← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

من الشرق، والسوباريون من الشمال، وكلهم يحمل هداياه كل شبر وفي مطلع العام، ثم أصبحت أبواب أجادة مطروحة ساقطة وتركت إنانا هداياهم وحل الرعب في "معبدها" أولماش وصبت نقمتها على المدينة فولت عنها السيادة وأصبحت خرابًا، وأصبح نرام سين ينعيها، وكان قد عصى إنليل سبع سنوات وأذن لجنده بمهاجمة معبده إكور فنهبوه ودمروه حتى "أصبح البيت وقد تمدد كالشاب الميت المطروح، وقطعت الغلة من الباب الذي لم تكن الغلة تنقطع عنه"، ونهبوا نفر نفسها "فهاج إنليل وقذفهم بأهل الجبال الجوتيين فعم القحط والجوع أرض سومر كلها وتفشى فيها الغلاء والوباء وتهددت بالفناء، وحينئذ إنبرى ثمانية أرباب منهم سين وإنكي ونينورتا وأوتو ونيدابا ووعدوه بتدمير أجادة عسى أن يكشف الضر عن بقية البلاد، وواجهوا أجادة ونطقوا بلعنة الخراب عليها ودعوا عليها بأن يعود طوبها إلى أصله "الطيني" في ماء العمق، وتذبح زوجاتها عوضًا عن بقراتها وتذبح أبناءها عن أغنامها، وينضب منها كل شيء .. ". وانتهت الرواية بتأكيد حدوث ذلك كله، وبأن من أراد أن يسكن أجادة لم يعد يجد فيها موضعًا للسكنى، ومن أراد النوم فيها لم يعد يجد فيها موضوعًا ينام فيه١. غير أن هذا التصوير لزوال الدولة الأكدية لم يمنع الكاتب السومري من أن يعترف بالحقيقة الواقعة التي ترتبت على زوالها وهي أنه تلاها عصر لم يكن يعرف أحد فيه الملك من غير الملك، نتيجة فيما يبدو لكثرة أدعياء الحكم وكثرة المتسيطرين من الجوتيين. ومع توالي الأيام، خفت حدة الجوتيين وخشونتهم رويدًا رويدًا، ولم يكن أمامهم وهم غير ذوي ثقافة أصيلة إلا أن ينهلوا من معين الثقافة السومرية الأكدية فاصطبغوا بها وعبدوا أربابها مع أربابهم٢، ويبدو أنهم اتخذوا مدينة كركوك واحدة من مدنهم الرئيسية، ولكن المدن المتحضرة القديمة ظلت كارهة لهم وظلت تتحين الفرص لمناضلتهم ولا سيما في المناطق الجنوبية البعيدة نوعًا عن حكمهم المباشر. وبدأت هذا النضال لجش وأوروك، بل واستعاد بعض الأمراء الأكديين سلطانهم في عهدهم بحيث مد أحدهم "شدرول" نفوذ إلى منطقة إشنونا قرب دجلة. وكان نضال لجش "تلو" نضالًا سلميًّا اكتفت فيه بأن تستعيد للسومريين كيانهم ونشاطهم السلمي الذاتي في الداخل وفي الخارج، وبدأ بمسعاها ذاك في الربع الأخير من القرن الثاني والعشرين ق. م عصر جديد يسمى إصطلاحًا باسم العصر السومري الحديث أو عصر الإحياء السومري، وهو موضوع الفصل التالي.

стр. 492

الفصل السادس عشر عصر الإحياء السومري "منذ ٢١٢٥ق. م ." في لجش: استغلت لجش في نهضتها مسالك التجارة القديمة استغلالًا واسعًا لصالحها، وكان خير عهودها عهد ملكها التقي جوديا، قبيل أوائل القرن الحادي والعشرين ق. م أو أواسطه، وكان رجلًا اعتز أو اكتفى في أغلب نصوصه بلقب، "إنسي" القديم الذي تلقب به حكام لجش في عهود تبعيتهم للدولة الأكدية، وفي عهود سيطرة الجوتيين، ولكنه استعاض عن الانتساب إليهم في لقبه بالانتساب إلى سيادة ربه نين جيرسو الذي اعتبره ملكه واعتبر نفسه إنسيا له، ثم نعتته نصوص عهده بلقب "الراعي"، وقال في نقوش أحد تماثيله "أنا الراعي حبيب ملكه "نين جيرسو" طال عمري"١. ولم تذكر نقوش جوديا الحرب غير مرة واحدة مع دولة أنشان. ولكن حملت قوافل التجارة شهرته وسجلت اسمه في شمال سوريا وفي عيلام والبحرين وعمان. واحتفظت له أرض لجش بأكثر من ستة عشر تمثالًا وجزءًَا من تمثال نحت أغلبها من أحجار الديوريت، وقد تفرقت بعد الكشف عنها في متاحف العراق واللوفر والمتحف البريطاني٢. وأخذت هذه التماثيل بالأسلوب الواقعي الذي بدأ نضوجه من قبل خلال العصر الأكدي، وعبرت بخطوطها المرنة عن الجنس السومري ذي الرأس العريضة، وغلبت على ملامح صاحبها وهيئاته روح التقوى والتواضع الكريم، ويبدو أن اعتبار أهل عصره نكبة الجوتيين على أرضهم غضبًا من الأرباب كان له أثره في تغليب روح التقوى في حياتهم إبان سعيهم للتخلص من غزاتهم٣. وأظهرت تماثيل جوديا صاحبها جالسًا وواقفًا على هيئة المتعبد، في أحجام تقل عن حجمه الطبيعي "فيما خلا واحد منها"، وأعوزت الجالسة منها سلامة النسب بين الجذع العلوي والجذع السفلي، وبين الرأس والرقبة، ولكنها لم تخل على الرغم من ذلك من حيوية أضافها عليها صدق تمثيل ملامح وجهه العريض الحليق، وتفاصيل حاجبيه الكثيفين واتساع ما بين أنفه وشفته وامتلاء ذقنه وبروزها، وتفاصيل عمامته "أو قلنسوته" الصوفية الواسعة ذات الخصل، وبساطة ثيابه ورقة أطرافها الموشاة التي عبر الفنان عنها بتموجات خفيفة وخطوط مرسلة وزوايا منفرجة. وتخلصت بعض تماثيله الواقفة الصغيرة المنحوتة من حجر الديوريت وحجر الحية "السربنتين" من قلة التناسب بين أجزائها، وجنبته تصلب الهيئة ومثلته في وضع

стр. 493

طبيعي خاشع لطيف تكاد تشف عباءته الثمينة عن عضلات بدنه، ولم يعبها بعض الشيء غير اتساع محجري العينين واتصال الحاجبين، وهو اتساع اتصفت به أغلب تماثيل العراق. والطريف أن من تماثيله الجالسة ما تتشابه بعض تفاصيله مع تفاصيل التماثيل المصرية في عصور الدولة الوسطى وما تلاها، من حيث نقش نصوص رأسية فوق الجزء الأسفل من ثوبه، ووضع مسطح مستطيل على ركبتيه تضمن في إحدى المرات تصميمها لمعبد وتصوير لوحة "مسطرة" وقلم؛ ثم من حيث نقش اسمه داخل مستطيل على كتفه١. أقيمت أغلب تماثيل جوديا في معبد لجش الكبير، وأقيمت في فنائه عدة نصب، وتركت تحت أحجار أساسه آثار صغيرة منقوشة. واتسعت سطوح تماثيل جوديا تلك ونصبه وسطوح الصولجانات ورءوس المقامع التي أهداها إلى هذا المعبد، وإلى بقية معابد دولته، لتسجيل آيات تقواه إزاء أربابه ولا سيما نين جيرسو إله لجش الذي اعتبره ربه وملكه، واعتبر نفسه إنسيا له، روى كتبته فيها على لسانه اهتمامه باستيراد أحجار مختلفة الأنواع والألوان، ومعادن مختلفة القيم وأخشاب، عن طريق البر والنهر والبحر من أرض إلام "عيلام" وعاصمتها سوسه، ومن ماجان وملوخا، ومن كيماش وجبل الأرز وجبل الصنوبر، لصالح معبد لجش بوجه خاص، وأكد أنه التزم في تجديد هذا المعبد وبناء مقاصيره وصناعة رموز معبوده وأسلحته ما جرى به العرف القديم وما أوصى به المعبودان نين زاجا، ونين سيكيلا٢. وتحدثت نقوش الرجل عن فضل أربابه في منع طغيان الفرات على أرضه. وروت أنه رأى ذت مرة في رؤياه معبوده على هيئة شيخ متوج تسمو هامته إلى كبد السماء، يحيط به أسدان وحمار رابض وشمس مشرقة، وسيدة تمسك قلمًا مع لوحة النجم السعيد، ومعبود في إهاب محارب ظهر كأنه يخطط تصميم معبد. واستفتى جوديا وحي أربابه "أو على الأصح استفتى كهنتهم" في تأويل رؤياه، فأتاه وحي ربته نينا بأن الإله المتوج هو نين جيرسو، وأن الشمس ترمز إلى ربه نين جيزيدا، وأن السيدة ذات القلم واللوحة هي نيسابا، وأن المعبود في هيئة المحارب هو نندوب، وأن الرؤيا إيحاء له بإعادة بناء معبد نين جيرسو بعد خرابه في عهد الفوضى، وأما الحمار المضجع فهو جوديا نفسه! ويبدو أن الرجل كان لا يزال بحاجة إلى آية أخرى فسوف في الأمر حتى حل القحط بأرضه فاتجه بدعائه إلى نين جيرسو، وأتاه نداء ربه بأنه إذا بدأت يمينه في تأسيس معبد فلسوف ترقى الصرخة إلى السماء من أجل الرياح والأمطار، ولسوف تسقط السماء حينئذ فيضها بعد أن يضع الرب قدمه على الجبل العالي، جبل العاصفة، ولسوف ينزل الفيضان من قمة مقدسة شاهقة الارتفاع٣. وعندما تم بناء المعبد أكدت نصوص الملك حسن معاملته لمن اشتركوا في بناءه من رعاياه، وأشركتهم في ثوابه، فتحدثت عن انتفاء الضرب واللكز، وقالت إنهم كانوا يعتبرون عملهم قربانًا لربهم٤.

стр. 494

ولم يكن جوديا، فيما تحدثت به عنه نصوصه، أقل ولاء لربات مدينته منه لأربابها، فكان من ابتهالاته للربة جاتومدو ربة لجش قوله لها: "مليكتي، بنت السماء البهية، يا من تجيبين الدعوات، وترفعين الرأس، وتهبين الحياة لأرض سومر، أنت تعرفين ما يصلح مدينتي، أنت مليكتي، أنت الأم التي أسست لجش، لا أم لي وأنت أمي، لا أب لي وأنت أبي ... ، جاتومدو ما ألذ "ترديد" اسمك"١. وتخلفت من آيات النحت من عهد جوديا مفردات أخرى، ومنها رءوس رجال حليقي اللحى والشوارب، ورءوس وتماثيل نساء بلغت الغاية في بساطة خطوطها، وسلامة تعبيراتها، وإتقان تمثيل الحلي ووشي الملابس عليها على الرغم من قسوة أحجارها٢، وتمثال قد يرجع إلى عهده أو إلى العصر الأكدي، يجمع بين جسم فحل رابص ورأس إنسان ملتح يلتفت جانبًا في تناسق لطيف٣، وبقايا أسود كبيرة، ورأس مقمعة رمزية مذهبة شكلت سطوحها على هيئة رءوس السباع٤. وتضمنت ودائع أساسات المعابد اللجشية "لا سيما معبد نين جيرسو ومعبد إنانا" روائع معدينة صغيرة تميزت منها قطع على هيئة الأوتاد زودت بأشكال ربانية وملكية، كناية فيما يبدو عما كان الملوك يرجونه لمباني معابدهم من ثبات يتعهده الأرباب. ومن نماذج هذه الأوتاد وتد يتصل به تمثال صغير رابع لمعبود طويل الشعر واللحية يلبس قلنسوة لطيفة هرمية الشكل، أو لولبية الشكل، مائلة، ويعتلي منصة صغيرة ويرسل ساقيه منها، وقد احتضن الوتد بين ساقيه وبدا كأنما يهم بغرسه في الأرض٥، ثم أوتاد أخرى احتضنها جوديا نفسه وقد حمل على رأسه سلة كان من المفروض أن تتضمن بعض أدوات البناء أو تتضمن الطين الذي كان يعتزم أن يضرب به اللبنة الأولى في أساس المعبد٦. وأدت نقوش العهد دورها في تسجيل آيات الرقي الفني خلاله، وصور بعضها زقورات ذات ثلاثة مسطحات، ليس من المستعبد أن إحداهما كانت تقوم في العاصمة لجش بالذات. وجرت نقوش الأختام حينذاك على الأسلوب الأكدي، وشاعت فيها مثلها مناظر التقرب من الآلهة، ولكن روح التقوى غلبت فيها على مجرد الرغبة في الإهداء إلى الأرباب. واحتفظت نقوش أحد أختام جوديا وأحد نصبه بمنظر متماثل صور راعيه نين جيزايدا يأخذ بيده ليقدمه إلى كبير الأرباب واهب الفيضان الذي استوى على عرشه بتاجه ذي القرون، حيث تقرب جوديا إلى مولاه بآنية ينسكب على جانبيها الماء الطهور،

