Полный текст (697 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
جـ-تلزم (إذ) الإضافة إلى جملة اسمية أو فعلية. ومثال الاسمية قوله تعالى: "واذكروا إذ أنتم قليل- الأنفال/ ٢٦", فإذا كانت اسمية مبدوءة بـ (إن) كانت همزة (إن) المشددة هذه مكسورة، خلافاً للشائع عند الكتَّاب. تقول: (عرفت لفلان فضله إذ إنه أحسن إلي) ، فتكون (إذ) هنا ظرفاً عند الجمهور وحرف تعليل عند جماعة من النحاة.
فإذا كانت الجملة فعلية فلابد أن يكون فعلها ماضياً لفظاً ومعنى كقوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.. البقرة/ ٣٠"، أو يكون فعلها ماضياً معنى لا لفظاً كقوله تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.. البقرة/١٥٧"، وقد جاء الفعل بصيغة المضارع استحضاراً للصورة التي وقع عليها الحَدَث، تمكيناً لها في النفس.
وقد تحذف الجملة التي تضاف إليها (إذ) للعلم بها ويعوض عنها التنوين، وتكسر الذال لالتقاء الساكنين، ومن ذلك قوله تعالى: "يومئذٍ تحدِّث أخبارها بأنَّ ربَّك أوحى لها.. الزلزلة /٤ و٥". وقد جاء في شرح الكافية: "تقول يومئذ وحينئذ وساعتئذ وليلتئذ، ويجوز بناؤها وإعرابها، كما في قوله تعالى: ومن خِزي يومئذ.. هود/ ٦٦-٢/ ٢٠٦ و٢٠٧". وهو يقصد ببناء (يومئذ) وإعرابها، كسر الميم إعراباً في الآية، لإضافة خِزي إلى يوم، وفتح الميم بناءً، لإضافة يوم إلى مبني، وهو الأكثر.
٢-إذا:
ترد (إذا) في وجوه هذه أشهرها:
١-إذا الاسمية: تقع في الابتداء فتكون ظرفاً للمستقبل غالباً، ولو جاء فعلها بصيغة الماضي، خلافاً لـ (إذ) . فإذا تضمنت معنى الشرط فلابد لها حينئذ من جملتين جملة للشرط فعلية وأخرى للجزاء أو الجواب. ويقترن جواب الشرط بالفاء، إذا لم يكن صالحاً لأن يكون شرطاً كأن يكون جملة اسمية أو فعلية فعلها جامد أو طلبي أو ماض لفظاً ومعنى أو مقرون بقد أو ما النافية أو لن أو السين أو سوف أو ربَّ أو كأنما أو أداة شرط. فإذا كان الجواب صالحاً لأن يكون شرطاً فلا حاجة به إلى الفاء.
стр. 527
و (إذا) هذه المتضمنة معنى الشرط لا تجزم في الأصل وقد تجزم في الشعر. ولابدَّ أن يتلوها فعل، فإذا تلاها اسم مرفوع فعلى أنه فاعل لفعل مقدر محذوف يفسره المذكور، كقوله تعالى: "إذا السماء انشقَّت- الانشقاق/١".
وقد لا تكون (إذا) الظرفية الشرطية للاستقبال نحو قوله تعالى: "وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها.. الجمعة/١١"، فإنها للماضي. وقد يسقط عنها معنى الشرط فتنصرف إلى الظرفية وحدها كقوله تعالى: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى.. الليل/١"، وكذلك قوله تعالى: "وإذا ما غضبوا هم يغفرون.. الشورى/ ٣٧"، وقوله تعالى: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون.. الشورى/ ٣٩"، فـ (إذا) فيهما ظرف لخبر المبتدأ المذكور بعدها. أما قوله تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمناً.. البقرة/ ١٤" فـ (إذا) فيه للاستمرار في الماضي دون الشرط أيضاً.
و (إذا) الظرفية المتضمنة معنى الشرط تختص بمتيقن الوجود بحكم معنى الظرف كقولك (آتيك إذا احمرَّ البُسر) والبسر لابد أن يحمر فهو التمر قبل أن يصبح رطباً والرطب نضيج التمر. كما تختص أداة الشرط (إن) بالمستحيل كقوله تعالى: "قل إن كان للرحمن ولد.. الزخرف/ ٨١"، وتشتركان في المشكوك فيه والمحتمل، بحكم معنى الشرط.
ب-إذا الحرفية: تقع (إذا) للمفاجأة فتكون حرفاً وتختص بالجملة الاسمية ولا تحتاج إلى جواب، ويكون معناها (الحال) دون الاستقبال. تقول: (خرجت أبحث عنه فإذا هو واقف أمام المنزل) أو (خرجت فإذا خالد بالباب) ، فتكون الجملة بعد (إذا) جملة اسمية من مبتدأ وخبر. وفي التنزيل: "فألقاها فإذا هي حيَّة تسعى.. طه/٢٠" فالضمير بعد (إذا) مرفوع بالابتداء، و (حيَّة) خبر له. أما تسعى فيجوز أن يكون خبراً ثانياً أو يكون حالاً.
стр. 528
ويسأل الكتاب هل يصح قولك: (خرجت فإذا خالد واقفاً) كما تقول (واقف) . أقول جاء ذلك ففي مغني اللبيب لابن هشام: "وتقول خرجت فإذا زيد جالس أو جالساً" فجالس مرفوع على الخبرية، وجالساً منصوب على الحالية.
وقد يقول الكتاب: (خرجت فإذا به واقف) ، فهل هذا صحيح؟ أقول يصح ذلك. وقد ذهب النحاة إلى أن (الباء) هنا زائدة والضمير في موضع الابتداء. وقد مثَّل ابن هشام لذلك بقوله: (خرجت فإذا بزيد) والخبر في هذا المثال محذوف، كما في قولك: (خرجت فإذا الأسد) . وذهب المبرِّد إلى أن التقدير: (فإذا بالحضرة زيد) ، و (إذا) عنده ظرف مكان.
ولكن هل تقول (خرجت فإذا به واقفاً) كما تقول: (خرجت فإذا به واقف) ، أقول: يسوغ ذلك كما ساغ (خرجت فإذا خالد واقفاً) ، ولذا قل: فإذا خالد واقف أو اقفاً، وإذا به واقف أو واقفاً. وقد تقول: (خرجت فإذا ان زيداً بالباب) فيجوز لك كسر الهمزة في (أنّ) على أن ما بعد (إذا) جملة، كما يجوز فتحها على أن ما بعد (إذا) أي (أن واسمها وخبرها) في تأويل المصدر، كما جاء في شرح شذور الذهب لابن هشام.
والخلاصة: أن إذا المفاجأة تختص بالجملة الاسمية ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال دون الاستقبال. أما الفاء الداخلة عليها في قولك: (خرجت فإذا زيد واقف) فقد قيل إنها زائدة لازمة، وقيل إنها عاطفة لجملة المفاجأة على ما قبلها، أو إنها للسببية المحضة كفاء الجواب، كما جاء في الكليات لأبي البقاء الحسيني الكفوي (١/٩٧) .
٣-إليك:
إليك: اسم فعل وأسماء الأفعال أدوات تقوم مقام الأفعال فتنوب عنها في العمل لازمة ومتعدية. وهي تلزم حالة واحدة فلا تنصرف تصرف الأفعال باختلاف الأزمان.
стр. 529
ومن أسماء الأفعال ما أصله جار ومجرور نحو: إليك وعليك، وما أصله ظرف نحو: عندك ولديك ودونك ووراءك وأمامك ومكانك. فقد جاء في كتاب (همع الهوامع) للإمام جلال الدين السيوطي: "ومن أسماء الأفعال ما أصله ظرف أو جار ومجرور كمكانك بمعنى أثبت، وعندك ولديك ودونك بمعنى خذ، ووراءك بمعنى تأخر، وأمامك بمعنى تقدم، وإليك بمعنى تنحَّ: وعليك بمعنى الزم". ويكثر استعمال (إليك) في كلام الكتَّاب فيقولون: (وإليك البيان بالتفصيل) بمعنى خذ البيان، فهل هذا صحيح؟
أقول: ذهب بعضهم إلى الشك في صحة قول القائل (إليك البيانَ) بمعنى خذه. لأن الأوائل وكثيراً من المتأخرين قد اكتفوا بقولهم: (إليك البيانَ بمعنى تنحَّ) أي ابتعد، كما فعل السيوطي في (همع الهوامع) . قال سيبويه في (الكتاب) : "وإليك إذا قلت تنحَّ". وفي شرح الكافية للرضي، وشرح ألفية ابن مالك للأشموني نحو من ذلك.
على أن في كلام كثير من المحققين ما يؤكد صحة قولهم (إليك هذا) بمعنى (خذه) أيضاً. فقد حكى الجوهري صاحب الصحاح بيتاً للقطامي وهو شاعر أموي، ففسر فيه (إليك إليك) بمعنى (خذ) . قال القطامي:
إليك إليك ضاق بها ذراعا
إذا التيَّاز ذو العضلات قلنا
يصف الشاعر ناقة قوية مستعصية فيقول: إذا قلنا للتيَّاز –بتشديد الياء- أي القوي (إليك إليك) أي خذ هذه الناقة لتروضها ضاق بها ذراعاً لاستعصائها.
стр. 530
قال الإمام ابن برّي في تعقيبه على رواية الجوهري: "هكذا أنشده الجوهري وغيره: إليك إليك، ونشر في شعره أن –إليك- خذها لتركبها وتروضها. وهذا فيه إشكال لأن سيبويه وجميع البصريين ذهبوا أن –إليك- بمعنى تنحَّ وأنها غير متعدية إلى مفعول". وإذا كان ابن برّي قد أشار إلى الإشكال في مخالفة الجوهري لما نص عليه الأئمة الأوائل فيما تعنيه هذه الأداة، فقد أكد في كلامه صحة رواية البيت ومعناه كما أنشده الجوهري. وشعر القطامي مما يُعتد به والجوهري محقق ثبت. ويؤيد ما ذهب إليه الجوهري ما جاء في شرح ديوان الحماسة. فقد حكى المرزوقي قول الشاعر (حُجيَّة بن المُضرَّب) يخاطب زوجته:
إليكِ فلومي ما بدا لك واغضبي
تلوم على مالٍ شفاني مكانه
قال المرزوقي: "والمعنى اجمعي أمركِ واستمري في عتبكِ وغضبكِ ما بدا لك".
وقد جاء في الكليات لأبي البقاء الحسيني الكفوي: "وإليك كذا أي خذه ... وإليك عني أي أمسك وكف –١/٢٧٨"، فأثبت للأداة المعنيين جميعاً. وكذلك فعل الشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه (جامع دروس اللغة العربية) إذ قال: "إليك عني بمعنى تنحَّ عني، وإليك الكتاب بمعنى خذه". ولا عذر للأستاذ زين العابدين التونسي في اقتصاره على معنى واحد من معنيي الأداة في كتابه (المعجم في النحو والصرف) ، إذ قال: "إليك اسم فعل أمر غير متعدّ مثل إليك عني أي تنحَّ، وفاعله ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت! وقد صدر عام ١٩٧١.
ولذا قل: إليك عني بمعنى أمسك، وإليك البيانَ بمعنى خذه، والبيان مفعول به، فكلاهما صحيح. وقد بحث هذا الأستاذ المحقق محمد علي النجار في كتابه (لغويات/٤٨) فانتهى إلى مثل ما انتهينا إليه.
