ذكر الطبري إنما مدينة منف. ونقل أبو حيان الأندلسي هذا القول عن ابن عباس ((١)) .
وقال ابن إسحاق: المقصود بالمدينة (مصر) نفسها. وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل (مصر) .
وقيل: هي مدينة عين شمس.
وقيل: قرية على بعد فرسخين من مصر يقال لها: (حابين) .
وقيل: الإسكندرية ((٢)) .
ثانياً. ما السبب الذي دعا سيدنا موسى (﵇) لدخول المدينة متخفياً؟ لقد نقل الطبري أقوال أهل العلم في ذلك:
قيل دخلها متتبعاً أثر فرعون، لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد، فما حضر علم بركوبه فركب واتبع أثره وأدركه المقيل في هذه المدينة.
وقال السدي: كان موسى حيث كبرَ يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنما يدعى موسى ابن فرعون، ثم أن فرعون ركب مركباً وليس عنده موسى، فما جاء موسى. قيل له: إن فرعون قد ركب فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: (منف) فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها وليس في طرفها أحد.
ونقل الطبري عن ابن إسحاق: بل دخلها مستخفياً من فرعون وقومه، لأنه كان قد خالفهم في دينهم وعاب ما كانوا عليه.
وقال آخرون: بل كان فرعون قد أمر بإخراجه من مدينته حين علاه بالعصا، فلم يدخلها إلا بعد أن كبر وبلغ أشده ((٣)) .
стр. 317
وأرى أن المقصود بالمدينة عاصمة ملكه، والتي يعيش فيها الأقباط، وبني إسرائيل المستضعفين. فسيدنا موسى (﵇) لما بلغ أشده واستوى أتاه الله الحكم والعلم ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ((١)) ، ونوّر بصره بالحكم والعلم، وبدء ينكر على فرعون ظلمه لبني إسرائيل، وينكر عليه ادعاءه الألوهية وعبادة الأقباط له من دون الله، فأصبحت له من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه ويطيعونه ويجتمعون إليه، فسمع فرعون وقومه فأغضبهم ذلك حتى ناصبوه العداء، فخاف على نفسه منهم، فلا يدخل المدينة إلا متخفياً منهم.
ثالثاً. ما هو الوقت الذي دخل فيه موسى المدينة؟
قيل: وقت القيلولة، أو بين العشائين. وقيل: المقصود في وقت لا يعتاد دخولها أو ليتوقعونه. وقيل: كان يوم عيد، وهم مشغولون بلهوهم ((٢)) .
وذكر ابن عاشور أن " المقصود من ذكر الوقت، الإشارة إلى أن قتله القبطي لم يشعر به أحد تمهيداً لقوله بعد: ﴿قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ ، ومقدمة لذكر خروجه من أرض مصر " ((٣)) .
﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾
أحدهما ممن شايعه على دينه وهم بنو إسرائيل، والآخر من مخالفيه وهم القبط وإلا شارة على الحكاية ((٤)) .
стр. 318
وقد أختلف في سبب تقاتل هذين الرجلين، فقيل: كان أمراً دينياً. وقيل: كان أمراً دنيوياً، فقد روي أن القبطي كلف الإسرائيلي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون، فأبي فاقتتلا لذلك، وكان القبطي خبازاً لفرعون كما ذكر ذلك سعيد بن جبير ((١)) .
وذكر الرازي قولاً غربياً لمقاتل بأن الرجلان كانا كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط، واستدل بقول سيدنا موسى في اليوم التالي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ((٢)) .
ويمكن الجواب على ذلك: أن المشهور إن الذي من شيعته كان مسلماً، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه وطريقة إنه من شيعته فالمقصود بـ (مِنْ شِيْعَتِهِ) ، أي: ممن شايعه وتابعه في أمره ونهيه، أو في الدين ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ، أي: " فاستنصر الإسرائيلي موسى على القبطي " ((٣)) ، " فضربه بمجمع كفه فقتله " ((٤)) .
وذكر ابن عاشور " والاستغاثة طلب الغوث، وهو التخلص من شدة، أو العون على دفع مشقة، وإنما يكون هذا الطلب بالنداء، فذكر الاستغاثة يؤذن بأن الإسرائيلي كان مغلوباً، وأن القبطي اشتد عليه وكان ظالماً " ((٥)) .
﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾
قال المراغي: " إن هذا الذي حدث من القتل هو من تزيين الشيطان ووسوسته، ثم أخبر عن حال الشيطان ليحذر منه فقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٦) ، أي: إنه عدو فينبغي الحذر منه مضل لا يقود إلى خير بيّن العداوة والإضلال) .
стр. 319
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ، أي: بوكزٍ ترتب عليه القتل ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ذنبي، وإنما قال (﵇) ما قال، لأنه فعل ما لم يؤذن له به، وليس من سنن آبائه الأنبياء (﵇) في مثل هذه الحادثة التي شاهدها، وقد أفضى إلى قتل نفس لم يشرع فيه شريعة من الشرائع قتلها ((١)) .
﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ رأي المبالغ في مغفرة ذنوب عباده وصمتهم " ((٢)) .
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾
الباء في ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ للقسم والتقدير: أقسم بما أنعمت به عليّ من المغفرة والجواب محذوف، أي: لأتوبن فلن أكون، أو متعلقة بمحذوف، أي: لاتوبنّ فلن أكون، أو متعلقة بمحذوف تقديره: " اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين. وقيل: (فلن أكون) دعاء لا خبر،
و (لن) بمعنى لا في الدعاء. وذكر أبو حيان أن (لن) لا تكون في الدعاء ((٣)) .
وذكر الزمخشري أنه أراد بمظاهرة المجرمين:
أما صحبة فرعون وانتظامه في حملته وتكثيره سواده حيث كان يركب ركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون.
أما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له ((٤)) .
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾
стр. 320
قال ابن عطية: " فأصبح عبارة عن كونه دائم الخوف في كل أوقاته كما تقول: أصبح زيداً عالماً. ويترقب معناه عليه رقبة من فعله في القتل فهو متحسس. قال ابن عباس: فمرّ وهو بحالة الترقب، وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قتل القبطي بالأمس يقاتل أخر من القبط، وكان قتل القبطي قد خفي عن الناس واكتتم، فلما رأى الإسرائيلي موسى استصرخه بمعنى صاح به مستغيثاً، فلما رأى موسى قتاله لأخر أعظم ذلك وقال له معاتباً ومؤنباً: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ، وكانت إرادة مع موسى مع ذلك أن ينصر الإسرائيلي، فما دنا منهما خشى الإسرائيلي وفزع منه، وظن أنه ربما ضربه وفزع من قوته التي رأى بالأمس، فناداه بالفضيحة وشهر أمر المقتول " ((١)) .
