الجزاء المكافأة على الشيء جَزَاء به وعليه جَزَاء جَازَاه مُجَازَاة وجَزَاء. قال أبو الهيثم: الجزاء يكون ثواباً ويكون عقاباً ((١)) .
٣. ﴿حِجَجٍ﴾ :
الحجّ: القصد حجّ إلينا فلان، أي: قَدِم. وحَجَّه يُحِجَّه حَجّاً قصده يقرا بفتح الحاء وكسرها والفتح الأصل. والحَجُّ اسم العمل والحَجّ والحِجّ ليس عند الكسائي بينها فرقان وغيره يقول: الحَجّ حَجّ البيت. والحِجّ عمل السُّنَّة. والحِجّة السَّنَة والجمع حِجَج ((٢)) .
وقال ابن عاشور: الحِجَج جمع حِجَة بكسر الحاء، وهي السُّنَّة مشتقة من اسم الحَجّ، لأن الحَجّ يقع كل سنة وموسم الحَجّ يقع في آخر شهر من السنة العربية
((٣)) .
القراءات الَقُرْآنيّة
١. ﴿فَسَقَى﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.
٢. ﴿تَوَلَّى﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة ((٤)) .
٣. ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ :
قرأ ابن محيصن: (فجاءتهُ احْداهما) بحذف الهمزة على غير قياس كقولهم يا أبا فلان ((٥)) .
٤. ﴿يَا أَبَتِ﴾ :
قرأ ابن عامر (يا أبتَ) .
وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وأبو جعفر (يا أَبَهْ) وقفاً ((٦))
٥. ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ :
стр. 352
روى عن أبي عمرو (أنكحك حْدى) بحذف همزة إحدى ((١)) .
٦. ﴿هَاتَيْنِ﴾ :
قرأ ابن كثير (هَاتَّيْنِ) بتشديد النون ((٢)) .
٧. ﴿سَتَجِدُنِي﴾ :
قرأ نافع، وأبو جعفر: (سَتَجِدْنيَ) ((٣)) .
٨. ﴿أَيَّمَا﴾ :
قرأ أبو عمرو، والعباس، والحسن بسكون الباء (أَيْمَا) . وقرأ ابن مسعود (أيَّ الأجلين ما قضيت) بإقحام ما بين الأجلين وقضيت، فإن قلت: ما الفرق بين موقعي (ما) المزيدة في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة الإبهام، أي: زائدة في شياعها، وفي الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال، أيّ: القضاء صممت على قضاءه وجردت عزيمتي له ((٤)) .
٩. ﴿عُدْوَانَ﴾ :
قرأ أبو حيوة، وابن قطيب: (عِدْوَان) ((٥)) .
القضايا البلاغية
١. قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ :
стр. 353
هي من الآيات الصورية التي تصور لنا امرأة كلها حياء وعفة وحشمة استدللنا عليه بقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ ، فذكر الفعل المضارع
(تمشي) ليبني عليه قوله: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ ، وإلا فان فعل (جاءته) مغن عن ذكر (تمشي) ، واستخدم (على) للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف، والمعنى أنها مستحية في مشيها، أي: تمشي غير متبخترة ولا متثنية، ولا مظهرة زينة، ولكنها مبالغة في الحياء و (الاستحياء) مبالغة في الحياء ((١)) .
" فان المتبع لقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ لا يجد له نظيراً في كافة التعبيرات الإنشائية البلاغية، وما ذلك إلا لأن استعارة المشي الحقيقي لمجازية الاستحياء مشعرة بالتصوير البياني الخاص بالصورة الفنية بكل أوجهها من حقائق السير إلى مجازات الحياء بأنواعه فالآية قمة من قمم الإعجاز التصويري القرآني "
((٢)) .
٢.الكلام الجامع المانع:
стр. 354
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ في هذه الآية فنون عديدة، فلهذا جعلها علماء البلاغة أنها من الكلام الجامع المانع الحكيم الذي لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان في القائم بأمرك والمتعهد لشؤونك وهما الكفاية والأمانة، فقد فرغ بالك وتم مرادك وأصبح هذا القول مثلاً يتداوله الناس على مر العصور، وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته. وفي التعميم الذي هو أجمل وأليق في مدح النساء للرجال من المدح الخاص، وأبقى للتحشم والتصون ولا سيما بعد أن فهمت غرض أبيها وهو تزويجها منه، وهذا الإبهام من ابنة شعيب (﵇) قد سلكته زليخا مع يوسف (﵇) ، ولكن شتان ما بين الحياء المجبول والمستعمل حيث قالت لسيدها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ((١)) ، وهي تعني ما جزاء يوسف بما أرادني من السوء إلا أن تسجنه، أو تعذبه عذاباً أليماً، ولكنها أوهمت زوجها الحياء أن تنطق بالعصمة منسوباً إليها الخنا إيذاناً بان هذا الحياء منها الذي يمنعها أن تنطق بهذا الأمر يمنعها من مراودة يوسف بطريقة الأحرى والأولى. إذاً هذه الآية قد حوت الإيجاز والمثل والتعميم والإبهام ((٢)) .
стр. 355
٣.الإيجاز ((١)) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ إيجاز بليغ:
فان معنى شق عليه الأمر مترجح بين اليأس والرجاء، وفيه إيماء إلى أولئك المعاسرين الذين يكلفون عمالهم أعمالاً تربو على طوقهم وتتجاوز حدود قدرتهم المعهودة، وعلى هذا درجت الشرائع في حسن المعاملة والأخذ بالأسهل ((٢)) .
المعنى العام
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾
ذكر الطبري أنه جاءت إحدى المرأتين اللتين سقى لهما تمشي على استحياء من موسى وقد سترت وجهها بثوبها، وعن سيدنا عمر بن الخطاب (﵁) قال:
((مستترة بكم درعها، أو بكم قميصها)) ((٣)) .
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ قال الآلوسي: " وأسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ريبة، وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا يخفى. فقام معها موسى (﵇) ، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك " ((٤)) .
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
قال ابن عطية: " فوصل موسى (﵇) إلى داعيه، فقص إليه أمره من أوله إلى أخره، فآنسه بقوله: لا تخف من القوم الظالمين، وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون " ((٥)) .
