← Тафсир

Тафсир · id 2125

سورة القصص دراسة تحليلية

محمد مطني

Полный текст (624 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وكرمها كزوجة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ((١)) . وكذلك القرآن يجعل الرجل والمرأة شريكين في تحمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ ((٢)) ، فإن دعاة التغريب يريدون من المرأة أن تكون ألعوبة يلعبون بها كيف يشاءون، فمرة ينزعون عنها ثوب حياءها من خلال نزع الحجاب عنها وإلباسها ملابس الرجال حتى لا نكاد نفرق بين المرأة والرجل. ودعوتها للاختلاط بالرجال ومزاحمتهم بحجة المساواة بين الرجل والمرأة، فحملوها اكثر مما تطيق. وسنبين موقف الإسلام من هذه الشبهات فيما يأتي. موقف الإسلام من اختلاط المرأة وعملها قد يستدل البعض بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا﴾ على إباحة الاختلاط بين الرجال والنساء، وعلى حِليّة عمل المرأة، فلغرض توضيح هذه المسألة سنتكلم عنها ضمن محورين وبصورة مختصرة: المحور الأول موقف الإسلام من الاختلاط تعريف الاختلاط في اللغة:

стр. 387

قال ابن منظور: " خلط الشيء بالشيء يخلطه خلطاً وخلطه فاختلط: مزجه وخالط الشيء مخالطة وخِلاطاً: مازَجَه والخِلاط اختلاط الإبل والناس والمواشي " ((١)) . حكم الاختلاط من جهة الحظر، أو الإباحة: إن الأصل في اختلاط المرأة بالرجل هو الخطر ويتبين ذلك من خلال الأدلة الآتية: ١. القران الكريم: في الحقيقة لا توجد أية صريحة تحرّم عمل المرأة واختلاطها، ولكن من خلال الإشارات في بعض الآيات القرآنية يمكن الاستدلال بها على حرمة الاختلاط إلا للضرورة: أـ قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ((٢)) ، قد يعترض معترض بالاستدلال بهذه الآية لكونها تخص أزواج النبي ( ﷺ ) ، ويمكن الإجابة عليه بان الله جل وعلا قد ارتضى لأمهات المؤمنين في هذه الآية لزوم البيت وترك التبرج الجاهلي، فعلى النساء أن ترضى بما رضي الله به لأمهاتهنّ أزواج الرسول ( ﷺ ) ، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ب ـ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ*وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ((٣)) . هذه الآية تحث المؤمنين والمؤمنات على غض البصر، وفي قولنا بتحليل الاختلاط تعطيل لعمل هذه الآية، لأن في الاختلاط صعوبة التحرر عن النظر إذا قلنا استحالة ذلك. ٢. السنة النبوية:

стр. 388

روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحة أن النبي ( ﷺ ) قال: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم)) . وفي رواية الإمام مسلم أن النبي ( ﷺ ) قال: ((لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذم محرم)) . وقد قال العلماء في معنى الحديث: " وفيه منع الخلوة بالأجنبية وهو إجماع لا خلاف فيه " ((١)) . وقال الإمام النووي: " وقال أصحابنا ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها في صلاة، أو غيرها " ((٢)) . أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: ((استأذنت النبي ( ﷺ ) في الجهاد فقال: جهادكن الحج)) . وقد نقل العسقلاني عن ابن بطال في شرحه لهذا الحديث يقوله: " دلّ الحديث على أن الجهاد غير واجب على النساء، وإنما لم يكن عليهن واجباً لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال " ((٣)) .

стр. 389

أخرج أبو داود عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه: إنه سمع رسول الله ( ﷺ ) يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ( ﷺ ) للنساء: ((إستاخرن، فإنه ليس لكنَّ أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق)) ، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليعلق بالجدار من لصوقها به ((١)) . معنى الحديث الشريف إبعدْنَ عن الطريق، أي: لا تسيروا في وسطه، وإنما سيروا في حافاته حتى لا تختلطوا بالرجال، فأطَعْنَ كلام رسول الله ( ﷺ ) وسْرنَ في جوانب الطريق، حتى إن إحداهن من شدة تنَّحيها عن وسط الطريق وابتعادها عنه، أَن ثوبها ليعلق بالجدار على جانب الطريق من شدة التصاقها به مبالغة في الابتعاد عن وسط الطريق ((٢)) . وفي هذا الحديث دلالة واضحة وصريحة في النهي عن اختلاط النساء بالرجال، وأن الأصل فيه هو الحظر ((٣)) . المحور الثاني موقف الإسلام من عمل المرأة الجواب على ذلك يكون في التفصيل الآتي فإن المرأة لا تخلو إما أن تكون في عصمة الزوج، أي: متزوجة، أو غير متزوجة.

стр. 390

فان كانت في عصمة الزوج: " فنفقتها على زوجها سواء كانت غنية، أو فقيرة فهي مكفية المؤونة فالعمل إذن في حقها مباح، وإذا كان العمل للاكتساب والرزق وتحصيل أسباب العيش مباحاً في حق المرأة، فإن هذا المباح يجب أن لا يزاحم ما هو واجب عليها. فواجب المرأة هو القيام بأعمال البيت وما تتطلبه الحياة الزوجية والوفاء بحق الزوج عليه وقيامها بشؤون أولادها وتربيتهم وخدمتهم، وهذه الواجبات كثيرة ومتعبة تحتاج إلى تفرغ المرأة لها، وبالتالي لا يمكنها عادة وغالباً القيام بالعمل المباح لها خارج البيت إلا على حساب التفريط بهذه الواجبات والتقصير في أدائها، وحيث أن من أصول الحقوق والواجبات عدم جواز مزاحمة ما هو حق للإنسان لما هو واجب عليه " ((١)) . فان لم تكن في عصمة زوج: فنفقتها على أبيها إن لم تكن ذات مال، فإن لم يكن لها أب فنفقتها على أخيها، أو من يلزمه نفقتها، فلا حاجة لها إلى العمل، لأن بقاءها في البيت أسترها، وهي مكفية المؤونة والشرع يندب إليها القرار في البيت ويرغبها في البقاء فيه ما دام لا يوجد مبرر شرعي لخروجها، وهي ملزمة برعاية أبويها، أما إذا كانت هناك ضرورة لعملها خارج البيت كأن لا يوجد هناك مورد مالي لها، ولا من يعيلها، أو كان من يعيلها شيخ كبير كما هو حال المرأتين التي سقى لهما سيدنا موسى (﵇) وحالات أخرى تعتبر ضرورة، والضرورة تقدر بقدرتها ((٢)) . وقد يسال سائل ويقول هل يباحُ الاختلاط والعمل للضرورة؟