٤-آمََا:
أما: بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح يراد به التنبيه، ومثلها (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام. ففي نهج البلاغة: "آمَا إنكم ستلقَون بعدي ذلاً شاملاً" ويقع بعدها القسم كثيراً كقول الشاعر أبي صخر عبد الله بن سلمة الهذلي:
стр. 531
أمات وأحيا والذي أمره الأمر
أما والذي أبكى وأضحك والذي
فقد أدخل (أما) على القسم، ثم جاء بجواب القسم فقال:
أليفَيْن منها لا يروعهما الذُّعرُ
لقد تركَتْني أحسد الوحش أن أرى
ومن شأن (أما) هذه أن يصح طرحها من الكلام، لأنها تدخل على كلام مكتف بنفسه فأنت إذا أسقطتها من الكلام صح دونها. تقول في مثال نهج البلاغة: (إنكم ستلقون بعدي ذُلاًّ) ، وتقول في مثال الشاعر الهُذلي: (والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا.. لقد تركتني أحسد الوحش ... ) فيستقيم الكلام.
وثمة (أمّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم، وهي تفيد الشرط فتدخل الفاء في جوابها، كما تدخل في أجوبة الشرط. قال الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه (معجم الأدوات النحوية وإعرابها/ ٥٢) : "أما بالفتح والتشديد: حرف شرط وتفصيل وتوكيد. أما كونها حرف شرط فبدليل لزوم الفاء بعد، نحو: فأمّا الذين آمنوا فيعلمون أنه الحقّ من ربّهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضلُّ به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلاَّ الفاسقين –البقرة/ ٢٦".
ويكثر في كلام الكتاب قولهم: (أما وقد نجح فلان ... فإنَّ عليه كذا) . وهم يسألون: أيخففون (الميم) في (أما) هذه أم يشددونها؟ أقول: بحث هذا الأستاذ محمد العدناني في معجمه (الأغلاط اللغوية المعاصرة) ، فقطع بأن (أما) في المثال المذكور مخففة الميم، وأنها للتنبيه والاستفتاح. قال الأستاذ العدناني: (يُكثر مذيعو هذه الأيام وأدباء الإذاعة من ترديد عبارة: أمّا وقد نجح باهر في الفوز بشهادة الهندسة، فإن عليه الشروع ببناء مدرسة لمدينته) بتشديد الميم في –أمّا- وأردف العدناني يقول: (والصواب أما وقد نجح- أي بتخفيف الميم- لأن أما هنا حرف تنبيه يستفتح به الكلام مثل ألا) .
стр. 532
أقول حكم العدناني هذا غريب حقاً. ذلك أن (أما) المخففة الميم ليس لها جواب يقترن بالفاء، بل ليس لها جواب البتة كما أسلفنا. فـ (أما) في المثال الذي أتى به. (أما وقد نجح.. فإن عليه..) مشدد الميم، وله جواب قد اقترن بالفاء وهو (فإن عليه) . وقد أراد العدناني أن يحتج لحكمه هذا فقال: (ويكثر مجيء –أما- قبل القسم كقول أبي حجر الهذلي: أما والذي أبكى ... ) فأما هذه حرف استفتاح قد تلاه قسم كما ذكرنا. وليس لها جواب البتة لأنها دخلت على كلام مكتف بنفسه كما ذكرنا، خلافاً لأمّا المشددة الواردة في مثاله (أمّا وقد نجح.. فإن عليه) فإن لها جواباً قد اقترن بالفاء وهو (فإن..) . وهكذا أراد العدناني أن يقيس فقاس على غير شبيه، وأتى استدلاله حجة عليه لا له.
وجاء في الكليات لأبي البقاء الحسيني الكفوي مثالان لـ (أما) المخففة، أحدهما (أما والله لأفعلن) دخلت فيه على قسم، والثاني (أما زيد منطلق) وقد دخلت فيه على جملة اسمية لافتتاح الكلام. وقد خلا الخبر من الفاء، ولو كانت (أما) مشددة الميم لدخلت الفاء على الخبر الذي هو الجواب فقيل: (أما زيد فمنطلق) .
стр. 533
والخلاصة أن قول الكتاب (أما وقد نجح.. فإنه) صوابه تشديد الميم في –أمّا- لا تخفيفها، والجملة بعدها حالية، قال الإمام السيوطي في كتابه (همع الهوامع –٢/٦٨) : "ولا تعمل أمّا في اسم صريح فلا تنصب المفعول خلافاً للكوفية ... غير الظرف والمجرور والحال فإنها تعمل فيها وفاقاً، لأن هذه الأشياء يعمل فيها معنى الفعل". ولا بأس أن نأتي بمثال مما جاء من كلام الجاحظ، على نحو المثال الذي نحن فيه. قال الجاحظ في كتابه (حجج النبوة) : "فأما والأمر كما وصفنا وبينّا فما الطاعن على عثمان إلا رجل أخطأ خطة الحق وعجل على صاحبه ... رسائل الجاحظ للسندوبي/ ١٢٢". فقد جاء الكاتب بأمّا المشددة الشرطية وأتبعها الجملة الحالية (والأمر كما وصفنا..) ثم أدخل الفاء على جواب (أمّا) فقال (فما الطاعن على عثمان..) ، وسيأتي الكلام مفصلاً على (أمّا) المشددة هذه بعد.
٥-أمّا:
(أمّا) المفتوحة الهمزة المشددة الميم تكون بمعنى –مهما- الشرطية وإن لم تعمل عملها في الجزم، فإذا قلت (أمّا خالد فهو شاعر) فإنك تعني (مهما يكن من شيء فخالد شاعر) أي تعني بذلك الشرطية والتوكيد جميعاً. قال ابن هشام الأنصاري في كتابه (مغني اللبيب –١/٥٣ و٤٥) : "وأما التوكيد فقلَّ من ذكره، ولم أرَ من أحكم شرحه غير الزمخشري فإنه قال: فائدة أما في الكلام أن تعطيه فضل توكيد. تقول زيد ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محال ذاهب ... قلت: أما زيد فذاهب، ولذلك قال سيبويه في تفسيره- مهما يكن من زيد فزيد ذاهب- وهذا التفسير مُدل بفائدتين: بيان كونه توكيداً وأنه في معنى الشرط.
وهي كما تأتي للتوكيد تأتي للتفصيل، كما في قوله تعالى: "فأمّا اليتيم فلا تقهر وأمّا السائل فلا تنهر وأمّا بنعمة ربِّك فحدّث- ونحو ذلك ما جاء في سورة الكهف: "أما السفينة فكانت لمساكين/٧٩"، "وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين/٨٠"، "وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين/٨٢".
стр. 534
والكتَّاب قد يهملون إدخال الفاء في جواب (أمّا) فيقولون: (أما خالد هو شاعر) وهذا خطأ إذ لابد من دخول الفاء في جوابها كما تدخل في أجوبة الشرط، ولا تسقط إلا لضرورة كقول الشاعر (أما القتال لا قتال لديكم) والأصل: فلا قتال لديكم.
وقد جاء في كتاب (الضرائر) لمحمود شكري الآلوسي: "أما، لنيابتها عن –مهما يكن من شيء- لزمت الفاء في جوابها، ولا تسقط إلا لضرورة، كما في قول الشاعر:
ولكن سيراً في عراض المراكب"
"فأما القتالُ لا قتال لديكم
يعيِّر الشاعر خصومه بالجبن فيقول لهم: لم تقتنوا الخيل فتعدُّوها للحرب والقتال، وإنما تعدّونها لتركبوها للزينة.
ولا تدخل (أما) على فعل لأنها قائمة مقام أداة الشرط وفعله، فلا يدخل فعل على فعل. وهي لا تعمل غالباً فيقع بعدها المبتدأ كقولك (أما خالد فكريم نبيل) ، ومن ذلك قوله تعالى: "فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون.. الآية- البقرة/ ٢٦". أو يقع بعدها الخبر كقولك (أما في الدار فزيد) ، أو تقع جملة الشرط كقوله تعالى: "فأمّا إن كان من المقرَّبين فروحٌ وريحانٌ وجنة نعيم، وأمّا إن كان من أصحاب اليمين فسلامٌ لك من أصحاب اليمين- الواقعية /٨٨و ٨٩".
فإذا تلاها منصوب فقد يكون معمولاً للجواب كقوله تعالى:" فأما اليتيم فلا تقهر –الضحى/٩" أو يكون معمولاً لمحذوف بعد الفاء كقوله تعالى: "وأما ثمودَ فهديناهم –فصِّلت/١٧" على قراءة النصب.
стр. 535
وقد تعمل (أمّا) لما فيها من معنى الفعل، ولكن ليس في اسم ظاهر، بل في ظرف، تقول: (أما اليومَ فإني ذاهب) أو جار ومجرور، تقول: (وأما في الدار فإن زيداً جالس) ولا يعمل ما بعد (فإن) فيما قبلها. وقد تعمل في الحال المفرد إذا كان منكراً كما تعمل في الجملة الحالية. ومثال الحال المفرد قولك (خالد أديب حقاً، فأما شاعراً فهو خبير بقرض الشعر يتدفق عن سجية وطبع، وأما كاتباً فهو حسن الترسل بليغ العبارة) . وأما مثال الجملة الحالية فما ذكرناه قبل من قول الجاحظ: "فأمّا، والأمر كما وصفنا وبينا، فما الطاعن على عثمان إلا رجل أخطأ الحق وعجَّل على صاحبه- حجج النبوة من رسائل الجاحظ- للسندوبي/١٢٢".
٦-إمّا:
إمّا بكسر الهمزة وتشديد الميم حرف تخيير أو شك أو تفصيل، ويلزمه التكرير. تقول: (اِِضربْ إما زيداً وإما عمراً) كما تقول: (اضرب زيداً أو عمراً) ، وإنما كررت (إما) في القول الأول بدلاً من (أو) في القول الثاني لأنك إذا قلت: (اضرب زيداً أو عمراً) فقد ابتدأت بذكر (زيد) وليس عند السامع أنك تريد غيره ثم جئت بالتخيير. أما إذا قلت (اضرب إما زيداً وإما عمراً) فقد وضعت كلامك ابتداءً على التخيير. وفي الإعراب تقول: (إما) حرف تخيير و (زيداً) مفعول به. والواو حرف زائد و (إما) الثانية حرف عطف. ومنهم من ذهب إلى أن (وأما) جميعاً حرف عطف.
وتقول في معنى الشك: (لقيت إما زيداً وإما عمراً) ..
وجاء في معنى التفصيل قوله تعالى: "إنّا هديناه السبيلَ إمّا شاكراً وإمّا كفوراً- الدهر/٣".
وفي كلام الكتَّاب قولهم: (اضرب إمّا هذا أو هذا) بإحلال (أو) محل (وإما) وهذا صحيح.. فقد جاء في التنزيل: (وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين –سبأ/٢٤" وقد قرئ أيضاً (إمّا على هدى أو في ضلال مبين) . قال الإمام المرادي في كتابه (الجنى الدالي) : "قد يستغنى عن إمّا الثانية بأو كقراءة من قرأ وإنّا وإيّاكم إمّا على هدى أو في ضلال مبين" وقال الشاعر:
стр. 536
على الهمّ أو هلباجة متنعماً
يعيش الفتى في الناس إمّا مشيّعا
والهلباجة الأحمق.
