← Тафсир

Тафсир · id 2125

سورة القصص دراسة تحليلية

محمد مطني

Полный текст (624 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقيل: " إن آسيا كانت امرأة قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف، فلما نودي موسى أعلم أن قابوس بن مصعب مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، ويقال: إن الوليد تزوج آسيا ابنة مزاحم بعد أخيه " ((١)) . وقيل: " كانت من بني إسرائيل. وقيل: كانت من سبط موسى " ((٢)) . وحكى السهيلي أنها عمته. وقال الآلوسي: " هذا القول غريب "، ويرجح الآلوسي أنها لم تكن من بني إسرائيل ((٣)) . وقد امتدحها القران الكريم في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ((٤)) . وأثنى عليها رسول الله ( ﷺ ) فقد أخرج الإمام احمد عن أنس بن مالك قوله: قال رسول الله ( ﷺ ) : ((خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسيا امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد)) ((٥)) . ٤. ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ :

стр. 282

أختلف الأقوال في هذه الآية، فقيل: أي قالت تخاصم عنه وتحببه إلى فرعون: إنه مما تقر به العيون، وتفرح لرؤيته القلوب، فلا تقتلوه. ثم ذكرت العلة التي قالت لأجلها ما قالت ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ، أي: لعلنا نصيب منه خيراً لأني أرى فيه مخايل اليمن ودلائل النجابة، أو نتخذه ولداً لما فيه من الوسامة وجمال المنظر التي تجعله أهلا لتبني الملوك له، وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون، فوهبه لها " ((١)) . أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: " قال امرأة فرعون: ﴿قرت عين لي ولك لا تقتلوه﴾ قال فرعون: قرة عين لك أمّا لي فلا. قال محمد بن قيس: قال رسول الله ( ﷺ ) : ((لو قال فرعون قرة عين لي ولك لكان لهما جميعاً)) " ((٢)) . ٥. ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ : " أي: بإلقائه هو الذي يفسد ملك فرعون على يده قاله قتادة، وغيره " ((٣)) . ما يستفاد من النصّ يمكن إن نفيد من هذه الآيات العبر والعضات الآتية:

стр. 283

أولا ـ إن الحذر لا ينفع من القدر، ويتبين ذلك في التحدي الإلهي الكبير لقوة فرعون الغاشمة من طفل رضيع لا حول له ولا قوة، إلا من قوة الله وحمايته. فيتحدى الله به جبروت فرعون وعظمته، فقد قتل فرعون مئات الأطفال من أجل العثور على هذا الطفل الموعود الذي سيكون على يديه هلاك ملكه، فيتحدى الله كلّ حصونه، ويفشل كلّ تدابيره، ويجعل هذا الطفل الموعود في متناول يده وبين جنده وحراسه وفي قصره، ولا يستطيع أن يؤذيه. فقد زود الباري هذا المولود الرضيع بسلاح لم يعهده الناس من قبل كسلاح لدفع الخطر عنه، وهو سلاح (الحب) قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ((١)) ، فملأ الله قلب امرأة فرعون (آسيا) المؤمنة بالحب لهذا الطفل، فاستخدمت ذكائها وفطرتها في منع فرعون من أن تناله، فقدمت عذر المنفعة ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا﴾ ، وأردفته بعذر آخر وهو ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ لأن فرعون كان بحاجة إلى الولد. ثانيا ـ إن وجود الصالحين في المجتمعات الفاسدة يخفف من أذى المفسدين، فإن وجود امرأة فرعون كان سبباً في إنقاذ سيدنا موسى (﵇) ، فقالت امرأة فرعون: ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ، وهذا من المعاني الكامنة في سياق النص.

стр. 284

ثالثا ـ الاستفادة من منهج القران في تناول الأحداث في ربط الماضي بالحاضر، فإن ما حدث لأمريكا في ١١ أيلول من ضربات شبيهة بما حدث لفرعون ودولته، ويعيد المسلمين إلى القران ودراسة منهجه في تحليل الأحداث والأزمات. والقرآن يؤكد دائماً على أن الأمر كله لله. وهذه حقيقة ينبغي لكل مسلم أن يعتقد فيها. ففي ظل الهيمنة الأمريكية التي بلغت ذروة عنفوانها بعد دمار الاتحاد السوفيتي وتفكك معسكره، ظن كثير ممن يضع يده في يد أمريكا، وخُدع بالإعلام الأمريكي الذي طبل وزمر وروج لأمريكا، فأدخل الرعب في قلوبهم، إنها وأجهزة مخابراتها تعلم دقائق الأمور وجلائلها. ولسان حاله يقول: نخشى أن تصيبنا دائرة فجاء هذا الحادث ليرد على مثل هذه الأراجيف والخور الذي يخالط أفئدة من في قلوبهم مرض، والسامعين لهم، والمتأثرين بما يبثون من أفكار لتخضع الأمة، ليقول الجميع: إن الأمر كله لله من قبل ١١ أيلول، ومن بعده، وما أمريكا أو غيرها من قوى الظلم والطغيان مهما بلغت في تكبرها وتجبرها، إلا منفذة لأمر الله العزيز الجبار، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وكذلك لتؤكد هذه الأحداث أن الحذر لا ينفع من القدر فأمريكا لم تنفعها كل استحكاماتها وقوة مخابراتها من قدر الله شيئاً، كما لم تنفع فرعون من قبل كل استحكاماته وحذره من قدر الله في شيء.

стр. 285

المطلب الثالث: المعجزة الإلهية في تحريم المراضع على سيدنا موسى (﵇ -) ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((١)) . المناسبة يستمر النص القرآني بمتابعة مسيرة حياة سيدنا موسى (﵇) فبعد أن بين القرآن الكريم حالة الأم الحائرة في بداية ولادة سيدنا موسى، وإنزال الإيحاء المطمئن لها والمبشر بأن ترضعه وتضعه في تابوت في البحر. ثُمَّ يتابع النص مسيرته ووصوله إلى يد ملتقطيه من آل فرعون وما حصل له في القصر، وكيف أن الله جَلَّ وَعَلا هيئ له أسباب النجاة بزرع محبته في قلب امرأة فرعون. ثُمَّ ينتقل النص بالقارئ من القصر مباشرة إلى البيت الذي ولد فيه موسى (﵇) ليصف لنا حالة أمه بعد فراق ولدها وفلذة كبدها، فالتعبير القرآني يصور لنا فؤاد الأم المسكينة كالصورة الحية فقال: (فارغاً) ، أي: لا عقل فيه ولاوعي ولا قدرة على نظر أو تصريف، فكادت من شدة خوفها عليه أن تذيع أمرها في الناس، وتهتف كالمجنونة: أن أضعت طفلي ((٢)) .

