← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

صفات ذات أعمدة حول أفنيتها الكبيرة، وظهر لها ما يماثلها في عمائر الحيثيين في الأناضول. ودعت هذه التجديدات في العمائر الدينية والمدنية إلى احتمال دخول الكاسيين بفكرتها من بيئاتهم الأصيلة القديمة١. ولم تخل الفنون التشكيلية، من نماذج طيبة وإن كانت قليلة للغاية، ومن هذه النماذج رأس صغيرة للبوءة من الطين المحروق٢ يعتبر آية من آيات الفن في تمثيل شرطة العين وتجويفها وتكوين الفم والأنف والتعبير عن شعيرات الوجه، بخطوط بسيطة متمكنة. ورأس صغيرة لرجل، من الطين المحروق الملون أيضًا٣، مثلته بأنف أقنى بعض الشيء، وأجادت التعبير عن بروز شفته العليا عن السفلى، وعن تصفيف شعره.

стр. 562

العلاقات الخارجية: وسارت العلاقات الخارجية السلمية للدولة الكاسية في نطاق عادي محدود. فسارت قوافلها التجارية في مسارتها التقليدية مع بلاد الشام ومصر، وكانت النصوص المصرية قد ذكرت اسم بابل مرتين خلال عصور دولتها الحديثة حتى عهد تحوتمس الثالث١، ثم أغفلته تمامًا، ربما بعد انتقال أزمة الحكم إلى الكاسيين، واستخدمت بلده كلمة سنجار لمدلول يتسع عن المدلول الإقليمي لكلمة بابل "كما ذكرت اسم جبل سنجار، وهو جبل يقع غربي الموصل"٢. واكتست العلاقات المصرية البابلية بطابع الصداقة الشخصية خلال القرن الرابع عشر ق. م، وتمخضت هذه الصداقة عن مصاهرة البيتين الحاكمين أكثر من مرة، ومما يذكر في هذا زواج أمنحوتب الثالث بابنة الملك البابلي كاردونياش وطمعه فيما بعد في الزواج من بنت أخيها كادشمان خاربي "أو كادشمان إنليل"، مع ضنه في الوقت بتزويجه إحدى بناته أو إحدى أميرات بيته الفرعوني المالك. وعندما اضطرب حبل الأمن بين الأموريين والكنعانيين في الشام خلال عهد الفرعون المصري آخناتون، وتأثرت المتاجر البابلية بفوضى الطريق في أرض كنعان، لم يجد الملك الكاسي البابلي غير الفرعون المصري يستصرخه لتأمين تجارته ويقول له "كنعان أرضك ... وأمراؤها مواليك" وأرسل له مع رسالته هدية ثلاث مينات من اللازورد وخمسة جياد وخمس عربات٣. وظل الكاسيون يؤلفون الطبقة الحاكمة في قلب العراق ما يقرب من خمسة قرون "من أوائل القرن ١٦ إلى أواخر القرن ١٢ق. م"، ولم يجد المؤرخون بأسًا في أن يعتبروا أسرتهم، فيما أسلفنا، الأسرة البابلية

стр. 563

الثالث، على الرغم من أنهم كانوا أغرابًا في أصلهم عن بابل وعن محيطها كله. ولكن لم يخلص لهم أمر بلاد النهرين تمامًا خلال قرونهم الخمسة، ففضلا عن دولة البحر التي نازعتهم السيادة على المناطق الجنوبية في بداية عصرهم حتى تغلبوا عليها، تحكم الآشوريون في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية من نهر دجلة، وتحكم الحوريون في المناطق الغربية والشمالية الغربية من نهر الفرات، بغير حدود صريحة فاصلة بين امتداد هؤلاء أو هؤلاء. ثم ظهر بعدهم الميتانيون. مع آشور: لم كتن آشور ذات شأن كبير في بداية الأمر، وقد اقتطع الحوريون جزءًا من أرضها، وعاملها الكاسيون على حذر. وحدث أن تصاهر البيتان الحاكمان في آشور وبابل لبعض الوقت، فتزوج الملك البابلي "كارونداش" من ابنة الملك الآشوري "آشور أون بالليط"، وجعل ولدها ولي عهده، فعز على الأمراء الكاسيين أن يسري الدم الآشوري في عروق صاحب عرشهم ويصبح ذلك سببًا لتدخل الآشوريين في شئون دولتهم، فاغتالوا ولي العهد وولوا غيره مكانه. ولا تعنينا هذه المصاهرة وذالك الاغتيال من حيث هما حادثان فرديان، ولكن تعنينا دلالتهما على عدم توافر الثقة بين الدولتين. وحدث أن خرج الآشوريون عن نطاقهم الإقليمي، وأوفدوا سفارة إلى الفرعون المصري آخناتون، فاحتج الملك البابلي على هذه الجرأة وكتب إلى الفرعون المصري بأنه لم يكن يحق للآشوريين أن يتصلوا به اتصالًا مباشرًا وأنه لا يزال يعتبرهم من أتباعه١. مع الحوريين: كان الحوريون فرعًا من الفروع الهندوآرية اتخذوا طريقهم إلى الشرق بنفس السبيل الذي اتخذه غيرهم من فروع الهجرات الكبيرة، أي عن طريق التسلل البطيء ثم عن طريق الهجرة العنيفة في ظل ظروف مناسبة٢. واعتبر بعض الباحثين أقدم أمرائهم المعروفين في الشرق أميرًا يُدعى نيزادا حكم منطقة أوركيس في القرن الثالث والعشرين ق. م، غير أن هذا التقدير لا يخلو من شك كبير، وأقرب منه إلى الصحة ما يعرف عن ظهور أعمالهم وأخيلتهم الدينية في نصوص ماري منذ أوائل القرن السابع عشر ق. م، وظهور تأثيرهم في الدولة الحالية "الحيثية" منذ عهد ملكها نتيليس الأول، وذلك مما يحتمل معه إرجاع وصولهم إلى المشرق إلى القرن الثامن عشر ق. م أو ما هو قريب منه٣. ثم امتد نشاطهم في قلب بلاد النهرين حتى

стр. 564

منطقة أرانجا "كركوك" ونوزي "يورجان تبة الحالية" جنوب شرق نينوى١. كما امتدوا غربًا في المناطق السورية، ولو أن هذا الامتداد كان فيما يغلب على الظن امتدادًا تجاريًّا وتسربًا سلميًّا يرتبط بالنفوذ الاقتصادي والنفوذ الحضاري أكثر مما يرتبط بالنفوذ الحربي أو السياسي. وقد أخذوا بالحضارة البابلية في العراق وكتبوا لغتهم الحورية بخطها المسماري، ولم يكونوا بغير أثر في حياتها العامة، لا سيما فيما شغلته فيما بعد دولة آشور "كما سنرى فيما بعد". وعرف المصريون القدماء أقرب مناطق الحوريين إليهم بمترادفات: نهري، ونهرن، ونهرينا٢، وعرف البابليون المنطقة نفسها باسم "ماتونخريما" "وماتوناريما". وليس ما يعرف إن كان الاسم المصري "نهرينا" ومرادفه البابلي "نخريما"، يدل على معنى "أرض النهر"، ويدل ذلك على "بعض" أراضي الفرات، أم يدل على صيغة التثنية ويعني نهرين معينين ويدل بذلك على ما يمتد بين نهر الفرات وبين فرعه نهير الخابور. وعلى أية حال فقد عنت النصوص المصرية بكلمة نهرن ومترادفاتها أراضي تمتد حول ضفتي الفرات. مع الميتان: وفدت على الحوريين وافدة جديدة من بني عمومتهم الهندوآريين حوالي القرن السادس عشر ق. م، واشتهر هؤلاء الوافدون باسم مثن والميتان والميتانيين، وذكرت النصوص المصرية بلادهم باسم "تاومثن" واسم "خاسوت متن"، أي أراضي مثن، وبراري "أو أقطار" متن. وقد أخذوا بالنظام الفيدرالي الذي اعتاده أغلب الهندوآريين ذوي الأصول الرعوية، وهو نظام كان يجعل السادية في أيدي طبقة من النبلاء المحاربين يسمون "ماريانو" ويعتبرون أنفسهم أقرانًا بعضهم لبعض ويعتبرون ملكهم رأس أقرانه. وذكرت النصوص المصرية أقدم ملوكهم المعروفين لها باسم سوشاتار. واتخذ المتيانيون عاصمتهم في مدينة تسمى واسوكاني "أو أشوكاني"، وهي مدينة صعب تحديد مكان أطلالها وإن ذهب الظن إلى تقريبها إلى الفخارية على نهير الخابور شرق تل حلف وحران. وحاولوا أن يسودوا الحوريين، وربما نجحوا في ذلك وجعلوا أغلبهم من رعاياهم، كما شتتوا فريقًا منهم إلى أطراف الشام حيث تضمنت الرسائل المسمارية لأمراء جنوب الشام المرسلة إلى البلاط المصري أسماء قريبة من الأسماء الحورية. واحتفظ الحوريون والميتانيون من أربابهم الهندو آريين بالأرباب إندرا، وفارونا، وميثرا، وربما تيشوب رب الزوابع، وهبة ربة الشمس أيضًا، ولكنهم جمعوا إلى أولئك الأرباب بعض أرباب بلاد النهرين الساميين وقدسوهم، لا سيما إشتار التي صوروها في أساطيرهم تناصر الخير وتقف في وجه مارد شرير يُدعى خيدامو.

стр. 565

واتسعت دولة الميتان فيما جارها من أرض العراق وأرض الشام وضغطت لفترة ما على نشاط جيرانها الآشوريين والخاتيين، وحاولت أن يكون لها ضلع في زعامة الشرق فتنازعت مصر في زعامتها التي حققتها لنفسها منذ أوائل دولتها الحديثة حين امتد نفوذها فيما بين الشلال الرابع جنوبًا وبين ضفاف الفرات شمالًا بشرق. ومر في ص٢١٦ وما بعدها كيف بدأ الميتان تنفيذ أطماعهم بطريق غير مباشر، فألبوا بعض أمراء الشام على المصريين منذ أواخر عهد الملكة المصرية حاتشبسوت وخلال أوئل عهد الفرعون تحوتمس الثالث، كيف تصدت لهم جيوش هذا الفرعون وأفسدت مشاريعهم ومشاريع حلفائهم، وكيف استمرت العلاقات بين الدولتين، مصر والميتان، علاقات عدائية حتى نهاية عهد الفرعون أمنحوتب الثاني، ثم مالت الدولتان إلى سياسة التقارب. وليس من المستبعد أن يكون التقارب قد بدأ من ناحية الميتان بعد أن أحسوا ببداية استيقاظ الآشوريين في شرقهم وبداية استعداد الخاتيين "الحيثيين" في شمالهم الغربي، وتمخض التقارب بين الدولتين عن مصاهرة بيتيهما الحاكمين منذ عهد الفرعون المصر تحوتمش الرابع وفي عهد ولده أمنحوتب الثالث، وعهد حفيده آخناتون. واستقرت حينذاك صداقة الدولتين، وراسل حكامهما بعضهم بعضًا بلفظ الأخوة، واعتاد كل منهم على أن يسأل الآخر في رسائله عن أهله وداره وخيوله وأتباعه. وتسامح المصريون مع ديانة أصدقائهم، ولم ير أمنحوتب الثالث بأسًا في أن يتقبل في قصره تمثالين صغيرين للمعبودين العراقيين شمش وإشتار أرسلهما الملك الميتاني مع ابنته عروس أمنحوتب لتستعين ببركتهما على إقرار حبها في قلبه، ولم يجد بأسًا في أن يتقبل تمثالًا آخر لإشتار أتاه هدية من صديقه الميتاني ليتبرك به في مرضه. ويبدو أنه كانت لبلاد النهرين في جملتها شهرة خاصة في الطب والسحر تعادل شهرة مصر فيهما؛ إذ تكررت نفس الظاهرة مع الحيثيين في عصر لاحق لهذا العصر، وطلب الملك الحيثي موتاللو من معاصره البابلي أن يوفد إليه طبيبًا وساحرًا، وإن كان قد طلب نفس الطلب من مصر أيضًا فأرسلت إليه تمثالًا لمعبودها رب الشفاء خنسو ومعه كاهن ملازم له. وليس من المستبعد حين يتم الكشف عن عاصمة الميتان القديمة أن يتضح مدى تأثر إنتاجهم الفني بالفن المصري القديم، وتتميز من آثارهم المعروفة أوانٍ فخارية لطيفة ذات صبغة صفراء وخطوط سوداء غليظة ورسوم تخطيطية بيضاء١. وعلى أية حال، فقد ظلت دول العراق تتطلع إلى مصر خلال هذه العهود على أنها أكبر دول الشرق كله، بحكم ضخامة إمكانياتها المادية والبشرية والفكرية، وأسلفنا في بحثنا للتاريخ المصري "ص٢٢١" كيف ظل ملوك الشرق وأمراؤه يرجون فرعون مصر أن يفيض عليهم من ذهبها نظير هداياهم من الأرقاء والجواري والمركبات والجياد والأحجار الكريمة، تساوي في ذلك ملوك الميتان وملوك بابل وملوك آشور، فضلًا عن أمراء الشام وحكام قبرص. وكيف أنه على الرغم من ترحيب ملوك الشرق وأمرائه بمصاهرة أمنحوتب المصري، ظل ضنينًا عليهم بأميرات بيته، بحجة أنه لم يسبق أن تزوجت أميرة مصرية بشخص أجنبي.

