد مارتو "بوادي العراق والشام"، كانت كلها آمنة مطمئة، وجميع الكون والناس في وحدة وألفة، يمجدون إنليل بلسان واحد ... "١. وتناقل السومريون الأقدمون أسماء حكامهم وزعمائهم الأوائل شفاهة في سياق الأساطير، وخلطقوا بينهما وبين أسماء أربابهم، وظلوا كذلك حتى دون خلفاؤهم أخبارهم الأسطورية التي عرفوها عنهم، فذكروا أن العمران تركز قبل الطوفان في خمس مدن كبيرة متعاقبة، وهي: إريدو، وبادتيبيرا، ولاراك، وسيبار، وشوروباك، وأضافوا أن حكم كلًّا من مدينة هذه المدن على التعاقب عدد من الأرباب وأنصاف الأرباب لفترت دامت آلاف السنين، وعندما عاد العمران إلى أرض العراق بعد الطوفان ظهرت مدن أخرى كثرة مثل كيش، وأوروك، وأور، وأداب، وماري ... ونسبوا الحكم في هذه المدن إلى شخصيات أسطورية قيل إنها عمرت هي الأخرى قرونًا كثيرة، ثم تواضعوا ونسبوا إلى بعض من عرفوهم من الحكام الفعليين قريبي العهد من عصورهم التاريخية عشرات محدودة من السنين٢. بيد أنه مهما يكن في هذه الأخبار الأسطورية التي تصمنتها قوائم الملوك من مبالغات واختلافات، فهي قد تضمنت حقيقتين، وهما: فكرة حدوث طوفان قديم في أرضهم، ثم قيام أوضاعهم السياسية على أساس وجود المدن المستقلة المفرقة. وسوف نعرض لتفاصيل قصة الطوفان حين الحديث عن آداب السومريين في أواخر عصرهم، بعد قليل. وحسبنا الآن عنها أن الأبحاث الأثرية الحديثة كشفت في الطبقات السفلى العتيقة لمدن أور، وشوروباك، وكيش، عن آثار فيضان كاسح طمس على عمرانها بطبقات من الطمي تراوح سمكها في بعض المواضع بين نصف المتر وبين الثلاثة أمتار. ويرجع البعض هذا الطوفان إلى أوائل الألف الرابع ق. م، بينما يرجع البعض آخر بداية عصر ما بعد الفيضان إلى قبيل استقرار السومريين في أوائل الألف الثالث ق. م٣.

стр. 465

التطور السياسي: اعتمدت الحياة السياسية في بلاد سومر على إمارات المدن ودويلاتها، كما روت الأساطير وبما يشبه ما أصبح يسمى فيما بعد " City-States"، دون أن تتطور إلى نظام الدولة المركزية الكبيرة الواحدة. وترتب على ذلك أن تعاصرت دويلات وأسر حاكمة كثيرة في مثل مدن كيش "تل الأحيمر"، وأوروك "إيانا" القديمة ثم إرك وأوروك وأخيرًا الوركاء"، وشوروباك "فارة"، وأور "المقير"، ولجش "تلو"، وأوما "تل جوخة"، وإربدو "أو شهرين"، وسيبار "أبو حبة"، وخفاجى، ونيبور "نفر" ...

стр. 466

وتلقب رأس الحكم في المدينة السومرية في بداية أمره بلقب "إنسي"١، ربما بمعنى النائب أو الوكيل، إشارة إلى وكالته عن معبود مدينته في حكم بلده وأهلها. وإشارة إلى القداسة بالوكالة التي يرتكز عليها في ممارسة سلطاته الدنينة والمدنية٢. ويرى ياكوبسن " Th. Jacobsen" أنه سبق إسناد الرياسة إلى رئيس واحد، نوع من الحكم الثيوقراطي كان يتولاه من يلقب بلقب سانجا ويشرف على شئون المعبد الرئيسي ومصالحه، ونوع من الحكم الديموقراطي تمثل في وجود مجموعة من الشيوخ كانوا يجتمعون في مجالس عرفية ويتشاورون في أمور مدينتهم، ويسندون القيادة إلى واحد منهم خلال الحروب، واعتمد ياكوبسن في تخريجه هذا على عبارات وردت في قصص جلجميش وقصة إنمركار وما تضمنته الأساطير من مجامع الأرباب، ولو أنها عبارات ليس من الضروري أن تدل على ما ذهب إليه. وظلت الصبغة الدينية ألصق بلقب "إنسي" وترتب عليها أن انفسح المجال أمام كهنة المعبودات السومرية ليكون لهم شأن فعال في أوضاع دويلاتهم وسياستها، وظلت معابدهم تنتفع بنصيب كبير من ثروات المدن وأرضها وضرائب أصحابها، حتى أصبحت بأملاكها شبه وحدات اقتصادية وإدارية قائمة بذاتها٣. ومعنى هذا أن الصبغة الدينية للحكم كانت سلاحًا ذا حدين، فهي وإن ضمنت بعض القداسة للحاكم، إلا أنها كان يمكن أن تخلق أمامه منافسين أو منتفعين من رجال الكهنوت. ولهذا مال حكام المدن إلى تغليب الصبغة السياسية في سلطاتهم، وتلقب كل منهم بلقب "لوجال"، بمعنى الرجل الجليل وبما يرادف لقب ملك، واتسعت سلطاتهم المدنية على حساب سلطان الكهان، كما ظلوا من الناحية الشكلية يعتبرون ممثلين لمعبوداتهم على الأرض، ويدعون أنهم يصدرون في تصرفاتهم عن وحيهم لا سيما في فترات الحروب، ثم تركو لقب إنسي لولاتهم الفرعيين، وإن استعادوه لأنفسهم من حين إلى حين ليؤكدوا صلاتهم بأربابهم وتواضعهم إزاءهم. وظهرت لهذا التطور في سلطان الحكام السومريين أمثلة شرقية أخرى لاحقة لعصورهم، فبدأ الحكم في جنوب شبه الجزيرة العربية بنفس الصبغة وتلقب الحكام هناك بلقب مكرب ولقب مزود، ثم انتقل هؤلاء وهؤلاء إلى ألقاب الملوك وأكدوا بها الصفة الدنيوية في حكمهم. وهكذا قطع السومريون أكثر من خمسة قرون من عصر بداية الأسرات العراقي، غابت فيها الوحدة السياسية الكاملة عن آفاقهم، ولم تجمع بين مدنهم محالفات بريئة طويلة الأمد في غير القليل النادر، ومن هذا القبيل صداقة بعض حكام كيش الأقدمين لمعاصريهم حكام لجش لفترة من الزمن، وإن ظلت اليد العليا الحكام كيش في هذه الصداقة.

стр. 467

ويبدو أنه لم يكن يدفع دويلات المدن تلك إلى محاولات الترابط من حين إلى آخر، غير الرغبة في تحقيق منافع ذاتية في أغلب الأحوال، ومن هذا القبيل رغبة المدن القوية في بسط نفوذها على جيرانها، أو رغبتها في تصريف منتجاتها وتأمين سبل تجارتها عن طريق استبقاء علاقات الود مع جيرانها الذين تسلك قوافل تجارتها أرضهم وتجد أسواقها عندهم، أو رغبتها في سد مطالبها من المواد الأولية التي تتوفر في منطقة قريبة منها. ولم تتطلع دويلة منها إلى تحقيق وحدة وطنية ثابتة تستهدف الصالح العام السومري، إلا في عهود متأخرة نسبيًّا، وذلك على الرغم من أن أهلها في مجموعهم كانو يحسون تلقائيًّا بوحدة جنسهم، جنس أصحاب "الرءوس السود"، ووحدة الأرض "كالاما" التي عاشوا عليها، ويحسون بتقارب مذاهبهم التي شجعتهم على أن يتمثلوا بعض أربابهم في بعض آخر، ويتخيلوا صفات بعضهم لبعض آخر، وذلك فضلًا عن شعرهم برقي حضاراتهم في جملتها عن حضارات جيرانهم من أهل البوادي وأهل الجبال لا سيما بعد أن اتسعت ... وأخذت بثقافتهم مدن غرب الفرات ومدن شرق دجلة، وغير هذه وتلك من مدن العراق. وليس من المستبعد أن حياة اللامركزية السومرية كانت لها مزاياها الداخلية من حيث تفرغ الحكام لأحوال دويلاتهم وإلمامهم بمشاكلها نتيجة لانحصار رقعتها، فضلًا عن قربهم من رعاياهم وصلتهم المباشرة بهم؛ ولكنها من جهة أخرى زادت من فرص المشاحنات بينهم على الحدود وعلى النفوذ وحرمت أصحابها من الانطلاق الدولي بمعناه الواسع. ويمكن ترتيب ما يماثل هذه النتائج بتوجيهها إلى الإنتاج الحضاري للمدن السومرية، فقد ارتقت كل مدينة بحضارتها رقيًّا يناسب إمكانياتها. وحاولت كل منها أن تبتدع في صناعاتها وفنونها جهد طاقتها، كما يتضح مما بقي من روائع مخلفات مدينة أور وغيرها، ولكن عز عليها في الوقت نفسه، نتيجة لتفرق إمكانياتها، أن تنتج من العمائر وفنون الدنيا والدين ما يضارع العمائر والفنون المصرية التي عاصرتها فيما بين القرن الثلاثين وبين أواسط القرن الرابع والعشرين ق. م سواء في روعتها أم في ضخامتها واتساع مسطحاتها. صورت المصادر السومرية المتفرقة طرفًا من أواخر أدوار التنافس وأعنفها بين مدينتي لجش "تلو"، وأوما "تل جوخة"، وقامت كلتاهما على أحد فروع الفرات الداخلية. وبدأ التنافس بينهما على موارد الماء وحدود الزراعة، ثم تدخل للفصل بينهما "ميسيلم" أحد حكام كيش الأوائل، وكانت له صلة ما بمدينة لجش سمحت له بأن يقدم هداياه إلى ربها نين جيرسو، وربما شارك في بناء معبده، في الوقت الذي حكم لجيش فيه حاكم يدعى لوجال شاج نانشه "أو شاج أنجور"، ففرض بينهما حدودًا فاصلة بعد أن أقنعهما بأن معبودته أوحت إليه بتقرير السلم بينهما، وبأن ما أوحت إليه به كان عن أمر الإله إنليل نفسه، ثم أقام نصبًا سجل عليه قضاءه بينهما١. ولكن النزاع الحدودي بين المدينتين كان قد تطور في جوهره إلى تنافس على الزعامة والسيطرة.