стр. 495

وبدا في ضحرته متواضعًا وجلا يلبس ملفعة بسيطة موشاة الأطراف ويضع كفه تجاه فمه في هيئة التوسل والدعاء، وظهرت خلفه ربته بثوب بسيط رقيق ذي خطوط طويلة، وقد رفعت يديها إجلالًا لربها الأكبر وتشفعًا لربيبها جوديا عنده، وظهر من خلفها تنين خرافي مجنح بجسم أسد ورأس ثعبان وساقي نسر. ونجح الفنان في الحالين في تمثيل ملامح شخوصه بوضوح وفي تحقيق التناسب في صورهم وفي التمييز بين شموخ المعبود وخشوع المتعبد ورجاء الشفيع وقوسة التنين١. واحتفظت إحدى لوحات عهده بتصوير ممتع لفتى وفتاة يدقان على طبل كبير في حفل ديني. كما بقيت كأس كبيرة باسمه صنعت من حجر الحية، جسدت على سطوحها الخارجية بالنقش البارز هيئات حيوانات خرافية مجنحة قرناء تقف على سيقانها الخلفية وتمسك عمدًا ذات مقابض تشبه مقابض السيوف، وأفاع ضخمة قائمة متقابلة تلتف حول محور رأسي وقد رقشت أجسادها جميعها بقطع حجرية صغيرة وطعمت رءوسها بمواد ملونة٢. وصاحب تعمير المعابد ورقي الفنون في عهد جوديا نشاط عمراني، كان من صورة الاهتمام بوسائل الري، وبقي من نصوص عهده ما يتحدث عن شق قناة نسبت إلى رب لجش وسميت "نين جيرسو أوشومجال" ويبدو أن حفرها كان عملًا ذا بال بحيث أرخ به في سنته٣. وظل خلفاء جوديا يرددون ذكراه، وساعدت كثرة تماثيله في معبد لجش وكثرة الأوقاف المرصودة على قرابينها، على استمرار تبجيله أو تقديسه بعد عهده. واحتفظت فنون لجش بمستواها الرفيع في عهد "أورنين جيرسو" بن جوديا، واحتفظت له أرضها ببضعة تماثيل صغيرة ممتعة تشبه تماثيل أبيه، صوره بعضها حليق الشارب واللحية على عادة الكهان، بينما صوره بعضها الآخر بشعر طويل ولحية, واستغل الفنانون بعض قواعد هذه التماثيل لنقش صور عدد من المتعبدين يتقدمون بقرابينهم وهم جثاة٤.

стр. 496

في أوروك: وقع عبء الكفاح المسلح ضد الغزاة الجوتيين على أكتاف دولة أرورك. ويحتمل أن تكون نهضتها قد عاصرت في بعض أيامها نهضة كل من لجش وأور١. ولعلها قد استغلت موقعها الجنوبي وحاولت توحيد كلمة المدن السومرية القريبة منها تحت رايتها ضد الغزاة - وظهر من أبرز حكامها أوتو حيجال

стр. 497

الذي أعلن حرب الخلاص باسم رعاته الأرباب إنليل وإنا وجلجميش الذين استنصرهم، وواصلت قواته الزحف من الوركاء وكلاب لستة أيام، وقبضت على نائبي الجوتيين في سومر، ثم هزمت قوات الجوتيين في موقعة فاصلة قرب كركر. وأسرت ملكهم تريكان وأهله بعد أن فر هاربًا إلى بلدة دبروم، وكانت نصوص أوروك قد وصفته بالأفعى وعقرب الجبال الذي نشر العداوة والبغضاء بين أهل سومر١. واستحقت أوروك بنصرها نوعًا من اعتراف أغلب المدن السومرية بزعامتها الشكلية، لولا أن الآمال العريضة ما لبثت حتى لعبت برءوس حكامها، فسارعوا باتخاذ لقب الملك العريض، ملك سومر وأكد، قبل أن يستكملوا عدتهم له، وشغلتهم مظاهر السلطان عن مواصلة العمل الجدي، فانفلتت الزعامة الفعلية منهم إلى دولة أور.

стр. 498

في دولة أور: نهضت أور نهضتها ببداية أسرة حكم جديدة أسسها "أورنمو" قبيل القرن الحادي والعشرين ق. م، وعرفت اصطلاحًا باسم أسرة أور الثالثة، وتعاقب على عرش هذه الأسرة خمسة ملوك سعوا إلى استعادة الحكم الموحد، واشتهر منهم إلى جانب مؤسسها أورنمو١ ولده "شوجلي أو شاخ جي"، وبمجهود هذين الملكين بالذات خضعت كثير من المدن السومرية والأكدية لأور، وذلك مما سمح لملوكها بأن يتلقبوا بمثل لقبي سرجون الأكدي، أي "ملك سومر وأكد"، و"ملك الجهات الأربع" وإن ظل هذا اللقب الأخير بخاصة لقبًا تشريفيًّا أكثر منه لقبًا فعليًّا؛ إذ إنه على الرغم من جهود الملكين وبعض خلفائهما في سبيل توسيع الحدود، واعتراف آشور في الشمال بنفودهم الاسمي، بحيث أقام أهل مدينة إشنونا معبدًا في مدينتهم نسبوه إلى ملك أور "شوسين"٢، كما أرسل أحد ملوك آشور هدية ثمينة إلى بورسين ملك أور القوي، ملك الأقاليم الأربعة٣، إلا أن حجم المملكة ظل أقل بكثير مما كان عليه في العصور الأكدي. وأضافت دولة أور بضعة تجديدات في آفاق السياسة والتشريع ومجالات الصناعة والفن: فأثر لنظم الحكم الداخلية فيها أن مؤسسها أورنمو كان من أقدم مصدري التشريعات المكتوبة المعروفة في تاريخ العراق "بعد تنظيمات أوروكاجينا" حيث عثر على أجزاء من نسختين لتشريعه كتب إحديهما طالب في مدينة أور، وكتب الأخرى، طالب من مدينة نفر بعد وفاة أورنمو بنحو ثلاثة قرون، مما قد يعني أن هذا التشريع

стр. 499

جاوز صيغته المحلية وطبق في مدن أخرى ولفترة طويلة. وبدأ كاتب التشريع باختيار المعبودين آن وإنليل للمعبود ننار إليه القمر ملكًا على مدينة أور، ثم اختيار هذا الأخير "أورنمو" تائبًا عنه أو ممثلًا له يقوم مقامه على الأرض. ولعل الربط بين التشريعات وبين اختيار الآلهة وإرادتهم أو إيحاءاتهم، وهو أمر سنراه أكثر وضوحًا في تشريعات أخرى تالية، كان مقصودًا لكفالة احترام بنودها وخلع الشرعية عليها فضلًا عن تأكيد دور الملوك كوسطاء بين الآلهة وبين شعوبهم عن طريقها. وتضمنت المواد الأولى من تشريع أورنمو العبارات المعتادة عن سعي صاحبه إلى ضبط الأوزان والمكاييل وتوحيدها، ورغبته في تخليص المواطنين ممن يستغلون ماشيتهم وأغنامهم ودوابهم، وإلى أن يمنع وقوع اليتيم فريسة للثرى ووقوع الأرملة ضحية للقوى وأن لا يكون مالك الشاقل ضحية صاحب المينه "وتساوي المينه Me-Na, Ma-Na ستين شاقلا". وكان كل من المينه أو المينا، والشيقل أو الشاقل، قطعة معدينة ذات وزن معلوم تقوم مقام العملة وليست منها. وتختلف قيمتها الحقيقة باختلاف نوع معدنها. وأقر قانون أورنمو دفع غرامات على الجروح "التي لا تفضي إلى الوفاة"، فجعل غرم جرح الساق عشرة شواقل من الفضة، وغرم كسر العظام مينة من الفضة، وغرم قطع الأنف ثلثي مينه من الفضة، وغرامة كسر السن شاقلين من الفضة. وجعل التشريع العوض عن الجالية مثلها أو عشرة شواقل من الفضة أو ما يساويها من المقتنيات. وجعل حلوان إعادة العبد الآبق والجارية إلى مالكهما شاقلين من الفضة. ونص على أن من اقتحم حقلًا مزروعًا فأفسده فعليه أن يعوض صاحبه بقيمة ما أفسده، ومن أغرق حقلًا عامدًا عوض صاحبه بثلاثة كور من الشعير من كل إكو من الأرض، ومن استأجر أرضًا لزراعتها فأهملها وأصبحت بورًا عوض صاحبها بثلاث كور من الشعير من كل إكو من مساحتها. وجعل التشريع غرامة شهادة الزور١٥ شاقلا من الفضة. وأجاز إظهار البينة عن طريق الامتحان بإلقاء المتهم في النهر. ويبدو أن الحكمة من ذلك هي إيكال أمره إلى إله النهر إذا عجز القاضي عن إثبات التهمة عليه، فإن شاء الرب أنقذه وبرأه، وإن شاء أغرقه بذنبه. ولعل عدالة الجزاء كانت تقتضي أن يوثق المتهم ويثقل بالأحجار قبل إلقائه في الهر بحيث يكون غارقًا لا محالة، فإذا طفا ونجا اعتبر ذلك معجزة ودليلًا على رغبة الإله في تبرئته. "وذلك اعتقاد يمكن فهمه بمقارنته بما يأخذ به بعض البدو حتى الآن من امتحان المهتم عن طريق البشعة فإن احترق بها لسانه عند لمسها دل ذلك على احتمال إجرامه وإن سلم لسانه كان من أدلة براءته". وفي الأحوال الشخصية نص التشريع على أن من تزوج بكرًا ثم طلقها دفع لها مينه من الفضة، وإذا تزوجها ثيبًا وطلقها دفع لها نصف مينه من الفضة، وإذا عاشر أرملة دون عقد زواج وتركها فلا تعويض لها عنده. وألزم والد الخطيبة برد ضعف هدايا الخطيب إذا أخلف وعده له وزوجها لآخر. ونص التشريع على أن رمي زوجة آخر بالفحشاء ثم برأها امتحان النهر غرم ثلث مينه من الفضة وأن من اغتصب جارية رجل آخر وكانت بكرًا غرم خمسة شواقل من الفضة، وإذا أوقعت زوجة رجلًا في حبائلها بطرق السحر فواقعها حق عليها الذبح دونه. ونص على أنه إذا ساوت جارية الرجل نفسها بسيدتها وأهانتها "أو أهانته"

стр. 500

حشي فمها بالملح ونقع به. وأصبحت أغلب هذه البنود، وهي قلة من كثرة لم يعثر عليها، أساسًا لبعض ما تلاها من تشريعات١. أعيد في عهد أورنمو تسوير عاصمته ذات الهيئة البيضية التي أطلت على نهر الفرات بميناء ذات أرصفة واسعة، وحماها الماء من ثلاث جهات، وبلغت مساحتها نيفًا ونصف ميل طولًا، وربع ميل عرضًا. وامتدت حولها ضواحيها وشغلت معها مساحة قدرها نحو أربعة أميال طولًا وميل ونصف عرضًا وأطل سور المدينة من داخله على ساحة متسعة "بلغت مساحتها ٤٠٠ ياردة ×٢٠٠ ياردة" قامت فيها معابد المدينة الكبرى المخصصة للمعبود ننار وزوجته ننجال وحاشيتها. وبقيت أجزاء لبعض هذه المعابد حتى الآن بحالة لا بأس بها. وفي الحياة السياسية تجنبت أور إلى حد ما العوامل الوخيمة التي نخرت في كيان الدولة الأكدية من قبلها نتيجة للتفرقة بين السومريين وبين الساميين وشطر أهل البلد الواحد شطرين، فاستعانت بالعنصرين في جيشها وفي مناصب الإدارة. وجمعت بين اللغتين السومرية والأكدية في بعض الوثائق الرسمية والأدبية. وتسمى بعض ملوكها بأسماء سامية الصبغة مثل شوسين، إبي سين. ولو أن هذه السياسة لم تمنع ملوكها من انتسابهم إلى سومر أكثر من غيرها، ولا من مركزة الحكم في عاصمتهم كما فعل الأكديون من قبل، فظلت هذه العاصمة تشرف على كل كبيرة وصغيرة من شئون المدن والأقاليم، ويبدو أنها استعانت على ذلك باستحداث نظام يشبه نظام الوزارة، والعناية بنظام العدائين لتبليغ أوامرها إلى ولاة أقاليمها، واعتبرت أولئك الولاة مجرد موظفين كبار يخضعون للنقل من إقليم إلى إقليم. ولم يضح ملوك أور بالهالة المقدسة التي اكتسبتها الملكية منذ أيام الدولة الأكدية، وكان أكثرهم استمساكًا بها "شولجي" "ذلك الذي كان اسمه يقرأ دونجي ثم ظهر رأي جديد يقرأه شاخ - جي"٢، وقد اختير كاهنًا أكبر للمعبودة إنانا في أوروك في حياة أبيه، وذكرت نصوصه أن الإله اختاره بنفسه٣، وأطلق اسمه بعد توليه العرش على أحد شهور دولته، ورفعه أهل بلاطه إلى مرتبة الربوبية أو ما هو قريب منها ورضي هو بها بطبيعة الحال، فسمى بعضهم أولاده باسم "شونجي إيلي" بمعنى شولجي إلهي، و"شولجي باني" بمعنى شوجلي الخالق، فضلًا عن "شولجي أبي". وأقطع شولجي ابنته منطقة واسعة، فأصبحت أميرة لها. وربط بين الميول الدينية في بعض المدن الكبيرة وبين عقائد بلده عن طريق تكليف كل مدينة بنفقات قرابين معبد إله العاصمة شهرًا على الأقل من كل عام، ووقع أغلب الغرم في ذلك على مدينة لجش فتكفلت بأداء القرابين أربعة أشهر كاملة.