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾
" وظاهر قوله: ﴿عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أنه قبطي، وربما جعل عدّواً لهما لأن عداوته للإسرائيلي معروفة فاشية بين القبط، وأما عداوته لموسى فلأنه أراد أن يظلم رجلاً، والظلم عدّو لنفس موسى، لأنه نشأ على زكاء نفسي هيأها الله للرسالة " ((٢)) .
واختلف العلماء فيمن قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ هل هو الإسرائيلي أم القبطي؟
الرأي الأول ـ قال قسم من العلماء: هذا القول للإسرائيلي لما خاطبه سيدنا موسى
(﵇) : ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ، ورآه غضبان وقد همُ موسى أن يبطش بالفرعوني، فظن أنه يريده، فخاف على نفسه، فقال ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ﴾ الآية.
стр. 321
الرأي الثاني ـ قال آخرون: بل هو قول القبطي، وقد كان عرف القصة من الإسرائيلي ((١)) .
والرازي يرجح هذا الرأي ويستدل بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى﴾ ، " فهذا القول من القبطي. وقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ﴾ لا يليق إلا أن يكون من كافر " ((٢)) .
والذي نرجحه أن القول للإسرائيلي وليس للقبطي لسببين:
أولاً ـ إن حادث القتل لا يعلم به إلا موسى، وهذا الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس وكان لقول الإسرائيلي: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ سبباً لظهور قاتل القبطي.
ثانياً ـ وقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾ يدلّ على أنه قول الإسرائيلي لمعرفته بأخلاق موسى (﵇) بأنه رجل صالح مصلح لا يحب البغي والتجبر، فأراد أن يذكره بهذا لأنه يخالف ما عرف عنه.
﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾
قال أبو حيان: " وشأن الجبّار أن يقتل بغير حق. وقال الشعبي: من قتل رجلين فهو جبار ـ يعني بغير حق ـ ولما أثبت له الجبروتية نفى عنه الصلاح " ((٣)) .
" فما سمع الفرعوني هذا ترك الإسرائيلي، فأوصل الخبر إلى فرعون فوقع الأمر بقتل موسى (﵇) " ((٤)) .
وذكر الرازي إنه احتج بهذه الآيات من طعن في عصمة الأنبياء ﵈ من وجوه:
стр. 322
أحدهما ـ إن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل، أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول فلم قال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ، ولم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ ، ولم قال في سورة أخرى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ﴾ ((١)) . وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل، وكان قتله معصية وذنب.
ثانياً ـ إن قوله: ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يدلّ على أنه كان كافراً حربياً، فكان دمه مباحاً، فلم استغفر عنه، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز، لأنه يوهم في المباح كونه حراماً ((٢)) ؟
ورد على هذه الطعونات بعدة أجوبة:
الجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال: إنه كان لكفره مباح الدم.
أما قوله: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ففيه وجوه:
أحدهما ـ لعل الله وإن أباح قتل الكافر، إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان أخ، فلما قتل ترك ذلك المندوب، فقوله: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ معناه: قدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان.
وثانيا ـ إن قوله هذا إثارة عمل المقتول لا إلى عمل نفسه، فقوله ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ، أي: عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، المراد منه بيان كونه مخالفاً لله تعالى مستحقاً للقتل.
وثالثاَ ـ إن يكون قوله هذا إشارة إلى المقتول، يعني إنه من جند الشيطان وحزبه يقال: فلان من عمل الشيطان، أي: من أحزابه ((٣)) .
стр. 323
وهذا بعيد جداً عن المعنى الحقيقي لأن سيدنا موسى (﵇) في الآية الأخرى استغفر لتسرعه في قتل هذا القبطي، وطلب المغفرة من الله تدلّ على أن المراد بقوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ، أي: العجلة وإطاعة النفس، والانسياق وراء الغضب من عمل الشيطان.
ويتابع الرازي رده على هذه الطعونات:
أما قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ فعلى نهج قول أدم (﵇) : ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ ((١)) . والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب قط. أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب.
أما قوله: ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ، أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب، وفيه وجه أخر وهو أن يكون المراد ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ، أي: فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون. ويدلّ على هذا التأويل أنه على عقبه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ، ولو كانت إعانة المؤمن ههنا سبباً للمعصية لما قال ذلك.
أما قوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ﴾ ((٢)) ، المقصود بكونه ضالاً، أي: متحيراً لا يدري ما يجب عليه أن يفعله.
أما قوله: إن كان كافراً حربياً فلم استغفر عن قتله، قلنا: كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع ((٣)) .
стр. 324
والذي أراه أنه لا حاجة إلى هذا التكلف في التفسير، لأن القتل كان خطأً، ولأن الوكز ـ وهو الضرب بمجمع اليد ـ لا يقتل عادةً، إضافة إلى ذلك فإن هذه الحادثة وقعت له قبل النبوة.
فقد روى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله يقول:
((إن الفتنة تجيء من هاهنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ ((١)) )) ((٢)) .
ما يستفاد من النصّ
يمكن أن نستخلص المعاني الآتية من خلال قراءتنا للآيات القرآنية التي مرّ شرحها.
стр. 325
أولا. نصرة المظلوم واجبة. فسيدنا موسى (﵇) انتصر للذي استغاثة ضد ظالمه، لأن نصرة المظلوم واجبة، ولكنها ينبغي أن تكون بقدر ما يندفع به ظلم الظالم وبغيه، ولهذا لما وكز موسى الرجل المعتدي فقضى عليه قال عن فعله هذا إنه من عمل الشيطان، لتجاوز موسى (﵇) حدّ الدفاع الشرعي عن المظلوم، وإن كان هذا التجاوز دون قصد ولا عمد من موسى (﵇) ((١)) . لذلك قال موسى (﵇) : ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
وجعل الله القتال لنصره المظلومين واجب شرعي في نص القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ((٢)) .
وقال ( ﷺ ) : ((المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله)) ((٣))
стр. 326
فمن خذلان المسلم أن لا تدفع الظلم عنه وأنت قادر على ذلك، فينبغي أن يؤكد الدعاة ويحثوا المسلمين على نصرة المظلومين، ولاسيما في هذه المرحلة التي تخلى الكثير من المسلمين عن هذا الواجب الشرعي فيرى المسلمون من على شاشات التلفاز ويسمعوا عن قتل للمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان، وفي كل مكان من قبل أعداء الله اليهود والنصارى ولا يتحركوا لرفع الظلم عنهم.