стр. 468

وظهر في لجش عدد من رجال الإصلاح والسياسة١، عرف التاريخ منهم مؤسس أسرة حاكمة يدعى أورنانشه "وكان ينطق من قبل أورنينا"، نشط العمران الداخلي في عهده، وصوره فنانه في نقوش لوحة صغيرة من الحجر الجيري ومن حوله أولاده وأفراد حاشيته، يحمل فوق رأسه سلة يحتمل أنها كانت تتضمن بضعة نماذج من أدوات البناء والتعمير، أو تتضمن كمية من الطين أو التراب لضرب اللبنات الأولى في حفل إقامة مشروع جديد "قد يكون مشروعًا دينيًّا"٢، ثم صوره في لوحة أخرى صغيرة "ذات ثقب مستدير في وسطها" يسير في هيئة المتعبد أو الداعي يضع يديه على أسفل صدره، ومن خلفه حاجبه بحجم صغير يرفع يديه على هيئة التحية، ثم أربعة من الأمراء أبنائه في صفين يسيرون على هيئة أبيهم، وكلهم يرتدون ثيابًا نصفية تمتد من أسفل الصدر إلى ما تحت الركبة. ومثلت الصورة الثالثة هذا الحاكم الطيب في وليمة لعله كان يحتفل فيها بإتمام مشروعه. وجاء في نصوصه أن سفنه وسفن دلمون نقلت الأخشاب الضرورية لبناء المعابد على متن النهر. ومع اتجاهه الديني امتد نفوذ أورنانشة خارج بلده وحتى مدينة أور. ثم حاكم من أحفاده يدعى إياناتم Eannatum، كان رجل الحرب في دولته، تطور التنافس في أيامه إلى دوره العنيف مع أوما، ويبدو أن حكامها ومنهم من يدعى أوش، تنكروا في عهد سلفه لمعاهدة السلام القديمة وأظهروا العدوان واحتلوا الأطراف الزراعية "جوادنا" الفاصلة بين المدينتين، فرد إياناتم لهم الصاع صاعين، وذكرت نصوصه أنه استفتى ربه في حربهم وزار معبده واستلقى فيه على وجهه، فتمثل له نين جيرسو في رؤياه ووقف عند رأسه ووعده بأن ينصره وبأن قوة بابار سوف تؤيده٣. ولما تم النصر له على خصومه خلد فنانه ذكراه على لوحة تعرف اصطلاحًا باسم لوحة العقبان٤، نقشت على وجهيها وبقيت منها ست قطع، صور ملكه عليها يحارب برمح غليظ وقوس وعصا معقوفة، راكبًا عربته، وراجلًا، وصور بعض جنوده المشاة في صفوف صغيرة يتترسون بتروس كبيرة يقل ارتفاعها عن قامة الرجل بقليل، ويحملون رماحهم أفقيًّا، ومشاة آخرين يتسلحون بالحراب الطويلة المشرعة والبلط، وجعل لبعض هؤلاء وهؤلاء ما يشبه الخوذ على رءوسهم، وذكر أن من استشهدوا منهم دفنوا في ساحة المعركة بعد النصر في احتفال مهيب، وصور بعض إخوانهم يحملون سلال التراب ليوسدوهم في باطن الأرض، ثم صور جثث الأعداء عارية ممددة تحت أقدام الجنود، وصور بعضها الآخر تنهشها الأسود والعقبان وصغار الطيور، وذكر أن ضحاياه بلغوا ٣٦٠٠ رجل. وصور الفنان ملكه يزجي الشكر لربه نين جيرسو ويصب القرابين في حضرته، وصور هذا المعبود على ظهر اللوحة على هيئة شيخ جليل يقبض بيسراه على أطراف قفص ذي شباك ارتمى فيه بعض ضحاياه

стр. 469

وتخبط فيه بعض آخر كالأسماك، وأشهر مقمعته بيمناه كأنما يرعب بها من بقي منهم على قيد الحياة. وكأنما أحاط بهم وأوقعهم في شباكه. ووفق الفنان إلى تصوير منظره هذا وأغلب صوره الأخرى توفيقًا واضحًا بالنسبة لعصره، واتبع في تصوير بعض الجنود طريقة التصفيف الرأسي فجعل أدناهم مكانًا أقلهم ارتفاعًا وأبعدهم مكانا أكثرهم ارتفاعًا، وإن أخطأ فجعل هؤلاء الأخارى أضخم في حجومهم ممن يتقدمونهم. ولما استقر النصر لإياناتم وجنوده، أعاد تخطيط الحدود، لصالح دولته بطبيعة الحال، وأجبر خصومه على عقد معاهدة جديدة أعاد بمقتضاها النصب القديم إلى مكانه، وحفر رجاله خندقًا كبيرًا على طول الحدود وأقاموا عدة نصب على امتداده، وبنوا على جانبيه عدة مزارات لمعبوداتهم لتكون رادعًا للعدوان، ويبدو أنه كان من المفروض أن تجري المياه إلى الخندق من قنوات أوما المهزومة. وأراد إياناتم أن يخفف وقع الهزيمة على خصومه فسمح لهم باستغلال جزء من الأرض الحدودية بشرط أداء الضرائب عليها, وذكرت نصوصه أن رجاله حفروا قناة كبيرة امتدت من النهر إلى خزان متسع كبير عند مدينة لجش١. ثم شجعه نصره على مهاجمة مدن أور وأوروك وكيش وغيرها، واشتد على حكامها، وابتغى أن يكفل لنفسه السيادة على أرض سومر، وادعت نصوصه أنه تجاوز حدودها شرقًا وغربًا، ولكنه لم يتمتع بثمرة انتصاراته طويلًا، فثارت ضده أغلب المدن التي حاول إخضاعها، ولقي بعض الفشل بجنوده على حدود إلام "عيلام في إيران". ولما قضى الرجل نحبه حاول بعض خلفائه أن ينهجوا نهجه في الحرب وبسط النفوذ، فكانت لهم حروبهم على حدود عيلام وحاولوا زيادة اتصالاتهم ببلاد الشام. فقد خلفه أخوه إناناتوم الذي ذكر في نصوصه أن نانشه قد أحبته، وأن إنانا سمته باسمه، وعلمه إنكي الحكمة، ووهبه إنليل القوة، وزكاه الملك أوروسكار، حتى لقد أصبحت الأقطار الأخرى ملك يمينه وألقى الثوار تحت أقدامه - وظل مع ذلك يعتبر إنسيًا للآلهة وأقام لهم المعابد وأصلح مرافق بلده٢. ولكن لم تخل الأيام من منازعات مع دولة أو ما قص خبرها أحد كتبة "إينتيمنا" "ابن أخي إياناتم" على أسطوانتين من الطين، وبدأ قصته بعلاقات المدينتين منذ أيام ميسيلم، وأنهاها باستنزال اللعنات على من يتعدوا الحدود الموسومة باسم نين جيرسو ونانشه، سواء أكانوا من دويلة أوما أم من غيرها، واستعدى عليهم ربه إنليل ودعا عليهم بأن يلقي عليهم نين جيرسو شبكته، وأن تتنزل عليهم يده الرفيعة وقدمه السنية من عل. ولم يكتف الرجل باستنزال اللعنات، وإنما تلاقى جيشه مع خصومه أهل أوما في سهل "جانا أوجيحا" ودحرهم، ثم أعاد الكرة عليهم حينما سيطر على حكمهم كاهن يدعى "إل" ذهبت آماله إلى حد الطمع في مهاجمة لجش نفسها. وتخلفت من عهد

стр. 470

إينتيمنا آثار عدة أهمها آنية فضية ذات نقوش رائعة، ولوحة صغيرة منقوشة من الطمي المشبع بالقار، "سوف نعرضهما بعد قليل"، ونشط في إقامة المعابد وزاد من إهداءاته لها. ويبدو أن حرص الحكام على رد انتصاراتهم إلى تأييد أربابهم، وحرصهم على استفتاء وحيهم وطلب عونهم، شجع كهنة أولئك الأرباب على أن يتمتعوا بنفوذ كبير في ظل ملوكهم وعلى أن يشاركوهم قيادة الجيوش لحماية ذمار مدنهم، كما شجعهم على أن يذكروا أسماءهم إلى جانب أسمائهم، وسمحت لهم هذه الأوضاع بأن يزيدوا ثراء معبادهم ويضاعفوا التزامات السكان إزاءها، بل ويشتطوا في تحصيل نصيب وافٍ من الضرائب على كل ما كبر أو صغر حتى على جز صوف الغنم وعلى طلاق الرجل لامرأته وعلى دفن الموتى، فانضاف استغلالهم إلى استغلال ضعاف النفوس من الولاة ورجال القصر وكبار الموظفين وجباة الضرائب، بحيث قيل إن بيوت الحاكم وضياعه وبيوت حريم القصر ومزارعهن، وبيوت أطفال القصر ومزارعهم، أصبحت يتاخم بعضها الآخر وتتلو بعضها بعضًا. ومن المحتمل أن نفوذ الكهنة قد تضخم حينذاك بحيث شاركوا الحكام أهميتهم، إن لم يكونوا قد طغوا على نفوذهم فعلًا١، حتى استرجع النفوذ منهم، واسترجع الحكم الصالح في الوقت نفسه، لوجال "أوركاجينا" وقد وجه همه إلى الإصلاحات الداخلية في عهده القصير الذي لم يزد عن ثمانية أعوام، وتعمد أن يحد من دخل الكهان ويمنع الرشا ويعزل من حامت الشبهات حولهم من الموظفين، فأصدر عدة قرارات تحدث في بدايتها عن المساوئ التي سبقت عهده، وكيف كان الكهنة والموظفون يغتصبون فيها أرزاق العباد ويستغلون مزارع المعابد وماشيتها كأنما هي ملك خالص لهم، ويشتطون حتى في تحصيل أجور الدفن. وأعلن في أحدها كيف أقر ربه بأسه في قلوب ستة وثلاثين ألفًا من رعاياه، وكيف وفقه إلى أن يسير على هديه، ويعيد حرية Ama-Ar-Gi الأهلين الذين قاسوا المظالم، فخفف عن الملاحين عبودية العمل في مراكبهم لمصلحة نظار الملاحة، وخفف عن الرعاة عبودية العمل وراء الحمير والأغنام لمصلحة نظار الماشية. ولا ندري هل عني بذلك تخفيف ساعات العمل عليهم أم الحد من سلطة الرؤساء في استغلالهم. وشجع ذلك كاتبه على أن يقول إنه لم يعد هناك جانب للضرائب في عهده، وروى كيف أنه لم يسمح لشخص كبير بأن يشتري دارًا تجاور أملاكه إلا أدى في مقابلها ما يرضي صاحبها، أو يشتري جحشًا دون أن يؤدي ثمنه لصاحبه. وأعلن استعداده أمام ربه نين جيرسو لرعاية الأرامل والأيتام وحماية الفقراء من الأغنياء٢. ويفهم من نصوص عهده أن إصلاحاته خفضت أجر كاهن الدفن إلى ثلاث قدور من النبيذ وثمانين رغيفًا وتيس وأريكة "؟ "، بعد أن كان يتقاضى سبع قدور و٤٢٠ رغيفًا وتيسًا وعدة أرائك. وخفض مرتبات بعض الكهنة إلى النصف، وألزم العرافين في المعابد بأن يقدموا تنبوءاتهم بغير مقابل بعد أن كانوا يشتطون في فرض أجورهم عنها على الناس.

стр. 471

ومهما يكن من أمر تقدير إصلاحات أوروكاجينا باعتبارها مجرد تنظيمات إدراية أو باعتبارها بداية متواضعة لتشريعات العراق، فإنه يبدو أن عصره كان يتطلب منهاجًا آخر إلى جانب منهاج الإصلاح الداخلي، فقد ظهر في أوما عدوة لجش اللدود حاكم طموح وهو لوجال زاجيزي، استفاد من انصراف أهل لجش إلى حياة السلم، فهاجمهم بجيشه وضرب مدينتهم وأساء إلى ملكهم، وسجل أحد كتبة لجش ما أصاب بلده منه على لسان ملكه التقي، فصور كيف اعتدى رجال أوما على هياكل الأرباب وأملاكهم وكيف نهبوا مدخراتها وحرقوها، وعقب على ذلك بقوله "آذي رجال أوما لجش فاثموا في حق نين جرسو". ثم توعدهم القصاص العادل فتنبأ لهم بأنهم سوف يفقدون بأسهم، وبرر ذلك بقوله إنه ما من ذنب جناه ملكه، ملك جيرسو، ولكن الذنب كله ذنب زاجيزي، ولهذا فلن يحتمل إثمه وحده، وإنما سوف تحتمله معه ربته نيدابا "أونيسابا" فوق عنقها١. ومعنى ذلك أن الناس كما كانوا يعتقدون أم المعبودات تشارك الحكام انتصاراتهم كانوا يعتقدون أنها تشاركهم أخطاءهم أيضًا. وتجرأ زاجيزي بنصره فبدأ في تنفيذ مشروع لم يجرء أسلافه على المضي في تنفيذه، وهو مشروع توحيد المدن السومرية تحت زعامته، ونقل مركز نشاطه إلى أوروك، واعتبر نفسه ملكًا على سومر "لوجال كلاما"، "وربما سبقه إلى هذا الادعاء حاكم آخر يدعى إنشاكو شانا ولكن لم يتحقق له مدلول ادعائه"٢. ولم يهمل لوجال زاجيزي الاستعانة بالدين وأربابه فادعى أن أرباب سومر رعوه ورددوا اسمه ونصبوه في هياكلهم إنسيا للبلاد كلها، وظن يعتبر نفسه كاهنًا للإله آن إله أوروك الأكبر. وكان له في نفسه رأي آخر يختلف عن رأي أهل لجش فيه، فكتب أحد رجاله يقول على لسانه بعد أن عدد صلة مولاه بأربابه "عندما عهد إنليل رب الدنيا بملكية هذه الأرض إلى لوجال زاجيزي، أقر العدالة في الأرض وغلب بأسه البلاد من مشرق الشمس إلى مغربها، وفرض الجزى على أهلها. وحقت السيادة لإنليل حينذاك من البحر الأسفل والدجلة والفرات، إلى البحر الأعلى، واستقرت أحوال البلاد في سلام، وسقيت الأرض بماء السعادة .. " ثم دعا زاجيزي لنفسه بقوله؛ أدام "الإله" عمري أمد الحياة، ونشر السلام على الأرض، وأزاد الجنود "أو الناس" بعدد حشائش الأرض ... "٣. ولعله رأى أن توحيد البلاد غاية غالية تبرر ما يبذله من أجلها وما يمكن أن يلحق بالغير من أذى في سبيلها، وأنه كان في إعلاء شأن دولته إعلاء لشأن ربه إنليل، وأن حربه كانت حربًا مقدسة. ولم تقف آمال زاجيزي عند حدود بلده، وإنما تطلع إلى ما يمتد من البحر الأسفل "الخليج العربي" إلى البحر الأعلى "البحر المتوسط أو بحر قزوين؟ "، على حد قوله، وربما كانت له جهوده بالفعل في سبيل تحقيق أطماعه، لولا أن واجهته بوادر تغيير شامل سرت في أوصال بلاد العراق كلها وقضت على آماله جميعها، وكان أصحاب هذا التغيير هم الأكديون الساميون.

