← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عن غير قصد، غرم عشرة شواقل فضية، فإذا أجهضها عامدًا غرم ضعف ذلك "أي ٢٠ شاقلا"، وإذا تنصل ولد "بالتبني" من أبويه وجهر بذلك أمامها حرم من إرثهما وجاز لهما بيعه بيع الرقيق. وإذا استغنى أبوان عن ولدهما "المتبنى" تنازلا له عن بعض أملاكهما. وإذا أغرى رجل فتاة حرة في الطريق واغتصبها ولم يكن أبواها على علم بخروجها إلى الطرقات، جاز لهما أن يلزماه بتزوجها. فإذا كان خروجها عن رضا منهما، وأنكر الذي اغتصبها علمه بأنها من الحرائر وأقسم على ذلك أمام بوابة المعبد، برئ.

стр. 527

في الفن: صاحب الرقي الفكري في عصر إسين - لارسا، نشاط فني محلي في النقش والنحت، وتمثلت شواهد النقش حينذاك في لوحات ملونة من الطين المحروق قامت على مذابح المعابد "وشابهت لوحات القديسين في أديرة العصور الوسطى"، وتوضع بحيث تواجه المتعبد وتقوم أمامه مقام تمثال معبوده، ولذلك ظهرت هيئاتها بارزة مجسمة وشكلت بتصوير أمامي وليس جانبيًّا كالمعتاد. وعبرت هذه اللوحات عن هيئات الأرباب ورموزهم، فصور بعضها إله الشمس تخرج الأشعة من ساعديه. وصور بعضها ربة الموت على هيئة فتاة عارية بوجه ممتلئ حاو قوي الشكيمة وساقي طائر كاسر ومخالبه، وكان أصحابها يرمزون إليها بجانب صورتها البشري بهيئة البومة ويعتقدون أنها تطوف في الليل دون أن يسمع لها صوت١. واحتفظ الأفراد في بيوتهم بلوحات مماثلة ولكنها صغيرة، يحتمل أنهم كانوا يقيمونها فوق مذابحهم الأسرية، ويصورون فيها هيئة المعبود الذي يتبركون بصورته ويعتبرونه راعي أسرتهم، مثل المعبودة نينتو ربة الولادة٢، والمعبودة جولا التي رمزوا إليها بهيئة كلية ترضع أجراءها٣، وذلك إلى جانب لوحات أخرى ذات طابع دنيوي تخدم غرض الزخرف٤. واشتركت اللوحات والتماثيل الصغيرة في تمثيل مردة مخيفين قد يرمزون إلى الكائنات الخرافية التي روت قصص الخليفة السومرية أنها عاشت في الهوة الأولى أو المحيط البدائي، وكانت ذات طبائع مزدوجة وخلقات مركبة، بحيث قد يمثل أحدها بوجهين أو بأربعة وجوه، أو يمثل بما يجمع إليه خصائص الذكر والأنثى، أو خصائص الإنسان والحيوان ... ٥. ولم يحل وجود لوحات العبادة تلك دون إقامة التماثيل المعتادة للأرباب والحكام وكبار الكهنة، أو نذور المتعبدين في ساحات المعابد ومقاصيرها وعند مداخلها. وتفاوتت هذه التماثيل في مادتها ومدى إتقانها.

стр. 528

فصنعت من الصلصال والجص والحجر والمعدن١. ومن أمتع ما بقي منها في المعابد تمثال دقيق لكلبة "تشبه فصيلة البولدوج" تحمل آنية فوق ظهرها وتلتفت برأسها، ومثل الفنان شعر رأسها وتهدل أذنيها وطيات عنقها وتفاصيل مخالبها تمثيلًا صادقًا بارعًا، وسجل على بدنها إهداء من سومر إيلو ملك لارسا إلى إحدى ربات لجش٢. وتجري مجرى هذا التمثال الصغير من حيث الإتقان عدة أوانٍ نقشت سطوحها بأشكال حيوانية وجسمت رءوس حيواناتها وأطلت مقدماتها من زوايا الآنية وطعمت عيونها تطعمًا بارعًا٣. واحتفظت مدن إسين ولارسا وإشنونا وماري وآشور بنماذج من فنون عصرها. وتعتبر فنون ماري أمتعها أسلوبًا وتعبيرًا، وكانت كذلك منذ عصر الإحياء السومري، ويبدو أن قربها من مواطن الحضارة الشامية كفل لها ثروة متنوعة من أساليب الفنون الشامية والعراقية في آن واحد، فتخير فنانوها ما يناسب أذواقهم من الجانبين، وظلوا أميل إلى إيثار المذهب الواقعي والأسلوب السلس وطابع السماحة في فنهم، وذلك بحيث لا يخلو أكثر تماثيلهم غلظة من ملامح الطيبة والوداعة٤. وتجلت في تماثيلهم بوجه عام طراوة مستحبة في تشكيل خطوط الأجزاء العارية من الجسم وتشكيل طيات الثياب وزركشاتها٥. وتأثرت تماثيل المعبودات بروح البساطة نفسها، فبقي منها تمثال لمعبودة لا تكاد بملامح وجهها واسترسال شعرها وطراز ثوبها وصورة قلادتها تختلف عن هيئات سيدات شمال سوريا الحاليات في شيء كثير، وقد ضمت إلى صدرها آنية أسطوانية صغيرة اتصلت فتحتها السفلى بجسم تمثالها، ويحتمل أن الماء كان يصلها عن طريق أنبوبة في ظهره ويندفع منها إلى حوض تطل عليه بما يشبه تماثيل النافورات٦. وظلت تماثيل آشور في أخشن تماثيل عصرها٧، بينما ظلت تماثيل إشنونابين بين٨. واحتفظت كل من إشنونا وماري بأطلال من قصور حكامها، ويرجع قصر إشنونا إلى عصر تبعيتها لدولة أور الثالثة، ويبدو أنه تضمن إلى جانب مقر صاحب إدارات الحكم الرئيسية في إمارته، وكان من طابقين، ويفضي مدخله إلى ممر جانبي مسور طويل يتعين على الداخل أن يسلكه قبل أن يصل إلى الفناء الداخلي الكبير، ثم يقطع هذا الفناء على طريق ممهد بالطين قبل أن يبلغ مجلس الأمير، وذلك بما يكفل الأمان لصاحب القصر ويسمح لحراسه بمراقبة الداخلين إليه. وقام في طرفي القصر معبدان، معبد صغير؛

стр. 529

وآخر كبير أقامه حكام القصر باسم شوسين ملك أور في عهد تبعيتهم له، ثم ضموه إلى قصرهم بعد أن ضعف شأن دولته١. وكفل لقصر ماري شهرته الخاصة، اتساع مساحته ورسوم جدرانه وكثرة ملحقاته وكثرة الألواح المكتوبة التي عثر عليها في ديوان سجلاته٢. فقد شغل القصر نحو ستة أفدنة، وتضمن مائتين وستين حجرة بجدران مرسومة ملونة أخذت مناظرها بما أخذ به فن النحت في عهدها من واقعية الملامح وسلاسة الخطوط وحيوية الطابع وبساطة الأداء وتفاصيل الأزياء، فصورت مناظر حربية وأسطورية وقصصية ودينية لم يبق منها للأسف غير أجزاء يسيرة، وأحاطت بها إطارات ضيقة تتألف من شجيرات وكائنات خيرة وأخرى مخيفة، وإطارات زخرفية ذات وحدات لولبية تشبه مثيلاتها في الفن الإيجي. ولا تزال أكثر مناظر القصر حيوية مناظر مواكب القرابين وتصور رجالًا بوجوه نحيفة دقيقة ولحى طبيعية قصيرة يغطون رءوسهم بقلانس بعضها مرتفع يشبه القاووق، وبعضها عريض منخفض بشرائط بيضاء يشبه البيريه، وبعضها يشبه الطواقي الصوفية التي يلبسها أهل الجبال. ويرتدون ثيابًا مقفولة بحلفات واسعة تحت الرقبة، وعباءات زركشت أطرافها بأهداب تشبه ريش الطيور أو فلوس السمك ... ، ويسوق بعضه ثيرانًا كسيت أطراف قرونها بحليات معدنية وتدلت على جباهها حليات هلالية، وعبر الرسام عن تجعدات جلودها وشعور رءوسها تعبيرًا بارعًا بألوان متدرجة اكتفى فيها كلها باللون الأسود ومشتقاته. واحتفظت لوحة مسمارية من أواسط الألف الثاني ق. م بنموذج لما كانت عليه صورة المدن السومرية خلال عصر إسين - لارسا، أو بعده بقليل، في هيئة تخطيط أو خارطة لمدينة نيبور "نفر" السومرية التي نسبها أهلها إلى معبودهم الأكبر إنليل، فسموها "إنليل كي" أي مقره. وهي خارطة كتبت أبعادها بالأرقام وبوحدة الجار القياسية "وتعادل اثني عشر قدمًا"، وسجلت عليها بياناتها المختصرة باصطلاحات سومرية وأكدية. وصورت نيبور قريبة من موارد الماء والزراعة يحد نهر الفرات "بورانون" جنوبها الغربي وتحد شمالها الغربي قناة، ويحيط بها سور كبير تنفتح في ضلعه الجنوبي ثلاث بوابات سميت بأسماء: البوابة السامية، والبوابة العظيمة، وبوابة الأنجاس "؟ " "كاجال موسو كاتم". وتنفتح في ضلعه الجنوبي ثلاث بوابات أيضًا سميت بأسماء بوابة إله القمر "كاجال نانا"، وبوابة أوروك "وتقع أوروك إلى الجنوب الشرقي من نيبور"، والبوابة المواجهة لمدينة أور. وتضمن الضلع الشمالي للسور بوابة واحدة سميت "بوابة ترجال" "حاكم العالم السفلي". وحف بالمدينة خندقان، خندق "خريتم" يوازي سورها الجنوبي الغربي، وآخر يوازي سورها الجنوبي الشرقي. وصور داخل المدينة بيوت على هيئة مستطيلات متفاوتة السعة، وبستان كبير، ومعبدان على أقل تقدير، معبد "إكور" "بمعنى البيت الجبلي"،

стр. 530

ومعبد "كي - أور"، فضلًا عن معبد آخر يقع في ضاحية المدينة خارج سورها يسمى إسماخ بمعنى المعبد الشامخ١. والخلاصة، أن الهجرات التي نزلت بلاد النهرين منذ أوائل الألف الثاني ق. م، والهجرات الأمورية منها بخاصة، لم تكن شرًّا كلها على العراق، وإنما كانت خيرًا له في بعض أمرها، وكان خير ما فيها هو أن الهجرات الأمورية منها جدتت دماء الساميين في أرض العراق وجددت حيويتهم، ولم تحل دون نشاط المدن الكبيرة وازدهارها في ظلها، ومن هذه المدن فيما رأينا، مدن إشنونا وإسين وماري، وإلى حد ما مدينة لارسا، ثم مدينة أرخى استفادت من تنافس المدينتين إسين ولارسا وإضعاف ثانيتهما لأولاهما، وقدر لها أن تغطي بشهرتها على شهرة مدن العراق كلها في عصرها، وتلك هي مدينة بابل موضوع البحث التالي.

стр. 531

الفصل السابع عشر: دولة بابل الأولى "أو العصر البابلى القديم " بداية دولة بابل الأولي ... الفصل السابع عشر دولة بابل الأولى "أو العصر البابلي القديم" "١٨٨٠"؟ "-١٥٩٥ق. م": ألف عصب هذه الدولة جماعة ممن أسلفنا ذكرهم من الأموريين الذين انتشروا بين المدن المتحضرة في العراق واستقروا فيها وولوا حكم بعضها. وكان بابل قبل زعامتهم لها بلدة عادية عرفها السومريون باسم "كدنجيرا"، فأحالوها إلى حاضرة كبيرة وأحسنوا استغلال موقعها الزراعي والتجاري لقيامها في منطقة خصبة يتقارب فيها نهرا دجلة والفرات، وعرفوها باسم "بابل"، وهو اسم ليس ما يمكن تأكيده عن معناه، وإن كان الشائع هو ترجمته بمعنى باب إل، أي باب الإله، ويرى أصحاب هذه الترجمة أنها كانت قريبة مما تدل عليه التسمية السومرية "كدنجيرا" التي استمرت تستخدم إلى جانبها مع مترادفات أخرى مستحدثة. وتقع أطلال المدينة حاليًا جنوبي مدينة بغداد على الشاطئ الشرقي للفرات، وتدل عليها خمس ربوات تحتفظ الشمالية منها باسم بابل. ونسب البابليون مدنًا أخرى إلى بقية أربابهم، مثل كارشمش بمعنى حصن الشمس أو مدينة الشمس، ونورأداد "وكان أداد ربًّا للحرب والعواصف". وانتشرت بين أسماء الساميين الذين نزلوا هذه المدينة وانتسبوا إليها، أسماء مركبة ظهرت بوادرها بين الأموريين منذ أيام الأكديين وزادت منذ تكوين دولة إسين، وشاع في عدد كبير منها اسم إيل "أو إل" الذي تداخل اسمه في اسم المدينة المجددة بابل، مرادفًا لاسم الإله واسم الله "ولا زال باقيًا في أسماء إسماعيل وجبرائيل وعذارئيل ... ". ومن أسماء البابليين أسماء ذات دلالات لطيفة تدل على إحساس العبد منهم بقربه من ربه مثل "إبلوشو أبو شو" بمعنى إلهه أبوه "ويرادف المقطع شو الضمير هو في لغتنا العربية، وربما كان ينطق بمثل نطقه أي بضم الشين وفتح الواو، ويرادفه في ذلك الضمير سو في اللغة المصرية القديمة ولعله كان ينطق مثل نطقه"، و"إيلما أبي" بمعنى إلهي أبي، و"إيلو شو إبنيشو" بمعنى إلهه الذي بناه "أو سواه"، و"جيميل إيليشو" يمعنى عطية إلهه، و"إيلي دوري" بمعنى إلهي حصني، و"إيلي إشمأني" ربما بمعنى إلهي اسمعني، وإيلي أمورو بمعنى إلهي أمورو، و"إيلي إمدي" بمعنى إلهي سندي "لإمراة". وذلك فضلًا عن الأسماء المركبة التي تداخل فيها اسم رب القمر السامي سين، والتي عرفتها بلاد العراق قبل ذلك بزمن طويل وقبيل عصر الأكديين. اعتلى زعماء الساميين عرض بابل منذ عام ١٨٨٠ق. م تقريبًا، وتعاقب منهم خمسة ملوك في عصرهم الأول، هم: سومر أبوم؛ وسومو إيل، وسابو، ,أب إيل سين، وسين مو بالليط. وقد عملوا على تفاوت في مجهوداتهم، على تحصين مدينتهم وتنشيط اقتصادياتها وإعدادها للمشاركة بدورها في قيادة بلاد

стр. 532

النهرين، وترقبوا فيها نتائج الصراع بين المدينتين المتنافستين إسين ولارسا. وعاصر أولهم، سومو أبوم، ملوك إسين ولارسا في عهد قوة المدينتين، واشتبكت جيوشه مع الجيوش الآشورية "في عهد ملكها إيلوشوما"، ولم ينته القتال بينهما إلى نتيجة حاسمة. وإن كان الملك البابلي قد عمل بعده على تحصين عاصمته بسور جديد من اللبن إتقاء للمفاجآت، وأزاد رجاله خطوطهم الدفاعية فشادوا سورًا آخر في إحدى ضواحي العاصمة، كما أزادوا ظهيرها الزراعي فضموا إليها منطقة خصبة تُدعى دلبات تبعد عنها بنحو سبعة وعشرين كيلومتر. وعندما ازدادت سمعة بابل اعترفت بسلطانها اعترافًا جزئيًّا منطقة سيبار "أبو حبة" وأقسمت باسم ملك بابل في نصوصها المكتوبة. كما خضعت لسلطانها مدينة كيش بعد حرب طويلة تعاونت عليها فيها مع دولة لارسا. وانهزمت أمامها جيوش منطقة كازاللو ... ولو أن خضوع هذه المناطق القديمة لحكم الأسرة البابلية لم يكن دائمًا خضوعًا مخلصًا أو مطلقًا، فحاولت كيش أن ترفع النير عنها في عهد سومو أبوم نفسه، وذكر ملكها أنه لم يبق لديه بعد كفاح دام ثمان سنوات غير ثلاثمائة جندي، ولكنه واصل الجهاد معهم حتى استرد لبلده سيادتها. وتجدد النزاع بين بابل وبين دويلات المدن الخاضعة لها في عهد ثاني ملوكها، مما لا نود التفصيل فيه، إلا أن ملكها أزاد سورها بعد انتصاره على خصومه وتوسعت جيوشه في فتوحها الإقليمية حتى سيطرت على إقليم أكد كله وسيطرت على عدة أجزاء من أرض سومر. ووجدت بابل في دولة لارسا وأسرتها الحاكمة نصف الإلامية أكبر منافس لها، بينما أصبحت دولة إسين فريسة للفريقين يقتطع ملوك لارسا بعض أجزائها حينًا، ويقتطع البابليون بعض أجزائها حينًا آخر. وظلت الحال كذلك حتى ولي حكم بابل سادس ملوكها وأكثرهم شهرة وهو حمورابي.