ثانيا. دلت الآيات كذلك على حرمة معونة (المجرمين) ، ولفظة المجرمين جاءت في القرآن الكريم وصفاً لعدة معاني.
جاءت وصفاً للكفار قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ((١)) .
وللمنافقين قال تعالى في وصف حال المنافقين في المدينة ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ((٢)) .
وجاءت وصفاً للمكذبين لله ورسوله قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ((٣)) .
стр. 327
وكذلك جاءت وصفاً للظلمة قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ((١)) . فعلى هذا يحرم مناصرة ومعاونة كل مجرم وكل من ينطبق عليه لفظ المجرم من المعاني سالفة الذكر. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ﴾ ((٢)) .
قال سلمة بن ثُبَيْط: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى وقال: أعظهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقيل: له ما عليك أن تعظهم وأنت لا ترزؤهم شيئاً؟ قال لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم.
стр. 328
وقال عبد الله بن الوليد الوصّافي: قلت لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخاً يأخذ بقلمه وإنما بحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال، ولو ترك ذلك لاحتاج وآدَّانَ؟ فقال من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله القسري. قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . قال ابن عباس: فلم يستثن فأبتلى به ثانية فأعانه الله فلا يعينهم أخوك فإن الله يعينه ((١)) . وفي الحديث: ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشياه الظلمة، حتى من لاق لهم دواة وبراً لهم، فلما يتجمعون في تابوت واحد، ثم سيق بهم على رؤوس الخلائق إلى نار جهنم)) ((٢)) .
стр. 329
وقال ( ﷺ ) : ((من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزل فيه الأقدام، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام)) ((١)) .
وقال ابن عطية وهو يفسر هذه الآية: " احتجّ أهل الفضل والعلم بهذه الآية في منع خدمة أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمرهم، ورأوا أن هذه الآية تتناول ذلك، نص عليه عطاء بن أبي رباح " ((٢)) .
وتدل الآية كذلك ـ كما قلنا ـ على حرمة معونة الظالمين سواء أكانوا دولاً أو حكام، فينبغي للدعاة أن يبصِّروا الناس بحرمة وخطورة نصرة الظلمة من الحكام والدول.
ويحرم معاونتهم بأي شكل من أشكال المعاونة، فقد جاء النهي عن معونة الظالم بقوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ﴾ ((٣)) . وجاء في تفسيرها: الركون هو الميل اليسير إلى الشيء والنهي متناول لانحطاط في هوى الذين ظلموا والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم ((٤)) .
стр. 330
فإذا كان كل هذا داخلاً فكيف بمن يعين دول الكفر على المسلمين ويفتح ديار المسلمين ومطاردتهم لضرب المسلمين. فأعوان الظلمة ظلمة مثلهم وشركاه لهم في العذاب الدنيوي والأخروي، ولذلك لما نزل العذاب بفرعون نزل بأعوانه أيضاً. قال تعالى عن هلاك فرعون وجنوده بالغرق: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ((١)) .
" فجعلهم الله جميعاً ظالمين، فرعون لمباشرته الظلم إرادة له وأمراً به، وجنوده لمعاونتهم له بتنفيذ ظلمه وما يأمرهم به من أنواع بغيه وظلمه " ((٢)) . وهم مشتركون في العذاب الأخروي قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ ((٣)) .
ثالثاً. ودلت الآيات كذلك على عدم التعسف في أخذ الحق، ولذلك عد سيدنا موسى (﵇) إفراطه بما لا يقصد في ردع المعتدي من عمل الشيطان ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ .
وقد جاء كذلك في القرآن النهي عن الإسراف في أخذ الحق قال تعالى:
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ
مَنصُوراً﴾ ((٤)) .
رابعاً. ودلت الآيات كذلك على أن الغضب من الشيطان، وعلى الإنسان أن يبادر إلى التعوذ بالله من الشيطان الرجيم في حالة امتلكه الغضب.
خامساً. وتدل الآيات كذلك على أن يبادر الإنسان إلى الاستغفار عند حصول الذنب والالتجاء إلى الله وطلب المغفرة منه.
المطلب الثالث: فرعون يريد قتل موسى (﵇) لقتله القبطي
стр. 331
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ((١)) .
المناسبة
بعد أن بينت الآيات السابقات ما جرى من محاورة بين سيدنا موسى (﵇) والإسرائيلي الذي كشف بحماقته أمر موسى (﵇) ، وسمع الفرعوني كلماته فترك الخصومة وأسرع ليخبر جنود فرعون الموكلين بالبحث عن القاتل ليخبرهم بما سمع، أدرك سيدنا موسى أنه أصبح في خطر، وأن جنود فرعون سيلاحقونه، فأخذ يفكر في وسيلة للنجاة.
" وظاهر النظم أن الرجل جاء على حين محاورة القبطي مع موسى، فلذلك انطوى أمر محاورتها ما هو أهم منه وأجدى في القصة " ((٢)) . وفي هذه الأثناء تضيق الدنيا أمام عيني سيدنا موسى (﵇) ، إلا من رحمة الله وعونه، فلا ناصر إلا هو، فهنا تسفر يد القدرة في اللحظة المطلوبة لتتم مشيئتها، فانتدبت يد القدرة واحداً من الملأ ليحذر موسى ويخبره بضرورة خروجه من مصر ((٣)) .
فنلاحظ من الترابط بين هذا النص والذي قبله أن الآيات بينت الخطر الذي يمرّ به سيدنا موسى (﵇) من خلال كشف الإسرائيلي لأمر موسى، فتأتى الآيات التي بعدها لتبين التدخل الإلهي لإنقاذ نبيه (﵇) من القتل بقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ﴾ .
تحليل الألفاظ
١. ﴿أَقْصَى﴾ :
стр. 332
" قَصَا عنه قَصْوا وقُصُوَّا وقَصَا وقَصاء وقَصِيَ: بَعُدَ. وقَصَا المكانُ يَقْصُو قُصُوًّا: بَعُدَ. والقَصِيُّ والقَاصِي: البعيد والجمع أقْصَاء فيها كشَاهِد وأَشْهَاد ونَصِير وأَنْصَار " ((١)) .
٢. ﴿يَسْعَى﴾ :
قال ابن منظور: " السَّعْيُ: عَدْوٌ دُوْنَ الشَّدِّ سَعَى يَسْعَى سَعْيًا " ((٢)) وجاء السعي في القران الكريم على ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: المشي كقوله تعالى في ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ((٣)) .