стр. 391

وللجواب على ذلك نعود إلى نفس الآية التي استدل بها على إباحة الاختلاط والعمل أخذاً من سقى البنات لغنمهن: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا﴾ ، نستدل بها على إباحة العمل والاختلاط للضرورة، فإن الآية الكريمة قد أجابت عن من يتسأل في السبب الذي دعا الشيخ لدفع بناته للعمل ولاحتمالية الاختلاط، فقالت إحدى البنتين حينما سألها موسى (﵇) عن سبب امتناعها عن السقي: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ، فقد كان الجواب عن سؤال موسى المعلن وهو سبب عدم السقي ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ . وأجابت عن سؤال مضمر في نفس موسى كأنها أحست أخفاه من الحياء، وهو لماذا لم يأتي رَجل مكانهن، فقالت: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ، أي: إنا مضطرات، لأن والدنا كان في حالة عجز عن القيام بمهمة السقي، ولا يوجد رجل يقوم مقامهن، لأن والدهن لم يكن لديه من يخلفه غيرهما. وقد قال الإمام الرازي بهذا الخصوص " فإن قيل: كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنته بسقي الماشية؟ فالجواب: إنا وإن سلمنا أنه كان شعيباً النبي (﵇) ، لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه وأما المروءة، فالناس فيها مختلفون، وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر لاسيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة " ((١)) .

стр. 392

ومما يدلل على أنهن مارسن عمل السقي للضرورة طلب إحدى البنات من أبيها أن يستأجر سيدنا موسى (﵇) ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ تبين هذه الآية أنها كانت متحرجة جداً من العمل، ولكنها مضطرة للعمل لعدم وجود البديل، فحال توفر البديل طلبت من أبيها استئجاره ليقوم بمهمة السقي بدل عنهما. وقد جاء في السنة النبوية روايات في عمل المرأة خارج البيت للحاجة، سنذكر قسماً منها، ونذكر كذلك بعض الحالات التي يجوز الاختلاط فيها للحاجة. الشروط العامة بعمل المرأة واختلاطها للضرورة: وإذ كان عمل المرأة واختلاطها قد يباح للضرورة لكن بشروط وهي كآلاتي: عدم مزاحمة الرجال ويتبين ذلك من قول إحدى البنات ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ فقد امتنعن عن السقي لعدم مزاحمة الرجال. أن تلتزم بالآداب الشرعية ويتبين ذلك من خلال قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ ، وأن تتوقر في مشيتها لقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ((١)) . أن تبتعد عن التميع في الكلام مع الرجال إذا كان في كلامها مع الرجال ضرورة، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ ((٢)) .

стр. 393

ونلاحظ من خلال المحادثة التي دارت بين المرأة وسيدنا موسى (﵇) أنها كانت قصيرة، ودخلت في الموضوع الذي جاءت به بدون إطالة في الكلام مبينة السبب في طلب والدها مباشرة: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ ((١)) ، فقد كان تحدثها معه للضرورة. ارتداء الحجاب، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ ((٢)) . غض البصر، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ((٣)) . الأمر بعدم الخلوة، قال رسول الله ( ﷺ ) : ((لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم)) ((٤)) . أن تتجنب كل ما يجذب انتباه الرجل إليها ويغريه بها، قال رسول الله ( ﷺ ) : ((أيما امرأة استعطرت، ثُمَّ خرجت من بيتها ليشم الناس فهي زانية)) ((٥)) . ما جاء في السنة النبوية من عمل المرأة خارج البيت للحاجة:

стр. 394

١- أخرج الإمام البخاري (رحمه الله تعالى) في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: ((تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شئ غير ناضح وغير فرسه، فكنت اعلفُ فرسه، واستقي الماء، وأحرزُ غربه، وأعجن، ولم أكن أعجنُ، ولم أكن أحسن أخبز، فكان يخبزه جاراتٌ من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ( ﷺ ) على رأسي، فلقيت رسول الله ( ﷺ ) ، ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثُمَّ قال: أخ أخ، ليحملني خلفه، فاستحيت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغيرَ الناس، فعرف رسول الله ( ﷺ ) إني قد استحيت فمضى رسول الله ( ﷺ ) ، فجئتُ الزبير فقلت: لقيني رسول الله ( ﷺ ) وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأ ركب فاستحيت منه عرفتُ غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشدُّ علي من ركوبك معه، قالت: حتَّى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم، تكفينني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني)) ((١)) .

стр. 395

" قصة أسماء وحملها النوى من أرض بعيدة عن بيتها لحاجة زوجها لهذا العمل، واطلاع النبي ( ﷺ ) على حالها وفعلها وسكوته، دليل واضح على جواز عمل المرأة خارج البيت إذا كان هناك ضرورة لعملها، ووجه الضرورة في عمل أسماء، أن زوجها الزبير كان في حال انشغال بالإسلام والجهاد في سبيله، وعجزه عن استئجار من يقوم له بما كانت تقوم به زوجته أسماء " ((١)) . ٢- وكذلك يجوز للمرأة أن تعمل خارج بيتها جهاداً في سبيل الله، فقد روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحه عن الرُّبِّيع بنت موذ قالت: ((كنا مع النبي (() نستقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة)) ((٢)) ، وكذلك كلّ الأعمال التي لا يمكن إلا أن تقوم بها المرأة كتوليد النساء. وأمثلة اختلاط المرأة للضرورة: ذكر النووي " وقال أصحابنا: ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها بين الخلوة في صلاة، أو غيرها، ويستثنى من هذا كله مواضيع الضرورة بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق، أو نحو ذلك فيباح له استصحابها بل ويلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها، وهذا لا خلاف فيه " ((٣)) . وذكر الدكتور عبد الكريم زيدان حالات لجواز الاختلاط للحاجة منها: الاختلاط لإجراء المعاملات المالية الاختلاط لحاجة مباشرة أعمال القضاء، فعلى رأي الأحناف يجوز للمرأة أن تتولى القضاء في غير الحدود، أو في جميع القضايا بما فيها الحدود عند الظاهرية والإمام الطبري. الاختلاط لغرض تحمل الشهادة ((٤)) .