стр. 533

حمورابي: بدأ حكمه عام ١٧٢٨ "في عرف أصحاب التأريخ المختصر"، وطال عهده ثلاثة وأربعين عامًا قدر له فيها أن ينهض ببابل من دويلة صغيرة إلى عاصمة دولة كبيرة ذات إمكانيات متعددة وأملاك واسعة وشهرة ضخمة، وبدأ تشريعاته التي خلدت اسمه في التاريخ منذ العام الثاني من حكمه، وخلد كتبته هذه البداية في تسمية عامها باسم عام "إقرار "حمورابي" العدالة في الأرض"١، وإن لم تكتمل هذه التشريعات إلا بعد ذلك بسنوات عدة "انظر ص٤٦٣". واستهدف الرجل منذ سنواته الأولى ضرورة توحيد بلاد النهرين تحت طاعته سواء بالسياسة أم بالحرب، مع إقصاء النفوذ شبه الإلامي عن جنوب العراق. وبدت منه في سبيل تحقيق هذا الهدف حنكة لا تقل عن حنكة سرجون الأكدي سامي الأصل مثله. فسجلت له حولياته أخبار جهوده في إخضاع مدن كثيرة مثل

стр. 534

أوروك وإسين ومالحي ورابيكوم وغيرها، ولعله أراد بانتصاراته عليها أن يحد من نفوذ أعنف منافسيه ريم سين ذي الأصل الإلام وآخر ملوك لارسا عليها حتى يتفرغ له. وكان ريم سين كفئًا لمشاكل عهده بحيث ظل يناوئ حمورابي حتى العام الثلاثين من حكمه، وبحيث كتب أحد أعوان ملك دويلة ماري رسالة إلى ملكه يكشف له فيها عن أوضاع العراق، قائلًا له: "ليس هناك ملك واحد يمكن أن يقال عنه إنه أقوى الجميع، فإن عشرة أو خمسة عشر حاكمًا يتبعون حمورابي "ملك" بابل، ومثل هذا العدد يتبعون ريم سين "ملك لارسا"، ومثلهم يتبعون إبعل بي إيل "ملك" إشنونا ... إلخ"١. وشيئًا فشيئًا إطمأن حمورابي إلى متانة موقفه وسلامة ظهره، وتفرغ من ثم لملك لارسا وحلفائه، فمال ميزان القوى إلى جانبه منذ العام الثلاثين من حكمه، حتى فر ريم سين إلى منطقة إيموتيبال مسقط رأس أسرته، وتتبعته الجيوش البابلية إليها، ثم واصلت انتصاراتها فيما يليها من أرض إلام وسيطرت على جزء منها. ويبدو أن الأمر كان كذلك فيما بين البابليين وبين إشنونا وسوبارتو، بحيث رددت حوليات حمورابي ذكر اسميهما مرات كثيرة. وعندما آتت جهود حمورابي وجيوشه ثمارها، استقرت زعامة دولته في العراق فاعترفت بنفوذها آشور في الشمال وإن لم تنطوِ تمامًا تحت سلطانها. وماري في الغرب، وخضعت لها أغلب المناطق الجبلية الشمالية والشمالية الشرقية. وكشفت نصوص حمورابي عن جانب من سياسة الحرب في عهده، ومنها هدم أسوار المدن التي يخشى بأسها٢، وتقوية أسوار المدن الموالية له في المناطق الإستراتيجية الحساسة "وسميت بعض هذه الأسوار بأسماء أرباب مدنها"٣، والعمل على رعاية تماثيل أربابها بعد الاستيلاء عليها، حتى تكون سبيلًا لاستمالة مشاعر أتباعها. وكان من ذلك أن ذكر أحد نصوصه أنه أعلى كلمة الربة إنانا في نينوى وأعاد لمدينة آشور حصانتها٤. أو لتحملها جيوشه معها باعتبارها موالية لها حين تعاون غزو مناطقها فتيسر لها مهمتها. وكانت رعاية هذه التماثيل تستتبع رعاية من يرافقونها من كهنتها وكاهناتها وإحياء أعيادها في معابد بابل نفسها ... ٥. واتبع حمورابي سياسة التحالف مع المدن القوية دون الإصرار على إخضاعها، أو على أقل تقدير حتى تسنح له فرصة إخضاعها. ويذكر من هذا القبيل تحالفه مع دويلة ماري، تحالفًا ظل هو الجانب الأقوى فيه، واستعان معه بها على بعض أعدائه٦، حتى إذا ما ضعفت ماري نفسها تحت ضغط أعدائها أخضعتها جيوشه وضمتها إلى دولته، وهو ما كان يعتبر من حسن التدبير من وجهة نظر أنصاره، ويعتبر سمة للغدر من وجهة نظر خصومه. وكان من الطبيعي أن يلازم الاهتمام بالحروب في عهده اهتمام آخر برضا آلهة دولته الساميين والسومريين الذين رد إليهم تأييده ونصره، وبخاصة آنو وإنليل ومردوك. وتمثل هذا الاهتمام في

стр. 535

عهده كما تمثل في عهود من سبقوه ولحقوا به من الملوك، في إنشاء المعابد وتجديدها وزيادة تماثيلها والاحتفاء بأعيادها وأوقافها ورعاية كهنتها وكاهناتها١. واحتفظت حولياته باسم نهير صغير شقه رجاله أو أزادوا اتساعه وامتداده، وقالت عنه "نهير حمورابي "واهب" الخير للناس، حبيب آنو وإنليل، الذي غذى نيبور وإريدو وأور ولارسا وأوروك وإسين بمورد ري دائم، وكان يبدأ من الفرات أسفل كيش ويمتد حتى الخليج العربي٢. تشريعات حمورابي: لم تعتمد شهرة حمورابي على فتوحه وتدينه ورعياته لاقتصاديات بلده بقدر ما اعتمدت على تشريعاته الإدارية والقانونية. وهي تشريعات بدأ في إصدارها منذ العام الثاني من حكمه، وسجلها رجاله على نصب كثيرة، اشتهر منها نصب كبير من الديوريت "٢.٢٥ متر ارتفاعًا" نقشوه في السنوات الأخيرة من حكمه، وصوره في جزئه العلوي يتلقى الإذن بإصدار تشريعاته من رب العدالة ورب الشمس "شمش"، ويبدو أنهم أقاموه في معبد مردوك ببابل. ويبلغ أكبر عرض لهذا النصب ثلاثة أقدام، ونقشت نصوصه بخط دقيق. وكان العيلاميون قد استولوا عليه في أواخر القرن الثاني عشر ق. م، ونقلوه إلى عاصمتهم سوسه ضمن الغنائم نكاية في صاحبه الذي انتصر على أجدادهم، وأزالوا بعض سطوره ليسجلوا نصوص نصر ملكهم مكانها - ولكنهم لم يتموا هذا العمل ربما اتقاء للعنات الي صبها صاحبه على من يمحو كلماته. ثم نقل النصب بعد العثور عليه إلى متحف اللوفر، وعوضت نقص سطوره نصوص أخرى مرادفة لها. لم تكن تشريعات حمورابي هي الأولى من نوعها في تاريخ بلاد النهرين كما كان يظن من قبل، فقد سبقتها كما مر بنا ثلاث محاولات لتشريع ولتدوين نصوص العرف القديم، في أور، وإشنونا، وإسين "وإصلاحات لجش احتمالا"، ولم تكن مرة أخرى بنت عهدها ولا جديدة كلها، وإنما تضمنت كثيرًا مما سبقها من نصوص العرف واللوائح ونصوص التقنين وأبقت بعضها على حاله، وعدلت بعضها الآخر وزادت عليه، ولكنها اكتبست شهرتها باعتبارها أكبر سجل قديم عثر عليه حتى الآن احتفظ بقوانين عهده وأحكام العرف في العهود التي سبقته. وأغلب الظن أنه تولى تجميع هذه التشريعات في عهد حمورابي عدد ما من رجاله القانونيين والإداريين أغفلت النصوص أسماءهم ونحلت فضلهم إلى ملكهم بل وجعلتها من وحي ربه إليه، وهو مسلك كثيرًا ما تكررت أمثاله في العصور القديمة والعصور الحديثة أيضًا. تألفت المواد الباقية من تشريعات حمورابي من ٢٨٢ مادة تناولت أمور القضاء والأمن، وحقوق المحاربين ومسئولياتهم، وعقود الزراعة، وشروط الفروض، والأحوال الشخصية بما تتضمنه من تقاليد الزواج والطلاق والمورايث، وتحدثت عن القصاص والتعويضات، وأجور أصحاب المهن ومسئولياتهم. وتضمنت في ثناياها أحكامًا راقية يتقبلها المنطق في كل عصر، وأحكامًا أخرى يصعب علينا قبولها إلا بمنطق الحياة في

стр. 536

عصرها، ولم تخل في بعض تفاصيلها من تكرار وتناقض، ويرى بعض الباحثين في ترتيب بنود هذا التشريع ما يسمح بتقسيمها إلى ثلاث مجموعات: مجموعة تتضمن البنود ١ - ٥ وتتعلق بأمور القضاء والتقاضي وما يشبه أصول المرافعات. ومجموعة ثانية تتألف من البنود ٦ - ١٢٦ وتتصمن قانون الأموال أو المعاملات. ثم مجموعة ثالثة تتألف من البنود ١٢٧ - ٢٨٢ وتتصمن قوانين الأسرة أو الأحوال الشخصية - غير أن هذا التقسيم يصعب تتبعه حرفيًّا في بنود التشريع. وتعبر الأرقام التي وضعناها بين قوسين فيما يلي عن أرقام بنود التشريع المتعارف عليها. فمن أحكام التشريعات الراقية في شئون التقاضي والقضاء، أنه أيما مواطن اتهم مواطنًا آخر بجريمة يعاقب عليها بالإعدام ثم لم تثبت عليه قتل عوضًا عنه. وإذا اتهمه بجريمة يعاقب عليها بالتغريم، ثم ولم تثبت عليه دفع غرامتها. وقد ينطوي هذا تحت ما يعبر الآن عنه بمكافحة البلاغات الكاذبة وأحكام رد الشرف. ونصت على أنه أيما قاضٍ أصدر حكمه في قضية ودون حكمه ووقع عليه ثم زور فيه لغرض ما وثبت ذلك عليه، أقيل من منصبه وحرمت عليه مناصب القضاء ودفع ما يوازي اثنتي عشرة مرة من قيمة الشيء الذي زور فيه، وفي ذلك ما فيه من مكافحة الرشوة في القضاء وهي شر البلية. وتضمنت مبادئها الراقية في مسئولية عن شئون الأمن وحقوق المواطنين عليها، أنه إذا سُرق مواطن ولم يتيسر القبض على سارقه واسترجاع المسروقات، عوضته مدينته وحاكم إقليمه عما سُرق منه بعد أن يعلنه ويثبت صحة دعواه أمام تمثال معبوده ورجال الإدراة في بلدته "٢٣". وإذا قُتل مواطن ولم يتيسر معرفة قاتله والاقتصاص منه تعاونت المدينة وحاكم الإقليم على دفع دية إلى أهله مقدراها مينه من الفضة "٢٤" وإذا شب حريق في دار مواطن وكلف آخر بإطفائه فاستغل وجوده في النار واختلس بعض متاعها، ألقي به في النار "٢٥". ومن مبادئها الراقية كذلك في إقرار حقوق المحاربين في مقابل مسئولياتهم، أنه إذا افتدى ممول محاربًا "ريدوم" أو متعهدًا بالجيش "بيثيروم" من الأسر وأعانه على العودة إلى بلده، رد المحارب فديته من أملاكه المنقولة، فإن لم يستطع تولاها عنه رب مدينته "أي حصل عليها من دخل معبده"، فإن لم يتيسر ذلك تولت الدولة سدادها عنه "٣٢"، حتى لا يضطر إلى التضحية بأملاكه الثابتة التي تقطعها الدولة له، في سبيل افتداء نفسه. وكان إقطاع المحارب يُسمى كو، وقد يتألف من حقل أو بستان أو دار، أو يضم الثلاثة جميعها، ويدفع عنه صاحبه ضريبة سنوية ويورث حق الانتفاع به لولده الأكبر ولكن لا يحق له أن يبيعه أو يرهنه أو يورثه لزوجته أو لابنته، ويمكن أن ينزع منه هذا الإقطاع بأمر ملكي ويوهب لشخص آخر. وإذا استشهد محارب آلت أملاكه إلى ولده "٢٨"، فإذا كان ولده صغيرًا تولت أمه إدارتها نيابة عنه إن استطاعت، وربته من ريعها نظير انتفاعها بثلث إيرادها "٢٩". فإذا لم يكن له ولد، وآلت إقطاعيته إلى شخص آخر، ثم ظهر أنه حي وعاد إلى بلده حق له أن يسترد إقطاعيته "٢٧".

стр. 537

وأخذت تشريعات حمورابي بمثل قوانين إشنونا من حيث حق المحارب الذي يؤسر في ديار الأعداء في أن يسترد زوجته إذا عاد إلى بلده، ولو كانت في فراش زوج جديد "١٣٥"، وحرمت هذا الحق على من فارع بلده كارهًا له "١٣٦". وحتمت على زوجة الأسير أن تلزم داره ما دام فيها ما يكفيها، وألا تلجأ إلى فراش آخر وإلا ألقي بها في النهر "١٣٣". فإذا لم يكن لديها ما يقيم أودها فلا بأس عليها فيما فعلت "١٣٤". وجعلت تدوين عقود القروض والمشاركة والأمانات وشهادة الشهود عليها، أساسًا لحق التقاضى بشأنها "٩٩+"١. وحددت أرباح القروض "١٢٢ - ١٢٣" بالخمس "٨٨+" واشترطت سدادها بنفس المكاييل والأوزان التي أقرضت بها "٩٤". وعلى هذا الأساس جعلت ربح كور الغلة ٦٠ قو، وفائدة شاقل الفضة سدس شاقل وست سيات، ولو أن بعض لوحات القروض الفعلية من نفس العصر قد دلت على زيادة أرباح القروض ونقصانها عن هذه النسبة في بعض الحالات، وتتمثل حالات النقص فيما كانت تقرضه المعباد والإدارات الحكومية في ظروف خاصة إلى ما يوازي ١٢% تقريبًا٢. وأحاطت تشريعات حمورابي أفراد الأسرة وتقاليدها بضماناتها وعقوباتها، وزادت على ما نصت عليه تشريعات أور وإسين في حقوق الزوجة الشرعية فأباحت أن تسترق جاريتها ذات الولد إن تبينت منها تطلعًا إلى مساواة نفسها بها، وأباحت لها بيعها إن كانت غير ذات ولد، حتى ولو كانت أثيرة عند زوجها. وقد قرر رجل في عهد سين موبالليط والد حمورابي، في عقد زواجه، أن على زوجته الثانية أن تغسل قدمي زوجته الأولى وأن تحمل لها مقعدها حتى ولو شاءت أن تذهب به إلى معبد مردوك٣. وأكدت التشريعات حق الزوجة في استرداد بائنتها "شريقتو - وتقوم مقام الدوطه عند بعض الشعوب المعاصرة" حين طلاقها - ما لم تكن ناشزًا، وأضافت إلى بائنة المطلقة ذات الأولاد نصف أملاك زوجها لتستغله في تربية أبنائها حتى يبلغوا أشدهم ثم تجتزئ منه نصيبًا تستعين به على زواج جديد إن استحبت فراقهم "١٣٧". وأضافت إلى بائنة المطلقة العاقر تعويضًا يبلغ مينه من الفضة بالنسبة للطبقات العليا وثلث مينه بالنسبة لأهل الطبقات العادية "١٣٨ - ١٤٠". ويبدو أنه لم يكن من الضروري أن يلتزم كل مطلق ومطلقة بهذه المبادئ، وكان الأمر يتوقف على ظروف الطلاق ومدى التراضي به بين المطلقين ومقدار ثرائهما٤. وردت بائنة الزوجة المتوفاة ذات الأولاد على أولادها "١٦٢"، وجعلت بائنة الزوجة العاقر المتوفاة من حق أبيها بعد أن يسترد زوجها منها قيمة هداياه إليها حين عرسها، وحين نتدبر أحكام البائنة هذه نرى