وقد يستغنى عن (إما) الثانية بذكر ما ينوب عنها، تقول: (إما أن تكلم بخير وإلا فاسكت) . وقد أورد ابن هشام في كتابه (المغني) شاهداً على ذلك قول الشاعر:
فأعرفَ منك غثي من سميني
فإما أن تكون أخي بصدقٍ
عدواً أتقيك وتتقيني
وإلاَّ فاطرحني واتخذني
فالغث في الأصل هو المهزول وهو هنا الرديء، والسمين في الأصل خلاف المهزول وهو هنا الجيِّد. و (إلاّ) هنا نائبة مناب (إمّا) .
وثمة (إما) من غير هذا الباب، وهي التي تكون شرطية كقوله تعالى: "فإما تَريِنَّ من البشر أحداً فقولي إنّي نذرتُ للرحمن صوماً.. الآية –مريم/١٦". فإما هنا أدغمت فيها نون –إنْ- الشرطية في –ما- الزائدة للتوكيد، فالأصل (إن، ما) . و (تَريِنَّ) فعل الشرط، وقد لحقت به نون التوكيد. أما قوله (فقولي) فهو جواب الشرط. وكذلك قوله تعالى: "إمّا يبلغنَّ عندك الكبرَ أحدُهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً –الإسراء/٢٣". فأمّا هنا ركَّبت من (إن) الشرطية وقد زيدت عليها (ما) تأكيداً، ولذا صحّ لحوق النون المؤكدة لفعل الشرط الذي هو (يبلغنّ) ، وأحدهما فاعل –يبلغن- وجزاء الشرط (فلا تقل) .
٧-إن:
الأكثر في (إِن) بكسر الهمزة وسكون النون أن تكون شرطية نحو قولك: (اِن تجتهدْ تنجحْ) ، أو نافية نحو قولك: (إن أردت إلاَّ نصحك) أي ما أردت غير نصحك. ولكنها قد تأتي زائدة كقول القائل: (ما إن ندمت على سكوتي مرَّة) ، وقد زيدت في هذا المثال بعد (ما) النافية، وكذلك قول الشاعر:
إذن فلا رفعتْ سوطي إليَّ يدي
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
والمعنى: ما أتيت بشيء أنت تكرهه.
والكتَّاب إذا أتوا بأن الزائدة هذه بعد ما النافية، فتحوا همزة (إن) فقالوا: (ما أن جاء خالد حتى بدأ يتكلم ... ) ، ولا وجه له، والصواب (ما إن جاء خالد حتى بدأ يتكلم) بكسر همزة إن.
стр. 537
ولكن هل تزاد (إن) المكسورة الهمزة بعد (ما) إذا لم تكن هذه نافية؟ أقول تزاد (إن) بعد (ما) المصدرية، وشاهده في كتب النحاة قول القريعي:
على السنّ خيراً لا يزال يزيد
ورَجِّ الفتى للخير ما إن رأيته
و (رجِّ) فعل أمر، والفتى مفعول، و (ما) مصدرية زمنية. والمعنى، توقَّع الخير من الفتى ما دمت ترى الخير منه يزيد بتقدّم سنْه.
أما (إن) المفتوحة الهمزة الساكنة النون فقد تزاد ولكن بعد (لمّا) الحينية غالباً كقوله تعالى: "ولما أنْ جاءت رُسُلنا لوطاً سيء بهم.. هود/٧٧".
وزيادة (أن) بالكسر، و (أن) بالفتح لا يعني أن حذفهما وذكرهما سواء، فزيادتهما إنما تفيد التوكيد.
٨-أن المصدرية وحذفها:
أن المصدرية إما أن تذكر فتنصب المضارع في مثل قولك: (لابد أن تعمل لتضمن النجاح) .
وإما أن تضمر فتنصب المضارع في مواضع قياسية، أي كون إضمارها مع استمرار نصبها قياساً، وذلك:
بعد لام التعليل كقولك جئت لألهوَ.
وبعد لام الصيرورة كقوله تعالى: "فالتقطه آلُ فرعون ليكونَ لهم عدوّاً وحَزَناً- القصص/٨".
وبعد حروف العطف: الواو والفاء وثم وأو، كقولك: يأبى الشجاع الفرار ويسلمَ، ويأبى الشجاع الفرار فيسلمَ، ويأبى الشجاع الفرار ثم يسلمَ، بنصب (يسلم) ، فيها جميعاً. وقولك: يطلب الشجاع النصر أو يموتَ، بنصب يموت.
وقد تحذف (أن) المصدرية هذه فتقول (يريد المعلّم يحذر تلاميذه عاقبة الكسل) والأصل (يريد أن يحذّر) ، ويسأل الكتاب، أينصب الفعل هنا وقد حذفت قبله (أن) أم يرفع؟ أقول المشهور رفع المضارع كما ذهب إليه البصريون وعلى رأسهم سيبويه، قال الشاعر:
وأن أشهد اللذات هل أنت مُخلدي
ألا أيّهذا اللائمي أحضر الوغى
والمعنى يا من تلومني في حضوري الوغى لأشهد اللذات، هل تكفل لي الخلود إذا كففت عن الحرب؟
стр. 538
وقد روى البصريون (أحضر) بالرفع، وقال سيبويه: أصله –أن أحضر- فلما حذفت- أن- ارتفع الفعل. ورواه الكوفيون بالنصب واحتجوا بعطف (أن أشهد) على (أحضر) ، فأحضر منصوب لديهم والناصب مضمر قبلها لضرورة الشعر.
أقول ما دام المعول على ما جاء من ذلك في كلام الفصحاء، فقد ورد رفع المضارع بعد حذف (أن) الناصبة في الاختيار. من ذلك ما جاء في حديث جابر بن سمرة: "فشكوه حتى ذكروا أنه لا يُحسن يُصلي" برفع (يُصلّي) . وفي الحديث أيضاً: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر حدُّث على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" برفع (تُحدُّ) ، أي لا يحل لها ترك الزينة لحزنها فوق ثلاث. وفي كلام الجاحظ، كما حكاه الثعالبي في كتابه (لطائف اللطف) : "أتحسنين تضربين بالعود"، والأصل: أن تضربي.
وعلى ذلك المثل المشهور (تسمعُ بالمُعَيدي خيرٌ من أن تراه) برفع (تسمع) ، والأصل: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه.
وفي التنزيل: "قل أفغيرَ الله تأمرونّي أعبدُ أيها الجاهلون –الزمر/ ٦٤"، برفع (أعبد) ، والتقدير أتأمروني بعبادة غير الله؟
فثبت بذلك مجيء المضارع مرفوعاً في الاختيار مع حذف (أن) الناصبة، أما جواز النصب فيه فقد قال به الكوفيون، ولكن عند الضرورة، لا في الاختيار. فما جاء من ذلك فهو شاذ.
٩-إنّ وأنّ:
يشكل على الكتاب حيناً متى تكسر همزة (ان) المشددة ومتى تفتح. والقاعدة في التفريق بينهما أنه كلما أمكن إنزال (أن) وما بعدها منزلة المفرد فاعلاً أو مفعولاً أو مبتدأ أو مجروراً ... فتحت همزتها، ففي قولك مثلاً: (بلغني أنك مسافر) جاء أن وما بعدها في تأويل المفرد مرفوع المحل فاعلاً، أي بلغني سفرُك.
وفي قولك: (علمت أنك قادم) جاء أن وما بعدها في تأويل المفرد منصوب المحل مفعولاً به، علمت قدومك.
وفي قولك: (الحق أنك موفق) جاء في تأويل المفرد مرفوع المحل على الخبر أو الابتداء أي: الحق كونك موفقاً.
стр. 539
وفي قولك بعد –لو-: (لو أنك قائم لكان كذا) أي لو ثبت قيامك..
وبعد –لولا-: (لولا أنك عالم لفعلت) أي لولا علمك ...
وبعد –ما- المصدرية: (أنفق ما أنك قادر) أي ما استمرت قدرتك ...
وبعد الجار نحو: (عجبت من أنك غاضب) أي من غضبك.. أو شهدت بأنك عالم، أي بعلمك، وهكذا..
وكلما كانت (ان) وما بعدها في تقدير الجملة كسرت همزتها، كأن تكون جواب القسم لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة نحو (والله إنك صادق) ..
وبعد (القول) نحو (أقول إنك شاعر) لأن مقول القول جملة، وبعد الدعاء نحو قوله تعالى: "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهّاب –آل عمران/٨".وبعد النهي نحو قوله تعالى:" لاتحزن إنَّ الله معنا- التوبة/٤٠".
وهكذا يجوز الوجهان كلما أمكن التأويل بالمصدر وعدمه، نحو: (أوّل قولي إني أحمد الله) بالكسر بتقدير أول قولي هذه الجملة، والفتح بتقدير: أول قولي حمدُ الله، وهكذا ...
١٠-وإن كان:
يشيع في كلام الكتَّاب جملٌ مختلفة يتخللها قولهم (وإن كان) ، فهم يقولون حيناً: (خالد، وإن كان حسن الخلق، إلا أنه بخيل) ، ويقولون: (خالد، وإن كان حسن الخلق، لكنه بخيل) . كما يقولون: (خالد، وإن كان..، فإنه بخيل) ، ويقولون: (خالد، وإن كان..، بخيل) ، فأي هذه الأقوال هو الصحيح؟
أقول: يعترض على الجملة الأولى أنه أخبر فيها بالقول (إلا أنه بخيل) ، وعلى الثانية أنه أخبر فيها بالقول (لكنه بخيل) . ذلك أنه جاء في صدر الجملة (خالد) مرفوعاً بالابتداء وهو يتطلب الخبر، وجاء الخبر مصدراً بإلاّ ولكن، وهما أداتان للاستدراك، والاستدراك لا يأتي إلا بعد تمام الجملة. تقول: (خالد حسن الخلق، لكنه بخيل) أو (إلا أنه بخيل) .
أما الإخبار بجملة يتصدرها أداة استدرك فغير جائز. وكذلك إذا تصدرها حرف إضراب أو نداء، كما ذكره الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه (همع الهوامع- ١/٦٩) نقلاً عن شارح كافية ابن الحاجب الإمام محمد بن سليمان الكافيجي.
стр. 540
على أن هذا الذي منعه النحاة هنا قد وقع في كلام الأئمة. فقد قال أبو جعفر الإسكافي في الرد على الجاحظ: "ونحن، وإن كنا نعتقد إخلاص أبي بكر وإيمانه الصحيح السليم وفضيلته التامة، إلا أننا لا نحتج له بمثل ما احتج به الجاحظ من الحجج الواهية – رسائل الجاحظ. خلاصة نقض كتاب العثمانية لأبي جعفر الإسكافي –جمع حسن السندوبي/٤٦".
وجاء في رسالة للبديع الهمذاني إلى أبي بكر الخوارزمي: "إني، وإن كنت في الأدب دعيَّ النسب ضعيف السبب ضيق المضطرب ... ولكن بقي أن يكون الخليط منصفاً في الوداد.. رسائل الهمذاني –مطبعة الجوائب- ص/١٧".