стр. 286

فيأتي الإعجاز الإلهي بالربط على قلبها وتثبيته، ثم تأتى المعجزة الأخرى، تحريم المراضع عليه، ليجعلهم يحتارون به، وهي مرحلة إعادته إلى أمه لينجز لها الوعد الإلهي، ويلاحظ الترابط العجيب بين الأحداث كما هو حاصل في الجمل والعبارات: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ ((١)) . تحليل الألفاظ ١. ﴿فُؤَادُ﴾ : التَّفَؤُّدُ: التَّوَقُّد. والفؤاد القلب لِتَفَؤُدِه وتوَّقِده مذكر لا غير، صرّح بذلك اللحياني، يكون بذلك لنوع الإنسان وغيره من أنواع الحيوان الذي له قلب. والفؤاد القلب. وقيل: وسطه. وقيل: الفؤاد غشاء القلب حبته وسويداؤه والجمع أفئدة ((٢)) . ٢. ﴿فَارِغًا﴾ : الفَرَاغُ: الخلاء. فَرَغَ يَفْرَغُ ويَفْرُغ فَراغَاً وفُروغاً. وفَرغ يَفرَغ وفَرَّغ المكان: أخلاه. وتَفْرِّيغ الظُّرُوف إخلاؤها ((٣)) . ٣. ﴿لَتُبْدِي﴾ :

стр. 287

بَدَا الشيء يَبْدُو بَدْواً وبُدُوّاُ وبَداءً وبَداً، الأخذ عن سيبويه: ظهر. وأبديتهُ إن أظهرته ((١)) . ٤. ﴿رَبَطْنَا﴾ : " رَبَطَ الشيءَ يَرْبِطُه ويَرْبُطُه رَبْطاً، فهو مَرْبُوطٌ ورَبِيطٌ: شدَّه. والرِّباطُ: ما رُبِطَ به، والجمع رُبُطٌ، وربَط الدابةَ يربِطُها ويربُطُها رَبْطاً وارْتَبَطَها ... والرِّباط الفؤاد كأن الجسم رُبِط به ورجل رابِطُ الجأش " ((٢)) . ٥. ﴿قُصِّيهِ﴾ : يقال: قَصَصْت الشيء إِذا تتبّعْت أَثره شيئاً بعد شيء. قال الأزهري: القصّ اتباع الأثر، ويقال: خرج فلان قصَصَاً في إثر فلان، وقصّاً وذلك إذا اقتص أثره. وقيل: القاصّ يقصّ لاتباعه خبراً بعد خبر والقَصِيصَة البعير أو الدابة يُتَّبع بها الأثر. وهو الرؤيا عن بعد ((٣)) . ٦. ﴿جُنُبٍ﴾ : الجَنْبُ والجَنَبَة والجَانِب: شِقُّ الإنسانِ وغيره، تقول: قعدت إلى جَنب فلان وإلى جانبِه والجمع جُنُوب وجَوَانِب وجَنَائِب، والأخيرة نادرة وقال الفراء: الجنب القرب، والجنب الناحية ((٤)) . ٧. ﴿يَكْفُلُونَهُ﴾ :

стр. 288

الكافِل: العائل، كَفَلَه يكَفْلُه وكَفَّله إياه، والكافِل القائم بأمر اليتيم المربِّي له، وهو الكفيل الضمين. والكافل فهو الذي كَفَلَ إنساناً يَعُوله ويُنْفِق عليه ((١)) . ٨. ﴿نَاصِحُونَ﴾ : نَصَح الشيء خَلَص. والنَاصِح الخَالِص من العسل وغيره، وكل شيء خَلَصَ فقد نَصَحَ. والنُّصْح نقيض الغِشّ، مشتق منه نَصَحَه وله نُصْحًاً ونَصِيحة ونَصَاحَة ونِصَاحَة ونَصاحِيّةً ونَصْحَاً. ويقال: نَصَحَت له نَصِيْحَتي نَصُوحَاً، أي: أخْلَصْتُ وصَدَقْتُ ((٢)) . القراءات القرآنية ١. ﴿فُؤَادُ﴾ : قرأ أحمد بن موسى عن أبي عمرو: (فُوَاد) بالواو ((٣)) . ٢. ﴿مُوسَى﴾ : وقريء (مؤسى) بالهمز جعلت الضمة في جارة الواو وهي الميم كأنها منها فهمزت ((٤)) . ٣. ﴿فَارِغًا﴾ :

стр. 289

قال أبو حيان: " القراءات الشواذ في اللفظة قرأ فضالة بن عبيد، والحسن، ويزيد بن قطيب، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير (فَزِعَاً) بالزاي والعين المهملة من الفزع وهو الخوف. وعن ابن عباس (قَرِعًاً) بالقاف وكسر الراء وإسكانها (قَرْعَاً) . وقرأ بعض الصحابة (فِزْعًاً) بغين منقوطة، ومعناه ذاهباً. وقرأ الخليل بن أحمد (فُرُغًاً) بضم الفاء والراء ((١)) . وقرأ فضالة بن عبيد (فَرِغَاً) بفتح الفاء وكسر الراء ((٢)) . ٤. ﴿فَبَصُرَتْ﴾ : وقرأ قتادة بفتح الفاء والباء والصاد (فَبَصَرت) . وقرأ عيسى بكسر الصاد (فَبَصِرَت) ((٣)) . ٥. ﴿جُنُبٍ﴾ : قرأ قتادة، والحسن، والأعرج، وزيد بن علي (جَنْب) بفتح الجيم وسكون النون. وعن قتادة بفتحها (جَنَب) . وعن الحسن بضم الجيم وإسكان النون (الجُنْب) . وقرأ النعمان بن سالم (عن جَانِب) وكلها بمعنى واحد ((٤)) . القضايا البلاغية ١. الكناية ((٥)) ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ ، فإن ذلك كناية عن فقدان الفعل وطيش اللب. والمعنى أنها حيث سمعت بوقوعه في يد فرعون طاش صوابها وطار عقلها لما أنتابها من فرط الجزع والدهش. ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ ((٦)) ، أي: جوف لا عقول فيها، ومنه بيت حسان:

стр. 290

ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء ((١)) وذلك أن القلب مراكز العقول ((٢)) ، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ((٣)) . ٢. الاستعارة في قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ شبّه ما قذف الله في قلبها من الصبر بربط الشيء المنفلت خشية الضياع، واستعار لفظ الربط للصبر ((٤)) . ٣. الاستعارة في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ " لما كان التحريم الحقيقي بكونه عبارة عن النهي واقتضاء ترك الفعل غير متصور هاهنا، لكونه فرع التكليف جعل التحريم مستعاراً للمنع من الإرتضاع بأن شبّه المنع بالتحريم للمناسبة بينهما في التأدية إلى الامتناع فأطلق عليه اسم التحريم واشتق منه حرمنا " ((٥)) . المعنى العام ١. ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ : (أصبح) فيها وجهان للعلماء: أحدهما أنما ألقته ليلاً فاصبح فؤادها في النهار فارغاً. الثاني أنها ألقته نهاراً. ومعنى (أصبح) ، أي: صار كما قال الشاعر:

стр. 291

مضى الخلفاء بالأمر الرشيد وأصبحت المدينة للوليد ((١)) (فارغاً) في معناها أربعة أقوال: القول الأول: أي: خالياً من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك. القول الثاني: وقال الحسن، وابن إسحاق، وابن زيد: فارغاً من الوحي إذ أوحي إليه حين أمر إن تلقيه في البحر ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ ((٢)) ، والعهد الذي عهده إليه إن يرده ويجعله من المرسلين. القول الثالث: فارغاً من الهم والحزن لعلمها أنه لم يغرق. قاله أبو عبيدة. والأخفش ((٣)) . وقد ردّ أغلب المفسرين هذا الرأي، فقال ابن قتيبة في (غريب القرآن) : " وهذا من أعجب التفسير، كيف يكون فؤادها من الحزن فارغاً في وقتها ذاك والله تعالى يقول: ﴿لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ، وهل يربط إلا على قلب الجازع والمحزون، والعرب تقول للخائف والجبان: فؤاده هواء " ((٤)) .