стр. 538

أن المشرع قد غطى بها كل حالاتها ودل بذلك على عقلية تقنينية واعية. وجعلت التشريعات للزوج حق الوصية أو الهبة لزوجته دون اعتراض من أبنائه، وسمحت لها بأن تتنازل عن جزء من هذه الهبة لأولادها، ولكن دون الغرباء "١٥٠"، واعترفت بحقها في أن تلزم بيت زوجها المتوفى إلا إذا أرادت أن تتركه لتتزوج وحينذاك يكون لها حق الخروج ببائنتها دون هدايا عرسها "١٧٢". وقضى المشرع على من اتهم سيدة بسوء السلوك دون بينة أكيدة، بحلق نصف شعره في ساحة القضاء تشهيرًا بافترائه عليها "١٢٧" فإذا اتهمها زوجها ولم يقدم بينة واضحة على فجورها، كفاها أن تقسم على طهرها أمام معبودها وتعود إلى دار زوجها "١٣١" وهو ما أقرت الشريعة الإسلامية بما يشبهه مع تجديدات تتفق مع روح دينها. وفي مقابل هذه الضمانات الواسعة التي كفلتها التشريعات للزوجة، ألزمت الزوجة بواجبات زوجها وبيتها، بحيث إذا شكاها زوجها أمام مجلس المدينة وتبين أعضاؤه إهمالها لواجباتها الزوجية حرموها من بائنتها وسمحوا لزوجها بأن يتزوج عليها ويستبقيها في داره إن شاء ويلزمها بخدمته "١٤١". فإن تبينوا نشوزها وإضرارها بزوجها ألقوا بها في النهر "١٤٣"، فإن ثبت عليها الزنا أمروا بتقييدها هي ومن زنى بها وإلقائهما في النهر، إلا إذا عفا عنها زوجها وعفا الملك عن عشيقها "١٢٩". فإذا تآمرت زوجة على قتل زوجها من أجل عشيقها، أعدمت على الخازوق "١٥٣". وفصلت التشريعات صلات الأولاد بأبويهم وحقوقهم في المواريث. فجعلت من حق كل ولد على أبيه أن يعينه بمهر يتزوج به، فإن مات الوالد دون أن يتزوج أحد أبنائه، أفرد له إخوته قيمة مهر تناسب ثروة أبيه قبل أن يقتسموا ميراثه "١٦٦". وكفلت نفس الأمر بالنسبة للابنة وبائنتها ... ، بحيث إذا مات أب دون أن يزوج ابنته ودون أن يخصص لها بائنة مسجلة أفرد لها إخوتها بائنة مناسبة من ميراثه "١٧٨ - ١٧٩". وقيدت حق الوالد في حرمان ولده بحكم القضاء في مدى عصيانه، فإن أدانوه أنذروه، فإن لم يرتدع وافقوا على حرمانه، وإن تبينوا براءته حموه في أبيه "١٦٨ - ١٦٩". وجعلت للأبناء الذكور حصصًا متساوية في ميراث أبيهم١ وبائنة أمهم، إلا إذا أوصى الأب لولده البكر بوصية "١٦٥". وجعلت للابنة العذراء المترهبة حق استغلال ما يعادل ثلث نصيب أخيها على أن تبقى الرقبة لإخوتها ولا يحق لها أن تتصرف فيها "١٨١. واستثنت من ذلك من ترهبت في معبد مردوك رب بابل فسمحت لها بأن تستغل حصتها كما تشاء، وتهبها لمن تشاء بشرط ألا ترث حقوقًا إقطاعية، حتى لا تنتقل إلى أسرة غير أسرتها "١٨٢". وألحقت التشريعات الأبناء بخير الأبوين، فنصت على أنه إذا تزوج عبد بحرة احتفظ أولادها بحريتهم، فإذا مات عنها زوجها استردت بائنتها، وإذا كانت ذات لد قاسمت مولى زوجها المقتنيات التي شاركت زوجها فيها بعد زواجها به، واحتفظت بنصفها من أجل أولادها "١٧٥ و١٧٦". وسمحت التشريعات

стр. 539

للأب بحق الاعتراف بأولاده من جاريته، فإذا اعترف بهم شاركوا أولاده الشرعيين ميراثه بشرط أن يتركوا لولده الشرعي البكر حق اختيار نصيبه بنفسه "١٧٠". وإن لم يعترف صراحة ببنوتهم حرموا من ميراثه، مع حرمان إخوتهم الشرعيين من استرقاقهم "١٧١". ونصت على أن من باع جاريته أم أولاده أو أجرها "أم أعارها؟ " لآخر في سبيل توفير الضرائب المستحقة عليه، حق له أن يستردها من شاريها أو مستأجرها بنفس ما أداه له في مقابلها "١١٩". وحفظت مكانه الزوجة الشرعية بالنسبة للجارية، بمثل ما قدمنا لها به، وبأن نصت على أنه إذا أهدت زوجة زوجها جارية فأحبها وشجعها ذلك على أن تشارك الزوجة مكانتها حق للزوجة أن تعيده الجارية إلى الرق وتبيعها، فإن كانت قد حملت منه أو ولدت له دمغتها بميسم العبودية وأبقتها في دارها من أجل أولادها "١٤٦ - ١٤٧". وأباح المشرع ثلاثة أيام للمشاورة في شراء العبد أو الجارية، وشهرًا يستطيع المشتري أن يعيد العبد خلاله إلى بائعه ويسترد ثمنه إذا تبين أنه مصاب بصرع، فإذا انقضى الشهر كان مالكًا له مسئولًا عن الدعاوى التي تقام بشأنه. ونصت على أنه إذا اشترى رجل عبدًا أو أمة من بلد غريب ثم عاد إلى بلده وتبين له أن العبد ملك لمواطن آخر من أهل بلده، وطالبه به سيده، وجب تسليمه إليه دون تعويض. فإذا كان العبد من بلد آخر دفع فيه سيده ما دفعه فيه مشتريه واسترده، فإذا أنكر العبد تبعيته لسيده ثم ثبتت التبعية عليه صلمت أذنه "٢٧٨ - ٢٨٢". وتضمنت لوحة من لوحات النخاسة التي أخذت بتشريع حمورابي، ولو أنها متأخرة عن عهده، ما ذكر اسم الجارية واسم بلدتها واسم سيدها واسم مشتريها، وقيمة ثمنها الأصلي وما زاده المشتري عليه، ثم سجل الكاتب اسمه وأشهد خمسة أشخاص على لوحته١. ونظمت التشريعات أمور التبني، فسمحت للرجل بأن يتخذ ربيبه ولدًا له، فإن فعل واعترف به ولدًا، ثم تنكر له ربيبه وكان لقيطًا وأبى أبوته وتطلع إلى اللحاق بأبويه بعد أن عرفهما، قطع لسانه أو فقئت عينه. وحرمت استرجاع الربيب إذا تبناه صانع ورباه وعلمه صنعته. ولكنها من ناحية أخرى أجازت رجوع الربيب إلى أبويه إذا عرفهما ولم يكن متبنيه قد اعترف به ولدًا له، كما أجازت رجوع الربيب إلى أبويه إذا لم يعلمه متبنيه الصانع حرفته. واشترطه على من يتبنى طفلًا ثم يستغني عنه بعد أن ينجب أولادًا من صلبه، ألا يرده إلى أهله صفر اليدين، وأن يهبه ما يساوي ثلث نصيب ولده من صلبه من ثروته المنقولة "١٨٥ - ١٩٣". وقضت التشريعات على من ضرب أباه بقطع يده "١٩٥"، وعلى من ضاجع أمه بعد وفاة أبيه بأن يحرق معها "١٥٧"، وعلى من ضاجع زوجة أبيه الأرمل ذات الأولاد باستبعاده من أسرته "١٨٥، وقضت بالنفي على من يضاجع ابنته "١٥٤"، وبالهلاك غرقًا على من يضاجع زوجة ابنة بعد دخوله بها "١٥٥".

стр. 540

وعنيت التشريعات بأمور المعاملات الجارية، وتوسعت فيما تضمنته تشريعات إشنونا وإسين عن أجور العمال الزراعيين وشروط المشاركة في الزراعة والتجارة وتربية الأغنام والمواشي وتعويضاتها، وأجور المراكب تبعًا لحمولتها، وأجور حيوانات النقل والزراعة، وأجور النساجين وصانعي الجلود والصاغة والبنائين وأمثالهم. وكان خير ما أزادته هو تحديد أجور الأطباء، ومراعاة الحالة الطبقية والاقتصادية للمرضى. بحيث حددت أجر العملية في البدن أو في العين بالنسبة للثري بعشرة شواقل، وبالنسبة للشخص العادي بخمسة شواقل، وبالنسبة للعبد بشاقلين يتحملهما عنه سيده "٢١٥ - ٢١٧". وحددت أجرة العلاج العادي وجبر العظام بالنسبة للطبقات الثلاثة بخمسة شواقل وثلاثة وشاقلين على التوالي "٢٢٠ - ٢٢٣". ولم تنس في ذلك أجور علاج الحيوانات وتعويضاتها "٢٢٤ - ٢٢٥". كانت هذه أهم النواحي الطيبة في تشريعات حمورابي، أما ما يؤخذ عليها من وجهة نظر تشريعاتنا على أقل تقدير، فهو اعترافها بالتفاوت في الحقوق والعقوبات بين الطبقات، فهي وإن استحدثت مبدأ العين بالعين والسن بالسن "١٩٦" والولد بالولد، إلا أنها قصرت تطبيقه وأمثاله على أفراد الطبقة الواحدة لمصلحة الطبقة العليا بخاصة، بينما قضت بالتعويض المادي وحده جزاء لاعتداء أحد أفراد الطبقة العليا على فرد من طبقة أخرى أقل منزلة من طبقته. فجعلت عقوبة فقء عين العامي أو كسر عظمه نصف مينه من الفضة، وجزاءهما بالنسبة للعبد نصف ثمنه، أما إذا صفع رجل رجلًا أرقى منزله منه جلد ستين جلدة علنًا وإذا صفع رجلًا من طبقته دفع مينه من الفضة، وإذا صفع عامي عاميًّا آخر دفع عشرة شواقل من الفضة وجعلت غرامة إحهاض المرأة من الخاصة عشرة شواقل فإذا ماتت قتلت ابنة قاتلها. وغرامة إجهاض المرأة من العامة خمسة شواقل، فإذا ماتت ففديتها نصف مينه من الفضة، وغرامة إجهاض الأمة شاقلين، فإذا ماتت ففديتها ثلث مينه من الفضة "١٩٦ - ٢١٤". وقضت بتغريم من يختلس شيئًا من مقتنيات المعبد أو الحكومة ثلاثين مثلًا لما اختلسه، فإن اختلسه من "موشكينوم" دفع عشرة أمثاله، فإن كان معدمًا قتل "٨" أي أنها فرقت بين عقوبة سارق المعبد والدولة، وبين عقوبة سارق المواطن العادي، وجعلت الإعدام جزاء المفلس في الحالتين، وألزمت الأبناء أحيانًا بجرائر آبائهم، فإذا أهمل معماري في عمله وانهار المنزل الذي بناه على ابن صاحبه قتل ابنه، وإذا أجهض رجل سيدة من طبقته أو من الخاصة فماتت قتلت ابنته "٢١٠". واصطبغت أغلب مواد تشريعات حمورابي بالشدة في مواجهة الإضرار بمصالح الدولة والاعتداءات على النفس والمال، وليس من المستعبد أن تكون قد تعمدت ذلك لمجرد التخويف ومنع الجريمة قبل وقوعها، أو لتقيدها بتعاليم دينية متشددة، أو لشيوع الفساد في مجتمعها وفيما قبل عهدها فجعلت الإعدام عقوبة للتآمر على مصالح الدولة وأمنها والوقوف في سبيل تنفيذ أوامرها، كإيواء ثائر أو مجرم هارب، أو التكتم على مؤامرات قطاع الطرق "١٠٩"، أو التهرب من خدمة الجيش ولو عن طريق تقديم بديل، وعقوبة للضابط الذي أباح مثل هذا الإبدال أو تكتم أمره "٣٣". وعقوبة للاعتداء على أملاك المعابد وأملاك القصر. وجعلته عقوبة لمن يعجز عن رد المسروقات ودفع التعويضات عنها، وعقوبة لمن يسم عبدًا بغير ميسم سيده وبدون علمه "٢٢٦، ٢٢٧"، وعقوبة لخطف الأطفال، إخفاء العبيد، ونقب الدور

стр. 541

"٢١"، وعقوبة لمن يتجر في المسروقات، ومن يدعي ملكيته لأشياء مسروقة ثم يثبت تدليسه "٩ - ١١"، وعقوبة الكاهنة التي تفتح حانة أو تتردد عليها لتسكر فيها "١١٠"، وعقوبة للمعماري الذي يتسبب إهماله في انهيار منزل على صاحبه "٢٢٩". وجعلته عقوبة للرؤساء الإداريين "ديكوم، ولوبروتوم" إذا حرموا جنديًّا مما أنعم الملك عليه به، أو اغتصبوا متاع داره أثناء غيابه أو أجروها لصالحهم أو تخلوا عنها لصاحب نفوذ في ساحة القضاء "٣٤"، وحرمت عليهم شراءها وإلا خسروا ما اشتروها به "٣٥". وتضمنت التشريعات أنه إذا اتهم مواطن مواطنًا آخر بالاشتغال بالسحر، كان على المدعى عليه أن يلقي بنفسه في النهر فإذا ابتلعه الماء ورثه الآخر، وإذا نجا أعدم من اتهمه وآلت أملاكه إليه. وقضت بأنه إذا أدت العملية الجراحية إلى وفاة مريض حر أو إلى ذهاب نور عينه قطعت يد الطبيب "ولعل ذلك كان مشروطًا بإهمال الطبيب وإن لم ينص عليه صراحة"، فإذا كان المريض عبدًا عوض الطبيب سيده عن حياته بعبد مثله، وعن عينه بنصف ثمنه من الفضة "٢١٨ - ٢١٩". وصف حمورابي نفسه في تعاليمه بما اعتاد الملوك القدماء أن يصفوا أنفسهم به، من حيث اتصالهم بالأرباب، وتقواهم إزاءهم في الوقت نفسه، ومن حيث ظهورهم بمظهر المتفضل حينًا ومظهر المقدر لواجبه حينًا آخر، ومن حيث اعتزازهم بجبروتهم وانتصاراتهم حينًا وافتخارهم بميلهم إلى السلام والتعمير حينًا آخر. فادعى البنوة للمعبود سين، ووصف نفسه بأنه إله بين الملوك، وأنه أول الملوك وزعيمهم، والخالد بينهم، وأنه محارب لا مثيل له، وأنه الملك الحكيم والملك الكامل، وأنه منقذ شعبه من البأساء، وأنه طرق جهات العالم الأربع، وأنه فتح كذا وأخضع كذا وكذا، وكان من آثار هذه السمعة الغالية التي ادعاها لنفسه أو ادعاها له أتباعه أن سمى بعض رعاياه أبناءهم باسم حمورابي إيلو بمعنى حمورابي إله "أو هو الإله". ولكنه وصف نفسه إلى جانب ذلك بأنه الأمير التقي، وأن الأرباب تخيروه لإصلاح أحوال الناس، وأنه المطيع للإله شمش العظيم، وأنه كثير الدعاء للأرباب، ويعرف الرب أداد تضرعه، وأنه لم يهمل رعاية أصحاب الرءوس السود الذين عهد بهم إليه رباه إنليل ومردوك، وأن ربه مردوك أمره بأن يرشد الناس إلى الطريق القويم ويحق الحق والعدالة ويدونها بلغة البلاد، فاستعان بأمر شمش القاضي الأعظم للسماء والأرض، وذلل الصعاب للناس، وكان أشبه بوالد لهم، ووضع أهل سومر وأكد في جوفه حتى سعدوا بحمايته وأظلهم بحكمه، ثم رجا أن تدوم عدالته وتنتشر في البلاد كلها بإذن مردوك مولاه، ودعا الملوك الذين سوف يعقبونه إلى أن يتبعوا أسلوب حكمه، ودعا كل مظلوم إلى أن يذهب بنفسه إلى نصب تشريعاته ويقرؤها بعناية ويتمعن حكمته فيها حتى تستبين له قضيته ويهدأ باله، واستعدى أربابه على كل من يمحو التشريعات أو يغير فيها. هذا ويضيف اللغويون أن هذه التشريعات لم تعبر عن نضج العقلية التشريعية في عصرها فحسب، وإنما عبرت كذلك عن دور الاكتمال في الأسلوب اللغوي البابلي الذي أصبح من بعد نموذجًا كلاسيكيًّا للكتابات الراقية في العراق كله.