стр. 472

وتعين على السومريين منذ ذلك الحين أن منذ أواسط القرن الرابع والعشرين ق. م أن يتمهلوا مع الزمن حتى أتيحت لهم فرصة الظهور والغلبة مرة أخرى بعد أكثر من قرنين. بيد أن السومريين وإن عز عليهم التوسع السياسي الكبير خارج حدودهم، فإن حضارتهم لم يعوزها الانتشار السلمي الواسع، فمدت جناحيها عن طريق التجارة على ضفتي الدجلة والفرات، وتركت بصماتها على فنون دويلة آشور ودويلة ماري وأطراف الشام الشرقية١.

стр. 473

الفنون: استمر عصر بداية الأسرات السومري أكثر من خمسة قرون، غابت الوحدة السياسية في أغلبها عن آفاق أهله كما مر بنا، ولهذا كان من منطق الأشياء أن تتعدد الأساليب الفنية خلاله بتعدد دويلات مدنه وتعدد أذواق أهلها وحكامها، لولا أن غياب الوحدة الفنية الكاملة عن أرض سومر لم يمنع من شيوع أساليب معينة منها على حساب أساليب أخرى من حين إلى حين، وذلك نتيجة لتبادل المصنوعات الفنية الصغيرة بين المدن، كالأختام الأسطوانية المنقوشة، وتحف المعابد مثل رءوس المقامع الرمزية وقوائم المباخر والموائد الفاخرة التي كانت تشكل بأشكال حيوانية وزخرفية لا تخلو من جمال. واستشهدنا فيما مر بنا من تاريخ السومريين بما اقتضاه سياق الحديث عنهم من دلالات مناظر النصب ونصوصها، وتطور فنون عمارة المعابد الأرضية والزقورات، وسوف نتابع الحديث في الصفحات التالية عن صور أخرى من نقوش الأختام والمقامع والأواني واللوحات الصغيرة التي شاعت في عصرهم من حيث أساليبها العامة ونماذجها الممتازة، ومختارات من تماثيل الحكام والمعبودات، فضلًا عن خصائص المساكن ومحتويات المقابر. فقد شاع في مناظر أختام الفترات الأولى من عصر بداية الأسرات السومري، أسلوب نقش تخطيطي بارز اكتفى فنانه بتصوير الخطوط العامة للأجسام، واعتمد فيه على تكرار وحدات محدودة كان يستغل ما بينها من فراغات لتصوير أشكال نباتية وتجريدية عديدة. وانعكس صدى هذا الأسلوب على نقوش الأواني الحجرية ورسوم الأواني الفخارية، وقرب في الاصطلاح الفني إلى ما يسمى باسم Brocade Style١ وكان نماذجه الأولى قد ظهرت منذ بواكير العصر الكتابي ثم اختفت حتى ظهرت ثانية في أوائل عصر بداية الأسرات السومري، ويبدو أن تجدد ظهوره حينذاك ارتبط بقرب تأثر أهله بفنون مواطنهم الأولى، أكثر من ارتباطه برغبتهم في إحياء أسلوب عراقي قديم. وتطورت نقوش الأختام بعد ذلك في أواسط عصر بداية الأسرات السومري، وتميزت بتعدد موضوعات مناظرها وتداخل صورها وتقاطع أجزائها مع بعضها البعض، واستغلال ما بينها لتصوير رءوس حيوانية

стр. 474

ونباتات ورموز تخطيطية. واستحب فنانوها تصوير إخضاع الأبطال الأسطوريين للأسود، واعتادوا على تصوير أولئك الأبطال في هيئات تجمع بين رءوس البشر وأيديهم وبين أجسام وقرون الفحول. ونفذوا أشكالهم بخطوط عامة وزوايا حادة أحيانًا، وبخطوط لينة وزوايا منحنية حينًا آخر١. واستبقى بعضهم أسلوب البروكيد وزادوه ثراء بزيادة تزاحم صورة، كما زادوه حلية بترقيش بعض صوره بنقط وخطوط متقاطعة وترصيع عيونها بعجائن ملونة٢، وذلك مما يعني أنه ما من أسلوب فني كان يستطيع أن يجب أسلوبًا آخر وإن طغى عليه وزاد شيوعًا عنه. ثم تخففت نقوش أختام المراحل الأخيرة لعصر بداية الأسرات السومري من تقاطع الصور، واستحبت الأشكال الممتلئة ذات الخطوط اللينة، وحاولت أن توفر الفراغات المناسبة حولها وأن تستغل هذه الفراغات في تسيجيل نصوص قصيرة أحيانًا. ومال فنانوها إلى إيثار الواقعية في منظرهم، فقللوا صور الأبطال الخرافيين، وأظهروا إلى جانبهم أبطالًا من البشر صوروهم عراة في أغلب أحوالهم، واهتموا بإبراز تفاصيل الشعور والقرون والأجنحة في صورهم٣. وواصلت النقوش السومرية سبيلها على رءوس المقامع الرمزية التي اعتاد الحكام وكبار الشخصيات أن يقتنوها في قصورهم أو يهدوها إلى معابد أربابهم لعقد الصلة بين صفة المقاتلة في أنفسهم وبين رعاة الحرب من أربابهم. وعلى سطوح الأواني الحجرية والمعدنية، ومن أمتع ما يستشهد به منها نقوش آنية فضية كبيرة ذات قاعدة نحاسية أهداها اينتيمنا حاكم لجش لمعبود مدينته، ونقش فنانها على سطوحها بضعة مناظر لحيوانات أليفة وكاسرة تسيطر عليها نسور المعبود نين جيرسو ذات رءوس الأسود، ونجح كل النجاح في التعبير عن الحركة الطبيعية لبضع نعاج سمينة "أو بقرات صغيرة" باركة ترفع كل منها ساقها الأمامية وترتكز على حافر ساقها الأخرى استعدادًا للنهوض٤. واستحب فنان العهد هذه الحركة فكررها على لوحة صغيرة من الطين المشبع بالقار، فصور شاة سمينة "أو بقرة صغيرة" راقدة تهم بالوقوف برفع إحدى قائمتيها الأماميتين. وعبر عن حركة أخرى لطيفة في رمز معبوده فصور نسره المهيب يطأ ظهري أسدين، وهو تصوير معتاد على آثار المعبود نين جيرسو، ولكنه صور الأسدين يتطاولان برأسيهما إلى أطراف جناحي النسر لينهشاها، على خلاف المألوف في تصوير أمثالهما، وبهذا التحوير كفل الفنان الحيوية للوحته على الرغم من خشونة سطحها. ولا يكاد يفضل هذين النموذجين، في نفس موضوعهما وعصرهما، غير نقوش لوحة مستطيلة مكسوة برقائق النحاس، شكل الفنان سطحها بالنقش البارز على هيئة نسر قائم مهيب برأس أسد يبسط جناحيه

стр. 475

من على فوق وعلين يتدابران أمامه في ثقة لا تقل تعبيرًا عن تعبير مهابته، وتتفرع قرونهما على حافتي اللوحة في إتقان ملحوظ١. ومارس الفنانون السومريون تعبيراتهم الفنية القصيرة على لوحات حجرية صغيرة، مستطيلة ومربعة، ظهرت منذ أواسط عصر بداية الأسرات وشاعت في أواخره، وكانت تثبت في جدران هياكل المعابد بوصلات عن طريق فجوات صغيرة تتوسطها٢، لتظل شاهدًا على ارتباط أصحابها بأربابهم، أو تثبت في جدران قاعات بيوتهم الخاصة باعتبارها لوحات تذكارية ولأغراض الزخرف والزينة. كما مارسوها على لوحات خشبية فاخرة كسوها أحيانًا بالنحاس المطروق، وشكلوا بعض صورها الصغيرة بالأصداف وطعموا إطاراتها باللازورد، وكانت من غير شك من المقتنيات الغالية في القصور، وتؤلف قطعًا من أثاثها الفاخر٣. وسجلت نقوش هذه اللوحات "أو البطاقات" صورًا من الحياة المدنية والحربية في مجتمعها وذلك في حدود ما سمح به ضيق مساحاتها، فرمزت بصورها إلى المحافل الخاصة وما يدور فيها من غناء ورقص وموسيقى وشراب، وما يجري فيها من رعياة الخدم لسادتهم. ورمزت بمناظرها إلى الأعياد العامة وما يدور فيها من مباريات المصارعة والملاكمة "؟ " والرقص وتسلق الأشجار. وصورت الحكام يعودون بعرباتهم الحربية من ساحات القتال ويشرفون على إحصاء غنائمهم وأسراهم. وعبرت عن هزائم الأعداء بتصوير قتلاهم تطؤهم عجلات الحرب، وتصوير أسراهم جرحى متهالكين، وملقين على الأرض مقيدين. وأكثرت من تصوير تقوى الحكام حين يشرعون في تشييد المعابد ويتأهبون للمشاركة في وضع لبناتها الأولى، وتصوير تقوى الأفراد حين يتقدمون بقرابينهم أمام أربابهم، وحين يشتركون في أعيادهم وحين يسوقون نذورهم وأنعامهم هدايا لمعابدهم٤. وظلت النصب الحجرية واللوحات الكبيرة وأصلح مما عداها لإشباع رغبات الحكام في تسجيل أخبار انتصاراتهم وآيات تقواهم وما يعتزون به من أعمالهم، وقد استعرضنا صورًا من مضمونها ودلالاتها حين الحديث عن مناظر المعبود ونصب إياناتم. وتقيدت أغلب النقوش السومرية السابقة بمبادئ الرسم والنقش الشائعة في العالم القديم، من حيث تصوير