стр. 501

وعبر كاتب سورمي عن رأي شولجي في نفسه فكتب على لسانه: "أنا الملك، كنت بطلًا في بطن أمي، أنا شولجي، صاحب البأس منذ مولدي، أنا أسد ثاقب البصر، ابن مارد، أنا ملك أركان الدينا الأربعة، أنا حامي السومريين وراعيهم، أنا بطل، رب البلاد كلها. أحب الخير وأقسي الشر وأمقت ألفاظ العداوة، أنا شولجي الملك المقتدر، أخضعت البلاد الثائرة وكفلت الأمان لشعبي ... شولجي الذي توفر له بأس السماء والأرض، ولم يكن له مثيل، شولجي الذي رعاه رب السماء"١. ولم يكن اعتداد شولجي بنفسه بغير أثر سيئ على أذهان كتبة التاريخ بعد عهده، فذكروا أنه وإن اهتم الاهتمام الشديد بمدينة إريدو التي تقع قرب شاطئ البحر، إلا أنه استولى على ذخائر معبد إساجيلا معبد بابل، فغضب بعل ولم يرض عن جثته٢. وجرى خلفاء شوجلي ومنهم ولده أمرسين على سياسته في الاستمساك بهالة الملك المقدسة، وأثنت كاهنة من كاهنات لوكور على مولاها شوسين "الابن الثاني لشولجي في أوائل الألف الثاني ق. م" على ما أولاها إياه من هدايا ونعم، وصاغت مديحها في نشيد بدأته بوصف الملك بالطهر، وامتدحت أمه أبسيمتي لولادتها إياه، ثم عددت عطاياه لها بعد أن أطرته بنشيدها، وذكرت منها قلادة ذهبية وختما من اللازورد وخاتمًا ذهبيًّا وآخر من الفضة. وأكدت أن تطلع الملك إليها كان أثمن لديها من هداياه، وأضافت ان عاصمته تجثو لدى قدميه كالشبل الصغير، وترفع أكفها تضرعًا إليه، ثم نعتته بربها وحبيبها ورب بلده وحبيب إنليل, وعندما سجل أحد الناسخين المتأخرين هذه القصيدة بقلمه حرص على أن يسبق اسم شوسين بمخصص الأرباب٣. واحتفظت أرض أور بعدد كبير من لوحات المكتوبة، ومنها ما تناول العلاقات الاقتصادية، ومنها ما عدد القرابين والضرائب المرصودة لإله القمر ننار، ومنها ما تناول قضايا العقارات ونقض الالتزامات٤. ويفهم من طريقة تأريخ أمثال هذه اللوحات أنها كانت تؤرخ بالأعوام والشهور، وأن الأعوام ظلت تسمى بأهم حدث فيها، وقد يكون هذا الحدث وهو ولاية ملك جديد أو قيامه بمشروع جديد مثلما سمي العام الثامن عشر من حكم أرونمو باسم "العام الذي بسط أورنمو الملك السبيل فيه من أسفل إلى أعلى" وقد يفهم من هذه التعبير امتداد نفوذه فيه من الجنوب إلى الشمال. وقد يؤرخ العام بإنقاذ منطقة فيه من ضرر ما. وكان أصحاب الوثيقة يقسمون فيها عادة باسم الملك الحاكم ويشهدون عليها الشهود، ويختمون

стр. 502

عليها بأختامهم. ومن نماذج هذه الوثائق صلك صغير يقول كاتبه: "١٨٠ كورًا من الشعير هدية "أو نذرا" لونانا حاكم زيمودار، تسلمها أورجالاليم باسم "معبد" شولجي نانا "الكائن" على ترعة دورول. شهر شيجوركود، عام ولاية شوسين الملك المقدس"١. ثم وثيقة قرض يقول كاتبها: "١٢٠ شاقلا من الفضة، أرباحها ٥ شواقل لكل ٦٠ منها شاقل، اقترضها أداكالا من أوردولازاجا، على أن يسددها في شهر سيج وأقسم على ذلك باسم الملك". وبعد أن وقع ثلاثة شهود، أرخ الكاتب لوحته بقوله: "شهر شيجوركود في عام أنقد الملك المقدس إبي سين، سيمورو". ثم ختم المستدين على الوثيقة بختمه ثلاث مرات٢. وإذا حرر المتعاقدون لوحتهم خارج عاصمتهم، أضافوا إلى اسم الشهر والعام، اسم حاكم منطقتهم، وربما اسم الموظف الذي يؤدي عمل القاضي فيها أيضًا٣.

стр. 503

الفنون: صاحب التقدم السياسي في أور نشاط معماري وتطور فني لم يبق للأسف من نماذجهما غير القليل. فقد بقيت من آثار معابد أور بقايا زقورة فخمة أقيمت في عهد أرونمو على أطلال زقورة أقدم منها نسبت إلى أيام أسرة أور الأولى١. وقد شيدت فوق ربوة متسعة تنهض في الزاوية الغربية من الحرم المقدس للمدينة وهو حرم مسور واسع ذو بوابات، وشادها أصحابها من ثلاث مسطحات أو "طوابق" متتالية تميل قاعدتها الرباعية وجدران مسطحها الأول ميلًا قليلًا إلى الداخل، وتتعاقب المشكاوات على جوانبها، وتتوجها مقصورة علوية. وشادوا بناءها من اللبن كعادة أسلافهم ثم كسوا جدرانها الخارجية بالآجر الأحمر المرصوص فوق ملاط من القار. وكان يؤدي إلى مسطحها الاول ثلاثة طرق صاعدة طويلة ذات درجات كثيرة، طريق أوسط وطريقان جانبيان. وأكملت هذه الزقورة ورصف فناؤها في عهد شولجي بن أورنمو، ثم حظيت بتعديلات كثيرة حتى جددت بعد أمد طويل من إنشائها في عهد نبوخذ نصر ثم أكملها نابو نهيد خلال العصر الكلداني المتأخر حيث كسيت المقصورة العلوية بالطوب المزجج ذي اللون الأزرق اللامع، وترجع بقاياها الحالية إلى ما بقي من هذا التجديد بعد تخربها في العصر الفارسي، ولو أن ذلك لا ينفي أنها نشأت فخمة منذ بدايتها بحيث

стр. 504

كانت تشرف على مدينتها وترتفع مقصورتها عن آية عمارة دنيوية أو دينية فيها. ويفترض بعض الباحثين أن مسطحاتها كانت تتضمن أشجارًا غرست في نقط متفرقة منها. ونسب إلى عهد أورنمو معبد آخر للمعبود إنليل في مدينته نيبور "نفر" بلغت مساحة المسطح الأول لزقورته ٥٧×٣٨ مترًا، وكشف عن جانب من السور المبني باللبن الذي أحاط بها هي وبقية توابع المعبد. ولوحظ من التجديدات العقائدية في معباد أور أن تماثيل معبوداتها أصبحت توضع داخل مشكاوات مرتفعة يؤدي إليها درج، بعد أن كانت توضع فوق قواعدها أمام المشكاوات وليس داخلها١. وسرت رقة الطابع في نقوش العصر، وإن ظلت شواهدها قليلة هي الأخرى، ومنها عدة مناظر سلسة الخطوط نقشت على نصب كبير من الحجر الجيري أقيم باسم أورنمو بمناسبة إنشائه أحد المعابد، وبلغ ارتفاعه الأصلي نحو ثلاثة أمتار. وتكرر تصوير الملك على وجهيه بلحية طويلة وعباءة طويلة مرسلة واسعة الأكمام وقلنسوة عريضة الحافة نصف كرية، يقدم تسابيحه ويسكب قرابينه أمام ننار إليه القمر وحامي أور وزوجته الربة ننجال وغيرهما من الأرباب أصحاب العروش والتيجان ذات القرون، يتبعه ولي عهده أو كبير أتباعه في وضع ابتهال خاشع حي. ورفع بعض أولئك الأرباب بيمينه حلقة وعصا، يحتمل أنهما كانا من أدوات قياس المعبد في بداية بنائه. غير أن أطراف مناظر النصب هي تصوير أرونمو ينقل بعض أدوات البناء، وقد سلكها في عصا رفعها على كتفه على نحو ما يحمل الراعي زاده في عصاه، وتبعه تابع يعاونه في حملها، ثم تصوير سلم خشبي كبير في وضع مائل مجسم خلال مرحلة من مراحل البناء، وتصوير معبودة مجنحة تطل من بين السحب تصب ماء من قدرها كأنها ملاك٢ ... وثمة منظر على ختم يصور إبي سين ملك أور حليق اللحية برداء ذي ثنيات عريضة مزركشة يرسل أطرافه على ذراعه ويقيم بأطراف أنامله آنية دقيقة تلقاها من كاهن يواجهه في أدب وبساطة، أو يهديها إليه. وبدت ملامح الرجلين، على صغر صورتيهما، هادئة سمحة متفائلة بما يناسب الموقف أو المنظر الذي صورا فيه٣. وجارى فن النحت فن النقش في تطوره. وبقيت من نماذجه عدة رءوس نحت بعضها من الديوريت ونحت بعضها من الألباستر، وطعمت بعض عيونها بالمحار الأبيض واللازورد الأزرق، ممايعني أن الأحجار المناسبة للنحت كانت تستورد من أجله بخاصة، وقد بذل الفنانون فيها جهدًا ملحوظًا لإظهار تعبيرات الوجوه ومسطحات عظامها وهيئات الشفاة، وتصفيفات الشعر للرجال والنساء، وتفاصيل أغطية الرأس التي كان منها الشال والعقال للرجل والعصابة للمرأة، وإن ظلت العيون فيها جميعها جاحظة متسعة.

стр. 505

ومن أمتع ما بقي من هذه الرءوس، رأسان تعتبران من روائع الفن الواقعي في عصرهما، إحداهما لأنثى "أو معبودة" نضرة الوجه زادت من حلاوتها نقاوة حجر المرمر الذي قدت رأسها منه، وقد انسابت جدائل شعرها على كتفيها من تحت عصابة رأس سميكة ملفوفة. والرأس الأخرى من الفخار لرجل ملتح يرتدي عمامة هرمية لطيفة فوق رأسه١. واحتفظت أور بمقابر بعض أمرائها وأثريائها، وشابهت ... المقابر في أسلوبها طرز المقابر القديمة التي سبقت العصر الأكدي فيها، وتميزت عمارتها ببناء سقوف حجرات دفنها على هيئة عقود مقبية أو على هيئة الهرم الناقص، مع استخدام الدبش فيها. وما من شك في أنها كانت تتضمن، مثلما تضمنت المقابر السابقة عنها، ما تعبر به عن ترف حياة أصحابها ورقة أذواق عصرهم.

стр. 506

من الأدب السومري: احتفظت ألواح الألف الثاني ق. م وما بعده بآداب سومرية الصبغة والأسلوب، نسخها أصحابها عن أصول قديمة، وصعب تحديد عهود هذه الأصول تحديدًا مقنعًا، ولهذا لا نرى من بأس في أن نستشهد هنا بعدد منها خلال الحديث عن عصر إحياء الحضارة السومرية باعتباره عصر بلوغها ذروة نضوجها، دون أن ينفي ذلك احتمال تأليف بعضها قبله بكثير واحتمال تأليف بعضها بعده بقليل. وتضمنت تلك الآداب قصصًا وملاحم وأساطير ومحاورات دنيوية ودينية، كانت من أشهرها قصة الطوفان، وملاحم إينمركار، ولوجال بندا، ومغامرات جلجميش، ونزول الربة إنانا إلى العالم السفلي، ومحاورة الفلاح والراعي، ومحاورة الصيف والشتاء، ... ، وذلك فضلًا عن أمثال سائرة، ونصوص تعليمية تصور حياة الدراسة وتصور مواد التدريس، واشتركت هذه وتلك مع غيرها من الآداب القديمة في ملامح عامة، مثل غلبة الطابع الديني عليها، وكثرة استخدامها الرمز للتعبير عن الفكرة والحادثة، وكثرة التكرار اللفظي الذي يناسب الإلقاء والإنشاد أكثر مما يلائم القراءة، وصعوبة التمييز فيها بين ما هو شعر وبين ما هو نثر. ثم تميزت من ناحيتها بخصائص معينة ظهرت فيها أكثر مما ظهرت في غيرها، ومنها بداية بعض قصصها ومحاوراتها بملخص يمهد لها، أو بمقدمة ميثولوجية تكسبها نوعًا من القداسة. تخلف من قصة الطوفان السومرية أقلها١ وصور هذا القليل زمنًا بعيدًا خلق فيه آن وإنليل وإنكي ونينهورساج البشر "أصحاب الرءوس السود"، والنباتات والحيوانات، وتكاثر الخلق والكائنات ونزلت الملكية من السماء إلى الأرض، حيث بدأ العمران من خمس مدن أشرف الإله آن "أو إنليل" على إنشائها في مواضع طاهرة وسماها بأسمائها، وهي: إريدو ... ولاراك وسيبار وشوروباك، وخصصها لعبادة خمسة من الأرباب والربات. ثم قضى بأن يغمر الفيضان الأرض لأمور لم تحتفظ بها السطور الباقية من القصة، وأعلن قضاءه في مجلس الأرباب، فدب الذعر في قلوبهم لا سيما ننتو وإنانا، وقلوب الملوك المقدسين. وكان أشدهم اهتمامًا به المعبود إنكي الحكيم رب مياه الأعماق، وملك صالح يدعى زيو سدرا. وأراد إنكي أن يخبر زيوسدرا باليوم الموعود بطريق غير مباشر، فأوحى إليه بأن يقف بجوار جدار مقدس وأن يستمع منه إلى صوته، وأتاه الصوت قائلًا: "سوف ألقي إليك كلمتي، فاستمع لأمري. بقضائنا سوف "يكتسح" الفيضان مراكز العبادة ويقضي على سلالة البشر. ذلك قرار مجلس الأرباب، وقضاء آن وإنليل ... ".ويبدو أنه نصحه بأن يبني سفينة كبيرة وينقل إليها ما تستطيع أن تحتمله من المخلوقات ... ، فصدع بأمره وعمل بنصيحته.