الوجه الثاني: السعي يعني العمل كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ ((٤)) .
الوجه الثالث: السعي يعني أسرع كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ ((٥)) .
٣. ﴿الْمَلأَ﴾ :
قال ابن منظور: " المَلأَ الرؤساء سموا بذلك، لأنهم مِلاء بما يحتاج إليه. والمَلأ مهموز مقصور الجماعة.
وقيل: أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم " ((٦)) .
٤. ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ :
стр. 333
قال ابن منظور: تأمَّروا على الأمْرِ. وائْتَمَرُوا: تَمَارَوْا وأَجْمَعُوا آرَاءَهم. وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ . قال أبو عبده أي: يتشاورون عليك ليقتلوك. وقال القتيبي: إن معناها إن الملأ يأتمرون بك، أي: يهمون بك، ولو كان كما قال أبو عبيدة لقال: يَتَأَمَّرُون بك. وقال الزجاج: معناها يأمُرُ بعضهم بعضاً بقتلك ((١)) .
وقال ابن عاشور: " أصل الائتمار قبول أمر الأمر فهو مطاوع أمره، ثم شاع إطلاق الائتمار على التشاور لأن المتشاورين يأخذ أمر بعض فيأتمر به الجميع
((٢)) .
القراءات القرآنية
١. ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ :
قرئت بالإمالة وقفاً عند كل من حمزة، والكسائي، وورش، وخلف.
٢. ﴿يَسْعَى﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.
﴿عَسَى﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة أيضاً ((٣)) .
٤. ﴿رَبِّ﴾ :
قرئت بالفتح (رَبَّىَ) عند كل من نافع، وابن كثير، وأبي عمر، وأبي جعفر ((٤)) .
المعنى العام
١. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ :
قيل: إن اسم الرجل سمعون. وقيل: سمعان. وقيل: حزقيل بن صبورا مؤمن من آل فرعون، وكان ابن عم فرعون ذكر ذلك الثعلبي. وقيل: طالوت ذكره السهيلي. وقيل: شمعان ((٥)) .
٢. ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ :
стр. 334
قال البقاعي: " أبعدها مكاناً " ((١)) .
وقال ابن عاشور: " والظاهر أن (أَقْصَى الْمَدِينَةِ) هو ناحية قصور فرعون وقومه، فإن عادة الملوك السكنى في أطراف المدن توقياً من الثورات والغارات لتكون مساكنهم بخروجهم عند الخوف " ((٢)) .
٣. ﴿يَسْعَى﴾ :
قال قتادة: " يعجل " ((٣)) . وقال البقاعي: " إنه بين بقوله: ﴿يَسْعَى﴾ كان ماشياً، ولكنه اختصر طريقاً وأسرع في مشيه، بحيث كان يعدو فسبقهم بإعظامه للسعي، وتجديد العزم في كل وقت من أوقات سعيه " ((٤)) .
٤. ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ :
قيل في معنى ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ثلاثة أقوال:
الأول: يتشاورون فيك ليقتلوك، قاله أبو عبيدة.
الثاني: يهمّون بك، قاله ابن قتيبة.
الثالث: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك، قاله الزجاج ((٥)) .
والذي أراه راجحاً هو الرأي الأول.
٥. ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ﴾ :
قال البقاعي: " ثم علل ذلك على سبيل التأكيد ليزيل ما يطرقه من احتمال عدم القتل لكونه عزيزاً عند الملك ﴿إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ) ، أي: العريقين في نصحك " ((٦)) .
وقد جاء ذكر الرجل المؤمن في القرآن الكريم في عدة مواضع من الَقُرْآن الكَرِيم:
استذكر على فرعون وملئه حينما قرروا قتل موسى (﵇) قال تعالى عن لسان فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ ((٧)) فقال لهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ﴾ ((٨)) .
стр. 335
لما قال فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ((١)) . ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ ((٢)) .
وبعد أن أمر فرعون هامان بناء الصرح استهزاءً بوعود موسى (﵇) :
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ((٣)) . فقال الرجل المؤمن: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ((٤)) ، ثم أراد تخويفهم وتهديدهم فقال لهم:
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ ((٥)) . قال مقاتل: قال هذه الكلمات فقصدوا قتله، فهرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه، وقيل: نجا مع موسى في البحر وفر معه قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ ((٦)) .
٦. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ : فخرج من المدينة خائفاً يترقب لحوق الظالمين. ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ : خلصني منهم واحفظني من لحوقهم ((٧)) .
ما يستفاد من النصّ
نستطيع أن نستنبط من الآيات السابقة المعاني الآتية:
стр. 336
أولا. إنه يجوز عند الضرورة خروج الداعي من بلده فراراً من عدوه، ولهذا قبل موسى (﵇) نصيحة مؤمن آل فرعون بالخروج من مصر، لأن الملأ من قوم فرعون يتشاورون في قتله، ولا يعدّ هذا الفرار جبناً من الداعية، لأن الداعي في كرّ وفرّ مع أعداء الله. والداعية إذ يفعل ذلك، فلأن حياته ليست ملكاً له، بل هي ملك الله، ومن الأولى الإبقاء عليها خدمة لدعوته، ولا يجوز له أن يعرضها للهلاك بالبقاء في مواجهة العدو مع عدم التكافئ في القوة بينه وبين عدوه.
ثانياً. يلمح المتابع أن هناك تشابهاً كبيراً بين خروج سيدنا موسى (﵇) ، وهجرة الرسول محمد ( ﷺ ) ، وما رافقها من ظروف صعبة شبيهة بالتي مرت على موسى (﵇) . فلما خشيت قريش من تفاقم أمر النبي ( ﷺ ) واتساعه، اجتمعوا في دار الندوة للتشاور فيما يجب أن يفعلوه برسول الله ( ﷺ ) فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعض آخر: أخرجوه من مكة، فقال لهم أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من بطون قريش غلاماً وتعطوه سيفاً فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ((١)) . وهنا تتدخل القدرة الإلهية لحمايته ( ﷺ ) ، فيرسل الله جل وعلا سيدنا جبريل (﵇) ليخبر الرسول ( ﷺ ) بما عزم عليه المشركون، وأخبره بأن الله أذن له بالهجرة إلى المدينة.
стр. 337
فقد ذكر ابن كثير أنه قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما أتمروا بك؟ قال يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني؟ فقال من أخبرك بهذا قال ربي ((١)) ؟
الفصل الخامس: هجرة سيدنا موسى (﵇) إلى مدين
المبحث الأول: سيدنا موسى (﵇) على ماء مدين
المطلب الأول: سيدنا موسى (﵇) يسقي الماء لبنات شعيب (﵇ -)
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إليَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ((٢)) .