стр. 396

الفصل السادس: عودة سيدنا موسى (﵇) إلى مصر المبحث الأول: بعثة سيدنا موسى (﵇ -) المطلب الأول: سيدنا موسى (﵇) يرى ناراً في جانب الطور ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (١) . المناسبة بينت الآيات التي سبقت هذه الآيات الاتفاق الذي حصل بين سيدنا موسى (﵇) ، وشعيب على الإجارة والنكاح، وحدد سيدنا شعيب المدة بثماني سنوات، فإن أتم العشرة فهو فضل من عند موسى ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ((٢)) ، فلما كان من المعلوم أن التقدير فلما التزم موسى (﵇) بما اتفقا عليه، زوجه ابنته كما شرط، واستمر عنده حتى قضى ما عليه بنى عليها ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾ ، أي: وفى وأتم موسى الإجارة، أي: الأوفى وهو العشر، فقد ورد أنه قضى من الأجلين أوفاهما، وتزوج من المرأتين صفارهما ((٣)) . والظاهر أنه مكث عنده بعد الإجارة أيضاً مدة لأنه عطف بالواو لقوله ﴿وَسَارَ﴾ ولم يجعله جواباً للما ((٤)) ، فنلاحظ الترابط الواضح بين هذه الآيات والتي قبلها، وكذلك نلاحظ الاختصار الشديد غير المخل بالعبارات، إذ أغنت كلمات عن جمل، فأغنت ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ عن كلمات كثيرة، أبهم بعضها القرآن كما هو الحال في كثير من المبهمات التي جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ، كاسم التي تزوجها موسى، واسم أخته، وأمه، وعن نوع المواشي التي سقاها موسى

стр. 397

لبنات شعيب، وكذلك أبهم الأجل الذي قضاه موسى أولاً لعدم أهمية المبهم في المعنى بشيء، وليبتعد القرآن عن السرد القصصي الممل الذي يقصه القصاصون، وكذلك ليحفز العقل البشري على التفكير في هذا المبهم بواسطة القرائن الواردة في النصّ القرآني، وليجعل النصّ متحركاً غير جامد، قابلاً للتطبيق في كلّ زمان ومكان. تحليل الألفاظ ١. ﴿آنَسَ﴾ : " آنس الشيء أحَسَّه وآنَسَ الشَّخص واستأنسه وأبْصَرَه ونَظَر إليه. وقال ابن الأعرابي: آنِسْتُ بفلان، أي: فَرِحْت به وآنَسْت فَزَعاً وآنَسْته إذا أحْسَسْتُه ووجدته في نفسك. وفي التنزيل: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ يعني: موسى أبصر ناراً، وهو الإيناس" ((١)) . وقال الزمخشري: " الإيناس: الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين، لأنه يتبين به الشيء، والإنس لظهورهم. وقيل: هو أبصار ما يؤنس به " ((٢)) . ٢. ﴿الطُّورِ﴾ : ذكر أبو السعود أن " الطور بالسريانية الجبل، والمراد به طور سينين، وهو جبل بمدين سمع فيه موسى كلام الله تعالى " ((٣)) . ٣. ﴿امْكُثُوا﴾ : " المُكْث الأناة واللَّبْثُ والانتظار، مَكَثَ يَمْكُث ومَكَث مَكْثاً ومُكْثاً مُكُوثاً ومَكُوثاُ ومَكَاثة. والمُكْث: الإقامة مع الانتظار، والتلبث في المكان " ((٤)) . ٤. ﴿جَذْوَةٍ﴾ : " الجَذْوَة والجِذْوَة والجُذْوة: القبة من النار. وقيل: هي الجمرة والجمع جِذاً وجُذاً. وحكى الفارسي جِذاء ممدودة. وقال أبو عبيدة: الجِذْوَة مثل الجِذْمة وهي القطعة الغليظة من الخشب ليس فيها لهب " ((٥)) . ٥. ﴿تَصْطَلُونَ﴾ :

стр. 398

صَلِيَ بالنار وصَلِيْها صَلْياً وصُلِياً وصِلِياً وصَلَى وصِلاءً واصْطَلَى بها وتَصَّلاها: قاس حرّها، والاصْطِلاء افتعال من صَلا النار والتسخين بها. واصْطَلى بالنار استدفأ ((١)) . القراءات القرآنية ١. ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ : قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر بفتح الياء: (إِنَّيَ) ((٢)) . ٢. ﴿جَذْوَةٍ﴾ : واختلفوا في ضم الجيم وكسرها وفتحها، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عامر، والكسائي: (جِذْوَة) بكسر الجيم. وقرأ حمزة، وخلف، والأعشى، وطلحة، وأبو حيوة، ويحيى: (جُذْوَة) . وقرأ عاصم: (جَذْوَة) ((٣)) . القضايا البلاغية ١ـ الترجي ((٤)) في قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ .

стр. 399

٢ ـ التقسيم ((١)) في قوله تعالى: ﴿بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ﴾ . المعنى العام ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾

стр. 400

أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله ( ﷺ ) سأل جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما. وأخرجه عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ( ﷺ ) : ((يا أبا ذر إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل: خيرهما وأوفاهما)) ((١)) . وأخرجه الحاكم في المستدرك مرفوعاً ((٢)) . وفي الدر المنثور، وعزاه إلى البيهقي عن ابن عباس ((٣)) . وأخرجه ابن عطية عن سعيد بن جبير قال: سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتَّى أقدم على حبر العرب ـ أعني ابن عباس ـ فقدمت عليه فسألته فقال: قضى أكملهما وأوفاهما، إن رسول الله إذا قال وفى، فعدت فأعلمت النصراني، فقال: صدق هذا. وروى عن ابن عباس أن النبي ( ﷺ ) سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قضى عشراً، أو عشراً وبعدها. وقال ابن عطية: هذا ضعيف ((٤)) . والمراد بالأهل هنا الزوجة ((٥)) . ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾

стр. 401

" أي أبصر من الجهة التي تلي الطور لا من بعضه كما هو المتبادر " ((١)) . فبعد أن ضلوا الطريق واشتد عليهم البرد، فبينما هو كذلك إذ رأى ناراً، وكان ذلك نوراً من الله تعالى قد التبس بشجرة. قال وهب: كانت عليقاً ((٢)) . وقال قتادة: عوسجاً (٣) . وقيل: زعروراً ((٤)) . وقيل: سمرة ((٥)) قاله ابن مسعود، وأنس. معناه أحس، والإحساس بالصبر، وكان هذا الأمر كله في جانب الطور وهو جبل في الشام ((٦)) . وقال بعض العارفين: " كان المبصر في صورة النار الحقيقية، أما حقيقته فوراء طور العقل، إلا أن موسى (﵇) ظنه النار المعروفة " ((٧)) . ﴿قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ بعد أن أظلم عليهم الليل في الصحراء، وضلوا طريقهم، فوجدوا برداً شديداً، فأبصر النار، فسار إليها يطلب من يدله على الطريق، وهو قوله: ﴿آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ دلالة على أنه ضل. وفي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ دلالة على البرد ((٨)) . ما يستفاد من النصّ