стр. 507

وفي اليوم الموعود هبت الأعاصير هبة عنيفة وأطاحت بالعواصم ومراكز العبادة وصحبها فيضان كاسح، واستمر ذلك سبعة أيام وسبع ليال اكتسح الفيضان الأرض فيها ودفع السفينة قدمًا ... وبعد فترة ما بزغ المعبود أوتو رب الشمس فأنار السماء والأرض، وفتح زبوسدرا فتحة في جدار سفينته وتطلع منها فرأى أشعة أنوار ربه، وعلم بصفحه، فركع وضحى من أجله بفحل وشاة: كما استرضى بقية الأرباب الكبار. ونادى آن وإنليل: "نسمة السماء ... نسمة الأرض"، فظهرت الخضرة على الأرض من جديد ونما النبات، ووهب الرب الأكبر زيوسدرا حياة سرمدية، فعاش في أرض العبور أرض دلمون، دار الشروق على البحر، وكان خلوده سببًا في الحفاظ على النبات وعلى سلالة البشر والاحتفاظ بأسمائهم. ويحتمل من سياق لوح صغير أن زيوسدرا كان قد تلقى الحكمة عن أبيه شوروباك أحد ملوك ما قبل الطوفان، وورد في وصاياه أنه شوروباك بن وبرتوتو، وكان من قوله لولده: نصيحة أقدمها لك فتقبل نصيحتي، وكلمة أقولها لك، فأعرها سمعك، ولا تهمل وصيتي ولا تتعد كلمتي. وقوله: لا ينبغي اقتناء حمار مزعج النهيق، ولا ينبغي زراعة حقل على الطريق١. وحظي جلجميش ملك أوروك٢ بنصيب كبير من القصص السومري، وترتب على كثرة ما كتب أن ظهرت له صورتان، صورة احتفظت له بشجاعته وجرأته ولكنها لم تأب أن تعترف بتسليمه بالأمر الواقع حين يتبين عجزه أمام عدوه، وصورة أخرى جعلته مغامرًا مغوارًا لا يهن له عزم ولا يشق له غبار مهما واجهه من المصاعب. وظهر جلجميش في صورته الأولى حاكمًا على مدينة أرورك ولكنه كان بمدينته أقل منزلة من أجا ملك كيش التي أكدت الأساطير السومرية أنها كانت أول مدينة نزلتها الملكية بعد الطوفان، وربما كان تابعًا له، وبيدو أن أجا هذا اشتط ذات مرة في طلب الجزى منه، فثارت نفس جلجميش وابتغى أن يرفع النير عن بلده، فجمع شيوخ المدينة ودعاهم إلى امتشاق السلاح ضد كيش، ولكنهم آثروا السلامة مع الخضوع ولم يستجيبوا له، فلم ييأس وأعاد الكرة على جمهور شعبه فاستجاب الناس لدعوته وهللوا له وعز عليهم أن تخضع مدينتهم لعدو، وفيها إيانا معبد آن الذي نزل من السماء وأقامه الأرباب الكبار بأنفسهم حتى أصبحت جدرانه تلامس السحاب ...

стр. 508

واشتدت عزيمة جلجميش بتأييد شعبه، فنادى على تابعه وصديقه إنكيدو أن يدع أدوات الفلاحة جانبًا ويمتشق سلاح الحرب، وبلغ ذلك سمع أجا ملك كيش فخرج بجيوشه وحاصر أوروك. واستنفر جلجيمش من رجاله من يستطيع مواجهة أجا، فنفر له بطل يدعى بيرهور توري، ولكنه ما كاد يخرج من بوابة المدينة حتى تكاثر الأعداء عليه وأسروه واقتادوه إلى ملكهم فلم يهن عزمه أمامه واستمر يشيد بمولاه جلجميش وشجاعته. وصعد جلجميش على أسوار المدينة فخشي عليه رجاله، وخرج تابع إنكيدو يرقب البوابة. ولما رأى جلجميش عقم المقاومة وكثرة العدو سلم بالأمر الواقع، فنادى أجا وامتدحه وعظمه، مداراة له وخضوعًا للأمر الاقع، فرق له قلبه ورفع الحصار عن مدينته وشكره على أدبه وأمنه على بلده. سجلت هذه الأسطورة على إحدى عشرة لوحة صغيرة في فترة ما من الألف الثاني ق. م، ورأى ياكوبسن وكرامر في استشارة جلجميش لجماعة الشيوخ ثم جمهور الشعب نوعًا من أساليب الديموقراطية القديمة واعتبرا الجماعتين أشبه ببرلمان من مجلسين للشيوخ والشباب١. ولو أنه ليس من ضرورة للأخذ بحرفية هذا التخريج لأن القصة لا تحتمله. وظهر جلجميش في صورته الأخرى يتحدى الموت ويحاول أن ينتصر عليه باكتساب شهرة فذة تخلد ذكره. وتخير مجال هذه الشهرة في أرض الأحياء أرض الأرز "هوروم" ليأتي ببعض أشجار أرزها إلى أوروك رغم أنف حاسرها المخيف هواوا. واستفتى جلجميش أوتو رب الشمس وصاحب هذه الأرض فيما انتواه، وصور له قلقه من البقاء في مدينة يموت الإنسان فيها ويُفنى دون ذكر يخلده، فأشفق أوتو عليه من وعورة الطريق ومخاوفه، ولكنه بكى واستعطفه، فرق له واعتبر دموعه قربانًا له ووعده العون. واصطحب جلجميش صديقه وتابعه إنكيدو، وجمع خمسين متطوعًا من الشبان الأعزاب الذين لا أم لهم ولا دار، حتى لا يشغلهم عن مهمتهم شاغل من الأهل وتسهل عليهم المغامرة. وقطع معهم الجبال السبعة التي تفصل بين أوروك وبين الأرض الموعودة ولما بلغها حاول صديقة إنكيدو أن يثنيه عن دخلوها وخوفه أهوالها، وذكره بحزن أمه عليه إن لقي حتفه فيها، فأقسم أبيه وأمه أنه لن يتراجع حتى يقاتل ذلك الكائن هواوا سواء أكان بشرًا أم إلهًا. وذكرت القصص أبا جلجميش باسم لوجال باندا وذكرت أمه باسم نينسون، وكانت أكثر احتفاء بها فوصفتها بالحكمة ودلتها النصوص الآشورية المتأخرة باسم نيسونا. وواصل جلجميش مغامرته حتى بلغ قصر هواوا الأرزي، وبعد أن قطع سبع شجرات وتركها إلى رجاله، اقتحم قاعة هواوا وهدده فيها ثم مال إلى أن يعفو عنه بعد أن ظهر عليه، ولكن إنكيدو خوفه عاقبة العفو عنه وشجعه على قتله وقطع رقبته. وليس من المستبعد أن هواوا هذا كان اسمًا رمزيًّا لزعيم أو جماعة عمل أو عملت على حرمان.

стр. 509

العراقيين من الحصول على أشجار الأرز من غابات لبنان واحتكرته دونهم فنسبت الأسطورة تحطيم هذا الاحتكار وأهله إلى مجهود بطلها العظيم جلجميش. واحتفظت الألواح السومرية بأسطورتين أخريين قصيرتين لمقاتلة الأبطال لكائنات خرافية شريرة، تضمنت أولاهما مقدمة قصة جلجميش وإنكيو. وكان بطلها المعبود إنكي الذي أراد أن يثأر من الوحش كور لاختطافه الربة إرشكيجال واغتنامه إياها لنفسه في عالمه السفلي، فتتبعه في قاربه، وأخذ كور يرشق سفينة إنكي بالأحجار ويضرب قاعدتها ويسلط مياه البحر على مقدمتها، ولم تعرف نهاية هذه الأسطورة ولكن يبدو أن إنكي انتصر فيها وأيد انتصاره بتحكمه في مياه الأعماق وتسميته بإله آبسو١. وكان بطل الأسطورة الثانية "نينورتا" رب الرياح الجنوبية وابن إنليل "رب الهواء" وتنماخ التي لقبت بلقب " ... خرساج" ربما بمعنى ربة الجبل، وكان خصمه هو "أسج" "شيطان المرض القاطن في كرر، فتغلب عليه بعد جهد كبير، ولكن حدث بعد أن قضى عليه أن طغت المياه "المالحة؟ " الحبيسة تحت كور على سطح الأرض وغطت على مياه الأنهار، وأشاعت القحط، وظلت كذلك حتى عمل نينورتا على تكديس الأحجار فوق كور وجعل منها سد حجز به تلك المياه العظمى، وصرف ما غمر البلاد منها إلى نهر دجلة "؟ " وأزاح عن البلاد ما أصابها من كرب ومجاعة٢. ومن طبعات الأختام التي صورت قتال الأبطال للكائنات الخرافية ختم من أور صور البطل فيه بهيئة بشرية وصور مساعده على هيئة رجل برأس ثور. وطرق السومريون فن الحوار الذي يقوم على التفاخر، وعادة ما يكون طرفاه اثنين من الأرباب أو من الحيوانات أو من الأشجار، أو يقوم على التقاضي أمام معبود أو عدد من الأرباب٣. ومن نماذجه حوار اشترك فيه أربعة: أوتو رب الشمس وأخته إنانا ورب الرعاة دوموزي ورب الزارعين إنكيمدو. وهو حوار يبدو أن مؤلفه أراد أن يعبر به عن فصل من فصول الصراع الدائم في العراق بين أهل البادية وأهل الحضر، وأضطرار الزارعيين إلى قبول الرعاة في أرضهم عن تراض في بعض الأحيان وعلى مضض في أغلب الأحيان. ولا يخلو الجزء الباقي من هذا الحوار من تكرار وسذاجة، ولكنه لا يخلو من طرافة على أية حال، ويمكن تلخيصه على النحو التالي: تقدم الراعي والفلاح لخطبة العذراء إنانا، ورغبها أخوها أوتو في قبول الراعي دوموزي وأغراها بكثرة ما لديه من اللبن والشحم والدسم، فأبت إلا زواج الفلاح. وقالت لأخيها لن يتزوجني الراعي ويطويني في ثوبه الصوفي، وسيتزوجني الفلاح الذي ينمي النبات ويزرع الحبوب.

стр. 510

وهنا تقدم الراعي بنفسه إليها واستنكر منها أن تفضل الفلاح عليه، وأخذ يثبت لها أن الفلاح ما امتلك شيئًا إلا وكان عند الراعي ما يقابله، فلديه شاته البيضاء التي تقابل ثوبه الأبيض، وعنده اللبن الأصفر الذي يقابل جعته الفاخرة، والجبن الذي يقابل خبزه ... إلخ، وادعى أنه يستطيع أن يعول الفلاح بفتات موائده، ويبدو أنها اقتنعت برأيه ومالت إليه، فتشجع وواجه الفلاح وبدأه بالمشاجرة فاتقى الفلاح شره ولاينه ودعاه إلى أن يترك أغنامه ترعى في حقوله وترتوي من قنواته، فلانت شدة الراعي بدوره ومال إلى مصادقته ودعاه إلى عرسه لا سيما بعد أن عرض عليه أن يهدي عروسه بعض خيراته. صور الأدباء السومريون عالم الموتى "كور" باعتباره عالم الظلام والمخاوف وعالمًا لا رجعة منه١. وحملت كلمة كور معاني كثيرة ومنها معاني الجبل والقطر الأجنبي والمتاهة والفراغ الكائن بين سطح الأرض وبين المحيط الأزلي٢. ومما يستشهد به عن عالم الموتى أسطورة عرفت اصطلاحًا باسم "نزول إنانا إلى العالم السفلي". وتروي الأسطورة أن إنانا اشتاقت إلى أن ترى ملك أختها الكبرى إرشكيجال ربة العالم السفلي، فتركت دنيا الأرض والسماء، وهجرت معابدها، ولكنها لم تنس فتنتها وزينتها فاكتحلت بكحل يسمى "دعه يأتي، دعه يأتي" وأصلحت هندامها، وتزينت بحليها الفاخرة وكانت منها قلادة تسمى "تعال يا رجل، تعال ... " وتحصنت برموزها السحرية السبعة واصطحبت تابعها الأمين "ننشوبر" إلى بوابة العالم السفلي، ولكنها تخوفت ما عساها تلقاه في ذلك العالم المجهول لا سيما من أختها اللدود ربة الموت والظلام، فأوصت تابعها بأن يترقب عودتها ثلاثة أيام فإن لم تعد إليه ملأ السماء صياحًا، واستصرخ الأرباب لإنقاذها. وعندما اقتربت إنانا من قصر اللازورد عند مدخل العالم السفلي بدأت بأسلوب التعاظم وخاطبت الحارس بجفاء وأمرته بفتح بابه وذكرت له أنها "إنانا من مشرق الشمس"، فرد عليها بمثل لهجتها وقال لها، إذا كانت إنانا من مشرق الشمس، فلم أتيت إذن إلى أرض لا رجعة منها، وطريق لا يعد منه مسافر، وكيف طاوعك قلبك على ذلك؟ "، فادعت أنها علمت بمقتل زوج أختها الكبرى، السيد جوجا لانا، وأنها تود أن تحضر مراسيم جنازته، فاستأذنها في أن يبلغ الأمر لمولاته، ولما قص لمولاته قصتها ووصفها لها عرفتها وأمرته بأن يفتح لها مزاليج العالم السفلي السبعة وأن يجعلها تنحني في حضرتها، فأطاع امرها، وأدخل إنانا، وكانت كلما دخلت بابا نزعوا عنها أحد رموزها وحليها، فإذا سألتهم عن سر ذلك قالوا لها "اصمتي إنانا فتقاليد العالم السفلي قد استقرت، فلا تناقشي مراسيمها"، حتى إذا بلغت البوابة السابعة نزعوا عنها ثوبها، وأدخلوها على أختها التي استوت على عرشها فانحنت أماها عارية، ولم يلبث أعوانها القضاة السبعة "وهم فريق من