وقد أشار إلى جواز ذلك بعض النحاة. إذ جاء في حاشية الصبان على الأشموني في شرح ألفية ابن مالك: "واعلم أنه استشكل وقوع الاستدراك خبراً على نحو: زيد وإن كثر ماله لكنه بخيل، مع وقوعه في كلامهم" وأردف: "وخرجه بعضهم على أن الاستدراك خبر عن المبتدأ مقيداً بالغاية" أي أنه ما دام المبتدأ مقيداً بالشرط (وإن كثر ماله) فالمعنى (زيد كثير ماله) ولذا صح الاستدراك بعده. ثم أردف: "وبعضهم جعل الخبر محذوفاً والاستدراك منه، كذا في الشهاب علي البيضاوي –حاشية الصبان- ج٢- ص١٢".
وعلى هذا صح قولك (إلا أنه بخيل) و (لكنه بخيل) بعد أن ثبت وقوعه في كلامهم. ولو أن الأصل ألا يأتي الاستدراك إلا بعد تمام الكلام كقول الشافعي:
عليهم الدهر بالأحزان والمِحَنِ
لو أنصفوا أنصفوا، لكن بغوا فبغَى
стр. 541
وأما قولهم: (فإنه بخيل) بدخول الفاء على توهم وقوعها في جواب الشرط فهو شائع. قال الجاحظ في كتابه (حجج النبوة) : "كل إنسان، وإن كان يرى أنه حاسد في شيء، فهو يرى أنه محسود في شيء- رسائل الجاحظ لحسن السندوبي- ص١٢٨". وجاء في كتاب "أمالي القالي- ١/٢٧١ المطبوع ١٣٢٤) عن سعيد بن مسعدة الخفش: "اعتذر رجل من العرب إلى بعض ملوكهم فقال: إن زلَّتي، وإن كانت قد أحاطت بحرمتي، فإن فضلك يحيط بها وكرمك يوفي عليها". ومثل ذلك كثير في كلام الفصحاء.
وأما قولهم: (خالد، وإن كان حسن الخلق، بخيل) فإنه الأصل لأنه على تقدير (خالد بخيل وإن كان حسن الخلق) . وقد يكون الخبر جملة فعلية كقول الجاحظ: "إنه، وإن كان يألفه أكثر من أبويه ... ، لم يكن الإلف ليخرجه عما نشأ عليه. خلاصة كتاب العثمانية من رسائل الجاحظ للسندوبي ٢٤"، وقد يكون الخبر جملة اسمية، كما جاء في كليلة ودمنة (باب الفحص عن أمر دمنة ١٣٢) : "ولست أقول هذا كراهة للموت فإنه، وإن كان كريهاً، لا منجى منه، وكل حي هالك"!
وقد بحث هذا الأستاذ محمد علي النجار في كتابه (لغويات ٦٥) وانتهى إلى القول: "وبعد فالأسلوب الصحيح البراء من التكلُّف ألاَّ يقترن الخبر بأداة مما ذكر، وأن يطرح ما اطرحته العرب ونعود إلى العربية الصافية ٣٧". وهو يعني بالأسلوب المتكلّف المطّرح إدخال أداتي الاستدراك (لكن وإلاَّ) على الخبر، أقول: قد جاء هذا الأسلوب في كلام كبار الكتَّاب في العصور المتقدمة كما رأيت، وقد حمل ذلك النحاة على أن يتأولوا له وجهاً. فالمختار عندي هو إجازته.
١١-وإلاَّ لكان:
من مواضع (إلاَّ) بكسر الهمزة وتشديد اللام أن تفيد معنى التأكيد. فإذا قلت: (ادفع ما عليك وإلاَّ قوضيت) فإن (إلاَّ) تؤكد ما قبلها أي توجب الدفع، وتعلّق ما بعدها أي (المقاضاة) على انتفاء ما قبلها، فلا مقاضاة ما لم يمتنع الدفع.
стр. 542
وقد شاع في كلام الكتَّاب والمصنفين منذ القدم نحو قولهم: (ادفع ما عليك وإلا لقوضيت) بإدخال اللام على الجواب فهل هذا صحيح؟
أقول تتألف (إلاَّ) من (إن) الشرطية و (لا) النافية، وقد جرى بين النون واللام إدغام المتجانسين، فهل يجوز دخول اللام في جواب (ان) الشرطية؟
أجاز بعض الأئمة دخول اللام في مثل هذا الموضع. قال الإمام شهاب الدين أحمد الخفاجي في (شفاء الغليل-ص١٧٦) : "إدخال اللام في جواب (لو) ظاهر، وأما في جواب (إن) فقيل إنه من خطأ المصنفين، وليس كذلك، لأنها تُخرَّج على أنها جواب –لو- مقدراً، والتقدير في قولهم- وإن لكان كذا- فلو كان لكان كذا- ترقياً من مرتبة الشك إلى الجزم....".
وقال الإمام الأزهري في شرح قواعد الإعراب: "ومنع الجمهور دخول اللام في جواب –إن- وأجازه ابن الأنباري".
وجاء في حاشية المغني قول الإمام محمد الأمير: "قال الشاعر:
لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
أما والذي لو شاء لم يخلق النَّوى
قوله: لما غبت، قال الدمايني يمكن أنه جواب –إن- والجملة جواب القسم فيكون سَنَداً لنحو قولهم: وإلا لكان كذا".
فثبت بهذا ذهاب بعض الأئمة إلى جواز قولك (ادفع ما عليك وإلا لقوضيت"، وقد بحث هذا الأستاذ أسعد داغر في كتابه (تذكرة الكاتب) ، فمنع قول القائل (وإلا لنجح) ، ثم عمد إلى إجازته، في ملحق التذكرة، ولم يشر إلى أنه جاء يستدرك بهذا ما سبق أن منعه، إذ قال: "أنهم أجروا إن الشرطية مجرى –لو- في إدخال اللام على جوابها كقولهم: وإلا لكان كذا، لكنهم لم يجروا –إذا- هذا المجرى"
أقول وقد تعامل –لو- أيضاً معاملة- إن- فتقول (أنت لا تكرمني ولو أكرمتك) وأنت تريد (وان أكرمتك) . أما (إذا) فلم يقل أحد بدخول اللام في جوابها، كما تقدم الكلام عليه.
стр. 543
وقد بحث الأستاذ محمد علي النجار نحو هذا في كتابه (لغويات –ص ٢١ و٢٢) إذ تحدَّث عن دخول لام جواب القسم لا لام جواب لو، دخولها في جواب (إن) دون إذا وانتهى إلى القول: "على أن هذا التخريج لا تسكن إليه النفس كل السكينة. فهو إنما ورد مع إن، ولم يرد مع إذا. وأن أمُّ الباب في الشرط، فلا بدع أن تختص ببعض الأمور، ولا يجب أن يقاس عليها في جميع أحكامها سواها، وهو لا يستقيم أيضاً لو قيل مثلاً: إذا أتيتني لأقوم بإكرامك، فإن الواجب، على تقدير القسم، أن يقال: لأقومنَّ بالتأكيد، كما هو معروف". ولذا قل: ليس لديَّ ما أعطيك وإلا لأكرمتك، وسأكرمك ولو لم تزرني، ولا تقل إذا أتيتني لأكرمتك.
١٢-أيْ:
أيْ المفتوحة الهمزة الساكنة الياء حرف تفسير، على المشهور. تفسَّر بها الجمل كما تفسَّر المفردات. ومثال التفسير بالجُمَل قول الشاعر: (وترمينني بالطرف أي أنت مذنب) ، وقولك (سألته أن يحضر أي طلبت منه الحضور، وقولك (قُطع رزق خالد أي مات) ببناء –قُطع- للمجهول، ولا أشكال في ذلك.
وتفسَّر بأي المفردات، تقول (أكرمت خالداً أي أباك) ، فيقع الأشكال فيما بعد (أي) ، ما محلّه من الإعراب!
أقول المشهور أن يقع الاسم بعد (أي) المفتوحة الساكنة بدلاً من الاسم قبلها، فيرفع أو ينصب أو يجر مثله. تقول: جاء أي خالدٌ بالرفع فيهما، ولقيت أخاك أي خالداً بالنصب فيهما، وظفرت بأخيك أي خالد بالجر فيهما.
وأجاز بعضهم النصب بفعل مضمر بعد المرفوع والمجرور. تقول: جاء أخوك أي خالداً، وتقديره أعني خالداً، كما تقول: أحسنت إلى أخيك أي خالداً، وتقديره أعني خالداً.
كما أجازوا الرفع بعد المنصوب والمجرور، على الاستئناف، كما جاء في اللسان. على أن المشهور هو اتباع ما بعد (أي) ما قبلها رفعاً ونصباً وجراً.
١٣-أيّ:
أيّ بفتح الهمزة وتشديد الياء، تكون اسماً للاستفهام أو الشرط أو الموصول:
стр. 544
ومثال الاستفهام قولك: أي الناس أفضل؟ فتكون أي مرفوعة بالابتداء وخبرها أفضل، ويأخذ بعض النقاد على الكتاب قولهم: أيهما أفضل العلم أم المال؟ ويرون هذا خطأ ويجدون الصواب: أيما أفضل العلم أم المال؟ لأن الضمير في –أيهما- عاد إلى اسم ظاهر تأخر عنه لفظاً وتقدم رتبة وهو العلم والمال، وهذا لا يجوز. قال الدكتور مصطفى جواد في كتابه (قل ولا تقل) : "قل أيما أفضل العلم أم المال؟ ولا تقل: أيهما أفضل العلم أم المال، ذلك لأن –هما- في قولك –أيهما- ضمير يعود إلى اسم ظاهر تأخر عنه لفظاً وتقدم رتبة عوداً غير مجاز ... ".
أقول جاء في كلام الفصحاء (أيما) و (أيهما) في مثل هذا الموضع. ففي نهج البلاغة: "أيما أفضل العدل أو الجود. قال ﵇ العدل يضع الأمور مواضعها والجود يخرجها من جهتها، والعدل سائس عام والجود عرض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلهما –٣/٢٥٧-٢٥٨". وفي كتاب الحيوان للجاحظ: "أيّهما أشد الشتاء أم الصيف.." فصح بذلك الوجهان أيّما أفضل كذا أم كذا، وأيهما أفضل كذا أم كذا.
وقد تدل (أي) الاستفهامية على التعجب حيناً في مثل قولك (أي شاعر هذا الذي سمعت) أو تدل على الكمال كقولك (سمعت شاعراً أي شاعر) فتكون –هذه صفة لنكرة والمعنى أنك تثني عليه بكل ما يُمدح به الشاعر. وتقول في هذا المعنى: (لله درّ زيد أيّ شاعر) فتنصب (أي) على الحال بعد المعرفة أو ترفع (أي) على الابتداء فتكون استفهامية.
стр. 545
ومثال مجيء (أي) اسماً للشرط قولك: أي رجل يُخلص في عمله يلق نجاحاً، فأي مرفوعة بالابتداء والجملة بعدها خبر. وفعل الشرط (يخلص) والجزاء (يلق) مجزومان. وهكذا قوله تعالى: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى- الإسراء /١١٠". والمعنى أيّ هذين تدعوا فهو حسن. فتكون –أيّاً- منصوبة مفعولاً به مقدماً لتدعوا، و –ما- زائدة للتأكيد. وفعل الشرط –تدعوا- مجزوم، وقد دخلت الفاء في الجزاء. وكذا قولك: بأيِّ سببٍ تعتذر يقبل اعتذارك، ففعل الشرط –تعتذر- وفعل الجزاء- يقبل- مجزومان.