شبه وردها
стр. 356
ذكر الزمخشري، والرازي ((١)) مجموعة افتراضات لشبه أجابا عنها مدارهما على قول ابنة الشيخ الكبير: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ .
الشبهة الأولى:
فان قيل: كيف ساغ لموسى (﵇) أن يعمل بقول امرأة، وأن يمشي معها وهي أجنبية؟
الجواب عنها: أما العمل بقول امرأة، فكما يعمل بقول الواحد حراً كان أو عبداً، ذكراً كان أو أنثى في الأخبار، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه. وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا باس بها في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورع.
الشبهة الثانية:
إنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يلق به أخذ الأجرة عليه، فان ذلك غير جائز في المروءة ولا في الشريعة؟
الجواب: إن المرأة وإن قالت ذلك، فَلعَلَّ موسى (﵇) ما ذهب إليهم طلباً للأجرة، بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ. وروي أنها لما قالت: ليجزيك كره ذلك. ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: (إنا أهل البيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً) . حتَّى قال شعيب هذه عادتنا مع كلّ من ينزل بنا. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك على سبيل الاضطرار.
الشبه الثالثة:
كيف يليق بشعيب النبي (﵇) أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟
الجواب: لعله (﵇) كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها.
стр. 357
والذي يظهرا من خلال قراءة متفحصة للآية أن المسافة كانت قصيرة جداً بدليل سرعة رجوعها إلى سيدنا موسى (﵇) ، فالذي يبدو أنهم كانوا ساكنين بقرب بئر الماء على عادة أهل البادية بالتجمع قرب مصادر المياه بحيث يرى ابنته حينما ذهبت لدعوة موسى، فهي قريبة منه، فلا خوف عليها، وإنه حسن الظن به بسبب مدح بناته له لأنه سقى لهما، فهو يحمل صفة المروءة والمساعدة.
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾
قال أبو حيان: إن القائلة هي التي ذهبت إلى موسى والتي تزوجها فيما بعد
((١)) . وجاء لفظ استأجرت بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.
وعن ابن مسعود (﵁) قال: " أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا﴾ ((٢)) ، وأبو بكر في عمر.
فقد عرفت قوته من رفعه الصخرة ولا يطيقه إلا عشر رجال. وقيل: أكثر، وأمانته من قوله لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق ((٣)) .
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾
يفهم من قوله: (هاتين) على أنه كان له غيرهما، وأراد بهاتين الحاضرتين اللتين سقيت لهما ليتأملها، فينظر من يقع اختياره عليها منها ليعقد له عليها ((٤)) . وجعل لموسى اختيار إحداهما لأنه قد عرفها، وكانت التي اختارها موسى (صفّورة) وهي الصغرى وإنما اختارها دون أختها لأنها التي عرف أخلاقها باستحيائها وكلامها، فكان ذلك ترجيحاً لها عنده ((٥)) .
стр. 358
﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾
أي: " قال أبو المرأتين اللتين سقى لهما موسى: إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتيّ على أن تكون أجيراً لي ثماني سنوات ترعى لنا فيها غنمي، فإن أتممت الثماني السنين التي شرطتها عليك فجعلتها عشراً فإحسان من عندك، وما احب أن أشاقك بمناقشة، أو مراعاة أوقات، أو أكلفك ما فيه مشقة، وإنك ستجدني إن شاء الله ممن تحسن صحبتهم ويوفون بما تريد من خير لك ولنا " ((١)) .
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
وَكِيلٌ﴾
أي: " ذلك الذي عاهدتني فيه قائم بيننا لا نخرج عنه، أيما الأجلين أطولهما أو أقصرهما وفيتك إياه، فلا يتعدى عليّ بطلب الزيادة، فكما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على ثماني، أو فلا أكون معتدياً بترك الزيادة عليه كقولك: لا إثم علي، وهو أبلغ في إثبات الخيرة وتساوي الأجلين في القضاء من أن يقال إن قضيت الأقصر فلا عدوان علي ((٢)) . والله على ما نقول وكيل حافظ يراقبنا ويعلم ما تعاقدنا عليه " ((٣)) .
ما يستفاد من النصّ
يمكن أن نستنتج المعاني الآتية من الآيات القرآنية الخاصة بزواج سيدنا موسى:
فقد رأينا الحياء والعفة المتمثلتين في ابنة سيدنا شعيب (﵇) وهو ما ينبغي لكل امرأة أن لا ترفع عنها هذه النعمة العظيمة التي يريد أعداء الله أن ينتزعوه عنها بدعوى الثقافة والانفتاح.
стр. 359
ودلت كذلك على جانب عظيم من المروءة المتمثل بمساعدة سيدنا موسى (﵇) في السقي لبنات شعيب، وعدم أخذ الأجرة على ما قدمه من مساعدة وابتغاء بهذا العمل وجه الله جل وعلا.
ودلت الآيات كذلك على ضرورة أن يجتمع في العمل شرطان أساسيان وهما: القوة، والأمانة. فلا تصلح القوة بلا أمانة، ولا تنفع الأمانة بلا قوة.
ودلت كذلك على جملة من المسائل الفقهية وهذا ما سنناقشه في مبحث خاص.
المبحث الثاني: المسائل الفقهية المتعلقة بهجرة سيدنا موسى (﵇) إلى مدين
المطلب الأول: المسائل المتعلقة بزواج سيدنا موسى (﵇) من ابنة شعيب (﵇ -)
أولاً ـ تعريفه وألفاظه ومسائله:
١ ـ تعريف النكاح في اللغة:
" نكح فلان امرأة ينكحها نكاحاً إذا تزوجها ونَكَحها ينكِحُها إذا تزوجها. أصل النكاح في كلام العرب الوطء. وقيل: للتزويج وطأً، لأنه سبب النكاح وعقد التزويج يسمى النكاح " ((١)) .
وذكر الراغب الأصفهاني " أصل النّكاح للعقد، ثُمَّ أُستعير للجماع ومحال أن يكون في الأصل للجماع، ثُمَّ أُستعير للعقد لان أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره " ((٢)) . وذكر الشافعي " أن اسم النكاح يتناول العقد فقط " ((٣)) .