стр. 402

يمكن أن نستفيد من هذه الآية المعاني الآتية: ١.دلت الآيات على الوفاء بالعهد، وأنها من شيم المؤمنين وأخلاق الأنبياء، فقد وفى سيدنا موسى بما قبل على نفسه من شرط، ونفذ سيدنا شعيب ما جعله جزاء لهذا الشرط. ٢.وفي هذه الآية دليل على أن للرجل أن يذهب بأهله حيث يشاء مما يرضي الله لما له عليها من فضل القوّامية وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمراً، فالمؤمنين عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج ((١)) . ٣.ونستدل من قول سيدنا موسى ﴿امْكُثُوا﴾ على غيرته الشديدة على زوجته، وهو ما ينبغي أن يكون علية كل إنسان، فسيدنا موسى لما رأى النار لم يعرف مصدرها، فما أراد أن يأخذ أهله إليها لاحتمال وجود خطر، فأراد أن يجازف بنفسه ويعرف مصدرها ثم يرجع إليهم. ٤.يتبين من سياق الآيات أن مسيرهم كان ليلاً، لقوله تعالى: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾ ، فالنار في الليل تُرى من مسافة بعيدة، وهذا ما جعله يرى النار من مسافة بعيدة، ولأن السفر في الليل أستر للعائلة وأسهل في المنفعة.

стр. 403

المطلب الثاني: تكليم الله لسيدنا موسى (﵇ -) ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي﴾ ((١)) . المناسبة بعد أن بينت الآيات السابقات مرحلة مهمة من حياة سيدنا موسى (﵇) وهي تأهله وزواجه من ابنة شعيب لتكون له عوناً على تحمل مشاق الدعوة، وفي طريق عودته إلى مصر يرى ناراً، وتحرك ليعرف مصدر هذه النار، أو ليأتي بشيء منها ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ ((٢)) جاءت هذه الآيات لتبين مصدر النار ومصدر النداء قال ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ ، أي: النار، ولما كان آخر الكلام دالاً دلالة واضحة على أن المنادي هو الله بنى للمفعول قوله دالاً على ما في أول الأمر من الخفاء ﴿نُودِي﴾ (٣) . تحليل الألفاظ ١. ﴿تَهْتَزُّ﴾ :

стр. 404

الهزّ تحريك الشيء كما تَهْتَزّ القناة فتضطرب وتَهْتَز وهَزَّه يَهِزَّه هَزّاً وهَزَّ به وهَزَزَّه، والعرب تقول: هزّه وهزّ به إذا حركه ((١)) . ٢. ﴿جَانٌّ﴾ : " جَنَّ الشيء يَجِنَّه جَنّاً ستره، وكل شئ ستر عنك فقد جُنَّ عنك وجَنَّه الليل يَجِنَّه جَنَّاً وجُنُوناً وجَنَّ عليه يَجُنُّ بالضم. وسمي الجِنّ لاستتارهم واختفائهم عن الإبصار. والجَان أبو الجِنّ خُلق من نار، ثم خُلق من نسله. والجان: الجن، وهو اسم جمع ضرب من الحيات أكحل العينين يضرب إلى الصفرة، لا يؤذي، وهو كثير في بيوت الناس والجمع جِنَان. والجَانّ الشيطان أيضا ((٢)) . ٣. ﴿وَلَّى﴾ : يقول الراغب الأصفهاني: " التولي يكون بالجسم وقد يكون بترك الإصغاء والإئتمار يقال: ولاه دبره إذا انهزم. قال تعالى ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ﴾ (٣) . ٤. ﴿مُدْبِرًا﴾ : الدُّبر: نقيض القُبُل، ودُبُر كل شئ عَقِبُه ومُؤَخَّره وجمعها أَدْبَار ودُبُر كل شئ خلاف قبله في كل شئ ((٤)) . ٥. ﴿يُعَقِّبْ﴾ : العَقِبُ مؤخر الرجل. وقيل: عُقْب وجمعه أَعْقَاب وعَقبُ الشهر آخره، ورجع على عَقِبِه إذا انثنى راجعاً، وانقلب على عَقِبِه نحو رجع على حافرته، وعَقَبُه إذا تلاه عَقباً نحو دَبَره وقَفَاه. وقوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ((٥)) ، أي: لم يلتفت وراءه " ((٦)) . ٦. ﴿اسْلُكْ﴾ :

стр. 405

" السُّلوك مصدر سَلَك طريقاً وسَلَك المكان يَسْلُكه سَلْكاً وسُلُوكاً وسَلَكَه غيره، والسَّلْك بالفتح مصدر سَلَكَت الشيء في الشيء فانْسَلَكَ، أي: أدخلته فيه فدخل، وسَلَكَ يده في الجيب يَسْلُكها وأَسْلَكَها: أدخلها فيه " ((١)) . ٧. ﴿الرَّهْبِ﴾ : " بالكسر يَرْهَب رَهْبَة ورُهْباً بالضم ورَهَبَاً بالتحريك، أي: خاف ورَهَبَ الشيء رَهْباً ورَهْبَة خافه " ((٢)) . القراءات القرآنية ١. ﴿الْبُقْعَةِ﴾ : وقرأ مسلمة، والأشهب، والعقيلي بفتحها (البَقْعَة) . وقال أبو زيد: سمعت من العرب من يقول: هذه بَقْعَة طيبة ((٣)) . ٢. ﴿إِنِّي أَنَا﴾ : قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر بالفتح على الياء (إنيَ) ((٤)) . وقرأ الجمهور على الكسر على إضمار القول، أو على تضمين النداء معناه. وقريء بالفتح (إنيَّ) وفيه إشكال لأنه إن جعلت أن تفسيرية وجب كسر (إني) للاستئناف والمفسر للنداء بما كان، وإن جعلتها مخففة لزم تقدير (إني) بمصدر، والمصدر مفرد وضمير الشأن لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن يخرج عليه هذه القراءة أن تكون (أن) تفسيرية وإني معمولة لفعل مضمر تقديره: أن يا موسى أعلم إني أنا الله ((٥)) . ٣. ﴿رَآهَا﴾ : قرأ الأصبهاني، وورش بتسهيل الهمزة، وقرأ حمزة، والكسائي وابن ذكوان بإمالة الراء والهمزة، وهنالك قراءة لأبي عمرو بإمالة الهمزة فقط، وهناك قراءة للسوسي بإمالة الراء ((٦)) . ٤. ﴿وَلَّى﴾ :