ويسأل الكتاب أتتبع- أي- ما تضاف إليه في الشرط والاستفهام فتذكَّر مع المذكَّر وتؤنث مع المؤنث!
أقول بحث هذا الأستاذ محمد العدناني في كتابه (معجم الأخطاء اللغوية المعاصرة) فأوجب التذكير دوماً، إذ قال: "ويقولون أية طالبة فازت بالجائزة؟ والصواب: أي طالبة، لأن –أي- الاستفهامية إذا أضيفت إلى نكرة ثبت لفظها مفرداً دائماً. وأي الشرطية كالاستفهامية". وليس الأمر على ما قال العدناني.
ففي الصحاح: "وتقول أي امرأة جاءتك أو جاءك، على الاستفهام، وأية امرأة جاءتك؟ " فأجاز الوجهين: أي امرأة وأية امرأة. وجاء في المصباح المنير: "والأفصح استعمال –أي- في الشرط بلفظ واحد للمذكر والمؤنث" فآثر التذكير مع المؤنث ولم يوجبه، وكذا الحال في الاستفهام.
وتأتي (أي) اسم موصول في ثلاث أحوال:
أن يحذف مضافها ويبقى العائد أي الضمير كقولك: (كافئ أيّاً هو مخلص) ، فتكون معربة، أو يذكر مضافها وعائدها كقولك: (جاءني أيّهم هو ناجح) ، فتكون معربة أيضاً، أو يذكر مضافها ويحذف عائدها كقولك: (أكرم أيّهم أحسن أخلاقاً) فتكون –أي- مبنية على الضم في محل نصب: أي أكرم أيهم هو أحسن أخلاقاً، هذا هو المشهور، ومنهم من أجاز إعرابها في هذه الحال أيضاً.
стр. 546
قال الإمام السيوطي في كتابه (معجم الأدوات النحوية وإعرابها) : "وهي –يعني أيّاً- في الأوجه الثلاثة معربة، وتبنى في الوجه الثالث على الضم إذا حذف عائدها وأضيف كالآية- لننزعنَّ من كل شيعة أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّاً –مريم ٦٩- أي أيُّهم هو أشد وأعربها الأخفش..".
وقد اشترط النحاة في (أي) الموصولة هذه أن تضاف إلى معرفة، وذهب بعضهم إلى جواز إضافتها إلى نكرة واحتجَّ بقوله تعالى: "وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون – الشعراء ٢٢٧" أي المنقلب الذي ينقلبونه، كما فعل ابن عصفور الأندلسي. والجمهور على أن (أيّاً) ها هنا استفهامية، والجملة قد سدت سد مفعولي (سيعلم) . فإذا صحت إضافتها إلى نكرة، وقد ورد ذلك في الشعر، صح قول القائل: (اسلك أي طريق تريد) أي الطريق الذي تريد.
وقد يسأل سائل ما الرأي في قولهم: (أيّهم تأتي يكرمك) أيرفع فيه الفعلان أم يجزمان؟
أقول تحتمل (أي) هنا الموصولية والشرطية. فإذا كانت الأولى رفعت الفعلين، و (أي) مرفوعة على الابتداء، ويكرمك هو الخبر. وإذا كانت الثانية جزمت الفعلين فقلت (أيُّهم تأتِ يكرمْك) ، وتكون (أي) مفعولاً به مقدماً لفعل (تأت) فتأمل.
١٤-إيّاك:
إيّاك بكسر الهمزة وتشديد الياء المفتوحة مركبة من (إيّا) وهو ضمير نصب منفصل بني على السكون. و (الكاف) حرف للخطاب كالكاف في (ذلك) أو الهاء في (إياه) أو الياء في (إياي) . ففي قوله تعالى: "إيّاك نعبد": إيّا ضمير نصب منفصل بني على السكون في موضع نصب مفعول به لفعل (نعبد) . والكاف حرف خطاب للمذكر بني على الفتح. و (نعبد) فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر فيه وجوباً تقديره (نحن) . ويقع الأشكال في استعمال (إياك) في المواضع التالية:
стр. 547
١-في مثل قولك: (ما استقبلت إلا إياك) . فما نافية، واستقبلت فعل وفاعل. و –إلا- حرف لإيجاب النفي. و (ايّا) في محل نصب مفعول به. والكاف حرف للخطاب. والسؤال: -هل يصح قولك (ما استقبلت إلاَّك) بإحلال (الكاف) الضمير المتصل محل (إيّاك) الضمير المنفصل؟
أقول منع ذلك بعضهم كالحريري في (درّة الغوَّاص) وأجازه آخرون محتجين بما جاء من ذلك في شعر المتقدمين. وأقر هذا ابن مالك. كما أشار إليه ابن هشام في (أوضح المسالك) . وصرَّح ابن الأنباري بجواز وقوع الضمير المتصل محل المنفصل.
٢-وفي مثل قولك: (إياك والكذب) للتحذير. فـ (إياك) مفعول به لفعل مضمر محذوف بصيغة الأمر نحو (دَع أو اتَّقِ) ، والواو عاطفة، و (الكذب) معطوف على المفعول. والسؤال: هل يصح قولك (إياك الكذب) بحذف الواو العاطفة؟ أقول أجازوا ذلك وقدروا لنصب (الكذب) فعلاً مضمراً غير ما أضمروه في نصب (إياك) . وصحَّ كذلك قولك: (إياك من الكذب) و (إياك أن تكذب) .
٣-وفي مثل قولك: (قرأت الكتاب إياه) كما شاع ذلك على ألسنة الكتَّاب، وهكذا قولك (إن اللجنة إياها قامت بذلك) فهل هذا صحيح؟
أقول لا وجه لقولهم هذا، والصحيح: (قرأت الكتاب نفسه) و (إن اللجنة نفسها قامت بذلك) ، ولا محل لـ (إياه) و (إياها) فيما تقدم البتة، إذ ليس ثمة ما يستوجب ذكر ضمير النصب ولا علاقة له بالتأكيد الذي أريد بذكره.
١٥-الاستئناف وأداته:
الاستئناف في الأصل ابتداؤك جملة لا تكون في سياق ما سبقها من حيث الإعراب، ولو كانت على اتصال بها من حيث المعنى. ويأتي الاستئناف النحوي جواباً عن سؤال مقدَّر ﴿سواء اقتضته الجملة الأولى أو لم تقتضه. ففي قوله تعالى: "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمَّارة بالسوء- يوسف/ ٣" قد أتت الجملة المستأنفة جواباً عن سؤال مقدَّر اقتضته الجملة الأولى، وهو: وهل النفس أمّارة بالسوء؟ وفي قول الشاعر:
وتظنّ سلمى أنني أبغي بها بدلاً، أراها في الضلال تهيم
стр. 548
أتت جملة (أراها) مستأنفة، فكانت جواباً عن سؤال مقدَّر لا تقتضيه (وتظن) بالضرورة وهو: وما قولك فيما تظن سلمى؟
ولكن هل ثمة أداة للاستئناف. أقول الأصل ألاَّ تكون ثمة أداة.
فإذا اختلفت الجملتان خبراً وإنشاءً فلا محل بينهما لأداة من عاطف أو سواه. تقول (توفي خالد ﵀ ولا تقول (ورحمه الله) . فـ (توفي خالد) جملة خبرية و ﵀ إنشائية مستأنفة، فلا محل بينهما لعاطف لامتناع عطف الإنشاء على الخبر أو الخبر على الإنشاء، عند الأكثرين. ومن ذلك قوله تعالى: "خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون- النحل٣"، فالجملة الأولى خبرية والثانية إنشائية مستأنفة، ولا محل بينهما لعاطف.
ويصح استئناف الجملة المستأنفة بالفاء، إذا لم تختلف الجملتان خبراً وإنشاءً، كقوله تعالى: "فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً- الجن ١٧"، وقوله تعالى: "ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً –طه١١٢". فقوله (فلا يخاف) في الآيتين، هو في الأصل جواب الشرط. فمن رفع (فلا يخاف) استأنف بالفاء وكان التقدير (فهو لا يخاف) ، ومن جزم (فلا يخف) فعلى النهي.
وهكذا قوله تعالى: "بديع السموات والأرض إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون –البقرة ١١٧"، فالجمهور على أن من قرأ (فيكون) بالرفع كان ذلك عطفاً على (يقول) ، أو هو على الاستئناف بالفاء، على تقدير (فهو يكون) .
وقد جعلوا من ذلك قول الحُطيئة: (يريد أن يعربه فيعجمُه) برفع (فيعجمُه) على الاستئناف بمعنى فإذا هو يعجمه، لأنه لا يريد الإعجام.
ولكن جاء قوله تعالى: "عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يُشركون –المؤمنون ٩٢". فما مسوَّغ دخول الفاء على الجملة الإنشائية والأصل أن يستأنف الإنشاء بعد الخبر، بلا أداة؟
стр. 549
أقول تقدَّم الآية المذكورة قوله تعالى: "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولَعَلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون –المؤمنون ٩١". ثم تلاه قوله تعالى: "عالم الغيب والشهادة.." بالجر على أنه صفة لاسم الجلالة، في قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي عمرو ويعقوب وحفص، فجاء هذا دليلاً آخر على نفي التشريك، بناء ًعلى توافقهم في أنه المتفرِّد بذلك، كما قال الإمام البيضاوي في تفسيره، ولهذا رتّب عليه قوله: (فتعالى عمّا يشركون) بالفاء. أقول ما دام قد ترتب (فتعالى) على ما قبله، فالفاء فيه للسبب لا للاستئناف، وقد ذهب جماعة، ومنهم الفراء، إلى أنها للاستئناف.
وكذلك قوله تعالى: "إنّا أعطيناك الكوثر فصلِّ لربك وانحر –الكوثر". فالأكثرون على أن الفاء في قوله (فصلِّ) إنما هي للسبب، لأن الإنعام في قوله (إنّا أعطيناك الكوثر) قد تسبب في الشكر فتطلّب الصلاة، وقد ذهب إلى هذا ابن هشام في (المغني) وقال: "إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر ولا العكس –١/١٤٠".
стр. 550
ولكن هل تأتي (الواو) للاستئناف كما تأتي (الفاء) . أقول جاء قوله تعالى: "من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون -الأعراف ١٨٦". فقرئ (ويذرهم) بالرفع على الاستئناف وبالجزم عطفاً على موضع جواب الشرط (فلا هادي) . وبحث هذا الإمام الزمخشري في كشافه فذكر أن الرفع على الاستئناف، ولكنه قصد بذلك الاستئناف البلاغي الذي يعني عطف الفعل على جواب سؤال محذوف، كأن يكون السؤال: أهؤلاء يضلّهم الله ولا يهديهم أحد، فيكون الجواب: نعم يضلّهم ويذرهم في طغيانهم يعمهون. فالواو هنا عاطفة على كل حال، بالجزم أو الرفع جميعاً. والفرق بين الاستئناف البلاغي أو البياني والاستئناف النحوي أن البلاغي ما كان جواباً عن سؤال مقدَّر اقتضته الجملة الأولى أو معطوفاً عليه، فهو أخصّ مطلقاً من النحوي، وقد جاء نحو من هذا في كتاب القطوف الدانية في العلوم الثمانية لمحمد أمين السفرجلاني/ ١٩٩".
