← Тафсир

Тафсир · id 2125

سورة القصص دراسة تحليلية

محمد مطني

Полный текст (624 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والنسِيان بكسر النون ضدّ الذِّكر والحِفظ نَسِيِه نِسيْاً ونسيْاناً ونِسْوةً ونَساوة. والنسيان الترك يقال: أنسيته، أي: أمرت بتركه ونَسيِتهُ تَرَكْتهُ ((١)) . وقال ابن عاشور: " والنهي في ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ﴾ مستعمل في الإباحة والنسيان كناية عن الترك " ((٢)) . ٣. ﴿نَصِيبَكَ﴾ : " الحظ والقسط وهو فيصل من النصب، لأن ما يعطى لا حد ينصب له ويميز " ((٣)) . ٤. ﴿زِينَتِهِ﴾ : الزَّيْنُ خلاف الشين، وجمعه أزيانٌ زانه زَيْناً وأزانه وأزْيَنَه على الأصل، وتَزَيَّن هو وازْدان بمعنىً، وهو افتعل من الزّينةِ، والَّزينة اسم جامع لكل شيء يُتَزَيَّن به والزَّينَةُ ما يتزين بهِ ((٤)) . القراءات القرآنية ١. ﴿وابَتغِ﴾ : ذكر الزمخشري أن هناك من قرأ: (وإتبع) دون أن يذكر من قرأ بذلك ((٥)) . ٢. ﴿ءاتَاكَ﴾ : قرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة ((٦)) . ٣. ﴿عِندِي﴾ : قال أبو ربيعة عن البُزي، وقنبل بالإسكان، وفتح نافع (عندِيَ) وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر ((٧)) . القضايا البلاغية ١. التتميم: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ . ففيه تتميم لابد منه، لأنه إذا لم يغتنمها ليعمل للآخرة لم يكن له نصيب فيها ((٨)) . ٢. تشبيه: في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ((٩)) . ٣. الاستعارة:

стр. 247

في قوله تعالى: ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إلاَّ الصَّابِرُونَ﴾ ،" التلقية جعل الشيء لاقياً، أي: مجتمعاً مع شيء آخر، وهو مستعمل في الإعطاء على طريقة الاستعارة، أي: لا يعطى تلك الخصلة أو السيرة إلا الصابرون " ((١)) . المعنى العام ١. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ﴾ : أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل بها الثواب في الدنيا والآخرة. ٢. ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ : فقد اختلف المفسرون فيه، فقال ابن عباس، والجمهور: لا تضيع عمرك في إلا تعمل عملاً صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها، فالكلام على هذا التأويل شدّة في الموعظة. وقال ابن عطية: فالكلام كله على هذا التأويل شدة في الموعظة. وقال الحسن، وقتادة: معناه لا تضيع حظك من تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك ((٢)) . ٣. ﴿وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ : فيه عدة تأويلات: أحدهما ـ أعط فضل مالك كلما زاد على قدر حاجتك، وهذا معنى قول ابن زيد. ثانيا ـ وأحسن فيما افترض الله عليك كما أحسن في إنعامه عليك. قاله يحيى بن سلام. ثالثا ـ أحسن في طلب الحلال كما أحسن إليك في الحلال ((٣)) .

стр. 248

رابعا ـ وقال القرطبي: " أي أطع الله وأعبده كما أنعم عليك. ومنه حديث ما الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) ((١)) . وقيل هو أمر بصله المساكين. قال ابن عربي: فيه أقوال كثيرة: جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله ((٢)) . ٤. ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ : قال البقاعي: " لا ترد إرادة ما بتقتير ولا تبذير، ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير، ثم اتبع ذلك علته لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا، وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب، فقيل: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، أي: لا يعاملهم معاملة من يحبه، فلا يكرمهم " ((٣)) . ٥. ﴿قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ : يقول الله في هذه الآية مخبراً عن جواب قارون لقومه حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير فيه خمسة أقوال: أحدها ـ على علم عندي بصنعة الذهب رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: وهذا لا أصل له، لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له ((٤)) . والثاني ـ يرضى الله عني. وقال ابن كثير: وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الحمن بن زيد بن أسلم فإنه قال في قوله: ﴿قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ، قال: لولا رضى الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال. وقرأ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأكْثَرُ جَمْعاً﴾ . وقال: هكذا يقول من قلَّ علمه إذا رأى مَنْ وسّع الله عليه لولا أن يستحق ذلك لما أعطي ((٥)) .

стр. 249

الثالث ـ على خبرِ عَلِمَهُ، قاله مقاتل. الرابع ـ إنما أعطيته لفضل علمي، قاله الفراء. قال الزجاج: ادعّى أنه أُعطي المال لعلمه بالتوراة. الخامس ـ على علم عندي بوجوه المكاسب، حكاه الماوردي ((١)) عن ابن عيسى. ٦. ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأكْثَرُ جَمْعاً﴾ : قال المراغي: في معناها " أَنسي ولم يعلم حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علم عنده، فاستحق بذلك أن يؤتى ما أوتي؟ إن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هم أشد منه بطشاً وأكثر جمعاً للأموال؟ ولو كان الله يؤتى الأموال من يؤتيه لفضل فيه وخير عنده ورضاه عنه، لم يهلك من أهلك من أرباب الأموال الذين كانوا أكثر منه مالاً، لأن من يرضى عنه فمحال أن يهلكه وهو عنه راضٍ، وإنما يهلك من كان عليه ساخطاً، ألم يشاهد فرعون وهو في أبَّهة ملكه، وحقق أمره يوم هُلْكه، وفي هذا الأسلوب تعجيب ما من حاله، وتوبيخ له على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك " ((٢)) . ٧. ﴿وَلا يُسْالُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ : " فأخرج أبي حاتم عن قتادة في معنى هذه الآية يقول: المشركون لا يسألون عن ذنوبهم، يعذبون ولا يحاسبون. وأخرج أبي حاتم عن الربيع بن أنس قوله: لا يسألون عن إحصائها، يقول: هاتوا فبينوها لنا ولكن أعطوها في كتب فلم يشكوا الظلم يومئذٍ، ولكن شكوا الإحصاء. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُم﴾ ((٣)) أي: سود الوجوه زرقاً، الملائكة لا تسال عنهم قد عرفتهم، كما روي عن مجاهد ((٤)) . ٨. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ :

стр. 250

قال ابن عطية: " إن قارون خرج على قومه وقد أظهر قدرته من الملابس والمراكب وزينته الدنيا. قال جابر، ومجاهد خرج: في ثياب حمر. وقال ابن زيد: خرج هو وجملته في ثياب معصفرة. وقيل: في ثياب الأرجوان ((١)) . وقيل غير هذا. وأكثر المفسرين في تحديد زينة قارون وتعينها بما لا صحة له " ((٢)) . ٩. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ : أي: الذين معه تعلقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم ليس لهم إرادة في سواها ((٣)) . ١٠. ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أوتِيَ قَارُونُ﴾ : من الدنيا ومتاعها وزهرتها. ١١. ﴿إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ : وصدقوا إنه لذو حظ عظيم لو كان الأمر منتهياً إلى رغباتهم، وإنه ليس وراء الدنيا دار أخرى، فإنه قد أعطي منها ما به غاية التنعيم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار هذا الحظ العظيم بحسب همتهم، وأن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطالبها لمن أدنى الهمم وأسفلها، وليس لها أدنى صعد إلى المرادات العالية والمطالب الغالية ((٤)) . ١٢. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آوتُوا الْعِلْمَ﴾ : قال أبو السعود: " أي بأحوال الدنيا واكثر المفسرون كما ينبغي وإنما لم يوصفوا بإرادة ثواب الآخرة تنبيهاً على أن العلم بأحوال النشأتين يقتضي الإعراض عن الأولى والإقبال على الثانية حتماً، وأن تمني المتمنين إلا لعدم علمهم بها كما ينبغي " ((٥)) .