стр. 406

قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة ((١)) . ٥. ﴿الرَّهْبِ﴾ : وقرأ بفتح الراء والهاء ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر: (الرَّهَب) . وقرأ حفص بفتح الراء وسكون الهاء، وباقي السبعة بضم الراء وإسكان الهاء: (الرَّهْب) . وقرأ قتادة، والحسن، وعيسى، والجحدري بضمها: (الرُّهُب) ((٢)) . ٦. ﴿فَذَانِكَ﴾ : قرأ " ابن كثير، وأبو عمرو: (فَذَانّك) بتشديد النون، وباقي السبعة بتخفيفها. وقرأ ابن مسعود، وعيسى، وأبو نوفل: (فذانِيكَ) وهي لغة هذيل. وقرأ ابن كثير: (فذانَيْك) على لغة من فتح نون التثنية وقرأ ابن مسعود بتشديد النون مكسورة: (فذانِّيكَ) ((٣)) . ٧. ﴿يَقْتُلُونِي﴾ : قرأ يعقوب: (يَقْتُلُونِي) وصلاً ووقفاً ((٤)) . القضايا البلاغية ١.التشبيه المرسل المجمل ((٥)) في قوله تعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حذف وجه الشبه فاصبح مجملاً.

стр. 407

٢. ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ ، فقد أورد الزمخشري ما في هذه الآية من فنون الإعجاز البلاغي " قلت: فيه معنيان: أحدهما أن موسى (﵇) لما قلب الله العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد، لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. والثاني أن يراه بضم جناحه إليه تجلده وضبط نفسه، وتشدده عند انقلاب العصا حية، حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خوف نشر جناحيه وأرخاهما، وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران، ومعنى ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ ، وقوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، فالغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. فإن قلت: قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً، وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ . وقوله: ﴿واضمم يدك إلى جناحك فالتوفيق؟ قلت: المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، والمضموم إليه اليد اليسرى، وكل واحد من يمنى اليد ويسراهما جناح " ((١)) . فيمكن أن نستنتج أن في هذه الآية تكرير حيث كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. وقال ابن عاشور: " وادعاء أن يكون التكرير لاختلاف الغرض من الأول والثاني كما في الكشاف بعيد " ((٢)) .

стр. 408

وفيها كناية، فضم الجناح كناية عن التجلد والضبط، وهو مأخوذ من فعل الطائر عند الأمن بعد الخوف، وهو في الأصل مستعار (استعارة تمثيلية) من فعل الطائر عند هذه الحالة، ثم كثر استعماله في التجلد وضبط النفس حتى صار مثلاً فيه وكناية عنه ((١)) . ٣.وهناك التفاته بلاغية أشار إليها الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ ، " فإن قلت: لم سميت الحجة برهاناً؟ قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء: برهرهة بتكرير العين واللام معاً، والدليل على زيادة النون قولهم: أبره الرجل إذا جاء بالبرهان " ((٢)) . المعنى العام ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ يعني: الشجرة حيث قدم ضميرها عليها ((٣)) . ﴿نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ﴾ . قال ابن عطية: " روي أنه كان يمشي إلى ذلك النور فكان يبعد منه تمشي به الشجرة وهي خضراء غضة حتى نودي، والشاطئ والشط ضفة الوادي. وقوله: ﴿الأَيْمَنِ﴾ يحتمل أن يكون من اليمن صفة للوادي أو للشاطئ. ويحتمل أن يكون المعادل لليسار، فذلك لا يوصف به الشاطئ إلا بإضافة إلى موسى في استقباله مهبط الوادي أو يعكس ذلك " ((٤)) .

стр. 409

﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ " وصفت البقعة بالمباركة لما خصت به من آيات الله، وأنواره وتكليمه لسيدنا موسى (﵇) ، أو لما حوت من الأرزاق والثمار الطيبة " ((١)) . والذي ببدو لي أنها وصفت بالمباركة بسبب ما جرى عندها من تكليم الله لسيدنا موسى، وامتلاءها بالأنوار الإلهية. وقيل: الشجرة العناب، أو هي شجرة العليق، أو سمرة، أو العوسج ((٢)) ، ولا يوجد ثمة دليل قطعي يبين نوع الشجرة لا من كتاب ولا من سنه صحيحة، ولا يتوقف على معرفة نوع الشجرة في المعنى شئ من الأشياء. وقد اختلف العلماء قديماً في مسالة كلام الله هل هو مخلوق أم لا؟ فأدى ذلك إلى نشوء عدة فرق، وكان سبباً لتسمية علم العقائد، أو علم التوحيد بعلم الكلام، لأن أهم مسألة وقع الخلاف فيها هي كلام الله، كما اختلفوا في تفسير آيات الصفات، فنشأت مدرستين مدرسة الإثبات، وتسمى في المشهور مدرسة السلف. " ومذهب السلف فإنهم يثبتون جميع الصفات التي وصف الله جل وعلا نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهو ليس كمثله شئ " ((٣)) .

стр. 410

ومدرسة التأويل المنضبط الأصولي التي ظهرت نتيجة لاستجابة علماء الإسلام للتحديات العقيدية والفكرية التي واجهتهم، فهؤلاء التزموا في تفسيراتهم بالقران والسنة، وقواعد اللغة، وقواطع العقل السليم ((١)) . ولكن ظهرت بعض الفرق التي لم تلتزم بمنهج مدرسة التأويل المنضبط منها المؤولة من الفلاسفة وفرق الباطنية، فظهرت آراء غريبة من غير ضابط من النص من القران أو السنة الصحيحة، أو اللغة ولا قواطع الأدلة، في تفاسير غريبة يتقاطع بعضها مع الَقُرْآن الكَرِيم والسنة النبوية لأنها نتاج عقول بشرية، وفي الحديث: ((من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ)) ((٢)) . آراء العلماء في مسالة كلام الله أولاً ـ ذكر البزدوي ﵀ أن أهل السنة والجماعة قالوا: إن الله تعالى متكلم بالكلام وهو قديم بكلامه كما هو قديم بجميع صفاته وكلامه غير مخلوق ولا مختلف ولا حادث ولا محدث ((٣)) ثانياً ـ قالت المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والروافض، والمجبرة أن كلام الله تعالى محدث ((٤)) ، وحقيقة الكلام عند المعتزلة أنه حروف منظومة وأصوات مقطعة شاهداً وغياباً، والكلام ليس جنساً أو نوعاً ذا حقيقة عقلية كسائر المعاني، بل هو مجرد اصطلاح لا يكون إلا باللسان، فمن قدر عليه فهو المتكلم، ومن لم يقدر فهو الأعجم الأبكم ((٥)) .