стр. 542

لم تكن تشريعات الرجل وليدة عهدها وحده كما قدمنا، ولم تكن فريدة في نوعها، وربما لم تكن تجديداتها من وضع حمورابي نفسه بالضرورة على أساس ما أسلفناه من أن أغلب التاريخ القديم وبعض الحديث تاريخ غير عادل حين ينسب خير الأعمال إلى الملوك ويغفل ذكر من شقوا في سبيلها من الرعية. ومع ذلك فقد كانت تشريعات عهده جديرة بشخصيته ويبدو أنه ظل معنيًّا بتطبيقها، وظل يتدخل في كثير من الشئون الإدراية بنفسه١، فتضمنت إحدى اللوحات الباقية من عهده أمرًا منه بافتداء أسير على حساب معبد مدينته قال فيه "وأما بخصوص إمانينوم الذي أسره العدو، فتصرف عشر مينات من الفضة من معبد سين إلى مموله "الذي افتداه"٢. وسمع حمورابي بارتشاء بعض موظفيه، فأرسل مندوبًا من عنده للتحقق من الأمر وسماع أقوال الشهود والتحرز على الرشوة، ثم إرسال المتهمين والشهود إليه٣. وكثيرًا ما تضمنت رسائله إلى عماله أوامره بالتحقيق في سرقات ومظالم سمع بها٤، وأوامر أخرى بالتشديد على الملتزمين المتباطئين في تأدية الضرائب التي التزموا بها وإرسالهم إليه مع التحفظ على أملاكهم إن امتنعوا عن السداد٥. وذلك فضلًا عن أوامره إلى حكام الأقاليم بتنفيذ الخدمات العامة في أقاليمهم، مثل حفر الترع وتطهيرها، والإشراف على تجميع العمال والأهالي للقيام بها٦. غير أنه يبدو أن صفة العمومية التي أكدها حمورابي لتشريعاته لم تمنع قضاة عاصمته من أن يعترفوا بحق قضاة الأقاليم في تطبيقها بما يناسب أحوال أقاليمهم، أو هي على الأقل لم تجعلهم يصرون على مركزية القضاء في العاصمة، بحيث شهدت إحدى لوحاتهم القضائية برفضهم نظر قضية كان المدعى عليه فيها من أهل سيبار، وتحويلهم إياها غلى قضاء سيبار بالذات٧. ولا يستبعد أن من أسباب حرص حمورابي على تدوين كل قوانين عصره، رغبته في أن تتولى هيئة الموظفين المدنيين الخاضعة له خضوعًا كاملا، تطبيقها وفق نصوصها، وحتى لا يكون الكهنة حجة في الاستئثار بتفسير القانون وإصدار الأحكام أو تأويلها٨. تأثر الفن في عهد حمواربي بنهضة عصره، وكان من الطبيعي أن تظهر آيات رقية في تماثيل الملك نفسه وفي صوره. وبقيت راس جرانيتية يرجح أنها تمثل رأسه، وضحت فيه الملامح السامية النبيلة التي ظهرت من قبل خلال العصر الأكدي القديم، ونجح فنانها النجاح كله في تمثيل نحافة وجه صاحبها ومستويات عظام

стр. 543

الخدين ودقة تمثيل ركن العين ومسطحات الجفنين وخطوط الشفتين وتعبيرهما عن شخصية صلبة مجربة١. وعبر النقش عن جانب التقوى في شخصية حمورابي في صورته أمام ربه شمش في الجزء العلوي من النصب الكبير الذي سجلت تشريعاته عليه. فصوره واقفًا بعباءة محبوكة انسابت خطوطها المشدودة مع خطوط جسده، يحيي مولاه برفع يده ويواجهه في هيئة المقدر لجلاله، ولكنها مواجهة كريمة تشبه مواجهة الوزير لمليكه. وصور المعبود شمش نفسه أقرب إلى عالم الدنيا منه إلى عالم الخيال، لولا لحيته شديدة الكثافة والطول، وتاجه الطريف ذو الأربعة أزواج من القرون، وألسنة اللهب التي تشع من كتفيه. وصوره يمسك بالعصا والحلقة رمزي العدالة، وكأنه مع حمورابي أشبه برجلين متحدث ومستمع، وإن بدت شفتاهما مطبقتين. واستطاع الفنان أن يوازي بين جلسة المعبود وبين وقفة الملك، بالجمع بين استقامة جذع الإله واستقامة عصاه وبين استقامة جسم الملك٢. وثمة تمثال برونزي صغير ذهب إلى أبعد من ذلك في تمثيل العلاقة بين الإنسان وربه، وهو لشيخ ربعة يركع على ركبته اليمنى ويقيم اليسرى، ويضم مجمع ثوبه بيده اليسرى ويجمع أصابع يمناه ويقربها من شفتيه كأنه يدعو بها أو يتمنى. والطريف أن نفس حركة اليد على الفم لا زال يؤديها بعض المسلمين حين الدعاء خلال الاستماع إلى أذان الصلاة .. وقد عبرت شفتا صاحب التمثال عن استبشاره باستجابة ربه لأمنيته. ولا يخلو التمثال من عيوب يسيرة تتمثل في اتساع العينين وقلة تناسق الجزء الأسفل من الساق مع بقية الجسم، ولكنه في مجمله رائع التعبير، وغشي وجهه ويداه برقائق ذهبية، وثمة احتمال بتمثيله للملك حمورابي نفسه. وقد تكررت هيئته نقشًا على قاعدته وسجل نص معه يذكر إهداءه إلى المعبود أمورو "من أجل حياة حمورابي"٣. وكشفت الأبحاث الأثرية عن أطلال مشرقة من أحياء مدينة بابل في عهد حمورابي، قامت فوقها مباني قرى القصر وتل عمران والمركز الحالية. وشيدت بيوتها على نسق البيوت التي سبقت عهده، فبنيت أساساتها ومداميكها السفلى من الآجر؛ بينما شيدت مداميكها العليا من قوالب اللبن العادية. وكشفت الأبحاث كذلك عن أطلال بعض أحياء مدينة أكد من العهد نفسه؛ ويفهم منها أنها خضعت لتخطيط منظم وتميز فيها طريق مقدس يؤدي إلى معبد إشتار "عشتار" ووازته بضعة شوارع رئيسية تعامدت عليها شوارع أخرى٤. وارتفع شأن مردوك معبود بابل بارتفاع شأن مدينته، وكان يعتبر من قبل ولدًا للمعبود إنكي، ثم تعمد البابليون تعظيم شأنه ليكفلوا لمدينتهم زعامة دينية إلى جانب زعامتها السياسية وبحيث تنافس المدن الدينية الأخرى القديمة؛ فنسبوا إليه هزيمة التنين تيامة "رمز ملوحة البحر وأخطاره" وأضافوا أن انتصاره هذا

стр. 544

جعل الآلهة الكبار يمنحونه حق تقرير المصائر، وخلع عليه رب الحكمة إيا حكمته واسمه، وقال "فليسم إيا مثلي"، ثم خاطبه قائلًا "أي بني"، ماذا هناك لا تعرفه وأستطيع أن أعلمك إياه؟ إن كل ما أعرفه تعرفه أنت أيضًا"١. ومثل مردوك في صوره المتأخرة بأذنين كبيرتين ترمزان إلى أنه "السميع"، وكثيرًا ما صور تحت قدميه وحش خرافي راقد يرمز إلى تيامة بعد أن أخضعها وذللها. تعاقب بعد حمورابي خمسة ملوك على عرش بابل، شهدت أيامهم صورًا مختلفة من الحرب والسلام. واحتفظت حوليات ولده "سمسو إيلونا" ببعض هذه الصور، فذكرت من مشروعات عهده الإصلاحية أنه أعفى سومر وأكد من الضرائب في العام التالي لحكمه؛ وقد يعي ذلك أنه أعفى الممولين من متأخرات الضرائب بمناسبة اعتلائه العرش ثم ذكرت نفس الحوليات من صور القلاقل في عهده ما يدل على أعداء عديدين، وملك مغتصب شرير، وهدم أسوار وبناء أسوار، وعصيان أقطار كثيرة، ووجود جيش أموري وجيش كاسي. ورددت نصوص أخرى متأخرة عن عهده أسماء بعض خصومه، ومنهم رجل ادعى أنه ريم سين ملك لارسا القديم وجمع حوله حلفًا من المدن الكبيرة التي عز عليها خضوعها لبابل؛ مثل أوروك وإسين؛ فضلًا عن منطقته الأصيلة منطقة إيموتيبال، ولكن دارت الدائرة عليه وعلى حلفائه، وقيل إن الجيوش البابلية قبضت عليه حيًّا في قصره. وخصم عنيف آخر يدعى إليما إيلوم حكم أرض البحر وهي مناطق المناقع المستصلحة قرب مصبي دجلة والفرات، وقد حاربته جيوش سمسو إيلونا ولكن بغير نتيجة حاسمة، فاستمر خطره في عهد أبيشو البابلي الذي حاول أن يستعين على هزيمته ببناء سد على نهر دجلة يعوق تقدمه أو يغرق أرضه، فنجح رجاله في بناء السد كما روت الحوليات ولكنهم فشلوا في الانتصار على خصمه "راجع فيما بعد". تلك صورة مصغرة للقلاقل التي واجهت خلفاء حمورابي، وما لبثت البلاد أن تعرضت بعدها لأخطار أشد وأعنف، وهي أخطار ندع مناقشة أسبابها ونتائجها إلى ما بعد كلمة قصيرة عن أثر العصر البابلي في التراث الأدبي لبلاد النهرين.

стр. 545

من الأدب البابلي: استفادت الحضارة البابلية من مخلفات السومريين اللغوية والأدبية، على نحو ما استفادت من تراثهم التشريعي. وكان أصحابها أسعد حظًّا من أسلافهم الأكديين أصحاب الثقافة السامية القديمة، فالأكديون كانوا ينحتون في الصخر عندما كتبوا لغتهم السامية بالكتابة المسمارية، وهذا لم يترك لهم مجالًا واسعًا للخروج بأدب سامي متميز، أما البابليون فقد وجدوا الأرض ممهدة بمجهودات سومرية وسامية خليطة، وعملوا من ناحيتهم على إدخال علامات جديدة في الكتابة المسمارية للتعبير عن أصوات لم تكن متميزة، ومنها التعبير بعلامتين متمايزتين عن كل من الجيم والقاف، وبدءوا في تصنيف قوائم لغوية تجمع بين كلمات سومرية قديمة ومترادفاتها السامية. وعمل كتبتهم على تسجيل أسماء الحيوانات والنباتات في قوائم متصلة، وسجلوا بعض القصص والأساطير السومرية والسامية الكبيرة بأسلوبهم الخاص. أساطير نشأة الوجود: انتفع البابليون ببعض عناصر الفكر السومري عن أصول الخلق المادي والمعنوي في دنياهم، وخرجوا بنطرية عن نشأة الوجود جعلوا ربهم مردوك قطب الدائرة فيها، ونافسوا بها نظريات السومريين أنفسهم، وضمنوها ما تواتر إليهم عن نشأة الحضارة الاولى عند مجمع البحرين، وما سبقها من خواء وعماء ووحشية وما صاحبها من تحديات مضنية في سبيل التغلب على أخطار البحر والتحكم في جبروت النهر، وفي سبيل التحول من الركود إلى النشاط، ومن الفوضى إلى الاستقرار، وضمنوها ما تواتر إليهم عن فاعلية البحر القديم، ووجود نوع من الشورى بين أصحاب الرأي القدماء حتى إذا ما اتفق رأيهم على زعيم أسلموا له أمرهم وعهدوا إليه بمقدراتهم. وخرجت النظرية مهوشة مطولة يكثر فيها التكرر وتتعدد فيها الأسماء، كالعادة. ولكن يمكن الخروج من عناصرها المهذبة، بأنهم ردوا أصول الأشياء إلى ماء أزلي اختلط عذبه بمالحه، ومثل العذوبة فيه آبسو وهو مذكر، ومثلت الملوحة فيه تيامة وهو أنثى. وعنونوا نظريتهم بمقطعها الأول الذي يقول "إنوما إليش" بمعنى "حينما في العلا". واسترسلت الفقرة الأولى منها قائلة: "حينما في العلا لم يكن للسماء ذكر، وفي الدنا لم يكن للأرض اسم، ولم يكن من شيء غير آبسو والدهم وتيامة أمهم". وافترضت النظرية نشأة أجيال الأرباب في جوف ماء البحر "تيامة" جيلًا بعد جيل، وكان كل جيل منهم يفوق من سبقه، حتى انعقدت ألوية الحكمة بينهم للإله "إيا" الملقب بلقب "نوديمو". ولكن حكمة أولئك الأرباب لم تخل دون شدة صخبهم وسعيهم إلى التبديل والتغيير، الأمر الذي أقلق أباهم آبسو وجعله يهم بالقضاء عليهم، رغم معارضة أمهم تيامة التي قالت "وكيف نقضي على من خلقناهم بأنفسها؟ وإن مسلكهم معيب حقًّا ولكنه شيء متوقع". ثم ألقى "إيا" النعاس على آبسو وقتله وأفناه في نفسه وبنى بيته فيما كان يشغله "إي - آبسو" وعاش فيه هو وزوجته، وأنجبا ولدهما "مردوك" الذي فاقت قدرته كل الحدود، وهنا عاودت تيامة ذكرى زوجها

стр. 546

المضحى به، وانقلبت على أحفادها، وسلطت عليهم الكواسر والزواحف والمخاوف. واستعانت عليهم بإله قديم يدعى "كنجو"، أغرته بنفسها وعهدت إليه بألواح القدر. وعجز الأرباب متفرقين ومجتمعين أمام هذين الحليفين، سواء بالمداهنة أم بالعنف، حتى تخيروا من بينهم "مردوك" وفوضوه السلطة المطلقة وخلعوا عليه قدراتهم وأسرار أسمائهم وارتضوه ملكًا عليهم. وقد تعدد لقاؤه مع تيامة بالسحر تراة وبالحرب أخرى، حتى تصيدها بشبكة وأطلق عليها ريح السموم فملأت جوفها ونفختها، فقيدها وذبحها، واندار على حليفها كنجو واسترد منه ألواح القدر وختمها بخاتمه واستودعها في مكنون صدره. ثم عاد إلى تيامة فبقرها وقسمها نصفين، مثل نصفي صدفة البحر، وجعل نصفها الأعلى سماء ونصفها الأسفل أرضًا، وعين في السماء حرسًا ونظم ماءها وعين مواضع الأرباب فيها. وأرسى الأرض وجبالها والدجلة والفرات وفجر العيون والينابيع١. توسع البابليون فيما روته الأساطير السومرية عن خلق الإنسان وعلاقته بأربابه في بداية الخلق والنشأة، وضمنته في قصة أتراخاسيس الذي قد يعني اسمه معنى "فائق الإدراك "أو الحكمة"، ويفهم منها أن عالم السماء والأض كان قاصرًا على طوائف الأرباب بمراتبهم، حيث وقع غرم العمل في إصلاح الأرض وزراعتها لإعالة الجميع على أكتاف طائفة منهم تسمى إججي، حتى ناءت هذه الطائفة بمشقة العمل أربعين عامًا. ثم جمعت أمرها وحملت المشاعل وتظاهرت معلنة احتجاجها أمام قصر الإله الأعظم إنليل. واستفتى إنليل بطانته من مجمع الأرباب، واستقر رأيهم على خلق الإنسان كي يحمل النير عوضًا عنهم ويخدم الآلهة ويكد من أجل إقامة معابدها وتوحيد قرابينها. وعملًا بمشورة إبا رب الحكمة، عهد الآلهة إلى الربة الأم ننتو التي لقبت بلقب مامي "أو ماما" بأن تخلق الإنسان الأول "لوللو" وأعانها الرب إيا فأعد لها الطين النقي الطاهر ومارس عددًا من الشعائر حين إعداده - ولأمر ما ذبح الآلهة في هذه المناسبة واحدًا منهم يدعى وإيلا ربما لشخصيته كما روت القصة، أو لأنه كان أشدهم ذنبًا في تحريض طائفة الإججي على العصيان كما روت قصة سومرية عن ذبيحها كنجو، وتفلت ننتو على الطين ومزجته بلحم الضحية ودمه، وعاونها إيا، وشكلت من الطين سبعة ذكور وسبع إناث، وقدرت تسعة شهور لحمل الإناث. وبين دقات الطبول وقراءة التعاويذ خرج الإنسان الحي، وأتاها الأرباب يقبلون قدميها عرفانًا بجميلها، واستحقت أن توصف لذلك بسيدة الآلهة "بليت إيلي". وانقضى بعد ذلك ألف ومائتان من الأعوام تكاثر الناس فيها، واشتد صخبهم حتى ضاق إنليل بضجيجهم فأمر نمتار بأن يبتليهم بالأوبئة والأوجاع ليقلل أعدادهم، ولم ينقذهم من الفناء غير الرب إيا وفائق الحكمة