стр. 566

لم يطل أمد السلام الذي حققه الميتان لأنفسهم، فبدأ الخاتيون ينافسونهم في المنطقة الشامية العراقية التي تلي الأناضول وتمتد فيما بين الفرات وبين ساحل البحر المتوسط، وكان لهم ضلع ذات مرة في إزاحة أحد الملوك الميتان عن عرشه وتنصيب أحد عملائهم وصيًّا على وريث العرش الصغير. وظلت الحال مائعة بين الدولتين حتى ولي عرش الخاتيين ملكهم الطموح سوبيلوليوما فهاجم بجيوشه أرض الميتان ولكن ملكهم توسراتا استعان بصهره الفرعون المصري أمنحوتب الثالث فأعانه بجيوش ردت الخاتيين على أدبارهم، واحتجز الملك الميتاني عربة وخيلًا من الغنائم لصهره أمنحوتب المصري، وبعض الحلي لأخته "زوجة أمنحوتب"١ ثم شغلت مصر مشاكلها الخاصة عن حليفتها، وعمل الملك الخاتي من ناحيته على تأليب بعض الأمراء الميتان على ملكهم وعلى استمالة ود الآشوريين في نضاله معهم، ثم ضرب ضربته فهاجم بجيوشه عاصمة الميتان وكاد أن يقضي على دولتهم لولا أن شغلته عنهم ثورة في أملاك دولته بشمالي الشام، وعندما انسحب بجيوشه من العراق، استغل أصدقاؤه الآشوريون تخلخل الموقف لصالحهم، فاتبعوا طريقته واستمالوا بعض الأمراء الميتان إلى صفوفهم، وهاجموا العاصمة الميتانية واستردوا منها كنوزًا كان الميتان قد اغتصبوها من أرضهم، ولكن آشور كانت على الرغم من ذلك لا تزال في بداية نهضتها ولهذا لم تستمر في الشوط إلى نهايته. وعادت أزمة الموقف السياسي إلى أيدي الخاتيين وساعدهم أن اغتيل خصمهم الميتاني العنيد توسراتا، فأجبروا ولده "ماتي يوزا" على عقد معاهدة معهم اعترف فيها بخضوعه لهم٢. وما لبثت دولة الميتان حتى توارت من مسرح الحرب والسياسة، حوالي عام ١٣٦٥ق. م٣. وتشتت أهلها الآريون في نواحي الأناضول وسواحل الشام، ولم يعودوا يعرفون باسم الميتان وإنما باسمهم القديم "الحوريين" أو "الخوريين"، وكان لهم أثر لاينكر في نقل ثقافة بلاد النهرين وأساطيرها إلى المناطق التي نزلوها سواء حين قوتهم أم حين تظاقهم.

стр. 567

الأفول حتى نهاية الأسرة البابلية السابعة: لم تستفد دولة بابل الكاسية كثيرًا بزوال الضغط الميتاني على حدودها، بل على العكس من ذلك وجدت نفسها وجهًا لوجه أمام قوتين ناهضتين طموحتين، وهما دولة آشور ودولة الخاتيين، فضلًا عن دولة إلام "عيلام" منافستها العتيدة. واستعرضت بابل عضلاتها مع إلام، وتحدت كل منهما الأخرى، ورُوي أن الملك العيلامي تحدى معاصره البابلي كوريجالزو تحديًا شخصيًّا، وقال له "أقبل، ندخل المعركة ... أنت وأنا"، وحالف الحظ البابلي فتقدم بجيوشه حتى العاصمة العيلامية سوسه، وشجعه هذا النصر على أن يجرب حظه مع آشور،

стр. 568

ولكنه فشل معها. وظلت كفة النصر متأرجحة بين بابل وبين جارتيها إلام وآشور فطورًا يسود الهدوء، وطورًا يغلب البابليون وطورًا يغلبون، على حين أدى انشغال الخاتيين بمنافسة المصريين تارة ومنافسة الآشوريين تارة أخرى، إلى بقاء علاقات الود الظاهري قائمة بينهم وبين البابليين، بحيث طلب الملك الخاتي "الحيثي" خاتوسيل ذات مرة من حليفه البابلي "كادشمان إنليل الثالث؟ " أن يتعاون معه في مهاجمة عدو مشترك، قد يكون من الآشوريين أو من الهجرات الأرامية التي بدأت حينذاك تهدد سبل التجارة بين الدولتين. وعلى أية حال، فسوف نوجز هذه الوجوه المختلفة للعلاقات بين بابل وبين جيرانها، في أن بابل فقدت روحها الجريئة الخلاقة في أغلب عهود الكاسيين، وسارت أمورها رتيبة مقلدة في أغلب أحوالها، فيما خلال هزات قليلة متباعدة، كان أعنفها بالنسبة لبابل مهاجمة جيوش الملك الآشوري توكلتي نينورتا الأول لها وتدميرها إياها وسلبها كنوزها. وبرر الكتبة الآشوريون هذه القسوة بادعائهم أن أرباب المدن البابلية كانوا قد هجروها استياء من مسلك كاشتيليات ملك بابل ولعنوها. ثم رحبوا بالفاتح الآشوري الذي انتقم لهم بتأديب مدنهم١، "وهذا هو منطق المنتصر في كل زمان، مع تغيير ألفاظه بما يتناسب مع عصره". ولكن ما لبث البابليون حتى أخذوا بثأرهم من آشور وحاصروا عاصمتها عقب اغتيال ملكها الفاتح العنيف توكلتي نينورتا في أواخر القرن ١٣ق. م. وكان احتدام النتافس بين بابل وبين آشور فرصة الإلاميين، فتجرءوا على جنوب العراق وهاجموا بابل نفسها، وطالت اشتباكاتهم معها حتى دمروها أكثر من تدمير الآشوريين لها، وقضوا على الحكم الكاسي فيها في أواخر القرن الثاني عشر ق. م وغنموا ما بقي من كنوزها ونقلوا أغلب آثارها الفنية إلى عاصمتهم سوسه، سواء حبًّا في الغنم والنهب، أو لحرمانها من كل ما يذكرها بأيام مجدها، وكان من هذا الآثار ما يتعلق بملوك قدماء أحرزوا النصر عليها، مثل: نصب سرجون الأكدي، ونصب نرام سين، وعمود "أو مسلة" مانيشتوسو، ونصب تشريعات حمورابي الذي ظل في عاصمتهم حتى عثر عليه في أوائل القرن الحالي، ونصب أخرى كاسية وغير كاسية كثيرة، يغلب على الظن أنهم أجبروا الأسرى البابليين على نقلها بأنفسهم رغم ضخامتها وشدة ثقلها. غير أن بابل ذات الماضي المجيد لم تكن لتموت بسهولة، وإن ترنحت طويلًا تحت ضربات خصومها، فتحاملت حتى نهضت وتزعمها ملوك ناضلوا في سبيل تحرير أرضهم من ربقة السيطرة الإلامية، وعرفت أسرتهم اصطلاحًا باسم الأسرة البابلية الرابعة، ومدت جيوش أشهر ملوكهم نبوخذ روسر "نبوخذ نصر الأول"٢ جناحيها شرقًا للانتقام من الإلاميين وغربًا لإرهاب بقايا الأموريين وخلفائهم الأراميين، لولا أن هذه النهضة البابلية لم يطل أمدها، وتعرضت بابل مرة أخرى لهزات عنيفة أتتها من قبل دولة آشور التي

стр. 569

نضج كيانها في المرحلة الثانية من عصرها الوسيط، وهزات أخرى أتتها من قبل الأراميين الذين فرضوا وجودهم على العراق فرضًا. وشقت بابل طريقها على وهن، بالحرب تارة وبالمهادنة والمصاهرة والرضا بالأمر الواقع تارة أخرى، حتى بلغ عرشها أحد الأراميين في النصف الأول من القرن الحادي عشر ق. م، واستطاع أن يصاهر معاصره الملك الآشوري ويضمن مهادنته، ولكنه لم يستطع أن يكفل الأمن الداخلي في دولته. وأحدثت التحركات الأرامية القبلية الداخلية كثيرًا من الاضطراب حتى تعاقبت ثلاث أسر حاكمة "من الخامسة إلى السابعة" في نحو نصف قرن، وكانت الأسرة الثامنة التي تلتها أفضل حظًّا في طول أمد حكمها، ولكن كان عليها أن تنتظر مصيرها المحتوم على أيدي الآشوريين في عصرهم الحديث، مما سنعرض لذكره مرة أخرى في سياق الفصل التاسع عشر.

стр. 570

من الحياة الفكرية في العصر الكاسي: اتضحت ظاهرة جديرة بالتسجيل بالنسبة لحضارة أهل العراق منذ أواسط الألف الثاني ق. م أو منذ ما قبلها بقليل، وهي انتشار خطهم المسماري وأساليبهم السامية وطريقتهم في الكتابة على ألواح الطين، انتشارًا واسعًا بفضل البابليين أولًا ثم الحوريين والميتانيين والكاسيين، في المراسلات الدبلوماسية لأغلب مناطق الشام ومناطق آسيا الصغرى، وذلك بحيث لم يتميز عن خطهم وأسلوبهم حينذاك غير خط مصر القديمة وأسلوبها. واستمر الحال كذلك، حتى بعد أن ضعف شأن البابليين والحوريين والميتانيين والكاسيين بفترة طويلة، وذلك مما يعني أن الكتابة بالخط المسماري والأسلوب البابلي أصبحت مجرد تقليد لا يرتبط بالضرورة بسمعة أصحابه الأصليين، وكان شأنها في ذلك يشبه ما أصبحت عليه اللغة الفرنسية حين غدت لغة الدبلوماسية الأوروبية إبان ازدهار ملكيتها وإمبراطوريتها ثم استمرت كذلك حتى الحرب العالمية الثانية بعد أن انكمشت سمعة فرنسا وزعامتها بزمن طويل. والطريف أن الإلاميين على الرغم من سعيهم المتصل لتحطيم بابل ونجاحهم فيما هدفوا إليه من تحطيمها، قد ظهر التشبه بين كتابتهم وكتابتها منذ أواخر القرن الثاني عشر ق. م، أي منذ أن حطموها، وإن كانوا قد قللوا عدد الرموز المسمارية إلى ما يزيد قليلًا عن المائة، وظلت هذه الرموز حتى العهد الأخميني يتشابه نحو خمسها مع كتابة بابل، أي حتى اسخدمت فيها الحروف الهجائية١. ونشأ بعض الظن بظهور اسم العراق في أواخر العصر الكاسي، عن طريق تقريبه من كلمة أريقا التي ظهرت في نصوصهم خلال القرن الثاني عشر ق. م، ولكن لا زال الجدل واسعًا بشأن هذا الاسم، وتميل بعض الآراء إلى اعتباره اسمًا سومريًّا دارجًا يعني الموطن، بينما تميل آراء أخرى إلى اعتباره اسمًا إيراني

стр. 571

الأصل قريب الصلة بكلمة إيراك "على وزن إيران" ويعني معنى السهل أو البلاد السفلى "في مقابل مرتفعات إيران"، أما العرب فقد قربوه إلى معنى الجرف أو السهل وبخاصة في مناطقه الجنوبية١. ويذكر لصيغ التراسل الإدارية في عصر الكاسيين تعبير الرئيس فيها عن نفسه بلفظ الأب، وتعبير الزميل أو الصديق عن صديقه بلفظ الأخ٢، ولو أن ذلك لم يمنع تزلف المرءوسين إلى رؤسائهم وتعبيرهم عن شد خضوعهم لهم في رسائلهم، ومن ذلك أن وصف حاكم إقليم نفسه في رسالة إلى ملكه بأنه التراب الذي يطؤه٣. ومما نشر من لوحات التعامل في عصرهم لوحة تشير إلى رجل سجنه حاكم بلده، فكلفه آخر وقبل الحاكم كفالته فأطلق سجينه، وتعهد الضامن بأن يسلم ثلاثة عشر شاقلا وثلث شاقل من الذهب إلى وسيط لينقلها إلى السجين وزوجته ويسلمانها إلى الحاكم. وأرخ كاتب اللوحة موضوعها باليوم التاسع من تموز، العام الثامن للملك شاجاراكي شورياش "وقد حكم في أواسط القرن الثالث عشر ق. م"٤. ولوحة أخرى تضمنت حكمًا في قضية استعار فيها رجل ثورًا من آخر ليعمل به في نتح الماء، فكسر ساقه. وعندما طالبه صاحب الثور بتعويض عنه ماطله ولم يوفِ بوعده، فقضى الحكم بأن يعوضه عنه من محصول حقله. وأرخ كاتب الجلسة القضية بشهر سيوان، العام الأول للملك العظيم تازي ماروتاش "وقد حكم في أوائل القرن الثالث عشر ق. م". أخرج كتبة العصر الكاسي قوائم بكلمات كاسية وما يقابلها من المفردات البابلية، أي بما يقوم مقام القواميس المقارنة "المتواضعة" ويجري مجرى قوائم المفردات السامية - السومرية القديمة. أما من حيث إنتاجهم الأدبي بمعناه الضريح، فقد ظل أدبًا مقلدًا غير مبتدع، اعتبروا الأصول البابلية فيه نماذج كلاسيكية تحتذى، وترتب على تقديرهم لهذا الأصول أن أدوا للتراث العراقي مأثرة جليلة، ألا وهي نشاط بعض المعلمين والمتأدبين منهم بنسخ لوحات الأدب القديمة، والبابلية منها بخاصة، سواء بأمر الحكام ولمصلحة مكتباتهم، أم لتلبية مطالب هواة الأدب القديم في عصرهم. وقد أصبح لهذا النشاط أثره فيما بعد عصرهم في تزويد المكتبات الآشورية الكبيرة بنماذج تحتذى للنسخ، كان الكتبة الآشوريون يحتفظون في عناوين نسخها الجديدة بأسماء ناسخيها الكاسيين القدامى، فيقولون مثلًا: "محاورة الثعلب" عن ابني مردوك بن لودومونونا، معلم ... ، و"محاور الصفصافة وفقًا "للوحة" أورنانا، معلم ... " ... وهلم جرًّا٥.