المناسبة
لما دعا سيدنا موسى (﵇) من الله أن ينجيه من القوم الظالمين في الآية السابقة: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ((٣)) ، أراد الله جل وعلا أن يعلم باستجابته منه مخبراً بجهة قصده زيادة في الإفادة، فقال: (ولما) ، أي: فاستجاب الله دعاءه فنجاه منهم ووجهه إلى مدين ((٤)) .
стр. 338
فقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ عطف على جملة محذوفة تقديرها: ولما خرج من المدينة هائماً على وجهه فهداه الله إلى الطريق الذي يؤدي إلى أرض مدين فلما سلك هذا الطريق ((١)) ، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ . فنلاحظ الترابط بين الكلمات والمعاني، ومناسبة الآيات بعضها للبعض الآخر فبدت كنسيج واحد دقيق يكمل بعضه بعضاً ليدل على المعنى المراد توصيله بأقرب الطرق، وأبلغ العبارات وأقصرها، وهذه ميزة أخرى من المزايا التي تميز بها الَقُرْآن الكَرِيم عن غيره، ومعجزة أخرى تؤكد أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون إلا من عند الله جَلَّ وَعَلا.
تحليل الألفاظ
١. ﴿تَوَجَّهَ﴾ :
الجِهَةُ، والوِجهَةُ جميعاً الموضع الذي تتوجه إليه وتقصده وضلَّ وِجْهَةَ أمره، أي: قصده وخَلَ عن جِهَتِه: يريد جِهَةَ الطريق، وتَوَجَهَ إليه ذهب ((٢)) .
وقال النسفي: " التوجه الإقبال على الشيء " ((٣)) . وقال أبو حيان: " توجه وجهة تلقاء أي ناحية وجهه استعمل المصدر استعمال الظرف " ((٤)) .
٢. ﴿تِلْقَاءَ﴾ :
أصله مصدر على وزن التِفعال بكسر التاء، وليس له نظير في كسر التاء إلا تِمثال. قال ابن سيدة: وَتَلَقاه والتَقاه والتَقَيْنا وتَلاقَينْا والتَقَوْا وتَلاقَوْا بمعنى، وجلس تِلقاء، أي: حِذاءه. وقال الطبري: " يقال داره تلقاء دار فلان إذاَ كانت محاذيتها " ((٥)) .
٣. ﴿وَرَدَ﴾ :
стр. 339
وردَ الوِرْدُ ووُردُ القوم الماء والوِرْدُ الماء الذي يُورَدُ، والوِرْدُ الإبل الواردة ... المَوْرِدةُ الطريق إلى الماء. وقال ابن سيدة: وَوَرَدَ الماء وغيره وَرْداً ووُرُوداً، وورد عليه أشرف عليه دخله أو لم يدخله ((١)) .
وقال الراغب الأصفهاني: أصل الورود قصد الماء ثم يستعمل في غيره (٢) .
٤. ﴿أُمَّةً﴾ :
" كلّ جماعة يجمعهم أمرُ واحد، إما دينٌ واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيراً، أو اختياراً وجمعها أمم ((٣)) . قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ((٤)) . فالمراد بالأمة في هذه جماعة كثيرة يجمعهم أمر واحد وهو سقيهم للمواشي في مكان واحد وهو البئر.
٥. ﴿تَذُودَانِ﴾ :
الذَوْدُ: السَوق والطرد والدفع تقول: ذُدْتُه عن كذا، وذاده عن الشيء ذَوْداً وذِياداً ورجل ذائد، أي: حامي الحقيقة دفاع، وذُدتُ الإبل أذودها ذَوْداً إذا طردتها وسقتها ((٥)) . وذكر الرازي أن معنى (الذود) الدفع والطرد فقوله: (تذودان) ، أي: تحبسان ((٦)) .
والذي تبين مما سبق أن الدفع والطرد والحبس من معاني الذود فكلها تعطي معنى واحداً.
القراءات القرآنية
١. ﴿عَسَى﴾ :
قرأ حمزة والكسائي وورش بالإمالة ((٧)) .
٢. ﴿رَبِىَ﴾ :
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر (رَبىَ) ((٨)) .
٣. ﴿دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ﴾ :
стр. 340
قرأ أبو عمرو: (دونِهِمِ) ، وقرأ حمزة، والكسائي: (دونِهُمُ) ((١)) .
٤. ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ :
نقل القرطبي أنه في بعض المصاحف (امرأتين حابستين تذودان) وهي من القراءات الشاذة التي لم يذكرها غير القرطبي ((٢)) .
٥. ﴿خَطبُكُما﴾ :
قال أبو حيان: وقرأ شمر بكسر الخاء (خِطْبُكُما) ، أي: من زوجكما ولم لا يسقي هو، وهذه قراءة شاذة ((٣)) .
٦. ﴿لاَ نَسقِي﴾ :
قرأ أبن مصرف بضم النون (لا نُسقِي) ((٤)) .
٧. ﴿يُصْدِرَ﴾ :
قرأ أبو جعفر، وشيبة، والحسن، وقتادة: (يَصدُر) ، أي: يصدرون بأغنامهم ((٥)) .
٨. ﴿الرِعَآءُ﴾ :
هذه قراءة الجمهور جمع تكسير. قال الزمخشري: " وإما الرِعاء بالكسر فقياس كصيام وقيام " ((٦)) . وقال أبو حيان: " وليس بقياس لأنه جمع راع، وقياس فاعل الصفة التي للعاقل أن تكسر على فعله، كقاض وقضاة، وما سوى جمعه هذا فليس بقياس. وقرأ: (الرُعاء) بضم وهو اسم جمع كالرجال والثناء ((٧)) .
القضايا البلاغية
стр. 341
الإيجاز ((١)) : فقد حذف المفعول في أربعة أماكن: أحدها مفعول (يسقون) ، أي: مواشيهم. والثاني مفعول (تذودان) ، أي: مواشيهما، وعلة الحذف أن الفرض هو أن يعلم أنه كان من الناس سقي ومن البنتين ذود، وإنهما قالتا: (لا نسقي) ، أي: لا يكون من سقي حتى يصدر الرعاء وأنه كان من موسى سقي ((٢)) .
(ماء مدين) مجاز من إطلاق الحال وإرادة المحل ((٣)) .