стр. 476

أشكالها فوق خطوط أفقية ترمز إلى الأرضية التي تقف عليها وتضمن استواء صفوفها وتفصل بينها وبين صفوف المناظر التي تصور تحتها، "وذلك مع استثناءات قليلة غير مقصودة لذاتها تخلى الناقش فيها عن تصوير أمثال هذه الخطوط"١، ثم من حيث تصوير وجه الإنسان وجذعه الأسفل من جانب مع تصير عينه من أمام وتصوير كتفيه باتساعهما، ومن حيث تصوير الأفراد يتعاقب الواحد منهم خلف الآخر حتى ولو كانوا يسيرون في حقيقتهم في جماعات مختلطة "مع استثناءات قليلة أيضًا"، ثم من حيث تصوير الحكام بأحجام تزيد عن أحجام مرءوسيهم وأتباعهم وأولادهم أيضًا. ولم يتخفف الفنانون السومريون من بعض هذه المبادئ إلا حين تصويرهم الكائنات الأسطورية والخرافية والحيوانات والطيور، فصوروا بعض وجوهها كاملة من الأمام وصوروا أشكالها يتقاطع الواحد منها مع الآخر، كما صوروا مجموعات الجنود في صفوف أفقية متراصة أحيانًا. واكتفت أغلب اللوحات السومرية بتصوير ملامح شخوصها البشرية بخطوطها العامة، وقليلًا ما حظت بإظهار تفاصيل الجسم كعضلات الصدر والذراعين "في مثل لوحة أور نانشه". وقد يرجع طابع العمومية في صورها إلى صغر أحجامها وصعوبة تمثيل الملامح الشخصية فيها. بيد أنه على الرغم من بساطة خطوط هذه اللوحات، بل وخشونتها أحيانًا، فإنها لم تعجز في أغلب أحوالها عن إعطاء صورة واضحة عن موضوعاتها وعن هيئات أهلها وتقاليدهم في الزي والعبادة وعما كانوا يستخدمون في حياتهم اليومية من أدوات لم يتبق منها في أرضهم غير القليل النادر. وقد مهدنا بما صورته هذه النقوش من خصائص الشخصيات الكبيرة في الهيئات والملابس، في بداية حديثنا عن الجنس السومري وموطنه الأصيل "ص٣٨٧ - ٣٨٨". أما عن صور الأفراد العاديين فقد تميز من صورهم الطريفة ما يصور الحمالين يحملون أثقالهم على ظهورهم ويشدونها بحبال إلى جباههم٢، كما يفعل بعض الحمالين الشرقيين حتى اليوم. وتميزت من صور حيواناتهم الأليفة كباش أفقية القرون "وجدت أمثالها في مصر القديمة حتى عصور الدولة الوسطى"، وأخرى ذات قرون منتصبة متفرجة، وكباش طويلة الصوف، وأبقار ذات بروز يشبه السنام فوق أعناقها "ولا تزال أمثالها موجودة حتى الآن في بعض أقطار الشرقين الأدنى والأوسط". وصورت اللوحات السومرية نوعين من العرابات: عربة صغيرة بعجلتين مصمتتين إلا من فتحة الدنجل٣، وأخرى فاخرة بأربع عجلات مصمتة أيضًا يتكون جسمها من ثلاثة أجزاء: جزء أمامي ذي جانبين مرتفعين مفرغين تعلوه مظلة أو مظلتان ويخصص لوقوف صاحب العربة٤، وجزء أوسط

стр. 477

مربع أو مستطيل يشبه الصندوق يخصص لمرافقيه، ثم جزء خلفي منخفض مسطح يمتد بمستوى أرضية العربة ويستخدم في الصعود إلى العربة ولوقوف التابع حامل الرمح أو لجلوس السائس ووجهه إلى الخلف. ولا تختلف عربة الحرب عن العربة الخاصة عادة إلا في خلو جزئها الأمامي من المظلة، مع تزويدها بالأسلحة وجعاب السهام١. وغالبًا ما تجر العربة أربعة حيوانات صغيرة تشبه الحمير لولا أنها طويلة الذيول بما يشبه خيول السيسي الصغيرة، أو تجرها ثيران. النحت: أدت قلة المحاجر الصالحة في بلاد النهرين إلى صغر أحجام التماثيل السومرية ونحت أغلب المعروف منها من أحجار لينة مثل الحجر الجيري والألباستر، مع قلة المصنوع منها من أحجار صلبة كالبازلت أو الديوريت. وظلت تماثيل الأرباب أكبر حجمًا مما سواها، كي تعبر بضخامتها النسبية عن جلال أربابها وتدل على تقوى أصحاب الفضل في إهدائها إلى معابدها "وتختلف هذه التماثيل عن تماثيل العبادة الفعلية الصغيرة التي تصنع من مواد ثمينة أو تغشى برقائق ذهبية وما يشبهها". واحتفظت أرضية معبد تل أسمر "في إشنونا القديمة" بثلاث عشر تمثالًا لأرباب وربات وكهنة، استمر أسلوب نحتها حتى أواسط عصر بداية الأسرات السومري٢. ويبدو أن الكهنة كانوا قد اكتنزوها في أرضية معبدهم خلال إحدى مرات تجديده أو خلال فترة مضطربة خشوا فيها على مقتنياته. ونحتت أغلب هذه التماثيل بخطوط جافة وزوايا حادة تشبه خطوط النقش السائدة في أوائل عصر بداية الأسرات السومري. وانصب أغلب الاهتمام فيها على تعبيرات وجوهها، فأفرغ المثالون ما كانوا يتخيلونه من رهبة أربابهم على وجوهها، وعبروا عن هذه الرهبة بضخامة الوجه وشدة اتساع العينين وتحديقهما بما يحتمل أن يعبر عن وصف المعبود بأنه بصير، أو وصف المتعبد بالانتباه والترقب لإجابة دعائه. ثم انطباقه الشفتين وكثافة شعر الرأس المجعد واسترساله على الكتفين أو على الصدر، مع اتصال شعر اللحية الطويلة بشعر الشارب واسرتسال شعرها على الصدر في تجاعيد أفقية حادة تتناسب مع خطوط الأنف والشفتين وشعر الرأس. وتضمنت هذه المجموعة تمثالين لمعبودتين، بدت إحداهما رشيقة القوام ممتلئة الوجه طويلة الجيد، يستدير شعرها حول رأسها وتلتف عباءتها حول جسدها وتترك كتفها اليمنى عارية، ولا يعيب نحت تمثالها غير شدة اتساع عينيها المستديرتين وبعض الحدة في الخطوط مرفقيها. ووضح من تماثيل الكهنة في نقس المجموعة تمثال لكاهن حليق الرأس والشارب واللحية، تتفق عيوب نحته مع عيوب تماثيل أربابه. ثم تخفف فن النحت منذ أواخر عصر بداية الأسرات السومري من زواياه الحادة، واستحب ليونة السطوح واستدارة الأركان، وحاول الفنانون أن يظهروا فيه طيات البطن ولغد الرقبة. وترسموا الأسلوب

стр. 478

الواقعي في التعبير عن الملامح الشخصية على وجوه بعض تماثيلهم، وتفننوا في تمثيل تصفيفات الشعر وأزياء الثياب لبعض تماثيل النساء واستعانوا بإظهار البسمة الخفيفة على الشفاه للتخفيف من صلابة الوجود وللاقتراب بها من عالم الناس، ولو أنهم لم ينجحوا غير نجاح قليل في التعبير عن هذه البسمة، ولم ينجحوا في التخلص من جمود العيون وشدة تحديقها على الرغم من تطعيمهم إياها بمواد مختلفة. واحتفظت حفائر مدن تل أجرب وخفاجي وماري بمجموعة طيبة من هذه التماثيل نافست بعضها بعضًا في التعبير عن أساليب عصرها وكفاية فنانيها. وأدت التماثيل المعدنية دورها في رواج الفنون السومرية الصغرى. وتمثل أغلب ما بقي منها من مقتنيات المعابد في رموز المعبودات، وتماثيل النذور الحيوانية، وقوائم المباخر، وقواعد أواني الدهون، ومساند المشاعل، وأطراف الموائد١، فضلًا عن عدد قليل من تماثيل الأفراد وابتكر الفنانون السومريون لتحفهم تلك إشكالًا خفيفة الظل من عوالم الإنسان والحيوان والنبات، ومن أمتع ما يستشهد به منها قطعة معدينة أخرجتها حفائر أور، لعنزة "أو جدي؟ " تتطاول على شجيرة قصيرة ذات هيئة محورة وفرعين يتماثلان في أغصانهما وبراعمهما وزهورهما المعدنية القليلة، ونطل برأسها فيما بينهما. ورصع الفنان خصل شعر الغنزة الطويل بقطع من اللازورد والأصداف ثبتها بالقار على جسمها الخشبي. وارتكزت العنزة والشجيرة على قاعدة صغيرة كفتت بمعينات صغيرة يتعاقب فيها اللونان الأحمر والأبيض، وصفحت أطرافها برقائق من الفضة٢. ولا يكاد يعيب تمثال العنزة في منظرها الجانبي غير قصر رقبتها بحيث تبدو رأسها مدفونة بين كتفيها، تم وقوفها ثابتة على مجمع حافريها وليس على طرقيهما بحيث بدت في وقفتها وبارتفاعها وكأنها تتطلع إلى الشجيرة أو من خلالها دون الأكل من أوراقها٣. المساكن: ترجع إلى عصر بداية الأسرات أطلال أحد قصور حكام مدينة كيش، وهو قصر بُني من اللبن فوق ربوة صناعية. وبقيت من أطلاله الأجزاء السفلى من جدرانه المتماسكة، وجزء من درجه، وقواعد بعض أعمدته، ويبدو أن درجه الصاعد على سفح الربوة كان يؤدي إلى مدخل مزخرف، يليه فناء مكشوف ذو أساطين من الآجر يمتد الضوء منه إلى الغرف الداخلية المتصلة به. وقامت سقوف قاعات القصر الرئيسية على أساطين مماثلة، وزينت بعض جدرانها بلوحات من الشست طعمت بأصداف ومناظر ترمز إلى انتصارات أصحاب القصر وجانب مما كان يجري في ضياعهم الزراعية من تربية الماشية والماعز وحلبها وتربية الجداء، وقد نفذت بعض هذه الأشكال بإتقان بارع وفي حيوية لطيفة٤.

стр. 479

المقابر: لعل أمتع ما يستشهد به عادات الدفن ومحتويات المقابر، هو ما تضمنته مقابر مدينة أور١، وهي مقابر كثيرة العدد بنيت باللبن تحت سطح الأرض وقرب زقورة المدينة، وتألف بعضها من ثلاث غرف متوازية، وسقفت بعض غرفها بعقود. ومن أفضل ما بقي سليمًا منها ومن أحدثها مقبرة تنسب إلى عظيم يسمى مس كلام شار "أو مس كلام دج"، وسيدة تسمى شوب آد، ولا زال الرأي متأرجحًا بين اعتبارهما من الأمراء الحكام أو من الكهنة، وإن كان الاعتبار الأول هو الأرجح. وتضمنت هذه المقابر ما دلت به على بعض عقائد الدفن عند أهلها، وما عبرت به عن رقي الفن والصناعة ورقة الأذواق في عصرها فقد جرت عادة أصحابها الأثرياء على دفن أتباعهم معهم، من الجند والخدم والوصيفات والموسيقيات، وسائقي العربات والثيران والحمير البرية التي تجر العربات وتجر الزحافات الخشبية المستخدمة في نقل الرفات. واختلفت أعداد هؤلاء الأتباع في ست عشرة مقبرة بين الستة وبين الثمانين. ويفترض أنه كان يضحي بهم بالسم عند وفاة سادتهم، ثم يدفنون معهم مع إبقاء جثثهم في صورتها الدنيوية من حيث الملبس والزينة وأدوات الحرفة، ودفن أقربهم مكانة من صاحب المقبرة معه في حجرة دفنه، وترتيب بقيتهم في صفوف فيما بين مدخل المقبرة وبين مدخل حجرة الدفن. وليس ما يمكن تأكيده حتى الآن عما إذا كانت عادة دفن الأتباع هذه قد ارتبطت بإيمان أصحابها بحياة أخرى ودوا أن يصحبهم أتباعهم إليها ليقوموا على خدمتهم فيها. أم أنها ارتبطت بمجرد رغبة الأحياء في تكريم عظمائهم عند موتهم وتحريم خدمة أتباعهم لسادة آخرين، مع ما يقتضيه ذلك من إجبار أولئك الأتباع على التظاهر بالولاء الأبدي لأرباب نعمتهم ورضاهم بالتضحية بأنفسهم من أجلهم. أم أنها عادة ارتبطت بتقاليد دينية تتصل بعقائد العبادة والآلهة أكثر مما تتصل بأصحاب المقابر أنفسهم، كافتراض التضحية بأفراد المواكب الدينية ومنهم أصحاب المقابر أنفسهم في أعقاب أعياد رأس السنة الزراعية بعد أن يؤدي كل منهم دوره فيها، من أجل استدرار رضا الأرباب ودوام الخصب في البلاد. ووجدت فتحات في سقوف بعض المقابر دفعت أصحاب الفرض الثالث إلى الظن باحتمال مرور أنابيب فخارية فيها تصلها بأرضية معابد أو مقاصير مقامة فوقها٢. وإن كان هذا الفرض الأخير لا يزال أضعف الفروض الثلاثة. وعلى أية حال، فقد دل ما دفن به أصحاب المقابر وأتباعهم من حلي وأدوات على ثراء كبير. ومن خير ما تحتفظ به المتاحف الآن من هذه الحلي والأدوات خوذ فاخرة صنعت إحداها من الذهب المطروق، وخناجر ثمينة طعمت بعض مقابضها باللازورد وكسيت إغمادها برقائق ذهبية مزخرفة، ونصال حراب ورءوس بلط رمزية، ودبابيس مذهبة وحلي ذهبية من خواتم لطيفة وأقراص مستديرة وأخرى مشكلة على