стр. 572

وفي إنتاجه الخاص القليل، استخدم الأدب الكاسي أسلوبًا يختلف عن لغة الحديث في عصره، استعاره الأدباء من لغة العصر البابلي الأول، وضمنوه كلمات سامية ظهرت قبله أيضًا١. لأمجدن رب الحكمة: عبر الأدب الكاسي عن حياة القلق والمحن التي عاشها أهله في نهاية عصرهم وما تلاه، بتوجعات ومنظومات غلبت عليها نغمة الشك والحزن، وإن انتهت في أغلب أحوالها بالخضوع للواقع، والتسليم بحكمة الرب فيما يبتلى به عباده من سراء ومن ضراء. ولم يكن هذا الاتجاه جديدًا تمامًا على آداب بلاد النهرين، فقد خرجت بمثله عهود الأزمات حين انهيار دولة أور، وخلال عهود القلق التي انتهى بها عصر إسين - لارسا، ولكنه أصبح أظهر وأشد مررة في العصر الكاسي. ومما يستشهد به في هذا السبيل، منظومة طويلة لسرى لاقى في حياته ما لاقاه أيوب في عصره، نعمة قصيرة وضراء طويلة، ثم أبل أخيرا بعد أن عز عليه الدواء. وأكد الرجل في توجعاته ما يعني أن المؤمن مصاب وأن القدر إذا انحط بكلكله على إنسان حطمه، أو على حد قوله عن ربه "ثقلت يده عليَّ فلم احتملها". ولم تحتفظ مقدمة منظومته بعنوانها، ولكن يفهم مما بقي منها أنها اشتهرت باسم "لود - لول بل - نميقي" وبما يعني "لأمجدن رب الحكمة"٢. وصور الرجل في بدايتها مكانته الأولى حين كان ذا لقب وجاه وأسرة. مزارع وأتباع، وتحدث عن تقواه إزاء الأرباب وإخلاصه لملكه، وحسن معاملته لقومه، ثم صور كيف انقلب ذلك كله إلى عكسه، فذهب الجاه وتمرد الأتباع وتنكر الأصدقاء ونضبت العافية وكلح وجه الدنيا وادلهم، فعاش عيشة السوائم، وهجره ربه ومكن الناس منه فحطموه وسحقوه دون ذنب يعرفه. وقال وهو يعترف بعجزه عن فهم حكمة الغيب وتصاريف القدر: "هديت بلدي إلى شعائر الرب، ودعوت قومي إلى تمجيد الربة، ومجت الملك كما مجدت الرب، ووجهت الناس إلى إجلال القصر، وظننت أن هذا يرضي الإله، ولكن يبدو أن ما يظنه المرء صوابًا قد يكون مسيئًا لربه، وما يتراءى للإنسان قبحه قد يكون حسنًا عند ربه. فمن ذا الذي يدرك إرادة أرباب السماء؟ ومن ذا الذي يدرك تدبير آلهة الأعماق؟ وأين عرف الناس سبيل الرب حقًّا؟ إن من عاش الأمس مات اليوم وفي برهة هلك وفجأة انسحق. يهلل الناس ويفرحون حينًا، وفجأة ينوحون كالنادبات. تتغير أحوالهم ما بين فتحة ساق وانطباقتها؛ يجوعون فيغدون كأنهم جثث هامدة، ويشبعون فيزاحمون أربابهم. في السراء يتطاولون إلى السماء، وفي الضراء يهوون إلى الجحيم. لقد عجزت "وأيم الحق" عن كنه هذه الأمور وما أدركت لها مغزى"٣.

стр. 573

واسترسل الرجل في توجعاته، ولكنه أنهى شكاواه بما جعله يمجد رب الحكمة، إذ تواردت الرؤى عليه، وتجلى له فيها رسل ربه الأكبر، فحملوا له أنباء عفوه، ثم تجلى له ربه مردوك بنفسه فباركه وشفى علته في النفس والبدن وجعله يوقن بحكمته في بلائه وبأن العقبى للأخيار مهما توارت عليهم المصائب. بين يائس وواعظ: هذه قصيدة أخرى ضمنها ناظمها وجهتي نظر في تصاريف القدر وحظوظ البشر، وأجرى أفكارها على لسان صديقين، صديق يبرح به وعانى ألوانًا من العذاب، وأخذ يتكلم باسم الواقع ويعبر عن مرارته، ويبحث عمن يسمع له ويتفهم غرضه من شكواه. وصديق آخر مجامل متفائل يتكلم باسم الدين ويدعو إلى الصبر وإلى الثقة بعدالة الرب. ناء أولهما بزمانه الذي يبجل الثري اللئيم، وليس فيه من يأخذ بيد المستقيم، وتساءل: "هل "ترى إلى" الأسد الفاتك الذي ينعم بأكل خير اللحوم يقدم قربانًا وبخورًا لربته ليهدئ غضبها "ويجعلها تناصره"؟ ". فيرد الآخر بقوله "إنه عدو القطيع، ذلك الأسد الذي نوهت به، وتذكر أنه من أجل زئير الأسد تحفر له الحفر، وذاك الذي تقول إنه اجتبى بالثروة وتكدست خيراته، قد يهلكه الحاكم ويجعله طعامًا للنار في وقته المعلوم، فهل تريد أن تسلك سبيلهم؟ أجمل بك أن تتوخى رضا الرب ... ". وهنا يقول الأول: "منذ طفولتي بحثت عن تدبير الرب، وفي خشوع وتقوى تلمست الربة، ومع ذلك حملت بأنواع السخرة دون فائدة، وأعطاني الرب حرمانًا عوضًا عن الغنى". فيجيب الآخر: "لقد أبيت الحق، وضللت عن تدبير الرب، ولا تحسبن أن إرادة الإله تسير وفق رغبة نفسك، فإنما الطهر الحقيقي للربة هو الذي أهملته، ... وأمر الرب والربة لم يبلغ منك القلب"، إلخ١. التابع الساخر: قريب من الضياع السابق الذي تاه الناس فيه بين الخطإ وبين الصواب، ورأى الإنسان الشر فيه في موضع الإحسان، والإحسان فيه في موضع الإساءة، حوار ساخر أجوف بين سيد وعبده، صور الشك في القيم الاجتماعية السائدة، وجعل العبد صوت سيده، والسيد أسير تملق خادمه. وصور لكل شيء وجهين، كلاهما مقنع ولكنه مغرض. ويبدأ الحوار بقول السيد في تعاظم: "عبدي، أصغ إلي". فبرد العبد مطيعًا: "لبيك مولاي، لبيك". ويقول السيد متحمسًا: "أعد لي العربية فورًا فلسوف أنطلق إلى القصر". ويجيب التابع محبذًا "انطلق مولاي انطلق، فلسوف يتحقق لك كل ما ترجوه، وسوف يكون الملك حفيًّا بك". فلا يلبث السيد أن

стр. 574

ينكص قائلًا: "كلا عبدي، لن أذهب إطلاقًا" ... فيطاوعه التابع قائلًا في تخابث "لا تركب، مولاي، لا تركب، فقد يرغمك "الملك" على سلوك طريق لا تعرفه، ويريك صنوفًا من الشقاء بالليل والنهار". ويسترسل السيد والتابع في اقتراحات أخرى، لا يلبث كل منهما حتى ينقضها بنفس الإيمان الذي قبلها به. ومنها أن يقول السيد: "لسوف أقدم معروفًا لبلدي" فيجيب التابع: افعل سيدي افعل، فمن فعل معروفًا لبلده وضعت أعماله في دائرة مردوك". وهنا ينكص السيد قائلًا: "كلا يا عبدي لن أفعل معروفًا لبلدي". فيجد الخادم الرد جاهزًا ويقول: "لا تفعل سيدي لا تفعل، وانطلق إلى الخرائب وجس خلالها، وانظرإلى جماجم الأعالي والأسافل، فلن تفرق فيها بين خير وآثم". ويقول السيد: "لسوف أحب امرأة"، فيجيب التابع على عادته "نعم أحب مولاي، أحب، فمن أحب نسي السقم والهم". ولكن الرجل لا تفارقه رح التردد فيقول: "كلا، عبدي، لن أحب امرأة"، ولا تفارق العبد الحجة لتبرير تردد سيده فيقول: "لا تحب مولاي، لا تحب، فالمرأة بئر "عميق"، خنجر حاد النصل يحز في عنق الرجل". وبعد أن يدور الرجل وظله في حلقه مفرغة لا يعرفان معها ما يحسن فعله وما لا ينبغي عمله، يسأل السيد: "وأين إذن الصواب يا عبدي؟ " فيجيب العبد: "هو أن تدق عنقي وعنقك، ثم يلقيا معًا في النهر". وهنا تملكت روح الجبن والأثرة السيد فقال: "كلا عبدي، لسوف أقتلك أنت وأرسلك أولًا"، فأجابه العبد وهو مطمئن إلى عجز سيده عن البقاء بدونه عجزه عن التفكير وعن التنفيذ بمفرده: "وهل يستطيع مولاي أن يعيش أيامًا ثلاثة بدوني؟ "١.

стр. 575

الفصل التاسع عشر: آشور أ- المراحل الأولى: العصر العتيق- العصر القديم ... الفصل التاسع عشر: آشور أ- المراحل الأولى: امتدت منطقة آشور في عصورها الأولى فيما بين نهري الزاب الأكبر والزاب الأصغر، وأطلت على نهر دجلة بضفتيه، وتكونت في مجملها من تلال وهضاب جيرية، ولكنها لم تعدم أمطارًا مناسبة، وانتفعت بسهولة خصبة متفرقة حول أربيل وكركوك وعلى ضفتي دجلة. واشترك في اسم آشور كل من أرضها وعاصمتها ومعبودها الأكبر وسكانها الأوائل، مع تحويره في التشكيل والنطق بين كل حالة وأخرى، مثل. آشور وآشور، وذكرت الألواح المسمارية أرضها باسم "مات آشور" وهذه قد تكون ذات صلة بالتسمية السومرية A. Usar، وذكرت أهلها باسم آشوريو. وانتشرت عبادة ربها آشور عن طريق الجاليات التجارية حتى أعالي دجلة وآسيا الصغرى بحيث تداخل اسمه في أسماء بعض الأفراد في منطقة كبادوكيا. ووردت تسمية آشور في بعض النصوص الأرامية بلفظ آثور. وذكرتها النصوص المصرية باسم "إسر" و"إسور". في العصر العتيق: عاصرت العاصمة آشور التي قامت فوق ربوة صخرية تحف بها مياه دجلة والتي قامت على أنقاضها قلعة الشرقاط الحالية، أواخر عصر بداية الأسرات السومري، وتعاملت مع أهله ومن تلاهم من الأكديين وانتفعت بحضارة هؤلاء وهؤلاء، لا سيما قواعد الكتابة المسمارية، وخلطت بين فنونهم وبين فنونها المحلية البسيطة. واعترفت بنفوذهم في عهود قوتهم، ولعلهم سلكوها حينذاك فيمن سموهم السوباريين "وأهل سبارتو، والسوبارتو". ثم اتضحت أسماء ملوك آشور منذ القرن الحادي والعشرين ق. م أو منذ ما قبله بقليل، وفيما يعاصر دولة أور الثالثة١، وامتاز منهم حينذاك بوزور آشور "الأول"، وشروكين "سرجون" الأول، وهو اسم سامي الصبغة. ويسمى عصر أولئك الملوك اصطلاحًا باسم العصر الآشوري العتيق، وقد امتدت فيه اتصالات آشور وتجارتها شيئًا فشيئًا حتى بلغت آسيا الصغرى. في العصر الآشوري القديم: بدأ الآشوريون وجهًا آخر من تاريخهم بعد أن احتكوا بالهجرات الحورية في أواخر القرن التاسع عشر ق. م وأوائل القرن الثامن عشر ق. م، وبدأت بينهم أسرة حكم جديدة يسمى عصرها اصطلاحًا باسم

стр. 576

العصر الآشوري القديم، وهي أسرة غلبت الصبغة السامية على بعض أسماء ملوكها أكثر مما كانت عليه في العصر العتيق مثل: إيلوشوما، وشمشي أداد، ويشمع أداد ... ، وعاصرت في بدايتها عهود إسين - لارسا ونشأة دولة بابل. واحتفظت أرضها ببضعة نماذج لفن النحت في عصرها اتصفت في مجملها بالخشونة وظهر أصحابها بالنقبة القصيرة دون العباءات الطويلة المعروفة للخاصة في بقية بلاد العراق١. وعندما بدأت أحوال العراق تهتز لمولد الدولة البابلية حاول الآشوريون أن يكون لهم شأن في أحداث عصرهم فاشتبكت جيوش ملكهم إيلوشوما مع جيوش مؤسس الأسرة البابلية "سوم أبوم"٢، ولكن بغير نتيجة حاسمة. ثم مضت كل من الدولتين في طريقها، حتى حاول الملك الآشوري شمشي أداد "١٧٢٦ - ١٦٩٤"٣ أن يحقق لدولته كيانًا ينافس به دولة البابليين. واتخذ نينوى عاصمة لأول مرة، واتسع غربًا ناحية دويلة ماري ووجدت له عدة رسائل في أرضها، وروت نصوصه أنه تلقى في عاصمته جزى ملوك توكريش وملوك القطر الأعلى، وأنه أقام نصبًا باسمه العظيم في منطقة لبنان "لا - آب - آ - آن" على شاطئ البحر الكبير، وإذا صحت روايته الأخيرة هذه كان توسعه هو أقدم توسع آشوري معروف في بلاد الشام٤. وربما عادت إلى هذه الفترة بضعة نصوص وجدت في كبادوكيا بآسيا الصغرى وكتبت باللهجة الآشورية القديمة٥. ولكن هذا الفاتح الآشوري ما لبث حتى اعترف مضطرًا بنفوذ معاصره الكبير حمورابي البابلي وأرخ رجاله وثائقهم باسمه إلى جانب اسمه٦ ... ، وأخذت آشور حينذاك بالفن البابلي في أساليب النحت ونقوش الأختام٧. واستعار كهنة دينها بعض صفات مردوك رب بابل وخلعوها على معبودهم آشور، وأضافوا أن مردوك خصص من أجله منذ الأزل آلهة الأقاليم الأربعة حتى يمجدوه ولا يتهرب من عبادته أحد٨. واعتبروا إشتار "عشاتر" زوجة له ولقبوها بلقب بعليت بمعنى السيدة أو الربة أو الملكة، وخلعوا عليها طابع الحرب وصوروها بقوس وسيف ٩. واستردت آشور كيانها المتفرد بعد سقوط أسرة بابل الأولى، ولكن ظل دورها ثانويًّا في أحداث عصرها وفيما يوازي أغلب العصر الكاسي. وذكرتها النصوص المصرية لأول مرة في القرن الخامس عشر ق. م