стр. 251

١٣. ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ : قال الخازن: " أي ما عند الله من الثواب والخير لمن آمن وصدق بتوحيد الله وعمل صالحاً خيرٌ مما أوتي قارون في الدنيا " ((١)) . ١٤. ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إلاَّ الصَّابِرُون﴾ : قال ابن عطية: " أي يُمكن فيها ويخولها إلا الصابر على طاعة الله وعن شهوات نفسه، وهذا هو جماع الخيرُ كله " ((٢)) . ما يستفاد من النصّ يمكن إن نستنبط من هذه الآيات المعاني الآتية: أولاً ـ اعتدال المنهج الرباني فيما يخص الإنسان وعلاقته بالدنيا والآخرة فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ . وقال: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ . وقد بين سيد قطب أن في الآية توازناً يتمثل باعتدال " المنهج الإلهي القويم المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة، ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة، بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفاً كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها " ((٣)) . ونلاحظ أن الله عز وعلا أكد أولاً على الآخرة، وأن يوظف الإنسان هذا المال الذي هو مال الله أصلاً في طاعة الله، والتقرب إليه بأنواع القربات، وأن لا يستخدم هذا المال فيما لا يحل له، وهذا المنهج الرباني ينبغي أن تعمل عليه الدول الإسلامية في توظيف ثروات وأموال المسلمين ومواردهم التي أنعم الله بها عليهم في طاعة الله وخدمة الإنسانية.

стр. 252

ثانياً ـ وجهت الآيات من خلال قصة قارون الأغنياء على مساعدة الفقراء عيال الله، فقال تعالى حكاية عن نصيحة المؤمنين لقارون: ﴿وَأحسن كَمَا أحسن اللَّهُ إلَيْكَ﴾ . قال ابن كثير: " أي أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك " ((١)) ، فالمال هو مال الله، وإحسان منه اختص به بعض عباده، فليقابل من اختصم الله بنعمته بالإحسان إلى الفقراء. قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ((٢)) . ثالثا ـ كثرة المال قد توقع صاحبه في البغي والبطر، فإن المال فتنة، قال تعالى: ﴿إنَّمَا أمْوَالُكُمْ وَأوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ((٣)) ، فيمتحن الله بهذا المال عباده. " ووجه الفتنة في المال أنه يوقع صاحبه في الشحّ والبخل، وعدم القيام بشكره بإخراج حق الله فيه، كما أن كثرة المال تسهل عليه سبل الترف والطغيان ـوبطر النعمة، فيصير من المترفين الطاغين البطرين " ((٤)) . وهذا ما حصل فعلاً مع قارون، فقد أطغاه المال فبغى على قومه وادعى أنه حصل على هذا المال بعلمه: ﴿قَالَ إنَّمَا آوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ، وليس هذا يعني ان على المسلم أن يبتعد عن المال مخافة أن يطغيه، ولا بأس من أن يمتلك المسلم المال إذا أطاع به الله.

стр. 253

فالمسلم الحقيقي هو من ينبغي أن يكون لديه المال، فهو أمين على ما استخلفه الله فيه، يساعد الفقراء، ويجاهد في سبيل الله كما فعل سيدنا عثمان (﵁) بتجهيزه جيش العسرة، فامتدح اللهُ الرسولَ وأصحابَه، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ وَأولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ ((١)) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ((٢)) . رابعاً ـ ودلت الآيات كذلك على أن على الدعاة واجب النصح لأهل الأموال الذين نسوا الله وشغلتهم أموالهم عن طاعته، فشابه حالهم حال قارون، وتذكيرهم لما جرى لقارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ .

стр. 254

المطلب الثالث: هلاك قارون وماله ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ* وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ((١)) . المناسبة أكدت هذه الآيات صدق مقولة أهل العلم لقارون: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَ الصَّابِرُونَ﴾ ، فبادرت بعدها مباشرة إلى الحديث عن إهلاك الله تعالى لقارون وأمواله وزينته. فأنزل الله عليه العذاب وهو في موكبه أمام الناس. وصُدِّر الكلام بحرف الفاء التي أفادت العطف على جملة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ، وأفادت أيضاً التعقيب ((٢)) : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ . تحليل الألفاظ ١. ﴿فَخَسَفْنَا﴾ :

стр. 255

" الخسف سُؤُوخُ الأرض بما عليها. خَسَفَتْ تَخْسِفُ خَسفْاً وخَسوفَاً وانْخَسَفَتْ وخَسَفَها الله، وخَسفَ الله به الأرض خَسْفاً، أي: غابَ به فيها وخَسفَ هو في الأرض وخُسفَ به. وقال الأزهري: وخُسِفَ بالرجل وبالقومِ إذا أخذته الأرض ودخل فيها " ((١)) . ٢. (فَسَادًا) : الفساد: " نقيض الصلاح، فَسَدَ يَفْسُدُ وَيفْسِدُ وفَسُدَ فساداً وفُسُداً فهو فاسد وفَسيِدُ فيها، ولا يقال: انفَسَد وأفْسَدْتُه أنا وقوم فَسْدَى كما قالوا: ساقِط وسُقْطَى. قال سيبويه: جمعوه جمع هَلْكى لتقاربهما في المعنى وأفَسدَه هو وأسْتفْسَد فلان إلى فلان، وتفاسد القوم تدابروا وقطعوا الأرحام. والمفسد خلاف المصلح، وفَسَّدَ الشيءِ إذا أباره " ((٢)) . ٣. ﴿الْعَاقِبَةُ﴾ : " عَقِبُ كلَّ شيء وَعْقُبه وعاقبِتهُ وعاقِبهُ وعُقْبَهُ، وعُقُبْاه وُعقْبانُه لآخره، والجمع العَواقِبُ، والعَقَبُ والعُقْبانُ والعْقبَى كالعاقبةِ والعُقْبِ والعقبى جزاء الأمر " ((٣)) . وقال ابن عاشور عن العاقبة: " وصف عومل معاملة الأسماء لكثرة الوصف به، وهي الحالة الآخرة بعد حالة سابقة، وغلب إطلاقها على عاقبة الخير " ((٤)) . القراءات القرآنية ١. ﴿فِئَةٍ﴾ : قرأ أبو جعفر: فِيَةٍ ((٥)) . ٢. ﴿وَيْكَأنَّ﴾ :