وفي الحقيقة أن لفظة النكاح جاءت في القران الكريم للعقد وللوطء
أما التي للعقد فقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ ((٤)) ، فالمقصود اعقدوا عليهنَّ بإذن أهلهن آتوهنَّ مهورهنّ. فلا يمكن أن يقصد بالنكاح في هذه الآية الوطء، لأنه من غير المعقول أن يقول لوالد المرأة ائذن لي أن أطأ ابنتك أو موكلتك.
стр. 360
وقد وردت في القران الكريم لفظة النكاح بمعنى الوطء قال تعالى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ((١)) ، فقد أخرج البخاري في جامعه الصحيح: أن رفاعة القرظي تزوج امرأة، ثُمَّ طلقها فتزوجت أخر، فأتت النبي ( ﷺ ) فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثلُ هدبةٍ، فقال النبي
( ﷺ ) : ((لا حتى تتذوقي عويسلته ويذوق عويسلتك)) ((٢)) ، إن المقصود بذوق
(العويسلة) كناية عن المجامعة أي الوطء ((٣)) .
٢ ـ النكاح في الاصطلاح الشرعي:
(عقد يفيد ملك المتعة قصداً) ، أي: حلّ استمتاع الرجل من المرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي ((٤)) .
عقد يتضمن إباحة وطء ((٥)) .
стр. 361
وعرفه بعض الفقهاء بأنه: عقد يفيد حلّ استمتاع كل من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع ((١)) .
عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته ((٢)) .
ثانياً ـ ألفاظ عقد النكاح (الإيجاب ـ القبول)
لا خلاف بين الفقهاء في أن الإيجاب والقبول في عقد النكاح يصحّ أن يكونا بلفظ التزويج، أو بلفظ الانكاح، وينعقد بهما لورود هذين اللفظيين في القران الكريم:
أولاً ـ بلفظ الزواج، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ((٣)) .
ثانياً ـ بلفظ النكاح، قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ((٤)) .
стр. 362
وسواء اتفق العاقدان في استعمال واحد من هذين اللفظين، أو اختلفا مثل أن يقول ولي الأمر للخاطب: زوجتك ابنتي هذه، فيقول الخاطب: قبلت النكاح، أو قبلت هذا التزويج ((١)) . وقد اختلف الفقهاء في ألفاظ عقد النكاح في غير لفظي التزويج والانكاح، وقد استدل من قال بأن النكاح موقوف على لفظ التزويج والانكاح بقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾ ، وسنعرض موجزاً لأقوال الفقهاء في ذلك مع أدلتهم:
القول الأول:
لا يصح الإيجاب والقبول بغير هذين اللفظين (التزويج والانكاح) وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وربيعة، والشافعي وهو مذهب الحنابلة (٢)) .
الدليل:
قوله ( ﷺ ) : ((اتقوا الله في النساء، فأنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله)) ((٣)) ، وكلمة الله هي التزويج، أو الانكاح فإنه لم يذكر في القرآن سواهما، فوجب الوقوف معهما تعبداً واحتياطاً.
стр. 363
أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((١)) ، فذكر الهبة في الزواج هو خاص بالرسول ( ﷺ ) ، والهبة تجمع أن ينعقد له عليها عقد النكاح بأن تهب نفسها له بلا مهر وفي هذا دلالة على أن لا يجوز نكاح إلا باسم النكاح، أو التزويج ولا يقع بكلام غيرهما وإن كانت معه نية التزويج ((٢)) .
القول الثاني:
ذهبت الظاهرية إلى جواز الإيجاب والقبول في عقد النكاح بلفظ التمليك إضافة إلى لفظي التزويج والانكاح، لورود لفظ التمليك في قوله: ( ﷺ ) إنه زوج امرأة فقال: ((ملكتكها بما معك من القرآن)) ((٣)) .
القول الثالث:
стр. 364
ينعقد عقد النكاح بلفظ النكاح والزواج وبكل ما يفيد التملك من الألفاظ مثل لفظة (البيع. الهبة. الصدقة. والتمليك) إذا شهد عليه، قال به أبو حنيفة، وأصحابه، والنوري، والحسن بن حىّ ((١)) . وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((٢)) ، فقد انعقد نكاح الرسول ( ﷺ ) بلفظ الهبة، فينعقد به نكاح أُمته. ولأن الطلاق يقع بالصريح والكناية قالوا، فكذلك النكاح.
القول الرابع:
عند المالكية الألفاظ من جهة انعقاد النكاح بها هي كالآتي:
الألفاظ تصلح للإيجاب والقبول وينعقد بها النكاح إن ذكر المهر، وهذه الألفاظ هي الانكاح والتزويج.
يصح بها الإيجاب والقبول، وينعقد بها النكاح إن ذكر المهر وهذه الألفاظ لفظ (وهبت) .
ما في صحة الإيجاب والقبول به خلاف، وهو كلفظ يقضي البقاء مدى الحياة كبعت، أو ملكت، فبعض المالكية جعلها مثل وهبت وبعضهم لم يجعلها بمنزلة وهبت، فلا ينعقد بها النكاح.
стр. 365
ما لا ينعقد بها النكاح مطلقاً ولا يصحّ أن يعبر به عن الإيجاب، أو القبول، وهو كلفظ لا يقضي البقاء مدى الحياة كلفظ الإجارة والعارية ((١)) .
القول الراجح لاشك إن الأولى الالتزام بألفاظ النكاح الصريحة كلفظ التزويج والانكاح وذلك لخطورة عقد الزواج ومنعاً للمتلاعبين. ولكن إذا كان العرف في مدينة من المدن يستعمل لفظة معينة لديهم، وتدل هذه على إنشاء عقد الزواج على التأييد ووجَود القرائن كالشهود والمهر فلا مانع من ذلك.
ثالثاً ـ مسائله:
المسألة الأولى - الإشهاد على عقد الزواج
قال تعالى حكاية عن أحد المتعاقدين: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ، قيل: هو قول موسى. وقيل: هو قول والد المرأة ((٢)) . والمهم أنه قد اكتفى النبيان الصالحان ـ صلوات الله عليهماـ في الإشهاد عليها بالله ولم يشهدا أحد من الخلق.
وقد اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح
القول الأول:
وهو قول جمهور الفقهاء من الشافعية، والحنفية، والحنابلة قالوا باشتراط الإشهاد لصحة النكاح، وإلا كان فاسداً. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وقول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، وقتادة، والنووي، والأوزاعي ((٣)) .