الكناية ((٤)) في قوله تعالى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ فقد استخدمتا الكناية تعبيراً عن المعنى المراد، فقد أرادتا أن تقولا له إننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ومالنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ طاعن في السن قد أضعفه الكبر وأعياه، فلا بد لنا من ترك السقيا وإرجائها إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء، وبذلك طابق جوابهما سؤاله لأنه سألهما عن علة الذود فقالتا ما قالتاه ((٥)) .
المعنى العام
وذكر الرازي اختلاف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ :
стр. 342
القول الأول: قال بعضهم: إنه خرج وما قصد مدين، ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة، فوصله الله تعالى إلى مدين. وهذا قول ابن عباس (﵁) .
القول الثاني: إنه لما خرج قصد مدين، لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم (﵇) ، وهو كان من بني إسرائيل، لكن لم يكن له علم بالطريق بل أعتمد على الله.
القول الثالث: ومن الناس من قال بل جاءه جبريل (﵇) وعلمه الطريق. وذكر ابن جرير عن السدي: لما أخذ موسى (﵇) في السير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني، فتبعه نحو مدين. وهذه الرواية غير صحيحة لأنه لا يمكن لموسى أن يسجد لغير الله تعَاَلىَ حتَّى ولو كان قبل النبوة لأن الأنبياء معصومون قبل النبوة وبعدها، واستغرب من عدم رد الرازي لها.
ورجح الرازي القول الأول للأدلة الآتية:
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ ولو كان قاصداً الذهاب إلى مدي (١) لقال: ولما توجه إلى مدين، فلما لم يقل ذلك بل قال: ﴿تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ علمنا أنه لم يتوجه إلا إلى ذلك الجانب من غير أن يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهي.
стр. 343
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ، وهذا كلام شاك لا عالم، والأقرب أن يقال: إنه قصد الذهاب إلى مدين وما كان عالماً بالطريق، ثم إنه كان يسأل الناس عن كيفية الطريق، لأنه يبعد من موسى (﵇) في عقله وذكائه أن لا يسأل ((١)) .
وهو الذي نرجحه، فإضافة إلى الأدلة السابقة، نضيف دليلاً عقلياً أخر وهو أن سيدنا موسى (﵇) قضى أغلب مراحل حياته في قصر فرعون، ولا علم له بأقاربه في المدن الأخرى، ولا سيما أنها تبعد عن مصر ثمان ليال، هذا جانب. والجانب الأخر هو أن سيدنا موسى (﵇) كان في حالة خوف شديد من أن تصله أيدي جنود فرعون فأراد أن يخرج من هذا المكان بأسرع وقت حتى نسي أن يأخذ الزاد معه ولوازم السفر، فكيف له في هذه اللحظات العصيبة أن يتذكر أقربائه في مدين.
﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
قيل عُني بـ ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ الطريق إلى مدين، وهذا قول مجاهد. وقيل: معناه قصد السبيل. وقيل: الطريق المستقيم ((٢)) .
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾
وذكر أبو حيان الأندلسي إن الورود يكون بمعنى الوصول إلى الشيء وبمعنى الدخول فيه ((٣)) .
وذكر القرطبي: " أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ مشى موسى (﵇) حتى ورد ماء مدين، أي: بلغها. ووروده الماء معناه بلغها لا أنه دخل فيه، ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول وقد تكون بمعنى الاطلاع والبلوغ إليه، وإن لم يدخل فورود موسى كان بالوصول إليه " ((٤)) .
стр. 344
وذكر البقاعي أن المراد بقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ﴾ " أي: حضر سيدنا موسى (﵇) حضور من يشرب" ((١)) . وذكر الآلوسي " أن الورد بمعنى الدخول وبمعنى الشرب" (٢)
والذي أراه أن المراد بالورود في هذه الآية هو الوصول إلى مكان الماء، ولا يدل أبداً على معنى الشرب في هذه الآية، فسياق الآية يصور المشهد وكأنك تراه، ففي الآية السابقة ذكر جل وعلا ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: جهتها وقبل الوصول إلى الماء. وفي هذه الآية يبين جل وعلا أن سيدنا موسى (﵇) وصل ماء مدين، فالسياق القرآني يتابع هجرة سيدنا موسى (﵇) مرحلة مرحلة، وهذه الآيات تنقل قارئ القرآن إلى مشهد وصوله إلى الماء.
﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾ بئر كانوا يسقون منه ((٣)) ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ﴾ .
" وجد فوق شفيره ومستقاه " ((٤)) والمراد بالأمة كما بينا في التحليل اللغوي للألفاظ جماعة كثير يجمعهم أمر واحد وهو سقيهم للمواشي في مكان واحد وهو البئر ﴿يَسْقُونَ﴾ ، أي: ماشيتهم ((٥)) ، ولم يبين نوع الماشية. والظاهر أنهم كانوا يسقون مواشي مختلفة لم يبينها النص القرآني، لأن المهم في سياق القصة السقي لا المسقي.
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ . قال النسفي: " في مكان أسفل من مكانهم " ((٦)) . وقال القرطبي: " معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل وصوله إلى الأمة " ((٧)) .
стр. 345
قال ابن عاشور: " في مكان غير المكان الذي حل الماء، أي: في جانب مباعد للأمة من الناس، لأن حقيقة كلمة (دون) أنها وصف للشيء الأسفل من غيره ((١)) .
﴿امْرَأتَيْنِ﴾ . قيل: اسم أحدهما ليا. وقيل: عبرا. وقيل: شرفا. واسم الأخرى صفوريا. وقيل: صفوراء. وقيل: صفيراء ((٢)) . ولا أرى فائدة من ترجيح اسم على آخر، فضلاً عن كون ذلك كله من الإسرائيليات.
﴿تَذُودَانِ﴾ ، أي: تمنعان ما معهما من الأغنام عن التقدم إلى البئر كيلا تختلط بالأغنام الأخرى ((٣)) . واختلفوا في علة ذودهما الغنم على وجوه:
أحدها ـ قال الزجاج، لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي.
ثانيها ـ كانتا تكرهان المزاحمة على الماء.
ثالثها ـ لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم.
رابعها: لئلا تختلط بالرجال ((٤)) .
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾
قال ابن عطية: " أي ما أمركما وشأنكما، وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الأمر، فكأنه بالجملة في شر، فأخبرتاه بخبرهما وأن أباهما شيخ كبير، فالمعنى أنّه لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه، وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا يقدران على مزاحمة الأقوياء، وإن عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى وحينئذ تردان " ((٥)) .
﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ وقد أختلف العلماء في اسم هذا الشيخ الكبير إلى الأقوال وهي:
القول الأول ـ قال الجهور: هو شعيب (﵇) ، وهما ابنتاه.