стр. 511

الأنوناكي" أن ثبتوا عليها عيون الموت وقالوا كلمتهم بصرخة التجريم، فسقطت صريعة، فأخذوها وعلقوها في مسمار ... ! ومرت ثلاثة أيام على مصرعها، فعمل تابعها بوصيتها وملأ السماء نحيبًا من أجلها، واتجه إلى المعبود إنليل وبكى عنده وقال له فيما قال: "أيها الوالد إنليل، لا تترك ابنتك تهلك في العالم السفلي، لا تدع معدنك الطيب يعلوه الغبار، لا تدع لازوردك الحر يتفتت ... "، فقابله إنليل ببرود ورد عليه بما يفهم منه أنها هي التي اختارت مصيرها بنفسها ولم يجبرها أحد على أن تفعل ما فعلته. وأعاد التابع الكرة على المعبود ننار رب القمر فلقي منه مثلما لقي من إنليل، فاتجه إلى إنكي رب الحكمة ووجد عنده بغينه، فخلق إنكي معبودين من درن قلامة ظفره المصبوغ باللون الأحمر، ووهب أحدهما طعام الحياة وأوصاه بأن ينثره على جسد إنانا ستين مرة، ووهب ثانيهما ماء الحياة وأوصاه أن يسكبه فوق جسدها ستين مرة، وأكد عليهما ألا يقربا نبات العالم السفلي ولا ماءه، فصدع الرسولان بما أمرهما به، وبذلك استخلصا جثة الملكة من مسمارها ونثرا عليها طعام الحياة وماءها فاستعادت إنانا حياتها، وتأهبت للصعود من العالم السلفي، ولكن الأنوناكي اشترطوا لخروجها أن تخضع للعرف القاضي بألا يخرج أحد من عالم الظلام دون تقديم بدليل عنه، فرضخت مرغمة واصطحبها زبانية الوت ضمانًا لوعدها، فقصدت بهم مدينة أوما ثم مدينة باد تبيعها ابتغاء التضحية بربيهما، ولكن هذين أظهرا لها الخضوع والتذلل حتى انصرفت عنهما واتجهت إلى كلاب دار زوجها دوموزي، وبدلًا من أن ينزل هذا لزوجته اعتلى عرشه، فحرضت الشياطين عليه ونطقت ضده بصرخة التجريم قائلة "أما هذا فخذوه" فبكى دوموزي حتى اخضر وجهه وتضرع إلى أخ زوجته أوتو رب الشمس أن يعينه وذكره بأنه هو الذي يزود بيت أمه بالزبد ويزود بيت ... باللبن. وانتهى هنا الجزء الباقي من الأسطورة، ويبدو أن دوموزي لم يجد من ينجده فهبط العالم السفلى واستقر فيه، وظل النواح يتكرر عليه كل عام حتى حرمته التوراة وقال عنه النبي حقيال إنه لأمر بغيض. وصورت إحدى لوحات قصة جلجميش محظورات العالم السفلي، في حديث جلجميش لصديقه وتابعه إنكيدو حين تطوع للنزول إلى العالم السفلى ليستنقذ منه آلتين موسيقيتين للربة إنانا، وأوصاه بألا يرتدي ثيابًا نظيفة وألا يتعطر وألا يأخذ معه عصا الرماية ولا يلبس نعلًا ولا يقبل زوجته أو يضربها ولا يقبل ولده أو يضربه، وكل ذلك حتى لا يستثير شياطين العالم السفلي ضده. ولكن إنكيدو تهاون وارتكب المحظور فأطبق عالم الموتى عليه وعجز عن الصعود منه. وعندئذ استنجد صديقه جلجميش رب الحكمة إنكي لينقذه، فأمر أوتو إله الشمس أن يثقب ثقبًا في العالم السفلي وأن يسمح لشيخ إنكيدو بالنفاذ منه، ففعل. وعندما خرج

стр. 512

الشيخ عانقه جلجميش وأخذ يسأله عما شهده في العالم السفلي عن مصير أصحاب الأولاد وشهداء الحرب والذي لم يدفن والذي حرم من القربان ... إلخ. وصور أحد الألواح السومرية مصير أورنمو ملك أور حين نزل العالم السفلي "كور" فاسترضى أربابه السبعة الكبار بالقرابين، كلًّا منهم في قصره، وترضى كاتبهم، واستقر في قصره حيث رحب الموتى به، وحيث زاره جلجميش الذي غدا بعد قاضيًا في العالم السفلي ولقنه مراسيم العالم الآخر، ولكن ما انقضت سبعة أيام ثم عشرة حتى حن أورنمو إلى مدينته التي لم يكمل أسوارها، وإلى قصره الذي تركه دون تطهير، وإلى زوجته وولده، وأخذ يتسمع نحيب بلاد سومر عليه وينتحب لبكائها١. عرفت دور العالم عند السومريين باسم بيوت الألواح "أي - دبا" سواء في ذلك إن كانت دورًا للتعليم فعلًا أم كان مجرد خزائن للكتب "مع شيء من التجوز في التعبير عن الألواح باسم الكتب". وكان المشرف عليها يُدعى أوميا، أي الخبير، ويلقب بلقب أبي الدار إذا كان معلمًا، ويشاكه في إشرافه على تلاميذه وعقابهم عريف أو أكثر. ولم يعثر بعد على مبانٍ يمكن القطع باعتبارها مدارس فعلية، وكل ما يمكن تقديمه في هذا السبيل، معلقًا على الاحتمال وحده، عدة بيوت وجدت في كل من مدن نيبور، وسيبار "أبو حبة قرب بغداد"، وأور، وتل حرمل "قرب إشنونا"، قد تكون بيوت معلمين أو مدارس؛ لأنها تميزت عما سواها بكثرة ألواح الكتابة التي وجدت فيها، ثم حجرتان في بيت بمدينة ماري "تل الحريري" اشتملتا على صفوف من المصاطب مختلفة السعة بنيت من الآجر، تتسع الواحدة منها لشخص أو شخصين أو أربعة أشخاص، وقد تكونان مكتبًا أو مدرسة. ولما كان الخط المسماري خطًّا معقدًا في أشكاله الاصطلاحية وفي تعبيراته، كان من الطبيعي أن يستهلك التلميذ في تجويده سنوات طويلة، يتعلم خلالها ما يناسب سنه من صيغ الرسائل وقصائد المعبودات والمقطوعات الأدبية والأسطورية المناسبة، وعددًا من المفردات التي تتناول مطالب بيئته وخصائها، كأسماء الوظائف وأسماء الحيوانات وأسماء الأشجار والنباتات، وأسماء المعادن والأحجار، وهلم جرًّا٢. ووجدت لوحة في تل حرمل تتضمن أسماء مئات من الأشجار والقصب والمواد ومنها حوالي مائة اسم لطيور خصص كل منها في نهايته بصورة طائر. وكان اسم مؤلفها أو ناسخها هو: أرا - إيمتي، وقد سجل اسمه فيها وقدم له بأسماء عدد من الأرباب رعاة المعرفة والآداب كما لو كانوا قد شاركوه كتابته بإيحاءاتهم فقال: نيدابا - خاي - جشتن - أنا - أرا - إيمتي بن نورم لبسي الكاتب كتبوه. وقدم صمويل كرامر نصًّا مسماريًّا وصف تلميذ في طرفًا من حياته المدرسية بناء على أسئلة وجهت إليه٣، ويفهم من ترجمة كرامر للنص أن التلميذ كان يبكر فيأخذ من أمه رغيفين، وينطلق إلى المدرسة

стр. 513

مترددًا وهو يحسب للعريف ألف حساب، وعند دخوله يحرص على تحية المعلم، ثم يستظهر لوحة في فترة الصباح، وبعد أن يتناول غذاءه، يكتب لوحة الجديد أو يستكمله، وفي العصر يتلقى درسه المكتوب، وبعد الانصراف يعود إلى داره فيطلع أباه على درسه وعلى ما استظهره في يومه. غير أن مجهوده لم يكن يعفيه من أذى الضرب في المدرسة جزاء الثرثرة وكثرة الحركة أو جزاء الهرب أو لرداءة خطه. ولم يكن لمثله إلا أن يلجأ إلى أقصر الطرق، فأشار على أبيه بدعوة المعلم في داره ومهاداته، فاستجاب الأب وأكرم المعلم وكساه وأهداه. ويفعل الاسترضاء فعله، فما أن يعيد الولد قراءة ألواحه أمام معلمه حتى يستبشر المعلم ويعلن رضاه عنه ويبرر هذ الرضا بما تبينه من طاعته وعمله بإرشاداته ويبشره بمستقبل باسم يتفوق فيه على أقرانه بعد أن أصبح من مريدي المعرفة. وبغير أن نفسد جمال الصورة التي رسمناها للآداب السومرية، لا بأس من أن نضيف إليها حقيقة واقعة، وهي أن ما استشهدنا به منها يمثل إنتاجها الرقيق وحده، أما غثها فكثير. وفيما بين الغث والثمين وقع أدب ديني أسطوري صور كيد الأرباب السومريين بعضهم لبعض وإسفاف بعضهم مع بعض وذلك بما يمكن تعليله بأن السومريين الأوائل عاشوا لفترات طويلة أمام الطبيعة وجهًا لوجه، ووجدوها طبيعة صاخبة بهيمية غير متميزة، فألصقوا نفس الصفات بأربابها، ثم تعدوا هذه المرحلة من التفكير بعد أن تهذبت حضارتهم، ولكنهم لم ينسوا تمامًا تصورات أجدادهم الأولى، فأورثوها لأحفادهم. وقد مر بنا من صورها كيف تخيلوا القمر وُلِدَ سفاحًا، وكيف اغتصبت إنانا ألواح القدر في إنكي. وصورت أسطورة لهم شدة حسد المعبود إنكي للمعبود إنليل على اجتماع الناس على عبادته بلسان واحد، الأمر الذي أدى به إلى أن أشاع الوقيعة بينهم وبين ربهم إنليل، وبلبل ألسنتهم، وذلك على الرغم من أن إنكي الحسود هذا كان يوصف بالذات بأنه حكيم الأرباب. وربط صمويل نوح كرامر بين هذه الأسطورة وبين ما رواه العبرانيون عن قصة برج بابل ووحدة الألسن القديمة ثم بلبلتها فيه نتيجة لغيره ألوهيم من طموح الإنسان ليكون شبيهًا بإلهه. وصورت أسطورة أخرى المعبودة إنانا، بعد نزولها من السماء على هيئة بغي مقدسة أدركها التعب فنامت تحت شجرة في بستان بأرض شوبر "في غرب إيران"، فغافلها البستاني وقبلها وضاجعها ثم هرب منها إلى بلاد سومر بلاد إخوته أصحاب الرءوس السود، واحتمى بعمرانها، فصبت إنانا نقمتها على بلده وسلطت عليها عواصف مدمرة وملأت آبارها بالدم. وأضافت أسطورة ثالثة عن بداية الخلق في جنة تلمون، أن إنكي رب الحكمة ضاجع ننخرساج وأنجب منها فتاة، ثم طمع في ابنته منها واستولدها حفيدة، وضاجع الحفيدة واستولدها هي الأخرى، وظل كذلك حتى نبهت ننخرساج الزوجة الجدة حفيدتها الرابعة ألا تستسلم لجدها حتى يمهرها بنوعين من النبات، فأتاها بالمهر ونكحها هي الأخرى. وهنا سلمت الجدة بالأمر الواقع, وانتوت الانتقام،

стр. 514

واستخدمت النباتين في توليد ثمانية أنواع جديدة من النباتات، وكان لها هدف معين منها. فلما رأى الجد النهم النبت الجديد طمع فيه وأكله، فلعنته ننخرساج وهجرته. ولما أصابه السقم وأوشك على الهلاك، جد في البحث عن زوجته الغاضبة ولم يدله عليها غير ثعلب. ولما كانت حكيمة، كما تقول الأسطورة، وضعته بين وركيها وأخرجت من مواطن دائه تسعة أولاد١، بعد أن استعبر بنتيجة ما فعل.