стр. 480

هيئة وريقات الزهور، وقلائد ذات حبات أبنوبية، ودلايات مشكلة على هيئات الزهور ووريقات الشجر، وعلب مزخرفة للدهون العطرة، ومجموعة ذهبية من ملقط ومثقب وملعقة دهون علقت ثلاثتها في حلقة فضية، وعصائب ذهبية، ورقعة داما مطعمة، وأباريق وصحاف نحاسية وفضية ولوحة خشبية مطعمة باللازورد والصدف صورت على أحد وجهيها مناظر حربية دقيقة، وصورت على وجهها الآخر مناظر من الحياة المدنية لملكها ويطلق عليها اصطلاحًا اسم لواء أور. ومن أمتع أدوات الاستعمال الحرفي التي وجدت في المقابر ... مكفئة فاخرة، شكلت مقدمة إحداها على هيئة رأس ثور ملتح بلغت حد الروعة في تعبيراتها ودقة تفاصيلها ودلالتها على يد بارعة متمكنة. وطعم صدر صندوق القيثارة نفسها بمناظر حفل تعتبر من أرق مناظر فنون أور في خفة الظل وجرأة التعبير. واختار فنانها شخوص الحفل من عالم الحيوان وخلع عليهم تصرفات الإنسان، فصور ذئبًا قائمًا يتمنطق بحزام يثبت فيه سكينة ويقدم بين يديه مائدة حافلة بأطايب اللحوم، ويتبعه أسد مهندم، يحمل كأسًا وقنينة شراب، وصور داخل الحفل حمارًا منهمكًا في العزف على قيثارة يقيمها له دب كبير، ويتقدمه نمس ينقر على دف ويهز الصلاصل. وصور غزالة رشيقة تنتصب على قدميها لتقدم مبخرتين أو كأسين مرمريين لمعبود بجسم عقرب. وليس ما يمكن تأكيده عما إذا كان الفنان قد اختار شخوص موضوعه لمجرد الفكاهة وإظهار البراعة في التعبير، أم قصد بها نوعًا من أنواع الكاريكاتير الهادفة، أم اختارها للدلالة على مشاركة الكائنات المختلفة في عيد من أعياد الأرباب. وعلى أية حال فقد تكررت هذه التعبيرات على ختم من نفس العصر صور أسدًا على عرش يعب من كأس يقدمها إليه وعل، ومعه ثلاثة حمير يقومون على خدمته وإطرابه١. وختم آخر من تل أسمر صور أسدًا وحمارًا يمتصان شرابًا بغابتين رفيعتين٢. ولا شك في أنه كان لعصر بداية الأسرات السومري آدابه، كما كانت له عقائده وفنونه، لولا أنه لم يكتشف من نصوص هذه الآداب غير نتف نادرة٣. ويبدو أن أهله تناقلوها شفاهة أكثر مما توارثوها كتابة، بحيث لم يعثر على مكتوباتها إلى بعد انتهاء عصرهم بفترة طويلة، وبعد أن قل استخدام اللغة السومرية كلغة حديثة عامة في العصر الأكدي وخلال عصر الإحياء السومري وما بعده٤، مما سنعرض له في حينه.

стр. 481

الفصل الخامس عشر: العصر الأكدى ٢٣٤٠ - ٢١٨٠ "أو ٢٣٧١ - ٢٢٣٠" ق. م . مدخل ... الفصل الخامس عشر العصر الأكدي ٢٣٤٠ - ٢١٨٠ "أو ٢٣٧١ - ٢٢٣٠" ق. م. كان الأكديون فرعًا من هجرات سامية متوالية تكاثرت أعدادها في بوادي العراق والشام قبيل منتصف الألف الثالث ق. م، ثم انشعبت فروعًا كثيرة، فكان منها ما انتشر في نواحي الشام، واتجهت آمال بعض جماعاته إلى مناطق الهلال الخصيب في سوريا، كما كان منها ما اقتربت جماعاته من نهر الفرات واتجهت آمالها نحو المناطق الخصبة بالعراق. وأسلفنا أن أصحاب الشعبة الأولى عرفوا باسم أطلقه السومريون عليهم وهو "الأموريون" ربما يعني أهل الغرب "وإن ذكرت نصوص بابلية أحد آلهتهم الكبرى باسم أمورو مما يحتمل معه نسبتهم إليه". أما الجماعات الثانية فكان أظهر فروعها فرع "الأكديين" الذين اكتسبوا اسمهم الانتساب مؤخرًا فيما يحتمل إلى العاصمة أكد "أو أجادة" التي أصبحت مركزًا لنشاطهم السياسي والحربي بعد فترة من استقرارهم بالعراق وبعد أن انتظمت أمورهم وعز شأنهم فيه. وليس ما يعرف يقينًا عن تفاصيل الظروف التي هيأت لهذا الفرع من الساميين الاستقرار في بلاد النهرين والتأثير في مجريات أمورها، ولكن يمكن القول احتمالًا بأنهم بدءوا دخولهم إليها عن طريق التسلل البطيء، حيث وجدت أسماء وكلمات سامية متفرقة في نصوص سومر منذ أواسط الألف الثالث ق. م. ومن أقدم ما أمكن ترسمه من هذه الكلمات كلمة مكر بمعنى تاجر وكلمة نانجار بمعنى نجار، فضلًا عما ورد في القوائم السومرية من تسمية بعض ملوك ما بعد الطوفان بأسماء سامية، واحتمال سبقهم بملك آخر قديم سمي ألوليم وهو اسم سامي أيضًا١. ويبدو أن تطاحن المدن السومرية في العراق الجنوبي من أجل الزعامة الداخلية صرف أنظار أهلها عما كان يجري على أطراف أرضهم، وذلك على الرغم مما ادعته نصوص زعيمهم زاجيزي السومري من أنه استطاع أن يمد فتوحه من البحر الأدنى حتى البحر الأعلى. وفي هذه الظروف المحتملة، انفسح سبيل السعي أمام أهل الهجرات الجديدة الفتية فنزلوا وسط العراق على من سبقوهم من بني عمومتهم أصحاب الدماء السامية القديمة المتناثرة، وسيطر زعماؤهم على بضع مدن سومرية النشأة كانت أهمها مدينة كيش صاحبة الأثر القديم في مجريات الحوادث بين المدن السومرية الكبيرة الواقعة إلى جنوبها، فاستفادوا من حضارتها، هي وأمثالها، وتأقلموا عليها شيئًا فشيئًا، ولم يكن

стр. 482

فيما يلي على استخدام هذا الاسم الأخير لشيوعه على الرغم من تحريفه. ووجه الرجل عنايته منذ أيام حكمه الأولى إلى قواته المحاربة، وزاد الاهتمام منذ عهده بتقوية الفرق ذات الأسلحة الخفيفة من القواسة، واستخدام الأسلحة البرونزية، وارتقت في جيشه أساليب المبارزة الفردية، وذلك مما يتفق مع الأصل البدوي له ولبني جلدته في الجيش. اتخذ سرجون عاصمة جديدة قريبة من كيش عرفها التاريخ باسم أجاده "السومري" واسم أكد "السامي" أو عمر على تجديدها، ربما باعتبارها من المراكز الرئيسية لعبادة الربة إشتار "أو عشتار" التي اعتبرها راعيته منذ صغره، وكان معبدها فيها يسمى "يولماش "١، ونقل إليها بلاطه ليتميز عهده عن عهود من سبقوه شكلًا وموضوعًا، ومهد لآماله الداخلية بتلقيب نفسه بلقب "ملك "أرض" سومر وآكد" " Sharru Mat Shumeri U Akkade" بعد أن قصرت همة معاصره زاجيزي السومري على لقب ملك سومر وحدها. ثم مهد لأطماعه الخارجية بأن ادعى لنفسه لقب "شاركبرات أربعيم"، أي ملك الجهات "أو الأركان أو المناطق" الأربع٢، وهو لقب اعتاد أسلافه أن يصفوا به سلطان أربابهم الكبار، فانتحله لنفسه وابتغى أن يقنع به نفسه ويقنع شعبه بأنه نائب الأرباب على جهات الأرض كلها. وطال عهد سرجون نحو أربع وخمسين عامًا، فاستطاع أن يحقق الكثير من آماله، وسارت سياسته على أساس خطة مرسومة، وبدأ بما هو أقرب إليه، فدعم سيطرته على أصحاب الرءوس السود، على حد تعبير نصوصه، ثم اتجه إلى شمال العراق حيث تقل سيطرة السومريين، وواصل فتوحه هناك حتى بلغت جيوشه جبال زاجوراس التي تحف ببلاد النهرين وكسرت حدة الجوتيين الجبليين الأشداء، بأسلحتها البرونزية، ثم عاد سرجون وألقى بثقل جيوشه على المناطق الجنوبية السومرية بعد أن سبقته شهرته وسمعة انتصاراته إليه فخضت من شوكتها، وشدد على زعيمها الطموح زاجيزي الذي طال عهده، فهدم بجيشه أسوار مدينته وقسا في معاملته حتى ذكرت نصوصه أنه أمر بتطويق عنقه وجره حتى بوابة إنليل٣، ربما ليخلع عنه ألقابه الدينية والدنيوية أمام المعبود إنليل ويخلعها على نفسه، ثم هاجم بجيوشه بقية المدن السومرية الكبيرة من أمثال أور وإنينمار وغيرها، وبلغ بجيوشه البحر "أي الخليج العربي" وغسل سلاحه فيه، وحق له حينذاك لقبه الذي ادعاه لنفسه وهلو لقب ملك أرض سومر وأكد، وتوفرت لدولته الموحدة منذ ذلك الحين إمكانيات بشرية وموارد مادية ضخمة لم تتهيأ لدويلات المدن السومرية أو السامية القديمة قبل عهده، كما توفرت لها السيطرة على شرايين التجارة الرئيسية في معظم بلاد النهرين. وبقي لسرجون أمله الآخر، وهو السيطرة على ما يستطيع السيطرة عليه فيما وراء حدود بلاده، لتأمين سلامتها وتأمين سبل تجارتها الخارجية وضمان تزويدها بما ينقصها من المواد الأولية، فضلًا عن إشباع شهوة