стр. 411

ثالثاً ـ الكرامية " إن كلام الله تعالى حادث، فإن القادر على الكلام لا يكون متكلماً، والقدرة على الكلام يكون كلاماً كالقدرة على الحركة ليست بحركة " ((١)) . رابعاً ـ وذهب الإمام الجويني إلى القول أنه " ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس، وهو الفكر الذي لا يبدو في الخلد، وتدل عليه العبارات تارة، وما يصطلح عليه من الإشارات ونحوها " ((٢)) . خامساً ـ قال هشام بن الحكم " إن لله تعالى كلاماً، ولا أقول إنه مخلوق أو غير مخلوق وروي عن أبي عبد الله البلخي، وعبد الله بن المبارك أنهما قالا بذلك، وهو مذهب أهل الحديث، وقالوا لا حاجة إلى القول إنه مخلوق أو غير مخلوق " ((٣)) . أما كيف كلم الله موسى (﵇) ؟ فقد نقل الرازي آراء العلماء في ذلك: الأول ـ قول المعتزلة إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم. احتجوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ الشَّجَرَةِ﴾ ، فهذا صريح في أن موسى (﵇) سمع النداء من الشجرة، والمتكلم بذلك النداء هو الله ، متنزه أن يكون في جسم، فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم ((٤)) . وقد أجاب القائلون بقدم الكلام فقالوا: لنا مذهبان: الأول قول أبو منصور الماتريدي وأئمته ما وراء النهر، هو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع، إنما المسموع هو الصوت والحرف، وذلك كان مخلوقاً في الشجرة منها، وعلى هذا التقدير زال السؤال ((٥)) .

стр. 412

الثاني: قول أبي الحسن الأشعري، وهو أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً، كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية، فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة، وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا منافاة بين الأمرين. واحتج أهل السنة بان محل قوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله. والمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله، وهذا هو أصل المسألة. أجاب أهل السنة: بأن الذراع المسموم قال: لا تأكل مني فإني مسموم ((١)) ، ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال: لا تأكل مني فإني مسموم، وهذا باطل، وإن كان المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت: إني أنا الله، وكل ذلك باطل ((٢)) . ونقل القرطبي كلاماً لأهل العلم في كيفية تكليم الله لسيدنا موسى (﵇) : قال المهدوي: " وكلم الله موسى (﵇) من فوق عرشه وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء، أو لا يجوز أن يوصف بالانتقال والزوال وشبه ذلك من صفات المخلوقين.

стр. 413

وقال أبو المعالي: وأهل المعاني وأهل الحق يقولون: من كلّمه الله تعالى وخصّه بالرتبة العليا والغاية القصوى، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات، كما أن من خصّه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته، ورزقه رؤيته، يرى الله منزهاً عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث، ولا مثيل له سبحانه في ذاته وصفاته. وقال الأستاذ أبو إسحاق: واتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى (﵇) معنى من المعاني أدرك به كلامه، وكان اختصاصه في سماعه وانه قادر على مثله في جميع خلقه. وقال عبد الله بن سعد بن كلاب: " أن موسى (﵇) فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام " ((١)) . ونقل الآلوسي ﵀ عن الشيخ الأشعري، والإمام الغزالي أنه " سمع كلامه تعالى النفسي القديم بلا صوت ولا حرف، وهذا كما ترى ذاته بلا كيف ولا كم. وذكر بعض العارفين أنه إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت، وكان ذلك بعد ظهوره بما شاء من المظاهر التي تقتضيها الحكمة، وهو سبحانه مع ظهوره تعالى كذلك باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق " ((٢)) . قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي﴾ . هل هو نداء الوحي أم نداء الكلام؟ نقل الرازي اختلاف أهل العلم في ذلك " قال الحسن أن موسى (﵇) نودي نداء الوحي لا نداء الكلام، والدليل عليه قول تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ((٣)) .

стр. 414

وقال الجمهور: " إن الله تعالى كلّمه من غير واسطة بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ((١)) ، وسائر الآيات، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف، لأن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ((٢)) لم يكن بالوحي، لأنه لو كان ذلك أيضا بالوحي لانتهى أخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي والإلزام المتسلسل، بل المراد من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي " ((٣)) . ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ قال ابن عطية: " أمره الله تعالى بإلقاء العصا فألقاها، فانقلبت حية عظيمة ولها اضطراب الجان ـ وهو صغير الحيات ـ فجمعت هول الثعبان، ونشاط الجان. وهذا قول بعضهم. قالت فرقة: بل الجان يعمّ الكبير والصغير، وإنما شبه بالجان جملة العصا لاضطرابها فقط، وولى موسى (﵇) فزعاً منها ولم يعقب معناه: لم يرجع على عقبه من توليه فقال الله تعالى: يا موسى اقبل، فأقبل وقد آمن بتأمين الله إياه " ((٤)) . فانقلاب العصا حية أحد المعجزات التي أيد الله بها نبيه موسى (﵇) . وذكر الرازي عدة روايات في تبيان العصا سنذكر أهمها:

стр. 415

قالوا: إن شعيباً كانت عنده عصى الأنبياء ﵈ فقال لموسى بالليل: إذا دخلت البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم (﵇) من الجنة، ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقفت إلى شعيب (﵇) ، فقال: أرني العصا، فلمسها وكان مكفوفاً فضن بها فقال: خذ غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات، فعلم أن له معها شأناً. وقال بعضهم: تلك العصا هي عصا آدم (﵇) ، وأن جبريل (﵇) أخذ تلك العصا بعد موت آدم (﵇) ، فكانت معه حتى لقى بها موسى (﵇) ربه ليلاً ((١)) . وقال الحسن: ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً، أي: أخذها من عرض الشجر، يقال: اعتراض، أي: لم يتخير. وعن الكلبي الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج، ومنها كانت عصاه ((٢)) . والذي أراه أنه لا يمكن ترجيح إحدى هذه الراويات على الأخرى، لأنه لم يرد نص صحيح صريح في بيان ذلك، إلا ما ورد في سورة طه قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ((٣)) ، فقد نقل الرازي عدة روايات في معنى سؤال الله عن العصا التي مع سيدنا موسى منها " إنه تعالى لما عرف موسى كمال الألوهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية، فسأله عن منافع العصا، فذكره بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها منافع أعظم مما ذكر " ((٤))