стр. 515

نهاية أور: تعرضت دولة أور في أواسط القرن العشرين ق. م لهزتين عنيفتين، صدرتا عن شعبين ناهضين، وهما: شعب الإلاميين "العيلاميين" وشعب الأموريين. أما الإلاميون أو العيلاميون فكانوا من جيران الدولة القدماء في شرقها، وكثيرًا ما صدمتهم وتصادموا معها، وناوأتهم حتى أخضعت بعض جماعاتهم لسلطانها، ولكن حدث لأمر ما أن انبعثت فيهم روح جديدة شجعتهم على مهاجمة أور في عقر دارها. وناوأ الأموريون بدورهم الدولة من غربها، والأموريون هم أولئك الفروع من الساميين الذين انتشروا في باديتي الشام والعراق وامتدوا حتى غربي الفرات، والذين سماهم السومريون القدماء أهل "مارتو" أي أهل الغرب، ثم سماهم بنو عمومتهم الأكديون باسم "الأموريين"، وهو اسم يؤدي نفس المعنى القديم أي أهل الغرب "وإن كان أحد معبوداتهم الكبرى قد سمي أمورو مما يحمل على الظن بنسبتهم إلى اسمه"١. وكان قرب مناطق الأموريين من صحراوات شبه الجزيرة العربية يزودهم من حين إلى آخر بهجرات من بني عمومتهم البدو الساميين، وهذه قد تنطوي في ظلهم حينًا، وقد تغلب بعض جماعاتهم على أمرها حينًا آخر، ولكنها كانت تجدد دماءهم وحيويتهم في أغلب الأحيان. وظلت ضفاض الفرات وخيراتها الطبيعية والحضارية مطمعًا للأموريين القريبين منها، حتى توافرت لهم أسباب هجرة كبيرة قوية، وهي أسباب يصعب تحديد تفاصيلها، ولكنها لا تخرج في أغلب الظن عن احتمال فرارهم من اشتداد موجات الجفاف في أرضهم، أو ارتفاع نسبة التكاثر الداخلي في قبائلهم، أو ظهور زعامات قوية طموحة بين صفوفهم، ثم إحسان أقرب جماعاتهم من أرض العراق بتخلخل قبضة أواخر ملوك أور على أطراف دولتهم لا سيما بعد أن انشغلوا بضغط العيلاميين على مشارفها الشرقية. وسيطر الأموريون في بداية تغلبهم على مناطق الحوف. ومن كبرى المدن التي أخضعوها لنفوذهم مدينة ماري قرب نهر الفرات، وكانت لأهلها صلة قديمة بالعنصر السامي. وبدأ حكام المدن يوازنون بين الولاء للغزاة وبين الولاء للعرش السومري. وكان من هؤلاء أمير سامي الأصل يدعى إشبي إرا، من حكام ماري، أخذ يظهر الولاء للفريقين حتى يتكشف له الفريق الغالب منهما فينضم إليه ويأخذ من

стр. 516

ثم يعمل لما فيه مصلحته. وصورت هذه الأوضاع رسالة أرسلها "إبي سين" آخر ملوك أور إلى قائد من قادته يُدعى "بوزور نوموشدا" تولى حكم مدينة كازاللو "وهي مدينة غير معروفة قد تقع شرقي دجلة"١، عاب عليه فيها تردده في مهاجمة رجل ماري "إشبي إرا"، بعد أن تلقى من هذا القائد رسالة أخبره فيها أن إشبي إرا بث عيونه حوله، وأنه لن يستطيع مغادرة أرضه إلا بعد أن ينزاح خطره عنه ... ورد إبي سين أسباب المحنة إلى القضاء والقدر وإرادة الأرباب وفساد الدولة، فقال لقائده: "قضى إنليل بالشر على سومر وهبط عودها من أرض ... وتولى زعامة البلاد. وترك إنليل الملكية لإشي إرا الرجل الوضيع غير السومري. وسجدت سومر في مجمع الأرباب، وقضى إنليل أنه طالما بقي أهل السوء فيها فلسوف يدمر إشبي إرا رجل ماري بنيانها ويكتسح أرضها٢. ويبدو أن إشبي إرا استمر في خداعه وادعى الغيرة على مدن أخرى غير ماري، فنقل نشاطه إلى مدينة نيبور ثم إلى مدينة "إسين" إلى الجنوب منها بنحو ثلاثين كيلومتر. ومن هناك أرسل إلى أبي سين يدعى أنه سوف يدافع عن المدينتين ويطلب المدد منه لهذا الغرض، ولكن الملك السومري ظل على سوء الظن به، فانتهزها إشي إرا وكشف القناع عن أطماعه وسيطر على المدينتين لصالحه واتخذ ثانيتهما عاصمة له، في نفس الوقت الذي اندفع فيه حلفاؤه الساميرون إلى قلب العراق وسيطروا على سهل سوبار٣. واعترف الملك السومري إني سين في رسالته إلى قائده بهذه الحقيقة المرة، وحاول معه محاولته الأخيرة، فتنبأ له بأنه إن ضل وجرى مجرى المنحازين إلى الساميين فلن يقدره العدو قدره، ودعاه من ثم إلى التزام جادة الصواب، وبشره بأن الأموري لن يبلغ مأربه؛ لأن إنليل سوف يكشف الغمة ويرسل جماعات جديدة من بدو مارتو يفسدون عليه أمره، وقد يهاجمه العيلاميون أيضًا، وحين ذاك تستفيد سومر من تنافس الخصوم وتستعيد مجدها القديم. وشيئًا فشيئًا انقطع التاريخ باسم إبي سين السومري في مدينة بعد أخرى "مثل مدن إشنونا ولجش وأوما .. " مما يعني انسلاخها عنه أو وقوعها في يد عدوه. وسواء تقدم العيلاميون حينذاك من تلقاء أنفسهم، أم استنجد بهم إبي سين كما يعتقد الباحث ياكوبسن، فقد استغلوا الظرف لمصلحتهم ومدوا سلطانهم حتى مدينة لارسا التي قامت على مقربة من أور وقامت على أطلالها بلدة سنكرة الحالية، وكانت مركزًا من مراكز عبادة الشمس، وعرف معبد إله الشمس فيها باسم إبابار. وكان المنتفع بهذه الخطورة ملك منطقة إيموتبال وهي منطقة شرقية قريبة من الحدود الإيرانية، جرت في حكامها دماء إلامية أو عيلامية، وكان يتلقب بلقب أدا إيموتبال بمعنى والدها. وبعد أن سيطر على لارسا لقب نفسه بلقب أدا الغرب وعين ولده وردسين ملكًا عليها.

стр. 517

وكان لسقوط أور بين فكي الكماشة، في منتصف القرن العشرين ق. م، واقتسام مجدها بين العيلاميين وبين الأموريين، بل وبين جماعات جبلية دعت النصوص أصحابها باسم السوباريين١ نتيجة فيما يبدو لسيطرتهم على مناطق سوبار "أوسوبارتو"، دوي كبير في نفوس أهلها ونفوس السومريين بكافة. ونظم شاعر سومري خبر دمار أور "بعد فترة من حدوثه" في قصيدة، واعتبره دمارًا لسومر كلها٢. وبدأ الشاعر قصيدته بقوله:"فارق الفحل مقره وتفرق قطيعه مع الرياح" وقصد بالفحل هنا إله أور. ثم عدد أسماء المدن السومرية الكبرى وذكر أن أربابها ورباتها فعلوا فعلة إله أور، فهجر إنليل نيبور وتفرق قطيعه ... ، وهجرت إنانا أوروك، وهجر إنكي إريدو ... ، وهلم جرًّا. ثم أخذ ينعى مصائر المدن وينعى تساقط لبنات مساكنها، وبدأها بمدينة أور ... ، ثم انتقل إلى وصف قرار الأرباب بدمارها وسفك دماء أهلها، وكيف أنه "أي الشاعر" آثر ألا يتركها على الرغم مم أصابها، وأنه أخذ يسكب دموع عينيه لربه آن، ويبتهل لربه إنليل، ولكن ما من سميع ولا مجيب. واستمر نحيب الناس ... ، وامتلأت الطرق بجثث القتلى الذين حطمتهم الرماح والمقامع، وظلوا تحت وهج الشمس حتى أذابت الشمس شحومهم، أما من نجوا فقد ذلوا وجاعوا حتى تخلت الأم عن ابنتها، وهجر الأب ولده، وفارقت الزوجة زوجها ... ونعت الربة نينجال بدورها الدمار الذي يلحق بداخل المدينة وخارجها، وقالت: ... تراكم الوحل في أنهار مدينتي، وأصبحت كأنها جحور الثعالب، وما عاد الماء يجري فيها. وهجرها عمالها، ولم يتبق غلال في حقول بلدي وهجرها مزارعوها، ... وأصبحت أجمات النخيل والكروم بعسلها ونبيذها "جرداء" كقمة الجبل "؟ "، ... ضاعت مدينتي ولم أعد ملكتها، وتحولت دارى إلى أطلال، وقامت مدينة غير المدينة ودار غير الدار، يا ويلي، أين أجلس وأين أقف؟. أنا نينجال طردت من داري ولم يعد لي مقر، وغدوت شريدة في مدينة غريبة. ورد الشاعر على نحيب ربته نينجال بنحيب مثله، قائلًا: مليكتي، أصبح فؤادك كالماء، فكيف تعيشين؟ أيتها السيدة العادلة التي تخربت مدينتها كيف تعيشين؟ ... ، دموعك أصبحت دموعًا غربية، فالبلد لم تعد تذرف الدموع ... ، وإلى متى يا ترى ستظلين غريبة بجوار مدينتك؟ ثم تمنى لها أن تئوب إلى ديارها أوبة الفحل إلى حظيرته، والشاة إلى قطيعها، والطفل إلى مهده، ودعا لها بأن يقضي لها آن ملك الأرباب بالأمان؛ ويمنحها إنليل ملك الدنيا الحظ "السعيد" حتى تعود أور إلى حالها من أجلها، وتمارس فيها سلطانها. ويرى ياكوبسن أن تأليف القصيدة لا يتأخر أكثر من سبعين عامًا أو ثمانين عامًا بعد تدمير أور، بينما يستبعد كرامر مثل هذا التحديد ويكتفي بافتراض تأليفها فيما بين انتهاء عصر أور وبين العصر الكاسي.

стр. 518

في عصر إسين - لارسا: كان من الطبيعي أن يتنافس الغزاة الأموريون والعيلاميون على السلطان في العراق، فاستمرت الحروب سجالًا بينهما، وسمح هذا التنافس الحربي لبعض مدن العراق القديمة بأن تستأنف سيرها الحضاري على غفلة من هؤلاء وهؤلاء، وشجعها على ذلك أن الأموريين أنفسهم احتضنوا الحضارة السومرية الأكدية في العاصمة "إسين" وسمحوا لها بالنمو في مدنها القديمة، ولم يصروا على إرغام هذه المدن على الانطواء معهم في وحدة سياسية دائمة على الرغم من تلقب ملوكهم باللقب العريض المألوف لقب "ملك سومر وأكد". ويبدو أن العيلاميين "الإلاميين" اتخذوا من جانبهم خطوة مماثلة، فتركوا لمدينة "لارسا" استقلالها الذاتي، واكتفوا بأن ولوا عليها أمراء من بيتهم المالك، وحمل بعض أولئك الأمراء كنيات سامية مما قد يعني أنهم بدورهم قد اختلطوا بالساميين العراقيين وتعايشوا معهم. وإن ظلت الأطماع السياسية تلعب برءوسهم في مقابل أطماع الأموريين. ومع هذه السياسة من الأموريين والعيلامين دلت نصوص هؤلاء وهؤلاء على اهتمام زعمائهم المقيمين في إسين ولارسا، بالعمائر الدينية القديمة، وذلك مثل تجديد زقورة أور في عهدي إشمي داجان ملك إسين وعهد وردسين ملك لارسا، وتعيين إشمي داجان ابنته إناناتم كبيرة لكاهنات ننا "أنو ننار" رب القمر السومري. وكشف الأثري ليونارد وولي عن ضاحية سكينة لمدينة أور بلغ اتساعها نحو عشرة آلاف ياردة مربعة وشيدت مساكنها في عصر إسين - لارسا، وهي بيوت بنيت قواعدها من الآجر وأقيمت بقية جدرانها من اللبن، ولم تختلف فيما بينها إلا من حيت مساحاتها. فالمنزل المتسع منها كان ذا فناء داخلي مرصوف بقوالب الآجر يتلقى الضوء والهواء من كوة كبيرة بطنف السقف العلوي للطابق الأول، وتتفتح عليه غرف الجلوس وغرف الضيافة، وتتفرع منه ملحقات الدار الصغيرة، ويبدأ من إحدى زواياه الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي. وجرت العادة على أن تسكن الأسرة في هذا الطابق العلوي الذي تطل شرفاته الخشبية الداخلية على الفناء وتعتمد على أساطين خشبية أيضًا ترتكز قواعدها على أرضيته. وتميزت بعض المساكن بمقاصير للعبادة الخاصة، وتضمنت بعضها مقابر أهلها تحت مقاصيرها أو تحت أرضية إحدى حجراتها السفلية. أما الطرقات فكانت ضيقة غير مرصوفة تتناثر فيها هياكل العبادة الصغيرة التي لا يزيد بنيانها أحيانًا عن قاعة واحدة أو قاعتين١.