стр. 547

أتراخاسيس اللذين قر رأيهما على استمالة نمتار بالقرابين من "طحين وخبز مقدد" عسى أن "تخجله الهدية فيرفع يده عن العالمين" ونجحت الحيلة وخف البلاء. وبعد ألف ومائتي عام أخرى تضخمت شرور الناس، فقرر إنليل أن يبتليهم بالقحط والمجاعة، وأمر أداد بأن يحبس المطر وأن يرسل الرياح جافة حسوما، واستمر هذا لست سنوات فجفت الأرض وهزل البشر وقلت المواليد وأكل الناس أولادهم. وهنا استرضى إيا وأتراخاسيس أداد بقربات من طحين وخبز مقدد حتى لان جانبه وسمح لقليل من الطل والندى، وعمل إيا من ناحيته على أن يفتح ثغرة لمياه الأعماق فتدفقت تروي الأرض وتحيي أهلها، وبلغ استياء إنليل مداه لفشل خططه، وقر رأيه على أن يغرق كل الخلق بما أرادوا أن يحيوا به. وأمر بطوفان كاسح "أبوبو في البابلية وأماورو في السومرية" - وأخذ المواثيق على الأرباب أن يعاونوه على إحداثه. واشتركت القصة في رواية أحداث الطوفان مع قصة جلجميش التالثة أحداثها - كما تشابهت إلى حد ما مع بعض قصص التوراة "سفر التكوين ٦: ١ - ٢٢" في تصوير غضب الإله على البشر وابتلائه لهم ثم عقابه لهم بالطوفان. ولكن ذهب القرآن الكريم مذهبًا آخر في تصوير ما أدى إلى الطوفان وتصوير بعض أحداثه "في سور: نوح والأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات والقمر". جلجميش وقصة الطوفان: هذا أشهر الأساطير التي روى البابليون في ثناياها قصة الطوفان القديمة بعد أن عدلوا فيها أضافوا إليها وغيروا بعض مسمياتها. وتخلفت من الصيغة البابلية لهذه الأساطير ألواح مبعثرة قليلة أمكن تصحيح قصتها واستكمالها من ألواح أخرى مرادفة لها وأكثر تفصيلًا منها كتبت بعدها باللغات الآشورية والحورية والحيثية١. وبهذا أمكن تكوين صورة عامة لها يفهم منها أن جلجميش كان حاكمًا على مدينة أوروك، أحبه شمش وحباه آنو وإنليل وإيا بنضرة الشباب وبسطه الجسم وجمال الصورة والقوة الخارقة والحكمة السابغة والنظرة الثاقبة حتى أصبح إنسانًا مثاليًّا، أو على حد تعبير الأسطورة حتى أصبح به ثلثان من الربوبية وثلث من البشرية. وقد اهتم بمدينته وأسوارها كما اهتم ببلاطه وفخامته ورفاهيته، فدب الحسد منه في نفوس معاصريه، وشكوه إلى أربابهم؛ وادعوا أنه يسخر أبناءهم ويحتبي عذاراهم ونساءهم، فاستجاب الأرباب لشكواهم وابتغوا أن يعيدوا السلام والطمأنينة إلى أرض أوروك التي أرسى الحكماء السبعة بنيانها "وهم سبعة حكماء أسطوريون نسبت القصص إليهم تأسيس وتحضير أقدم مدن في الوجود"٢. وأمر آنو الربة أرورو أن تخلق من الطين إنسانًا ينافس جلجميش قوة واقتدارًا حتى تهبط عزيمته حسدًا منه فينصرف طغيانه عن شعبه. وأتمت أرورو أمرها وغسلت يديها وقبضت قبضة من طين البراري وتفلت عليها وخلقت منها غلامًا دُعي إنكيدو "أو

стр. 548

إنجيدو" عظيم البأس، له قوة الأسود وسرعة الطير، وفيه قبس من روح آنو ونينورتا، ولكنه نشأ على الرغم من قوته أشعر غير ذي فطنة ولا حكمة، فمال إلى مصاحبة الغزلان آكلات العشب دون الناس، وشاركها مرعاها وموارد شربها، وعزف عن طعام الناس وموارد شربهم. وبلغ من إخلاص لحيواناته أن تتبع شباك الصيادين فأتلفها، وتتبع حفرهم فردمها. فاشتكاه صائد إلى أبيه الشيخ، فوجهه أبوه إلى جلجميش وتنبأ له أنه سوف يستأسر إنكيدو عن طريق أنثى، فلما أعاد شكواه على جلجميش أوصاه بالفعل بأن يغويه بغانية جميلة، ففعل ما أوصاه به وارتحل بها ثلاثة أيام حتى بلغا البرية التي يعيش فيها، وتربصا به يومين حتى خرج بحيواناته يسقيها. واستطاعت الأنثى أن تلفه بجمالها، فكشفت له عن مفاتنها وخلعت له ملابسها وفرشتها له، ونجحت فيما فشل فيه غيرها، فاستجاب لها إنكيدو وقضى معها ستة أيام وسبع ليال، ولما أفاق بعدها التفت إلى البرية وحيواناتها، ولكن الحيوانات التي أحبته لفطرته وطهره ما أن رأيت وجهه بعد الخطيئة حتى ازورت عنه وهجرته، فأدرك دنسه واشتد به عذاب النفس والحزن واليأس. ولكن المرأة شغلته بحديثها المعسول وأوهمته أنه أصبح حكيمًا وحرضته على أن يواجه جلجميش ويستحوذ على مدينته أوروك وملكه العريض وينتقل من حياة البراري إلى جوار مقر آنو وإشتار "عشتار" وحياة المدنية. فاستجاب إنكيدوا للمرأة مرة أخرى ووصل معها إلى أوروك. وهنا تواردت الرؤى على جلجميش، ورأى فيما يرى النائم روح آنو تجلت في السماء على هيئة كوكب ونزلت عليه فحاول أن يرفعها أو يحركها ففشل، وتجمع أهل أوروك حولها وقبلوا قدميها. ولما أفاق جلجميش قص رؤياه على أمه الحكيمة نينسون، فنبأته بنبإ إنكيدو تنبأت له بأنه سيميل إليه كما يميل إلى أنثى. ثم رأى في رؤيا أخرى أن قومه ثبتوا فأسًا في الأرض وتجمعوا حولها، فاتجه إليها بدوره، ولما أعاد الرؤيا على أمه فسرتها له بنفس تأويلها الأول. وقضى إنكيدوا مع غانيته ستة أيام وسبع ليال أخرى كاد ينسى نفسه فيها، فأثارت المرأة عزيمته ثانية وألبسته ثيابًا جديدة، وخرجت تشده كأنها أمه إلى أماكن الرعاة ليستعيد نخوته بينهم، فحن هناك إلى رضاعة لبن البراري، وعندما قدم إليه طعامهم وشرابهم ما درى كيف يطعمه ويشربه، فراضته المرأة عليه حتى اعتاده واستساغ الشراب العنيف وأسرف فيه، وأزال شعر بدنه واعتاد الطيوب، وأصبح يذود عن أغنام الرعاة ويصيد السباع. ثم أتى البرية رجل يستصرخه ضد جلجميش الذي استولى على زوجته، فاستثارت الغانية والناس همته حتى خرج إلى أوروك وهناك تجمع الناس حوله ورأوا فيه كفئًا لجلجميش وإن كان أقصر قامة منه. وتلاقى البطلان في سوق المدينة وتصارعا مصارعة عنيفة، واستطاع جلجميش أن ينتصر على خصمه، ثم رق كل منمها للآخر وصادقه وأصبح كل منهما أحب إلى صديقه من نفسه، حتى كان يوم رأى فيه جلجميش صديقه دامع العين كسير الفؤاد، فلما سأله عما به شكا له الإعياء والمرض، فاعتزم جلجميش أن يدفع عنه الملل ويشركه في مغامرة مثيرة، وعرض عليه أن ينطلقا إلى حيث يعيش هواوا ويتعاونا على قتله عسى أن يذهب النحس عن الأرض بهلاكه، وهنا قصت الألواح مغامرة الصديقين في صورة قريبة من صورتها السومرية القديمة مع تعديلات يسيرة وتعبيرات تناسب آفاق المعرفة في عصرها، وكان من ذلك

стр. 549

أن ذكرت جبل الأرز في أرض الأحياء التي اتجها إليها باسمه الكنعاني المعروف للساميين وهو جبل حرمون الذي ذكرت نصوص أوجاريت في الشام أن معبوداتها تستقر فوقه. ثم كان من أمتع ما جاءت به قول جلجميش لصديقه وهو يرد على مخاوفه من لقاء هواوا "من يستطيع أن يعاند السماء يا صديقي؟ ليس من يخلد تحت الشمس غير الأرباب، أما البشر فأيامهم معدودات ... ، وأنت هنا تخشى الموت؟، فأين بطولتك الفذة إذن؟ أولى بك أن تهيب بي أن تقدم ولا تخف، فإذا سقطت صريعًا تركت لنفسي سمعة طيبة، وقال عني خلفائي من أهل بيتي سقط جلجميش بعد أن تحدى هواوا". وأضافت النسخ الآشورية للقصة أن جلجميش بعد أن نجح في إقناع شيوخ بلده بمغامرته التفتوا إلى إنكيدو وقالوا له "نحن أعضاء المجلس أمناك على الملك، فأعده سالمًا إلينا"، والتفت جلجميش إلى صديقه وقال له هيا بنا إلى القصر الكبير "إجالمه" وإلى حضرة الملكة العظيمة نينسون. وعندما قص عليها ما عزم عليه فزعت وارتدت رداءها الكهنوتي وصعدت الدرج وعلت السور وطلعت إلى السطح وحرقت البخور فتصاعد عبيره عاليًا لربها شمش ثم رفعت يديها إلى معبودها وقالت تخاطبه: لم وهبتني جلجميش ولدًا؟ ولم جعلت هذا الابن القلق من نصيبي؟ ثم انتهت الألواح إلى ما انتهت إليه القصة السومرية من قتل هواوا، وأضافت أن جلجميش انتشى بعد النصر واغتسل وعقص شعره وأرسل ضفيرته خلف ظهره واستبدل ثيابه وارتدى عباءة ذات أهداب، فلمحته الربة إشتار "عشاتر" وشغفت به حبًّا وابتغته زوجًا لها ومنته بأماني كثيرة ووعدته بملك عريض فاستهان بعرضها وذكرها بغرامياتها المتقلبة وكيف أحبت دوموزي في صباها ثم غدرت به، وكيف أحبت طائرًا ثم كسرت جناحه، وكيف عشقت أسدًا وحفرت له سبع حفر بعد سبع حفر، وكيف أحبت محاربًا وراعيًا، بل وأحبت بستاني القصر، ثم غدرت بمن أحبها منهم ومسخت منهم من استعصم عليها. فلما واجه جلجميش هذه الربة الحسناء بحقيقتها انقلب حبها له إلى حقد شديد وشكته إلى والديها في السماء "آنو وأنتوم" ودعت أباها إلى أن يرسل عليه فحل السماء ليقتله، وتوعدته إن لم يفعل بأن تفتح أبواب العالم السفلي فيخرج أمواته ويفتكون بالأحياء، فاستجاب لها أبوها وأرسل معها فحل السماء بعذاب شديد. وأراد إنكيدو أن يفتدي صديقه فتصدى للفحل ونجا من حفره بعد أن سقط في إحداها، ثم تعاون هو وجلجميش على ذبحه وقدما قلبه قربانًا إلى شمش، فجن جنون إشتار وصبت اللعنات على أوروك وحرضت الكاهنات على أهلها. فتصدى لها إنكيدو وتوعدها بأن يفعل بها مثل ما فعل بالفحل، وأفسد هو وصديقه خطتها وكان يوم انتصارهما عليها يومًا مشهودًا، خرجت العازفات فيه ينشدن بإيعاز من جلجميش: من هو أعظم المغاوير قدرًا؟ من هو أعظم الناس قدرًا؟ فيرد الناس وراءهن: ذاك هو جلميش: أعظم المغاوير قدرًا، ذاك جلجميش أعظم الناس شهرة. وتلك صورة من هتاف الأنصار للبطل تربط الماضي بالحاضر. وانقلب حال السماء وأربابها، فاجتمع آنو وإنليل وشمش، وانقسموا فريقين: آنو وإنليل في جانب وقد اعتزما الفتك بإنكيدو لإهانته إشتار واشتراكه في قتل هواوا وقتل الفحل، وشمش في جانب آخر

стр. 550

وقد أصر على حماية الصديقين واعترف بأنهما قتلا هواوا والفحل بأمره ... ، وانتصر رأي آنو وإنليل وابتليا إنكيدو بداء عضال لا يرتجى البرء منه واسترسلت الأسطور في وصف أسف جلجميش على صديقه، وخوف إنكيدو من عالم الفناء وأهواله، وتبرمه بما لحق به، حتى أتاه صوت شمش من السماء بعتاب رقيق، ذكره فيه بفضل ربه عليه حين وهبه القوة والبأس من قبل، وحين حباه بصداقته للبطل جلجميشن وحين أيده بنصره في مغامراته القديمة، فقرت نفس إنكيدو ورضي بنصيبه وتحولت لعناته إلى دعوات، ولكن ظلت الرؤى تتوارد عليه وتدفعه إلى أن يتذكر العالم الآخر رغم أنفه، حيث الدار التي لم يتركها شخص دخلها، وحيث الطريق التي لا رجعة منها، وحيث الظلام الأبدي الذي عز النور على أهله، وحيث الطعام طين وتراب، وحيث لا يجد الموتى ما يتدثرون به سوى أجنحة كأجنحة الطيور، وحيث تحيا ملكه العالم الآخر إرشكيجال وحيث تركع أمامها كاتبتها بلت سرى تقرأ لها لوحها المكتوب، وقد رآها إنكيدو في منامه ترفع رأسها وتتطلع إليه وتقول من أتى بهذا الشخص هنا؟ فأدرك أنها النهاية، واشتد به المرض وظل يعاني سكرات الموت عشرة أيام "أو اثني عشر يومًا"، فلما أحس دنو أجله دعا جلجميش وودعه وأفضى إليه بأسفه على أنه لم يمت شهيدًا في معركة وأن عليه أن يموت على فراشه. ولما قضى نحبه بكاه جلجميش وظل يندبه بحرقة ووفاء، وأبنه ونعى صفاته وشجاعته بعبارات ينفطر الفؤاد لها، ثم فاق إلى نفسه وتخيل نفسه يلقي مصير إنكيدو فطارت نفسه شعاعًا وكره الموت، واعتزم أن يلجأ إلى جده الأكبر الحكيم أوتانبشتيم "أو وتنابشتو، أو أوتونبشتم، ابن وبرتوتو، وهو نوح البابلي، في مقابل نوح السومري زيوسدرا، الذي يقابله Xisouthros في النصوص الإغريقية للعصور المتأخرة.١، عله يجد عنده سر الحياة، وانطلق من ثم يقطع البراري والقفار حتى بلغ جبلًا يُدعى جبل ماشو تتصاعد قممه إلى عنان السماء وتصل جذوره إلى العالم السفلي، ولقي حارسه وكان له وجه عقرب، فخوفه الحارس أهوال الطريق ولكنه لم ينثن عن عزمته وظل يقطع مفازاته ويتخطى أهواله حتى لقد ناداه شمش من علاه: إلى أين جلجميش؟ ارجع فلن تجد الحياة التي تسعى إليها ... ، فأجابه: وهل بعد أن أقطع البراري أضع رأسي في قلب الأرض وأنام مدى الدهر؟ دع ناظري يمتلئان بنورك دائمًا فإن الظلمة تتشتت أمام النور ... واستمر جلجميش في طريقه، وقابل صاحبة حانة تدعى سيدوري روى لها قصته وقصة صديقه الذي اختطفه الموت بعد أن سقطت دودة من أنفه وتحول إلى طين، على حد قوله، فلم يستطعم الحياة من بعده، فردت عليه بأن الموت نهاية كل حي وأن للإنسان أن ينعم بحياته ويطعم ويشرب ويلبس ويمرح، وأنه ليس من سبيل إلى حياة الخلود التي يبتغيها، وأنه يفصل بينه وبين أوتا نبتشتيم بحر لم يعبره إنسان، وأنه لن يستطيع عبوره بغير مساعدة نوتي فظيع يدعى سورسونابو. وكأنما أراد القصاص أن يبين أن الرؤية الصحيحة قد تتوفر عند صاحبة حانة وتغيب عن جلجميش العظيم بعد أن ألهته عنها شدة رغبته في الحياة، وقابل جلجميش