стр. 292

وقال الطبري: " هذا قول لا معنى له لخلافه قول جميع أهل التأويل " ((١)) . وقال أبو حيان: " وهذا فيه بعد، وتبعده القراءات الشواذ التي في اللفظة " ((٢)) . وقد ردّ الشيخ زاده على هذه الردود بقوله: " الحصر ممنوع، فأنه تعالى كما يربط على قلب الجازع الحزين يربط على قلب الواثق بوعد الله تعالى وضمانه، ومعنى الربط على القلب إلهامه الصبر وتقويته، كما يربط على الشيء المتقلب ليقرّ ويطمئن " ((٣)) . القول الرابع: أصبح فؤادها فزعاً، أو نافراً. قاله العلاء بن زياد. وقال الكسائي: ذاهلاً. وقيل: والهاً، قاله سعيد بن جبير، وهو ذهاب العقل. والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ ((٤)) ، أي: جوفى لا عقول بها، وذلك أن القلوب مراكز العقول ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ((٥)) . ويستدلون على قولهم بقراءة من قرأ: (أصبح فؤاد أم موسى فَزعاً) بزاي معجمة ((٦)) . والذي أراه: أن أولى الآراء ملاءمة مع النص القرآني هو قول من قال بأن معناه أن فؤاد أم موسى أصبح فارغاً من كل شيء إلا من هم موسى، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ من شدة الخوف على ولدها، فلم يبق لها أي تفكير سوى تفكيرها بسلامة ولدها. ٢. ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال في معناها: كادت أن تقول وا أبناه ((٧)) .

стр. 293

وأخرج القرطبي عن السدي: كادت تقول لما حُمِلت لإرضاعه وحضانته: هو ابني. وقيل: " إنه لما شَبَّ سمعت الناس يقولون موسى بن فرعون، فشق عليها وضاق صدرها وكادت تقول هو ابني " ((١)) . ٣. ﴿لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ : قال قتادة: بالإيمان. وقال السدي: بالعصمة ((٢)) . ٤. ﴿لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ : أي: المصدقين بوعد الله تعالى أو من الواثقين بحفظه لا بتبني فرعون وتعطفه، فالمراد بالمؤمنين المصدقون بوعد الله ((٣)) ، فاستعمل الإيمان هنا بمعناه اللغوي دون الشرعي، لأنها كانت من المؤمنين من قبل أو أريد من كاملات الإيمان ((٤)) . ٥. ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ : أي: اتبعي أثره وانظري أين وقع وإلى من صار، يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره متعرفاً حاله ((٥)) . وفي اسم أخت موسى قولان: القول الأول: مريم بنت عمران، وافق اسمها اسم مريم أم عيسى (﵇) ذكره السهيلي والثعلبي. القول الثاني: ذكره الماوردي عن الضحاك أن اسمها كلثمة. وقيل: كلثوم ((٦)) . فإن قيل: ما الغرض من التعبير القرآني بلفظ (لأخته) دون أن يقال: (لبنتها) ؟ قال أبو السعود: للتصريح بمدار المحبة الموجبة للامتثال بالأمر ((٧)) . ٦. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ :

стр. 294

قال ابن عباس (﵁) : أبصرته. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى واحد ((١)) . والفاء فصيحة، أي: فقصت أثره فبصرت به. (عن جنب) قال قتادة: تنظر إليه كأنها لا تريده ((٢)) . وقيل: " عن شوق إليه حكاه أبو عمرو " ((٣)) . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قوله: " بصرت به وهي مجانبة لم تأته ". وإخراج عن مجاهد قوله: " عن بعيد " ((٤)) . (وهم لا يشعرون) . قال المراغي: " أي وهم لا شعور لهم بما خبأه لهم القدر، وبما يؤول إليه أمرهم معه من عظائم الأمور التي تؤدي إلى هلاكهم، وإنما علم ذلك لدى علام الغيوب " ((٥)) . وسياق الأمر يشعر بالحنان في كلام أخت أم موسى (﵇) على ما يظهر في المعاني المستنبطة من كلامها. ٧. ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ : قال ابن عاشور: " هو تحريم تكويني، أي: قدرنا في نفس الطفل الامتناع من إلتقام أثداء المراضع وكراهيتها ليضطر آل فرعون إلى البحث عن مرضع يتقبل ثديها " ((٦)) . و (المراضع) : " جمع مُرضِع، وهي المرأة التي ترضع أو جمع مَرضَع وهو موضع الرضاع، أي: الثدي أو الرضاع " ((٧)) . وقيل: المقصود بذلك المراضع المحضرة التي أحضرها فرعون ((٨)) .

стр. 295

(من قبل) " أي: من قبل قصها أثره " ((١)) . ٨. ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ : قال ابن عاشور: " الفاء فصيحة تؤذن بجملة مقدرة، أي: فأظهرت أخته نفسها كأنها مرت بهم عن غير قصد، وإنما قالت ذلك بعد أن فشا في الناس طلب المراضع له، وتبديل مرضعة عقب أخرى، حتى عرض على عدد كثير في حصة قصيرة، فعرضت أخته سعيها في ذلك بطريق الاستفهام المستعمل في العرض تلطفاً مع آل فرعون، وإبعاداً للظنة عن نفسها " ((٢)) . يقول الباحث: إن أخت موسى قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ولم تقل على أم ترضعه؟ فلماذا كان ذلك؟ وقال البقاعي: " لتوسع دائرة الظن " ((٣)) ، أي: أرادت أن تبعد معرفتها بهذه المرأة المرضعة وصلتها بالطفل الرضيع. وذكر الآلوسي تخريجاً آخر " وهو أن المراد بذلك امرأة من أهل الشرف تليق بخدمة الملوك " ((٤)) . والذي أراه أن المعنى الأول اقرب لأن الموقف صعب جداً على أخت موسى، فأرادت بأي طريقة أن تخفي هوية هذا الطفل، وهوية المرضعة. (يكفلونه) " أي: يضمونه ويقومون بشؤونه ويرضعونه " ((٥)) . (وهم له ناصحون) : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: " فأخذوها فقالوا: ما يدريك ما نصحهم له وشفقتهم عليه؟ هل تعرفونه؟ حتَّى شكوا في ذلك، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صهر الملك رجاء منفعة فأرسلوها " ((٦)) .