стр. 519

تشريع إشنونا: انتعشت دويلات المدن العراقية شيئًا فشيئًا من جديد وعاش بعضها بعد سقوط أور بفترة طويلة، وساعدها على ذلك أن نهضتها كانت نهضة فكرية أكثر منها عدائية أو توسعية، الأمر الذي صرف عنها حقد إسين ولارسا. وكان من أنشطها دويلة مدينة غشنونا التي يقوم على بعض أنقاضها الآن تل أسمر في منطقة ديالي على الطريق التجاري بين العراق وبين إلام. وكانت فيما يبدو أكثر ميلًا إلى السامية منها إلى السومرية على الرغم من موقعها، واعتبرت تشباك إلهها الأكبر، واتسع نشاطها إلى قرب كركوك. وخير ما يذكر لأهلها هو خروجهم بتشريع مكتوب في أوائل القرن التاسع عشر ق. م أو قبلها بقليل١. ووجدت بعض لوحاته في تل أبي حرمل قرب بغداد، ويعتبر هو التشريع الثاني من نوعه بعد البداية التي قام بها أور نمو ملك أور، أو هو الثالث بعد المحاولة الإدارية التي قام بها أوروكاجينا في لجش. وبقيت منه إحدى وستون مادة عاجلت أهم جوانب الحياة في عصرها وشهدت بالكفاية التشريعية لأصحابها، فاهتمت طائفة منها بتحديد أسعار الأقوات الضرورية لسواد الشعب مثل الشعير والزيت والملح، وجعلت كور الشعير بشاقل فضة وسعرت الثلاث "قا" من أحسن صنوف الزيوت بشاقل فضة، وكوري الملح بشاقل فضة، والقا من زيت السمسم الفاخرة بثلاث سيات من الشعير، إلخ. وقامت بذلك مقام التسعيرة الجبرية. واهتمت مجموعة ثانية بتعيين الحد الأدنى "؟ " لأجور العربات والقوراب ومن يعملون عليها، والحد الأدنى "؟ " لأجور العمال الزراعيين. فجعلت أجرة العربة بثيرانها وسائقها طوال اليوم بانا و٤ سيات من الشعير أو ثلث شاقل فضة، وجعلت أجرة نقل حمولة كور بالقارب ٢ قو شعير، وأجرة المراكبي سية وقو من الشعير على أن يعمل على قاربه طوال اليوم، وجعلت إيجار المكاري وحماره طوال اليوم سيتين من الشعير أو وزن ١٢ حبة من الفضة، وجعلت أجرة الأجير في الشهر شاقلا من الفضة وبانا من الشعير، إلخ. واهتمت مجموعة ثالثة بتحديد العقوبات على جرائم عصرها وعلى الأضرار التي تلحق بالغير، وجمعت في ذلك بين القصاص الغرامة فرضيت بالقتل عقابًا للقاتل، ولكنها أقرت مبدأ التعويض على الجروح التي لا تؤدي إلى الوفاة شأنها في ذلك شأن تشريع أور، فقضت على من عض أنف شخص أو اقتلع عينه بأن يدفع غرامة قدرها مينه من الفضة "وكانت في تشريع أور ثلثي مينه فقط مما يعني الرغبة في تشديد الجزاء"، وقضت على من كسر سنًّا لآخر أو قدمه أو قطع أذنه بأن يدفع نصف مينه من الفضة. وقضت على من شوه وجه آخر بأن يدفع له عشرة شواقل من الفضة. وألقت مسؤلية ما يأتيه العبد أو الفحل أو الكلب على كاهل صاحبه. وعنيت مجموعة رابعة من تشريعات إشنونا بتنظيم العلاقات الأسرية والمعاملات الخاصة، فاشترطت رضا الوالدين على زواج ابنتهما، وذكرت أن من أغوى فتاة على معاشرته دون أن يعقد عليها أمام والديها

стр. 520

لن تصبح زوجته ولو أقامت في داره حولًا كاملًا. وأخذت بما سنته أور من أنه إذا تعاقد رجل مع شاب على تزويجه ابنته ثم زوجها لغيره وجب عليه أن يرد له ضعف ما أخذه منه، ونصت على حق المحارب الذي يؤسر مدافعًا أو غازيًا وينقل إلى ديار أعدائه، في أن يسترد زوجته حين عودته ولو تزوجت غيره خلال غيابه عنها، ولكنها حرمت هذا الحق على من فارق بلده كارهًا له أو آبقًا من سيده. وجعلت القتل عقابًا للزوجة الزانية وعقابًا لمن يغتصب فتاة مخطوبة ... ، ونصت على أنه على من طلق زوجته ذات الأولاد وتزوج غيرها أن يفارق الدار وما فيها هو ومن أراد أن يتبعه من أهل داره، وفي هذا سبق من التشريعات العراقية القديمة لكفالة حقوق الزوجة الأم عما تطلعت إليه بعض القوانين الحالية. واستنت سنة الشفعة، فاعترفت بأن الإخوة أحق بشراء نصيب أخيهم من الميراث إذا أراد بيعه، وبأن من باع دارًا أصبح أحق بشرائها ثانية لو باعها مشتريها. وحددت أرباح القروض معدنية كانت أم عينية فجعلت ربح الشاقل من الفضة سدسًا وست حبات، وجعلت ربح كور الشعير بانا وأربع سيات من نفس نوعه. غير أن كل هذه المكاسب التشريعية كانت لأحرار إشنونا، حتى الفقراء منهم، دون العبيد الذين أهدرت حقوقهم. فقد حرصت مجموعة خامسة من التشريعات نفسها على تأكيد حقوق القصور الملكية والمعابد والسادة فيما يمتلكون من العبيد والجواري والعقارات، فحرمت على الرقيق والإماء الموسومين بأسماء سادتهم أن يجتازوا بوابة إشنونا دون إذن سادتهم، وأكدت حق السادة في امتلاك أبناء جواريهم ولو رباهم غيرهم، وحرمت على أي من العبد والجارية أن يتاجر لحسابه، وتوعدت من يتعامل معه، أي أنها اعتبرت العبد لا يملك شيئًا، وأنه هو وما يملكه ملك لسيده، وإن لم تكن هذه النظرة إلى طبقة الأرقاء والعبيد غريبة تمامًا عن نظرة بقية الشعوب القديمة المعاصرة لها. وفرضت التشريعات عشرة شواقل من الفضة على من يضبط نهارًا في حقل رجل من الموشكينو أو في داره، ويعتبر الموشكينو من اهل الطبقات العادية من الأحرار ويبدو أنها عنت بهم من يعملون لصالح القصور الملكية والمعابد بخاصة. وفرضت الإعدام من يضبط ليلًا في حقل رجل من الموشكينو أو في داره، ولعل التشديد في عقوبة سارق الليل ترجع إلى أنه قد لا يتورع عن ارتكاب جريمة القتل متسترًا بالظلام ولا يكتفي بالسرقة. وهكذا تناولت تشريعات إشنونا أغلب مشكلات الحياة في عصرها، وأدى العثور على ألواحها الباقية في تل حرمل إلى جانب العثور على بعض تشريعات أور من قبلها إلى تعديل الفكرة القديمة الشائعة التي اعتبرت تشريعات حمورابي البابلي أقدم تشريعات مكتوبة في بلاد النهرين أو في الوجود. ويبدو أن حرمل هذه التي تبعد نحو ستة أميال شرقي بغداد، كانت تسمى "شادوبم" وتحتمل بداية عمرانها في منتصف الألف الثالث ق. م، ولكن ترجع أهم مبانيها ولوحاتها إلى النصف الأول من الألف الثاني ق. م. ومن هذه المباني معبد مسطح يتألف من مدخل وساحة ومقصورة تقع كلها على محور واحد، وأطلال قصر متسع،

стр. 521

ومعابد أخرى صغيرة، وعدة بيوت وجدت فيها ألواح ذات صبغة تعليمية مما يوحي بانتماء بعضه إلى مدرسة، وذلك فضلًا على لوحات القانون سالف الذكر. أما من حيث الطابع الثقافي فقد جمعت آداب أبي حرمل أو إشنونا بين الثقافتين السومرية والسامية وغلبت الأخيرة، ووجدت لها لوحات للأسلوبين، كما وجدت منها لوحات كتبت نصوصها باللغتين١، وذلك على العكس من مدن أخرى ظلت وفية لثقافتها السومرية القديمة مثل نيبور.

стр. 522

تشريع إسين: يبدو أن صدور تشريع إشنونا "وتشريع أور من قبلها" شجع مدنًا عراقية أخرى على تجميع تقاليد عرفها وتنظيمها وتقنينها وتسجيلها. فخرجت إسين كبرى عواصم الأموريين بتشريع مكتوب في عهد لبت إشتار "أو لبت عشتار" خامس ملوكها في النصف الأول من القرن ١٩ق. م، أي بعد تشريع إشنونا بنحو نصف قرن١. وسجل رجاله تشريعهم على نصب حجري كبير لم يعثر عليه بعد، وسجلوا نسخًا أخرى منه على ألواح طينية صغيرة عثر منها حتى الآن على سبع لوحات تفاوتت في مدى اكتمالها وأعداد سطورها٢، وتضمنت في مجملها ثماني وثلاثين مادة يحتمل أنها ألفت نحو نصف مواد التشريع. اتخذ لبت إشتار في مقدمة تشريعه لقب ملك سومر وأكد، واعتبر نفسه ولدًا للإله الأكبر إنليل، ووصف نفسه بأنه الراعي الحكيم، ولكنه عقب على ذلك بأنه راعٍ متواضع وأنه مزارع. وأكد رعايته للمدن السومرية العتيقة نيبور وأور وإريدو وأوروك، وافتخر بأن ربه وهبه إمارة البلاد ليحق الحق فيها ويعمل على إسعاد السومريين والأكديين جميعهم، ويقاوم الفساد والقلاقل بقوة السلاح، ثم أكد أنه استوحى تشريعه من الرب أوتو "رب الشمس" والرب إنليل، وأقر كلماتهما المقدسة. وذلك قول فسرناه من قبل بالرغبة في كفالة الشرعية والاحترام والنفاذ للتشريعات. ثم ذكر أنه ابتغى أن يحرر أبناء مدن سومر وأكد وبناتها من الرق الذي فرض عليهم. وليس فيما بقي من تشريع لبت إشتار غير قليل بمكن ربطه بدعوة تحرير الرق التي تعهد بها، ولكنه على قلته يعتبر مفخرة لزمانه، فقد عالج ما أهملته التشريعات السابقة له من حقوق الرقيق وأباح للعبد أن يحرر نفسه إذا دفع لسيده ضعف ما اشتراه به "وذلك بما يشبه نظام المكاتبة في الشريعة الإسلامية". ولكنه فرض على من آوى عبدًا أبقًا في داره شهرًا أن يعوض أصحابه عنه عبدًا آخر أو يدفع عنه خمسة عشر شاقلا من الفضة، وصدر لهذا النص الجزائي شبيه في تشريع أور بالنسبة للجارية.

стр. 523

وشهدت ألواح إسين باستجابة أصحابها لدعوة ملكهم. ومن أطرف حالات العتق التي صورتها قصة لزوجين أعتقا جارتيهما وحرما على أولادهما أن يسترقوها، وسمحا لها بالبقاء في دارهما حيث هي١. وتناولت بنود التشريع الباقية أجور المراكب، وبعض حالات الملكية والمواريث وبعض حالات التعويض. فنصت بنود الملكية على أنه إذا جاورت أرض بور منزلًا عامرًا، وأنذر صاحب المنزل صاحبها بخوفه من أن يعتدي معتدٍ على منزله عن طريقها، ثم سرق منزله فعلًا، وجب على صاحب الأرض أن يعوضه عما سرق منه. ونصت على أنه إذا عجز مالك أو مالكة عن دفع ضرائب أرضه "الحكومية؟ "، وسددها شخص آخر ثلاثة أعوام حق لهذا الأخير أن يستولي عليها دون اعتراض من صاحبها. ونصت تشريعات الأسرة على أنه إذا أنجب زوج أولادًا من جاريته وحررها، لا يحق لأولادها أن يشاركوا أبناءه من زوجته الشريعة في ميراثهم منه. وعلى العكس من ذلك إذا اتخذ رجل لنفسه حظية ولو "من الميدان العام"، مع عقم زوجته، وجب عليه أن ينفق على حظيته وأن يورث أولادها منه، ولكن ليس له أن يسكنها في داره ما دامت حليلته على قيد الحياة "وفي ذلك بعض التقدير لكرامة الزوجة الشرعية ومراعاة مشاعرها كعاقر محرومة". فإذا هجر رجل زوجته وبنى بغيرها، وجب عليه ان يستمر في الإنفاق عليها مادامت باقية في داره. وتعدت التشريعات تعويضات الإضرار بالبشر إلى تعويضات أصحاب حيوانات الإيجار عن الأضرار التي تصيب حيواناتهم، فمن استأجر ثورًا وقطع أنفه "من حيث يوضع المقود" دفع ثلث ثمنه، فإذا فقأ عينه دفع نصف ثمنه، وإذا كسر قرنه أو قطع ذيله دفع ربع ثمنه. ويحتمل من بعض الوثائق القضائية أن المحاكم كانت تأخذ بما يشبه نظام المحلفين، فقد تحدثت إحدى هذه الوثائق عن ثلاثة رجال: حلاق وبستاني وشخص ثالث لم تذكر مهنته، قتلوا أحد موظفي المعابد، وبلغ من فجورهم أن أخبروا زوجة القتيل بجريمتهم، ولكنها لسبب ما لم تبلغ الأمر إلى السلطات المسئولة، وعندما ترامى خبر الجريمة إلى أسماع الملك أور نينورتا ملك إسين أحال القضية إلى مجمع المواطنين في مدينة نيبور. وفي المحكمة طالب تسعة بإعدام القتلة والمرأة أيضًا، وكان منهم صياد طيور وفخراني وحاجب وبستاني ... ، ولكن وقف اثنان آخران، موظف بمعبد وبستاني، وتساءلا عن جريمة المرأة، وقالا إنها لم تشترك في القتل، ويحتمل أنهما بررا سكوتها بأن زوجها لم يكن يقوم بإعالتها. ويبدو أن المحكمة أخذت بهذا الرأي واكتفت بإعدام القتلة٢. وهذا إن صح يعني أنه لم يكن من بأس في الأخذ برأي القلة ما دام صائبًا، ولم يكن من

стр. 524

بأس في الاستنارة برأي العقلاء من العامة في شئون القضاء، وكل من المبدأين مقبول، وكان ثانيهما معمولًا به في أقاليم مصر القديمة. وروت التقاويم العراقية قصة طريفة عن تاسع ملوك إسين "إرا إميتي"، فذكرت أنه اختار بستانيًّا يُدعى "بعل ابني" واعتبره بديلًا له واطمأن إليه فرفعه على العرش وألبسه تاجه، ولكن حدث أن زهقت روح الملك فجأة وهو يزدود ثريدًا ساخنًا، فاستغل البستاني الموقف لصالحه واستمسك بالعرش وحكم البلاد حكمًا فعليًّا. ويحتمل حدوث واقعة موت الملك خلال قيامه بشعيرة دينية بمناسبة خسوف القمر الذي يعتبر خسوفه نذير شؤم للحكام١.