стр. 256

" قال ابن جني في (ويكأن) ثلاثة أقوال: منهم من جعلها كلمة واحدة فلم يقف على (وي) . ومنهم من وقف على (وي) . ومنهم من قال: (ويك) وهو مذهب أبي الحسن. والوجه عندنا ـ وهو قول الخليل وسيبويه ـ وهو أن (وي) اسم سمي به الفعل في الخبر، فكأنه اسم اعجب، ثم أبتدأ فقال: كأنه لا يفلح الكافرون، وكأن الله يبسط الرزق. فـ (وي) منفصلة من كأن. ومن قال: إنها (ويك) ، فكأنه قال: أعجب، لأنه لا يفلح الكافرون، وأعجب لأن الله يبسط الرزق، وهو قول أبي الحسن. وينبغي أن يكون الكاف حرف خطاب بمنزلة الكاف في ذلك وأولئك ((١)) ، ويشهد لهذا قول عنترة: ولقد شفا نفسي وأَذهب سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم ((٢)) ٣. ﴿أن مَّنَّ اللهُ﴾ : قرأ الأعمش: (لولا منَّ الله) بحذف أن وهي مزادة. وروي عنه (مَنَّّّ الله) برفع النون والإضافة ((٣)) . ٤. ﴿لخَسَفَ﴾ : قرأ الجهور: (لَخُسُفَ) مبنياً للمفعول، وقرأ حفص، وعصمة، وأبان عن عاصم، وابن أبي حماد عن أبي بكر مبنياً للفاعل (لَخُسِفَ) . وقرأ ابن مسعود، وطلحة، والأعمش: (لانْخُسِفَ) ، كقولك انقطع بنا وعن ابن مسعود أيضاً: (لَتُخُسُِّفَ) بتاء وشدّ السين مبنياً للمفعول ((٤)) . ٥. ﴿يُجزَي اللذِينَ﴾ : قرأت بالإمالة (وقفاً) ، وهي مروية عن حمزة، والكسائي، وورش ((٥)) . القضايا البلاغية ١. ﴿وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ : (الأمس) مستعمل في مطلق زمن مضى قريباً على طريقة المجاز المرسل. ٢. ﴿وَيكَأن اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ :

стр. 257

يقدر مضارع قدر المتعدي وهو بمعنى أعدي بمقدار، وهو مجاز في القلة، لأن التقدير يستلزم قلة المقدار، اعسر تقدير الشيء الكثير. ٣. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ : فائدة البيان بقوله: (مِنْ عِبَادِهِ) الإيمان إلى أنه في بسطه الأرزاق وقدرها متصرف تصرف المالك في ملكه، إذ المبسوط لهم والمقدور عليهم كلهم عبيدة، فحقهم الرضى بما قسم لهم مولاهم ((١)) . المعنى العام ١. ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ : قال ابن عاشور في ذلك: " دلت الفاء على تعقيب ساعة خروج قارون في ازدهائه، وما جرى فيها من تمني قومه أن يكونوا مثله، والخسف انقلاب بعض ظاهر إلى باطنها، والباء في قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ باء المصاحبة، أي: خسفنا الأرض مصاحبة له ولداره، فهو وداره مخسوفان مع الأرض التي هو عليها " ((٢)) . " ولما أمر قارون البَغيَّ بقذف موسى (﵇) غضب موسى (﵇) ، فأوحى الله تعالى إليه: إني قد أمرت الأرض أن تُطيعكَ فُمْرُها فقال موسى (﵇) : يا أرض خُذيه، فأخذته حتى غيَّبَتْ سريره، فلمّا رأى ذلك ناشده بالَّرحم فقال: خُذيه فأخذته حتى غيَّبت قدميه، فما زال يقول: خذيه حتى غيَّبته، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى ما أفظك، وعِزَّتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته " ((٣)) . وقال سمره ابن جندب: " إنه يخُسف به كلَّ يوم قامة، فتبلغ به الأرض السفلى يوم القيامة " ((٤)) .

стр. 258

وقال مقاتل: " لما أمر موسى الأرض فابتلعته قال بنو إسرائيل: إنما أهلكه ليرن ما له لأنه كان ابن عمه أخي أبيه، فخسف الله تعالى به وبداره الأرض وبجميع أمواله بعد ثلاثة أيام " ((١)) . وجاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب (﵁) : أن رسول الله ( ﷺ ) قال: ((بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)) ((٢)) . وعن أبي هريرة (﵁) أن رسول الله ( ﷺ ) قال: ((بينما رجل يتبختر يمشي في بُردته قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)) ((٣)) . ٢. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِين َ﴾ : أي " فما كان له جماعة يمنعونه العذاب، وما كان من الممتنعين على خلاف ما كان يظن أن الذي يجلب إليه الخير، ويدفع عنه الشر هو قوته وجمعه اللذان اكتسبها بعمله، فلم يقه جمعه، ولم تفده قوته من دون الله، وبان أن الله سبحانه هو الذي آتاه ما آتاه " ((٤)) . ٣. ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ :

стр. 259

قال الطبري: " وأصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس من الدنيا وغناه وكثرة ماله، وما بسط له منها بالأمس ـ يعني قبل أن ينزل به ما أنزل من سخط الله وعقابه ـ يقولون ويكأن الله " ((١)) . وقال سيد قطب: " وقفوا يحمدون الله إن لم يستجب لهم ما تمنوه بالأمس، ولم يؤتهم ما أتى قارون، وهم يرون المصير البائس الذي انتهى إليه بين يوم وليلة، وصحوا إلى أن الثراء ليس آية على رضى الله فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضى والغضب، ولو كان دليل رضاه ما أخذ قارون هذا الأخذ الشديد العنيف " ((٢)) . ٤. ﴿لَوْلا أن مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ : قال ابن كثير: " لولا لطف الله بنا وإحسانه إليه لخسف بنا كما خسف به لأنا وددنا أن نكون مثله " ((٣)) . ٥. ﴿وَيْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ : وروى ابن أبي حاتم عن قتادة يقول: أو لا يعلم أنه لا يفلح الكافرون ". وفي رواية أخرى عن قتادة بلفظ " أو لا يرى أنه لا يفلح الكافرون " ((٤)) . ٦. ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ : قال الرازي " " فتعظيم لها، وتفخيم لشانها، يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها، ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتها وميل القلب إليها، فعن علي (﵁) : (إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها) ((٥)) .