القول الثاني:
стр. 366
ونقل الكاساني عن مالك قوله: " وقال مالك: الشهادة ليست بشرط وإنما الشرط هو الإعلان حتى لو عقد النكاح وشرط الإعلان جاز، وإن لم يحضر شهود، ولو حضر شهود وشرط عليهم الكتمان لم يجز " ((١)) .
أدلة القول الأول:
أخرج الإمام الترمذي في جامعه عن النبي ( ﷺ ) إنه قال: ((البغايا: اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة)) ((٢)) ، والتسمية بالبغايا تشديد والمراد بالبينة الوليّ والشهود.
أخرج الإمام البيهقي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ( ﷺ ) : ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) ((٣)) .
стр. 367
أخرج الإمام مالك: أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: ((هذا نكاح السرّ ولا أجيزه)) ((١)) .
أدلة المالكية:
إنه عقد معاوضة، فلا يشترط فيه الإشهاد، وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح، وفرق ما بين النكاح والسفاح: الدُّفُّ.
فقد روي عن النبي ( ﷺ ) أنه قال: ((أعلنوا النكاح ولو بالدّف)) ((٢)) ، وإن اشترط الإعلان لنفي التهم، لأن الزنا لا يكون إلا بالسر فالحلال لا يكون إلا ضده، وذلك بالإعلان عنه ((٣)) .
المسألة الثانية - الولاية في عقد الزواج
الولاية في الاصطلاح الفقهي
تعريف الولاية في اللغة:
стр. 368
في أسماء الله تعالى: الولي الناصر. قيل: الوِلاية بالكسر السلطان والوَلاية الوِلاية النَصرة. قيل: هم عليّ وَِلاية، أي: مجتمعون في النّصرة، قال سيبويه: الوَلاية بالفتح المصدر، والوِلاية بالكسر الاسم مثل الأمارة لأنه اسم لما توليه وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا. الوَليّ: ولي اليتيم الذي يلي أمره ويقوم بكفايته، وولي المرأة الذي يلي عقد النكاح دونه ((١)) .
تعريف الولاية في الاصطلاح الشرعي:
" تنفيذ القول على الغير " ((٢)) .
وقبل الخوض في أحكام الولاية علينا أن نبين:
أسباب الولاية وهي القرابة. الملك. الولاء. الإمامة. الوصية ((٣)) مع اختلاف في بعضها وليس هنا مقام تفصيله.
أنواع الولاية "ولاية الإجبار. ولاية الندب والاستحباب. ولاية الشركة" (٤) .
شروط الولي " العقل. البلوغ. الحرية. اتحاد الدين. العدالة. الذكورة. الرشد) ((٥)) .
الولاية على تزويج البالغة العاقلة
تعريف البلوغُ:
البلوغُ والبلاغُ الانتهاء إلى أقصى المقْصِد والمنُتهى مكاناً كان، أو زَماناً، أو أمراً من الأمور المقدرة ((٦)) .
стр. 369
وعلامات البلوغ في الأنثى هي الحيض. الاحتلام ((١)) . وأدنى سن لظهور علامات بلوغ الأنثى من العمر تسع سنوات. وقال الشافعية: استكمال تسع سنين قمرية. بالنسبة للذكر أدنى سن لاحتلام الذكر أثنتا عشرة سنة ((٢)) .
فسنستعرض أقوال الفقهاء في مسألة تزويج الأب ابنته البالغة، وهل يستأمرها؟ مع أدلتهم باختصار وبما يفي بغرض التفسير التحليلي فقط، فقد استدل قسم من العلماء بقوله تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيّ﴾ على أن النكاح للولي ولاحظ للمرأة فيه، لأن صالح مدين تولاه وبه قال فقهاء الأمصار وخالف في ذلك الحنفية. واستدل الأمام مالك على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير إستئمار، وبقول مالك قال الشافعي وكثير من العلماء، وخالف بذلك أبو حنيفة ((٣)) .
سنتعرف على آراء العلماء في هذه المسالة مع الأدلة وبشكل مختصر:
أولاً ـ مذهب الحنفية:
стр. 370
قالوا: لا يجوز للولي أياً كان، أو غيره إجبار البالغة العاقلة البكر على النكاح، لأن علة ولاية الإجبار في النكاح هي الصغر، وقد زالت ببلوغها ((١)) ، ومن حقها أن تزِّوج نفسها بنفسها دون الحاجة إلى إذن الوليّ، ولا إلى أن يتولى عقد نكاحها نيابة عنها. ولكن للولي حق الاعتراض على زواجها بغير كفء، أو بأقل من مهر المثل إذا كان هذا الولي من عصباتها ((٢)) .
أدلة الحنفية:
١. من القرآن:
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ ((٣)) .
وجوه الدلالة
أـ إضافة عقد النكاح إليها من غير ذكر الوليّ في قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ .
ب ـ إضافة المراجعة إليها من غير ذكر الوليّ في قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ ((٤)) .
٢. من السنة:
стр. 371
روت خنساء بنت خذام الأنصارية: ((أنها أتت رسول الله فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخيّرها النبي ( ﷺ ) بين فسخ النكاح وبين بقائه وعدم
فسخه)) ((١)) ((٢)) .
من المعقول أن البالغة العاقلة البكر في تزويج نفسها بنفسها إنما تتصرف في خالص حقها، وهي من أهل التصرف لكونها بالغة عاقلة، ولهذا كان لها التصرف في مالها فكذا التصرف بزواجها ((٣)) .
٣. الإجماع:
اتفق الفقهاء جميعاً على جواز قيام الرجل بعقد النكاح لنفسه إذا كان جائز التصرف بماله، والمرأة البالغة العاقلة لما كانت جائزة التصرف بمالها وجب جواز عقد نكاحها بنفسها ((٤)) .
ثانياً ـ مذهب الشافعية والمالكية:
قال الشافعي: لا تزوج المرأة نفسها، أي لا تملك مباشرة عقد النكاح بحال لا بأذن من وليّها ولا من غيره. سواء كانت هي الموجبة في عقد النكاح، أو القابلة له. وإن الذي يباشر عقد النكاح لها هو وليها وليست هي ((٥)) .