* * *
هذا ما رأيت الكشف عنه في استعمال هذه الطائفة من الأدوات النحوية، جلاءً لما قد يعترض الكتَّاب فيها من اللبس. فلابد أن يكون لهم من معرفة ذلك حظّ ومن تدبّره نصيب، تجنباً للخطأ وابتغاءً لحسن الأداء وإحكام البيان. ومن الله العون.
стр. 551
الاشتقاق الكبير والقلب
أجرينا الكلام في آخر عدد من المجلة حول الاشتقاق عامة، فعرضنا للاشتقاق الصغير وما تفرع عليه من المسائل على وجه المخصوص.
فالاشتقاق عامة، كما يقول الميداني، هو أن تجد بين اللفظين تناسباً في أصل المعنى فترد أحدهما إلى الآخر، فالمردود مشتق والمردود إليه مشتق منه. والاشتقاق الصغير خاصة نزعك لفظاً من لفظ، ولو مجازاً، بشرط أن يكون بين اللفظين اتفاق في الحروف الأصول وترتيبها، وتناسب في المعنى، كاشتقاقك الضارب من الضرب. وقد عنوا بقولهم (ولو مجازاً) أحد أمرين: الأول أن تنزع المشتق من المشتق منه، وهو منطوٍ على معناه المجازي، كاستعمالك المثقف (اسم المفعول) بمعنى المؤدب والمعلم، اشتقاقاً من التثقيف بمعنى التأديب والتعليم، وعلى المجاز. والثاني أن تطلق (الضارب) مثلاً على من لم يضرب لأنه سيضرب، وهو في الحقيقة لمباشر الضرب، أو على من ضرب وهو لا يضرب الآن، كما ذهب إليه بعضهم.
وإذا بني الاشتقاق الصغير على اتفاق الحروف الأصول وترتيبها، فملاك الأمر في الاشتقاق الكبير أن يكون اتفاق بين الحروب دون تريبها، ومثاله: كمل وملك ولكم.. وهو يخالف الاشتقاق الأكبر الذي حدّه أن تتفق في اللفظين بعض الحروف وتتقارب في الباقي نحو جبل وجبر، وحلف وحرف، وهمس وهمش. وأما القلب فلا يعني اصطلاحاً غير تغيير مواضع الأحرف في اللفظ مع التزام معناه نحو يئس وأيس وسنبسط القول فيما تقدم على هذا النحو:
١-الكلام على الاشتقاق الكبير.
٢-مرجع القول بالاشتقاق الكبير، وشأنه في المد اللغوي.
٣-ما الفرق بين الاشتقاق الكبير والقلب.
٤-ما الذي أراده الأئمة بالقلب اصطلاحاً.
٥-نصوص الأئمة وكلام الباحثين في القلب.
٦-المقلوب وما جاء على هيئته.
٧-كيف يستدل على صحة القلب.
٨-أيقع القلب اصطلاحاً في الثنائي المضاعف.
٩-العلاقة بين دلالة اللفظ ومقلوبه هل هي علاقة تضاد؟
١٠-ما دلالة المقلوب في الثنائي المضاعف.
١١-هل يقع الترادف في الثنائي بين المقلوب والمقلوب عنه؟
١٢-ما موقع دلالة الثلاثي من مقلوبه؟
١-الكلام على الاشتقاق الكبير
стр. 552
يعرف الاشتقاق الكبير، كما تقدم، بتعويله على ائتلاف الحروف في المادة دون ترتيبها، وهو يلزمك أبداً أن تتلمس للحروف الأصلية المؤتلفة هذه، أصلاً مشتركاً من المعنى، على أي صورة شكلت. وإذا كان ابن فارس قد تذرع في (المقاييس) بالاشتقاق الصغير ليرد مفردات المادة الواحدة إلى أصل من المعنى، فقد تذرع ابن جني، وأستاذه أبو علي حينا، بالاشتقاق الكبير، لينشد في تقاليب المادة كيف ركبت، جنساً من المعنى.
ولم يدّع ابن فارس أنه حقق منحاه في (الاشتقاق الصغير) فيرد المفردات إلى أصل واحد في كل مادة، كما لم يبلغ ابن جني شأوه في رد تقاليب كل مادة إلى جنس من المعنى، بل لم يستوف التقاليب في المادة الواحدة، كل حين.
стр. 553
قال ابن جني في الخصائص (١/٥٢٥-ط/١٩١٣) وقد أسمى الاشتقاق الصغير بالأصغر، والكبير بالأكبر: (هذا موضع لم يسمِّه أحد من أصحابنا. غير أن أبا علي، ﵀، كان يستعين به ويخلد إليه، مع إعواز الاشتقاق الأصغر – أي الصغير. لكنه مع هذا لم يسمه، وإنما كان يعتاده عند الضرورة ويستروح إليه ويتعلل به. وإنما هذا التلقيب لنا نحن، وستراه فتعلم أنه لقب مستحسن. ذلك أن الاشتقاق عندي على ضربين، كبير وصغير، فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم. كأن تأخذ أصلاً من الأصول فتقرأه فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغه ومبانيه. ذلك كتركيب، من س ل م، فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفاته نحو سلم ويسلم وسالم وسلمى والسلامة.. وأما الاشتقاق الأكبر – أي الكبير – فهو أن تأخذ أصلاًً من الأصول الثلاثة فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها، عليه، وإن تباعد شيء من ذلك زدّ بلطف الصنعة والتأويل إليه. كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد. وقد كنا قدمنا ذكر طرف من هذا الضرب، من الاشتقاق، في أول هذا الكتاب، عند ذكر أصل الكلام والقول، وما يجيء من تقليب تراكيبها نحو: ك ل م، ك م ل، م ل ك، ل ك م، ل م ك، وكذلك في ق ول، وق ل،.و. وهذا أغوص مذهباً وأحزن مضطرباً، وذلك أنا عقدنا تقاليب الكلام الستة، على القوة والشدة، وتقاليب القول الستة، على الإسراع والخفة..) وختم كلامه بقوله: (واعلم أنَّا لا ندّعي أن هذا مستمر في جميع اللغة، كما لا ندّعي للاشتقاق الأصغر – أي صغير – أنه في جميع اللغة. بل إذا كان ذلك الذي هو في القسمة سدس هذا أو خمسه متعذراً صعباً، كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهباً وأعز ملتمساً ٥٣٠..)
стр. 554
وقد تكلف الأئمة من الجهد، في تقليب الأصل الواحد على وجوهه كيف شُكلت، ما ألجأهم إلى مضايق ومآزق لا مخرج منها ولا محيض. قال ابن جني في الخصائص (١/١١) : (على أن هذا وإن لم يطَّرد وينقد في كل أصل، فالعذر على كل حال فيه، أبين منه في الأصل الواحد، من غير تقليب لشيء من حروفه. فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد من أن تنظمه قضية الاشتقاق، كان فيما تقلبت أصوله، فاؤه وعينه ولامه، أسهل، والمعذرة فيه أوضح) .
وقال السيوطي في مزهره (١/٢٠٢- ط. المكتبة الأزهرية) : (ولا ينكر مع ذلك أن يكون بين التراكيب المتحدة المادة معنى مشترك بينها هو جنس لأنواع موضوعاتها. ولكن التحيل على ذلك في جميع مواد التركيبات كطلب لعنقاء مغرب) ١.
وهكذا تراءى لابن جني في تقاليب (ك ل م) القوة والشدة، وتقاليب (ق ول) الإسراع والخفة. كما تصور في تقاليب (ج ب) القوة والشدة أيضاً. واستدراك فقال: (وإن تباعد شيء من ذلك رُد بلطف الصنعة والتأويل إليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد) وأشار إلى أن في تركيب (جبر العظم) قوة، وفي (جبر الملك) قوته، وأنه إذا (جربت) المرءَ أمور اشتدت بها شكيمته، و (الجراب) للحفظ، وفي الحفظ قوة.. وهكذا (البرج) ففيه قوة، و (الرجبة) ما تستند إليه النخلة، وفي الدعم والإسناد قوة. لكنه ذكر (البجرة) وقال إنها (السرة) ، وفي السرّة نتوء وغلظة فأين ملمح القوة فيهما، أتراه في قولهم (هذا أمر بجريّ) أي عظيم، والجمع البجاري وهي الدواهي العظام؟ وهو لم يعرض (للجرب) وهو داء الجلد.
فقد جاء في الصحاح: (أجرب الرجل جربت إبله.. وأرض جرباء مقحوطة) فأين ملحظ القوة في هذا؟
قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه دراسات في فقه اللغة/ ٢١٩ (ترى ألم يكن ممكناً أن يسلك ابن جني تقليب – ج ر ب- في باب التضاد الذي هو ضر ب من المشترك فيكون في الرجل المجرّب معنى القوة، وفي الرجل الأجرب معنى الضعف!) .
стр. 555
أقول لسنا نأبى في هذا تأويلاً، وباب التأويل متسع ومذاهب الاحتيال لا تضيق، ولكن إذا جاز أن تتسع في تلمس المعنى المشترك الذي يتأدى إلى ضم دلالات هذه التقاليب حتى نستسيغ أن نؤلف بين المعنى وضده، فأي تلطف هذا الذي نتذرع به ليؤول الأمر به إلى عكس مآله. أوليس صنيعنا هذا أشبه أن يكون تلعُّباً لا يثمر ولا الظن، أو تحيلاً لا يقذف إلا بالغيب ولا يضرب إلا في شعاب الرجم.
أما ما ذهب إليه الدكتور الصالح من أن باب التضاد يعد ضرباً من المشترك، فيمكن أن يصدق هاهنا إذا ابتغينا لصور المادة جنساً آخر من المعنى يحتمل الجمع بين القوة والضعف كالجلل حين يقدّر أنه موضوع للغاية في الشيء فيوصف به العظيم والحقير.
هذا وقد حمل التكلف أو التعسر في التأويل الإمام السيوطي إلى أن يقول في مزهره حول الاشتقاق الكبير (١/٢٠٨) : (وهذا مما ابتدعه الإمام أبو الفتح وكان شيخه الفارسي يأنس به يسيراً، وليس معتمداً في اللغة ولا يصح أن يستنبط به اشتقاق في لغة العرب) . ومن ثم كان لا بد في التماس الدلالات لمختلف صور المادة أن يحتاط مما يروم منه الباحث مراماً قصياً يضيق عنه طوقه ويفوت ذرعه فتقصر عنه كل همة. ولم يقف الأئمة في الاشتقاق الكبير عند تقليب الثلاثي بل تصوروا احتمال التقليب فيما فوقه. وقد بحث هذا الاشتقاق العلامة الحاتمي وتلميذه السكاكي في مفتاح العلوم بما رواه عنه، وابن الأثير في المثل السائر. قال السكاكي في المفتاح (٧) : (وإن تجاوزت إلى ما احتملته من معنى أعم من ذلك كيفما انتظمت، مثل الصور الست للحروف الثلاثية المختلفة من حيث النظم، والأربع والعشرين للأربعة، والمائة والعشرين للخمسة، سمِّي الاشتقاق الكبير) . ولا شك أن هذا تصور عقلي يعوزه التطبيق والاستقراء كما يقول الشيخ العلايلي في كتابه (مقدمة لدرس لغة العرب/ ٢٠٦) .