стр. 483

المجد الحربي عنده وحب الشهرة والرغبة في الاستزادة من النفوذ والسلطان. فوجه جيوشه إلى التخوم الغربية لدولته، وبدأ بالمنطقة المحيطة بدويلة ماري "وجعل فمها واحدًا"١ أي وحده كلمتها أو وحد حكمها تحت سلطانه، ثم وجه جيوشه إلى الحدود الغربية لدولة إلام "عيلام"، حيث حالفها النصر، فترتب على ذلك أن وقفت إلام كما وقفت ماري موقف الطاعة منه على حد رواية نصوصه. وأصبح لدولته بعض الإشراف على المناطق التجارية المتصلة بالخليج العربي والقريبة منه، مثل جزيرة دلمون "جزيرة البحرين"، وماجان التي يحتمل أنها كانت تشغل ما تشغله عمان الحالية، وملوخا التي يحتمل وقوعها بين المنطقتين السابقتين. وكانت ثلاثتها من البلاد البحرية والساحلية ذات الخبرة بالملاحة وصناعة السفن، فسارت سفنها على مياه أكد، على حد قوله، أو بمعنى آخر سارت السفن المصنوعة من أخشابها وبأيدي رجالها في الفرات حتى جاوزت عصامته أكد. وأضافت نصوص سرجون، إن حقًّا وإن ادعاء، أن سلطانه امتد حتى غابة الأرز وجبل الفضة، وقد يعني هذا بلوغه منطقة أمانوس المنتجة للأخشاب والفضة "إن لم يعن منطقتي لبنان وطوروس". وذكرت أنه خاض أربعًا وثلاثين معركة وانتصر فيها٢. ثم نسبت إليه نصوص خلفائه أنه غزا جانيش "أوبور شخاندا - قرب جول تبة الحالية" في كبادوكيا بآسيا الصغرى انتصارًا لجالية أكدية كانت تتعامل فيها في الصوف والفضة وتعرضت لاضطهاد أحد الحكام المحليين فيها "وهو نورداجان ملك بورشخاندا"، فأخذ سرجون بثأرها. وهاجمتها جيوشه، وقيل إن رجاله أرسلوا منها فسائل جديدة من التين والكروم والأزهار إلى بساتين عاصمته٣. ولا ضرورة للتسليم بحرفية هذه الرواية وأشباهها، وإن لم تخل من دلالة على ما توافر للرجل من شهرة بين خلفائه بحيث اعتبروه أهلًا لكل أمر عظيم واعتبروا نهضة عهده أصلًا لامتداد نفوذهم الخارجي ودليلًا على قدمه. وتذكرنا نجدة سرجون في أكد لمواطنيه في آسيا الصغرى بنجدة المعتصم في بغداد المجاورة لها لمن استنجدت به من عمورية بآسيا الصغرى - مع الفارق الزمني الكبير بينهما. ذاعت شهرة سرجون إلى هذه الحدود في عالمه القديم، وذكرت نصوصه أن أهل بلاطه سكنوا فيما لا يقل عن خمسة أميال مربعة حول قصره، وأن حراس قصره بلغوا ٥٤٠٠ جندي كانوا يأكلون يوميًّا من أسمطنه٤. وليس من شك في أن عهد هذا الرجل يعتبر نقطة تحول رئيسية في تاريخ بلاد النهرين لأكثر من سبب واحد: فهو كما رأينا كان أول من عمل على توحيد أغلبها تحت زعامة سياسة واحدة، بينما لم تزد آمال سابقيه الأقربين على توحيد أرض سومر وحدها، وهو أول من ثبت دعائم أسرة سامية حاكمة

стр. 484

قوية استمرت تعتلي العرش نحوًا من قرن ونصف قرن. ويغلب على الظن أنه حدثت في عهده محاولة من أقدم المحاولات لتقريب أسماء الشهور في المدن العراقية من بعضه البعض تمهيدًا لتوحيد التقاويم فيها وإن لم يقدر لهذه المحاولة استمرار طويل. ولا يقل عن ذلك كله أهمية أنه وبعض خلفائه الأقربين كانوا أول من حققوا لبلاد النهرين نفوذًا خارجيًّا سيطرت به على بعض ما يجاور حدودها من مناطق وجماعات١. ومع ذلك كله انتهت حياة سرجون السياسية على غير ما توقعه لنفسه، فنشبت ضده ثورات عدة، وأيدت هذه الثورات جماهير سهل سوبارتو، وبلغ من عنف الثوار أن حاصروا عاصمته، ولكنه قاومهم بجيشه وشتت شملهم ثم انتقم من مدنهم. وعندما ابتغت نصوص خلفائه أن تجد تفسيرًا للمتاعب التي واجهها في خواتيم عمره، ردتها إلى انتقام إلهي. وذكرت أنه كان قد نكل بمدينة بابل مدينة الرب مردوك في ثورة غضبه وأزال أساساتها الموسومة باسمه ثم أعاد بناءها على هواه، فغضب مردوك عليه وابتلى قومه بالمجاعة وفرق شملهم من حوله وقضى عليه بعدم الراحة "في قبره"٢. ولا يعنينا من هذا التفسير الديني إلا اعتباره صورة من تخيلات الشعوب القديمة عن أسباب زوال الدول، وبخاصة أن عبادة مردوك لم يكن لها شأن كبير في أيام وأن نصوص سرجون صورته حريصًا على التقرب من أربابه واعتبرته رئيس كهنة إشتار، والكاهن المنتخب للإله آنو ملك الأرض، والإنسي العظيم لإنليل. وذكرت أنه ركع ذات مرة في صلاته أمام المعبود داجان٣، كما نصب ابنته كاهنة لإله القمر ننار في أور. لم تنته القلاقل في الدولة الأكدية بانتصارات سرجون العجوز، وإنما استمرت في عهود خلفائه واستنفذت بعض جهود دولتهم، فاشتبكت جيوش ولده " ... " في فترة حكمه القصرة مع مدن أور وأوما ولجش ودير عواصم الحضارة السومرية الأولى٤. وإن كان صراع جيوشه معها لم يصرفه عن أن يؤكد انتسابه إلى أرباب مدينة "كيش" السومرية القديمة، فاستمسك بلقب "شارو - كيس شاتيم" وهو لقب وصل بينه وبين ربها "آن" وحاشيته، ولم يصرفه كذلك عن مواصلة جهود أبيه في مجالات التوسع الخارجي، فشنت جيوشه حروبًا ظافرة على أرض في عيلام٥. ثم وصل خليفته "مانيشتوسو" سياسته وادعت نصوصه أن جيوشه هاجمت حلفًا من اثنين وثلاثين أميرًا على الشاطئ العيلامي لتأمين استغلال مناجم الفضة القريبة منه. غير أن أكبر من يقرنه التاريخ بسرجون من رجالات أسرته هو حفيده البعيد نرام سين "ربما بمعنى حبيب سين إله القمر" الذي أكمل آماله بعزيمة راسخة، وتوفر له عهد حكم طويل استمر نحو ٣٦ عامًا،

стр. 485

وذكرت نصوصه أن مناطق نفود دولته اتسعت شرقًا في إلام "عيلام" وشمالًا على حدود آسيا الصغرى وجنوبًا بشرق في ماجان التي استغل رجاله محاجرها الديوريتية، وغربًا حتى أمانوس "جبل الأرز". وذكرت إحدى القوائم المتأخرة التي سجلها خلفاؤه أنه قبض بنفسه على ما نودانو ملك ماجان، وافترض بعض الباحثين ومنهم أولبرايت في عام ١٩٢٠ رأيًا غريبًا بعيدًا عن المنطق الزمني والمنطق التاريخي زعموا فيه أن ماجان هي مصر القديمة وأن مانودانو هو تحريف لاسم الملك مني أول ملوك عصورها التاريخية "مع أن حكم قبل عهد نرام سين بثمانية قرون". وعاد أولبرايت فاعتذر عن تورطه في هذا التخريج وأصبح رأيه غير ذلك موضوع١. ووت نصوص نرام سين أنه غلب تسعة جيوش وأسر ثلاثة ملوك وقضى على ثورة تزعمتها ضده مدينة كيش. وربما يسر للنشاط الأكدي أن يمد أطرافه إلى قرب الشام أن مصر كانت تمر حين ذاك بأواخر عصر الانتقال الأول أو بداية الدولة الوسطى، ولم تكن تبغي غير أن تؤيد روابطها بجيرانها في الخارج عن طريق الحضارة دون السيطرة والغلبة. وعلى أية حال فليس من ضرورة للتسليم بحرفية ما جاءت به نصوص نرام سين عن انتصاراته المتكررة أو توسعه المتصل، وإنما يكفي القول إنه أحيا عهد سرجون في نشاطه العسكري وسمعته الخارجية، وأن توسعه هو وجده البعيد قد ساعد على انتشار الصبغة الأكديةالسامية في صورها اللغوية والأدبية الجديدة، وبنواحيها الفنية، في بعض المناطق المجاورة شمالًا وغربًا وجنوبًا بشرق، حيث تبادلت التأثير والتأثر مع غيرها. ووجدت لوحة مدرسية تتضمن جزءًا من موضوع تاريخي باللغة الأكدية، واحتفظت مدينة ماري بنصوص ذات صبغة أكدية عتيقة، إلى جانب أمثلة قليلة أخرى.٢

стр. 486

الفنون: سجل أحد فناني نرام سين انتصاره على بعض خصومه "ملوك سودوري ولولوبو فيما وراء دجلة" على نصب تعتبر مناظره من أمتع النقوش الأكدية المتأثرة بالفن السومري حيوية وحركة، فصور فيه ملكه بجسم فارع مشدود على الرغم من لحيته الطويلة الكثة، وبقوسه المزدود وتاجه ذي القرون وصندله ذي الشرائط، يسير قدمًا برجاله ليهاجم بهم حصن أعدائه، وصور مقدمي جيشه وحملة ألويته يصعدون معه سفح التل الذي يقوم الحصن فوقه ويتخللون أدغاله "التي عبر عنها بشجرة هرمة"، فأبدع تصوير حركتهم الصاعدة وأبدع تصوير العمق بين صفيهم، وصور مبلغ أوامر الملك يأمر بها من خلفه، وصور نافخ البوق يرتكز على الأرض بيده ويشرع بوقه عاليًا ليرسل صوته قويًّا مدويًّا، وصور بعض الأعداء يتساقطون من سفح التل على أم رءوسهم، وصور بعضًا آخر يهبطون التل هبوطًا اضطراريًّا عموديًّا، وكأنه أراد أن يعبر عن التباين بين ارتقاء في جانب وبين هبوط في جانب آخر، ثم جعل غاية الركب قمة جبل عظيم تتوجه رموز مقدسة محورة قد ترمز إلى الثالوث الفلكي ثالوث القمر والشمس والزهرة.

стр. 487

واكتفى فنان النصب بتصوير الخطوط العامة في وجوه رجاله دون تفصيل، فيما خلا وجه الملك، ولكنه عوض عمومية ملامح الوجوه بالتعبير عن القوة الدافعة في نفوس أصحابها عن طريق تمثيل صدورهم الناهضة ورءوسهم المشرعة واختلاف المستويات بين سيقانهم خلال عملية التسلق، وصور ثيابهم رقيقة تكاد تشف عن أجسادهم على غير العادة في أغلب الصور العراقية القديمة١. وفي النحت طبعت الروح الأكدية فنون عصرها بطابعها، فنحت المثالون لملوكهم الكبار تماثيل تقرب من أحجامهم الطبيعية وشكلوها بالملامح السامية الصلبة الدقيقة. وكانوا قد ورثوا عن أواخر العصر السومري الأسلوب الواقعي فهذبوه، ومن خير ما يستشهد به من إنتاجهم الفني رأس ملكية "لعلها لسرجون؟ " صنعت من البرونز٢، تخلى فنانها عن عادة التعبير باتساع محجري العينين وشدة تحديقهما عن شدة بأس الحكام ومهابتهم، وعبر عن شخصية نبيلة قبل كل شيء، فاكتفى بتمثيل العين اللوزية السامية في حجمها الطبيعي وأرخى جفنها الأعلى قليلًا، ولانت يده في التعبير عن انحدار صفحتي الخدين وامتلاء الشفتين ودقة عظام الأنف، وعني بتمثيل اللحية المرجلة ولكنه أعطاها في مجملها ملامح اللحية الطبيعية ووصل بينها وبين شعر الفودين وشعر الشارب، وترك خصل الشعر الطبيعي الممشطة تتهدل على الجبهة بعد أن سوى أطرافها، ومثل في مؤخرتها غطاء الرأس أو الخوذة الملكية، بعصابة مجدولة ذات شريط ذهبي تبرز مقدمتها قليلًا إلى الأمام على هيئة العمامة وتنعقد مؤخرتها "مع حملة الشعر" من الخلف بحلقات معدنية، وتنسدل تحتها ضفائر صغيرة تنهدل على العنق ... ومارس الفنانون مهارتهم في الحجر، وبقيت إنتاجهم عدة رءوس حجرية اختلفت فيما بينها في درجات الإجادة وسلامة التعبير٣. واستفادت نقوش الأختام من الأساليب الراقية التي انتهى إليها عصر بداية الأسرات السومري، فحافظت على الخطوط الممتلئة اللينة، واستفادت من تنوع الموضوعات، ولكنها تأثرت إلى جانب ذلك بروح الكفاح في عصرها فعبرت عن مناظر الصراع الأسطورية القديمة تعبيرًا منطقيًّا يظهر الجهد والعزم والحركة ولا يعتمد فقد على تصوير البطش والهيئة المخيفة، ومن ذلك أن صورت إحداهما بطلها بجسم الفحل يعصر رقبة أسد