стр. 260

وقال الزمخشري: " ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون والفساد لقارون متعلقا بقوله: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾ ، ويقول: من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر " ((١)) . ٧. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ : قال المراغي: " أي العاقبة المحمودة وهي الجنة لمن اتقى عذاب الله بعمل الطاعات وترك المحرمات، ولم يكن كفرعون في الاستكبار على الله بعدم امتثال أوامره، والارتداع عن زواجره، ولا كقارون في إرادة الفساد في الأرض " ((٢)) . ٨. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ الاّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ : يقول الطبري في معناها: " من جاء الله يوم القيامة بإخلاص التوحيد، فله خير، وذلك الخير هو الجنة والنعيم الدائم، ومن جاء بالسيئة وهي الشرك بالله فله الشر " ((٣)) . ما يستفاد من النصّ دلت الآيات القرآنية على ما يأتي: أولاَ ـ دلّ ارتباط الفاء بالخسف في قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ على الترتيب والتعقيب، أي: إن الله خسف به وبماله بعدها خرج على قومه في زينته، وكان خروجه هذا هو السبب المباشر في خسف الله به لغروره وتكبره ((٤)) . وفي هذا دلالة أكيدة على بغض الله للتكبر والمتكبرين، وقد يكون التبختر والغرور سبب لعقاب صاحبه، فقد روى البخاري من حديث الزهري عن سالم: إن أباه حدثه أن رسول الله ( ﷺ ) قال: ((بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)) ((٥)) .

стр. 261

(لقد اخذ الله قارون هو في أوج انتعاشه وغروره وتكبره وفرحه وبطره، وقصمه قصماً وهو في سكرته وزينته خسف به وبداره الأرض، انشقت الأرض وابتلعته، ابتلعت أمواله وكنوزه، وابتلعت خزائنه ومفاتحه، وابتلعت داره وملكه، ولم تنفعه أمواله وكنوزه لأنها لم تمنع عنه عذاب الله، ولم ينصره المتجمعون حوله المنتفعون بأمواله ولم يدفعوا عنه عذاب الله " ((١)) . فيمكن للدعاة أن يوظفوا هذه القصة لنصح أصحاب الأموال المتبخترين بأموالهم وتذكيرهم بعقاب الله. ثانياً ـ قد يعجل العقاب على مستحقيه في الدنيا. " الأصل في العقاب لمستحقيه أنه يكون في الآخرة، ولكن قد يعجّله الله لمستحقيه في الدنيا مع ما ينتظره من عقاب الآخرة، كما عجل الله عقاب قارون في الدنيا حيث خسف به وبداره الأرض، وهذا التعجيل إنذار وتحذير قد ينتفع به بعض العصاة، فينزجروا عن معصيتهم وينتفع به ضعفاف الإيمان حيث يتقوى إيمانهم " ((٢)) . ولكن لا يعني هذا أن كل عاص لله ينال عقابه في الدنيا، فإن شاء الله عجّل للعصاة العذاب في الدنيا، وإن شاء آخر لهم العقاب إلى يوم القيامة. ثالثاً ـ الرجوع عن الخطأ فضيلة. ويتضح هذا من خلال رجوع الذين تمنوا أن يكون لهم مثل ما أوتي قارون من المال. ﴿وَأصبح الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَانَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ .

стр. 262

الفصل الرابع: نشأة سيدنا موسى ﵇ والظروف المحيطة به المبحث الأول: ولادة سيدنا موسى ﵇ المطلب الأول: إلقاء سيدنا موسى (﵇) في اليم ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ ((١)) . المناسبة بعد أن قال الله جلّ وعلا في بداية السورة: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ((٢)) ، قصّ حالة بني إسرائيل في ظل حكم فرعون بقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ ((٣)) ، فأوضح أن الفرج قريب بقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ((٤)) ، فلما تعلقت إرادة الله بإنقاذ بني إسرائيل من الذل خلق الله المنقذ لهم، وهو الذي كان يحذره فرعون على ملكه، وكان يذبح أبناء بني إسرائيل لأجله وقضينا بأن يسمى موسى بسبب أنه يوجد بين ماء وشجر وتربيته في بيت الذي يحذره ويحتاط لأجله، عطف على هذا المعلوم التقدير أول نعمة منّ بها على الذين استضعفوا ((٥)) ، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ((٦)) . تحليل الألفاظ ١. ﴿أوْحَيْنَا﴾ :

стр. 263

قال ابن منظور: " الوَحْيُّ الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلام وأَوْحَيْتُ ووَحَى وَحْياً وأَوْحَى أيضاً، أي: كتب. والوحي: المكتوب والكتاب أيضاً، وعلى ذلك جمعوا فقالوا: وَحِيٌّ مثل حُلْيٌّ وحُلِيٌّ " ((١)) . وقال الراغب: " معنى الوحي الإشارة السريعة، ولتضمنّ السرعة قيل: أمر وَحْيٌ، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة. ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه: وحي " ((٢)) . وقد بين القرآن الكريم أنواع الوحي في سورة الشورى بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ ((٣)) . وعليه فقد بين الراغب الأصبهاني أنواع الوحي بما يأتي ((٤)) : أولاً ـ الوحي برسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ جبريل (﵇) للنبي في صورة معينة. ثانياً ـ بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى لكلام الله.

стр. 264

ثالثاً ـ بإلقاء في الروع كما ذكر ( ﷺ ) : ((إن روح القدس نفث في روعي)) ((١)) . رابعاً ـ بالهام نحو: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ((٢)) . خامساً ـ بتسخير مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ((٣)) . سادساً ـ بمنام لقوله ( ﷺ ) : ((انقطع الوحي وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة)) ((٤)) . ونحن نعد الوحي إنما جاء من القول الخفي على ما قالته العرب في كلامها. ٢. ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ : قال ابن منظور: " رَضَع الصَّبيُّ وغيره يَرْضع مثال ضرب يضرب، لغة نجدية، ورَضِعَ مثال سَمِعَ يَرْضَع رَضْعاً ورَضَعاً ورَضِعاً ورَضاعاً ورِضاعاً ورَضَاعةً ورِضاعة، فهو راضِعٌ، والجمع رُضّع " ((٥)) .

стр. 265

وقال الراغب: " يقال: رضع المولود يرضع، ورضع يرضع رضاعاً ورضاعة، وعنه استعير: لئيم راضع: لمن تناهى لؤمه، وإن كان في الأصل لمن يرضع غنمه ليلاً؛ لئلا يسمع صوت شخبه ((١)) ، فلما تُعورف في ذلك قيل: رضع فلان، نحو: لَؤُم " ((٢)) ٣. (ولا تحزني) : الحَزَنُ: نقيضُ الفرَح، وهو خلافُ السُّرور. والجمعُ أَحْزانٌ، لا يكسَّر على غير ذلك، وقد حَزِنَ بالكسر، حَزَناً وتحازَنَ وتَحَزَّن. ورجل حَزْنانٌ ومِحْزانٌ: شديد الحُزْنِ. وحَزَنَه الأَمْرُ يَحْزُنُه حُزْناً وأَحْزَنَه، فهو مَحْزونٌ ومُحْزَنٌ وحَزِينٌ وحَزِنٌ؛ وقال سيبويه: أَحزَنَه جعله حَزِيناً، وحَزَنَه جعلَ فيه حُزْناً " ((٣)) . وقال الراغب: " والحزن: خشونة في الأرض، وخشونة في النفس لما يحصل فيه من الغم " ((٤)) . والأمر هاهنا للوجوب الإلهي كما هو مبين في سياق الخطاب لأم موسى (﵇) . ٤. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ :

стр. 266

الرَّسَل: القَطِيع من الإِبل والغنم؛ والجمع الأَرْسال؛ والرَّسَل: قَطيعٌ من الإِبِلِ قَدْر عشر يُرْسَل بعد قَطِيع. والإرسال: التوجيه. قد أرسل إليه، والاسم الرسالة والرسول والرسيل. والرسول بمعنى الرسالة يؤنث ويذكر. وتراسل القوم: أرسل بعضهم إلى بعض. والرسول والرسالة والمرسل. والرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار لذي بعثه أخذاً من قولهم: جاءت الإبل رسلاً، أي: متتابعة. وقال الأخفش: سمّي الرسول رسولاً لأنه ذو رسول، أي: ذو رسالة. والرسول اسم من أرسلت. وكذلك الرسالة ((١)) . وقال الراغب: " أصل الرسل: الانبعاث على التؤدة " ((٢)) . أما تعريف الرسول في الاصطلاح: " هو من يأتي بشرع على الابتداء أو بفسخ بعض أحكام شريعة قبله " ((٣)) . والرسالة: " هي سفارة العبد بين الله وبين ذوي الألباب من خليقته ليزيح بها عللهم فيما قصرت عنه عقولهم من مصالح الدنيا والآخرة " ((٤)) . أما النبي: هو الذي ألقي إليه الروح شيئاً اقتصر به ذلك النبي على نفسه خاصة، وإن قيل له بلغ ما أنزل إليك، فهو رسول، فعلى هذا كلّ رسول نبي، وليس كلّ نبي رسول " ((٥)) .

стр. 267

ويظهر الرسول في فرق عن معنى النبي لأن بينهما عموماً وخصوصاً ((١)) . القراءات القرآنية ١. ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ قرأ عمرو بن عبد الواحد، وعمر بن عبد العزيز (أنِ ارْضِعيه) بكسر النون بعد حذف الهمزة على غير قياس، لأن القياس فيه نقل حركة الهمزة وهي الفتحة إلى النون كقراءة ورش (أَنَ ارْضِعيه) ((٢)) . وقد حذف عمرو بن عبد الواحد الهمزة من نون (أن) ووصلها بالراء من (أَرْضَعيه) بعد تسهيل همزة الأمر، وهذه من سنن العرب في كلامها أن تسهل الهمزة ليستقيم النطق عندهم ((٣)) . القضايا البلاغية ١. في هذه الآية من الدلائل على الإعجاز القرآني حيث اشتملت على أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، فذكر القرطبي أن الأصمعي قال: " سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول: استغفر الله لذنبي كله قبّلت إنساناً بغير حله مثل الغزال ناعماً في دلّه وانتصف الليل ولم أحله

стр. 268

فقلت: قاتلك الله ما أفصحك، فقالت له: أيعدّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية ((١)) ، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. فالخبران هما (وأوحينا إلى أم موسى) وقوله (فإذا خفت عليه) لأنه يشعر بأنها ستخاف عليه، والأمران (أرضعيه) و (ألقيه) . والنهيان (لا تخافي) و (لا تحزني) . والبشارتان (إنا رادوه إليك) و (وجاعلوه من المرسلين) ((٢)) . ٢. معنى الخوف والحزن: " لقائل أن يقول: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ ؟ ثُمَّ أليس من التناقض أن يثبت الخوف في قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ ، ثُمَّ ينفيه بقوله: ﴿وَلاَ تَخَافِي﴾ ؟ . الجواب على التناقض المزعوم أن الخوف الأول المثبت هو غرقه في النيل، والثاني هو خوف الذبح، فاندفع ما يتوهم من تناقض. أما الاعتراض الأول، فهو مندفع بأن هذا من باب الإطناب، بل هو قسم نادر من أجمل أقسامه، وهو أن يذكر الشيء فيؤتى فيه بمعانٍ متداخلة إلا أن كل معنىً مختص بخصيصة ليست للآخر " ((٣)) . وهذا يدل على إعجاز الأسلوب القرآني في كونه يوهم أحياناً شيئاً فإذا ما قرأه القارئ المتمعن بان له خلاف ما توهمه، وتلك سمة من سمات إعجازه. المعنى العام ١. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ : هنا يتبادر إلى الذهن سؤال هو ما المقصود بالوحي إلى أم موسى؟

стр. 269

فقد ذكر الرازي أنه قد أتفق الأكثرون على أن أم موسى ( ﷺ ) ما كانت من الأنبياء والرسل ((١)) ، فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء، لأن المرأة لا تكون نبية لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ((٢)) خلافاً لليهود حيث ورد في بعض كتبهم كون بعض نسائهم من الأنبياء. وقد اختلف العلماء في المراد بهذا الوحي على وجوه: أحدهما ـ المراد رؤيا رأتها أم موسى (﵇) وكان تأويلها وضع موسى (﵇) في التابوت وقذفه في البحر وأن الله يرده إليها. ثانياً ـ أن المراد عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة. ثالثاً ـ المراد منه الإلهام فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ يقول: أي ألهمناها الذي صنعت بموسى ((٣)) . رابعاً ـ لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب (﵇) أو غيره، ثم إن ذلك النبي عرّفها إما مشافهة أو مراسلة. خامساً ـ لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة. سادساً ـ لعل الله تعالى بعث إليها ملكاً، لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم ﵍. والذي يرجحه الباحث من هذه الوجوه هو الوجه الثالث القائل بأن الله تعالى ألهمها لا إلهاماً على جهة النبوة، بل هو إلهام لا يشبه أي صيغة أخرى، وهو الأقرب للمنقول والمعقول. ٢. اسم أم موسى:

стр. 270

اختلف المفسرون والمؤرخون في اسمها، فذكر الطبري أن اسمها " يحيب ابنة شمويل بن بركبا " ((١)) . وذكر ابن قتيبة أن اسمها " أباحثة وفي التوراة اسمها يوخابث " ((٢)) وذكر ابن الأثير أن اسمها " يوحانذ " ((٣)) . وذكر الصاوي أن اسمها " لوحا بنت هاند بن لاوي " ((٤)) . والذي أرجحه هو أنها من مبهمات القرآن التي ليس في معرفتها كبير فائدة. ٣. ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ : نقل القرطبي عن مجاهد قوله " بأن الوحي إليها بالرضاعة كان قبل الولادة " ((٥)) . وذكر أبو حيان في تفسيره " أن هذا الإيحاء هو بعد الولادة، فيكون ثم جملة محذوفة، أي: وضعت موسى أمه في زمن الذبح وخافت عليه " ((٦)) . فقد اخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي عبد الرحمن الحبلي أن الله أوحى إلى أم موسى حين وضعت أن ترضعه. واخرج عن مجاهد أن الله أوحى إلى أم موسى حين تقارب ولادها أن ارضعيه ((٧)) .