стр. 296

وأخرج عن السدي: " فأخذوها فقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله؟ فقالت: ما أعرفه، ولكن إنما هم للملك ناصحون، فلما جاءت أمه أخذ منها " ((١)) . ٩. ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ﴾ : قال القرطبي: " أي: رددناه. وقد عَطّف الله قلب العدو عليه، ووفينا لها بالوعد كي تقرعينها ولا تحزن " ((٢)) . قال البقاعي: " أي: تبرد وتستقر عن الطرف في تطلبه إلى كل جهة، وتنام بإرضاعه وكفالته في بيتها آمنة لا تخاف " ((٣)) . ١٠. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ : قال ابن كثير: " أي: فيما وعد من رده إليه وجعله من المرسلين فحينئذ تحققت برده إليها إنه كائن من المرسلين " ((٤)) . ١١. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ : فيها أربعة وجوه: أحدهما: ولكن اكثر الناس في ذلك العهد وبعد لا يعلمون لإعراضهم عن النظر في آيات الله. ثانياً: قال الضحاك، ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعقلون أن الله وعدها برده إليها. ثالثاً: هذا كالتعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى (﵇) فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً. رابعاً: أن يكون المعنى أنا إنما رددناه إليك لتعلم أن وعد الله حق، والمقصود الأصلي من ذلك الرد هذا الغرض الديني، ولكن الأكثر لا يعلمون أن هذا هو الغرض الأصلي ((٥)) . ما يستفاد من النصّ

стр. 297

أولاً. الفرج بعد الشدة قد يكون سريعاً، وقد يكون بعد حين. وكل ذلك بمشيئة الله وحكمته، فهو الذي يدفع الضر عن الإنسان، ويأتي بالفرج بعد الشدة، فعلى المسلم أن يتوجه إلى ربه لرفع ما حل به من شدة وضرر، ولكن لا يجوز له أن يوقت لله تعالى، فقد يكون سريعاً، وقد يكون بعد حين. فمن أمثلة الفرج السريع ردّ موسى وهو رضيع إلى أمه بعد أن ألقته في اليم ((١)) . قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ﴾ ، فقال ابن كثير: " ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل يوم وليله " ((٢)) . وأمثلة الفرج بعد أمد إرجاع سيدنا يوسف (﵇) لوالده يعقوب (﵇) بعد عشرات السنين. وحصول الفرج لسيدنا أيوب (﵇) بعد أن لازمه المرض سنين عديدة. قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ((٣)) . فمن ذلك يتبين لنا أن الله مع المؤمنين الصابرين يعزهم بنصره، بعد أن يبتليهم بالشدائد والمصائب، فعلى المؤمنين أن يصبروا في الشدائد ويلتجئوا إلى الله تعَاَلىَ بالدعاء، ولا يستعجلون النصر، مع الأخذ بالأسباب. ثانياً. في قوله تعالى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ إضافة إلى ما قاله المفسرون في تفسيرهم لقوله تعالى ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ينقدح في ذهن الباحث أن هناك إشارة واضحة أراد الله جل وعلا أن ينفي الألوهية عن فرعون، وينفي كذلك علمه بالغيب، إذ لو كان إلهاً كما يدعي لأمكنه أن يتعرف على هوية الطفل، فأراد الله جل وعلا أن يظهر كذب فرعون بادعائه الألوهية من خلال واقع ملموس وتجربه حية.

стр. 298

وذلك نظير ما كان يعتقد الناس في زمن سيدنا سليمان (﵇) أن الجن تعلم الغيب. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ ((١)) ، ولم يستطع سيدنا سليمان (﵇) أن يغير قناعة الناس، فأراد الله جل في علاه من خلال إماتته لسيدنا سليمان وهو متكأ على عصاه والجن تخدمه ولم يعلموا بذلك إلا بعد أن أكلت الإرضة عصاه فخرّ، وحينها تأكد للجميع أن الجن لا تعلم الغيب، من خلال واقع ملموس. ثالثًا. ما في قوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ من الإشارة إلى تذكير المؤمنين في كل زمان بأن النصر الذي وعدهم إياه حاصل لا محالة، وفيه إنذار للظالمين ولأعداء الإسلام بأن وعيد الله لهم لا مفرّ لهم منه، فالثقة واليقين بنصر الله سبيل الراشدين والفائزين بالنصر، ولابد للمسلم أن لا يتأثر بما يوضع لهم من عراقيل، بل إن ذلك يزيدهم طموحاً وتفاؤلاً، لأنه واثقاً بنصر الله، فالمؤمنون هم المتفائلون، وغيرهم البائسون، وآيات البشارة مبثوثة في آيات كثيرة من القرآن الكريم منها: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾ ((٢)) . ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ((٣)) .

стр. 299

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ ((١)) . ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((٢)) . في هذه الآيات أخبر الباري أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين ولكن متى؟ إذا قاموا بنصر دينه، وإذا قاموا بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فقد وعد الله باستخلافهم في الأرض وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى ﴿يَاءيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ((٣)) . المبحث الثاني: سيدنا موسى (﵇) في مرحلة البلوغ المطلب الأول: سيدنا موسى (﵇) يهبه الله الحكم والعلم ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ((٤)) المناسبة

стр. 300

نلاحظ أن النص القرآني قد تحدث عن المرحلة التي سبقت ميلاد سيدنا موسى (﵇) بصورة موجزة، ثم فترة ولادته وإرضاعه، ولم يتحدث عن الفترة التي هي ما بين إرضاعه إلى أن بلغ أشده واستوى. فمن الطبيعي أن أم موسى بعد أن أكملت إرضاعه عادت به إلى قصر فرعون وتربى فيه وهو صغير، بدليل قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ((١)) . قال البقاعي في هذا الصدد: " ولما استقر الحال على هذا المنوال عُلم أنه ليس بعده إلا الخير والإقبال والعز بتبني فرعون له والجلال، فترك ما بينه وبين السن الصالح للإرسال وقال مخبراً عما بعد ذلك من الأحوال ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ " ((٢)) . وقال ابن عاشور: " هذا اعتراض بين أجزاء القصة المرتبة على حسب ظهورها في الخارج، وهذا الاعتراض نشأ عن جملة ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ((٣)) ، فأن وعد الله لها قد حُكي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ ((٤)) ، فلما انتهى إلى حكاية رده إلى أمه بقوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ ((٥)) إلى أخره كمّل ما فيه وفاء وعد الله إياها بهذا الاستطراد في قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ، وإنما أوتي الحكم أعني النبوءة بعد خروجه من أرض مدين كما سيجيء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ ((٦)) " ((٧)) .

стр. 301

تحليل الألفاظ ١. ﴿بَلَغَ﴾ : بَلَغَ الشيء يَبلَغُ بُلُوغاً وبَلاغاً: وصل وانتهى ((١)) . ٢. ﴿أَشُدَّهُ﴾ : شدد الشّدّة: الصلابة، وهي نقيض اللين تكون في الجواهر والأعراض، والجمع شِدَدٌ. وعن سيبويه قال: جاء على الأصل لأنه لم يشبه الفعل وقد شَدَّه يَشُدَّه ويَشِدَّه شَدَّاً فَاشْتَدَّ، وكل ما أحكم فقد شُدَّ وشُدِّدَ. والأشُدّ: مبلغ الرجل الحُنْكَةَ والمَعْرِفَة. قال الفراء: الأَشُدُّ واحدها شُدّ في القياس، قال: ولم أسمع لها بواحد. وقا أبو الهيثم: وواحدة الأَنْعُم نعْمَة وواحدة الأَشُدَّ شِدَّة. قال: والشِّدَّة القوة والجلادة، والشَّدِيد الرجل القوي. وقال الأزهري: الأشُدّ في كتاب الله تعالى في ثلاثة معان يقرب اختلافها، فأما قوله تعالى في قصة يوسف (﵇) : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ((٢)) فمعناه الإدراك والبلوغ، وحينئذ راودته امرأة العزيز عن نفسه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ((٣)) ، قال الزجاج: معناه احفظوا عليه ماله حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله. قال: وبلوغه أشُدّه أن يؤنس منه الرُّشْد مع أن يكون بالغاً. وأما قوله في قصة سيدنا موسى (﵇) : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ، فإنه قرن بلوغ الأشد بالاستواءِ، وهو أن يجتمع أمره وقوته ويكتهل وينتهي شبابه.