стр. 577

باسم "آشور" خلال عهد الفرعون تحوتمس الثالث وذكرت أن أميرها أهدى إليه كمية من اللازورد الحر وأحجارًا كريمة أخرى١. ولم يكن الآشوريون أسعد حظًّا مع الميتانيين الذين توسعوا في أرضهم حتى كركوك خلال القرن الخامس عشر. ولهذا اكتفوا حينذاك بنظام دويلات المدن. واحتفظت مدينة نوزي "إلى الشرق من كركوك" بعدد من لوحات التبني والوصايا والبيوع الآشورية، كتبت باللغة الأكدية وتحتمل نسبتها إلى أواسط الألف الثاني ق. م، ويتعهد المتنبي فيها عادة بضمان نصيب ربيبه في تركته، بحيث يصبح وريثه الشرعي والمسئول عن تماثيل معبودات أسرته، إن لم ينجب ولدًا من صلبه، فإن أنجب ولدًا حقت الأولوية للابن الشرعي وحق له أن يتولى رعاية تماثيل معبودات أسرته، وهنا قد يجعل الموصي لولده الشرعي سهمين من التركة ولربيبه سهمًا واحدًا، أو يجعل لكل منهما سهمًا بشرط أن يختار الابن الشرعي نصيبه بنفسه، وقد يتبنى الرجل زوج ابنته الوحيدة ويحفظ لها ممتلكاته العقارية عن طريقه، وهنا يحذره في وثيقة التبني بحرمانه من الإرث والتبني إذا طلقها، فضلًا عن تغريمه بغرامة كبيرة "تبلغ عادة مينه من الذهب ومينه من الفضة". وقد يكون التبني صوريًّا كذلك يتحايل به صاحب الأرض على بيع أرضه لشخص آخر من غير أسرته، فيتبناه ويهبه أرضه، ولكنه يحفظ حقه عنده بأن يشترط عليه من جهة أخرى أن يتولى إصلاحها لحسابه، ويفرض عليه شرطًا جزائيًّا إن أخل بتعهداته نحوه، وغالبًا ما يكون أجر الإصلاح والشرط الجزائي هما ثمن الأرض٢. والطريف أن المجتمع الإغريقي قد لجأ إلى ما يشبه هذه الإجراءات بعد قرون طويلة من بدأ الآشوريين بها ليتحايل على تقاليد عدم توريث العقار للابنة وعدم بيعه لفرد من خارج العائلة.

стр. 578

ب- في العصر الأشورى الوسيط مدخل ... ب- في العصر الآشوري الوسيط: ظل الآشوريون على مهادنتهم الظاهرية للبابليين والكاسيين والميتانيين على التعاقب، حتى تعرضت دولة الميتان لهجمات عنيفة من جيرانها الخاتيين "الحيثيين" خلال القرن الرابع عشر ق. م، وبدأت تضعف تحت ضرباتهم وتخسر سلطانها شيئًا فشيئًا، ففاقت آشور غلى نفسها وظهرت فيها أسرة حاكمة جديدة في الربع الثاني من القرن الرابع عشر ق. م، يسمى عصرها اصطلاحًا باسم العصر الآشوري الوسيط. واستطاعت هذه الأسرة أن تحالف الخاتيين ضد الميتان، وانتقمت لنفسها من هؤلاء الأخارى بهجمات سريعة مخربة "انظر ص٤٩٣"، واستطاعت في الوقت نفسه أن ترتبط بالأسرة البابلية "الكاسية" برباط المصاهرة، وعلى أساس علاقات الند للند، وأصبحت ضلعًا في مشكلات وراثة العرش في بابل نفسها "راجع٤٩٠"، ولكن البابليين الكاسيين تقبلوا نشاطها على حذر، وقد أسلفنا بعض شواهد هذا الحذر حين أوفد الآشوريون سفارتهم إلى الفرعون المصري آخناتون فاحتج البابليون الكاسيون على جرأتهم وأصر ملكهم على أنهم لا يزالون من أتباعه "راجع ص٤٩٠".

стр. 579

وانفسح السبيل أمام الآشوريين بعد انهيار دولة الميتان تحت ضغط الحيثيين في عام ١٣٦٥ق. م فبرزت بينهم أسماء ضخمة لم يحتفظ التاريخ منها للأسف بغير أسماء الملوك كعادته١، ومن أوائلهم آشور أو بالليط الأول "١٣٦٣ - ١٣٢٨ق. م". وشهدت آشور تحت زعامتهم مرحلتين للتوسع:

стр. 580

المرحلة الأولى: وهذه استمرت خلال القرن الثالث عشر ق. م، وقدرت آشور فيها بأس جيرانها الخاتيين الأشداء ونفوذهم في أعالي الشام، فاكتفت بالتوسع في منطقة الجزيرة وتدعيم حدودها القريبة. وكشفت عن وجه العداء لبابل فهاجمتها جيوشها وخربتها أكثر من مرة، واحتلتها في إحدى المرات. وذهبت آمال بعض ملوكها إلى حد العمل على توحيد بلاد النهرين تحت سلطانهم، فتلقبوا بلقب "ملك سومر وأكد"، وكان أشهرهم شلمانصر الأول "١٢٦٦ - ١٢٤٣ق. م". وولده توكلتي نينورتا الأول "١٢٤٣ - ١٢١٠ق. م". فقد شهدت بوادي الشام والعراق تحركات سامية جديدة منذ أواسط الألف الثاني قبل ميلاد المسيح، واتجهت هذه التحركات بأطماعها ناحية الهلال الخصيب منذ القرن الرابع عشر، ووضحت تجمعاتها القبلية حينذاك في ناحية الفرات الأوسط شرقًا وفي أواسط سوريا وشرقها غربًا. وأشارت النصوص الآشورية "والمصرية" إلى قبائلها في مجموعها باسم الأخلامو واسم السوتو. وذكرت نصوص الملك الآشوري أريك دين إيلو انتصاره على الفريقين في أواخر القرن الرابع عشر أو أوائل القرن الثالث عشر ق. م١. وكانت قبائلهم قد تعدت الفرات حينذاك، ويبدو أنها حملت معها إلى العراق بعض العبرانيين المستضعفين؛ إذ ظهرت في لوحات نوزي القريبة من آشور أسماء عبرية الصبغة مثل هامانا وإيليا٢، وتضمن بعضها عقود استرقاق عبرت عن الطريقة التي تسلل العبرانيون بها إلى أرض العراق واستقروا فيها، فقالت إحداها: "برغبته دخل مار إديجلات العبري من أرض آشور، "دار" تهب تيلا، باعتبار، عبدا"، وشهد على هذه اللوحة كاتبها وأحد عشر شاهدًا٤. وقالت أخرى: "برغبتها دخلت سين بالطي العبرية دار تهب تيلا باعتبارها أمة، فإذا نقضت عهدها ودخلت بيت سيد آخر، فقأ سيدها عينها وباعها"٣. ولم يقنع المهاجرون الساميون طويلًا بالحياة القبلية ولم يكتفوا بالتسلل إلى مواطن الحضارة والخصب والعمران، وإنما أخذوا يتجمعون شيئًا فشيئًا في إمارات، وعرفتهم النصوص الآشورية حينذاك باسم الأراميين إلى جانب اسمي الأخلامو والسوتو القديمين. ولعلهم طمعوا في شغل ما شغله الميتان من قبل في شمال شرق سوريا وغرب الفرات، لولا أن نازعهم فيها كل من الآشوريين وبقايا الحيثيين. ومثل الآشوريين في هذا النزاع شلمانصر الأول الذي روت نصوصه عن قتال جيوشه للأخلامو والأراميين

стр. 581

وبقايا الحيثيين أيضًا، ثم ولده توكلتي نينورتا الذي روت نصوصه أنه هاجم ماري وأرض خانا "عنات" وأرض راكيبوا وجبال الأخلامو. وتكررت الحروب في عهد آشور رش إيشي ضد أذخلامو، ولكن استمرت هجرات الأراميين تترى ولم تنقطع١. وأكد الفن الآشوري في هذه المرحلة الأولى من العصر الوسيط أسلوبه الخاص في التعبير عن عقائد قومه، وعن طابع النقش والعمارة بعد أن هضم عدة عناصر استعارها من جيرانه، لا سيما الميتان الذين كانوا واسطة حضارية لنقل فنون الشام ومصر إلى العراق. فمن التعبيرات الخاصة بهذه المرحلة أن قللت النقوش الآشورية تصوير أرباب قومها بصورهم البشرية واكتفت بالرمز إليهم برموزهم المادية والمعنوية، ومن هذا القبيل تصوير الملك توكلتي نينورتا ساعيًا محييًا، وجاثيًا داعيًا، أمام مائدة يعلوها شكل مستطيل يشبه الشراع العريض يرمز إلى المعبود "نوسكو"٢. وتصوير ملك آخر يتقبل خضوع أتباعه على حين تطل عليه من عل عدة رموز مقدسة يتميز منها كفا المعبود آشور تبرزان من بين السحب وتمسك إحداهما قوسًا دلالة على طابع الحرب فيه، وتمتد الأخرى مبسوطة ناحية الملك كأنهما تباركه وتعبر عن رعاية صاحبها له٣. ثم ملك ثالث صور هو وجنوده في ساحة القتال يطل عليه وقرص يشرع قوسًا، يرمز غلى المعبود آشور المحارب، ومن حوله ذرات مطر تتساقط من السحب وتمثل الجانب الخير للمعبود نفسه٤. وليس ما يعرف عما إذا كان صدوف الآشوريين في مثل هذه المناظر عن تجسيد أربابهم بصور محسوسة يدل على إمعانهم في تعظيمهم، أم كان نتيجة لنزعة طوطمية طرأت عليهم٥. وجرى الفنانون على الاتجاه نفسه في نقوش مناظر التعبد على الأختام، فقللوا من تصوير الأرباب فيها، بما كتفوا في أغلب الأحيان بتصوير التعبد أمام واجهات المعباد ومقاصيرها وزقوراتها، أو على الأكثر أمام تماثيل الرموز الحيوانية وغير الحيوانية لمعبوداتها٦. وذلك في نفس الوقت الذي أزادوا فيه تصوير قتال الكائنات الخرافية ومناظر الصيد والحيوانات والأشجار، مع شيء من العناية بتفاصيل عضلات الإنسان والحيوانات، وتفاصيل الشعور والأجنحة. ونجحوا في التعبير عن مظهر الغضب وقوة الافتراس في هذه الكائنات فخلعوا عليها حيوية مقبولة. وأحاطوا بعض صورها بأطر زخرفية، وأرفقوا القليل منها بنصوص أفقية٧.

стр. 582

ومارس الفنانون بضعة عناصر فنية جديدة انتقلت إليهم عن طريق الميتان كذلك ثم طوروها، وتمثلت فيما يرى هنري فرانكفورت في أربعة عناصر عقائدية وزخرفية ومعمارية، كان منها أن جروا على الرمز إلى بعض أربابهم، أرباب الحرب وحماة الملكية، بهيئة قرص مجنح١. انتقل إليهم فيما يغلب على الظن من مصر القديمة عن طريق الميتان أو السوريين. وأكثروا من تصوير شجرة الحياة المقدسة، وتصوير الكائنات الخرافية ذات الشوشة على رأسها. ويرى فرانكفورت أنهما عنصران دخلا الفن الآشوري خلال سيطرة الميتان على "جزء من" آشور، ويتمثل مجهود الآشوريين في تطوير العنصر الأول منهما في اعتبار شجرة الحياة عنصرًا زخرفيًّا خالصًا في رسومهم ونقوشهم٢ "على الرغم من وضوح دور الشجر في عقائدهم الدينية بحيث كانوا يقيمون في عيد رأس السنة ساق شجرة عاريًا ويثبتون فيه أوراقًا وثمارًا معدنية"٣. ومارس الآشوريون مهارتهم في صناعة الخزف وزخارفه، وهذه يحتمل أنها خرجت من مصر بعد أن بلغت ذروتها في أيام الدولة الوسطى وانتشرت منها إلى كريت ورودس وسوريا ثم العراق، منذ عصر الهكسوس والهجرات الآرية، وهو عصر تخلخلت فيه الحواجز الدولية التقليدية, ويرى فرانكفورت أن تجديد الآشوريين في هذه الصناعة يتمثل في استخدام الخزف لتكسية الجدران٤. ولكننا نضيف أن المصريين القدماء استخدموه لنفس الغرض في تكسية جدران بعض حجرات ودهاليز الجزء الأسفل من الهرم المدرج في سقارة قبل ذلك بأكثر من ألف وخمسمائة عام. أما العنصر الرابع المعماري المستجد في هذه العصر الآشوري فيتمثل في تأزير الأجزاء السفلى من بعض جدران القصور بلوحات حجرية، سمح لهم بها توفر الأحجار في هضابهم وفي المرتفعات القريبة منهم، أكثر من توفرها فيما دون أرضهم من بلاد العراق. وجرى الملوك الآشوريون على عادة مواطنيهم ملوك بلاد النهرين في تعمير المعابد والزقورات وبناء الجديد منها، وكان عهد توكلتي نينورتا من أنشط العهود في هذا السبيل، فجددت في عهده معابد كثيرة للمعبودات آشور وشمش وسين وآنو وأداد وإشتار وغيرهم٥، وتهدمت هذه المعباد ولم يتبق منها غير رسوم قليلة تعرف الأثريون منها على تجديدات طفيفة في فنون عمارتها، ومنها بناء الزقورة على مساحة مربعة، وبداية الطرق المفتوحة ذات الدرجات المؤدية إليها بمدخل معقد، ثم الاتجاه شيئًا فشيئًا إلى الاستغناء عن استخدام هذه الطرق والاستعاضة عنها بالوصول إلى مسطح الزقورة عن طريق معبر يؤدي إليه من