стр. 488

خاص، أسلوبًا قد يقبله ذوق وينفر منه آخر، وهو ترقيش جسومها ورءوسها بحبيبات وخطوط وتموجات تعبر عن الشعور والمخالب وزخارف الملابس. وتخلفت بعض وثائق المعاملات الأكدية الصغيرة، ومن نماذجها إيصال يتحدث عن مقدار من الشعير عهد به فلاح إلى تاجر ليبيعه باسمه في سوق مدينة لولوبوم "قرب السليمانية وشرق كركوك الحالية"، وسجل كاتب الإيصال صنف الشعير ووزنه بالكور١. وتقرير صغير آخر عين كاتبه فيه مقادير الغلال التي تسلمها منه شخص معين ذكره باسمه واسم بلده، وكان عليه أن يصرفها لعدد من الرجال والنساء والأطفال شهرًا بشهر لمدى أربعة شهور، وجعل نصيب رئيس العمال ١٢٠ كو شهريًّا، ولأربعة عمال ٦٠ كو "للواحد؟ "، ولجاريتين ٣٠ كو، ولولدين ٣٠ كو، ولطفلين ٢٠ كو، ولبنتين ٢٠ كو. ثم جمع المقادير كلها في الشهر فأصبحت كورا و٢٦٠ كو "والكور يساوي ٣٠٠ كو"، وفي الأربعة شهور ٧ كور و١٤٠ كو٢.

стр. 489

نهاية دولة: أسلفنا أنه ترتب على جهود عهد سرجون وعهد نرام سين بخاصة أن اصطبغت حضارات المناطق المجاورة لأطراف العراق بصبغة ثقافية متجانسة إلى حد ما، فوجد الخط المسماري سبيله على طول المسالك التجارية ومراكز الاستقرار المدني، بحيث عرفته بعض مناطق شمال سوريا وجنوب آسيا الصغرى وسواحل إلام "عيلام"، كما انتقلت منه إليها بعض مظاهر الدين العراقي وأساطيره. غير أن الدولة الأكدية وإن نجحت في أغراضها التوسعية والحضارية إلا أنها لم تبرأ من بذور فشلها السياسي، ولعل أهمها تأثيرًا فيها هو أن ملوكها تعمدوا محاباة العنصر الأكدي على حساب العنصر السومري، وأسرفوا في تأكيد مظاهر سلطانهم الفردي، بحيث أصبح من رجال حاشيتهم من يُسمي ولده شروكين إيلي بمعنى سرجون إلهي، وأصبح أنصار نرام سين يرمزون إليه كما لو كان إله أكد وإله بلده وصوروه بتاج الأرباب١، على حين أصبح حكام المدن في عهده يلقبون بخدم الملك أو عبيده٢. وإذا كانت محاباة العنصر الأكدي قد وجدت مبرراتها لدى الحكام في منطقية استعانتهم ببني جلدتهم الساميين واطمئنانهم إلى إخلاصهم، كما برروا الحكم المركزي بما يفيد الصالح العام للدولة، إلا أن هذا التطور أدى إلى تذمر أهل المدن السومرية ذوي الحضارة القديمة والنظام اللامركزي من حكم الأكاديين، ومحاولاتهم المتكررة للانسلاخ من جسم الدولة منذ أواخر عهد سرجون نفسه.

стр. 490

غير أن ذلك كله لم يمنع الملوك الأكديين من إظهار تقواهم وتأكيد صلاتهم بمعبودات دولتهم، سومريين وساميين، عن طريق إنشاء المعابد أو تجديدها وتوسيعها، مثلما فعلوا مع معبد إنليل في نيبور السومرية، وهو المسمى إكور، وقد تضمن إلى جانب تماثيل معبوده تماثيل أخرى لعدد من ملوك الأسرة الأكدية لتأكيد صلاتهم بمعبود المعبد من ناحية، وتكريمًا لأنفسهم في شخوص تماثيلهم من ناحية أخرى، وكانوا يخصصوا لهذه التماثيل أوقافًا للإنفاق منها على القائمين على رعايتها وتقديم القرابين أمامها. وظلت نصوص أشباه هذه التماثيل، وما كان يصحبها من النصب المنقوشة، مصدرًا لما احتفظت به نصوص العصور العراقية المتأخرة عن حوادث العصر الأكدي وتتابع ملوكه. لم تتأت الأخطار التي حاقت بالدولة الأكدية من داخلها فحسب، وإنما هددتا في الوقت نفسه أخطار حدودية تمثلت في تحركات قبائل الجوتيين الذين لا يعرف التاريخ عنهم إلا أنهم من أهل الجبال، ولعلها جبال زاجوراس أي الجبال الشرقية أو الشمالية الشرقية، وأنه من الأقاليم التي نسبوا إليها إقليم شهر زور الذي ارتبط فيما بعد باسم اللولوبيين. وقد استكانوا لجبروت الدولة الأكدية في فترات بأسها، وتعلموا من جيوشها أساليب الحرب المنظمة وعتادها، ولكنهم ظلوا متنمرين لها يتحينون الفرص للانقلاب عليها. وقد تعددت المناوشات بين جماعاتهم وبينها من حين إلى آخر، لا سيما بعد عهد نرام سين، وكانت هذه المناوشات تنتهي بانتصاراتهم حينًا وانهزامهم حينًا آخر. واستمر العاملان ينخران في جسم الدولة، الانشقاق الداخلي وتهديدات الجوتيين. واشتد الشقاق الداخلي بعد وفاة شارجالي شاري بن نرام سين أو حفيدة، بحيث تعاقب على العرش بعده أربعة ملوك في ثلاثة أعوام، واستقلت أوروك وتعاقب فيها هي الأخرى خمسة ملوك محليون فيما لا يزيد عن ربع القرن. وشيئًا فشيئًا، وفي ظل هذه الظروف، تدفق الجوتيون على أرض الزراعة بالعراق وفرضوا وجودهم على أغلب أجزائها في فترات الضعف الأخيرة للدولة، وأذاقوا أهل المدن المتحضرة القديمة الأمرين من بأسهم، ووصفهم أحد الأدباء السومريين حينذاك بأنهم وحوش الجبال الذين فتكوا بالسكان واغتصبوا النساء من أزواجهم وسلبوا الأطفال من أمهاتهم، وعملوا على فساد الحكم ونهبوا سومر ونقلوا كنوزها معهم إلى الجبال. وذلك وصف قد يتفق مع ما هو معروف عن خشونة الجماعات الجبلية، لولا أنه يصور وجهة نظر واحدة وهي وجهة نظر خصومهم. ومرة أخرى شاء أهل الدين والأساطير في نفر أن يبرروا زوال مجد أكد والأكديين فردوه إلى إثم نرام سين ورجاله في حق إكور معبد إنليل في نفر، وقصوا في رواياتهم أن إنليل كان قد أهلك كيش وأوروك وبارك في سرجون ووهبه السيادة كما بارك في أجادة "أكد" التي زاد مجدها بتدبير ربتها الحامية إنانا، فحلت الحكمة فيها كما انتشر الثراء، وبلغت أوجها في عهد نرام سين فرفع أسوارها كالجبال وكانت أبوابها مفتوحة يأتيها المارتو وهم القوم الذين لا يعرفون الغلة، وأهل ملوخا قوم الأرض السوداء، والعيلاميون

стр. 491

من الشرق، والسوباريون من الشمال، وكلهم يحمل هداياه كل شبر وفي مطلع العام، ثم أصبحت أبواب أجادة مطروحة ساقطة وتركت إنانا هداياهم وحل الرعب في "معبدها" أولماش وصبت نقمتها على المدينة فولت عنها السيادة وأصبحت خرابًا، وأصبح نرام سين ينعيها، وكان قد عصى إنليل سبع سنوات وأذن لجنده بمهاجمة معبده إكور فنهبوه ودمروه حتى "أصبح البيت وقد تمدد كالشاب الميت المطروح، وقطعت الغلة من الباب الذي لم تكن الغلة تنقطع عنه"، ونهبوا نفر نفسها "فهاج إنليل وقذفهم بأهل الجبال الجوتيين فعم القحط والجوع أرض سومر كلها وتفشى فيها الغلاء والوباء وتهددت بالفناء، وحينئذ إنبرى ثمانية أرباب منهم سين وإنكي ونينورتا وأوتو ونيدابا ووعدوه بتدمير أجادة عسى أن يكشف الضر عن بقية البلاد، وواجهوا أجادة ونطقوا بلعنة الخراب عليها ودعوا عليها بأن يعود طوبها إلى أصله "الطيني" في ماء العمق، وتذبح زوجاتها عوضًا عن بقراتها وتذبح أبناءها عن أغنامها، وينضب منها كل شيء .. ". وانتهت الرواية بتأكيد حدوث ذلك كله، وبأن من أراد أن يسكن أجادة لم يعد يجد فيها موضعًا للسكنى، ومن أراد النوم فيها لم يعد يجد فيها موضوعًا ينام فيه١. غير أن هذا التصوير لزوال الدولة الأكدية لم يمنع الكاتب السومري من أن يعترف بالحقيقة الواقعة التي ترتبت على زوالها وهي أنه تلاها عصر لم يكن يعرف أحد فيه الملك من غير الملك، نتيجة فيما يبدو لكثرة أدعياء الحكم وكثرة المتسيطرين من الجوتيين. ومع توالي الأيام، خفت حدة الجوتيين وخشونتهم رويدًا رويدًا، ولم يكن أمامهم وهم غير ذوي ثقافة أصيلة إلا أن ينهلوا من معين الثقافة السومرية الأكدية فاصطبغوا بها وعبدوا أربابها مع أربابهم٢، ويبدو أنهم اتخذوا مدينة كركوك واحدة من مدنهم الرئيسية، ولكن المدن المتحضرة القديمة ظلت كارهة لهم وظلت تتحين الفرص لمناضلتهم ولا سيما في المناطق الجنوبية البعيدة نوعًا عن حكمهم المباشر. وبدأت هذا النضال لجش وأوروك، بل واستعاد بعض الأمراء الأكديين سلطانهم في عهدهم بحيث مد أحدهم "شدرول" نفوذ إلى منطقة إشنونا قرب دجلة. وكان نضال لجش "تلو" نضالًا سلميًّا اكتفت فيه بأن تستعيد للسومريين كيانهم ونشاطهم السلمي الذاتي في الداخل وفي الخارج، وبدأ بمسعاها ذاك في الربع الأخير من القرن الثاني والعشرين ق. م عصر جديد يسمى إصطلاحًا باسم العصر السومري الحديث أو عصر الإحياء السومري، وهو موضوع الفصل التالي.