وللأب ولاية الإجبار على ابنته البالغة العاقلة البكر فله أن يزوجها بدون حاجة إلى إذنها ولا توقف على هذا الإذن ((٦)) .
الأدلة:
١. من القرآن:
стр. 372
قال تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ((١)) دليل على اعتبار الوليّ في عقد النكاح، وأنه هو الذي يتولى عقد لموليّته. ولو كان الحقُّ لها في عقد النكاح لنفسها لما كان لعضله معنى.
٢. من السنة النبوية:
قوله ( ﷺ ) : ((لا نكاح إلا بولي)) ((٢)) .
وقوله ( ﷺ ) : ((أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها
باطلْ)) ((٣)) .
قوله ( ﷺ ) : ((الثيب أحق بنفسها من وليِّها، والبكر يزوجها
أبوها)) ((٤)) .
٣. المعقول:
لا يليق بمحاسن العادات دخول المرأة في أمر النكاح ولا اشتراكها مع الرجل في إنشاء عقد النكاح.
وقال الشافعي: يستحب للولي المجبر (الأب) أن يستأذن ابنته البالغة العاقلة البكر في تزويجها قبل أن يعقد لها عقد النكاح تطييباً لخاطرها ((٥)) .
ثالثاً. الحنابلة:
فهم مع الشافعية والأحناف في مسألة أن المرأة البالغة البكر لا تملك تزويج نفسها، أما في مسالة هل للأب ولاية الإجبار على ابنته البالغة العاقلة البكر فيزوجها جبراً دون توقف على إذنها.
قال أبن قدامة الحنبلي عن أحمد روايتان:
الرواية الأولى: له إجبارها على النكاح وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة.
стр. 373
الرواية الثانية: ليس له ذلك واختارها أبو بكر وهو مذهب الأوزاعي، والنوري ((١)) .
والدليل على الرواية الأخيرة ما روي عن ابن عباس: ((أن جارية بكراً أتت النبي ( ﷺ ) فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخَّيرها النبي ( ﷺ )) ) ((٢)) ، ولأنها جائزة التصرف في مالها فلم يجز إجبارها على الزواج كالثيب والرجل.
المسألة الثالثة - تعين الزوجة
ذكر القرطبي ﵀ في قوله: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ ما يدل على أنه عرض لا عقد، لأنه لو كان عقداً لعين المعقود عليها له لأن العلماء وإن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال: بعتك أحد عبدي هذين بثمن كذا، فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح، لأنه خيار وشيء من الخيار لا يلصق بالنكاح.
стр. 374
وذكر القرطبي أنه إنما عرض الأمر مجملاً (أي والد البنتين) ، ثُمَّ عين بعد ذلك وقد قيل: إنه زوّجه صفوريا وهي الصغرى، وهي التي جاءت خلفه القائلة: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ . وقيل: إن الحكمة في تزويجه الصغرى من قبل الكبرى إنه توقع أن يميل إليها لأنه رآها عند البئر وما شاهده في إقباله إلى أبيها معها فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار وهو يضمر غيره ((١)) .
قال الشافعي بهذا الخصوص: " لا يكون التزويج إلا لامرأة بعينها " ((٢)) .
المسألة الرابعة - المهر
تعريف المهر لغة واصطلاحاً:
١. المهر في اللغة:
المهر: الصداق، وقد مهر المرأة بمهَرها ويمهُرها مهراً وأمهرتها زوجتها غيري على مهر ((٣)) .
٢. المهر في الاصطلاح:
стр. 375
وهو الصداق، وهو اسم لما يجب على الرجل للنساء في النكاح والوطء ((١)) . وللمهر أسماء: الصداق. الصدقة. النِحلة. الفريضة. والأجر. الطول. العلائق. العقر. وزاد بعضهم اسم النكاح لقوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ ((٢)) ((٣)) .
أما الدليل على مشروعيته فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ((٤)) .
وهناك عدة تساؤلات فيما يخص المهر وبخصوص زواج سيدنا موسى مع صالح مدين، وهي:
أولا ـ هل تكون المنفعة مهراً؟
قال الجمهور: تصح تسمية المنفعة مهراً في عقد النكاح كسكن الدار، أو منفعة عمل يقوم به حرّاً، أو عبد ((٥)) ، فالقاعدة عندهم كلّ ما جاز ثمناً في البيع، أو أجرة في الإجارة من العين والدين والمال المؤجل والقليل والكثير ومنافع الحر والعبد وغيرها جاز أن تكون صداقاً (أي مهراً) ((٦)) .
стр. 376
ويترتب على ذلك أنه يجوز أن يكون المهر عملاً يقوم به الزوج حراً كان أو عبداً فيه منفعة لزوجته سواء كان خدمة معينة لها كخدمة سنة كذلك لو جعل مهرها أن يبني دارها، أو يخيط ثوباً لها، أو يرعى غنمها مدة معينة ((١)) . وفيما يأتي تفصيل آراء العلماء في ذلك:
الشافعية:
قال الشافعي: " الصداق ثمن من الأثمان، فكل ما يصلح أن يكون ثمناً صلح أن يكون صداقاً، وذلك مثل أن تنكح المرأة الرجل على أن يخيط لها الثوب، ويبني لها البيت، ويذهب بها البلد، ويعمل لها العمل، فإن قال قائل: ما دلّ على هذا؟ قيل: إذا كان المهر ثمناً كان في معنى هذا، وقد أجازه الله في الإجارة في كتابه، وأجازه المسلمون، فذكر قصة شعيب وموسى في النكاح فقالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ وقال: " لا أحفظ من أحدٍ في أن ما جازت عليه الإجارة جاز أن يكون مهراً " ((٢)) .
المالكية:
المشهور عن مالك الكراهة، ولذلك رأى نسخه قبل الدخول وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون ((٣)) .
الحنفية:
لقد فصل الأحناف القول في هذه المسألة:
فعندهم منافع الأعيان من المنقولات والعقارات تقع تسميتها مهراً في عقد النكاح، لأن هذه المنافع تعتبر أموالاً، أو إنها ألحقت بالأموال في سائر العقود ولمكان الحاجة إليها.
منافع الحر.