стр. 583

سطح المعبد الأراضي المجاور لها أو من سطح بناية تقوم مقامه، وأخيرًا وضع تمثال المعبود داخل مقصورته فوق صفة عالية يؤدي إليها درج، رمزًا إلى ارتفاع شأنه واتساع ما بينه وبين خلقه، ثم احتمال وجود مشكاوات فرعية ملحقة بمعبد رب الدولة آشور، لأرباب آخرين مثل مردوك البابلي الذي خرب توكلتي نينورتا عاصمته بابل ونقل تمثاله منها إلى آشور١. وليس ما يعرف عن ارتفاع الزقورات في هذه المرحلة، ولكن يحتمل من مناظرها في نقوش الأختام أنها كانت تتألف من أربع أو خمس طبقات٢. وصورت واجهات المعابد تحف بها صروح أبو أبراج عالية٣، وتحلي سطوحها حليات معمارية بسيطة مدرجة ذات زوايا قائمة شاعت أمثالها في الحليات العلوية المسننة لعمائر الشرق الأدنى فيما تلا ذلك من عصور، لا سيما في الحصون، ولا تزال أشباهها تتمثل إلى حد ما في الحليات المسننة التي تعلو المساجد حتى الآن، وكانت تحف بمداخل المعابد الآشورية أحيانًا تماثيل حيوانية ترمز إلى معبوداتها الكبرى٤، وتؤدي غرض الحراسة الرمزية لها فضلًا على ما تضفيه على المدخل من عنصر الزينة. وشهدت آشور مقرين ملكيين جديدين في هذه المرحلة: مدينة كالح على الضفة اليسرى لنهر دجلة "في مقابل آشور ولكن على مبعدة منها على ضفته اليمنى" في عهد شلمانصر الأول، وامتد عمرانها فوق لسان خصب بين الدجلة وبين الزاب الأكبر، ثم مدينة أخرى شيدت في عهد ولده ونسبت إليه فسميت "كارتوكلتي نينورتا"، وقامت على مبعدة ميلين من آشور. وشاد له رجاله فيها قصرًا بقيت منه أطلال طفيفة يفهم منها أنهم زخرفوا بعض جدرانه بقطع من القاشاني المزخرف ولوحات مرسومة اقتبسوا موضوعاتها من عالم الإنسان والحيوان والنبات ومن الخطوط الهندسية٥، ونجحوا في تحقيق التناسب والحيوية فيها إلى حد مقبول، وصوروا فيها الملك يقاتل بعربته الحربية منفردًا حينًا، ويشترك معه جنوده في الحرب الفعلية حينًا آخر٦. وأعقبت النهضة الآشورية الأولى في عصرها الوسيط فترة انتكاس، غاضت فيها أحداث التاريخ الآشوري وضعف فيها أن الملوك واضطرب أمن دولتهم، على الرغم من أن ظروف التوسع الخارجي كانت مهيأة لهم بعد أن انهارت دولة الخاتيين "الحيثيين" تحت ضربات الهجرات الآرية الكاسحة التي عرفت اصطلاحًا باسم شعوب البحر، في أواخر القرن الثالث عشر ق. م. ويبدو أنه وقف في سبيل استمرار النهضة الآشورية عدة عوامل داخلية وخارجية، كان منها تكرار النزاع على عرشها، والتمزق الداخلي في أرضها، بعد أن اغتيل توكلتي نينورتا في مؤامرة دبرها ولده وكان اغتياله بداية لتحلل كيان حكم أسرته.

стр. 584

وكان منها أن شعوب البحر التي حلت محل الحالتين كانت لا تزال في عنفوان شدتها فظلت مصدر رعب لجيرانها، وأن هجرات سامية جديدة بدأت تغذي قوة الأراميين في العراق، وأن بابل لم تن عن محاولة استرداد كيانها والانتقام لنفسها. ونكتفي هنا بالبابليين. فقد سارعت بابل بعد اغتيال فاتحها الآشوري توكلتى نينورتا بمحاولة النهوض من كبوتها، فشنت هجومًا خاطفًا على الآشوريين فتكت فيه بملكهم الجديد وحاصرت عاصمته واستردت كرامتها الدينية باسترداد تمثال معبودها الأكبر "مردوك"، وقنعت بما أحرزته من نصر سريع، لتقي أطرافها الجنوبية من الإلاميين "العيلاميين"، ولكن نشاطها ضد هؤلاء وهؤلاء كان فيما يبدو أشبه بنضال اليائس؛ إذ ما لبثت أن انهارت تحت ضغطهما، ودمرها العيلاميون وقضوا على أسرتها الكاسية في نهاية القرن الثاني عشر، وتبع ذلك ما أوجزناه "ص٤٩٣ - ٤٩٥" من جهاد بابل جهاد مستميت في سبيل النهوض، ومقاومتها للعيلاميين حتى أجلتهم عن ديارهم، ثم مناطحتها للآشوريين وانتصارها عليهم مرة وانكماشها أمامهم أخرى.

стр. 585

المرحلة الثانية: بدأت مرحلة التوسع الآشوري الثانية في خلال العصر الوسيط بعهد تيجلات بيليسر الأول "١١١٤ أو ١١١٢ - ١٠٧٦ق. م"، ذلك الذي وصف نفسه١ بأنه الملك الحق "لوجال كالاجا" "وفي الأكدية شارو دانو"٢، ملك العالم، ملك آشور، ملك الأطراف الأربعة، البطل الهمام المؤيد بوحي آشور ونينورتا والأرباب الكبار سادته الذين دحروا أعداءه. وقد انفسح السبيل أمام آشور في هذا العهد نتيجة لظاهرتين، وهما، انكماش القوة المصرية الضاربة بعد كفاحها العنيف مع شعوب البحر ونتيجة لمشاكلها الداخلية، وانكماش نفوذها بالتالي في بلاد الشام، ثم خمود حمية شعوب البحر خلفاء الحيثيين في آسيا الصغرى وزوال رهبتهم من نفوس جيرانهم. وترتب على هاتين الظاهرتين أن روت حوليات تيجلات بيليسر الآشوري أن آشور وبقية أربابه العظام منحوه البأس والسلطان وأوحوا إليه بأن يعمل على توسيع حدود أرضهم، وأنه أخضع اثنين وأربعين شعبًا وحارب ستين ملكًا وانتصر عليهم، وأنه هاجم أرض ناييري "في أرمينيا؟ " وأجبر أمراءها الثلاثة على أن يسجدوا لدى قدميه، واحتجز أبناءهم رهائن عنده٣، وأنه بلغ جبال لبنان "شادي لبناني" وغزا

стр. 586

أرض أمورو، وتلقى جزى جبيل "جوبال" وصيدا "صيدونى" وأرواد "أرمادا"، ثم هاجم أرض خاتي الكبرى وفرض الجزية على ملكها إيل تيشوب١، وغزا الصحراء بخيله ورجاله وبعون ربة آشور، وهاجم الأخلامو والأراميين ثماني عشرة مرة من أرض سوخي حتى مدينة قرقميش وأسر منهم وقتل ونهب، وانتصر على ست مدن على سفح جبل بشرى وحرقها ودمرها ونقل غنائمها إلى آشور٢، كما عبر الفرات مرتين في عام واحد ليدحرهم، وتغلب عليهم ابتداء من تدمر في أرض أمورو، وعنات في أرض سوخي، حتى مدينة رابيقو في كاردونياش "بابل؟ "٣. وجرب حظه مع بابل نفسها فانهزمت جيوشة أمام جيوش ملكها "ماردوك نادين أخى" حينًا، وانتصرت عليه حينًا آخر ودخلتها لأمد قصير٤. وبلغ من ثقة تيجلات بيليسر بسيطرته على ملكه العريض أن بنى له رجاله قصرين فيما بين سوريا والعراق، في تل برسيب "تل أحمر" وخادانو "أرسلان تاتش" وزخرفوا جدرانهما برسوم حروبه ورحلات صيده وأساطير قومه، وتأثروا فيها بعض الشيء بالأسلوب السوري٥. لم تخل حوليات تيجلات بيليسر من ادعاء واضح في تعداد الشعوب التي أخضعها والتي قد لا يزيد أغلبها عن مدن وقبائل متفرقة، وفي تأكيد انتصاراته المستمرة، إلى جانب أن تعدد حروبه مع جماعات بعينها، مثل جماعات الأراميين، يدل ضمنًا على عدم وصوله معهم إلى نتائج حاسمة. غير أن هذه الحوليات لم تخل في الوقت نفسه من أهمية تاريخية في تصوير مناطق انتشار الأراميين بين قرقميش وتدمر وحدود بابل، ولم تخل من دلالة على خطة رسمت طريق التوسع الآشوري بعد عهده، في مناطق جنوب شرق آسيا الصغرى ولبنان وشمال سوريا، إشباعًا لشهوة المجد، وللاستفادة من أخشابها، وضمان تنفيذ موانيها التجارية لرغبات آشور، أو على الأقل لضمان تعاملها معها، وإن كان تيجلات بيليسر قد عبر عن هذا الضمان بتلقي جزاها. وكانت سياسته في معاقبة أعدائه نبراسًا متواضعًا للقسوة الآشورية حين بلغت عنفوانها، فكررت حولياته أنه حرق مدنًا وشرد أهلها وقطع رءوس زعمائها وعلقها على أسوارها، واعتبر أبناء المستسلمين له رهائن عنده. ولم ينس تيجلات بيليسر حظه من الدنيا، فإلى جانب قصريه السابقين، ذكرت نصوصه أنه استقل سفينه من أرواد وأبحر بها مسافة طويلة، وصاد ما يسمونه فرس البحر في البحر الأعلى. وذكر ما يفهم منه أنه أمر باستيراد نباتات جديدة لتزرع في بساتينه، واستيراد قطعان من الماعز الجبلي لتطلق في ساحات الصيد والقنص المتخصصة له٦.

стр. 587

صاحب فترات الازدهار السياسي والحربي في المرحلة الثانية من العصر الوسيط نشاط مناسب في مجالات العمارة والفن والتشريع، وأخذت آشور تعبر بنفسها عن نفسها في كل هذه المجالات مع الاستفادة المستمرة من جيرانها. ولما كانت عمارة المعابد في العصور القديمة من أهم ما أشبع رغبة الملوك في خلود الذكر والتفاخر، تعددت مشروعاتها الآشورية، ومنها معبد مزدوج في العاصمة آشور للمعبودين آنو وأداد، بدأ في عهد آشور رش إيشي وتم في عهد ولده تيجلات بيليسر الذي ذكرت نصوصه أنه رفع قمته إلى السماء، ويذهب الظن إلى أن برجيه كان يرتفعان نحو أربعة طوابق وأن واجهات جدرانه وأسواره كسيت بالآجر، ثم أعيد بناؤه بعد ذلك أكثر من مرة في العصر الآشوري الحديث. وعثر في نينوى على تمثال لمعبودة فقد رأسه وأغلب ذراعيه وقدميه، ونحته فنان بأسلوب أقرب إلى الأسلوب الواقعي، فمثلها عارية بتقاطيع الجسم الأنثوي العادي، فأصبح على بساطته يتميز إلى حد كبير عن تماثيل المعبودات الآشورية الثقيلة ذات الملابس الكاسية. ومن أهم ما استحدثته آشور في نظمها الإدارية منذ أوائل عصرها الوسيط، تأريخ وثائقها بأسماء كبار شخصياتها على التعاقب واحدًا فواحدًا كل عام، بحيث يبدأ تأريخ الوثائق باسم الملك الحاكم طيلة العام الأول لاعتلائه العرش، ثم يتجدد اختيار أحد كبار موظفيه عن طريق القرعة كل عام، ويلقب بلقب "ليمو" أو شاغل وظيفة "ليمو"١، ولعلها كانت تعني ولايته لأمور التشريع والتوثيق في عام بعينه. ونظمت طريقة اختيار الليمو فيما بعد، فرتبت الوظائف الكبرى في الدولة ترتيبًا تنازليًّا، يبدأ بعد الملك بالوزير "؟ " ثم الترتانو وكبار رجال البلاط والحكومة المركزية ثم كبار ولاة الأقاليم، ويليها كل منهم عامًا واحدًا بعد عام الملك الذي يبدأ باعتلائه عرشه، حتى إذا انتهت القائمة وطال حكم الملك أكثر من ثلاثين عامًا، يبدأ التاريخ باسمه مرة ثانية ويعود الترتيب التنازلي بعده من جديد. ومعروف أن المصريين القدماء كانوا يعتبرون فترة الثلاثين عامًا فترة مثالية لتولي الملك عرشه ويحتفلون بعدها بعيد يعتقدون أن طقوسه تجدد قدرته على بداية فترة حكم جديدة. ولا ندري مدى الرابطة بين هذا التقليد الذي أخذ المصريون به منذ بداية عصورهم التاريخية وبين تحديد فترة الثلاثين عامًا للملك الآشوري. أما تأريخ الوثائق باسم حاكم كبير لفترة عام واحد، فظهر له شبيه فيما بعد في أثينا التي كانت تؤرخ وثائقها باسم من يلي منصب الإبينيموس أرخون السنوي، ولا ندري مرة أخرى مدى الصلة بين هذين التقليدين. وقد يكتفي كاتب اللوحة الآشورية بذكر اسم صاحب الليمو، أو يضيف منصبه إليه، أو يضيف إليه اسم حادثة هامة حدثت في عامه. ومن هذا القبيل أن أرخت هبة عقارية من عهد آشور أو بالليط