стр. 492

الفصل السادس عشر عصر الإحياء السومري "منذ ٢١٢٥ق. م ." في لجش: استغلت لجش في نهضتها مسالك التجارة القديمة استغلالًا واسعًا لصالحها، وكان خير عهودها عهد ملكها التقي جوديا، قبيل أوائل القرن الحادي والعشرين ق. م أو أواسطه، وكان رجلًا اعتز أو اكتفى في أغلب نصوصه بلقب، "إنسي" القديم الذي تلقب به حكام لجش في عهود تبعيتهم للدولة الأكدية، وفي عهود سيطرة الجوتيين، ولكنه استعاض عن الانتساب إليهم في لقبه بالانتساب إلى سيادة ربه نين جيرسو الذي اعتبره ملكه واعتبر نفسه إنسيا له، ثم نعتته نصوص عهده بلقب "الراعي"، وقال في نقوش أحد تماثيله "أنا الراعي حبيب ملكه "نين جيرسو" طال عمري"١. ولم تذكر نقوش جوديا الحرب غير مرة واحدة مع دولة أنشان. ولكن حملت قوافل التجارة شهرته وسجلت اسمه في شمال سوريا وفي عيلام والبحرين وعمان. واحتفظت له أرض لجش بأكثر من ستة عشر تمثالًا وجزءًَا من تمثال نحت أغلبها من أحجار الديوريت، وقد تفرقت بعد الكشف عنها في متاحف العراق واللوفر والمتحف البريطاني٢. وأخذت هذه التماثيل بالأسلوب الواقعي الذي بدأ نضوجه من قبل خلال العصر الأكدي، وعبرت بخطوطها المرنة عن الجنس السومري ذي الرأس العريضة، وغلبت على ملامح صاحبها وهيئاته روح التقوى والتواضع الكريم، ويبدو أن اعتبار أهل عصره نكبة الجوتيين على أرضهم غضبًا من الأرباب كان له أثره في تغليب روح التقوى في حياتهم إبان سعيهم للتخلص من غزاتهم٣. وأظهرت تماثيل جوديا صاحبها جالسًا وواقفًا على هيئة المتعبد، في أحجام تقل عن حجمه الطبيعي "فيما خلا واحد منها"، وأعوزت الجالسة منها سلامة النسب بين الجذع العلوي والجذع السفلي، وبين الرأس والرقبة، ولكنها لم تخل على الرغم من ذلك من حيوية أضافها عليها صدق تمثيل ملامح وجهه العريض الحليق، وتفاصيل حاجبيه الكثيفين واتساع ما بين أنفه وشفته وامتلاء ذقنه وبروزها، وتفاصيل عمامته "أو قلنسوته" الصوفية الواسعة ذات الخصل، وبساطة ثيابه ورقة أطرافها الموشاة التي عبر الفنان عنها بتموجات خفيفة وخطوط مرسلة وزوايا منفرجة. وتخلصت بعض تماثيله الواقفة الصغيرة المنحوتة من حجر الديوريت وحجر الحية "السربنتين" من قلة التناسب بين أجزائها، وجنبته تصلب الهيئة ومثلته في وضع

стр. 493

طبيعي خاشع لطيف تكاد تشف عباءته الثمينة عن عضلات بدنه، ولم يعبها بعض الشيء غير اتساع محجري العينين واتصال الحاجبين، وهو اتساع اتصفت به أغلب تماثيل العراق. والطريف أن من تماثيله الجالسة ما تتشابه بعض تفاصيله مع تفاصيل التماثيل المصرية في عصور الدولة الوسطى وما تلاها، من حيث نقش نصوص رأسية فوق الجزء الأسفل من ثوبه، ووضع مسطح مستطيل على ركبتيه تضمن في إحدى المرات تصميمها لمعبد وتصوير لوحة "مسطرة" وقلم؛ ثم من حيث نقش اسمه داخل مستطيل على كتفه١. أقيمت أغلب تماثيل جوديا في معبد لجش الكبير، وأقيمت في فنائه عدة نصب، وتركت تحت أحجار أساسه آثار صغيرة منقوشة. واتسعت سطوح تماثيل جوديا تلك ونصبه وسطوح الصولجانات ورءوس المقامع التي أهداها إلى هذا المعبد، وإلى بقية معابد دولته، لتسجيل آيات تقواه إزاء أربابه ولا سيما نين جيرسو إله لجش الذي اعتبره ربه وملكه، واعتبر نفسه إنسيا له، روى كتبته فيها على لسانه اهتمامه باستيراد أحجار مختلفة الأنواع والألوان، ومعادن مختلفة القيم وأخشاب، عن طريق البر والنهر والبحر من أرض إلام "عيلام" وعاصمتها سوسه، ومن ماجان وملوخا، ومن كيماش وجبل الأرز وجبل الصنوبر، لصالح معبد لجش بوجه خاص، وأكد أنه التزم في تجديد هذا المعبد وبناء مقاصيره وصناعة رموز معبوده وأسلحته ما جرى به العرف القديم وما أوصى به المعبودان نين زاجا، ونين سيكيلا٢. وتحدثت نقوش الرجل عن فضل أربابه في منع طغيان الفرات على أرضه. وروت أنه رأى ذت مرة في رؤياه معبوده على هيئة شيخ متوج تسمو هامته إلى كبد السماء، يحيط به أسدان وحمار رابض وشمس مشرقة، وسيدة تمسك قلمًا مع لوحة النجم السعيد، ومعبود في إهاب محارب ظهر كأنه يخطط تصميم معبد. واستفتى جوديا وحي أربابه "أو على الأصح استفتى كهنتهم" في تأويل رؤياه، فأتاه وحي ربته نينا بأن الإله المتوج هو نين جيرسو، وأن الشمس ترمز إلى ربه نين جيزيدا، وأن السيدة ذات القلم واللوحة هي نيسابا، وأن المعبود في هيئة المحارب هو نندوب، وأن الرؤيا إيحاء له بإعادة بناء معبد نين جيرسو بعد خرابه في عهد الفوضى، وأما الحمار المضجع فهو جوديا نفسه! ويبدو أن الرجل كان لا يزال بحاجة إلى آية أخرى فسوف في الأمر حتى حل القحط بأرضه فاتجه بدعائه إلى نين جيرسو، وأتاه نداء ربه بأنه إذا بدأت يمينه في تأسيس معبد فلسوف ترقى الصرخة إلى السماء من أجل الرياح والأمطار، ولسوف تسقط السماء حينئذ فيضها بعد أن يضع الرب قدمه على الجبل العالي، جبل العاصفة، ولسوف ينزل الفيضان من قمة مقدسة شاهقة الارتفاع٣. وعندما تم بناء المعبد أكدت نصوص الملك حسن معاملته لمن اشتركوا في بناءه من رعاياه، وأشركتهم في ثوابه، فتحدثت عن انتفاء الضرب واللكز، وقالت إنهم كانوا يعتبرون عملهم قربانًا لربهم٤.

стр. 494

ولم يكن جوديا، فيما تحدثت به عنه نصوصه، أقل ولاء لربات مدينته منه لأربابها، فكان من ابتهالاته للربة جاتومدو ربة لجش قوله لها: "مليكتي، بنت السماء البهية، يا من تجيبين الدعوات، وترفعين الرأس، وتهبين الحياة لأرض سومر، أنت تعرفين ما يصلح مدينتي، أنت مليكتي، أنت الأم التي أسست لجش، لا أم لي وأنت أمي، لا أب لي وأنت أبي ... ، جاتومدو ما ألذ "ترديد" اسمك"١. وتخلفت من آيات النحت من عهد جوديا مفردات أخرى، ومنها رءوس رجال حليقي اللحى والشوارب، ورءوس وتماثيل نساء بلغت الغاية في بساطة خطوطها، وسلامة تعبيراتها، وإتقان تمثيل الحلي ووشي الملابس عليها على الرغم من قسوة أحجارها٢، وتمثال قد يرجع إلى عهده أو إلى العصر الأكدي، يجمع بين جسم فحل رابص ورأس إنسان ملتح يلتفت جانبًا في تناسق لطيف٣، وبقايا أسود كبيرة، ورأس مقمعة رمزية مذهبة شكلت سطوحها على هيئة رءوس السباع٤. وتضمنت ودائع أساسات المعابد اللجشية "لا سيما معبد نين جيرسو ومعبد إنانا" روائع معدينة صغيرة تميزت منها قطع على هيئة الأوتاد زودت بأشكال ربانية وملكية، كناية فيما يبدو عما كان الملوك يرجونه لمباني معابدهم من ثبات يتعهده الأرباب. ومن نماذج هذه الأوتاد وتد يتصل به تمثال صغير رابع لمعبود طويل الشعر واللحية يلبس قلنسوة لطيفة هرمية الشكل، أو لولبية الشكل، مائلة، ويعتلي منصة صغيرة ويرسل ساقيه منها، وقد احتضن الوتد بين ساقيه وبدا كأنما يهم بغرسه في الأرض٥، ثم أوتاد أخرى احتضنها جوديا نفسه وقد حمل على رأسه سلة كان من المفروض أن تتضمن بعض أدوات البناء أو تتضمن الطين الذي كان يعتزم أن يضرب به اللبنة الأولى في أساس المعبد٦. وأدت نقوش العهد دورها في تسجيل آيات الرقي الفني خلاله، وصور بعضها زقورات ذات ثلاثة مسطحات، ليس من المستعبد أن إحداهما كانت تقوم في العاصمة لجش بالذات. وجرت نقوش الأختام حينذاك على الأسلوب الأكدي، وشاعت فيها مثلها مناظر التقرب من الآلهة، ولكن روح التقوى غلبت فيها على مجرد الرغبة في الإهداء إلى الأرباب. واحتفظت نقوش أحد أختام جوديا وأحد نصبه بمنظر متماثل صور راعيه نين جيزايدا يأخذ بيده ليقدمه إلى كبير الأرباب واهب الفيضان الذي استوى على عرشه بتاجه ذي القرون، حيث تقرب جوديا إلى مولاه بآنية ينسكب على جانبيها الماء الطهور،

стр. 495

وبدا في ضحرته متواضعًا وجلا يلبس ملفعة بسيطة موشاة الأطراف ويضع كفه تجاه فمه في هيئة التوسل والدعاء، وظهرت خلفه ربته بثوب بسيط رقيق ذي خطوط طويلة، وقد رفعت يديها إجلالًا لربها الأكبر وتشفعًا لربيبها جوديا عنده، وظهر من خلفها تنين خرافي مجنح بجسم أسد ورأس ثعبان وساقي نسر. ونجح الفنان في الحالين في تمثيل ملامح شخوصه بوضوح وفي تحقيق التناسب في صورهم وفي التمييز بين شموخ المعبود وخشوع المتعبد ورجاء الشفيع وقوسة التنين١. واحتفظت إحدى لوحات عهده بتصوير ممتع لفتى وفتاة يدقان على طبل كبير في حفل ديني. كما بقيت كأس كبيرة باسمه صنعت من حجر الحية، جسدت على سطوحها الخارجية بالنقش البارز هيئات حيوانات خرافية مجنحة قرناء تقف على سيقانها الخلفية وتمسك عمدًا ذات مقابض تشبه مقابض السيوف، وأفاع ضخمة قائمة متقابلة تلتف حول محور رأسي وقد رقشت أجسادها جميعها بقطع حجرية صغيرة وطعمت رءوسها بمواد ملونة٢. وصاحب تعمير المعابد ورقي الفنون في عهد جوديا نشاط عمراني، كان من صورة الاهتمام بوسائل الري، وبقي من نصوص عهده ما يتحدث عن شق قناة نسبت إلى رب لجش وسميت "نين جيرسو أوشومجال" ويبدو أن حفرها كان عملًا ذا بال بحيث أرخ به في سنته٣. وظل خلفاء جوديا يرددون ذكراه، وساعدت كثرة تماثيله في معبد لجش وكثرة الأوقاف المرصودة على قرابينها، على استمرار تبجيله أو تقديسه بعد عهده. واحتفظت فنون لجش بمستواها الرفيع في عهد "أورنين جيرسو" بن جوديا، واحتفظت له أرضها ببضعة تماثيل صغيرة ممتعة تشبه تماثيل أبيه، صوره بعضها حليق الشارب واللحية على عادة الكهان، بينما صوره بعضها الآخر بشعر طويل ولحية, واستغل الفنانون بعض قواعد هذه التماثيل لنقش صور عدد من المتعبدين يتقدمون بقرابينهم وهم جثاة٤.
следующие страницы →