стр. 416

يرى الباحث أن سؤال الله سيدنا موسى (﵇) عنها فيه دلالة على أن هذه العصا لم تكن عصا عادية، وأن الله قد أودع فيها مكنونات أسراره. وقد كانت المعجزة في العصا من عدة وجوه: أولا ـ تحولها إلى حية تسعى قال تعالى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ((١)) . وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ ((٢)) . وقول تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ ((٣)) . ثانياً ـ في تلقفها لحيات السحرة. قال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ ((٤)) . وقال تعالى: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ ((٥)) . ثالثاً ـ ضرب بها البحر فشق طريقاً له ولقومه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ ((٦)) . رابعاً ـ استخدم العصا في ضرب الحجر. قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ ((٧)) . ونقل الرازي عن الشيخ أبي القاسم الأنصاري ﵀ " وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة " ((٨)) . والمعجزة الثانية بياض اليد من غير سوء:

стр. 417

قال تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وقد جاء هذا الأمر في القرآن الكريم بثلاث عبارات: أولها ـ في سورة طه: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (١) . ثانيهما ـ في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ((٢)) . ثالثهما ـ الذي في سورة القصص، والذي نحن بصدد تفسيره: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ . " قال قتادة: في جيب قميصك، كانت له مدرعة من صوف لا كمين لها. وقال ابن عباس، ومجاهد: كان كمها إلى بعض يده. وقال السدي: في جيبك، أي: تحت إبطك " ((٣)) . ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص. ونقل الطبري رواية عن الحسن قال: " خرجت كأنها المصباح فأيقن موسى أنه لقى ربه " ((٤)) . قال سيد قطب: " أطاع موسى الأمر وأدخل يده في فتحة ثوبه عند صدره، ثم أخرجها، فإذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة إنها إشارة إلى إشراق الحق، ووضوح الآية، ونصاعة الدليل، وأدركت موسى طبيعة، فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارقه المتتابعة، ومرة أخرى تدركه الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة، ذلك أن يضم يده في على قلبه فتخفض من دقاته وتطامن من خفقاته" (٥) . ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾

стр. 418

" والمعنى إذا هالك أمر يدك وشعاعها، فأدخلها في جيبك وأرددها إليك تعد كما كانت. وقيل: أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه خوف الحية. قال ابن عباس: ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى (﵇) ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب. وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ أن كاتباً كان يكتب بين يديه فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر: خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرغ روعك، فإني ما سمعتها من أحد اكثر مما سمعتها من نفسي. وقيل: المعنى اضمم يدك إلى صدرك ليذهب الله ما في صدرك من الخوف " ((١)) . ما يستفاد من النصّ دلت الآيات السابقات على جملة من المعاني التي يمكن تلخيصها بما يأتي: دلت الآيات على أن سيدنا موسى (﵇) تلقى نداءً من الله بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وهذه الآية من الآيات المتشابهات التي اختلف العلماء في المراد منها مما فتحت الباب واسعاً للعلماء لجملة من التساؤلات التي أثارتها الآية، هل الكلام قديم أم حادث؟ وكيفية تكليم الله لسيدنا موسى (﵇) مما بينا آنفاً؟ دلت الآية كذلك على تأييد الله لرسله وأنبياءه بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأن الله كذلك يعين الدعاة بالوسائل والأسباب التي تساعدهم على تنفيذ مهمتهم. كذلك دلت على صفات فرعون وجنوده وهي (الفسق) ، والتي كانت سبب من أسباب إرسال سيدنا موسى (﵇) إلى فرعون.

стр. 419

ودلت الآية على أنه لا بأس للداعية أن يحذر ما يعتقد أنه يمنعه من تنفيذ مهمته ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي﴾ . والمعنى أخاف أن يذكروا قتلي القبطي فيقتلوني، فأراد ان يكون في أمن إلهي من أعدائه، فهذا تعريض بالدعاء ومقدمة لطلب تأييده لهارون أخيه ((١)) . المطلب الثالث: تأييد الله لسيدنا موسى (﵇) بنبوة أخيه هارون (﵇ -) ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ ((٢)) . المناسبة لما أمر الله جل وعلا سيدنا موسى (﵇) في الآيات السابقات بالتوجه إلى فرعون وملأه ودعوتهم إلى عبادة الله وحده وزوده بالمعجزات المناسبة لزمن فرعون وما اشتهروا به من السحر، وذلك بقلب العصا حية، وخروج اليد بيضاء من غير سوء، عرض سيدنا موسى بالدعاء من الله بأن يحميه من أعدائه، ويكون بمأمن منهم، ومقدمة لطلب تأييده بهارون أخيه ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي﴾ ((٣)) ، ولما تسبب عن ذلك طلب الإعانة بشخص فيه كفاية وله عليه شفقة، وكان أخوه هارون أحق الناس بهذا الوصف، كان التقدير فأرسل معي أخي هارون، الخ.

стр. 420

غير أنه قدم ذكره اهتماماً بشأنه فقال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ ، أي: إنه يخاف أن يفوت مقصود الرسالة، إما بقتله، أو لعدم بيانه، فاكتفى بالتلويح في الكفاية من الأول لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها، وصرح بما يكفي من الثانية، فكان التقدير: إني أخاف أن يقتلوني فيفوت المقصود ولا يحمني من ذلك إلا أنت، وأن لساني فيه عقده وأخي هارون ... الخ. وزاده في تعظيمه بضمير الفصل فقال: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ ، فنلاحظ هنا وجه أخر من وجوه الإعجاز في الآيات القرآنية هو التناسق والتناسب، فكل حرف وضع بعناية ليؤدي غرضاً بعينة بحيث لو وضعنا غيره لما أعطى المعنى المراد. وشاهدنا ترابط الآيات فيما بينها، وترابط الحروف مع بعضها. تحليل الألفاظ ١. ﴿أَفْصَحُ﴾ : الفصاحة: البيان فَصَحَ الرجل فَصَاحَةً فهو فَصِيْح من قوم فُصَحَاء وفِصاح وفُصَح وامرأة فَصِيحة من نسوة فِصاح وفَصَائِح. وتقول: رجل فَصِيح، وكلام فَصِيح، أي: بليغ، ولسان فَصِيح، أي: طلق ((١)) . ٢. ﴿رِدْءاً﴾ : رِدْأ رَدْأ الشي بالشيء، جعله له رِدْءاً. وأَرَدَأَهُ: أعانه وترادأ القوم: تعاونوا، وأرْدَأتُه بنفسي إذا كنت له رِدْءاً، وهو العون، وفلان رِدْءٌ لفلان، أي: ينصره ويشد ظهره ((٢)) . ٣. ﴿عَضُدَكَ﴾ :