стр. 588

"١٣٦٣ - ١٣٢٨ق. م" بشهر كيناته، اليوم السادس، ليمو "أداد ناصر"، ثم وقعت بخاتم "آشور أو بالليط ملك آشور إبن إريبا أداد"١. التشريعات الآشورية: عثر في أطلال العاصمة آشور "قلعة الشرقاط الحالية" على لوحات تشريعية نسخت نصوصها "على لوحات من الصلصال" خلال عهد تيجلات بيليسر الأول في القرن الثاني عشر ق. م، ولكن ذهب ترجيح بعض الباحثين إلى رد أصول تشريعاتها إلى ما قبل عهده بزمن طويل، وربما إلى أواسط الألف الثاني ق. م٢، وسوف نعود إلى مناقشة هذا الترجيح ومعناه. عالجت هذه التشريعات كثيرًا مما عالجته التشريعات العراقية السابقة لها من شئون لأسرة وأمور البيع والشراء والقروض والرهون والاعتداءات على الغير اعتداء أدبيًّا أو ماديًّا٣، ولوحظ من تجديداتها أنها استفادت من العقوبات العامة والخاصة لصالح الدولة، فضمنتها تسخير المذنبين في أعمال الملك "أي في مشاريع الدولة" لفترات تتراوح بين عشرين يومًا وبين أربعين يومًا، وهددت بالخصي والإعدام على الخازوق في كثير من عقوباتها، واشتدت في اشتراط التسجيل والإعلان وإشهاد الشهود في كثير من موضوعاتها، وأجازت رهن أفراد الأسرة ضمانًا للديون، وحرمت الاشتغال بالسحر وجعلت عقوبته الإعدام. ولأمر ما جعلت أمور النساء محورًا لعدد كبير من بنودها واشتدت على سيئات السلوك منهن. فقضت على سارقة المعبد بتنفيذ قضاء ربه فيها، وكفلت لزوجها حق تشويه أذنيها إذا سرقته وهو مريض، أو العفو عنها إذا شاء "٣ - ٤" وحرية افتدائها إذا سرقت شيئًا ذا قيمة من بيت جاره. أو التخلي عنها ليشوه المسروق أنفها بنفسه"٥" وقضت على من تضع يديها على مواطن بتغريمها ٣٠ مينه من الرصاص وجلدها عشرين عصا "٧"، فإذا أصابت خصيته قطعوا إصبعها، وإذا أضرت الخصيتين فقئوا عينها "٨"، ولعلها عنت بذلك سيئات السمعة والسلوك. وقضت على من تجهض نفسها بإعدامها على الخازوق، وتوعدت من يتستر عليها "٥٣". وجعلت التشريعات للزوج ولاية كاملة على زوجته، وسمحت له بأن يعفو عنها إن أخطأت في حقه، أو يطبق عليها بنفسه العقوبات البدنية التي فرضها القانون على مثل حالتها، فإذا كانت هذه العقوبات مما يسبب عاهات دائمة مثل فقء العين أو صلم الأذنين أو الجلد المبرح نفذها أمام القضاة وبحضور موظف مسئول، فإذا أتت أمرًا لم يتناوله القانون جاز له أن يحلق شعرها أو يعرك أذنيها دون عقاب عليه "٥٧ - ٥٩". فإذا شردت عنه وآوت إلى بيت آخر وبقيت به ثلاثة أيام كان له أن يشوه أذنيها أو يعفو عنها، ويجوز له أن يطالب بصلم أذني من آوتها وتغريم زوجها إن كان شريكًا لها بغرامة كبيرة "٢٤".

стр. 589

واعتبرت الزوجة متضامنة مع زوجها في ديونه وأخطائه وجرائمه "٣٢"، واعتبرت ثروة أحدهما ثروة للآخر "٣٥". ونظمت وضع زوجة المحارب الغائب فقضت أن تنتظره خمسة أعوام، فإذا كان لها أولاد ينفقون عليها استمرت في عصمته "٣٦". أما إذا علمت بأسره وكانت غير ذات ولد فعليها أن تنتظره عامين فقط على أن يكفل القضاء لها ما تتعيش به سواء من إيجار أرض زوجها أو داره، أو من معاشات القصر الملكي، ثم يسمح بها بالزواج من آخر، على أن يستردها زوجها الأول إن عاد من الأسر "٤٥". وسمحت لوالد الخطيب الذي فقد ولده بأن يزوج خطيبته لأحد أولاده الآخرين الذين بلغوا العاشرة "زواجًا اسميًّا حتى يكبر؟ "، أو أحد أحفاده من خطيبها المفقود "؟ "، ولا يحق له أن يزوجها بولد دون العاشرة إى برضاء أبيها "٤٣"، وسمحت للأرمل غير ذات الوالد بأن يتزوج أحد أبناء زوجها "من زوجة أخرى؟ " "٤٦". وأصرت التشريعات على خروج الحرائر محجبات من الرأس إلى القدم، لا سيما إذا خرجن وحدهن، وعلى أن تسلك الجواري سبيلهن إذا اصطحبن سادتهن. وأعفت من الحجاب الكاهنات اللائي وهبن عفافهن للمعبد ولم يتزوجن. وحرمته على الإماء والعاهرات تمام التحريم، وإذا استخدمته جردن من ثيابهن وضربن بالعصا وصب القار على رءوسهن. وأوجبت على المواطنين في هذه الحالة أن يقبضوا عليهن محجبات ويشهدوا عليهن، وتوعدت من يتغاضى عن ذلك بجلده وتسخيره وثقب أذنيه "٤٠". واشترطت لحصانة المحظية أن يشهد سيدها خمسة أو ستة من جيرانه على أنها أصبحت زوجته وحينئذ يحق لها أن تتحجب ويحق لأبنائها أن يرثوه في إقطاعيته "٤١". وحرصت على عفاف الزوجات، فقضت بقطع إصبع من يربت على خد أنثى متزوجة، وقطع شفته السفلى إن قبلها "٩"، وقضت بالإعدام على من اغتصب امرأة متزوجة رغمًا عنها "١٢"، وقضت بإعدامهما معًا إن رضيت بما فعله معها. وقضت عليه بما يوازي قضاء زوجها فيها، فإن قتلها قتل، وإن صلم أذنيها خصي وشوه وجهه، وإن عفا عنها عفي عنه "١٥ - ١٦"، وقضت على من يصحب امرأة متزوجة في الطريق بتغريمه تعويضًا لزوجها "٢٢"، وقضت بإعدام القوادة إن دفعت امرأة إلى الفسق رغمًا عنها "٢٣". وحرصت كذلك على سمعة المحصنات، فقضت على من يتهم امرأة بالزنا عند زوجها ويعجز عن إدانتها والاستشهاد على صدق قوله فيها، باستفتاء النهر في شأنه "١٧"، فإذا اتهمها علنًا ولم يأت عليها ببينة وجب ضربة أربعين عصا وخصيه وتغريمه ٦٠ مينة من الرصاص وتسخيره في أعمال الملك شهرًا "١٨". وقضت على من يغتصب فتاة بكرًا بغير رضاها بتجريده من زوجته وتسليمها إلى والد الفتاة لينكحها من يشاء، وبأن يسلمه "المعتدي" مهر البكر، فإن شاء بعد ذلك زوجها له وإن شاء زوجها لغيره "٥٥". وكافحت اللواط فقضت بنكح من يأتيه مع جاره وخصيه "٢٠"، وقضت على من يتهم جاره بأنه مأبون ثم لم يقم البينة على ادعائه، بخصيه وضربه خمسين عصا وتغريمه ٦٠ مينه من الرصاص وتسخيره شهرًا في أعمال الملك "١٩".

стр. 590

ولم تهمل التشريعات جانب المعبودات، قضت على من تثبت عليه البينية بالتجديف وسب المعبد بضربه أربعين عصا، وقضت على من يتهم آخر بهذه الخطيئة ويعجز عن إثباتها عليه، بنفس العقاب البدني مع تسخيره في أعمال الملك شهرًا. وأقرت التشريعات جواز رهن أفراد الأسرة في دين، ولكنها حرمت على الدائن أن يزوج ابنة مدينه الرهينة دون موافقة أبيها "٣٩، ٤٨"، فإن مات أبوها وانتقلت ولايتها إلى أخوتها، أصبح لهؤلاء أن يحرروها من الدين خلال شهر، وإلا جاز للدائن أن يزوجها بمن يشاء "٤٨"، أو بيعها إذا ورد ما يبيح ذلك في نصوص القرض "٤٨"، ولكن حرم على الدائن أن يبيع الرهينة قبل نفاذ الأجل، وقضت عليه بالضرب والسخرة والغرامة وفقد دينه إن فعل، فإن مات الرهين عنده ميتة غير طبيعية عوض أهله عنه بمثله. واشترطت التشريعات للبيوع العقارية أن يعلن المنادي عن العين المباعة ثلاث مرات خلال شهر حتى يتسنى لأصحاب الحقوق أن يسجلوا مستحقاتهم لدى المسجل الحكومي خلال هذا الشهر، فإن خلت العين من الالتزامات، وجب تسجيل بيعها في حضرة ممثل ملكي "أو وزير" وكاتب المدينة والمسجلين والمنادى إذا تمت الصفقة في العاصمة، أو أمام عمدة أي بلدة أخرى وثلاثة من أعيانها "لوحة ب٦". واستمرت التشريعات في أحكام أخرى صدرت لها أشباهها في التشريعات القديمة، لا سيما في شئون المواريث والمشاركة والإيجارات ... وما إليها. وإذا كان هناك ما نختتمها به فهو أنها لم تلتزم في تعبيرها عن الأحرار بلفظ واحد، وإنما فرقت في التعبير عنهم أحيانًا بين لفظ "السيد"، وبين لفظ "الآشوري" "في مثل لوحة "أ" مادتي ٢٤، ٤٠؛ ولوحة "ج" مادة ٣؛ إلخ". وليس ما يعرف إن كان المشرع قد اعتبر ذلك مجرد ترادف لفظي، أم أنه استهدف به تخصيص الآشوري عن العراقي غير الآشوري، أم استهدف به التفرقة بين طبقة حاكمة وبين طبقة محكومة، لا سيما وأنه كان ينزل من يدعوه بالآشوري في منزلة أقل من منزلة من يدعوه السيد، أحيانًا. فهل إذا صح هذا الفرض الأخير، تكون التشريعات من وضع طبقة حاكمة مستوطنة ولكنها غير آشورية الأصل مثل طبقة الحوريين أو الميتانين الذين غلبوا على أجزاء من دولة آشور لفترات متفاوتة إبان قوتهم وضعفهم؟ لا سيما إذا جمعنا بين هذا الفرض وبين ما قدمنا به للتشريعات من اتجاه بعض الباحثين إلى ترجيح تأليفها في القرن الخامس عشر ق. م وهو قرن شهد نشاط الهجرات الهندوآرية، دون القرن الثاني عشر ق. م الذي نسخت خلاله في عهد تيجلات يليسير الآشوري؟ ولكن لِمَ أبقى نساخ عهد تيجلات بيليسر على هذه التفرقة بعد أن تخلصت أرضهم من تأثير الطبقة الأجنبية فيها؟ ذلك أمر يصعب القطع برأي فيه، ولا يكفي فيه الظن بسوء تصرف الناسخ.

стр. 591

لم يطل أمد المرحلة الثانية من العصر الآشوري الوسيط، على الرغم من بدايتها المشرقة، ويبدو أن توسعها في عهد تيجلات بيليسر الأول بخاصة، كان طفرة سابقة لأوانها، فلم تستطع الدولة أن تحافظ على أطرافها البعيدة بعد وفاته، وانفصلت ولاياتها عنها واحدة بعد الأخرى. وهادنت آشور بابل فترة طويلة حتى تتفرغ للآراميين الذين استمروا في مناوأتها على فترات متقطعة خلال القرنين الحادي عشر والعاشر قبل الميلاد، واستمروا على إنشاء الإمارات بجوارها في شرق الفرات وغربه، فكونوا إمارة بيت أديني التي امتدت شرقًا حتى بلخ واتخذت عاصمتها في تل بارسيب على ضفة الفرات جنوبي قرقميش، وإمارتين في وادي بلح، وعدة إمارات في وادي الخابور من أهمها بيت باخياني "وكانت من مدنها جوزانا ووسيكاني". كما كونت قبائل تيمانايا الأرامية ثلاث إمارات شرقي الخابور الأعلى فيما يسمى منطقة طور عابدين وهي إمارات نصيبينا وخوريزانا وجيدارا. واحتفظت بعض روايات التوراة بذكرى هذه الإمارات القريبة من الخابور في تسمية أهلها أو أرضها "آرام النهرين"١، والنهران هما على الأغلب الفرات وفرعه الخابور، وتسمية "فدان "أوبادام" آرام"٢. وكانت أكبر مدن المنطقة التي عاصرت روايات التوراة عنها هي مدينة حران. واتجه فريق من الآراميين جنوبًا، فانتشرت قبائل السوخي على جوانب الفرات من عنات حتى رابيقو. وانتشرت قبائل اللاكي في سهل يقع جنوبي جبل سنجار. ولم يقتصر أمر الآراميين على ذلك، وإنما اتجهت بعض قبائلهم إلى الجنوب الشرقي من دولة آشور، فانتشرت قبائل الوتواتي على شواطئ دجلة فيما بين فرعيه الزاب الأسفل والأدهم٣. ومال النصر في مراحله الأولى إلى صف جماعات الآراميين، بحيث اضطرت آشور إلى الانكماش في مناطقها الشرقية إلى حين.