стр. 302

وأما قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ((١)) ، فهو أقصى نهاية بلوغ الأشد، وعند تمامها بعث النبي محمد ( ﷺ ) وقد اجتمعت حُنكته وتمام عقلهِ ((٢)) . ٣. ﴿وَاسْتَوَى﴾ : قال الليث: الاسْتِواء فعل لازم من قولك سَويْتُه فاستوى. قال أبو الهيثم: العرب تقول استوى الشيء مع كذا وكذا وبكذا، إلاّ قولهم للغلام إذا تمَّ شبابه: قد استوى. واستوى الشيء: اعتدل، والاسم السواء، يقال: سَوَاءُ عَليَّ قمتَ أو قعدت، واستوى الرجل بلغ أَشُدّه. وقيل: بلغ أربعين سنة ((٣)) . ٤. ﴿حُكْمًا﴾ : قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى الحَكَم والحَكِيمُ، وهما بمعنى الحَاكِم وهو القاضي، فهو فعيل بمعنى فاعِل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، والحُكم العلم والفقه قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ((٤)) أي: علماً وفقهاً، هذا ليحيى بن زكريا. والحُكْم العِلْم والفِقْه والقَضَاء بالعَدْل، وهو مصدر من حَكَم يَحْكُم. والعرب تقول: حَكَمْت وأَحْكَمْت وحَكَمْت بمعنى مَنَعْت ورَدَدْتُ، ومن هذا قيل للحاكم بين الناس: حَاكِم لأنه يمنع الظالم من الظلم ((٥)) . ٥. ﴿وَعِلْمًا﴾ : من صفات الله العَلِيْم والعَالِم والعَلاّمُ. والعِلمُ نقيض الجهل عَلِم عِلْماً وعَلُمَ هو نفسه، ورجل عَالِم وعَلِيم من قوم عُلَمَاء فيهما جميعاً " ((٦)) .

стр. 303

وقال الراغب الأصفهاني: " العِلْمُ إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما إدراك الشيء. والثاني الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه. والعلم من وجه ضربان: نظري وعملي، فالنظري ما إذا عُلِمَ فقد كَمَلَ نحو: العِلْم بِمُوجُودَات العالم، والعملي مالا يتم إلا بأن يعمل كالعِلْم بالعبادات، ومن وجه آخر عقلي وسمعي " ((١)) . المعنى العام ١. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ . قد اختلف العلماء في مدة بلوغ الأشد إلى تسعة أقاويل: إحداهما: أربعون سنة قاله الحسن. الثاني: أربع وثلاثون سنة، قاله سفيان. الثالث: ثلاث وثلاثون سنة، قاله ابن عباس. الرابع: ثلاثون سنة، قاله السدي. الخامس: خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة. السادس: عشرون سنة، حكاه يحيى بن سلام. السابع: ثماني عشرة سنة، قاله ابن جبير. الثامن: خمس عشرة سنة، قاله محمد بن قيس. التاسع: الحلم، قاله ربيعه، ومالك. والذي نراه أن لا فائدة تذكر في ترجيح أي من هذه الآراء على الرأي الآخر، مما لا توجب علماً ولا عملاً على ما قاله الأقدمون، بل هي منصوصة بأية أخرى دالة على أن بلوغ الأشد يكون ببلوغ الأربعين سنة، وهي قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ((٢)) . ٢. ﴿وَاسْتَوَى﴾ : فيه كذلك أربعة أقوال: أحدهما: اعتدال القوة. الثاني: خروج اللحية. الثالث: أي استحكم وانتهى شبابه واستقر، فلم تكن فيه زيادة ((٣)) الرابع. أربعون سنة ((٤)) . وقد اختلوا في مدة الاستواء إلى قولين:

стр. 304

أحدهما: إنه أربعون سنة، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. والثاني: ستون سنة، ذكره ابن جرير ((١)) . والذي أراه أنه (أربعون سنة) بقرائن الآيات الأخرى، وهي من إرسال المرسلين ـ عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام ـ. وقد ذكر الرازي اختلافاً آخر في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ، فذكر فيها قولين: أحدهما: إنهما بمعنى واحد وهو استكمال القوة واعتدال المزاج والبنية. الثاني: وهو الأصح إنما معنيان متغايران. ثم اختلوا على وجوه: الأشد عبارة عن كمال القوة الجسمانية البدنية، والاستواء عبارة عن كمال القوة العقلية. الأشد عبارة عن كمال القوة، والاستواء عبارة عن كمال البنية والخلقة. قال ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر سنة إلى الثلاثين، ثم من الثلاثين سنة إلى الأربعين يبقى سواء من غير زيادة ولا نقصان، ومن الأربعين يأخذ في النقصان ((٢)) . والذي يحسم الخلاف في ذلك كله هو قوله الآلوسي ﵀ والذي أرى أنه الراجح، " بأن البلوغ الأشد عبارة عن بلوغ القدر الذي يتقوى فيه بدنه وقوه الجسمانية، وينتهي فيه نموه المعتد به. والاستواء اعتدال عقله وكماله، ولا ينبغي تعين وقت لذلك في حق موسى (﵇) إلا بخبر يعول عليه، ولأن الوقت يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال " ((٣)) . ومن المشهور أن الله لم يبعث نبياً قبل الأربعين، والسر في ذلك لأن قوى الإنسان الجسمانية من الشهوة والغضب والحس قبل الأربعين قوية مستكملة، فيكون الإنسان منجذباً إليها، فإذا انتهى إلى الأربعين أخذت القوى الجسمانية في الانتقاص، والقوة العقلية في الازدياد فهناك يكون الرجل أكمل ما يكون ((٤)) .

стр. 305

٣. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ : وقد قيل في المراد بالحكم أربعة أقوال: إنه العقل، قاله عكرمة. النبوة، قاله السدي أو علماً على ما هو من خواص النبوة على ما تأول به بعضهم كلامه. القوة، قاله مجاهد. الفقه، قاله ابن إسحاق. ويحتمل أن يراد به علم الحكماء وأخلاقهم ((١)) . وذكر الزمخشري " أن المراد بالحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم " ((٢)) ، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ((٣)) . وقد ذكر الرازي أنه قد يعترض معترض على من قال إن معنى الحكمة: النبوة وما يقترن بها من العلوم والأخلاق، فتكون النبوة قبل قتل القبطي، فسياق الآيات يخالف ذلك، فإن الله قد أعطاه الحكم والعلم، ثم دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ . ويجيب: ليس في الآيات دليل على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القطبي أو بعده، لأن الواو في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ لا تفيد الترتيب ((٤)) . والذي أرجحه هو قول الشيخ زاده بأن المراد بالحكم علم الحكماء وأخلاقهم (٥) ، ولا يمكن أن يراد به النبوة لما يأتي: أولاً: لقوله تعالى في نهاية الآيات ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ، فجعل الله إيتاء الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة اصطفاء من الله لا تأتي جزاء على عمل.