стр. 271

والذي أرجحه أن الوحي إليها كان بعد الولادة وبعد تسميته، لأن القرآن قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ ، فبعد أن وضعته وكانت خائفة عليه من الذبح، وطمأنها ربها بأن ترضعه ليتقوى للمهمة اللاحقة، وهي المدة التي يستغرقها في سيره في اليم لحين وصوله إلى قصر فرعون، ثم عودته إلى أمه بعد معجزة تحريم المراضع عليه. ونقل ابن الجوزي، والقرطبي رواية " أنها حين اقتربت وضربها الطلق كانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصاحبة لها فقالت: لينفعني حُبُّك اليوم، فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها ثم قالت: ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون، ولكني وجدت لابنك حباً ما وجدت مثله قط فاحفظيه. فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفّته في خرقةٍ ووضعته في تنور مسجور ناراً لم تعلم ما تصنع لما طاش عقلها، فطلبوا، فلم يلقوا شيئاً، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور وقد جعل الله عليه النار برداً وسلاما " ((١)) . ٤. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ : الخوف هو " توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة " ((٢)) ، وأم موسى حينما خافت على مولودها من القتل كان ذلك بأمارة معلومة، فهي ترى بعينها يومياً عشرات الأطفال يذبحون.

стр. 272

وذكر القرطبي " أنه استخدم (إذا) لما يستقبل من الزمان، أي: إذا خفت عليه أن يصبح ويكشف أمره فيقتل. ويروى أنها اتخذت له تابوتاً من بردي وقيرَّته بالقار من داخله، ووضعت فيه موسى، وألقته في نيل مصر" ((١)) . ٥. ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ : " أي بعد أن تضعيه في شي يحفظه من الماء " ((٢)) . ٦. ﴿فِي الْيَمِّ﴾ : " أي: في النيل الذي كان يشق مدينة فرعون من حيث منازل بني إسرائيل. واليم في كلام العرب مرادف للبحر، والبحر في كلامهم يطلق على الماء العظيم المستبحر، فالنهر العظيم يسمى بحراً " ((٣)) . ٧. ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ : اخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد في قوله الله ﴿وَلاَ تَخَافِي﴾ : قال: لا تخافي عليه البحر. ﴿وَلاَ تَحْزَنِي﴾ ، يقول: لا تحزني لفراقه ((٤)) . وقال يحيى بن سلام: لا تحزني أن يقتل ((٥)) . ٨. ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ : " لتكوني أنت المرضعة له " ((٦)) . ٩. ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحاق في معناها " أي: باعثوه إلى هذه الطاغية، وجاعلو هلاكه ونجاة بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء على يديه " ((٧)) . ما يستفاد من النصّ

стр. 273

دلّ قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ على إعجاز طبي سبق العلم الحديث بآلاف السنين، وهو الإشارة إلى فائدة الرضاعة الطبيعية للطفل المولود، فقد أكد الأطباء هذه الحقيقة العلمية، وذلك بأن حليب الأم مصدر مهم للطاقة والبروتين، وهو يساعد على وقاية الطفل من المرض، ويساعد كذلك على نمو الطفل العقلي والعاطفي، ويكسب شخصيته توازناً أكبر. وهذا بعض إعجاز القران ((١)) . نلاحظ من النص القرآني أن الله جل وعلا بعد أن نهى أم موسى عن الخوف والحزن ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ أراد الله جل وعلا طمأنتها أكثر من خلال المبشرات التي أعقبت النهي، لتقوية قلبها، وإزالة خوفها وحزنها. فالبشارة الأولى ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ . وهذا أهم شي يشغل بالها. والبشارة الثانية هي البشارة بمستقبله بأنه سيكون من المرسلين. ودلت كذلك على التحدي الإلهي بهذا الطفل الرضيع لقوة فرعون وجبروته، وليقتحم به حصون فرعون وجيوشه، فيستدل منه على أن الأمن والخوف بيد الله تعَاَلىَ. فإذا شاءت إرادة الله أن يجعل الخوف أمناً كإلقاء أم موسى لطفلها في اليم، وإن شاء جعل الأمن خوفاً كما حصل لفرعون إذ قتل مئات الأطفال ليأمن. ولكن الله جعل من أمنه خوفاً، فأدخل الله موسى (﵇) إلى قصر من حرص أن لا يدخله، وقَتَل ما قتل من أجل ذلك.

стр. 274

دلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ على أن الأمر كله بيد الله يرفع أقواماً ويضع آخرين. وهذا ما أكدته الآيات اللاحقة من سُوْرَة الْقَصَصِ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((١)) وما ختم به سُوْرَة الْقَصَصِ بقوله: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((٢)) ليؤكد للناس ولأمة هذا القرآن أن القوة لله، فهو المعزّ والمذلّ، وليؤكد مرة أخرى على الترابط القرآني بين أوله وآخره. المطلب الثاني: سيدنا موسى في بيت فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ((٣)) . المناسبة صورت الآيات السابقة مشهد الأم الحائرة الخائفة على ولدها من فرعون وجنوده، ثم يأتيها الإيحاء بالبشرى من الله، وبما يثبت فؤادها ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ ((٤)) ، ثم تبتدئ أولى الخطوات اللازمة في طريق إرجاعه إلى أمه، أن يلتقطه آل فرعون ويرجعونه إلى أمه بعد أن امتنع عن قبول الرضاعة من صدور المربيات والمرضعات، ليكون ذلك سبباً لإرجاعه لأمه لتحقق أولى البشارات.

стр. 275

قال البقاعي: " ولما كان الوحي إليها بهذا السبب لإلقائه في البحر وأن إلقاءه سبب لالتقاطه قال ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ " ((١)) . وقال الرازي: " لفاء فصيحة مفصحة عن عطفه على جملة محذوفة. والمعنى: فعلت ما أمرت به من إرضاعه وإلقائه في اليم لما خافت عليه. وحذف ما حذف تعويلاً على دلالة الحال، وإيذاناً بكمال سرعة الامتثال " ((٢)) . فنلاحظ الترابط البديع بين الآيات القرآنية باستخدام الحروف المناسبة والمغنية عن استخدام الجمل العديدة. تحليل الألفاظ ١. ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ : اللَّقْطُ: أَخْذُ الشي من الأرض لَقَطَه يَلْقُطَه لَقْطاً. وَالْتَقَطَه: أخذه من الأرض، يقال لكل ساقطة لاقِطة. الالتقاط أن تَعْثَرَ على الشي من غير قصد وطلب، وشيء لقيط وملقوط. واللقِّيط: إلى، يُلتقط لأنه يُلتقط والأنثى لقيطة ((٣)) . ٢. ﴿خَاطِئِينَ﴾ : الخَطَأ والخَطاء ضدُّ الصواب. وقد أخطأ وأخطأ الطريق عَدَل عنه وأخطأ الرَّامي الغرض: لم يُصِبه. وخَطِئَ الرجل يَخْطأ خِطْأ وخِطْأَةَ على فِعْلة: أذنب. وخَطّأه تَخطِئة وتَخْطِيئاً نسبة إلى الخطأ وقال أَخْطَأتَ والخَطَأ ما لم يُتَعَمَّد. والخِطء ما تُعُمِّد، والخَطِيْئَة الذَّنْب على عمد والخِطءَ الذنب ((٤)) . ٣. ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ :

стр. 276

" قال ابن سيده: وقرَّت عينه تَقَرّ هذه أعلى عن ثعلب، أعني فَعِلْت تَفْعَل، وقَرَّت تَقَرُّ قَرَّةً وقُرَّةً، الأخيرة عن ثعلب، وقال: هي مصدر، وقُروراً وهي ضدّ سَخِنَت، قال: ولذلك اختار بعضهم أن يكون قرَّت فعلت ليجيء بها على بناء ضدها " ((١)) . وقول العرب قَرَّت عين فلان جاء من خلال استقرئنا لدلالة الكلمة على معنى رؤية المحبوب. القراءات القرآنية ١. ﴿وَحَزَنًا﴾ : اختلف العلماء في قرائتها في فتح الحاء وضمها، فقرأ حمزة والكسائي (وحُزْناً) بضم الحاء وإسكان الزاي. وقرأ الباقون بفتحتين. وقال أبو علي الفارسي (الحُزْن) (والحَزَنُ) لغتان مثل العُجْم والعَجَم والعُرْب والعَرَب ((٢)) . ٢. ﴿خَاطِئِينَ﴾ : قرئت بغير همز بتخفيف، أي: خاطين الصواب ((٣)) ، فاحتمال أن يكون أصله الهمز وحذفت وهو الظاهر. وقيل: من خطا بخطو ((٤)) . ٣. ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ :

стр. 277

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (قُرَّةْ) وقفا. وقرأ ابن مسعود بتقديم لا تقتلوه: (لا تقتلوه قرة عين لي ولك) ((١)) . وروي عن ابن مسعود انه قرأها: (قرة عين لي وله) . وقرأ: (قرة عين لي ولك لا تقتلونه) ((٢)) . القضايا البلاغية الاستعارة في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ لام التعليل، وهي المعروفة بلام كي. وقد استعملت في الآية استعمالاً وارداً على طريقة الاستعارة دون الحقيقة لظهور أنهم لم يكن داعيهم إلى التقاطه أن يكون لهم عدواً وحزناً، ولكنهم التقطوه رأفة به، وحباً له لما أُلقي في نفوسهم من شفقة عليه. ولكن لما كانت عاقبة التقاطهم إياه أن كان لهم عدواً في الله، وموجب حزن لهم، شبهت العاقبة بالعلة في كونها نتيجة للفعل كشان العلة غالباً، فاستعير لترتب العاقبة المشبّه الحرف الذي يدل على ترتب العلة تبعاً لاستعارة معنى الحرف إلى معنى أخر، استعارة تبعية، أي: استعير الحرف تبعاً لاستعارة معناه ((٣)) . والذي اعتقده أن في الآية تأويلاً بما سيكون خلافاً لما قال الشهاب الخفاجي، وابن عاشور، لأن موسى حينما كان طفلاً لا يعلم أنه عدو لفرعون، ولا فرعون يعلم أن هذا الطفل بعينه هو الذي سيقتله.

стр. 278

المجاز العقلي في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ والمعنى هذا ليكون لهم حزناً، والإسناد مجاز عقلي لأنه سبب الحزن وليس هو حزناً ((١)) . وهنالك إشارة بلاغية أشار إليها أبو حيان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ ، وهي أنه أضيف الجند وفيما قبل إلى فرعون وهامان، وإن كان هامان لا جنود له، لأن أمر الجنود لا يستقيم إلا بالملك والوزير، إذ بالوزير تحصل الأموال، وبالملك وقهره يتوصل إلى تحصيلها، ولا يكون قوام الجند إلا بالأموال ((٢)) . ذكر الآلوسي " إن امرأة فرعون قالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ ، وعدلت عن قولها (لنا) لتفخيم شأن القرّة وقدمت نفسها عليه لما تعلم من مزيد حب فرعون إياها، وأن مصلحتها أهم عنده من مصلحة نفسه، فيكون ذلك أبلغ في ترغيبه بترك قتلة " ((٣)) . وفيه استعارة، فإن قرة العين بردها واستقرارها، فجعل استعارة عن الولد. المجاز بليغ الخطاب في ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ قيل لفرعون. وإسناد الفعل إليه مجازي لأنه الآمر. والجمع للتعظيم. قال أبو علي الفارسي: من سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، فيقال للرجل العظيم: انظروا في أمري. وهو مجاز بليغ ((٤)) . وقال الطباطبائي في الميزان: إنما خاطب بالجمع لأن شركاء العقل كانوا كثيرين من مسبب ومباشر، وآمر ومأمور ((٥)) . المعنى العام ١. ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ لقد اختلف المفسرون في المقصود بآل فرعون:

стр. 279

فقد ذكر الطبري أن قسماً من أهل التأويل قال: المراد به (جواري امرأة فرعون) . ثم ساق رواية عن السدي قوله: " أقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويحفظه مرة، حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسيا امرأة فرعون يغسلن، فوجدن التابوت فأخذنه إلى آسيا، فلما نظرت إليه آسيا، وقعت عليها رحمته، فأحبته فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسيا تكلمه حتى تركه لها ((١)) . وذكر عن قسم آخر أن المراد به ابنة فرعون حيث كانت ابنة فرعون برصاء، فجاءت إلى النيل، فإذا التابوت في النيل تخفقه الأمواج، فأخذته بنت فرعون، فلما فتحت التابوت، فإذا هي بصبي، فلما اطلعت في وجهه برأت من البرص، فجاءت به إلى أمها فقالت: إن هذا الصبي مبارك لما نظرت إليه برئت، فقال فرعون: هذا من صبيان بني إسرائيل هلم حتى أقتله فقالت امرأته: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ ((٢)) . عني به أعوان فرعون لأن فرعون أصبح في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس إذ مر بالنيل تابوت يقذف به، وآسيا بنت مزاحم جالسة إلى جنبه فقالت: إن هذا لشيء في البحر فأتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله عليه محبته ولطّف عليه نفسه فقالت امرأته آسيا ((٣)) : ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ((٤)) . والذي نرجحه: إن المراد بـ (آل فرعون) هم أتباع فرعون وأعوانه لعدة أسباب: أولا ـ إن ابنة فرعون تعيش في قصر أبيها وخدمه وأعوانه، فليس من المعقول أن تلتقط بنفسها التابوت من النيل المتلاطم الأمواج، وهذا يحتاج إلى جهد كبير لا يقوم به إلا الرجال.

стр. 280

ثانيا ـ إن ما بعد كلمة (آل فرعون) يدلّ على أن من قام بالتقاطه هم أتباع فرعون من جنوه أو خدام قصره. قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ، فكلمة (لهم) تدلّ على أن من قام بالالتقاط اكثر من واحد. وقد يسال سائل ويقول: إن كلمة (الآل) لا تستعمل إلا فيما فيه شرف. والجواب عن ذلك: " إنه مبني على الغالب، أو الشرف فيه أعم من الشرف الحقيقي والصوري. ومعنى التقاطهم إياه (﵇) أخذ اعتناء به وصيانة له عن الضياع " ((١)) . ٢. ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ : قال ابن كثير: " إن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله عدواً لهم وحزناً، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ " ((٢)) . وقال القاسمي: " إنهم مجرمون، فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم، ومن هو سبب هلاكهم على يديه " ((٣)) . ومن النكت البديعة في الآية أنه دلت على ما يكون عليه آل فرعون من غرقهم في البحر من طرف خفي، فهم قد التقطوه ليكون لهم مغرقاً في البحر، فلا يلتقطه أحد، وهو من شواهد الإعجاز القرآني. ٣. ﴿وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾ : ﴿امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾ وهي " آسيا بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمان يوسف الصديق (﵇) ، وعلى هذا الرأي لم تكن من بني إسرائيل " ((٤)) .