جعل مهرها خدمتها:
قالوا: لو تزوج رجل حرّ امرأة على أن يخدمها سنة، فالتسمية فاسدة ولها مهر المثل في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. وعند محمد التسمية صحيحة ولها قيمة الخدمة.
تزوجها على فعل لها غير خدمتها:
стр. 377
أما لو تزوجها على مهره وأن يقوم لها بفعل، وليس في الفعل استهانة له ولا مذلة كزراعة أرضها ونحو ذلك من الأعمال خارج البيت التي لا مهانة فيها ولا مذلة صحت تسمية هذه الأفعال مهراً في عقد النكاح.
وقال الكاساني: لفظ رواية الأصل يدل على أن التسمية لا تصحّ في رعي غنمها كما لا تصح في خدمتها لأن رعي غنمها كخدمتها ((١)) .
وجاء في الفتاوى الهندية في فقه الحنفية: " ولو تزوجها على أن يرعى غنمها، أو يزرع أرضها في رواية لا يجوز، وفي رواية جاز، والأولى رواية الأصل والجامع. والصواب أن يسلم لها إجماعاً استدلالاً بقصة موسى وشعيب
(﵇) وشريعة من قبلنا تلزمنا إذا قص الله تعالى أو رسوله بلا إنكار ((٢)) .
المسألة الخامسة - مسألة الدخول قبل النقد
قال تعالى عن شعيب (﵇) في قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ هنا يتبادر سؤالاً مهماً هل دخل سيدنا موسى (﵇) حين عقد أم حين سافر؟ فإن كان دخل حين سافر فطول الانتظار في النكاح جائز، وإن كان مدى العمر بغير شرط ((٣)) .
стр. 378
وإن كان دخل حين عقد؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال نود أن نبين " أن المهر يجبُ بنفس عقد الزواج، لأنه من آثار هذا العقد، فإن اتفق عليه الطرفان فهو المهر المسمى وهو الواجب بعقد الزواج، ولكن هذا الوجوب يبقى قلقاً لا يستقر ولا يتأكد وجوبه ويلزم الزوج به إلا إذا حصل ما يؤكده ومؤكداته هي: الدخول، أو موت أحد الزوجين، أو الخلوة الصحيحة " ((١)) .
وقد ذكر القرطبي " قد منع علماؤنا من الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار، قاله ابن القاسم والمتأخرين من أصحابنا قالوا: تعجيل، أو شئ منه مستحب، فإن كان الصداق رعيةُ الغنم فقد نقد الشرع في الخدمة " ((٢)) .
وقال ابن قدامة: " لا يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئاً سواء كانت مفوضة، أو مسمى لها، قاله سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والنووي الشافعي، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، والزهري، وقتادة، ومالك لا يدخل حتى يعطيها شيئاً " ((٣)) .
المسألة السادسة - اشتراط الولي شيئاً من المهر لنفسه
لقد استدل قسم من العلماء باشتراط سيدنا شعيب (﵇) الإجارة من سيدنا موسى (﵇) مقابل تزويجه ابنته، قال الله تعَاَلىَ على لسان شعيب: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ . وقسم أخر من العلماء لم ير أن له الحق في ذلك، وفيما يأتي أقوال العلماء في ذلك:
قال الحنابلة: " يجوز لأبي المرأة أن يشترط شيئاً من صداق ابنته لنفسه، وبهذا قال إسحاق، وروي نحو ذلك عن علي بن الحسين " ((٤)) .
стр. 379
وقال الشافعي: " إذا فعل ذلك فلها مهر المثل وتفسد التسمية لأنه تعطي من صداقها لأجل هذا الشرط الفاسد، ولأن المهر لا يجب إلا للزوجة لأنه عوض بعضها " ((١)) .
واحتج الحنابلة:
بقوله تعالى في قصة شعيب وتزويجه إحدى ابنتيه موسى (﵇) ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج﴾ فجعل المهر الإجارة على رعاية غنمه وهو شرط لنفسه.
وذكر القرطبي أن قسم من العلماء قالوا: " هذا الذي جرى من شعيب لم يكن ذكراً لصداق المرأة، وإنما كان اشتراطاً لنفسه على ما يفعله الأعراب، فإنها تشترط صداق بناتها وتقول: لي كذا في خاصة نفسي. وترك المهر مفوضاً ونكاح التفويض جائز " ((٢)) .
стр. 380
قال ابن العربي: " هذا الذي تفعَلُه الأعراب هو حلوان وزيادةُ على مهر. وهو حرام لا يليق بالأنبياء، فأما إذا شرط الوليُّ شيئاً لنفسه فقد اختلف علماؤنا فيما يخرجه الزوج من يده ولا يدخل في يد المرأة على قولين: أحدهما أنه جائز، والآخر لا يجوز. والذي يصح عندي التقسيم. فان المرأة لا تخلو إما أن تكون بكراً، أو ثيباً، فان كانت ثيّباً جاز لأن نكاحهَا بيدها، وإنما يكون للوليّ مباشرة العقد، ولا يمتنع العِوَض عنه كما يأخذُه الوكيلُ على عقد البيع، وإن كانت بكراً كان العَقْدُ بيده، فكأنه عِوَضٌ في النكاح لغير الزوجة، وذلك باطل، فإن وقع فُسِخ قبل البناء وثبت بعده على مشهور الرواية " ((١)) .
المطلب الثاني: الإجارة
تعريفها، وأركانها، ودليل مشروعيتها، والمسائل المتعلقة بها
تعريف الإجارة في اللغة:
الإجارة من أجرَ يَأجِرُ، وهو ما أعطيت من أجر في عمل، والأجر الثواب. والأجر الجزاء على العمل والجمع أجور، أجر الإنسان واستأجره. والأجير المستأجَرُ وجمعه أجَراءُ والاسم منه الإجارة، والأجرة: الكراء ((٢)) .
تعريف الإجارة في الاصطلاح:
" تمليك نفع بعوض " ((٣)) .
وقيل: " عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعرض
معلوم " ((٤)) .
أركانها أربعة: عاقدان، وصيغة، وأجرة، ومنفعة ((٥)) .
مشروعية الإجارة:
стр. 381
قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْه﴾ دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة معلومة، وكذلك كانت في كل ملة. وهي من ضرورة الخليقة ومصلحة الخلطة بين الناس ((١)) .