стр. 306

ثانياً: لو كان المراد بالحلم والعلم النبوة لوجب حصول النبوة لكل من كان من المحسنين ((١)) لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ . وقد اختلف العلماء كذلك في المراد بالعلم إلى ثلاثة أوجه: أحدهما: إنه الفهم. الثاني: الفقه. الثالث: العلم بما في دينه من شرائعه وحدوده ((٢)) . والرأي الراجح عندي إنه العلم بما في دينه لأنه مما أوحي إليه. ٤. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ : " أي: كما جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله وألقت ولدها في البحر وصدقت بوعد الله فرددنا ولدها إليها، ثم وهبنا له العقل والحكمة والنبوة، وكذلك نجزي كل محسن " ((٣)) . ما يستفاد من النصّ

стр. 307

نستدل من هذه الآية على عصمة الأنبياء فإن سيدنا موسى (﵇) مع أنه عاش في بيت فرعون لم يتأثر بالجو الديني والأخلاقي الفاسد في داخل القصر، إن الله جل وعلا قد حماه منذ ولاته إلى أن بلغ، فنجاه من القتل، وحماه من الغرق، وحماه وهو في قصر فرعون من أن يصاب برذاذ الكفر والأخلاق الفاسدة، فلم يلج الكفر قلبه صغيراً كان أو كبيراً، وأنه رضع عقيدة التوحيد والإيمان بالله مع لبن أمه، كيف لا وقد تعهد الله بحفظه بقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ((١)) . فقد كان مؤمناً بالله، منيباً إليه، وتبين ذلك من خلال ندمه وطلب المغفرة من الله حينما ضرب القبطي فقتله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ((٢)) . ومما هو معروف أن هذه الحادثة قد وقعت قبل نبوته. المطلب الثاني: سيدنا موسى (﵇) يقتل قبطياً خطأً

стр. 308

﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِين﴾ ((١)) . المناسبة بعد أن أوضحت الآيات السابقات الإرهاصات التي تسبق نبوته (﵇) ، وذلك بإتيانه الحكم والعلم بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ . فقد أخبرت هذه الآيات سبب هجرته (﵇) إلى مدين، وجملة ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ عطف على جملة ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ((٢)) عطف جزء القصة على جزء أخر منها. وقد علم موسى أنه من بني إسرائيل لعلمه بأن أمه كانت تتصل به في قصر فرعون، وكانت تقصّ عليه نبأه كله ((٣)) .

стр. 309

فنلاحظ كيف أفاد العطف في الإجابة عن ما تبادر إلى الذهن من سؤال: هو كيف علم إنه إسرائيلي؟ وذلك عن طريق أمه التي جيء بها لإرضاعه في قصر فرعون، فمن ذلك يتبين لنا الإعجاز القرآني في استخدام الإشارات القرآنية للتعبير عن معاني كامنة اكتفى الَقُرْآن الكَرِيم بالإشارة إليها باستخدامه للعطف. تحليل الألفاظ ١. ﴿الْمَدِينَةَ﴾ : مَدَنَ بالمكان أقام به، فِعْل، ومنه المَدِينَة وهي فَعِيلة وتجمع على مدائن بالهمز. ومُدْن ومُدُن بالتخفيف والتثقيل. وفيه قول آخر إنه مفعلة من دَنَت، أي: ملكت. قال ابن بري: لو كانت الميم في مدينة زائدة لم يجز جمعها على مُدْن. وفلان مَدَّنَ المَدَائِن، كما يقال: مصّر الأمصار والمدينة الحصن، وكلّ أرض يبنى بها حصن فهي مدينة، والنسبة إليه مديني، والجمع مدائن ومدن ((١)) . ٢. ﴿غَفْلَةٍ﴾ : غَفَل عنه يغَفْل غُفُولاً وغَفْلةً وأَغْفَلَه عنه: غيره. وأَغْفَلَه تركه وسها عنه ((٢)) . وقال الراغب الأصفهاني: " الغَفْلَة سهوٌ يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، يقال: غفل فهو غافل " ((٣)) . ٣. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾ : غوث، أجاب الله غَوْثاه وغُواثَه وغَواثَه. وحكى ابن الإعرابي: أجاب الله غِياثَه. والغُواث بالضم الإغاثة، وغَوَّث الرجل واسْتَغَاث صاح واغَوْثَاه، والاسم الغَوْث الغُواث والغَواث بالفتح كالغِيّاث بالكسر من الإغاثة. وقال الراغب الأصفهاني: " الغَوْث يقال في النصرة، والغَيْث في المطر " ((٤)) . ٤. ﴿فَوَكَزَهُ﴾ :

стр. 310

وَكَزَه وَكْزاً: دفعه وضربه، مثل نَكَزه. والتَّوْكز الطعن، ووَكَزَه أيضاً طعنه بجُمْعِ كفه. وقيل: وَكَزَه، أي: ضربه بجمع يده على ذقنه. وقال الكسائي: وَكَزته ونَكَزْتُه ونَهَزْتُه ولَهَزْتُه بمعنى واحد ((١)) . وقال الزمخشري: " الوَكْز الدفع بأطراف الأصابع. وقيل: بجمع الكف " ((٢)) وقيل: الوَكْز الضرب في الصدر ((٣)) . وقيل: الوَكز على القلب، واللَكْز في اللحى. وقال أبو زيد: في جميع الجسد وقال: هو بالجُمْع في اللهازم والرقبة ((٤)) . ٥. ﴿الشَّيْطَانِ﴾ : وهو البعيد عن الحق ومنه شَطَنَتْ الدابة شَطَنَت شُطُوناً، أي: بعدت، ومنه نوا شُطوناً بعيداً شاقة. والشَّطْن مصدر شَطَن بَشْطُنه شطاناً أي: خالفه عن وجهه (٥)) . وذكر قسم من العلماء على وزن فيعال من شَطَن إذا بعد. وقال قسم من العلماء: إنها زائدة على وزن فعلان من شَاط يَشِيط إذا هلك واحترق مثل هيمان وغيمان من همام وغام ((٦)) .