стр. 551

النوتى وحاوره وراضاه حتى اصطحبه معه في قاربه، وركبا الموج شهرًا وثمانية عشر يومًا إلى أن بلغا مياه الأعماق. وخرج جلجميش إلى جزيرة جده أوتانبشتيم "أو وتنابشتو" وقابله ورأى فيه صورة من نفسه وقص عليه قصته ورجاه أن يدله على سر الخلود، ولكن جده أراد أن يزيده خبرة بأحداث الماضي البعيد قبل أن يلبي رجاءه، فقص عليه قصة الطوفان القديم، قائلًا له: "سأكشف لك جلجميش سرًّا، وهو سر رباني. شوروباك مدينة تعرفها تقع على ضفة الفرات، هي مدينة عتيقة عاش الأرباب فيها، وعندما أرادت مشيئتهم إحداث الطوفان، كان بينهم آنو أبوهم، والشجاع إنليل مستشارهم، ومساعدهم نينورتا، وإنوجيه متولي أمر قنواتهم. وكان معهم كذلك رب الحكمة إيا الذي حزبه الأمر ولكنه لم يشأ أن يفشي سر الآلهة جهرة، فجعل أوتا نبشتيم يرى في منامه ما يحذره من الطوفان، ولما لم يدرك هذا الأخير مغزى رؤياه وتطلع إلى تفسيرها ألقى إيا حديثه إلى كوخه بطريق غير مباشر قائلًا: يا كوخ البوص، يا جدار ويا جدار؛ يا كوخ البوص، يا جدار ويا جدار، أصيخوا ورددوا: يا رجل شوروباك يابن وبرتوتو. أهدم الدار وابن سفينة. دع أملاكك، وانقذ حياتك ... ارحل بها وخذ بذرة كل حي ... اجعل عرضها مثل طولها. ففهمت وقلت مولاي إيا أمرت سيدي وسأكون أهلًا لحمل الرسالة، ولكن بم أجيب أهل المدينة وشيوخها؟ فقال إيا، قل لهم إني سمعت أن إنليل غير راضٍ عني، ولهذا لن أبقى في مدينتكم ولن أطرق أرض إنليل - ولسوف أذهب إلى الأعماق وأعيش مع مولاي إيا - ولسوف يبارك لكم في الطير والأسماك ويجعل الأرض تؤتي أكلها، ذلك الذي يأمر في ظلمة الليل باخضرار اليابس - ولسوف يرسل عليكم مطرًا من الغلال "وكلمة الغلال تورية عن الهلاك لاشتراكهما في اللفظ" ... وبعد أن تعلم الحكيم من ربه كيف يصنع السفينة من البوص والأخشاب ولم تكن له معرفة سابقة بصناعتها قال: وعند الفجر تجمع الناس حولي، وحمل الصغار القار، وحمل الكبار كل الضروريات، وفي اليوم الخامس أتممت إطار السفينة، وكانت سعة أرضها فدانًا كاملًا، وارتفاع جدرانها ١٢٠ ذراعًا ... ، وجعلت لها سبعة مسطحات أي قسمتها ستة أقسام وقسمت أرضيتها تسعة أجزاء ... وأكرمت من عملوا معي ... ، وأكتملت السفينة في اليوم السابع وأنزلوها الماء، وحملتها بكل ما عندي، وما أملك من فضة وذهب، وحملتها بصنوف الأحياء كلهم، وأخذت معي كل عائلتي وأقربائي، وحيوانات البراري، وكل الصناع. وحدد "شمش" وقتًا معينًا لي قائلًا: عندما يرسل من يبعث القلق بالليل، رذاذًا من المن، ارحل بسفينتك وأغلق مدخلها. وحان الوقت .. وتطلعت إلى الجو، فوجدته معتمًا، فغلقت السفينة، وعهدت بها إلى النوتى بوزور أموري. وظهرت غمامة سوداء في الفجر، رعد فيها أداد، وتقدمها شولات وهانيش

стр. 552

رسولين فوق السهل والجبل، وحطم إراجال المساند "التي تسند الدنيا"، وخرج نينورتا فجعل الترع تفيض، وحمل الأنوناكيون المشاعل وجعلوا الأرض تتوهج بها، وبلغ غضب أداد السماوات، وأحال النوبر إلى ظلمة، وهبت عاصفة الجنوب يومًا كاملًا بسرعة عنيفة فنسفت الجبال، واقتلعت الناس، فخشي الأرباب عاقبة الطوفان وأجفلوا وصعدوا إلى سماء آنو "أعلى السماوات" وتجمعوا كالكلاب حين تقبع بجوار الجدران؛ وصرخت إشتار صرخة أنثى تلد، وولولت صاحبة الصوت الشجي قائلة: ضاعت الأيام الحوالي هباء لأني أخطأت في مجمع الأرباب؛ ولكن كيف أخطئ في مجمعهم وأعلن حربًا لفناء الناس وأنا التي وهبتهم الحياة، فتكاثروا كأسماك البحر ... " وبكى الأنوناكيون معها. واستمرت أعاصير الطوفان ستة أيام "وست" ليالي واكتسحت الأرض كما تكتسحها عاصفة الجنوب، وفي اليوم السابع هبطت العاصفة وهدأ البحر وتوقف الطوفان، وتطلعت إلى الجو، فإذا سكون شامل والناس قد تحولوا إلى طين، وأصبحت الأرضيات في مستوى السقوف. ففتحت منفذًا، وسقط الضوء على وجهي، فسجدت وبكيت، وتطلعت أتلمس خطوط الساحل على مدى البحر هنا وهناك، وبدت يابسة. والتصقت السفينة "نسرات نابشتم أي منقذة الحياة" بجبل نيزير١ فاحتجزها، يومًا ويومين وثلاثة وأربعة وخمسة وستة ولم يدعها تتحرك. وفي اليوم السابع أطلقت حمامة، فذهبت وعادت وعز عليها أن تجد مكانًا ظاهرًا تحط عليه، وأرسلت سنونو فذهب وعاد حين لم يجد موضعًا ظاهرًا يحط عليه، فأرسلت غرابًا فذهب ورأى الماء يتناقص فأكل وعب ودار ولم يعد. وحينذاك واجهت الجهات الأربع وضحيت - وسكبت قربانًا فوق قمة الجبل، ونصبت ١٤ قدرًا، وعندما شم الأرباب الرائحة تجمعوا كالطيور حول الأضاحي. ثم وصلت العظيمة "إشتار" ورفعت حليها العظيمة التي أهداها لها آنو، وقالت: أيها الأرباب، بحق هذا اللازورد حول عنقي، سوف أذكر هذه الأيام ولن أنساها، ادعوا الأرباب إلى الأضاحي ولكن لا تدعوا إنليل الذي سبب الطوفان وأهلك شعبي، وبعد فترة وصل إنليل فلما رأى السفينة غضب وقال: هل نجت روح وما كان لبشر أن يبقى؟ فأجاب نينورتا، ومن غير إيا يفشي الخطط وهو العليم بكل شيء؟ وهنا قال إيا لإنليل العظيم: يا حكيم الأرباب يا بطل، كيف تتهور وتأمر بالطوفان؟ إنما تقع الخطيئة على مرتكبها، وعلى الباغي تدور الدوائر، كن رحيمًا وإلا قطع ... ، كن صبورًا وإلا أقصي ... أما كان يخرج أسد فيقلل للناس عوضًا عن الفيضان؟ أما كان يخرج ذئب فيقلل للناس عوضًا عن الفيضان؟ أما كانت تحدث مجاعة فتقلل للناس عوضًا عن الفيضان؟

стр. 553

لست أنا من يفشي سر الأرباب الكبار. لقد جعلت أتراخا سيس "= حكيم الحكماء أي أوتانبشتيم" يرى رؤيا كشف فيها سر الأرباب، فاقض فيه إذن! "ولا يبعد أن القصاص أراد أن يعبر بمثل التساؤلات السابقة عن تساؤلات دارات في ذهنه هو عن حكمة الأرباب في إرسال الطوفان الذي أوشك أن يهلك الجميع". وعند ذاك خرج إنليل من السفينة وأمسك يدي وأخرجني وأخرج زوجتي وجعلها تركع بجانبي، ووفق بيننا ولمس جبهتينا ليباركنا، وقال: لم يعد أوتانبشتيم بشرًا، سيكون هو وزوجته أشبه بنا معشر الأرباب، وسيستقر بعيدًا عند مصاب الأنهار. فرفعني الأرباب إلى مصاب الأنهار. ولكن أنت "يا جلجميش" من سيجمع لك الأرباب ليهبوك الحياة؟ قم لا تنم ... ". وانتقضت ستة أيام وسبع ليال، وجلجميش قابع وقد غلبه النعاس. فقال أوتانبشتيم لزوجته: "انظري إلى هذا البطل الذي يبحث عن الحياة، لقد استولى عليه النعاس ... " فقالت له زوجته: "المسه لعله يصحو ويعود من حيث أتى". ولكنه قال لها: "إن الإنسان من طبعه الخداع، ولسوف يحاول أن يخدعك "أي ينكر أنه نام"، فقومي اخبزي له فطائر وضعيها فوق يا فوخه، وعلمي على الجدار "عدد" الأيام التي نامها". فخبزت سبع فطائر ووضعتها فوق رأسه "يومًا بعد يوم"، وعلمت "عدد" الأيام على الجدار، فجفت الفطيرة الأولى، وفسدت الثانية، وعفنت الثالثة وابيضت الرابعة، واخضرت الخامسة، وظلت السادسة كما هي، وعندما وضعت له السابعة صحا وقال لجده: "الواقع أنه قلما ينتابني النعاس، وحالما تلمسني أصحو". فقال جده: "قم جلجميش وعد الفطائر ولاحظ ما صارت إليه ... ". وأسقط في يد جلجميش وعلم بعزم جده على ترحيله، فقال له: "وما عساي أن أفعل وأين أذهب وقد خمدت أطرافي، وفي حجرة نومه يستقر الموت وأينما ذهبت فهو الموت ... ؟ ". واستدعى أوتانبشتيم نوتيه وأمره بأن يأخذ جلجميش إلى البحيرة ليزيل أوساخه ويحمل الماء عنه أدران جلده وحتى يظهر بهاء جسده. وأوصاه بأن يزوده بثوب جديد وعمامة جديدة ويساعده على العودة إلى بلده. فنفذ النوتي ما أمره به واستعد للإبحار بجلجميش، ولكن زوجة أوتانبشتيم قالت له بحنان الجدة على حفيدها: "وما عساك معطيه وهو عائد إلى بلده؟ " فاستدعاه وقال له سوف أعهد إليك بسررباني، نباتا سوف يخزك شوكه مثل الورد "ينبت في غور البحر"، ما أن تحرزه حتى تتجدد حياتك. فما سمع جلجميش قوله حتى ربط أحجارًا إلى قدميه وغاص بها في الماء حتى رأى النبات واقتلعه ووخزه شوكه، ثم حل الأحجار فطنا، وقال للنوتي "سوف آخذ هذا النبات إلى أوروك وأسميه رجوع الشيخ إلى صباه وسوف آكله بنفسي". وبعد ثلاثين مرحلة رأي جلجميش بئرًا صافيه فأراد أن يبترد فيها، ونزل الماء، ولكن أفعى شمت النبات فاختطفته واختفت به. وربما أراد راوي القصة بذكر اختطاف الحية لسر الحياة الأبدية أن يفسر به قدرتها على تجديد جلدها وشبابها الظاهري كلما أدركها الهرم ولحق البلى بجلدها. وقعد جلجميش يبكي

стр. 554

ويندب حظه .. ثم رضخ للأمر الواقع واصطحب الملاح ودعاه إلى زيارة أوروك، ووصفها له بأن مساحة مساكنها تبلغ سارا، وتمتد بساتينها سارا، وتمتد حدودها سارا ... وهكذا انتهت القصة إلى ما يفيد بأن سنة الحياة والموت جارية منذ الأزل وحتى الأبد وأنه لم يغيرها أن أتى جلجميش البطل بالأعاجيب في سبيل تغييرها، وأنه لم يكتب له الخلود من البشر غير أوتانبشتيم الذي يكاد يرادف الخضر في الأقاصيص الشعبية عند المسلمين، وإن كانت القصة العراقية القديمة قد أشركت معه زوجته أيضًا في نعمة الخلود. صعود إيتانا إلى السماء: ورث البابليون عن السومريين من أساطير العبرة التي استخدمت حوار الحيوانات والطيور للتعبير عن فكرتها، أسطورة ملك من ملوك كيش القدماء كان يدعى إيتانا ويلقب بالراعي١، ثم صاغوها بأسلوبهم فخرجت تصور حكمة القدر في المنع والعطاء، وتصور عواقب البغي والصلاح، وتصور سداد حكمة الصغير عن رأي الكبير أحيانًا، وتصور أمل البشرية القديم الجديد في ارتقاء الجو إلى عالم السماء. كان إيتانا من أوائل من نزلت الملكية عليهم من السماء بعد الطوفان، وقد أوتي من كل شيء فيما خلا نعمة الولد، وعلم من تنبوءات الكهان أنه لا علاج لعقمه إلا بنبات الإنجاب، وأنه لا وجود لهذا النبات إلا في السماء السابعة سماء آنو، ولما طال تضرعه لربه شمش كي يهبه اسما "أي ولدًا" يخلد ذكره، اتخذه شمش أداة لتنفيذ قضاء قديم، ودله على نسر عجوز مهيض الجناح مثلوب المخالب منبوذ في حفرة عميقة، وأمره بأن يعينه حتى يسترد قواه عله يحمله معه إلى السماء حيث توجد طلبته. وكانت قصة النسر أنه تآخى مع أفعوان وعقد معه أغلظ الأيمان على الإخلاص، وأشهدا معًا رب الشمس على أن من خان العهد سوف يضل طريقه وتسد الجبال سبيله. وعاشا متجاورين، الأفعوان في ساق شجرة والنسر في قمتها، وأنجب كل منهما ولدًا. وكان للأفعوان نصيب مما يصيده النسر، وللنسر نصيب مما يصيده الأفعوان. حتى كان يوم دب فيه دبيب الشر في قلب النسر العجوز فقال لولده إنه يشتهي أن يفترس ابن الثعبان ثم يهجر الأرض ويتخذ سكنه في السماء. وهنا ذكره ولده الصغير الأريب بقسمه، وحذره من انتقام ربه، ولكنه لم يرعو وأتم جريمته. وعندما عاد الثعبان وافتقد ولده اتجه بشكواه إلى شمش فاستجاب له ربه الذي عز عليه أن يحنث النسر بقسمه باسمه، ووعده بأن ييسر له قتل ثور بري بين الجبال، وأن عليه أن يبقر بطنه ويختبئ فيها حتى إذا حط النسر عليه ليأكله تمكن منه وفعل به ما يشتهيه. وحدث ما رسمه شمش، واتخذ الثعبان مخبأه في جوف الثور، وعندما حطت عقبان السماء على الفريسة أقبل النسر معها يسعى إلى نصيبه، فنهاه ولده الحكيم وحذره أن تكون مكيدة، ولكنه لم يرعو واكتفى بأن دار حول جثة الثور عدة مرات حتى استيقن من أنه لا وجود لعدوه الأفعوان بجواره، ثم ولج بطن الثور يريد أطايبها، وهنا تمكن الأفعوان منه، فانهار الغادر الجبان باكيًا مستعطفًا، ولكن الأفعوان واجهه بأنه لا مفر من تنفيذ قضاء شمش فيه، ونتف ريشه وكسر جناحيه وثلم مخالبه ورماه في حفرة ليلقى حتفه فيها. وحينذاك أعلن