стр. 556
ولم يفت ابن جني أن ينبِّه على ذلك حين قال (الخصائص – ١/٦٢-ط١٩١٣: (ألا ترى أنك لا تجد شيئاً من نحو سفرجل، قالوا فيه: سرفجل، ولا نحو ذلك. مع أن تقليبه يبلغ به مائة وعشرين أصلاً. ثم لم يستعمل من جميع ذلك إلا سفرجل واحده) .
***
٢-مرجع القول بالاشتقاق الكبير وشأنه في المد اللغوي
بحث العلماء احتمال أن يكون الخليل قد أوحى في معجمه (العين) بهذا الضرب من الاشتقاق، فبعث على التفكير فيه حين عمد إلى تقليب المادة الواحدة على صورها، والكشف عن دلالة كل صورة، فعمل ابن جني على المعارضة بين دلالاتها والتماس ما يوائم بين مناحيها ليضمها في نطاق ويردها إلى أصل مشترك.
قال الأستاذ عبد الله العلايلي في كتابه (مقدمة لدرس لغة العرب/ ٢٠٥) :
(لم يكن عمل الطبقة الثانية إلا شرحاً لما بدأه الخليل. فهو أول من تبين الوحدة بين المقاليب وتناولها بالدرس. وزاد بأن حصر ما في العربية من الثلاثي على ضوئها بعد تحققه أن للكلمة الثلاثية ستة مقاليب، فيها المهمل والمستعمل. ومن ثم كان عمله خطيراً جداً. ولا يفهم من هذا أنه قصد الاستفادة من المهملات بعد عمل نظامي، وإنما كان جهده فيها عملاً تحقيقاً فقط) .
أقول قد أشار إلى هذا بعضهم ونفاه آخرون. وعندي أنه لا يبعد أن يكون قد اتفق لابن جني أن تعهد ما جاء في معجم (العين) بنظره وترصده بفكره فعل يستقري أطواره ويتعرف أحواله حتى خلص إلى ما أستنه في (الاشتقاق الكبير) . ذلك أن الخليل قد أتى باللفظ وما ينشأ عنه بالقلب في الموضع الواحد. فذكر (الضرم) مثلاً في حرف الضاد. وأتبعه ذكر (الضمر فالرضم فالمضر فالرمض فالمرض) . فإن أهمل شيئاً من وجوه التقليب أشار إليه. وقد جعل كل نوع من الصحيح والمضاعف والمهموز والمعتل على حدة.
стр. 557
وأخذ بنهج الخليل هذا الأزهري في تهذيبه وابن سيده في محكمه. وعاب ابن منظور هذه الطريقة في معجمه لسان العرب فقال: (ولم أجد في كتب اللغة أجل من تهذيب اللغة.. وأكمل من المحكم.. فإنهما من أمهات كتب اللغة على التحقيق.. وما عداهما بالنسبة إليهما بنيَّات الطريق. غير أن كلاً منهما مطلب عسر الدرك ومنهل وعر المسلك) .
وقد عقب الشيخ طاهر الجزائري على ذلك في حاشيته على خطبة الكافي فقال: (واعلم أن طريقة الخليل لها موقع عند الذين يرون أن الكلمات التي تشترك في الحروف، وإن اختلفت في الترتيب، لا بد أن يكون لها معنى مشترك هو جنس لأنواع موضوعاتها) .
وقال ابن الأثير في المثل السائر (٢٩٤) : (وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلاً من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحداً يجمع تلك التراكيب وما تصرف منها) وإن تباعد شيء من ذلك عنها رُد بلطف الصنعة والتأويل إليها) ، وأردف: (ولنضرب لذلك مثلاً فنقول: إن لفظة – قمر – من الثلاثي لها ستة تراكيب وهي: قمر، قرم - رمق، رقم- مقر، مرق – فهذه التراكيب الستة يجمعها معنى واحد هو القوة والشدة) .
وقد لحظ الشيخ العلايلي في مقدمته أن ابن الأثير قد تفرد، من جميع باحثي الاشتقاق الكبير بهذا الترتيب الذي رعى فيه فاء التقليب. فكأنه رمى بذلك إلى غاية نشوئية حاصلها أنا لو فرضنا مادة كذا أصلاً، فالمادة التي يكون فاؤها فاء الأصل تكون قد أعقبتها اشتقاقاً، فجاء (قمر) ثم (قرم) وهكذا. والذي يعنينا من ذلك هل رام ابن الأثير هذا حقاً؟
стр. 558
أقول قد استدرك العلايلي فاستبعد هذا إذ لا دليل عليه، لكنه مضى يتخيل أن العربية قد استنت للتزيد اللغوي سنة جرت عليها، بعد أن أصبح الثلاثة وحدة الكلم. ذلك أنها قلَّبت حروف الثلاثي بحيث يكون لكل أصل منه ست صور لها جامع معنوي. وقد روعي في توليدها نهج خاص بني على ترتيب حروف الهجاء. فأقدم ما تألف من الكاف واللام والميم، على ما تصوره العلايلي، هو (كلم) بسبق الكاف تليها اللام فالميم، كما تتوالى بترتيبها في حروف الهجاء، فتولد من (كلم) لمك ثم تولد من هذا مكل فكمل فملك فلمك. ونبه العلايلي على أن ما تفرع على كل أصل ثلاثي لا يشترط أن يبلغ هذا العدد، كما نبه ابن جني أن هذه التقاليب لا تطرد. فإن (لمك) كما قال، لم تأت في ثبت (الخصائص ١/١٢) .
وقد أتى العلايلي بأصل آخر أوضح فيه ما تصوره في تتابع الاشتقاق فقال إن (ز ف ن) أقدم صور هذا الثلاثي لأنها الأوفق للترتيب الهجائي ثم تولد منه (فنز) فـ (نزف) ثم (ز ن ف) وهو الأصل الثاني، وقد تشعب منه: (ن ف ز) فـ (ف ز ن) .
стр. 559
وبحث العلايلي أمر الاشتراك المعنوي في تقاليب المادة ووجه الاختلاف بين دلالاتها، فقال: (فقد تقرر بما لا يحمل ريباً أن بين مواد الثلاثي الست جامعاً معنوياً، وإنما وجه الخلاف في الخصوصية) وأردف: (وعليه يمكن انتزاع الجامع المعنوي منه، أي من الأصل الثلاثي، وتعيين الخصوصية بمساعدة الثنائي الذي لا نظن في أمره مناقشة) . وقد رام العلايلي بذلك أن ينبه على ما كان للاشتقاق الكبير من شأن في المد اللغوي. في مراحل تكامل اللغة وتناميها. أما قوله: (وتعين الخصوصية بمساعدة الثنائي) فهو ينم على أن لكل مادة من مواد الثلاثي الست ثنائياً خاصاً يميز معناه، ولا تشركه في هذا الثنائي مادة أخرى من هذه المواد. ولو صحّ أن يتحد (ثنائي) بين مادة وأخرى من ثلاثي، لاقتضى ذلك تقارب دلالتيهما، وهما مختلفتان. ويحد الثنائي في المادة حرفاه وترتيبهما، وموقعه من الحرف المزيد. ولا بد من إيضاح ذلك في نواحٍ ثلاث:
الأولى: أن الجامع المعنوي للتقاليب لم يمنع من اختلاف دلالة كل تقليب عن دلالة سواه، وأن هذا الاختلاف مرهون باختلاف مواقع الحروف بعضها من بعض، أي باختلاف الثنائي وموقعه من الحرف المزيد.
الثانية: إذا صحّ أن الثلاثي إنما ينظر في دلالته، أصلاً، إلى المعاني الأولى لحروفه، وأنه أضحى مؤلفاً حرفياً موحد الدلالة مفرداً في مفهومه بعد أن كان مؤلفاً من وحدات لكل منها دلالة (أو من وحدتين: الثنائي والحرف المزيد) فإن وحدة المعنى في كل تقليب لم تبن على معاني حروفه وحسب، وإنما أُسست على ترتيب معين لهذه الحروف. حتى إذا اختلف الترتيب صير إلى تقليب آخر بدلالة مغايرة، ولو متَّت هذه الدلالات إلى جنس من المعنى.
стр. 560
الثالثة: إذا استقر أن الثلاثي إنما ينظر بدلالته إلى معاني حروفه، فإن الثنائي يهدي بمعناه الموحد إلى فحوى الثلاثي الذي يبنى عليه فيكون دليلاً له. والثنائي إنما يعتمد في معناه كذلك على حرفيه الهجائيين فينم على دلالتيهما الأوليين مفردين، لكنه يتأثر، على كل حال، بموقع كل حرف من صاحبه. وتمس الحاجة بعد هذا إلى تعرف جنس المعنى لكل حرف من الجدول الهجائي يتتبع النصوص الدالة عليه واستقراء معاني الكلم. وهو ما يعقد عن تقصيه جهد فرد من الأفراد.
قال العلايلي (ومن هذا أصبح من الضروري أن نتكلم على تحديد معاني حروف الجدول بما تسمح به النصوص المحفوظة. فحرف الهمزة يدل على الجوفية وعلى ما هو وعاء للمعنى، ويدل على الصفة تصير طبعاً. والباء يدل على بلوغ المعنى في الشيء بلوغاً تاماً، ٠٠٠/٢١٠) . ولكن هل تشف معاني الكلم عن هذه الدلالات حقاً؟ هذا ما لا مناص من محاولة الاهتداء إليه باستقراء لا يدخر عنه جهد، ولا تستوطأ فيه راحة.
٣-الاشتقاق الكبير والقلب وفرق ما بينهما:
خاض الباحثون في شعاب الاشتقاق الكبير وبسطوا القول في القلب. وتداخل البابان حيناً في كلامهم حتى التأما وكأنهما باب واحد، لا سبيل إلى ميز بعضه من بعض. وهكذا مثلوا بـ (جذب وجبذ) للاشتقاق الكبير حيناً، وللقلب حيناً آخر بل أتوا به مثالاً لما جاء على هيئة المقلوب وليس بالمقلوب.
وقد جاء التهانوي في كتابه (كشاف اصطلاحات الفنون – ١/٨٤٤) بـ (جذب وجبذ مثالاً للاشتقاق الكبير ثم مثل به لما جاء على هيئة المقلوب وليس بالمقلوب فساوى بذلك بين هذا وذاك (٢/١٣٧١) ، على حين خالف بينهما في التعريف.
ومثل الشيخ عبد القادر المغربي في كتابه (الاشتقاق والتعريف/ ١٤) بـ (جبذ وجذب) للاشتقاق الكبير والقلب وجعل لهما تعريفاً واحداً.
وذهب الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه (أصول النحو/ ١٠٥) إلى نحو من ذلك فجعل (جذب وجبذ) مثالاً للاشتقاق الكبير.
стр. 561
ونحا الأستاذ عبد الله أمين في كتابه (الاشتقاق/ ١٥٤) هذا النحو فوحد بين المصطلحين في التعريف، وقد أسمى الاشتقاق الكبير بالقلب الاشتقاقي ومثل له بـ (جذب وجبذ) و (شجه وجشه) .