стр. 525

في لارسا: لم تتخلف العاصمة الكبيرة الثانية "لارسا" عن ركب عصرها، فتوسعت في استخدام الكتابة لتسيجيل أغلب أمورها اليومية، شأنها شأن المدن المتحضرة في عصرها، ومن عقودها الطريفة الباقية وثيقة بين راعٍ وبين صاحب ماشية عهد إليه بتربية ٤٤٦ رأسًا من الأغنام والماشية، فتعهد له من ناحيته بأن يعوضه عما يفقده منها، وأقسم على تعهده باسم ملك عصره "وردسين في الربع الثاني من القرن ١٨ق. م"، ثم وقع على الوثيقة بخاتمه ستة توقيعات، وشهد عليه فيها سبعة شهود، ثم أرخها الكاتب بعام بناء السور العظيم "وهو العام العاشر من حكم وردسين"١. ووثيقة أخرى، استأجر مالك بها عاملًا يُدعى "سين إشمائي" "أي سين إسمعني"، حولًا كاملًا، وحدد له فيها أجره السنوي ستة شواقل من الفضة، دفع له أربعة منها مقدمًا، وأشهد الكاتب عليه فيها ثلاثة شهود، ثم أرخها بيوم محدد وشهر محدد من العام الثلاثين لهزيمة إسين، على حد قوله٢. وكان المتسبب في هزيمة إسين التي ذكرها هذا التاريخ هوريم سين ملك لارسا في العام التاسع والعشرين من حكمه، بعد فترة تنافس شديد بين أسرته الحاكمة وبين ملوكها، وكان انتصاره عليها حاسمًا مدمرًا لم يترك لها بعد غير استقلال داخلي ضئيل، وظل رجال دولته يؤرخون بذكره نحو ثلاثين عامًا٣. وثمة لوحة تضمنت على وجهيها تمرينًا تعليسيًّا قام على أساس تدوين عدد من البنود القانونية التي يحتمل ردها إلى عصر إسين - لارسا، وإن صعب تحديد تشريعها٤. ومنها أنه إذا ضرب رجل امرأة حرة فأجهضها

стр. 526

عن غير قصد، غرم عشرة شواقل فضية، فإذا أجهضها عامدًا غرم ضعف ذلك "أي ٢٠ شاقلا"، وإذا تنصل ولد "بالتبني" من أبويه وجهر بذلك أمامها حرم من إرثهما وجاز لهما بيعه بيع الرقيق. وإذا استغنى أبوان عن ولدهما "المتبنى" تنازلا له عن بعض أملاكهما. وإذا أغرى رجل فتاة حرة في الطريق واغتصبها ولم يكن أبواها على علم بخروجها إلى الطرقات، جاز لهما أن يلزماه بتزوجها. فإذا كان خروجها عن رضا منهما، وأنكر الذي اغتصبها علمه بأنها من الحرائر وأقسم على ذلك أمام بوابة المعبد، برئ.

стр. 527

في الفن: صاحب الرقي الفكري في عصر إسين - لارسا، نشاط فني محلي في النقش والنحت، وتمثلت شواهد النقش حينذاك في لوحات ملونة من الطين المحروق قامت على مذابح المعابد "وشابهت لوحات القديسين في أديرة العصور الوسطى"، وتوضع بحيث تواجه المتعبد وتقوم أمامه مقام تمثال معبوده، ولذلك ظهرت هيئاتها بارزة مجسمة وشكلت بتصوير أمامي وليس جانبيًّا كالمعتاد. وعبرت هذه اللوحات عن هيئات الأرباب ورموزهم، فصور بعضها إله الشمس تخرج الأشعة من ساعديه. وصور بعضها ربة الموت على هيئة فتاة عارية بوجه ممتلئ حاو قوي الشكيمة وساقي طائر كاسر ومخالبه، وكان أصحابها يرمزون إليها بجانب صورتها البشري بهيئة البومة ويعتقدون أنها تطوف في الليل دون أن يسمع لها صوت١. واحتفظ الأفراد في بيوتهم بلوحات مماثلة ولكنها صغيرة، يحتمل أنهم كانوا يقيمونها فوق مذابحهم الأسرية، ويصورون فيها هيئة المعبود الذي يتبركون بصورته ويعتبرونه راعي أسرتهم، مثل المعبودة نينتو ربة الولادة٢، والمعبودة جولا التي رمزوا إليها بهيئة كلية ترضع أجراءها٣، وذلك إلى جانب لوحات أخرى ذات طابع دنيوي تخدم غرض الزخرف٤. واشتركت اللوحات والتماثيل الصغيرة في تمثيل مردة مخيفين قد يرمزون إلى الكائنات الخرافية التي روت قصص الخليفة السومرية أنها عاشت في الهوة الأولى أو المحيط البدائي، وكانت ذات طبائع مزدوجة وخلقات مركبة، بحيث قد يمثل أحدها بوجهين أو بأربعة وجوه، أو يمثل بما يجمع إليه خصائص الذكر والأنثى، أو خصائص الإنسان والحيوان ... ٥. ولم يحل وجود لوحات العبادة تلك دون إقامة التماثيل المعتادة للأرباب والحكام وكبار الكهنة، أو نذور المتعبدين في ساحات المعابد ومقاصيرها وعند مداخلها. وتفاوتت هذه التماثيل في مادتها ومدى إتقانها.

стр. 528

فصنعت من الصلصال والجص والحجر والمعدن١. ومن أمتع ما بقي منها في المعابد تمثال دقيق لكلبة "تشبه فصيلة البولدوج" تحمل آنية فوق ظهرها وتلتفت برأسها، ومثل الفنان شعر رأسها وتهدل أذنيها وطيات عنقها وتفاصيل مخالبها تمثيلًا صادقًا بارعًا، وسجل على بدنها إهداء من سومر إيلو ملك لارسا إلى إحدى ربات لجش٢. وتجري مجرى هذا التمثال الصغير من حيث الإتقان عدة أوانٍ نقشت سطوحها بأشكال حيوانية وجسمت رءوس حيواناتها وأطلت مقدماتها من زوايا الآنية وطعمت عيونها تطعمًا بارعًا٣. واحتفظت مدن إسين ولارسا وإشنونا وماري وآشور بنماذج من فنون عصرها. وتعتبر فنون ماري أمتعها أسلوبًا وتعبيرًا، وكانت كذلك منذ عصر الإحياء السومري، ويبدو أن قربها من مواطن الحضارة الشامية كفل لها ثروة متنوعة من أساليب الفنون الشامية والعراقية في آن واحد، فتخير فنانوها ما يناسب أذواقهم من الجانبين، وظلوا أميل إلى إيثار المذهب الواقعي والأسلوب السلس وطابع السماحة في فنهم، وذلك بحيث لا يخلو أكثر تماثيلهم غلظة من ملامح الطيبة والوداعة٤. وتجلت في تماثيلهم بوجه عام طراوة مستحبة في تشكيل خطوط الأجزاء العارية من الجسم وتشكيل طيات الثياب وزركشاتها٥. وتأثرت تماثيل المعبودات بروح البساطة نفسها، فبقي منها تمثال لمعبودة لا تكاد بملامح وجهها واسترسال شعرها وطراز ثوبها وصورة قلادتها تختلف عن هيئات سيدات شمال سوريا الحاليات في شيء كثير، وقد ضمت إلى صدرها آنية أسطوانية صغيرة اتصلت فتحتها السفلى بجسم تمثالها، ويحتمل أن الماء كان يصلها عن طريق أنبوبة في ظهره ويندفع منها إلى حوض تطل عليه بما يشبه تماثيل النافورات٦. وظلت تماثيل آشور في أخشن تماثيل عصرها٧، بينما ظلت تماثيل إشنونابين بين٨. واحتفظت كل من إشنونا وماري بأطلال من قصور حكامها، ويرجع قصر إشنونا إلى عصر تبعيتها لدولة أور الثالثة، ويبدو أنه تضمن إلى جانب مقر صاحب إدارات الحكم الرئيسية في إمارته، وكان من طابقين، ويفضي مدخله إلى ممر جانبي مسور طويل يتعين على الداخل أن يسلكه قبل أن يصل إلى الفناء الداخلي الكبير، ثم يقطع هذا الفناء على طريق ممهد بالطين قبل أن يبلغ مجلس الأمير، وذلك بما يكفل الأمان لصاحب القصر ويسمح لحراسه بمراقبة الداخلين إليه. وقام في طرفي القصر معبدان، معبد صغير؛

стр. 529

وآخر كبير أقامه حكام القصر باسم شوسين ملك أور في عهد تبعيتهم له، ثم ضموه إلى قصرهم بعد أن ضعف شأن دولته١. وكفل لقصر ماري شهرته الخاصة، اتساع مساحته ورسوم جدرانه وكثرة ملحقاته وكثرة الألواح المكتوبة التي عثر عليها في ديوان سجلاته٢. فقد شغل القصر نحو ستة أفدنة، وتضمن مائتين وستين حجرة بجدران مرسومة ملونة أخذت مناظرها بما أخذ به فن النحت في عهدها من واقعية الملامح وسلاسة الخطوط وحيوية الطابع وبساطة الأداء وتفاصيل الأزياء، فصورت مناظر حربية وأسطورية وقصصية ودينية لم يبق منها للأسف غير أجزاء يسيرة، وأحاطت بها إطارات ضيقة تتألف من شجيرات وكائنات خيرة وأخرى مخيفة، وإطارات زخرفية ذات وحدات لولبية تشبه مثيلاتها في الفن الإيجي. ولا تزال أكثر مناظر القصر حيوية مناظر مواكب القرابين وتصور رجالًا بوجوه نحيفة دقيقة ولحى طبيعية قصيرة يغطون رءوسهم بقلانس بعضها مرتفع يشبه القاووق، وبعضها عريض منخفض بشرائط بيضاء يشبه البيريه، وبعضها يشبه الطواقي الصوفية التي يلبسها أهل الجبال. ويرتدون ثيابًا مقفولة بحلفات واسعة تحت الرقبة، وعباءات زركشت أطرافها بأهداب تشبه ريش الطيور أو فلوس السمك ... ، ويسوق بعضه ثيرانًا كسيت أطراف قرونها بحليات معدنية وتدلت على جباهها حليات هلالية، وعبر الرسام عن تجعدات جلودها وشعور رءوسها تعبيرًا بارعًا بألوان متدرجة اكتفى فيها كلها باللون الأسود ومشتقاته. واحتفظت لوحة مسمارية من أواسط الألف الثاني ق. م بنموذج لما كانت عليه صورة المدن السومرية خلال عصر إسين - لارسا، أو بعده بقليل، في هيئة تخطيط أو خارطة لمدينة نيبور "نفر" السومرية التي نسبها أهلها إلى معبودهم الأكبر إنليل، فسموها "إنليل كي" أي مقره. وهي خارطة كتبت أبعادها بالأرقام وبوحدة الجار القياسية "وتعادل اثني عشر قدمًا"، وسجلت عليها بياناتها المختصرة باصطلاحات سومرية وأكدية. وصورت نيبور قريبة من موارد الماء والزراعة يحد نهر الفرات "بورانون" جنوبها الغربي وتحد شمالها الغربي قناة، ويحيط بها سور كبير تنفتح في ضلعه الجنوبي ثلاث بوابات سميت بأسماء: البوابة السامية، والبوابة العظيمة، وبوابة الأنجاس "؟ " "كاجال موسو كاتم". وتنفتح في ضلعه الجنوبي ثلاث بوابات أيضًا سميت بأسماء بوابة إله القمر "كاجال نانا"، وبوابة أوروك "وتقع أوروك إلى الجنوب الشرقي من نيبور"، والبوابة المواجهة لمدينة أور. وتضمن الضلع الشمالي للسور بوابة واحدة سميت "بوابة ترجال" "حاكم العالم السفلي". وحف بالمدينة خندقان، خندق "خريتم" يوازي سورها الجنوبي الغربي، وآخر يوازي سورها الجنوبي الشرقي. وصور داخل المدينة بيوت على هيئة مستطيلات متفاوتة السعة، وبستان كبير، ومعبدان على أقل تقدير، معبد "إكور" "بمعنى البيت الجبلي"،

стр. 530

ومعبد "كي - أور"، فضلًا عن معبد آخر يقع في ضاحية المدينة خارج سورها يسمى إسماخ بمعنى المعبد الشامخ١. والخلاصة، أن الهجرات التي نزلت بلاد النهرين منذ أوائل الألف الثاني ق. م، والهجرات الأمورية منها بخاصة، لم تكن شرًّا كلها على العراق، وإنما كانت خيرًا له في بعض أمرها، وكان خير ما فيها هو أن الهجرات الأمورية منها جدتت دماء الساميين في أرض العراق وجددت حيويتهم، ولم تحل دون نشاط المدن الكبيرة وازدهارها في ظلها، ومن هذه المدن فيما رأينا، مدن إشنونا وإسين وماري، وإلى حد ما مدينة لارسا، ثم مدينة أرخى استفادت من تنافس المدينتين إسين ولارسا وإضعاف ثانيتهما لأولاهما، وقدر لها أن تغطي بشهرتها على شهرة مدن العراق كلها في عصرها، وتلك هي مدينة بابل موضوع البحث التالي.
следующие страницы →