стр. 555

النسر توبته لربه، ولكن لم تفارقه حيلته، فنادى ربه قائلًا: "إذا ألقيتني ههنا فمن ذا الذي يعتبر بانتقامك مني؟ انقذ حياتي، ولأشيعن ذكرك وقدرتك للأبد"، فأجابه شمش بقوله "أنت شرير، وقد أسأت إلي، والآن دعوتني، ولن ألبي دعوتك "في التو"، ولكني سوف أرسل إليك فيما بعد من يأخذ بيدك". سمع إيتانا هذه القصة من النسر بعد أن عثر عليه كسيرًا في حفرته، وقص عليه هو الآخر قصته، ثم أطعمه ورعاه حتى استرد قوته واستوى جناحاه. وعندما اعتزم الصعود إلى السماء، طلب النسر منه أن يلاصقه صدرًا لصدر، وأن يضم ساعديه حول وسطه ويستمسك بريشه، ثم أقلع به. ولما علا به في أجواء السماء قال له: تطلع يا صديقي إلى الأرض كيف تحولت إلى مجرد ربوة، وكيف يبدو البحر وكأنه مجرد جدول. وطفق كلما ارتقى به عاليًا نبهه إلى ملاحظة الأرض والبحر وكيف يتناقصان تدريجيًّا في مجال الرؤية، حتى أصبح البحر العريض في هيئة الدلو وتناقص بعد ذلك إلى هيئة سلة الخبز ثم اختفى عن النظر تمامًا هو الأرض "وتلك ملاحظات بارعة من القصاص بغير شك". ولما أوشكا بلوغ المنتهى، اختلفت الروايات في مصيرهما، فروت إحداهما أنهما بلغا سماء آنور ووقفا عند مدخلها وأديا التحية ثم صمتت. بينما روت أخرى أن النسر أجفل عندها وارتعد وهوى بحمله سريعًا مرحلة إثر مرحلة حتى سقط على الأرض، أرض آنو، من حيث طمعها أن يدخلا في سمائه١. وأخذت بحوار الحيوانات والزواحف والطيور أقاصيص أخرى، بعضها سومري محور، وبعضها بابلي مستحدث. وكانت منها أقصوصة ألاعيب الثعلب ذلك الذي تطلع إلى ربه إنليل ووعده بأنه سوف يضحي له بكل عائلته ويصلي له إن هو وهبه قرونًا، ثم مكر بذئب وكلب، وتحاكموا جميعًا وتفاخروا أمام ربهم٢ "على عادة الأساطير السومرية القديمة في التحاكم أمام الأرباب وأولي الرأي". وقصة الثعلب والسيسي. ثم محاورة الأثلة والنخلة ذات المقدمة الميثولوجية السومرية، وتفاخرها في قصر أول ملوك ما بعد الطوفان، على أيهما أنفع وأبهى. ومحاورة الصفصافة وشجرة الغار٣، في صورة ظهرت لها أشباهها في كثير من الآداب القديمة، مثل الأدب المصري القديم، وتضمنت الآداب البابلية عددًا من الأمثال والعبارات المرحة جمعت بين الحكمة وبين الفكاهة. وعلى أية حال فإنما يتضح من سياق الأساطير البابلية السابقة، شيء قريب مما عقبنا به على الأساطير السومرية، وهو أن براعة أهلها في التخيل والرمز لم تستطع أن تجنبهم الاعتراف بنوازع السوء في بعض أربابهم، أو في عناصر بيئتهم والأرباب المتحكمين فيها بمعنى أصح، فأب يريد أن يدمر أولاده وإيا يقتل جده، وتيامة تحارب أحفادها، ثم تلقى حتفها على يد واحد منهم. وفي قصة جلجميش رأينا كيف حقدت

стр. 556

إشتار على جلجميش وصديقه وكيف أجبرت أباها على أن يرسل فحلًا على الأرض بعذاب شديد. وفي قصة الطوفان رأينا كيف أنكر بعض الأرباب أفعال بعض آخر، وفي قصة أخرى يسرق رب الطير "زو" ألواح القدر من أربابها فيجمعون أمرهم على الانتقام منه وتثور ثارتهم ضده" مثلما استولت إتانا السومرية على ألواح القدر بالخديعة من إنكي في الزمن القديم". وزادت أساطير الدين فصورت "سين" رب القمر البابلي يعشق إحدى بقراته فينقلب ثورًا وينكحها سرًّا. وصورت آنو إله السماء يطرد ابنته "لاماشتو" من السماء إلى الأرض لسوء سلوكها. وقد تكون في هذه وتلك رموز دينية أو قومية لا ندركها، ولكنها لا تخلو على أية حال مما يدل على أن الآداب في كل عصر لا تبرأ من الغث إلى جانب الثمين، وعلى أن عوامل الصراع والعنف في البيئة العراقية القديمة أثرت في تصورات الساميين كما أثرت من قبل في تصورات السومريين وإن أصبحت في عهودهم المتحضرة أخف أثرًا بكثير١.

стр. 557

الفصل الثامن عشر: العصر الكاسي "١٥٨٠ - أواخر القرن ١٢ ق. م " الحياة الساسية ... الفصل الثامن عشر العصر الكاسي "١٥٨٠ - أواخر القرن ١٢ق. م": الحياة السياسية: تعرض الشرق الأدنى قبيل عهد حمورابي لأخطار الجماعات الهندوآرية التي صورنا تدفقها على أطرافه من أواسط آسيا، خلال حديثنا عن ممهدات عصر الهكسوس في مصر القديمة، وكيف بدأت على هيئة تسللات قبلية بسيطة واستمرت كذلك أجيالًا طويلة ثم أعقبتها هجرات عنيفة بقضها وقضيضها تفرقت فيما وجدت سبيلها ميسرًا إليه من مناطق آسيا الصغرى وشمال بلاد النهرين وشمالها الغربي وفي الشام ثم شمال مصر. وأسلفنا كيف عرفها التاريخ بعد استقرارها في كل بلد من هذه البلاد باسم خاص، فعرف أهلها في آسيا الصغرى باسم الخاتيين "ثم باسم الحيثيين"، وعرفهم في المناطق الشمالية الغربية من نهر الفرات باسم الحوريين "أو الخوريين"، وعرفهم في مرتفعات بلاد النهرين باسم الكاسيين "أو الكاشيين"، وكان الاسم الأخير فيما يحتمل اسمًا لجماعات آسيانية قديمة نزلوا عليها وأدمجوها تحت زعامتهم. وليس ما يعرف يقينًا عن موطن الكاسيين الأصليين، وهناك آراء تردهم إلى المرتفعات الشرقية، وتنسب اسمهم إلى اسم معبودهم كاشو، وتربط بينهم وبين جماعات متأخرة عنهم في الزمن ذكرها بطلميوس الجغرافي باسم Kossaeans وذكرهم غيره باسم Kosians ١. وأحست دولة بابل بتسللات الكاسيين والحوريين والخاتيين أيضًا. ولكن أقربهم خطرًا عليها كانوا الكاسيين الذين لعبوا في مرتفعات العراق دور الجوتيين القدماء. واستطاعت جيوش حمواربي وجيوش خلفه سمسو إيلونا أن ترد خطرهم فانكسرت حدتهم إلى حين، واكتفوا بالتسلل السلمي البطيء إلى مدن العراق المتحضرة وعملوا فيها أجراء مرتزقة، بينما ظلت قبائلهم الكثيفة الطامعة في الخيرات والسيطرة تتربص بدولة بابل الدوائر. وأحاطت الدوائر ببابل من عاملين: عامل داخلي وآخر خارجي. فقد انشق على الدولة في الداخل أهل مناطقها الجنوبية، وكانوا فيما يبدو خليطًا من ذراري السومريين ومن قبائل أمورية مهاجرة، وعمل هؤلاء وهؤلاء شيئًا فشيئًا على استصلاح أراضي المناقع القريبة من مصاب النهرين ليكون لهم منها موطن جديد، وكونوا لأنفسهم دولة ناشئة عرفها التاريخ باسم دولة البحر "أو أرض أوروكوج" نظرًا لقربها من سواحل الخليج العربي، وظهر خطرهم فيما مر بنا منذ أواخر عهد سمسو إيلونا البابلي، وربما نجحوا في ضم نيبور المدينة الدينية القديمة إلى حوزتهم، فحاربت جيوش سمسو إيلونا جيوش

стр. 558

ملكهم إيليما إيلوم مرتين بغير نتيجة حاسمة. واستمر خطر هذا الملك الأخير في عهد إبيشوم البابلي "خليفة سمسو إيلونا الذي حاول أن يستعين على هزيمته بإقامة سد في مجرى نهر دجلة يؤدي إلى إفاضة مائه على دولته، ولكنه فشل في الانتصار عليه١. وهكذا استمرت عوامل الشقاق الداخلي تعمل عملها في تفتيت جسم الدولة. وبدأ الخطر الخارجي على دولة بابل من قبل الخاتيين "الحيثيين" الذين تكررت اعتداءاتهم على حدودها القريبة منهم، ثم ازدادت غاراتهم شدة عليها بتقادم عهدها وازدياد مساكلها الداخلية حتى استطاعوا في عهد مكلهم مورسيل الأول أن يحتلوا مدينة بابل نفسها وغنموا كنوزها ودمروها تدميرًا هائلًا حوالي عام ١٥٩٥ق. م، وقضوا على استقلالها في عهد ملكها الحادي عشر "سمسوديتانا"٢، ولا زالت آثار تدميرهم لها باقية. وحاول الخاتيون أن يمتدوا في جنوب بلاد النهرين، ولكن وقفت في سبيلهم دولة البحر الناشئة وكسرت شرتهم لا سيما بعد أن بعدت الشقة بينهم وبين أرضهم. ولهذا لم يجد التاريخ بأسًا في أن يحتفظ لهذه الدولة "دولة البحر" بذكرى طيبة فأطلق على أسرتها الحاكمة اصطلاحًا اسم أسرة بابل الثانية. ولم تطل إقامة الخاتيين "الحيثيين" في بابل، ونزحوا عنها بعد أن أضعفوا شأنها في عالم الحرب والسياسة. وربما تركوا فيها حامية قليلة، فخلا المجال للخصمين الآخرين، دولة البحر والكاسيين. وكانت دولة البحر أسبق إلى الاستفادة من الوضع القائم، وشجعها أنها ساهمت في تخفيف قبضة الخاتيين على بابل ... ولكن المهمة كانت فوق طاقتها، ولم يطل أمد استقرارها هي الأخرى، واضطرت إلى أن تواجه أطماع الكاسيين الذين مالت كفة النصر إلى جانبهم في عهد زعيمهم جانداش الذي أعلن نفسه ملكًا على بابل والأركان "أو الأقاليم" الأربعة سومر وأكد، وبدأت منذ ذلك الحين أسرة مالكة جديدة عرفت اصطلاحًا باسم أسرة بابل الثالثة. واستمرت دولة البحر قائمة لبعض الوقت في عصر الكاسيين، ونسبت الحوليات إلى أحد ملوكها الأواخر "إيا جميل" مهاجمته لأرض عيلام، ولكن الكاسيين استمروا يوجهون هجماتهم عليها حتى قضوا على استقلالها. ساد الكاسيون جزءًا كبيرًا من العراق، ولكن أعدادهم كانت قليلة، وحضارتهم القومية كانت خشنة ضئيلة، فاكتفوا بأن اعتبروا أنفسهم طبقة أرستقراطية حاكمة بين السكان الأصليين وانتفعوا بحضارة بلاد النهرين وقلدوا فنونها في مبانيهم ومعابدهم وتماثيلهم، واعتبروا اللغة البابلية السامية لغة الكتابة الراقية إلى جانب لغتهم الخاصة. وكان كل ما أضافوه إلى حضارة بلاد النهرين هو أنهم أدخلوا إليها سلالات جديدة من خيول سهوب آسيا طغت شيئًا فشيئًا على أنواع الحمير الجبلية وسلالة السيسي القديمة، وغيروا

стр. 559

بعض وحدات الأوزان والمقاييس "شأنهم شأن الهكسوس في مصر". وكان من التطورات اليسيرة التي لحقت بصناعة الأختام الأسطوانية في عصرهم كثرة صناعتها من اليشب وبداية صناعتها من العقيق اليماني وكثرة تسجيل دعوات التعبد وتمجيد الأرباب عليها على حساب صور الأشخاص والأشياء. ثم دخلت صناعة الحديد إلى العراق في النصف الأخير من عصرهم. وأرخ الكتبة الكاسيون بسنوات حكم ملوكهم١. بعد أن كان أهل العراق يؤرخون بالأحداث الرئيسي أكثر من غيرها. وشاد بعض ملوكهم مدنًا جديدة نسبوا بعضها إلى أنفسهم، وأخصها مدينة دور كوريجالزو، أي مدينته أو حصنه، وهي عقرقوف الحالية التي تبعد عن بغداد بنحو عشرين ميلًا٢. وجرى الملوك على السياسة القديمة في منح الإقطاعيات العقارية للمقربين إليهم من العسكريين والمدنيين ويبدو أنهم حرروا ملكيتها بحيث أصبحت أشبه بالأملاك الخاصة لأصحابها، لا سيما بالنسبة لأفراد الطبقة الكاسية الحاكمة. ومن الوثائق الطريفة التي احتفظت بأسلوب منح الإقطاعيات والإعفاءات في عصرهم، هبة سجلها ملك كاسي يدعى "مليشيباك" باسم ابنته وابنه، ومنح كلًّا منهما بمقتضاها إقطاعية واسعة في أرض البحر بعد أن استصلحها أعوانه وأعدوها للزراعة وأنشئوا فيها قرًى جديدة. وشفع الملك تفاصيل هذه الهبة بإعفائها من التكاليف التي تفرضها دولته على مناطقها الزراعية، وهي تكاليف عرفتها بلاد النهرين قبل عهده بعصور طويلة، ويفهم من قراراته بشأنها أن الدولة كانت تحصل على جزء من باكورة المحاصيل الزراعية، وتستخدم مواشي الإقطاعيات لمصلحة أرضها الزراعية الخاصة حين تشاء وتسخر العمال الزراعيين في خدمة المرافق الملكية والمرافق العام مثل شق الترع وتطهيرها وتشييد جسورها وقطع الحشائش المائية والأعشاب البرية، وهي إجراءات اعتادت عليها أغلب الحكومات القديمة. واتسعت الصبغة الإقطاعية في الدولة إلى حد يمكن اعتبارها معه ممثلة للعصور الوسطى البابلية، وكان من مظاهرها بين الطبقات العادية توارث الحرف بين أسر وطوائف معينة، يذكر الشخص فيها باسمه واسم أبيه ثم ينسب إلى حرفته، وذلك مما سمح بتتبع أصول بعض الأسر الحرفية فيها لبضعة أجيال، وكانت منها أسر للكتبة ارتبطت بالمعابد أكثر مما ارتبطت بغيرها وكان لها الفضل في نسخ كثير من الألواح الدينية والأدبية القديمة٣. وعبد الكاسيون أرباب بلاد النهرين إلى جانب أربابهم القوميين، بأسمائهم القديمة أحيانًا وبمسميات آرية أحيانًا أخرى٤. واعتز أحدهم "أجوم" بأنه أرجع تمثال مردوك وتمثال زوجته زربانيتوم من دولة