فما حقيقة الأمر في ذلك كله؟
أقول ليس مصطلح (الاشتقاق الكبير) في مؤداه لديهم كمصطلح القلب. وأظهر دليل على ذلك أن ابن جني وهو مبتدع (الاشتقاق الكبير) بلا نزاع، قد أفرد في الخصائص باباً للقلب فجعل عنوانه (في الأصلين يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير –١/٤٦٧) . ومثل فيه بـ (جذب وجبذ) ووازن بينه وبين (يئس وأيس) وسواه، ولم يشر في ذلك إلى شيء مما عقد عليه الكلام حول ما أسماه (الاشتقاق الأكبر) أي الكبير. وكذلك فعل في كتاب (سر صناعة الإعراب ١/٢١٩) . فقد أتى بـ (آن وأنى) وذهب إلى احتمال أن يكون من أمثلة القلب أو مما جاء على هيئته، ولم يلمح إلى شيء مما يتصل بالاشتقاق الكبير. وهو قد خصّ هذا الاشتقاق في الخصائص (١/٥٢٥) بباب مثل فيه بـ (سلم) وتقاليبه الستة، وصنع مثل هذا في (كلم) و (قول) و (جبر) و (قسو) وتقاليب كل منها، ولم يتطرق إلى شيء مما جاء به في القلب في (باب الأصلين يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير) من قريب أو بعيد. أفليس يدل الفصل بين (القلب) و (الاشتقاق الكبير) عند ابن جني، وإفراد كل ببحث وباب على حدة، كما رأيت، على أن بينهما من التغاير ما يوجب ميز أحدهما من صاحبه وتعرّف حال كل منهما واستبانة وجهه؟
٤-ما الذي أراده الأئمة بالقلب اصطلاحاً
стр. 562
أراد الأئمة بالقلب غير ما راموه بالاشتقاق الكبير. فأمثلة القلب توحي بأن العرب قد عنوا ألفاظاً بعينها فتحركت ألسنتهم بما يجاورها نطقاً، فلم يخالفوا بين ما نطقوا به وما عنوه من الألفاظ في الحروف، لكنهم خالفوا في مواقع هذه الحروف بعضها من بعض. مثال ذلك قولهم (أيس) ، وقد عنوا به (يئس) بمعنى قنط. وقولهم (أشاف) وقد عنوا به (أشفى) بمعنى أشرف. وقولهم (دهدهتُ الشيء) إذا حدرته وقد أرادوا به (هدهدت الشيء) . وقولهم (أمضحلّ الشيء) قصدوا به (اضمحلّ) إذا انحلّ، و (اكرهفّ) قصدوا به (اكفهرّ) إذا عبس، وهكذا..
وهم لم يؤصلوا ما ازدحمت أحرفه على ألسنتهم فنطقوا به على هذا الوجه، فإذا طلبت في المعاجم (أيس) عدت إلى (يئس) ، أو طلبت (أشاف) عدت إلى (أشفى) وهكذا الباقي غالباً. وأسموا (أيس) هذا مقلوباً و (يئس) مقلوباً عنه. وهم تصرفوا في المقلوب غالباًُ لكنهم حدّوا هذا التصرف فلم يتخذوا للأفعال المقلوبة مصادر من جنسها لانتفاء موادها. فقالوا (أيس يأساً) ولم يقولوا (أيس أيساً) .
فالمقلوب والمقلوب عنه لفظان ترادفاً معنى واتحدت حروفهما ولكن اختلف ترتيبها. ومن ثم كان القلب غير الاشتقاق الكبير. فليس في هذا أي الاشتقاق الكبير، وحدة في المعنى بين تقليب وتقليب ولو كان بينهما جامع، وإنما يتغير المعنى بتغير مواقع الحروف. وكل تقليب هو أصل منصوص عليه نحو كلم وملك وكمل عدا ما كان منه مهملاً. وليس للمقلوب (كأيس) أصل منصوص عليه، وإنما هو محمول على ما اعتدّوه أصلاً له وهو (أيس) .
ولا بد من التنبيه على أن القلب قد جاء على غير الأصل. ذلك أن الأصل فيما اختلفت مواقع حروفه، كما اتضح في الاشتقاق الكبير، أن يختلف معناه خلافاً للمقلوب. وإذا اتفق في اللغة أن يقع الترادف بين لفظين اختلفت حروفها، أو اتفقت حروفهما وتغير ترتيبها. فليس هذا هو الأصل والغالب.
٥- نصوص الأئمة وكلام الباحثين في القلب
стр. 563
جاء في شرح الشافية (١/٢٣) للرضيّ تعقيباً على كلام ابن الحاجب حول الفارق بين المقلوب والمقلوب عنه: (ولعلّ مراده – أي ابن الحاجب – أنه إذا كانت الكلمتان بمعنى واحد ولا فرق بينهما إلا بقلب حروفهما، كانت إحداهما صحيحة مع ثبوت العلة فيها دون الأخرى كأيس مع يئس، فالصحيحة مقلوبة من الأخرى) . فأشار الرضي صراحة إلى وحدة المعنى في القلب. فإذا افترق المعنى لم يكن قلباً. فقد اعتد ابن الأعرابي مثلاً أن (غرس) و (رغس) من المقلوب ذهاباً إلى أن معناهما واحد. فرد ابن سيده فقال في المخصص (١٤/٢٨) : (والمعروف أن الغرس في الشجر كالزرع في الحب، وأن الرغس النماء والبركة وقد رغسه الله) ، ففي الصحاح (رغسه الله مالاً.. أي أكثر له وبارك له فيه) ، ومن ثم كان كل منهما أصلاً، واختلاف مواقع الحروف مؤذن باختلاف المعنى.
واستدلوا على القلب بوحدة المعنى وتغيير مواضع الحروف. قال الزجاجي في شرح أدب الكاتب (على ما جاء في المزهر –١/٢٨٥) : (ذكر بعض أهل اللغة أن الجاه مقلوب من الوجه واستدل على ذلك بقولهم وجه الرجل فهو وجيه إذا كان ذا جاه، ففصلوا بين الجاه والوجه بالقلب) . وجاء في مفردات الراغب (وقال بعضهم الجاه مقلوب عن الوجه، لكن الوجه يقال في العضو، والجاه لا يقال إلا في الحظوة) ، والمعنى واحد.
وفي الهمع (٢/٢٢٤) : (قال أبو حيان: القلب تغيير حرف مكان حرف بالتقديم والتأخير) وكل ما جاء به من الأمثلة على اتفاق المعنى بين اللفظين.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى احتمال تغير المعنى في القلب. قال جرجي زيدان في كتابه (الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية/ ٥٩) : (القلب هو عبارة عن تقديم أو تأخير أحد حروف اللفظ الواحد مع حفظ معناه أو تغيره تغيراً طفيفاً) .
стр. 564
وقال الشيخ عبد القادر المغربي في كتابه (الاشتقاق والتعريب) : (القلب ويقال له الاشتقاق الكبير، وهو أن يكون بين اللفظين تناسب في اللفظ والمعنى دون الترتيب مثل فعل جبذ المشتق من مادة الجذب. فإن الحروف في المشتق هي عينها في المشتق منه. والمعنى فيهما متناسب/ ١٤) وأردف: (ومهما كان معنى جذب وجبذ واحداً فلا بد أن يكون في أحدهما شيء من المعنى لم يلاحظ في الآخر/ ١٥) .
قلت الذي أريد بالقلب هو وحدة المعنى كما أسلفنا، خلافاً لما جاء به زيدان، وقد أوردنا عليه الشواهد وأقوال الأئمة. وأما نزوع المغربي إلى تعريف القلب والاشتقاق الكبير بقوله (القلب ويقال له الاشتقاق الكبير، وهو أن يكون..) ففيه نظر. فالاشتقاق الكبير غير القلب كما أوضحنا، والتعريف الذي جاء به إنما هو الاشتقاق الكبير دون صاحبه، وأما مثال (جذب وجبذ) فسيأتي تفصيل الكلام فيه.
وقد يمم الأستاذ عبد الله أمين في كتابه (الاشتقاق) سمت المغربي وقصد قصده في التعريف، وقد أسمى الاشتقاق الكبير بالكبار، فقال: (الاشتقاق الكبار هو انتزاع كلمة من كلمة أخرى بتغيير ترتيب بعض أحرفهما بتقديم بعضها على بعض مع تشابه بينهما في المعنى، واتفاق في الأحرف) ، وأردف (ويسمى هذا الاشتقاق قلباً لغوياً تمييزاً له من القلب الصرفي الإعلالي.. وقد أسميت هذا القلب، القلب الاشتقاقي لأنه من مباحث علم الاشتقاق، وأكثر ما يكون القلب في الكلمات الثلاثية وبصيغتين في المادة الواحدة مثل جذبه وجبذه إذا شده إليه، وشج رأسه وجشه إذا كسره) . وقال في موضع آخر: (الاشتقاق الكبار أو الأكبر أو القلب اللغوي.. أن تعمد إلى كلمة فتشتق منها كلمة فأكثر بتقديم بعض الحروف على بعض دون زيادة أو نقص، مع الاتحاد في المعنى، وأكثر ما يكون الاشتقاق الكبار أو القلب في الكلمات الثلاثية، وأول من عرّفه إمام الأئمة أبو الفتح عثمان بن بزجني../٣٧٦) .
стр. 565
وهكذا جعل الأستاذ أمين القلب والاشتقاق الكبير سيَّين وهما متغايران كما رأيت. وقد قال بتشابه المعنى بين التقليب والتقليب أو المقلوب والمقلوب عنه: (مع تشابه بينهما في المعنى) . ثم عدل عن ذلك فقال بوحدة المعنى فيهما قائلاً (مع الاتحاد في المعنى) ، فأوقع القارئ في حيرة وجعله من أمره على تردد.
ولست أدري هل ذهب أحد إلى اتفاق المعنى في تقاليب المادة في الاشتقاق الكبير، وهل جاء أن كلم مثل ملك في معناه، وملك مثل كمل في فحواه، وقوس مثل سوق، وسلم نحو ملس.. وإنما تتجلى وحدة المعنى في القلب دون الاشتقاق الكبير، كقولك يئس وأيس، وأشفى وأشاف، واضمحل وامضحل واكفهر واكرهف.. وإذا كان ابن جني قد أوهم بـ (وحدة المعنى) في تقاليب الثلاثي حين قال (١/٥٢٦) : (فهو أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثة فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً) فقد قصد بقوله هذا ما تردّ إليه دلالات هذه التقاليب، على اختلافها، من جامع معنوي واحد. قال ابن جني (١/ ٥٢٧) : (وذلك أنا عقدنا تقاليب – الكلام – الستة على القوة والشدة، وتقاليب – القول على الإسراع والخفة) وهو جلي لا وجه فيه للبس أو إبهام.
٦- المقلوب وما جاء على هيئته
ذهب كثير من الأئمة إلى بيان الفرق بين ما تصوروا أنه مقلوب، وما قدروا أنه جاء على هيئة المقلوب، وليس هو كذلك. ومثلوا للأول بـ (آن) فهو مقلوب من (أنى) ، و (أيس) فهو مقلوب من (يئس) . ومثلوا للثاني بـ (جذب وجبذ) فكل منهما أصل، وليس أحدهما مقلوباً من صاحبه.
следующие страницы →