وقد اتفق الفقهاء على مشروعية عقد الإجارة ما عدا أبا بكر الأصم وإسماعيل بن غُلبة، فأنهم لم يجيزوه. ودليلهم في ذلك أن الإجارة بيع المنفعة والمنافع حال انعقاد العقد معدومة القبض، ثُمَّ تستوفى شيئاً فشيئاً مع الزمن، والمعدوم لا يحتمل البيع، ولا يجوز إضافة البيع إلى شئ في المستقبل.
وقد رد عليهم ابن رشد " إنها وإن كانت معدومة في حال العقد فهي مستوفاة في الغالب، والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يستوفى في الغالب، أو يكون استفتاؤه وعدم استيفائه على السواء " ((٢)) .
وقد استدل الجمهور على جواز عقد الإجارة بالقرآن، والسنة:
أولاً ـ القرآن:
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ((٣)) .
قوله تعالى حاكياً قول إحدى ابنتي شعيب (﵇) : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ ((٤)) . والاستدلال بهذه الآية صحيح عند القائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ ((٥)) .
ثانياً ـ السنة النبوية:
стр. 382
قوله ( ﷺ ) : ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) ((١)) .
стр. 383
روي عن ابن عباس ﵁ : ((إن النبي ( ﷺ ) احتجم وأعطي الحجام أجره)) ((١)) .
ثالثاً ـ الإجماع:
فقد أجمعت الأمة على جواز الإيجار لحاجة الناس إليه من ضرورة الخليقة، ومصلحة الخلطة بين الناس والحاجة إليها إذ ليس لكل أحد مركوب ومسكن وخادم، فجوزت لذلك كما جوزت بيع الأعيان ((٢)) .
المسألة الأولى: ذكر المدة دون ذكر الخدمة
قاله تعالى حكاية عن قول الشيخ الكبير: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ نلاحظ في هذه الآية الكريمة كان ذكر للمدة دون ذكر الخدمة، فهنا يتبادر سؤالاً هو: هل يصح في عقد الإجارة ذكر المدة دون ذكر الخدمة؟
قال أبو حنيفة، والشافعي: لا يجوز حتَّى يسمي، لأنه مجهول. وقال مالك: إنه جائز ويحمل على العرف فلا يحتاج في التسمية إلى الخدمة ((٣)) .
وذكر ابن العربي " دليلاً معلوم لأنه استحقاق لمنافعه فيما يصرف فيه مثله، والعُرْفُ يشهد لذلك ويقضي به، فيحمل عليه، ويعضد هذا بظاهر قصة موسى، فإنه ذكر إجارة مطلقة على أن أهل التفسير ذكروا أنه عيّنَ له رَِعْيةَ الغنم، ولم يرووا ذلك من طريق صحيحة، ولكن قالوا: إن صالح مدين لم يكن له عمل إلا رعية الغنم، فكان ما عُلِم من حاله قائماً مقام تعيين الخدمة فيه ((٤)) .
стр. 384
المسألة الثانية: الإجارة على رعاية الغنم
أجمع العلماء على أنه جائز أن يستأجر الراعي شهوراً معلومة بأجرة معلومة لرعاية غنم معدودة. فإن كانت معدودة معينة، ففيها تفصيل:
قال ابن القاسم: لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت، وهي رواية ضعيفة جداً.
الرد عليه:
فقد استأجر صالح مدين موسى على غنمه، وقد رآها ولم يشترط خلفا ((١)) . وإن كانت مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت عند علمائنا قاله ابن العربي. وقال: " إنما عوّل علماؤنا على العرف، وأنه يعطي على قدر ما تحتمل قوَّتهُ. وزاد بعضهم أنه لا يجوز حتى يعلم المستأجر قدْرَ قوته، فإن صالح مدين قد علم قَدْرَ قوة موسى برفع الحجر.
وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يجوز لجهالتها ((٢)) .
المسالة الثالثة: اجتماع إجارة ونكاح
وفي حكم اجتماع الإجارة مع النكاح ثلاثة أقوال:
القول الأول: قال في ثمانية أبي زيد يكره ابتداء، فإن وقع مضى.
القول الثاني: قال مالك، وابن القاسم في المشهور: لا يجوز ويُفسخ قبل الدخول وبعده لاختلاف مقاصدها كسائر العقود المتباينة.
القول الثالث: أجازه أشهب، وأصبغ. وقال ابن العربي: والصحيح جوازُه، وعليه تدل الآية. وقد قال مالك: النكاح أشبه شيء بالبيوع، فأي فرق بين إجارة وبيع، أو بين بيع ونكاح ((٣)) .
стр. 385
المسالة الرابعة: شبهات وردها
أثارت الهجمة الفكرية التي يشنها أعداء الإسلام في كل مكان عدة شبهات، وتأثر بها ومع الأسف بعض ممن يدعون الإسلام وبدئوا يروجون لها وهي فيما يخص اختلاط المرأة بالرجل وعملها. متهمين الإسلام بأنه قد ظلم المرأة وجعل منها حبيسة الجدران، وقبل بيان موقف الإسلام من اختلاط وعمل المرأة، نود أن نبين جملة حقائق مهمة لابد منها لغرض رفع الحيف الكبير عن الإسلام.
إن الإسلام العظيم كرّم المرأة أيّما تكريم، وانصفها أعظم إنصاف وأنقذها من الظلم، منذ أن خلق الخليقة لا يوجد هناك نظام، أو دين أنصف المرأة وأكرمها مثل الإسلام، فقد كرّم الإسلام المرأة كإنسانة، فأكد أهليتها للتكليف والمسؤولية والجزاء ودخول الجنة، فلها ما للرجل من حقوق إنسانية وعليها ما عليه. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ((١)) . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ ((٢))
وكرم الإسلام المرأة كأم، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ ((٣)) .
وكرم المرأة بنتاً، فقد انتقد الإسلام وحرم وأد البنات التي كانت عادة منتشرة في الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ((٤)) .
стр. 386
وكرمها كزوجة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ((١)) .