стр. 560

هانا بعد أن اغتصبهما خلال فترة الفوضى التي عمت بلاد النهرين في أعقاب الغزو الخاتي، وأعادهما إلى إساجيل بابل في احتفال مهيب١. واتبع الملوك الكاسيون سياسة ملوك العالم القديم في اكتساب ود رجال الدين وتأكيد القربى من الأرباب عن طريق منح الهبات والإقطاعيات للمعابد وإعفائها من الضرائب، وكانوا يمنحون بعض هذه الهبات من خزائنهم ويسجل رجالهم أخبارها على نصب حجرية صغيرة تسمى كودورو، إلى جانب تسجيلها على ألواح الطمي العادية. واستغل الفنانون سطوح هذا النصف لتصوير هيئات ملوكهم أصحاب الفضل في منح الإقطاعيات، تصويرًا مختصرًا حينًا، وتصويرًا يفسر ملامحهم وملابسهم وأغطية رءوسهم حينًا آخر٢. كما استغلوها لتطوير رموز أربابهم الذين أشهدوا على منحها ووضعوها تحت رعايتهم. ومن هذه الرموز رموز حيوانية تصرف الفنانون في تشكيل صورها، ورموز أخرى معمارية تصور واجهات الهياكل والمقاصير البدائية، وذلك مما جعل منها مصدرًا من مصادر المعرفة بعمارة المعابد الأولى. وكان الفنانون يضمنون نقوش نصبهم هذه مناظر أسطورية يستهدفونها لذاتها ومضمونها حينًا، ويستغلونها لغرض الزخرف وملء الفراغ وإظهار البراعة في التخيل والتصور حينًا آخر. وتابع الكاسيون عادة الغزاة محبي الاستقرار في اتخاذ رعاية المعابد ستارًا يُنسي الناس أصلهم الدخيل القديم. فأصلحوا معابد بابلية كثيرة وأعادوا بناءها، وبقيت من شواهد معبادهم الجديدة أطلال زقورة ضخمة بجانب قصر الحكم في عاصمتهم دور كوريجالزو "عقرقوف بجوار بغداد"، أدت إليها ثلاثة طرق صاعدة ذات درجات، على مثال زقررة أور٣. وأطلال معبد في الوركاء للمعبودة إنانا "يؤرخ عهده بأواسط القرن الخامس عشر ق. م"٤. وانضافت إلى عمارة المعابد في عصرهم تطورات وإضافات تناولت محاور المقاصير الرئيسية وتشكيل الواجهات الخارجية. فامتازت عمارة معبد الوركاء بتدعيم أركانه الخارجية بأكتاف ذات مستويين لم تمارسها بلاد النهرين إلا قبيل عصورها التاريخية ثم هجرتها. وامتازت بعض المشكاوات الخارجية للمعبد نفسه بتحوير زخارفها تحويرًا محدثًا عن طريق استغلال بطونها في بناء تماثيل أرباب وربات من اللبن تبرز من جسم البناء نفسه، مع تشكيل رأس كل معبود وجذعه الأعلى تشكيلًا كاملًا والاكتفاء بتشكيل الخطوط العامة لبقية جسمه على هيئة الثوب الطويل المحبوك، وتشكيل لبنات هذا الثوب بما يرمز إلى مدرجات الجبال بالنسبة للأرباب وتموجات الماء بالنسبة للربات. واستغل بناء المعبد المسطحات الفاصلة بين كل مشكاة وأخرى لتشكيل زخرف جديدة على هيئة خطى زجراج رأسيين متقابليين يعبران عن سلسولي ماء ويصبان فوق جبلين "؟ "، وأحاط المشكاوات بأطر علوية وسفلية تعاقبت فيها حليات على هيئة الأقراص والدوائر. وكان ذلك كله بدعًا في عمارة بلاد النهرين٥. وأضافت العمائر المدينة الكاسية تجديدًا آخر تمثل في بناء

стр. 561

صفات ذات أعمدة حول أفنيتها الكبيرة، وظهر لها ما يماثلها في عمائر الحيثيين في الأناضول. ودعت هذه التجديدات في العمائر الدينية والمدنية إلى احتمال دخول الكاسيين بفكرتها من بيئاتهم الأصيلة القديمة١. ولم تخل الفنون التشكيلية، من نماذج طيبة وإن كانت قليلة للغاية، ومن هذه النماذج رأس صغيرة للبوءة من الطين المحروق٢ يعتبر آية من آيات الفن في تمثيل شرطة العين وتجويفها وتكوين الفم والأنف والتعبير عن شعيرات الوجه، بخطوط بسيطة متمكنة. ورأس صغيرة لرجل، من الطين المحروق الملون أيضًا٣، مثلته بأنف أقنى بعض الشيء، وأجادت التعبير عن بروز شفته العليا عن السفلى، وعن تصفيف شعره.

стр. 562

العلاقات الخارجية: وسارت العلاقات الخارجية السلمية للدولة الكاسية في نطاق عادي محدود. فسارت قوافلها التجارية في مسارتها التقليدية مع بلاد الشام ومصر، وكانت النصوص المصرية قد ذكرت اسم بابل مرتين خلال عصور دولتها الحديثة حتى عهد تحوتمس الثالث١، ثم أغفلته تمامًا، ربما بعد انتقال أزمة الحكم إلى الكاسيين، واستخدمت بلده كلمة سنجار لمدلول يتسع عن المدلول الإقليمي لكلمة بابل "كما ذكرت اسم جبل سنجار، وهو جبل يقع غربي الموصل"٢. واكتست العلاقات المصرية البابلية بطابع الصداقة الشخصية خلال القرن الرابع عشر ق. م، وتمخضت هذه الصداقة عن مصاهرة البيتين الحاكمين أكثر من مرة، ومما يذكر في هذا زواج أمنحوتب الثالث بابنة الملك البابلي كاردونياش وطمعه فيما بعد في الزواج من بنت أخيها كادشمان خاربي "أو كادشمان إنليل"، مع ضنه في الوقت بتزويجه إحدى بناته أو إحدى أميرات بيته الفرعوني المالك. وعندما اضطرب حبل الأمن بين الأموريين والكنعانيين في الشام خلال عهد الفرعون المصري آخناتون، وتأثرت المتاجر البابلية بفوضى الطريق في أرض كنعان، لم يجد الملك الكاسي البابلي غير الفرعون المصري يستصرخه لتأمين تجارته ويقول له "كنعان أرضك ... وأمراؤها مواليك" وأرسل له مع رسالته هدية ثلاث مينات من اللازورد وخمسة جياد وخمس عربات٣. وظل الكاسيون يؤلفون الطبقة الحاكمة في قلب العراق ما يقرب من خمسة قرون "من أوائل القرن ١٦ إلى أواخر القرن ١٢ق. م"، ولم يجد المؤرخون بأسًا في أن يعتبروا أسرتهم، فيما أسلفنا، الأسرة البابلية

стр. 563

الثالث، على الرغم من أنهم كانوا أغرابًا في أصلهم عن بابل وعن محيطها كله. ولكن لم يخلص لهم أمر بلاد النهرين تمامًا خلال قرونهم الخمسة، ففضلا عن دولة البحر التي نازعتهم السيادة على المناطق الجنوبية في بداية عصرهم حتى تغلبوا عليها، تحكم الآشوريون في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية من نهر دجلة، وتحكم الحوريون في المناطق الغربية والشمالية الغربية من نهر الفرات، بغير حدود صريحة فاصلة بين امتداد هؤلاء أو هؤلاء. ثم ظهر بعدهم الميتانيون. مع آشور: لم كتن آشور ذات شأن كبير في بداية الأمر، وقد اقتطع الحوريون جزءًا من أرضها، وعاملها الكاسيون على حذر. وحدث أن تصاهر البيتان الحاكمان في آشور وبابل لبعض الوقت، فتزوج الملك البابلي "كارونداش" من ابنة الملك الآشوري "آشور أون بالليط"، وجعل ولدها ولي عهده، فعز على الأمراء الكاسيين أن يسري الدم الآشوري في عروق صاحب عرشهم ويصبح ذلك سببًا لتدخل الآشوريين في شئون دولتهم، فاغتالوا ولي العهد وولوا غيره مكانه. ولا تعنينا هذه المصاهرة وذالك الاغتيال من حيث هما حادثان فرديان، ولكن تعنينا دلالتهما على عدم توافر الثقة بين الدولتين. وحدث أن خرج الآشوريون عن نطاقهم الإقليمي، وأوفدوا سفارة إلى الفرعون المصري آخناتون، فاحتج الملك البابلي على هذه الجرأة وكتب إلى الفرعون المصري بأنه لم يكن يحق للآشوريين أن يتصلوا به اتصالًا مباشرًا وأنه لا يزال يعتبرهم من أتباعه١. مع الحوريين: كان الحوريون فرعًا من الفروع الهندوآرية اتخذوا طريقهم إلى الشرق بنفس السبيل الذي اتخذه غيرهم من فروع الهجرات الكبيرة، أي عن طريق التسلل البطيء ثم عن طريق الهجرة العنيفة في ظل ظروف مناسبة٢. واعتبر بعض الباحثين أقدم أمرائهم المعروفين في الشرق أميرًا يُدعى نيزادا حكم منطقة أوركيس في القرن الثالث والعشرين ق. م، غير أن هذا التقدير لا يخلو من شك كبير، وأقرب منه إلى الصحة ما يعرف عن ظهور أعمالهم وأخيلتهم الدينية في نصوص ماري منذ أوائل القرن السابع عشر ق. م، وظهور تأثيرهم في الدولة الحالية "الحيثية" منذ عهد ملكها نتيليس الأول، وذلك مما يحتمل معه إرجاع وصولهم إلى المشرق إلى القرن الثامن عشر ق. م أو ما هو قريب منه٣. ثم امتد نشاطهم في قلب بلاد النهرين حتى

стр. 564

منطقة أرانجا "كركوك" ونوزي "يورجان تبة الحالية" جنوب شرق نينوى١. كما امتدوا غربًا في المناطق السورية، ولو أن هذا الامتداد كان فيما يغلب على الظن امتدادًا تجاريًّا وتسربًا سلميًّا يرتبط بالنفوذ الاقتصادي والنفوذ الحضاري أكثر مما يرتبط بالنفوذ الحربي أو السياسي. وقد أخذوا بالحضارة البابلية في العراق وكتبوا لغتهم الحورية بخطها المسماري، ولم يكونوا بغير أثر في حياتها العامة، لا سيما فيما شغلته فيما بعد دولة آشور "كما سنرى فيما بعد". وعرف المصريون القدماء أقرب مناطق الحوريين إليهم بمترادفات: نهري، ونهرن، ونهرينا٢، وعرف البابليون المنطقة نفسها باسم "ماتونخريما" "وماتوناريما". وليس ما يعرف إن كان الاسم المصري "نهرينا" ومرادفه البابلي "نخريما"، يدل على معنى "أرض النهر"، ويدل ذلك على "بعض" أراضي الفرات، أم يدل على صيغة التثنية ويعني نهرين معينين ويدل بذلك على ما يمتد بين نهر الفرات وبين فرعه نهير الخابور. وعلى أية حال فقد عنت النصوص المصرية بكلمة نهرن ومترادفاتها أراضي تمتد حول ضفتي الفرات. مع الميتان: وفدت على الحوريين وافدة جديدة من بني عمومتهم الهندوآريين حوالي القرن السادس عشر ق. م، واشتهر هؤلاء الوافدون باسم مثن والميتان والميتانيين، وذكرت النصوص المصرية بلادهم باسم "تاومثن" واسم "خاسوت متن"، أي أراضي مثن، وبراري "أو أقطار" متن. وقد أخذوا بالنظام الفيدرالي الذي اعتاده أغلب الهندوآريين ذوي الأصول الرعوية، وهو نظام كان يجعل السادية في أيدي طبقة من النبلاء المحاربين يسمون "ماريانو" ويعتبرون أنفسهم أقرانًا بعضهم لبعض ويعتبرون ملكهم رأس أقرانه. وذكرت النصوص المصرية أقدم ملوكهم المعروفين لها باسم سوشاتار. واتخذ المتيانيون عاصمتهم في مدينة تسمى واسوكاني "أو أشوكاني"، وهي مدينة صعب تحديد مكان أطلالها وإن ذهب الظن إلى تقريبها إلى الفخارية على نهير الخابور شرق تل حلف وحران. وحاولوا أن يسودوا الحوريين، وربما نجحوا في ذلك وجعلوا أغلبهم من رعاياهم، كما شتتوا فريقًا منهم إلى أطراف الشام حيث تضمنت الرسائل المسمارية لأمراء جنوب الشام المرسلة إلى البلاط المصري أسماء قريبة من الأسماء الحورية. واحتفظ الحوريون والميتانيون من أربابهم الهندو آريين بالأرباب إندرا، وفارونا، وميثرا، وربما تيشوب رب الزوابع، وهبة ربة الشمس أيضًا، ولكنهم جمعوا إلى أولئك الأرباب بعض أرباب بلاد النهرين الساميين وقدسوهم، لا سيما إشتار التي صوروها في أساطيرهم تناصر الخير وتقف في وجه مارد شرير يُدعى خيدامو.

стр. 565

واتسعت دولة الميتان فيما جارها من أرض العراق وأرض الشام وضغطت لفترة ما على نشاط جيرانها الآشوريين والخاتيين، وحاولت أن يكون لها ضلع في زعامة الشرق فتنازعت مصر في زعامتها التي حققتها لنفسها منذ أوائل دولتها الحديثة حين امتد نفوذها فيما بين الشلال الرابع جنوبًا وبين ضفاف الفرات شمالًا بشرق. ومر في ص٢١٦ وما بعدها كيف بدأ الميتان تنفيذ أطماعهم بطريق غير مباشر، فألبوا بعض أمراء الشام على المصريين منذ أواخر عهد الملكة المصرية حاتشبسوت وخلال أوئل عهد الفرعون تحوتمس الثالث، كيف تصدت لهم جيوش هذا الفرعون وأفسدت مشاريعهم ومشاريع حلفائهم، وكيف استمرت العلاقات بين الدولتين، مصر والميتان، علاقات عدائية حتى نهاية عهد الفرعون أمنحوتب الثاني، ثم مالت الدولتان إلى سياسة التقارب. وليس من المستبعد أن يكون التقارب قد بدأ من ناحية الميتان بعد أن أحسوا ببداية استيقاظ الآشوريين في شرقهم وبداية استعداد الخاتيين "الحيثيين" في شمالهم الغربي، وتمخض التقارب بين الدولتين عن مصاهرة بيتيهما الحاكمين منذ عهد الفرعون المصر تحوتمش الرابع وفي عهد ولده أمنحوتب الثالث، وعهد حفيده آخناتون. واستقرت حينذاك صداقة الدولتين، وراسل حكامهما بعضهم بعضًا بلفظ الأخوة، واعتاد كل منهم على أن يسأل الآخر في رسائله عن أهله وداره وخيوله وأتباعه. وتسامح المصريون مع ديانة أصدقائهم، ولم ير أمنحوتب الثالث بأسًا في أن يتقبل في قصره تمثالين صغيرين للمعبودين العراقيين شمش وإشتار أرسلهما الملك الميتاني مع ابنته عروس أمنحوتب لتستعين ببركتهما على إقرار حبها في قلبه، ولم يجد بأسًا في أن يتقبل تمثالًا آخر لإشتار أتاه هدية من صديقه الميتاني ليتبرك به في مرضه. ويبدو أنه كانت لبلاد النهرين في جملتها شهرة خاصة في الطب والسحر تعادل شهرة مصر فيهما؛ إذ تكررت نفس الظاهرة مع الحيثيين في عصر لاحق لهذا العصر، وطلب الملك الحيثي موتاللو من معاصره البابلي أن يوفد إليه طبيبًا وساحرًا، وإن كان قد طلب نفس الطلب من مصر أيضًا فأرسلت إليه تمثالًا لمعبودها رب الشفاء خنسو ومعه كاهن ملازم له. وليس من المستبعد حين يتم الكشف عن عاصمة الميتان القديمة أن يتضح مدى تأثر إنتاجهم الفني بالفن المصري القديم، وتتميز من آثارهم المعروفة أوانٍ فخارية لطيفة ذات صبغة صفراء وخطوط سوداء غليظة ورسوم تخطيطية بيضاء١. وعلى أية حال، فقد ظلت دول العراق تتطلع إلى مصر خلال هذه العهود على أنها أكبر دول الشرق كله، بحكم ضخامة إمكانياتها المادية والبشرية والفكرية، وأسلفنا في بحثنا للتاريخ المصري "ص٢٢١" كيف ظل ملوك الشرق وأمراؤه يرجون فرعون مصر أن يفيض عليهم من ذهبها نظير هداياهم من الأرقاء والجواري والمركبات والجياد والأحجار الكريمة، تساوي في ذلك ملوك الميتان وملوك بابل وملوك آشور، فضلًا عن أمراء الشام وحكام قبرص. وكيف أنه على الرغم من ترحيب ملوك الشرق وأمرائه بمصاهرة أمنحوتب المصري، ظل ضنينًا عليهم بأميرات بيته، بحجة أنه لم يسبق أن تزوجت أميرة مصرية بشخص أجنبي.
следующие страницы →