стр. 346
القول الثاني ـ قال الحسن: هو ابن أخي شعيب واسمه ثروان، وقال أبو عبيدة: يثرون.
القول الثالث ـ قيل: هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب.
القول الرابع ـ قال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى (﵇) بمدة طويلة ((١)) ، لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ ((٢)) .
وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل (﵇) بنص القرآن. وقد علم أنه كان بين الخليل وبين موسى (﵇) مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة كما ذكر غير واحد. وما قيل إن شعيباً عاش مدة طويلة إنما هو والله اعلم احترازاً من هذا الاشكال. ويرجح ابن كثير أنه ليس بشعيب، ويقول: من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث التصريح باسمه لم يصح سنده ((٣)) .
ورجح القرطبي أنهما ابنتا شعيب ((٤)) فهو ظاهر القرآن.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ ((٥)) . وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ((٦)) .
والذي يرجحه الباحث هو القول الأول، وأنه سيدنا شعيب الرسول وذلك لأن علماء الفقه الإسلامي قد استدلوا بما في هذه القصة من أحكام عند من يرى أن شرع من قبلنا من الرسل شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ومنها مباشرة المرأة الأعمال ووجود الحياء فيها، وولاية الأب في النكاح وجعل النكاح والإجارة في عقد واحد ((٧) على ما سنوضحه لاحقاً.
стр. 347
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ ، أي: سقى غنمهما لأجلهما، وفي كيفية السقي ذكر الرازي أقوالاً:
القول الأول ـ إنه (﵇) سأل القوم أن يفسحوا ففسحوا.
القول الثاني ـ قال قوم: عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلاّ عشرة. وقيل: أربعون. وقيل: مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر.
القول الثالث: إن القوم لما زاحمهم موسى (﵇) تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو (﵇) رمى ذلك الحجر، وسقى لهما ((١)) .
والصحيح أنه لم يرد بيان من القرآن يبين كيفية السقي، ولكن المرأة وصفت سيدنا موسى بالقوة حينما طلبت من والدها استئجاره
﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ، فدلّ ذلك على أنها رأت منه قوة كبيرة وصفته بها أمام والدها ودعتها لطلب استئجاره. وأن موسى (﵇) رفع صخرة كبيرة لا يستطيع غيره من الرجال أن يرفعها ليسقي لهما الماء.
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
أي انصرف موسى (﵇) جاعلاً ظهره يلي ما كان يلي وجهه ليقيل تحت الظل، ويستره مقبلاً على الخالق.
وذكر الطبري أنه قال هذا القول ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ، وهو محتاج، وهو بجهد شديد، وعرض ذلك للمرأتين تعريضاً لهما لعلهما أن تطعماه مما به من شدة الجوع ((٢)) .
стр. 348
وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر. ونقل ابن كثير رواية عن ابن عباس: " سار موسى من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافياً، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وأن بطنه لاصق بظهره من الجوع " ((١)) .
﴿فَقَالَ رَبِّ﴾ " لأنه ليس في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص، ولما كان حاله في عظيم صبره، حالة من لا يطلب أكدّ سؤاله إعلاماَ بشديد تشوقه لما سأل، فيه زيادة في التضرع والرأفة، فقال ﴿إني﴾ وأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون (إلى) فقال ﴿لما﴾ ، أي: لأي شيء، ولما كان الرزق الآتي إلى الإنسان مسبباً عن القضاء الآتي عن العلي الكبير عبر بالإنزال، وعبر بالماضي تعميماً لحالة الافتقار وتحققاً لإنجاز الوعد بالرزق " ((٢)) .
وأما اسم الشجرة، فقد ذكر القرطبي أنها (سمرة) قاله ابن مسعود ((٣)) .
ما يستفاد من النصّ
دلت الآيات السابقة على جملة المعاني وهي:
أولا ـ الدعاء وأثره في تفريج الكروب، فقد رأينا كيف صور القرآن الكريم حالة سيدنا موسى (﵇) ، بعد أن اخبره الذي آمن بوصول أمر القبطي
(المقتول) إلى سماع فرعون وتآمرهم على قتله، فانتابته حالة من الخوف والترقب، ودعا الله أن ينجيه من القوم الظالمين، فمرة أخرى يتعرض إلى محنة أخرى، ومرة أخرى يتحدى الله جل وعلا فرعون وجنوده من أن ينالوا ممن اصطفاه واصطنعه لنفسه.
стр. 349
فماذا يفعل شخص مثله مطارد وحيد مجرد من كل قوى الأرض الظاهرة جميعاً لا يعلم إلى أين يتوجه، أي الطرق تخرجه من أرض الخطر، فقد سدت في وجهه كل طرق النجاة إلا طريقاً واحداً هو طريق الله، فاتجه إلى ربه داعياً أن يهديه سبيل النجاة فهداه الله جل وعلا إلى مدين، ومن هذا نتعلم درساً مهما هو أن على المسلم أن يلتجأ إلى الله في يسره وعسره.
ثانياً. على المسلم أن يقدم المساعدة للمحتاج ولو لم يطلبها، وهذا ما فعله سيدنا موسى (﵇) مع بنات سيدنا شعيب (﵇) .
المطلب الثاني: زواج سيدنا موسى (﵇) من ابنة شعيب (﵇ -)
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ((١))
المناسبة
стр. 350
قال تعالى قبل هذه الآيات: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ((١)) " ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سبباً لدعاء شعيب (﵇) قال بانياً على ما تقديره: فذهبت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه بخبرهما وبإحسانه إليهما، فأمر بدعائه ليكافئه، قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ﴾ ، أي: بسبب قول الأب، وعلى الفور " ((٢)) . فجاءت فاء التعقيب في قوله تعالى:
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ مشعرةً باستجابة الله له بأن ألهم شعيباً أن يرسل وراءه لينزله عنده ويزوجه ابنته ((٣)) .
فنلاحظ مرة أخرى الإعجاز القرآني في استخدام الحروف في مواضعها بحيث تغني عن جمل كثيرة، ونلاحظ كذلك التناسب في موارد مجيء الحروف في الجمل القرآنية، ونرى كيف أن هذه الآية جاءت متناسقة متناسبة مع الآية التي سبقتها في كمال المعنى واكتماله.
تحليل الألفاظ
١. ﴿اسْتِحْيَاءٍ﴾ :
الحياء التوبة والحِشْمَة، وقد حَيَي منه حَيَاء واسْتحيا واسْتَحَى، حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء الياءين، والأخيرتان تتعديان بحرف وبغير حرف يقولون: اسْتَحياء منك واسْتَحْياك، واسْتَحَى منك واسْتَحَاك قال ابن بري: شاهد الحياء بمعنى الاسْتحياء ((٤)) . وقال الراغب الأصفهاني: الحياء انقباض النفس عن القبائح وتركها
((٥)) .