стр. 592

ج- في العصر الأشورى الحديث مدخل ... ج- في العصر الآشوري الحديث: اكتفت آشور بحدودها الضيقة تحت ضغط الآراميين حتى تزعمها أشوردان "٩٣٢ - ٩١٢ق. م"، فنهضت في عهده، وتأهبت لمكافحة الآراميين شرقًا وغربًا. ثم اشتدت عزائمها في عهد ولده أداد نيرارى الثاني "٩١١ - ٨٩٠ق. م" الذي علت شهرته على شهرة أبيه، ووصفت نصوصها الآراميين حينذاك بأنهم أهل براري١. ويبدو أن أولئك الآراميين الشرقيين وإن أخذوا بحضارة بلاد النهرين واطمأن بعضهم إلى حياة الاستقرار والزراعة، واستطاعوا أن يرهبوا دولة آشور فترة طويلة وكادوا يسيطرون على مسالك تجارتها، إلا أنهم ظلوا متخلفين حضاريًّا إلى حد ما، وظلوا يؤثرون النظام القبلي والتركز في إمارات منفصلة عرفت كل منها -كما مر بنا- باسم بيت كذا وبيت كذا، فشجع تفرقهم

стр. 593

الآشوريين على الاستمرار في محاولة إخضاعهم كلما توفر لهم زعيم يستثير همهم، وهكذا تتبعوهم عامًا فعامًا في عهد أداد نيراري في منطقة طور عابدين حيث توزعت إمارات خوريزانا وجيدرا ونصيبينا، وفي وادي الخابور. وبعهد هذا الملك أداد نيراري، بدأ عصر جديد طويل عرف اصطلاحًا باسم العصر الآشوري الحديث، أو عصر الاتساع الآشوري الكبير، وقد استمر نحو ثلاثة قرون من ٩١١ إلى ٦١٢ق. م، وشهد مرحلتين عظيمتين من مراحل القوة والازدهار والتوسع توسطتهما فترة ركود وساعد آشور على التوسع في المرحلتين أن أغلب شعوب الشرق القديمة مصر وبابل وإلام، كانت قد بلغت دور شيخوختها، وأن الجماعات المستحدثة في الشرق بقيت على تفرقها ولم تلم شملها، فانفسخ السبيل أمام آشور لتصول وتجول فيه حيث شاءت.

стр. 594

المرحلة الأولي: وبدأ المرحلة الأولى أداد نيراري كما ذكرنا، ولم يتجه فيها إلى فتوح بعيدة، وإنما عمل على تثبيت قواعد حكمه واسترجاع الإشراف الفعلي لدولته على تخومها الغربية حول نهري الفرات والخابور، وإشعار أهل هذه التخوم، والآراميين منهم بخاصة، بسلطانه. ثم اتجه إلى تأمين حدوده الجنوبية، ولما تعارض سلطانه فيها مع سلطان بابل العجوز حاربها مرتين وغلبتها جيوشه في المرتين، وأتى نصره عليها بمعاهدة حدودية اعترفت بسيادته على أرض السواد من الخابور في الغرب إلى ما يجاور بغداد الحالية في الجنوب الشرقي. وسار خلفه توكلتي نينورتا الثاني "٨٩٠ - ٨٨٤ق. م" الذي تميزت حوليات حروبه بما ذكرته من التفاصيل اليومية، على سياسته في إرهاب الآراميين، فكان من ضحاياهم في عهده قبيلة "بيت زماني" التي اتخذت أميدي حاضرة لها "وهي ديار بكر الحالية". وتتبعت جيوشه قبائلهم الجنوبية في وسط العراق وفيما بين دور كوريجالزو "عند أبواب بابل" حتى سيبار١، ثم اتجهت حروبه إلى الشمال بغية إرهاب الجماعات الجبلية والوصول إلى حدود يسهل احتلالها أو يسهل الدفاع عنها حسب مقتضيات الظروف. ومنذ ذلك الحين اتجهت سياسة آشور إلى مثل ما سنه لها تيجلات بيليسر ابتداء من عصرها الوسيط من حيث توطيد سلطان الدولة على حدودها الغربية وإرهاب بابل من حين إلى آخر، وإخضاع القبائل الجبلية في الشمال الشرقي، ومحاولة السيطرة الكاملة على الطرق التجارية والحربية التي تتجه غربًا إلى الشام حيث المجد وحيث وفرة المنتجات وحيث المخارج البحرية. وشمالًا بغرب إلى جبال طوروس وآسيا الصغرى، مع محاولة إضعاف الفروع الآرامية الغربي التي استمرت في شرق سوريا وفي أوساطها وامتد نفوذها إلى موانيها البحرية. وتميز من كبار القائمين على تنفيذ هذه السياسة في آشور ملكها آشور ناصربال الثاني "٨٣٣ - ٨٥٩ق. م" وكان من وجهة نظر المصالح الآشورية أعظم شخصية ضارية وضاربة في المرحلة الأولى من عصرها الحديث.

стр. 595

وقد ورث عن أسلافه الأقربين جيشًا محنكًا وسنة ثبتها هو وخلفاؤه، وهي: اضرب قبل أن تُضرب. وهاجم قبل أن تُهاجم، واجعل تنكيلك بأقرب خصومك عبرة يخشاها بقية أعداءك١. وبهذا استمر زحف الجيوش الآشورية، التي استمدت قوتها من تعاون المقاتلين على ظهور الخيل فيها مع الرماة والمشاة المدججين بالسلاح، واستخدام أدواته حصار ناجعة كانت منها الكباش أو الثيران التي تقوم مقام الدبابات وهي ذات ست عجلات ومقدمة مدببة يبدو أنها كانت تدفع بقوة من بعيد لتنقب الحصون وتدكها، وأخرى كانت تقوم مقام العربات المصفحة يستتر الجنود فيها وينقبون الحصون وهم في مأمن من سهام العدو، وأبراج متنقلة ليصعد الرماة في داخلها إلى مستوى أسوار العدو، وما يشبه الخراطيم لإطفاء النيران التي يصبها العدو على آلات الحصار. وكان إخضاع الجيوش الآشورية لكل منافس من منافسيها يوسع من حدود دولتها، فتنساق بهذا إلى أعداء ومنافسين جدد ما يتطلب منها تكرار الإجراء نفسه. ويبدو أن إحاطة آشور بالأعداء والمنافسين من كل جانب قد زكى فيها مر العصور على روح التحدي وإظهار العنف في المعاملة وقسوة الانتقام، والرغبة في إشاعة الرهبة حولها وتعويض قلة أعداد أهلها. أكدت نصوص آشور ناصر بال أنه تلقى جزى الخاتيين، وبلغ جبال لبنان، وغمس أسلحته في بحر أمورو العميق "أي البحث المتوسط" وتلقى الجزى من المواني والجزر "الفينيقية" الكبيرة: صور وصيدا وجبيل، ومحلاتا، ومايزا، وأمورو، وأرواد التي في البحر، وأنه صعد جبال لبنان، وجلب "وجلب رجاله" أخشاب الأرز والصنوبر من جبال خامانا "أي أمانوس" لمعابد سين وشمش ربي النور، ولاستخدامها في قصره. وامتازت الروايات التي أثبتت على لسانه في حولياته بحيوية فياضة وتفاصيل ممتعة ظهرت بوادرها في حوليات أبيه كما أشرنا، ويقول فيها. أرسلت إلى كذا، وجعلت كذا على يساري, وعبرت نهر أورانتو مثلًا "أي نهر العاصي" وقضيت الليل على ضفافه واحتفلت بعيد كذا في قصر كذا .... ٢، وغالبًا ما كان يفخر بعبوره نهر الفرات في قمة فيضانه مع جيشه الكبير على ناقلات، وأصبح مثل هذا الفخر عبارة تقليدية رددتها نصوص خلفائه. وسجلت مناظر عهده عبور الفرات هذا، فصورت نقل العربات على العابرات، وسباحة الجند بجانبها، واستعانتهم على تعويمها بقرب منفوخة من جلود الماعز، وصورت نقل الملك بعربته في قارب خاص، وسباحة الخيول طليقة أو النهر أو مع إمساك جنود القوارب بأعنتها٣. وصبغت نصوص هذا الفاتح الآشوري حروبه وانتصاراته بطابع القسوة الشديدة فتحدثت عن أن رجاله كانوا يسلخون جلود كبار الأعداء أحياء ويثبتوتها على آثارهم وأبواب عاصمتهم بالمسامير، وكانوا يعذبون بعضهم على الخوازيق ويقطعون أيديهم ويجمعون جماجمهم في أكوام، ثم يحرقون مئات الأسرى ولا يستثنون النساء، ويجدعون أنوف آخرين ويصلمون آذانهم ويبترون أصابعهم ويفقئون

стр. 596

أعينهم، وإن لم تمنع أمثال هذه المعاملة آشور ناصر بال من أن يشيد بفضل أربابه في تأييده، ويكرر اهتمامه بتقديم القرابين إليهم وحرصه على تخصيص أخشاب أرز جبال أمانوس لإبهاء احتفالات معابدهم. ولسنا مضطرين بطبيعة الحال إلى التسليم بحرفية هذين الضدين من المعلومات، ففي كل منهما مبالغة، مبالغة في تصوير القسوة لتكون عبرة، ومبالغة في تصوير التقوى للتغطية على الأخطاء. وما ينطبق من حكمنا هذا على نصوص آشور ناصر بال ينطبق على نصوص غيره من الملوك القدماء. ويفهم من حوليات هذا الملك أن عملية توطين الآشوريين في المدن المفتوحة ليصبحوا سادتها والمنتفعين بخيراتها وليخمدوا نشاط زعمائها ويكونوا عيونًا عليهم لدولتهم، قد سبقت عهده؛ إذ تحدث أحد نصوصه عن أن جماعة منهم توطئوا في منطقة جبلية شمالية قد أخذهم الغرور وابتغوا أن يتسعوا لحسابهم في المناطق القريبة منهم فعاملهم بقسوة لا تقل عن معاملته لأعدائه الأجانب١. وترك أخيرًا ملكًا موطدًا وترك معه قصرًا عظيمًا في كالح "نمرود" التي اهتم بها اهتمام شلما نصر الأول من قبله ويبدو أنها كانت تعتبر مصيفًا ملكيًّا٢، ولا تزال بقايا قصره فيها من أروع المصادر لفن النقش في عهده مما سنعود فيما بعد إلى ذكره. استفاد شلما نصر الثالث "شلمانواشاريدو" "٨٥٩ - ٨٢٤ق. م" من جهود أبيه آشور ناصر بال وحمية دولته، واستطاع أن يسود غرب آسيا من الخليج العربي حتى جبال أرمينيا، ومن الحدود الميدية حتى سواحل البحر المتوسط٣. ولم يكن أقل اعتزازًا بجبروته من أبيه، فوصفته نصوصه بأنه الأفعوان الكبير أوشوم جال٤ وكان لقب الأفعوان الكبير يوصف به الأرباب وتلقب به حمورابي ثم انتحله الملوك الآشوريون، ولعل فيه بعض الشبه بالصل الملكي المصري، وأنه طحن أعداءه جميعًا كما لو كانوا من صلصال. وأنه المقتدر الذي لا يعرف الرحمة في الحروب ... إلخ. وقد ساعدته الظروف فتدخل في مشكلات عرش بابل، ولم يكن ذلك بغير ثمن لصالحه وصالح دولته، فقد أصبحت له اليد العليا على صاحب عرشها بعد أن ناصره، وسمح له ذلك أن يتعداها بجيوشه إلى كلديا حتى الخليج العربي ويتلقى هدايا ملوكها "أو جزاهم على حد تعبير نصوصه" وقد روت قوله عنها: "هبطت إلى كلديا وقهرت مدنها وسرت حتى البحر الذي يسمونه البحر المالح "الخليج العربي"، وتلقيت في بابِل جزية أديني بن داكوري من الفضة والذهب وخشب أوشو العاج ... " وصور فنانوه جزية بيت داكوري هذه يحملها أهلها بين صفوف النخيل ويشرف عليها حراسه وكتبته. وسجلوا صورها على أبواب قصره المكسوة بصفائح البرونز في يلاوات٥.

стр. 597

وروت نصوصه في اتجاهه بجيوشه ناحية الشمال، أنه اكتسح أرض"مات" خاتي كلها وجعلها تلالًا خربة كأنما اكتسحها فيضان. ولعلها أرادت بمات خاتي هذه أطراف العراق القريبة من آسيا الصغرى، أو المناطق التي انتشر بقايا الحيثيين القدماء فيها بعد أن شتتهم أعداؤهم حول قرقيش١، وكان أبوه قد ادعى قتالهم أيضًا. واعتز شلما نصر بزيارته منابع دجلة في الشمال، وقالت نصوصه على لسان: "وبلغت منبع دجلة بحيث ينبع الماء، وغمست سلاح آشور في مياهه ... ، وأقمت حفلًا سعيدًا، وأمرت "بنقش" نصب باسمي وصورتي". وصور الفنانون هذه الزيارة على أبواب قصره، وهي زيارة اعتبرها L.W.King لأحد روافد دجلة العليا المسمى بالكاليم سو٢. وعلى مقربة من هذه النواحي، ذكرت نصوصه حملة له على أورارتو "أورارتي"، وهو اسم أطلقه الآشوريون فيما يحتمل على المنطقة التي سماها أهلها بياينياس شمال آشور وفيما يتركز حول بحيرة فان الحالية وجبال أرارات شرق آسيا الصغرى، وكانت النصوص الآشورية قد بدأت ذكرها منذ عهد شلما نصر الأول في القرن الثالث عشر ق. م، ولكنها زادت في عهد سميه شلما نصر الثالث فذكرت ملكًا من ملوكها، ثم عادت بعد فترة فذكرت اسم سيدوري قائد أورارتو، وهو اسم ذكرته أقدم نقوش الأورارتيين أنفسهم بلفظ "ساردوري"، ويبدو أن شلما نصر قد أحرز بجيوشه نصرًا هناك مما خلع عليه شيئًا من القداسة وسمح لفنانه بأن ينقش ما يصور تقديم القربان لصورته على سفح جبل قريب من بحيرة فان٣. وكانت لشلما نصر، أو لجيوشه بمعنى أصح، قصة طويلة مع سوريا، امتازت نصوصه عنها بتضمينها عدة أسماء لا تزال حية في أسماء مدتها ومواقعها مع تحريفات وتصحيفات يسيرة مثل أسماء: خالمان عن حلب، وأماة عن حماة، ودمشقي عن دمشق، وخاوراني عن حوران، وأرانتو عن نهر الأورنت "العاصي"، وخمري عن عمري، وقرقرة عن قرقر، وعمون ... وما إليها. غير أن الأهم من ذلك هو تضمينها اسم أريبو أو عريبو بمعنى العرب، وأعراب البادية بخاصة، لأول مرة في النصوص القديمة المعروفة، واسم جنديبو تحريفًا لاسم أمير عربي يدعى جندب أو جندبة، واسم أخابو تحريفًا للاسم العبري أخأب أو أحأب. وتجرأ شلما نصر على مهاجمة دمشق، أكبر الإمارات الأرامية العربية، بعد أن أرهب هو وأبوه الإمارات الأرامية الأخرى التي توزعت بين الفرات وبين قلب الشام ولكن دمشق لم تكن صيدًا سهلًا على الرغم من طول منافساتها مع جيرانها من الأراميين والعبرانيين، فعزمت على الوقوف في وجه جبروت الآشوريين، وجمع أميرها أداد إدري "هداد عذيري؟ " الأحلاف حوله من أهل الشام ومن العرب أو الأعراب ومن العبرانيين الذين تناسى معهم ضغائنهم القديمة في سبيل مواجهة عداء الغزو الآشوري العنيف، وخف بهم إلى قرقر حيث ضم إليه أميرها وجيشه.