وكذلك القرآن يجعل الرجل والمرأة شريكين في تحمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ ((٢)) ، فإن دعاة التغريب يريدون من المرأة أن تكون ألعوبة يلعبون بها كيف يشاءون، فمرة ينزعون عنها ثوب حياءها من خلال نزع الحجاب عنها وإلباسها ملابس الرجال حتى لا نكاد نفرق بين المرأة والرجل. ودعوتها للاختلاط بالرجال ومزاحمتهم بحجة المساواة بين الرجل والمرأة، فحملوها اكثر مما تطيق. وسنبين موقف الإسلام من هذه الشبهات فيما يأتي.
موقف الإسلام من اختلاط المرأة وعملها
قد يستدل البعض بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا﴾ على إباحة الاختلاط بين الرجال والنساء، وعلى حِليّة عمل المرأة، فلغرض توضيح هذه المسألة سنتكلم عنها ضمن محورين وبصورة مختصرة:
المحور الأول
موقف الإسلام من الاختلاط
تعريف الاختلاط في اللغة:
стр. 387
قال ابن منظور: " خلط الشيء بالشيء يخلطه خلطاً وخلطه فاختلط: مزجه وخالط الشيء مخالطة وخِلاطاً: مازَجَه والخِلاط اختلاط الإبل والناس والمواشي " ((١)) .
حكم الاختلاط من جهة الحظر، أو الإباحة:
إن الأصل في اختلاط المرأة بالرجل هو الخطر ويتبين ذلك من خلال الأدلة الآتية:
١. القران الكريم:
في الحقيقة لا توجد أية صريحة تحرّم عمل المرأة واختلاطها، ولكن من خلال الإشارات في بعض الآيات القرآنية يمكن الاستدلال بها على حرمة الاختلاط إلا للضرورة:
أـ قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ((٢)) ، قد يعترض معترض بالاستدلال بهذه الآية لكونها تخص أزواج النبي ( ﷺ ) ، ويمكن الإجابة عليه بان الله جل وعلا قد ارتضى لأمهات المؤمنين في هذه الآية لزوم البيت وترك التبرج الجاهلي، فعلى النساء أن ترضى بما رضي الله به لأمهاتهنّ أزواج الرسول ( ﷺ ) ، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ب ـ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ*وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ((٣)) .
هذه الآية تحث المؤمنين والمؤمنات على غض البصر، وفي قولنا بتحليل الاختلاط تعطيل لعمل هذه الآية، لأن في الاختلاط صعوبة التحرر عن النظر إذا قلنا استحالة ذلك.
٢. السنة النبوية:
стр. 388
روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحة أن النبي ( ﷺ ) قال:
((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم)) . وفي رواية الإمام مسلم أن النبي ( ﷺ ) قال: ((لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذم محرم)) . وقد قال العلماء في معنى الحديث: " وفيه منع الخلوة بالأجنبية وهو إجماع لا خلاف فيه " ((١)) . وقال الإمام النووي: " وقال أصحابنا ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها في صلاة، أو غيرها " ((٢)) .
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: ((استأذنت النبي ( ﷺ ) في الجهاد فقال: جهادكن الحج)) . وقد نقل العسقلاني عن ابن بطال في شرحه لهذا الحديث يقوله: " دلّ الحديث على أن الجهاد غير واجب على النساء، وإنما لم يكن عليهن واجباً لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال " ((٣)) .
стр. 389
أخرج أبو داود عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه: إنه سمع رسول الله ( ﷺ ) يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ( ﷺ ) للنساء: ((إستاخرن، فإنه ليس لكنَّ أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق)) ، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليعلق بالجدار من لصوقها به ((١)) .
معنى الحديث الشريف إبعدْنَ عن الطريق، أي: لا تسيروا في وسطه، وإنما سيروا في حافاته حتى لا تختلطوا بالرجال، فأطَعْنَ كلام رسول الله ( ﷺ ) وسْرنَ في جوانب الطريق، حتى إن إحداهن من شدة تنَّحيها عن وسط الطريق وابتعادها عنه، أَن ثوبها ليعلق بالجدار على جانب الطريق من شدة التصاقها به مبالغة في الابتعاد عن وسط الطريق ((٢)) . وفي هذا الحديث دلالة واضحة وصريحة في النهي عن اختلاط النساء بالرجال، وأن الأصل فيه هو الحظر ((٣)) .
المحور الثاني
موقف الإسلام من عمل المرأة
الجواب على ذلك يكون في التفصيل الآتي فإن المرأة لا تخلو إما أن تكون في عصمة الزوج، أي: متزوجة، أو غير متزوجة.
стр. 390
فان كانت في عصمة الزوج:
" فنفقتها على زوجها سواء كانت غنية، أو فقيرة فهي مكفية المؤونة فالعمل إذن في حقها مباح، وإذا كان العمل للاكتساب والرزق وتحصيل أسباب العيش مباحاً في حق المرأة، فإن هذا المباح يجب أن لا يزاحم ما هو واجب عليها. فواجب المرأة هو القيام بأعمال البيت وما تتطلبه الحياة الزوجية والوفاء بحق الزوج عليه وقيامها بشؤون أولادها وتربيتهم وخدمتهم، وهذه الواجبات كثيرة ومتعبة تحتاج إلى تفرغ المرأة لها، وبالتالي لا يمكنها عادة وغالباً القيام بالعمل المباح لها خارج البيت إلا على حساب التفريط بهذه الواجبات والتقصير في أدائها، وحيث أن من أصول الحقوق والواجبات عدم جواز مزاحمة ما هو حق للإنسان لما هو واجب عليه " ((١)) .
فان لم تكن في عصمة زوج:
فنفقتها على أبيها إن لم تكن ذات مال، فإن لم يكن لها أب فنفقتها على أخيها، أو من يلزمه نفقتها، فلا حاجة لها إلى العمل، لأن بقاءها في البيت أسترها، وهي مكفية المؤونة والشرع يندب إليها القرار في البيت ويرغبها في البقاء فيه ما دام لا يوجد مبرر شرعي لخروجها، وهي ملزمة برعاية أبويها، أما إذا كانت هناك ضرورة لعملها خارج البيت كأن لا يوجد هناك مورد مالي لها، ولا من يعيلها، أو كان من يعيلها شيخ كبير كما هو حال المرأتين التي سقى لهما سيدنا موسى (﵇) وحالات أخرى تعتبر ضرورة، والضرورة تقدر بقدرتها ((٢)) .
وقد يسال سائل ويقول هل يباحُ الاختلاط والعمل للضرورة؟