٢. ﴿لِيَجْزِيَكَ﴾ :
стр. 351
الجزاء المكافأة على الشيء جَزَاء به وعليه جَزَاء جَازَاه مُجَازَاة وجَزَاء. قال أبو الهيثم: الجزاء يكون ثواباً ويكون عقاباً ((١)) .
٣. ﴿حِجَجٍ﴾ :
الحجّ: القصد حجّ إلينا فلان، أي: قَدِم. وحَجَّه يُحِجَّه حَجّاً قصده يقرا بفتح الحاء وكسرها والفتح الأصل. والحَجُّ اسم العمل والحَجّ والحِجّ ليس عند الكسائي بينها فرقان وغيره يقول: الحَجّ حَجّ البيت. والحِجّ عمل السُّنَّة. والحِجّة السَّنَة والجمع حِجَج ((٢)) .
وقال ابن عاشور: الحِجَج جمع حِجَة بكسر الحاء، وهي السُّنَّة مشتقة من اسم الحَجّ، لأن الحَجّ يقع كل سنة وموسم الحَجّ يقع في آخر شهر من السنة العربية
((٣)) .
القراءات الَقُرْآنيّة
١. ﴿فَسَقَى﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.
٢. ﴿تَوَلَّى﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة ((٤)) .
٣. ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ :
قرأ ابن محيصن: (فجاءتهُ احْداهما) بحذف الهمزة على غير قياس كقولهم يا أبا فلان ((٥)) .
٤. ﴿يَا أَبَتِ﴾ :
قرأ ابن عامر (يا أبتَ) .
وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وأبو جعفر (يا أَبَهْ) وقفاً ((٦))
٥. ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ :
стр. 352
روى عن أبي عمرو (أنكحك حْدى) بحذف همزة إحدى ((١)) .
٦. ﴿هَاتَيْنِ﴾ :
قرأ ابن كثير (هَاتَّيْنِ) بتشديد النون ((٢)) .
٧. ﴿سَتَجِدُنِي﴾ :
قرأ نافع، وأبو جعفر: (سَتَجِدْنيَ) ((٣)) .
٨. ﴿أَيَّمَا﴾ :
قرأ أبو عمرو، والعباس، والحسن بسكون الباء (أَيْمَا) . وقرأ ابن مسعود (أيَّ الأجلين ما قضيت) بإقحام ما بين الأجلين وقضيت، فإن قلت: ما الفرق بين موقعي (ما) المزيدة في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة الإبهام، أي: زائدة في شياعها، وفي الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال، أيّ: القضاء صممت على قضاءه وجردت عزيمتي له ((٤)) .
٩. ﴿عُدْوَانَ﴾ :
قرأ أبو حيوة، وابن قطيب: (عِدْوَان) ((٥)) .
القضايا البلاغية
١. قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ :
стр. 353
هي من الآيات الصورية التي تصور لنا امرأة كلها حياء وعفة وحشمة استدللنا عليه بقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ ، فذكر الفعل المضارع
(تمشي) ليبني عليه قوله: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ ، وإلا فان فعل (جاءته) مغن عن ذكر (تمشي) ، واستخدم (على) للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف، والمعنى أنها مستحية في مشيها، أي: تمشي غير متبخترة ولا متثنية، ولا مظهرة زينة، ولكنها مبالغة في الحياء و (الاستحياء) مبالغة في الحياء ((١)) .
" فان المتبع لقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ لا يجد له نظيراً في كافة التعبيرات الإنشائية البلاغية، وما ذلك إلا لأن استعارة المشي الحقيقي لمجازية الاستحياء مشعرة بالتصوير البياني الخاص بالصورة الفنية بكل أوجهها من حقائق السير إلى مجازات الحياء بأنواعه فالآية قمة من قمم الإعجاز التصويري القرآني "
((٢)) .
٢.الكلام الجامع المانع:
стр. 354
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ في هذه الآية فنون عديدة، فلهذا جعلها علماء البلاغة أنها من الكلام الجامع المانع الحكيم الذي لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان في القائم بأمرك والمتعهد لشؤونك وهما الكفاية والأمانة، فقد فرغ بالك وتم مرادك وأصبح هذا القول مثلاً يتداوله الناس على مر العصور، وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته. وفي التعميم الذي هو أجمل وأليق في مدح النساء للرجال من المدح الخاص، وأبقى للتحشم والتصون ولا سيما بعد أن فهمت غرض أبيها وهو تزويجها منه، وهذا الإبهام من ابنة شعيب (﵇) قد سلكته زليخا مع يوسف (﵇) ، ولكن شتان ما بين الحياء المجبول والمستعمل حيث قالت لسيدها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ((١)) ، وهي تعني ما جزاء يوسف بما أرادني من السوء إلا أن تسجنه، أو تعذبه عذاباً أليماً، ولكنها أوهمت زوجها الحياء أن تنطق بالعصمة منسوباً إليها الخنا إيذاناً بان هذا الحياء منها الذي يمنعها أن تنطق بهذا الأمر يمنعها من مراودة يوسف بطريقة الأحرى والأولى. إذاً هذه الآية قد حوت الإيجاز والمثل والتعميم والإبهام ((٢)) .
стр. 355
٣.الإيجاز ((١)) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ إيجاز بليغ:
فان معنى شق عليه الأمر مترجح بين اليأس والرجاء، وفيه إيماء إلى أولئك المعاسرين الذين يكلفون عمالهم أعمالاً تربو على طوقهم وتتجاوز حدود قدرتهم المعهودة، وعلى هذا درجت الشرائع في حسن المعاملة والأخذ بالأسهل ((٢)) .
المعنى العام
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾
ذكر الطبري أنه جاءت إحدى المرأتين اللتين سقى لهما تمشي على استحياء من موسى وقد سترت وجهها بثوبها، وعن سيدنا عمر بن الخطاب (﵁) قال:
((مستترة بكم درعها، أو بكم قميصها)) ((٣)) .
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ قال الآلوسي: " وأسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ريبة، وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا يخفى. فقام معها موسى (﵇) ، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك " ((٤)) .
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
قال ابن عطية: " فوصل موسى (﵇) إلى داعيه، فقص إليه أمره من أوله إلى أخره، فآنسه بقوله: لا تخف من القوم الظالمين، وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون " ((٥)) .
شبه وردها