стр. 598

وعبرت نصوص شلما نصر عن لقائه "أو لقاء قواته" مع أولئك الأحلاف بتعبيرات مسرفة ولكنها طريفة ولا بأس من الاستشهاد ببعضها كنموذج لأمثالها. فقد روت على لسانه ما يقول: " .... حينما اقتربت من حلب خالمان خشي"أهلها" الحرب وارتموا على قدمي، فتلقيت جزاهم فضة وذهبًا وضحيت أمام أداد حلب، ورجعت من حلب وبلغت مدينتي إرهوليني الحموي، فهاجمتها وهاجمت عاصمته أرجانا واستولت على جزاه وممتلكاته وحرقت قصوره، ثم واصلت المسيرة إلى قرقرة فدمرتها ومزقتها وحرقتها وكان "أميرها" قد استنجد بألفين ومائتي عجلة حربية، وألف ومائتي فارس وعشرين ألفًا من مشاة أداد إدري الأموري "الإمريشو أو الإمريشي"، وسبعمائة عربة فارس وعشرة آلاف من مشاة إرهوليني الحموي، وألفي عربة وعشرة آلاف من مشاة أخاب وأرض إسرائيل "؟ " Akha-Ab-Bu Mat Siri-La-A-A وخمسمائة جندي من قوى، وألف جندي من مصرى، ... وألف "راكب" جمل من جنديبو الأريبي "أي جندب أو جندبة العربي"، و .... ألف من بأسا بن روهوبي العموني ... ، "وكلهم" اثنا عشر ملكًا تأهبوا لملاقاتي في معركة حاسمة، فقاتلتهم بقوات آشور العظيمة التي هيأها لي مولاي آشور، وبالأسلحة التي قدمها لي مرشدي نرجال ... ، وأوقعت بهم الهزيمة بين مدينتي قرقرة وجيلزاو، وذبحت ألفًا وأربعمائة من جنودهم بالسيف، وانحططت عليهم انحطاط أداد حين يرسل عواصفه الممطرة مدرارًا، وبعثرت جثثهم "في كل مكان"، وملأت السهل كله بهم، وأجريت دماءهم ... ، وضاق السهل عن نزول أرواحهم "إلى العالم السفلي" ... ، وجعلت جثثهم معبًرا لي على نهر الأرانتو "الأورنت" ... وهكذا أكد شلما نصر انتصاره على خصومه الأراميين وحلفائهم في موقعة قرقر حوالي عام ٨٣٣ق. م ولكن كانت هذه من المرات النادر بمحض الصدفة التي سجل الأراميون فيها وجهة نظرهم في مواجهة آشور، وقد أكدوا فيما سجلوه عنها أنهم أحرزوا فيها نصرًا كبيرًا. ولن نملك إزاء تضارب المصدرين إلا أن نفترض أن موقعة قرقرة لم تكن حاسمة أي طرف من الطرفين، لا سيما وأن الكتبة الآشوريين قد أعادوا ذكر انتصار ملكهم وتغنوا به مرارًا وتكرارًا في نقوش قصوره وعلى العمد والنصب، وذلك مما يعني تكرار حروب الأراميين معه، أو هو يعني تقديرهم الكبير لقوة الأراميين وحلفائهم واعتبار النصر عليهم، أي نصر، كسبًا كبيرًا ومجدًا عظيمًا. ويبدو أن الحلف الذي استشهدنا بروايته عن شلما نصر، لم يكن الحلف الوحيد الذي نجح الأرميون في تكوينه على الرغم من انسلاخ أخأب الإسرائيلي وقومه عنهم، فقد تحدثت النصوص الآشورية عن تحالف أداد إدري مع أمير حماة واثني عشر ملكًا نسبتهم إلى ساحل البحر حينًا، وإلى ساحل البحر الأعلى والبحر الأسفل حينًا آخر، وضمت إليهم كل ملوك خاتي مرة ثالثة، ثم جعلتهم خمسة عشر ملكًا مرة رابعة. وتبارى الكتبة الآشوريون في تضخيم أعداد قتلى خصومهم الأراميين فيما بين العام السادس والعام الرابع عشر من حكم ملكهم، فتارة هم ألف وأربعمائة، وتارة خمسة وعشرون ألفًا، وتارة عشرون ألفًا وخمسمائة، وتارة عشرون ألفًا وتسعمائة ... إلخ. وعلى أية حال فلم تهن عزيمة دمشق ومن بقي على الولاء لحلفها إلا بعد أن مزقتها الأطماع الداخلية، فاغتيل أداد إدري، وولي بعده حزائيل، وكان ذا كفاية حربية مثله، وإن كانت النصوص الآشورية قد ادعت أنه مجهول الأب.

стр. 599

وروى شلما نصر قصته مع هذا الأمير الجديد قائلًا: "وهلك أداد إدري، وأصبح حزائيل أميرًا على دمشق ... وفي العام الثامن عشر من حكمي عبرت الفرات للمرة السادسة عشرة وكان حزائيل الأموري "خزائيل الأمريشو" قد اطمأن إلى جيشه الكثيف وتحصن في جبل سنر "سا-ني-رو" المواجه للبنان فقاتلته وأنزلت به الهزيمة وقتلت ١٦٠٠٠ من رجاله بالسيف، واستولت على ١٢١١ عربة، و٤٧٠ جوادًا، وسيطرت على معسكره ولكنه فر بنفسه فتتبعته إلى دمشق عاصمته وقطعت بساتينها ... ، وواصلت المسيرة حتى جبال حوران "شادي مات خاوراني" مدمرًا وممزقًا ومحرقًا مدنًا لا عد لها ومستوليًا على أسلاب لا حصر لها ... ، ووصلت حتى جبال بعلي رأسي بجانب البحر وأقمت هنا نصبًا بصورتي، وتلقيت حينذاك جزى أهل صور وصيدا وياهو بن"أو أمير" عمري. ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة بين الآشوريين وبين حزائيل، وإنما تكرر لقاؤهما مرات وكانت إحدى هذه المرات في العام الحادي والعشرين من حكم شلما نصر. وترتب على إضعاف دمشق أخيرًا ما يسر للآشوريين بسط سلطانهم على الإقليم الواقع شماليها والممتد فيما بين الفرات وبين البحر المتوسط. وروى ملكهم هذا الأمر بأسلوبه فقال في نصوصه: "اكتسحت مدن أرض أمورو العليا فكانت تلالًا في مهب الريح العاصمة وسرت منتصرًا على طول شاطئ البحر الكبير"١. ويبدو أن مواني فينيقيا آثرت السلامة حرصًا على أمنها التجاري، فراسلت شلما نصر بهدايها واحتراماتها، وإن كان فنانوه قد اعتبروا هذه الهدايا جزى وأسلابًا، فصوورا على أبواب قصره هيئة ميناء صور فوق جزيرة صخرية وسط البحر تنتقل منها قوارب الجزى حتى الشاطئ حيث يساعد على رسوها رجال يجرونها بحبال، ثم صوروا حمولتها تنقل تحت إشراف الحرس الآشوري إلى حيث يستقبلها الملك بنفسه٢. وهناك نحت الآشوريون لملكهم نصبًا تاريخيًّا في سفح جبل يجاور نهر الكلب قرب بيروت، إلى جانب لوحة تاريخية ضخمة للفرعون المصري رمسيس الثاني٣. ثم ضمن الفنانون أغلب أحداث عصرهم نقشًا وتصويرًا على عمود أسود ذي أربعة أوجه يقل قطره إلى أعلى على هيئة جسم المسلة، لولا أن قمته شكلت على هيئة ثلاث درجات صغراها هي أعلاها "على عكس المسلات المصرية المدببة الطرف"، وشغلوا وجوهها الأربعة بنقوش وصور قليلة البروز للغاية، ووزعوا مناظرهم عليها في أربع وعشرين لوحة ضمنوها صور الأسلاب والغنائم والجزى وخضوع الأعداء، وعندما أرادوا أن يعبروا عن خضوع إسرائيل لملكهم صوروا ملكها ياهو بن عمري "وهو في الواقع ليس من بيت عمري وإنما ولاه الكهنة بعد انهيار بيت عمري" ساجدًا بين يدي الملك ويشرف عليه من عل رمز المعبود آشور ورمز المعبود شمش، وكأن خضوعه لم يكن للملك وحده وإنما لأربابه أيضًا. وتضمنت مناظر الغنائم وحدات تقليدية من حملة الجزى وبيئات الصيد، ومن أطرافها تصوير جمال ذات سنامين "من بكتريا"، وفيلة من منطقة مصرى في سوريا، وقردة بوجوه بشرية مفتعلة٤.

стр. 600

نهاية مرحلة: ادعت نصوص شلما نصر الثالث فيما ادعته، أنه قاد اثنتين وثلاثين حملة خلال فترة حكمه التي امتدت خمسة وثلاثين عامًا ولكن نشبت في نهاية عهده فترة ضعف بدأت بخروج ولده عليه بسبب ما هضمه حقه في ولاية العهد وتخطيه إياه إلى أخيه الأصغر شمشي أداد الخامس، ثم حدوث حرب أهلية استمرت نحو ست سنوات. وظلت آشور نحو ثلاثة أرباع القرن من الزمان "٨٢٤ - ٧٤٥ق. م" تتلقى ضربات جيرانها الآراميين والبابليين والميديين والسوريين والفلسطنيين والعبرانيين حينًا، وتضربهم حينًا آخر، ولكن بغير نتائج حاسمة لها أو لجيرانها. وظل ملوكها يدعون أنهم تلقوا خضوع أمراء أركان الدنيا الأربعة من مشرق الشمس عند البحر الكبير إلى مغرب الشمس عند البحر الكبير، ولكن بغير دليل صحيح بل حدث على العكس من ذلك وفي عهد شمشي أداد الخامس بالذات أن تجرأ أهل أورارتو "أرارات وبحيرة فان" فاتجهوا جنوبًا بشرق حتى الحدود الآشورية وسجلوا هناك نصبًا بانتصارهم لكل من لغتهم الخاصة وباللغة الآشورية وفرضوا الجزية على ميليتيا أو ملاطية الحالية وما يجاورها. واحتفظت روايات المؤرخين الإغريق فيما سمعوه عن هذه الفترة وقصة محورة لملكة أطلقوا عليها اسم "سميراميس" تحريفًا فيما يبدو للاسم الآشوري "سمورمات" أو "شميران" وكانت وصية على ولدها أداد نيراري الثالث من زوجها شمشي أداد الخامس رووا أنهم سمعوا أسطورة تقول بأن أمها كانت آلهة تعبد في عسقلان قرب البحر ويرمز لها بصورة نصفها سمكة ونصفها حمامة ولما ولدت ابنتها على هيئة بشرية سوية تركتها للحمام يرعاها، فلهذا سميت محبوبة "رمات" والحمام "سمو" ثم عثر عليها كبير رعاة ملك آشور ورباها وتزوجها حاكم نينوى "أونيس" ولكن ملك آشور العظيم "نينوس" طمع فيها وأجبر زوجها على التخلي عنها فانتحر، ولجأت هي إلى الحيلة تنتقم له ولنفسها، فمكرت بالملك الغاضب وطلبت منه أن يعهد إليها بالعرش والسلطان خمسة أيام فرضي واستغلت هي سلطانها المؤقت وأمرت بسجن الملك ثم قتلته واستأثرت بالعرش بعده أكثر من أربعين عامًا. أما من حيث الواقع فقد استطاع أداد نيراري الثالث "٨١٠ - ٧٨٣ق. م" بعد أن صلب عوده وانتهت وصاية أمه عليه أن يحافظ على القليل الباقي من إرث أجداده وساعده الحظ فهادته أو تمسحت بسلطانه الأسمى بعض إمارات فلسطين ومنها منطقة إيدوم، ويبدو أن غيرتها من جارته دمشق قد رمتها في أحضانه، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي أن زادت العزلة على دمشق وزادت وهنًا على وهن، وفي هذه الظروف روى كتبت الملك الآشوري أنه أخضع أرض أمورو وأرض عمري وإيدوم وفلسطين "بالاستو، بالاشتو"، وأن ملك دمشق اضطر إلى أن يعتبر نفسه تابعًا له وقدم له جزاه في قصره بدمشق. ويبدو أن مهادنة دمشق له كان لها ظل من الحقيقة فعلًا منذ عام ٨٠٢ق. م١. أما في الشرق والشمال فكان أهم ما تضمنته نصوص أداد نيراري الثالث هذا من أسماء الأقوام التي تلقى جزاها "أو وصلته متاجرها وهداياها بمعنى أصح" اسم أرض الماذيين وفارس "باراسو"، وسوف يكون لهؤلاء وهؤلاء على الترتيب أثر وأي أثر في مستقبل آشور البعيد ومستقبل بلاد النهرين كلها.
следующие страницы →