стр. 311

والذي يبدو لي أن الكلمة تدلّ على المعنيين، فتدل على البعد، لأن الشيطان بعيد عن الحق والصواب، وتدلّ كذلك على الاحتراق لأن الشيطان محترق بذنوبه. فلفظ الشيطان يطلق على كل متمرد من الجن والإنس والحيوان. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ ((١)) . وركب سيدنا عمر (﵁) برذوناً فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبختراً، فنزل فقال: ((ما حملتموني إلا على شيطان)) ((٢)) . ٦. ﴿ظَهِيرًا﴾ : التظاهر التعاون والتساعد، واسْتَظْهَر به، أي: استعان. وظَهَرتُ عليه: أعنته، وظَهَر عليّ أعانني كلاهما عن ثعلب. وتَظَاهَرُوا عليه تعاونوا. وظَاهَر بعضهم بعضاً أعانه. والظَّهِيْر العون الواحد والجمع في ذلك سواء، وإنما لم يجمع ظهير لأن فعيلاً وفعولاً قد يستوي فيها المذكر والمؤنث والجمع ((٣)) . ٧. ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ :

стр. 312

الجُرْم التَّعْدي، والجرم الذنب والجمع أجْرام وجُرُوم وهو الجَرِيمَة وقد جَرَم يَجْرِم جُرْمَاً واجْتَرَم وأَجْرَم، فهو مُجْرِم وجَرِيم وتَجَّرَم عليَّ فلان، أي: ادعى ذنباً لم أفعله. وجَرَم إليهم وعليهم جَرِيمَة وإِجْرَام جنى جناية، وجَرُم إذا عظم جُرْمُه، أي: أذنب، والجُرْم مصدر الجَارِم الذي يَجْرِم نفسه وقومه شرّاً. الجَارِم الجَانِي: المُجْرِم المُذْنِب ((١)) . ٨. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ : رَقَبَه يَرْقَبَه رِقْبَةً ورِقْبَاناً بالكسر فيها، ورُقُوباً وتَرَقَّبَه وارْتَقَبَه انتظره ورصده. والتَّرَقُّب الانتظار، وكذلك الارْتِقَاب، والتَّرَقُب تَنَظُّرُ وتَوَقُّع شيء ((٢)) . وتفسير الرقيب على وجهين: الوجه الأول: يعني حفيظاً كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ((٣)) يعني حفيظاً لأعمالكم. الوجه الثاني: يعني الانتظار لقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ ((٤)) . ٩. ﴿اسْتَنصَرَهُ﴾ : الاسْتِنْصار: اسْتِمْدَاد النَّصْر. واسْتَنْصَرَه على عَدُوّه، أَي: سأَله أَن ينصُره عليه. والتَّناصُر: التَّعاون على النَّصْر. وتَنَاصَرُوا نَصَر بعضُهم بعضاً. والنَّصِير فعيل بمعنى فاعِل أَو مفعول لأَن كل واحد من المتَناصِرَيْن ناصِر ومَنْصُور. وقد نصَره ينصُره نصْراً إِذا أَعانه على عدُوّه وشَدَّ منه ((٥)) . ١٠. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ :

стр. 313

الصَّرْخَة: الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة. الصارخ والصريخ: المستغيث. وقيل: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث والمستصرخ المستغيث، والاستصراخ الاستغاثة، صرخ فلان يصرخ صراخاً إذا استغاث فقال: واغوثاه واصرختاه ((١)) . ١١. ﴿يَبْطِشَ﴾ : البَطْش: التناول بشدة عند الصَّوْلة، والأَخذُ الشديدُ في كلّ شيء بطشٌ؛ بَطَشَ يَبْطُش ويَبْطِش بَطْشاً. والبَطْشُ: الأَخذ القويّ الشديد. والبَطْشة: السَّطْوة والأَخذُ بالعُنْف. ووردت البطش في القرآن على وجهين: الوجه الأول: العقوبة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ ((٢)) . الوجه الثاني: البطش القوة ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ ((٣)) يعني قوة ((٤)) . القراءات القرآنية ١. ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ﴾ : قرأ أبو طالب القارئ: (على حِينَ) بفتح النون، ووجهه أنه أجرى المصدر مجرى الفعل، كأنه قال: على حين غفل أهلها فبناه، كما بناه حين أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل ماض كقوله: (على حين عاتبت المشيب على الصبا) . وقال أبو حيان: هذا توجيه شذوذ ((٥)) . ٢. ﴿يَقْتَتِلاَنِ﴾ : قرأ نعيم بن ميسرة (يقِّلان) بالإدغام، نقل فتحة الأولى إلى القاف وأدغم ((٦)) . ٢. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾ :

стр. 314

هذه قراءة الجمهور من الغَوْث، أي: طلب غوثه ونصره. وقرأ سيبويه، وابن مقسم، والزعفراني بالعين المهملة والنون (فَاسْتَعَانَهُ) من الإعانة. قال أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة: والاختيار قراءة ابن مقسم، لأن الإعانة أولى في هذا الباب. وقال ابن عطية: ذكرها الأخفش وهي تصحيف لا قراءة. وقال أبو حيان: ليست تصحيفاً فقد نقلها ابن خالويه عن سيبويه، وابن جبارة عن ابن مقسم، والزعفراني ((١)) . ٣. ﴿فَوَكَزَهُ﴾ : قرأ ابن مسعود: (فَلَكَزَهُ) و (فَنَكَزَهُ) باللام والنون ((٢)) ، والفرق بين الوكز واللكز أن الأول بجمع الكف، والثاني بأطراف الأصابع. وقيل: بالعكس والنكز كاللكز ((٣)) . ٤. ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ : وهنالك قراءة أخرى عند عبد الله بن مسعود: (فلا تجعلني ظهيراً) وعلى هذه القراءة دعا ربه ((٤)) . ٥. ﴿يَبْطِشَ﴾ : هذه قراءة الجمهور. وقرأ الحسن، وأبو جعفر بضمها: (يَبْطُش) ((٥)) . القضايا البلاغة استخدام صيغ المبالغة (جبار، غوي، مبين) لأن فعال، وفعيل من صيغ المبالغة. الطباق المعنوي، وهو مقابلة الشي بضده في المعنى لا في اللفظ ((٦)) ، ﴿جَبَّارًا ... وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾ ، لأن الجبار المفسد المخرب المكثر للقتل وسفك الدماء، ففيه طباق في المعنى ((٧)) .

стр. 315

الاستعطاف ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ((١)) . ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ استخدم (على) للاستعلاء المجازي كما في قوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ((٢)) ، أي: متمكناً من حين غفلة ((٣)) . وقال النحاس: " دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال على حين غفل أهلها. ودخلت (على) في هذه الآيات، لأن الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئت على غفلة، وإن شئت قلت: جئت على حين غفلة، فكذا الآية " ((٤)) . والذي يراه الباحث أن الَقُرْآن الكَرِيم أراد تخصيص دخول موسى (﵇) إلى المدينة دون ظرفي الدخول زمانياً (حيناً) ومكانياً (المدينة) ، وهذا التخصيص المقصود منه إظهار معنى الدخول وحده، فجاءت الآية في صورتها البلاغية محتوية على الزمن (الفعل الماضي: دخل) والمكان (الاسم: المدينة) ، وإنما جاء وسط ذلك الظرف (حين) ليكون أبلغ في استشعار صيغة الدخول. المعنى العام ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ . من خلال هذه الآيات يتبادر مجموعة من الأسئلة: أولا. ما المقصود بالمدينة في هذه الآيات؟ لقد اختلف العلماء في المراد بالمدينة:

стр. 316

ذكر الطبري إنما مدينة منف. ونقل أبو حيان الأندلسي هذا القول عن ابن عباس ((١)) . وقال ابن إسحاق: المقصود بالمدينة (مصر) نفسها. وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل (مصر) . وقيل: هي مدينة عين شمس. وقيل: قرية على بعد فرسخين من مصر يقال لها: (حابين) . وقيل: الإسكندرية ((٢)) . ثانياً. ما السبب الذي دعا سيدنا موسى (﵇) لدخول المدينة متخفياً؟ لقد نقل الطبري أقوال أهل العلم في ذلك: قيل دخلها متتبعاً أثر فرعون، لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد، فما حضر علم بركوبه فركب واتبع أثره وأدركه المقيل في هذه المدينة. وقال السدي: كان موسى حيث كبرَ يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنما يدعى موسى ابن فرعون، ثم أن فرعون ركب مركباً وليس عنده موسى، فما جاء موسى. قيل له: إن فرعون قد ركب فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: (منف) فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها وليس في طرفها أحد. ونقل الطبري عن ابن إسحاق: بل دخلها مستخفياً من فرعون وقومه، لأنه كان قد خالفهم في دينهم وعاب ما كانوا عليه. وقال آخرون: بل كان فرعون قد أمر بإخراجه من مدينته حين علاه بالعصا، فلم يدخلها إلا بعد أن كبر وبلغ أشده ((٣)) .

стр. 317

وأرى أن المقصود بالمدينة عاصمة ملكه، والتي يعيش فيها الأقباط، وبني إسرائيل المستضعفين. فسيدنا موسى (﵇) لما بلغ أشده واستوى أتاه الله الحكم والعلم ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ((١)) ، ونوّر بصره بالحكم والعلم، وبدء ينكر على فرعون ظلمه لبني إسرائيل، وينكر عليه ادعاءه الألوهية وعبادة الأقباط له من دون الله، فأصبحت له من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه ويطيعونه ويجتمعون إليه، فسمع فرعون وقومه فأغضبهم ذلك حتى ناصبوه العداء، فخاف على نفسه منهم، فلا يدخل المدينة إلا متخفياً منهم. ثالثاً. ما هو الوقت الذي دخل فيه موسى المدينة؟ قيل: وقت القيلولة، أو بين العشائين. وقيل: المقصود في وقت لا يعتاد دخولها أو ليتوقعونه. وقيل: كان يوم عيد، وهم مشغولون بلهوهم ((٢)) . وذكر ابن عاشور أن " المقصود من ذكر الوقت، الإشارة إلى أن قتله القبطي لم يشعر به أحد تمهيداً لقوله بعد: ﴿قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ ، ومقدمة لذكر خروجه من أرض مصر " ((٣)) . ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أحدهما ممن شايعه على دينه وهم بنو إسرائيل، والآخر من مخالفيه وهم القبط وإلا شارة على الحكاية ((٤)) .

стр. 318

وقد أختلف في سبب تقاتل هذين الرجلين، فقيل: كان أمراً دينياً. وقيل: كان أمراً دنيوياً، فقد روي أن القبطي كلف الإسرائيلي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون، فأبي فاقتتلا لذلك، وكان القبطي خبازاً لفرعون كما ذكر ذلك سعيد بن جبير ((١)) . وذكر الرازي قولاً غربياً لمقاتل بأن الرجلان كانا كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط، واستدل بقول سيدنا موسى في اليوم التالي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ((٢)) . ويمكن الجواب على ذلك: أن المشهور إن الذي من شيعته كان مسلماً، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه وطريقة إنه من شيعته فالمقصود بـ (مِنْ شِيْعَتِهِ) ، أي: ممن شايعه وتابعه في أمره ونهيه، أو في الدين ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ، أي: " فاستنصر الإسرائيلي موسى على القبطي " ((٣)) ، " فضربه بمجمع كفه فقتله " ((٤)) . وذكر ابن عاشور " والاستغاثة طلب الغوث، وهو التخلص من شدة، أو العون على دفع مشقة، وإنما يكون هذا الطلب بالنداء، فذكر الاستغاثة يؤذن بأن الإسرائيلي كان مغلوباً، وأن القبطي اشتد عليه وكان ظالماً " ((٥)) . ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ قال المراغي: " إن هذا الذي حدث من القتل هو من تزيين الشيطان ووسوسته، ثم أخبر عن حال الشيطان ليحذر منه فقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٦) ، أي: إنه عدو فينبغي الحذر منه مضل لا يقود إلى خير بيّن العداوة والإضلال) .

стр. 319

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ، أي: بوكزٍ ترتب عليه القتل ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ذنبي، وإنما قال (﵇) ما قال، لأنه فعل ما لم يؤذن له به، وليس من سنن آبائه الأنبياء (﵇) في مثل هذه الحادثة التي شاهدها، وقد أفضى إلى قتل نفس لم يشرع فيه شريعة من الشرائع قتلها ((١)) . ﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ رأي المبالغ في مغفرة ذنوب عباده وصمتهم " ((٢)) . ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الباء في ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ للقسم والتقدير: أقسم بما أنعمت به عليّ من المغفرة والجواب محذوف، أي: لأتوبن فلن أكون، أو متعلقة بمحذوف، أي: لاتوبنّ فلن أكون، أو متعلقة بمحذوف تقديره: " اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين. وقيل: (فلن أكون) دعاء لا خبر، و (لن) بمعنى لا في الدعاء. وذكر أبو حيان أن (لن) لا تكون في الدعاء ((٣)) . وذكر الزمخشري أنه أراد بمظاهرة المجرمين: أما صحبة فرعون وانتظامه في حملته وتكثيره سواده حيث كان يركب ركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون. أما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له ((٤)) . ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾

стр. 320

قال ابن عطية: " فأصبح عبارة عن كونه دائم الخوف في كل أوقاته كما تقول: أصبح زيداً عالماً. ويترقب معناه عليه رقبة من فعله في القتل فهو متحسس. قال ابن عباس: فمرّ وهو بحالة الترقب، وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قتل القبطي بالأمس يقاتل أخر من القبط، وكان قتل القبطي قد خفي عن الناس واكتتم، فلما رأى الإسرائيلي موسى استصرخه بمعنى صاح به مستغيثاً، فلما رأى موسى قتاله لأخر أعظم ذلك وقال له معاتباً ومؤنباً: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ، وكانت إرادة مع موسى مع ذلك أن ينصر الإسرائيلي، فما دنا منهما خشى الإسرائيلي وفزع منه، وظن أنه ربما ضربه وفزع من قوته التي رأى بالأمس، فناداه بالفضيحة وشهر أمر المقتول " ((١)) . ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ " وظاهر قوله: ﴿عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أنه قبطي، وربما جعل عدّواً لهما لأن عداوته للإسرائيلي معروفة فاشية بين القبط، وأما عداوته لموسى فلأنه أراد أن يظلم رجلاً، والظلم عدّو لنفس موسى، لأنه نشأ على زكاء نفسي هيأها الله للرسالة " ((٢)) . واختلف العلماء فيمن قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ هل هو الإسرائيلي أم القبطي؟ الرأي الأول ـ قال قسم من العلماء: هذا القول للإسرائيلي لما خاطبه سيدنا موسى (﵇) : ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ، ورآه غضبان وقد همُ موسى أن يبطش بالفرعوني، فظن أنه يريده، فخاف على نفسه، فقال ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ﴾ الآية.
следующие страницы →