стр. 281

وقيل: " إن آسيا كانت امرأة قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف، فلما نودي موسى أعلم أن قابوس بن مصعب مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، ويقال: إن الوليد تزوج آسيا ابنة مزاحم بعد أخيه " ((١)) . وقيل: " كانت من بني إسرائيل. وقيل: كانت من سبط موسى " ((٢)) . وحكى السهيلي أنها عمته. وقال الآلوسي: " هذا القول غريب "، ويرجح الآلوسي أنها لم تكن من بني إسرائيل ((٣)) . وقد امتدحها القران الكريم في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ((٤)) . وأثنى عليها رسول الله ( ﷺ ) فقد أخرج الإمام احمد عن أنس بن مالك قوله: قال رسول الله ( ﷺ ) : ((خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسيا امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد)) ((٥)) . ٤. ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ :

стр. 282

أختلف الأقوال في هذه الآية، فقيل: أي قالت تخاصم عنه وتحببه إلى فرعون: إنه مما تقر به العيون، وتفرح لرؤيته القلوب، فلا تقتلوه. ثم ذكرت العلة التي قالت لأجلها ما قالت ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ، أي: لعلنا نصيب منه خيراً لأني أرى فيه مخايل اليمن ودلائل النجابة، أو نتخذه ولداً لما فيه من الوسامة وجمال المنظر التي تجعله أهلا لتبني الملوك له، وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون، فوهبه لها " ((١)) . أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: " قال امرأة فرعون: ﴿قرت عين لي ولك لا تقتلوه﴾ قال فرعون: قرة عين لك أمّا لي فلا. قال محمد بن قيس: قال رسول الله ( ﷺ ) : ((لو قال فرعون قرة عين لي ولك لكان لهما جميعاً)) " ((٢)) . ٥. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ : " أي: بإلقائه هو الذي يفسد ملك فرعون على يده قاله قتادة، وغيره " ((٣)) . ما يستفاد من النصّ يمكن إن نفيد من هذه الآيات العبر والعضات الآتية:

стр. 283

أولا ـ إن الحذر لا ينفع من القدر، ويتبين ذلك في التحدي الإلهي الكبير لقوة فرعون الغاشمة من طفل رضيع لا حول له ولا قوة، إلا من قوة الله وحمايته. فيتحدى الله به جبروت فرعون وعظمته، فقد قتل فرعون مئات الأطفال من أجل العثور على هذا الطفل الموعود الذي سيكون على يديه هلاك ملكه، فيتحدى الله كلّ حصونه، ويفشل كلّ تدابيره، ويجعل هذا الطفل الموعود في متناول يده وبين جنده وحراسه وفي قصره، ولا يستطيع أن يؤذيه. فقد زود الباري هذا المولود الرضيع بسلاح لم يعهده الناس من قبل كسلاح لدفع الخطر عنه، وهو سلاح (الحب) قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ((١)) ، فملأ الله قلب امرأة فرعون (آسيا) المؤمنة بالحب لهذا الطفل، فاستخدمت ذكائها وفطرتها في منع فرعون من أن تناله، فقدمت عذر المنفعة ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا﴾ ، وأردفته بعذر آخر وهو ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ لأن فرعون كان بحاجة إلى الولد. ثانيا ـ إن وجود الصالحين في المجتمعات الفاسدة يخفف من أذى المفسدين، فإن وجود امرأة فرعون كان سبباً في إنقاذ سيدنا موسى (﵇) ، فقالت امرأة فرعون: ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ، وهذا من المعاني الكامنة في سياق النص.

стр. 284

ثالثا ـ الاستفادة من منهج القران في تناول الأحداث في ربط الماضي بالحاضر، فإن ما حدث لأمريكا في ١١ أيلول من ضربات شبيهة بما حدث لفرعون ودولته، ويعيد المسلمين إلى القران ودراسة منهجه في تحليل الأحداث والأزمات. والقرآن يؤكد دائماً على أن الأمر كله لله. وهذه حقيقة ينبغي لكل مسلم أن يعتقد فيها. ففي ظل الهيمنة الأمريكية التي بلغت ذروة عنفوانها بعد دمار الاتحاد السوفيتي وتفكك معسكره، ظن كثير ممن يضع يده في يد أمريكا، وخُدع بالإعلام الأمريكي الذي طبل وزمر وروج لأمريكا، فأدخل الرعب في قلوبهم، إنها وأجهزة مخابراتها تعلم دقائق الأمور وجلائلها. ولسان حاله يقول: نخشى أن تصيبنا دائرة فجاء هذا الحادث ليرد على مثل هذه الأراجيف والخور الذي يخالط أفئدة من في قلوبهم مرض، والسامعين لهم، والمتأثرين بما يبثون من أفكار لتخضع الأمة، ليقول الجميع: إن الأمر كله لله من قبل ١١ أيلول، ومن بعده، وما أمريكا أو غيرها من قوى الظلم والطغيان مهما بلغت في تكبرها وتجبرها، إلا منفذة لأمر الله العزيز الجبار، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وكذلك لتؤكد هذه الأحداث أن الحذر لا ينفع من القدر فأمريكا لم تنفعها كل استحكاماتها وقوة مخابراتها من قدر الله شيئاً، كما لم تنفع فرعون من قبل كل استحكاماته وحذره من قدر الله في شيء.

стр. 285

المطلب الثالث: المعجزة الإلهية في تحريم المراضع على سيدنا موسى (﵇ -) ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((١)) . المناسبة يستمر النص القرآني بمتابعة مسيرة حياة سيدنا موسى (﵇) فبعد أن بين القرآن الكريم حالة الأم الحائرة في بداية ولادة سيدنا موسى، وإنزال الإيحاء المطمئن لها والمبشر بأن ترضعه وتضعه في تابوت في البحر. ثُمَّ يتابع النص مسيرته ووصوله إلى يد ملتقطيه من آل فرعون وما حصل له في القصر، وكيف أن الله جَلَّ وَعَلا هيئ له أسباب النجاة بزرع محبته في قلب امرأة فرعون. ثُمَّ ينتقل النص بالقارئ من القصر مباشرة إلى البيت الذي ولد فيه موسى (﵇) ليصف لنا حالة أمه بعد فراق ولدها وفلذة كبدها، فالتعبير القرآني يصور لنا فؤاد الأم المسكينة كالصورة الحية فقال: (فارغاً) ، أي: لا عقل فيه ولاوعي ولا قدرة على نظر أو تصريف، فكادت من شدة خوفها عليه أن تذيع أمرها في الناس، وتهتف كالمجنونة: أن أضعت طفلي ((٢)) .
следующие страницы →