стр. 421

العُضُدُ والعَضِدُ والعَضُدُ من الإنسان وغيره الساعد، وهو ما بين المرفق إلى الكتف، والكلام الأكثر العَضُدُ والعَضُدُ: القوة، لأن الإنسان إنما يَقْوي بعَضُدِهِ فسميت القوة به. وقال الزجاج في معنى قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ ، أي: سنعينك بأخيك. وكل معين فهو عَضُد ((١)) . القراءات القرآنية ١. ﴿رِدْءاً﴾ : هذه قراءة الجمهور. وقرأ نافع، والمدنيان بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى الدال (رِدًاً) والمشهور عن أبى جعفر بالنقل ولا همز ولا تنوين، ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف ((٢)) . ٢. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ : قرأ عاصم، وحمزة بضم القاف فاحتمل الصفة لـ (ردأ) ، والحال احتمل الاستئناف. وقرأ الكسائي، وابن عامر، وأبو عمرو، وابن كثير، ونافع، وأبو جعفر، وخلف، ويعقوب بالإسكان: (يُصَدِّقْنِي) . وقرأ أبي، وزيد بن علي: (يُصَدِّقُوْنِي) والضمير لفرعون وقومه. وقال ابن خالويه: هذا شاهد لمن جزم لأنه لو كان رفعاً لقال: يصدقونني ((٣)) . ٣. ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ : قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: (إنِّيَّ) ((٤)) . ٤. ﴿يُكَذِّبُونِي﴾ : قرأ يعقوب وصلاً (يكذبوني) ((٥)) . ٥. ﴿عَضُدَكَ﴾ :

стр. 422

قرأ الحسن، وعيسى بالفتح: (عَضَدَكَ) . وقرأ زيد بن علي، وقرأ الحسن أيضاً بالضم (عُضُدَك) . وعن الحسن أيضاً بضم العين وإسكان الضاد (عُضْدُكَ) . وعن بعضهم بفتح العين وكسر الضاد وإسكانها (عَضِدُك، عَضْدُك) ((١) . القضايا البلاغية ١.الإسناد المجازي في قوله تعالى: ﴿رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ قال الزمخشري: " ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفار كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة، فذلك جار مجرى التصديق المفيد كما يصدق القول بالبرهان، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي﴾ ، وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك، لا لقوله صدقت، فإن سَحْبَان وبَاقِلاّ يستويان فيه، أو يصل جناح كلامه بالبيان حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه، فأسند التصديق إلى هارون، لأنه السبب فيه إسناداً مجازياً، ومعنى الإسناد المجازي: أن التصديق حقيقة في المصدق، فإسناده إليه حقيقية، وليس في السبب تصديق، ولكن استعير له الإسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه الفاعل بالمباشرة، والدليل على ذلك قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ " ((٢)) . ٢.الاستعارة التمثيلية في قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ " شبّه حال موسى (﵇) في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بعضد شديد، ويجوز أن يكون هناك مجاز مرسل من باب إطلاق السبب على المسبب بمرتبتين بأن يكون الأصل سنقويك به، ثم نؤيدك، ثم سنشد عضدك به " ((٣)) . المعنى العام

стр. 423

﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ قال: رب إني قتلت من قوم فرعون نفساً فأخاف إن أتيتهم ولم أُبِنْ عن نفسي بحجة أن يقتلوني، لأن ما في لساني من عقدة يحول بيني وبين ما أريد من الكلام، وأخي هارون هو أَفْصَحُ مني لساناً واحسن بياناً فأرسله معي عوناً يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجنب الشبهات ويجادل هؤلاء الجاحدين المعاندين، وإني أخاف أن يكذبوني ولساني لا يطاوعني حين المحاجة، فأجابه : سنقويك ونعينك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً عظيماً وغلبة على عدوكما، فلا يصلون إليكما بوسيلة من وسائل الغلبة ((١)) . هل كان سيدنا هارون نبياً: لقد وردت آيات كثيرة في القران الكريم تؤكد على نبوة هارون (﵇) منها: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ ((٢)) . قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ((٣)) ، فإرشاده لهم باتباعه يدل على أنه نبي.

стр. 424

قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ ، فهذه الدعوة من سيدنا موسى بأن يرسل إلى أخيه هارون كما أرسله فاستجاب الله لدعائه وأعطاه ما أراد بقوله: ﴿قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ((١)) . قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ((٢)) ، ففي هذه الآية دلالة واضحة على إرسال سيدنا هارون (﵇) . قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ ((٣)) . ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ((٤)) . قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ ((٥)) . فقد نقل الرازي أقوال العلماء فيها: " قال مقاتل: المعنى كي يصدقني فرعون، والمعنى أرسل معي أخي هارون حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان، فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون. قال السدي: إن نبيين وآيتين أقوى من نبي واحد وآية واحدة.

стр. 425

وقال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين ونبي ونبيين لأن المبعوث إليه إن نظر في أيهما كان علم وإن لم ينظر فالحالة واحدة، هذا إذا كانت طريقة الدلالة في المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلفت وأمكن في أحدهما إزالة الشبه، ما لا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يختلفا، ويصلح عند ذلك أن يقال: إنها بمجموعها أقوى من إحداهما على ما قاله السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون ﵉ لأن معجزتهما كانت واحدة لا متغايرة) ((١)) . والذي أراه: إنه بعد استعراضنا الآيات القرآنية تبين لنا بما لا يقبل الشك أن سيدنا هارون (﵇) قد كان رسولاً إلى فرعون وملائه وبني إسرائيل، ومن ذلك يتبين لنا حجم المهمة التي اضطلع بها سيدنا موسى وأخيه، فقد أرسله الله إلى ملك متجبر طاغية ضرب به المثل في الظلم والتكبر حتى أداه تكبره إلى ادعاء الربوبية. قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلاَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ((٢)) . فإن رسالتها رسالة واحدة، قال تعالى في سورة طه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ ((٣)) . وفي الشعراء: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ((٤)) . وقال في سورة طه: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ ((٥)) ، ففي هذه الآيات وآيات آخر دلالة على أن مهمتهما كانت مهمة واحدة. ما يستفاد من النصّ نستطيع أن نستنبط المعاني الآتية مما مرّ من الآيات القرآنية.
следующие страницы →